← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 14841–14880 · переход к 14846.

стр. 14841

وفي تحقيق ذلك توحيد للسان الأمة الواحدة بلغة كتابها وسنة نبيها ﷺ , وتقريب عقلي ووجداني بين شعوبها، فضلا عن تيسير تفقهها في دينها، وتوسيع دائرة المعارف في مجالات علومه المتعددة. ٢٤- أن يكون التضامن الإسلامي ووحدة المسلمين ضمن ما يركز عليه في مناهج الثقافة الإسلامية في مختلف مراحل التعليم. ٢٥- العناية في دراسة التاريخ والجغرافيا للأقطار الإسلامية باعتبارها أمة واحدة تترابط وتتفاعل أجزاؤها وتتكامل ثرواتها وطاقاتها ويتحد مصيرها. ٢٦- العناية - خاصة في مراحل الطفولة والشباب - بالتربية الإسلامية المبنية على الإيمان وإخلاص العبادة لله ، وربطها بمبادئ الأخوة والمودة والتعاون والأخلاق والآداب الإسلامية الفردية والاجتماعية المستمدة من الكتاب والسنة وهدي السلف الصالح, وأن تتعاون في ذلك جميع المؤسسات المعنية بالتربية من: الأسرة، والمدرسة، والمسجد، والجامعة، ومراكز الدعوة والثقافة، والمؤسسات الشبابية والإعلامية. ويؤكد المؤتمر أهمية العناية برعاية الشباب وتنشئتهم تنشئة إسلامية خالصة: عقيدة وخلقا وسلوكا.. وبناء حياتهم على الاستقامة والجد والحزم والقوة والصبر، وحب الطاعة والبر، وكراهية المعصية والشر، والبعد عن مظاهر الترف ومجالات اللهو واللعب وإضاعة الوقت فيما لا يعود عليهم بنفع يدعو إليه دينهم. ٢٧- دعوة مراكز البحث العلمي ودور النشر إلى تشجيع تأليف الكتب وإعداد البحوث والدراسات لبيان حقيقة الإسلام وشرائعه والدعوة إليه ولا يجب أن تكون عليه الأمة الإسلامية من تضامن ووحدة، ونشرها على أوسع نطاق باللغات المختلفة، وتيسير الحصول عليها.

стр. 14842

٢٨- يؤيد المؤتمر ما جاء في توصيات لجنة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة في المؤتمر الطبي السعودي الثامن من ضرورة العناية بأبحاث الإعجاز العلمي التي تقوم على تحقيق الأدلة الشرعية والكونية لأهميته في مجال الدعوة في هذا العصر.. ويوصي أن يتم ذلك بالتنسيق بين الجامعات المتخصصة في الشريعة الإسلامية والعلوم الكونية. خامسا: المال، والاقتصاد: ٢٩- يؤكد المؤتمر أهمية الاستفادة من الزكاة أحد أركان الإسلام الخمسة في تحقيق التضامن والتراحم والتنمية في المجتمعات الإسلامية, ويوصي الحكومات في الأقطار الإسلامية بالعمل على تشجيع وتنظيم جمع الزكاة وإنشاء مؤسسات خاصة بها وإنفاقها في مصارفها الشَرعية، والعناية برعاية فقراء المسلمين وسد حاجاتهم وبخاصة اليتامى منهم، وذلك على مستوى التكافل بين جميع الأقطار والأقليات الإسلامية. ٣٠- يؤكد المؤتمر ضرورة التعاون الاقتصادي بين الأقطار الإسلامية على أساس إسلامي، ويوصى بإقامة المؤسسات الإسلامية المشتركة التي تنمي ثروة المسلمين وتعزز قوتهم وتحقق التكامل بين أقطارهم في هذا المجال الحيوي. ويوصي المؤتمر منظمة المؤتمر الإسلامي أن تعمل على تحقيق ذلك من خلال مؤسساتها، وبالتوسع في دعم المشروعات في الأقطار الإسلامية، وفي تقديم المساعدات المالية للمحتاجين إليها، خاصة في مجال توفير الخدمات التعليمية والصحية وغيرها، مع العناية بمناطق الأقليات الإسلامية. ٣١- أن تكون الأولوية للأقطار الإسلامية في العمالة والتبادل التجاري والصناعي، والمشروعات الاستثمارية وغيرها مما ينمي ثروة الأمة الإسَلامية ويدعم قوتها.

стр. 14843

٣٢- يؤكد المؤتمر وجوب أن يكونَ إيداع أموال المسلمين في مصارف إسلامية، تلتزم في معاملاتها المالية بأحكام الشريعة الإسلامية.. ويدعو إلى التوسع في إنشاء هذه المصارف غير الربوية لتشمل سائر الأقطار الإسلامية، وإلىَ تعزيزها بالأموال لمساعدتها على بناء اقتصاد إسلامي، يقضي على الاقتصاد الربوي القائم ويحل محله. ويؤكد أيضا على تجنب إيداع أموال المسلمين في المصارف غير الإسلامية إذ أن هذا الإيداع - فضلا عن أنه محرم شرعا- فإن استثمار هذه الأموال في تلك المصارف قوة لأعداء المسلمين. ٣٣- يوصي المؤتمر بالحد من استيراد الكماليات، ومنع استيراد وسائل الترف مطلقا، وخاصة من البلاد الأجنبية التي تتخذ من بلاد المسلمين سوقا لبيع بضاعتها واستنزاف أموال المسلمين وثرواتهم. سادسا: الأقليات الإسلامية: ٣٤- يوصي المؤتمر بالعناية برعاية الأقليات الإسلامية ومساعدتهم في تفقيههم في دينهم وتوفير احتياجاتهم الضرورية وحل مشكلاتهم، والحصول على حقوقهم العادلة مثل غيرهم من المواطنين دون تفرقة، ومن ذلك حقهم في التحاكم إلى شريعتهم الإسلامية في شئونهم الخاصة وأدائهم لشعائرهم الدينية دون مضايقة: حماية لهم ولعقيدتهم وحياتهم الإسلامية وتعزيزا لولائهم لدينهم والعمل به وانتمائهم إلى أمتهم الإسلامية الواحدة. سابعا: توصيات عامة: ٣٥- دعوة الحكومات في جميع الأقطار الإسلامية إلى الاتفاق على (ميثاق إسلامي) مستمد من الكتاب والسنة، يجمع كلمتها ويوحد سياستها ويعزز قوتها، ويجعل ولاءها لدينها، وفيما بينها، وانتصارها بربها، لا بالتحالف مع أعدائها، وأن تكون العلاقات الدولية خاضعة للسياسة الشرعية الإسلامية.

стр. 14844

٣٦- أن تتبنى منظمة المؤتمر الإسلامي إنشاء هيئة للتعاون الإسلامي تعنى بدراسة سبل التعاون والتكامل بين الأقطار الإسلامية في جميع مجالات الحياة: الصناعية، والتجارية، والاستثمارية، والدفاعية، والأمنية، والزراعية، والاجتماعية، والصحية وغيرها، والعمل على تحقيق ذلك. ٣٧ يتابع أعضاء المؤتمر ما يقع لبعض البلاد الإسلامية من محاولات التنصير المدعوم بالقوى المادية و (الاستعمارية) ، ويرى ضرورة العمل من جانب الحكومات والمسلمين على التصدي لهذه المحاولات بإعداد المسلم إعدادا يمكنه من الثبات على دينه والتأثير في غيره لا التأثر به، والعمل كذلك على إقامة المؤسسات وتوفير الخدمات التي تعينه على السير في مجال التعليم، والتمتع بالرعاية الصحية والاجتماعية. ٣٨- يوصي المؤتمر الدول والهيئات الإسلامية وجميع المسلمين بالعناية بالذين يدخلون في الإسلام لحاجتهم الماسة إلى معاونتهم على زيادة معرفتهم بدينهم الحنيف وإلى الرعاية الأخوية والاجتماعية ومساعدتهم على التكيف مع حياتهم الإسلامية تكيفا يزيدهم إيمانا بدينهم وألفة ومودة بين إخوانهم المسلمين. ٣٩- إن المؤتمر إذ يقدر الأهمية البالغة للعناية الكاملة بأطفال المسلمين جيل المستقبل للأمة الإسلامية (خاصة فاقدي العائل منهم) ليوصي الحكومات والجمعيات والمؤسسات وذوي القدرة من المسلمين بتوفير رعايتهم الرعاية الشاملة ووضع البرامج وإنشاء المؤسسات التعليمية في مراحلها المختلفة والايوائية وغيرها التي تحقق ذلك.. وعلى الدعاة أن يعنوا بهذا الجانب الإسلامي الإنساني الاجتماعي في دعوتهم لتنشيط الجهود في هذا المجال.

стр. 14845

٤٠- محافظة على البيت المسلم والمجتمع المسلم ومبادئه وقيمه الإسلامية وسلوكه الإسلامي ودرءا للمفاسد المتوقعة يحذر المؤتمر من استخدام غير المسلمين وبخاصة في المنازل، والقيام بتربية الأطفال ورعاية شئونهم: التزاما بواجب الوقاية لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَة﴾ (التحريم: من الآية ٦) , ومسئولية الرعاية لقول النبي ﷺ : "كلكم راع ومسئول عن رعيته". ٤١- يؤيد المؤتمر (قيام الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية) بالكويت التي تهدف إلى حماية المسلمين من الهجمات التنصيرية والإلحادية عن طريق العمل الخيري والاجتماعي والثقافي والتنموي، ويدعو المسلمين كافة إلى مساندتها بالدعم المادي والأدبي، امتثالا لقول الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (المائدة: من الآية ٢) . والمؤتمر إذ يختتم أعماله ويقدم توصياته يسجل خالص شكره وتقديره لجلالة الملك المعظم فهد بن عبد العزيز المعظم وولى عهده الأمير عبد الله بن عبد العزيز وحكومته الرشيدة وشعبه الكريم لاستضافة هذا المؤتمر الإسلامي العالمي، وما لقيه أعضاؤه في المملكة العربية السعودية والجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة من أخوة وحفاوة وتكريم.. ويتوجه إلى الله بالدعاء أن يوفق جميع ولاة أمور المسلمين لما فيه عزة الإسلام وإعلاء كلمته وخير المسلمين. والحمد لله رب العالمين.. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والمهتدين بهديه الداعين بدعوته إلى يوم الدين.

стр. 14846

رسالة إلى رئيس التحرير الدكتور أحمد عطية الغامدي المحترم ... بعد التحية والتقدير: إن الأدب الإسلامي مما شرفه الله بأن يكون ثوباً يلبس ... وحلية يتحلى بها ... وبالقرآن والشريعة الغراء كانت اللغة أدبا ومفردات باقية إلى يوم الدين لأن القرآن والشريعة باقية ... ومن هنا كان لدولتنا- رفع الله منارها وأعز شعارها- شرف إعزاز الدين ونشره امتداداً للسلف الصالح ... من الخلفاء الراشدين إلى هذا اليوم الذي أحيت فيه الدولة للعلم قيمته ونشرت إلى الملأ عَلَمَه وعلى الدنيا نوره بعد أن كان باهتا في كثير من العالم ... وخاملاً في جل أقطار الدنيا. وما هذه الجامعة التي يدرس فيها عشرات الجنسيات من أسود وأبيض وأحمر وأصفر إلا لغة ناطقة بالحق وداعية إليه في بلادها حيث نهَلت من العلم الصحيح والدين السليم الخالي من كل بدعة ونحلة ضالة مضلة ... ومن كل أفكار وآراء مُخِلّة ... من هنا أجد أن شباب جامعتنا - الجامعة الإسلامية- انتقلت من طور التعليم والتربية الإسلامية إلى طور الدعوة بهذه الموسوعات التي أجدها نهراً كالنسيم ... يسيل منهمراً وينتثر درّاً. وإن في العدد الخاص "٦١ "من المجلة لعام ١٤٠٤ هـ من الدعوة إلى الله وعن الواقع المعاصر, ما منحنا فيه الدكتور عبد الله صالح العبيد من الأفكار عن الدعوة ومن الشرف باحتضان المؤتمر العالمي الثاني لتوجيهها وأهميتها ودافعها وأسباب وظواهر الصحوة الإسلامية والحاجة لمراجعة هذا الواقع ومتطلباتها وما نحن فيه بين الواقع والمستقبل مختتما حديثه وبحثه بالأمل والرجاء في أن يلتقي العاملون في مجال الدعوة في رحاب الجامعة الإسلامية للاتفاق إلى الهدف والغاية المثلى.

стр. 14847

ولقد كان للشيخ أبي بكر الجزائري هو الأخر تُحَب (بضم التاء وفتح الحاء) أحاديثه لأن له إلماماً عميقاً بالتوحيد وفهماً صحيحاً للعقيدة تبدو لي من خلال أحاديثه فجراً في كثير من الأيام وحديثه عن "آية العدد" شرحاً واستنتاجاً وتعليقاً وتفسيراً ما يجعل من بحثه كنزاً دقيقاً سال على الصفحات التسع... وما بحث عميدنا الدكتور عبد العزيز بن عبد الله الحميدي - الجماعة في ضوء الكتاب والسنة- بأقلِ فائدة ولا بأضأل أهمية, إنه حديث جم المنابع وفيه من الآداب والتربية ما يعطي القارئ المسلم نوراً وهدى ... وإنّ ما فيه من الأدلة الواضحة والشواهد الجليلة والاستنباطات الدقيقة ما يجعله يغني عن كتب ... وإفاضته عن المساجد وأثرها في تمتين الروابط وتقوية الأواصر ما يهب المسلم قوة معنوية تجعله يقبل على الصلوات الخمس جماعة التي هي ألزم ما يكون بين المسلمين. ولقد ثنى الدكتور محمد ضياء الرحمن الأعظمي بحديثه المتسلسل- ٢- على ذلك حول صلاة الجماعة سائحاً في فقه السنة جامعاً ومفسراً ذلك في ستة عشر صفحة تعتبر موسوعة في مجالها وهذه من مزايا الشريعة والتشريع الإسلامي الذي أبدع فيه الشيخ محمد بن ناصر السحيباني في حديث أنيق وبحث متأمل يحسن أن يكون "كتاب المجلة". ولقد كان الدكتور صالح سعد السحيمي موفقا في مقاله عن- منهج السلف في العقيدة وأثره في وحدة المسلمين- إن العقيدة هي السياج الذي يحميهم ويلمّ شعثهم ويزيل العنصريات ويجعل من الجميع قوة واحدة متلاحمة والواقع أن ما تناوله حول الصفات وأسماء الله وما قاله العلماء يعطي القاريء فكرة عن وعي شيخنا وعن اطلاعه الواسع ولاسيما نقده لأولئك الضُلاّل الخارجين على الدين بأفكار شاطحة وآراء نادَّه ... وإن الصوفيين هم أيضا من الشذوذ في درجة استحقوا بها ما استشهد به من شعر في من قال من زعماء الطرق: إ ن قلت كن يكن بلا تسويف قد خصّني بالفضل والتشريف

стр. 14848

وما أجمل أبياتا نقلها في بحثه منها: وح وحق النصيحة أن تستمع ألا قل لهم قول عبد نص بأن الغنا سنة تتبع متى علم الناس في ديننا ويرقص في الجمع حتى يقع وأن يأكل المرء أكل الحمار لقد رأيت حادثتين في حياتي ... فقد حضرت منذ ثلاثين سنة تقريبا في حفل زاره أحد رؤساء الوزارات في مصر لميلاد الرسول الذي سنوه لأنفسهم وما سنه أحد من المسلمين ورأيت امرأة ترقص حتى تعبت وسقطت من الإعياء ... وحملوها إلى المستشفي والناس يكبرون ويحترمون شأنها ... والثانية كنت في دمشق منذ أكثر من عشرين عاماً ودعاني أحد الإخوان لزيارة- خلوة- في هذه المدينة لجمعية إسلامية تدّعي أنها من السنة وزعيمها ورائدها ... عندما صلينا العصر سألت لماذا لم تصلّ؟ قال: لقد رُفِعَت عني التكاليف ... ثم قال: وقد كان في مبدأ أمره فاسقاً يستعمل كل المحرّمات ثم تاب وأناب وصار يصلي طوال الأربع وعشرين ساعة فهتف به هاتف كما يقول!! وقال له: "غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فلا تصم ولا تصل" ... من هنا أنفذ إلى كلمة-الدكتور السحيمي- التي ملأت حيزا واسعا من المجلة, إنها لتنفذ إلى القلوب والأفكار لسدادها وصوابها وجودة بحثها وعمق معانيها. وما أثر العقيدة الإسلامية ... في تضامن ووحدة الأمة الإسلامية للأستاذ الدكتور أحمد سعد الغامدي- إلا جزء متممٌ لحديث دكتورنا السحيمي إلا أنه فصّل حديثه وقسّمه أقساما أربعة وجزأ الأحاديث لاثني عشر موضوعاً وجعل له خاتمة ثم فصل وشرح هذه المواضيع شرحاً كافياً وشافياً ... ونتتابع الأحاديث والبحوث فيسعدنا الدكتور علي عبد اللطيف ببحثه القيم عن العبادات في الإسلام وأثرها في تضامن المسلمين مسهباً إسهابا غير مملول عن الصلاة والصيام والزكاة وما لذلك من أثر وتأثير في جمع المسلمين وتضامنهم وتوادهم وتعاضدهم وتعاونهم ...

стр. 14849

وبعد أن يملأ أذهاننا وأفكارنا شيخنا عبد العزيز بن عبد الله بن باز بفائدة التضامن الإسلامي يهدي إلينا الدكتور جمعه على الخولي بحديث شائق عن الإسلام الذي يسد منافذ الفرقة والاختلاف ويصون عوامل الوحدة والائتلاف... ومن ينسى لا ينسى حديث شيخنا العلامة- عطية محمد سالم- عن مرتكزات التضامن والوحدة ... كما أن أحاديثه المتوالية فجراً من - نداء الإسلام - جزء من فيض علمه, وعسى أن يكون لحديثه الممتع وإفاضته الجليلة وأفكاره الصالحة ولوج إلى أفكار شبابنا الذين هم في حاجة إلى مثل هذه البحوث التي يدبجها هؤلاء الأعلام ... وما حديث الدكتور محمد السيد الطنطاوي عن كيفية إقامة النبي ﷺ أول دولة إسلامية على التضامن والوحدة وما سرده من الأحاديث والتعليقات عليها ينمّ عن سعة علم وفقه - وإنّ الفتح العمري للقدس- من المكانة في قلوب المسلمين والعالم أجمع لدليل قاطع على ما لهذا الدين من أمثلة وأنه دين البشرية. إن المرء وهو يقرأ هذا الحديث الشائق ويسيح في هذا الميدان الرحب ليذكر لعلمائنا الأماثل وأساتذتنا الأجلاء شرف العلم ونباهة التعلم وإحاطة العارف. وليس الدكتور محمد الجيوشي في حديثه الثاني عن الإسلام والمسلمين في إنجلترا ماضياً وحاضراً ومستقبلاً امتداداً لحديثه السابق في العدد "٦٠ "، وأنّه بهذا يعطينا عمقاً في بحثه وسلامة في تنقيبه وسدادا في مجهوده, وبودّي لو بحث عن مسجد - ليدى ستانلى هوب- وأين هو الآن؟.. وهل من الممكن - وقد كان لدولتنا وجامعتنا الفتية مجهودها - أن تسعى وتَجدَّ في السعي لكي يكون هذا المسجد من مساجد المسلمين المُصَلىَّ فيها وخوفاً من أن يكون متجراً أو كنيسة ... أفلا تتولى الجامعة ذلك شراء وامتلاكا يضم إلى ما عملته من خير عميم وتربية إسلامية صادقة ... إننا لننتظر في العدد القادم بحثا عنه ... ولاسيما ودعاة الجامعة يوجدون في إنجلترا.

стр. 14850

وشكراً للدكتور القادري على مسلسل أحاديثه في المشارق والمغارب الذي أبدع فيه ممثلا رحلة أوائلنا التجارية والداعية معاً ... ورحلته هذه أطول من رحلته السابقة في العدد "٦٠" ... ومن الرسائل- الرسالة الحادية عشرة ... وإذا كانت هذه الرسالة مما لم يحملها البريد فقد حملتها المجلة هدية لقرائها ... أشرقت بإيضاح المعاني للآيات الكريمة تذكيراً ووعظاً وإرشادا ... ولم تكن رسالة إنشاء وصياغة كلام ولكنها من مشكاة القرآن والسنة أخذها من عشرات المراجع. وإذا كان للبحوث جدواها ... وللمقالات تأثيرها فإن للشعر صوتاً يغرد به- محمد بن عبد الله زربان الغامدي: يفيض على القلب طيب النسم أيا بلبل الروض أين النغم ولم يبق من بعد إلا الرخم فأين صقور الحمى هاجرت تحيط بها حالكات الظلم أيا قادة العلم في أمة وما كان من زلة القدم ألا فاذكروا اليوم تفريطكم ولكن. من الحق ثم انتشى وانتقم إذا باطل قام في غفلة فعاد لأدراجه وانهزم أفاق له الحق في عزة إنه لشاعر ... لو يستمر يدلي بدلوه في بئره ... وسقى به سليم فكره ... لأعطانا من شعره ... ومن غالي دره ما هو ممتد إلى شعر حسان وكعب وغيرهما من سيوف المسلمين وأدباء المؤمنين. ولست بناس قصيدة محرم والحديث عن شعره الإسلامي الذي حُدّثنا عنه في الجزء "٦٠"بما يحلو ويغلو. وأجدني أقف شاكراً للدكتور إبراهيم زيد الكيلاني- عن الرأي العام في: المجتمع الإسلامي وبحثه الممتع وهو خلاصة خالصة لِكُتُب وليس لكتابٍ واحدِ.

стр. 14851

وعن دور الإعلام في التضامن الإسلامي يتحفنا الدكتور إبراهيم إمام بحديث مفيد وإفاضة عالم جدير بالتقدير عن الإعلام الإسلامي الذي يجدر بجامعتنا أن تعتز به بأن لديها دعاة هم الأعلام والعلماء معاً في مشارق الأرض ومغاربها ... وبما أن كليات الإعلام في جامعاتنا وهي الآن أقسام فعليه أن يتلقوا هذا الحديث برغبة وقبول ليكون مادة من مواد علمهم ... وتستمر المجلة في أبوابها الجميلة وفصولها الممتعة وبحوثها الهادفة تم تفيدنا بالفتاوى الشرعية فينبري لها شيخنا المفضال سماحة الشيخ الرئيس عبد العزيز بن باز- في حكم الصلاة على النبي ﷺ والإشارة إليها بالحروف وحكم ذلك إلى غير ذلك من الفتاوى مما هو موضع التساؤل كالسفر إلى بلاد الكفار ... وأقوال الصحف كما هو واجب فإن الاختيار فيها والمختار من أحسنها جدير بالنقل فقد فاضت في كلمات جلالة الملك الفهد عن الإسلام وتبرعه لكل مفيد يبنى الأفكار وعن نخوته نحو فلسطين وكل بلد إسلامي وموقفه العظيم في لبناَن وإجاباته الجليلة وهو في رحاب الجامعة وعن جائزة الملك فيصل العالمية التي لها دربها ومجالها- فرحم الله الملك فيصل- وبارك في أبنائه الذين كوّنوا هذه الجائزة ونَموَّها ودفعوا بها العلماء إلى الإنتاج والإخصاب الفكري والديني والأدبي, والمرء وهو يقرأ المجلة يصل إلى قرارات وتوصيات مؤتمر وزراء خارجية الدول الإسلامية الصائبة والتنويه والتحذير من كل ما يعمله الكيان الصهيوني والتحذير من القاديانية الكافرة التي هي إحدى أفكار الإنجليز واليهود في إفساد المسلمين ومن أجمل ما يكون نداء الملك فهد إلى الإخوة المتقاتلين في لبنان.

стр. 14852

أما أخبار الجامعة فممتعة وفي التعيين عمادها... وتهنئة للشيخ صالح العبد الله المحيسن في نيابة الرئيس داعياً له بالتوفيق كما نزف التهنئة للدكتور محمد حمود الوائلي في وصوله إلى خدمة الجامعة حيث صار أمينا عاماً ... جعله الله موفقاً مسدداً. وحيا الله ضيوف الجامعة ووفودها ... وتبركات المحب الودود لكل من حمل رسالة ونجح في "ماجستير أو دكتوراه "وبارك الله في نشاط الموسم الثقافي بالجامعة الذي اعتبره من أجمل ما تعمله الجامعة. هذا ولقد كان للمجلة في نفسي مكان ... ولها عند من يحظى بها تقدير وإكبار. وهي موسوعة مصغرة لعلوم الشريعة والأدب ومنطلق للبحث والتنقيب, وأوَدُّ أن يكون فيها بحوث لغوية وتصويبات في المستعمل في المجلات، الصحف وتقويم للألسن يُخْتَار من كتب اللغة والفقه اللغوي من قواميسنا المفيدة أمثال القاموس وشرح القاموس وأن لا يكون لقواميس النصّارى كالمنجد وما ماثله مكان في البحث فإنها لا تعنى باللغة إلا للتضليل وتمكين الدخيل والكلمات الأعجمية وتحريف معاني الإسلام تحريفا مخلاً يزرع فئ شبابنا الخطأ الذي لا يمحوه ماح ... لهذا أرجو أن تولوا ذلك عناية فائقة وتكليفا ممن هو أهل لذلك لتحظى مجلتنا بذلك ولتكون سفراً متكاملا ... كما أود أن ترسل هذه المجلة للثانويات من المملكة ولمكتبات الطلبة في سائر المدارس المتوسطة فإنها سفر جليل وكنز دفين... هذا وقد أسهبت وخضت خوضا أجدني فيه لست فارساً ولا ممارسا ولكني أرغب إشعاركم بأن لها مكانا في قلبي ومكانا في مكتبتي ... ولم أشأ بهذا الكتاب إلا الإعلام بأنها عندي ولي شيء مهم. تحياتي للمحررين والكاتبين [١] . عثمان الصالح- الرياض -------------------------------------------------------------------------------- [١] شكر وتقدير:

стр. 14853

وأسرة تحرير المجلة إذ تشكر لسعادة الأستاذ عثمان الناصر الصالح مشاعره الطيبة نحو مجلة الجامعة لتتمنى له مزيداً من التوفيق والسداد. ونرجو أن تكون مجلة الجامعة عند حسن ظن جميع القراء ...

стр. 14854

القول الفصل في العمل بالحديث المرسل للشيخ مظفّر رزق الموصل ـ العراق. ١- توطئة: الحمد لله الذي أنزل أحسن الحديث، وأودع درر بيانه في محكم الحديث، فكرّم هذه الأمة - زادها الله شرفا - بالاعتناء بتدوين ما جاء به رسول الله ﷺ حفظاً له على تكرر العصور والآباد. ونصب جهابذة من الحفاظ والنقاد، وجعلهم دائبين في إيضاح ذلك في جميع الأزمان والبلاد، باذلين وسعهم مستفرغين جهدهم في ذلك جماعات وآحادا. والصلاة والسلام على من أوتي جوامع الكلم، وخُصّ ببدائع الحكم، سيدنا محمد المصطفى بتعميم دعوته ورسالته، المفضل على الأولين والآخرين من بريته، المشرّف على العالمين قاطبة بشمول شفاعته، المخصوص بتأييد ملّته وسماحة شريعته، المكرم بتوفيق أمته للمبالغة في إيضاح منهاجه وطريقته. أما بعد ... فإن الله فضل هذه الأمة بشرف الإسناد، وخصها باتصاله دون من سلف من العباد، وأقام لذلك في كل عصر من الأئمة الأَفراد، والجهابذة النقاد، من بذل جهده في ضبطه وأحسن الاجتهاد، فظفر بنيل المراد وذلك من معجزات نبينا ﷺ التي أخبر بوقوعها فقال ﷺ : "تسمعون ويسمع منكم ويسمع ممن يسمع منكم". (رواه أبو داود بإسناده في سننه) . فباتصال الإسناد عرف الصحيح من السقيم، وصان الله هذه الشريعة عن قول كل أفّاك أثيم، فلذا كانَ الإرسال في الحديث علة يترك بها، ويتوقف عن الاحتجاج به بسببها, لما في إبهام المروى عنه من الغرر، والاحتجاج المبني على الخطر، وقد اختلف العلماء قديماً وحديثاً فيه وكثرت أقوالهم، وتباينت آراؤهم، وتعارضت أفعالهم.

стр. 14855

فعمدت في عملي هذا إلى إيضاح ما هو إلى الصواب أقوم المسالك، جامعاً فيه بين طريقة أهل الحديث وأئمة الأصول، والفقهاء الذين في الرجوع إليهم أنفس حصول، ذاكراً من المنقول ما أمكن الوصول إليه، ومن المباحث النظرية ما يعول عند التحقيق عليه، مميزاً في ذلك الغث من السمين، مبيِّناً ما هو الضعيف من المتين. ٢ - المقدمة: يعرف علم الحديث الخاص بالرواية بأنه: علمٌ يعرف به أقوال رسول الله ﷺ وأفعاله وأحواله، وروايتها وضبطها وتحرير ألفاظها. وعلم الحديث الخاص بالدراية: علم يعرف منه حقيقة الرواية، وشروطها وأنواعها وأحكامها، وحال الرواة وشروطهم، وأصناف المرويات وما يتعلق بها [١] . والمتن: هو ألفاظ الحديث التي تتقن بها المعاني، والسند: هو الطريق الموصلة إلى المتن (أي أسماء رواته مرتبة) . أما الإسناد: فهو حكاية طريق المتن. إن متن الحديث نفسه لا يدخل في البحث عند أرباب الحديث إلا نادراً، بل يكتب صفته من القوة والضعف، بحسب أوصاف الرواة من العدالة والضبط والحفظ وخلافها، أو بحسب الإسناد من الاتصال والانقطاع والإرسال والاضطراب ونحوها. وأول من صنف في الاصطلاح القاضي أبو محمد الرامهرمزي بكتابه (المحدث الفاصل) وتلاه الحاكم أَبو عبد الله النيسابوري، لكنه لم يهذب ولم يرتب، وتلاه أبو نعيم الأصفهاني، ثم جاء بعدهم الخطيب البغدادي فوضع قوانين الرواية في كتابه (الكفاية) إلى أن جاء الحافظ الإمام ابن الصلاح فوضع كتابه الشهير، فهذب فنونه وجمع به علوم سابقيه فكان من أئمة هذا الشأن. لا تخرج أنواع الحديث عن ثلاثة: حسن صحيح، وحسن، وضعيف؛ لأنه إن اشتمل من أوصاف القبول على أعلاها فالصحيح، أو على أدناها فالحسن، أو لم يشتمل على شيء منها الضعيف.

стр. 14856

وقد صنف العلماء كالحاكم وابن الصلاح والنووي، الحديث المرسل ضمن الأحاديث الضعيفة لما فيه من انقطاع في السند، واختلفوا فيه بين قبول ورد وتفصيل. وقد عرف المرسل بأنه: ما سقط منه الصحابي، كقول نافع قال رسول الله ﷺ كذا، وهو المشهور عند المحدثين. وقد يطلق المرسل على الحديث الذي قد سقط راو من رواته فيدخل فيه المعضل والمنقطع، وهو رأي الفقهاء والأصوليين، ومما يشهد للتعميم قول ابن القطان: "إن الإرسال رواية الرجل عمن لم يسمع منه". والمرسل على مراتب: - أعلاها: ما أرسله صحابي ثبت سماعه. - ثم صحابي له رؤية فقط ولم يثبت سماعه. - ثم المخضرم. - ثم المتقن كسعيد بن المسيب. - ويليها من كان يتحرى في شيوخه، كالشعبي ومجاهد. - ودونها مراسيل من كان يأخذ عن كل أحد كالحسن. - أما مراسيل صغار التابعين كقتادة، والزهري، وحميد الطويل، فإن غالب رواية هؤلاء عن التابعين. قال أبو داود في رسالته: "وأما المراسيل فقد كان أكثر العلماء يحتجون بها فيما مضى مثل سفيان الثوري، ومالك، والأوزاعي. حتى جاء الشافعي- ﵀ فتكلم في ذلك وتابعه عليه أحمد وغيره". وقد وضعت قواعد معينة من قبل الفقهاء والأصوليين لتمييز المرسل المقبول والمردود لحفظ شطر السنة من الإهمال وإثراء الأحكام الشرعية بما تحويه هذه الأحاديث من أحكام ورقائق. يتلخص في الاحتجاج بالمرسل عدة أقوال: ١- حجة مطلقا. ٢- لا يحتج به مطلقاً. ٣- يحتج به إن أرسله أهل القرون الثلاثة. ٤- يحتج به إنْ لم يرو إلا عن عدل. ٥- يحتج به إن أرسله صحابي. صنف في المراسيل أبو داود، ثم أبو حاتم، ثم البرديجي، ثم الخطيب البغدادي، ثم النووي، ثم الحافظ العراقي. ومن المتأخرين الحافظ أبو سعيد العلائي، والعجمي، وابن الهادي. (٣) الإرسال بين اللغة والاصطلاح:

стр. 14857

المرسل وجمعه مراسيل بإثبات الياء وحذفها أيضاً، وأصله من (رسل) التي تحمل عدة معاني حسب إشتقاقاتها اللغوية. ا- تقول: (أرسل) : (أطلق وأهمل) [٢] فكأن المرسل أطلق الإسناد ولم يقيده براو معروف [٣] ، أو أهمل ذكر راوٍ من رواة الإسناد. ٢- (استرسل) : الطمأنينة إلى الإنسان والثقة فيما يحدثه [٤] . وكأنَّ التابعي الذي قد ذكر الحديث اطمأن ووثق بصحة ما يرويه عن النبي ﷺ ووثق بمن أخذ الحديث عنه، فلم يذكره. قال القرافي في (شرح التنقيح) : "إنه ما سكت عنه (الراوي) إلا وقد جزم بعدالته، فسكوته كإخباره بعدالته" [٥] . ٣- أرسل الحديث: لم يقيده [٦] وكأن الراوي لم يقيد روايته باتصال الإسناد فأسقط ذكر الصحابي الذي تحمله عن رسول الله ﷺ . ٤- مرسال: يقال: ناقة مرسال أي سريعة السير [٧] ؛ فكأن المرسل أسرع فيه عَجِلاً فحذف بعض إسناده. ٥- أرسالاً: جاء القوم أرسالا أي قطعاً متفرقين [٨] , قال ابن سيده: الرَّسَل بفتح الراء والسين: القطيع من كل شئ والجمع أرسال، وجاءوا رسلة أي جماعة، فكأنه تصور من هذا اللفظ الاقتطاع، فقيل للحديث الذي قطع إسناده وبقي غير متصل: مرسل، أي كل طائفة منهم لم تلق الأخرى ولا لحقتها [٩] . هذا ما يتعلق بهذا اللفظ من حيث اللغة، وأما من ناحية الاصطلاح فلتعريف الحديث المرسل ومعرفة حده ينبغي علينا التمييز بينه وبين المنقطع والمعضل. أما المنقطع فقد ذهب الفقهاء والخطيب وابن عبد البر وغيرهم من المحدثين أن المنقطع ما لم يتصل إسناده على أي وجه كان انقطاعه، وأكثر ما يستعمل في رواية منْ دون التابعي عن الصحابي. وقيل: هو ما اختل منه رجل قبل التابعي محذوفاً كان أو مبهماً [١٠] . والمعضل- وهو بفتح الضاد- يقولون: (أعضله معضل) وهو ما سقط من إسناده اثنان فأكثر [١١] .

стр. 14858

لقد عَرَّف الحاكم الحديث المرسل فقال: "إنّ مشايخ الحديث لم يختلفوا في أنَّ الحديث المرسل: هو الذي يرويه المحدث بأسانيد متصلة إلى التابعي، فيقول التابعي: "قال رسول الله ﷺ [١٢] . وهكذا عبر ابن الصلاح تبعاً للحاكم. يقتضي كلام الحاكم أن إرسال صغار التابعين ومتأخريهم يلحق بالمرسل، وإن كان ما يروون عمن أدركوه من الصحابة يسيراً، وجل رواياتهم إنما هي عن التابعين. إنّ خلاصة أقوال المحدثين في الحديث المرسل بأنه: ما رواه التابعي عن رسول الله ﷺ باتفاق على التابعي الكبير, واختلافهم في التابعي الصغير هل هو مرسل أو منقطع. وقد وافق المحدثين جماعة من الأئمة كابن فورك، أبي نصر بن الصباغ، أبى المظفر بن السمعاني، وكذلك القرافي. أما مشايخ أهل الكوفة فيقول الحاكم عنهم: "بأن كل من أرسل الحديث من التابعين وأتباع التابعين ومن بعدهم من العلماء فإنه عندهم مرسل محتج به" [١٣] . وهذا قول معظم الحنفية إلا من أطلق الإرسال على قول الراوي من الأعصار الثلاثة الأولى: قال النبي ﷺ . وقال الحافظ أبو بكر الخطيب في كتابه "الكفاية": "لا خلاف بين أهل العلم أن إرسال الحديث الذي ليس بمدلس، هو راوية الراوي عمن لم يعاصره أو لم يلقه، نحو رواية سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن وعروة بن الزبير ومحمد بن المنكدر والحسن البصري ومحمد بن سيرين وقتادة وغيرهم من التابعين عن رسول الله ﷺ ، بمثابته في غير التابعين نحو رواية ابن جريج عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ورواية مالك بن أنس عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، ورواية حماد بن أبي سليمان عن علقمة, وكذلك رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه كرواية سفيان الثوري، وشعبة عن الزهري، وكان نحو ذلك ما لم نذكره، فالحكم في الجميع عندنا واحد [١٤] .

стр. 14859

والمشهور في الفقه والأصول أن (المرسل قول الإمام) لما من أئمة النقل وهو من له أهلية الجرح والتعديل (الثقة قال: ﵊ كَذا مقول القول (مع حذف من السند وتقييده) أي القائل أو الإمام القائل (بالتابعي أو الكبير منهم) أي كعبد الله بن عدي وقيس بن أبى حازم (إصطلاح) من المحدثين فدخل في التعريف (المنقطع) بالاصطلاح المشهور للمحدثين (والمعضل) المشهور عندهم [١٥] . وهو كقول الخطيب وبه قال الشيخ موفق الدين الحنبلي في الروضة [١٦] والآمدي في الأحكام [١٧] والغزالي في المستصفى [١٨] . من استقراء ما ذكرناه يبدو بأن اصطلاح المرسل لما ذكر من حيث اللغة ممكناً، وعلى هذا هو والمنقطع سيان لغة واصطلاحاً، ويبدو بأن المنقطع أكثر عموماً- وبه قال ابن عبد البر- عن المرسل إذ أن الأول يتحدد بكل ما لم يتصل سنده سواء كان يعزى إلى النبي ﷺ أو إلى غيره، أمّا الثاني فهو ما أرسله التابعي عن النبي ﷺ . والمحدثون كما ذكرنا سابقاً يفصلون بين المرسل والمنقطع ويجعلون بينهم اختلافاً واضحاً. وقد جعل الحنفية وإمام الحرمين المعضل والمرسل سواء، وعند الجمهور يعتبر المعضل أخص، وعندنا المعضل والمرسل متباينان. (٤) مذاهب العلماء في قبول الحديث المرسل والعمل به أو رده: وقد اختلف العلماء في قبول الحديث المرسل بين القبول مطلقاً والرد مطلقاً أو التفصيل فيه. ويرجع الخلاف في هذه المسألة إلى القواعد المتبناة من أئمة الأصول والفقهاء في أصول الرواية. أولها: قبول رواية المجهول العدالة والاحتجاج به. وثانيها: هل أن مجرد رواية العدل عن غيره تعديل له أم لا؟. وثالثها: قول الراوي: حدثني منِ لا أتهم أو نحو ذلك هل يحتج به إذا لم يسمعه أم لا؟. ورابعها: هل يقبل التعديل مطلقاً أم لابد من ذكر سببه، وهل يشترط عدد معين في التعديل؟.

стр. 14860

إن استقراء هذه القواعد ومناقشتها لتبيين ما هو الحق منها، فتخرج في قبول المرسل أورده إطلاقاً أو التفصيل في ذلك. أ- المذهب الأول: قبول المرسل: ممن قال بقبول الحديث المرسل والعمل به: مالك بن أنس، وأبو حنيفة، وجمهور أصحابهما, وأكثر المعتزلة كأبي هاشم، وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه وابن القيم وابن كثير وغيرهم، ولهم في قبوله أقوال: أولها: قبول كل مرسل سواء بعد عهده وتأخر زمنه عن عصر التابعين حتى مرسل العصور المتأخرة، وهذا توسع غير مقبول، ومردود بالإجماع في كل عصر، ولو عمل به لزالت فائدة الإسناد وبطلت خصِّيصة هذه الأمة. ثانيها: قبول مراسيل التابعين وأتباعهم مطلقاً، قال ابن الحنبلي في "قفو الأثر: "والمختار في التفصيل قبول مرسل الصحابي إجماعاً، ومرسل أهل القرن الثاني والثالث عندنا (الحنفية) وعند مالك مطلقاً [١٩] . ومن الحجج لهذا القول: أن احتمال الضعف في التابعين لاسيما بالكذب بعيد جداً، فإنه ﷺ أثنى على عصر التابعين، ثم للقرنين الذين يلونه، فإرسال التابعي وبقية القرون الثلاثة بالجزم من غير وثوق بمن قاله، مناف لها. واوسع من هذا قول عمر- ﵁ "المسلمون عدول، بعضهم على بعض، إلا مجلودا في حد، أو مجرباً عليه شهادة زور، أو ظنياً في ولاء أو قرابة". إلا إن كان المرسل معروفاً بالإرسال عن غير الثقات، فإنه لا يقبل مرسله. وأما بعد العصر الثالث، فإن كان المرسل من أئمة النقل قبل مرسله [٢٠] , وهو قول عيسى بن إبان، أبو بكر الرازي والبز دوى وأكثر المتأخرين من الحنفية، وقال القاضي عبد الوهاب المالكي: "هذا هو الظاهرمن المذهب عندي" [٢١] . وثالثها: قبول إرسال التابعين على اختلاف طبقاتهم، وهو قول مالك وجمهور أصحابه، وأحمد بن حنبل, وكل من يقبل المرسل من أهل الحديث.

стр. 14861

ورابعها: قبول مراسيل كبار التابعين دون صغارهم لقلة روايتهم عن الصحابة كما حكاه ابن عبد البر في التمهيد. واختلف القائلون بقبول المرسل في طبقته هل هو أعلى من المسند، أو دونه، أو مثله؟. والقائلون بأنه أرجح وأعلى من المسند، وجّهوه بأن من أسند فقد أحالك على إسناده، والنظر في أحوال رواته والبحث عنهم، ومن أرسل مع علمه ودينه وإمامته وثقته فقد قطع لك بصحته وكفاك النظر فيه. قال القرافي في شرح التنقيح: "إن المرسل أقوى من المسند بهذا الطريق؛ لأن المرِسل- بكسر السن- قد تذمم الراوي وأخذه في ذمته عند الله تعالى، وذلك يقتضي وثوقاً بعدالته، وأما إذا أسند فقد فوّض أمره للسامع، ينظر فيه، ولم يتذممه، فهذه الحالة أضعف من الإرسال" [٢٢] . وساوى بين المرسل والمسند في وجوب الحجة والقبول محمد بن جرير الطبري، وأبو فرج المالكي، وأبو بكر الأبهري، وعندهم متى تعارض مدلول حديث مرسل وآخر مسند فلا ترجيح إلا بأمر آخر خارجي. وقد قدم أكثر محققي المالكية والحنفية كأبي جعفر الطحاوي، وأبي بكر الرازي بتقديم المسند على المرسل عند التعارض، وأن المرسل دون المسند بالرغم من قبوله والعمل به. - ب - المذهب الثاني: رد المرسل: قال الإمام مسلم- ﵀ في مقدمة صحيحه: "والمرسل من الروايات في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة" [٢٣] . وهو قول عبد الرحمن بن مهدي ويحي بن سعيد القطان وابن المديني وأبي خيثمة زهير بن حرب ويحي بن معين وابن أبى شيبة والبخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وغيرهم من أئمة الحديث [٢٤] .

стр. 14862

قال ابن أبى حاتم: "سمعت أبي وأبا زرعة يقولان: لا يحتج بالمراسيل ولا لقوم الحجة إلا بالأسانيد الصحاح المتصلة" [٢٥] . وهو قول جمهور الشافعية واختيار إسماعيل القاضي وابن عبد البر وغيرهما من المالكية والقاضي أبي بكر الباقلاني وجماعة كثيرون من أئمة الأصول. والحجة في رد المرسل هو أنا إذا قبلنا خبر من لا نعلم حاله في الصدق والعدالة ممن حاله على خلاف ذلك، فنقول على الدين والشرع ما لم نتحقق من صحته، قال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ , وقال : ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ . وروى الحاكم في كتابه (علوم الحديث) عن يزيد بن هارون قال: "قلت لحماد بن زيد: يا أبا إسماعيل هل ذكر الله أصحاب الحديث في القرآن؟ "قال: "نعم، ألم تسمع إلى قوله : ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ , فهذا فيمن رحل في طلب العلم ثم رجع به إلى من وراءه ليعلمهم إياه"، وقال الحاكم: "في هذه الآية دليل على أن العلم المحتج به هو المسموع دون المرسل" [٢٦] . ومن الأدلة على رد المرسل ما رواه أبو داود في سننه في حديث عن ابن عباس- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "تسمعون ويسمع منكم ويسمع ممن يسمع منكم". وما رواه الشافعي- ﵀ قال: قال عبد الله بن مسعود ﵁ قال رسول الله ﷺ : "نضّر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها ثم أداها إلى من لم يسمعها". والحديثان دلا على أن شأن الرواية اتصال الإسناد، فمتى جوزنا للفرع قبول الحديث من شيخه من غير وقوف على اتصال السند الذي تلقاه شيخه أدى ذلك إلى اختلال السند لجواز أن يكون هذا الساقط غير مقبول الرواية، فلا يجوز الاحتجاج بخبره.

стр. 14863

قال الإمام ابن عبد البر: "الحجة في رد الإرسال ما أجمع عليه العلماء من الحاجة إلى عدالة المخبر عنه، وأنه لابد من معرفة ذلك، فإذَا حكى التابعي عمن لم يلقه لم يكن بد من معرفة الواسطة، إذ قد صح أن التابعين أو كثيرا منهم رووا عن الضعيف" [٢٧] . وقال الحافظ أبو بكر الخطيب: "إرسال الحديث يؤدي إلى الجهل بعين راويه ويستحيل العلم بعدالته مع الجهل بعينه" [٢٨] . هذا وقد وجد بعد الصحابة من القرنين، من وُجدت فيه الصفات المذمومة، لكن بقلة، بخلاف من بعد القرون الثلاثة، إذ كثر آنذاك وانتشر، وقد روى الشافعي- ﵀ عن عمه: حدثنا هشام بن عروة عن أبيه، قال: "إِني لأسمع الحديث أستحسنه، فما يمنعني من ذكره إلا كراهية أي يسمعه سامع فيقتدي به، وذلك أني أسمعه من الرجل لا أثق به وقد حدث به عمن أثق به، أو أسمعه من الرجل أثق به، قد حدث عمن لا أثق به". وهذا كما قال ابن عبد البر: "يدل على أن ذلك الزمان, أي زمان الصحابة والتابعين كان يحدث فيه الثقة وغيره". ج - المذهب الثالث: التفصيل في المرسل: للاحتجاج بالحديث المرسل عمد الفقهاء والأصوليون إلى اعتماد معيار لنقد الحديث المرسل وتمحيصه للتأكد من صلاحيته في استنباط الأحكام الشرعية.

стр. 14864

قال الإمام الشافعي- ﵀: "وأحتجُّ بمرسل كبار التابعين، إذا أسند سن جهة أخرى، أو أرسله من أخذ من غير رجال الأول، أو وافق قول الصحابي، أو أفتى أكثر العلماء بمقتضاه" [٢٩] . أما أئمة الجرح والتعديل كيحي بن سعيد القطان وعلى بن المديني وغيرهما فوضعا قاعدة للتفصيل في قبول وردّ الحديث المرسل وذلك في التفريق بين من كان لا يرسل إلا عن ثقة، وبين من يعرف بإرساله عن كل أحد سواء كان ثقة أم ضعيفاً، فيقبل مرسل الأول ويرد مرسل الثاني. قال ابن أبى حاتم في بداية كتابه (المراسيل) : "كان يحي بن سعيد القطان لا يرى إرسال الزهري وقتادة شيئاً، ويقول هو بمنزلة الريح" [٣٠] . إن عدالة كبار التابعين كسعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح ومكحول وأمانتهم تحول دون روايتهم عن غير الثقة, فلا يستجيز هؤلاء الجزم بحديث إلا بعد التأكد من ثبوته وعدم وجود ما يقتضي القدح في المرسل, والدليل على ذلك ما جاء عن ابن عمر- ﵄ أنه كان يرسل إلى سعيد بن المسيب يسأله عن قضايا أبيه عمر- ﵁ وأحكامه مع علمه بأنه لم يدركه ولم يختلف عليه اثنان في قبولها منه مرسلة، وقد قال الإمام أحمد بن حنبل- ﵀: "إذا لم يقبل سعيد بن المسيب عن عمر فمن يقبل" [٣١] . وإذا جاء المرسل من وجهين، وكل من الراويين أخذ العلم عن شيوخ الآخر، فهذا يدل على صدقه، فإن مثل ذلك لا يتصور في العادة تماثل الخطأ فيه وتعمد الكذب، والعادة تمنع تماثلهما في الكذب عمداً وخطأ.

стр. 14865

قال إمام الحرمين: "إذا قال أحد أئمة الجرح والتعديل حدثني الثقة أو حدثني من لا أتهم ونحو ذلك وكان ممن يقبل تعديله ويرجع إليه فهو مقبول محتج به بالرغم من إرساله؛ وذلك لأنه لا يقول ذلك إلا عند تحققه من ثقة ذاك الراوي وصدقه. وقد روى عروة بن الزبير لعمر بن عبد العزيز عن النبي ﷺ قوله: "من أحيا أرضاً ميتة فهي له" فأرسله ولم يسنده، فقال له عمر بن عبد العزيز: "أتشهد على رسول الله ﷺ بذلك؟ "فقال: "نعم أخبرني بذلك العدل الرضي", فلم يسم مَنْ أخبره، فاكتفى منه عمر بن عبد العزيز بذلك. فالقول المختار في التفصيل هو أن من عرف من عادته أنه لا يرسل إلا عن ثقة عدل مشهور بذلك فمرسله مقبول ومن لم تكن عادته ذلك فلا يقبل مرسله، وبهذا القول يحصل الجمع بين الأدلة المتقدمة. فلا يمكننا إنكار قبول المرسل في الصدر الأول, وقد رد جماعة منهم الكثير من المراسيل، فيعزى قبولهم إلى الثقة بمن يرسل الحديث, وإلى هذا أشار ابن عباس- ﵄ قال: "كنا إذا سمعنا أحدنا يقول: قال رسول الله ﷺ ابتدرته أبصارنا وأصغينا إليه بآذاننا، فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف". وأما من يرسل عن غير المشهورين، وإن كانوا عنده ثقات فاحتمال جواز كونه ضعيفاً يبقى قائماً، ويندفع هذا الاحتمال ببعض الوجوه التي قالها الإمام الشافعي- ﵀ وبدونه لا يمكن اعتماد هذا المرسل. (٥) رواة المراسيل والموارنة بينهم: قال الحاكم: "وأكثر ما تروى المراسيل من أهل المدينة عن ابن المسيب، ومن أهل مكة عن عطاء بن أبي رباح، ومن أهل البصرة عن الحسن البصري، ومن أهل الكوفة عن إبراهيم النخعي، ومن أهل مصر عن سعيد بن أبي هلال، ومن أهل الشام عن مكحول" [٣٢] .

стр. 14866

وقد صحح المحدثون مراسيل بعض الأئمة من التابعين، فمراسيل ابن المسيب في مقدمة المراسيل، قال الحاكم: "وأصحها مراسيل ابن المسيب لأنه من أولاد الصحابة، وأدرك العشرة، وفقيه الحجاز ومفتيهم، وأول الفقهاء السبعة الذين يعتد مالك بإجماعهم كإجماع كافة الناس" [٣٣] . أما مراسيل الشعبي، فقال أحمد العجلي: "مرسل الشعبي صحيح، لا يكاد يرسل إلا صحيحا" [٣٤] . ومراسيل إبراهيم النخعي صحيحة إلا حديث "تاجر البحرين"و "حديث القهقهة" [٣٥] . وينبغي أن يكون مرسل شريح القاضي أيضاً صحيحاً كمراسيل ابن المسيب والنخعي، فإنه مخضرم ثقة من أجل التابعين الكبار. أما مرسلات الحسن فقال ابن المديني: "مرسلات الحسن التي رواها عنه الثقات صحاح، ما أقل ما يسقط منها" [٣٦] ، وكذا مراسيل ابن سيرين صحاح أيضا. وممن أرسل الحديث من ثقات التابعين: سعيد بن جبير، مجاهد، طاووس، عمرو بن دينار، ومرسلات مالك بن أنس أصحهم. واختلف في مراسيل الزهري لكن الأكثر على تضعيفها، قال يحي بن معين: "مراسيل الزهري ليست بشيء، وهو قول الشافعي أيضاً" [٣٧] . خاتمة: لقد تنازع الناس في قبول المراسيل وردها، فغالى البعض بالقبول بها مطلقاً وهذا غير مقبول؛ لأن هذا يؤدي إلى إزالة فائدة الإسناد، وغالى الآخرون برد المرسل مطلقاً، فرد بذلك شطراً من السنة ومصدراً من مصادر الأحكام الشرعية. وأصح الأقوال أنّ منها المقبول، ومنها المردود، ومنها الموقوف، فمن علم أنه حاله أنه لا يرسل إلا عن ثقة: قُبل مرسله، ومن عرف أنه يرِسل عن الثقة وغير الثقة، فإن إرساله عمن لا يعرف فهو موقوف، وما كان ومن المراسيل مخالفاً لما رواه الثقات كان مردودا. إنّ معيار نقد الحديث المرسل الذي تبنّاه كبار الفقهاء والأصوليين، كأبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، والغزالي، والآمدي، وغيرهم- ﵏ يؤكد على:

стр. 14867

١- اعتضاد المرسل بمسند بآخر. ٢- اعتضاد المرسل بمرسل آخر بمعناه عن آخر، فيدل على تعدد المخرج. ٣- موافقة قول بعض الصحابة للمرسل. ٤- أن يكون قول أكثر أهل العلم به. فإذا اعتضد المرسل المروى عمن يرون عن الثقات بأحد هذه الأربعة دل على حجة صحته وإمكانية اعتماده في استنباط الأحكام الشرعية. المراجع (١) ابن منظور: لسان العرب، الجزء الحادي عشر، ١٣٧٥ هـ، الطبعة الأولى، دار صادر- بيروت. (٢) ابن همام الدين، كمال الدين محمد بن عبد الواحد. التحرير. الطبعة الأولى. ١٣٥١ هـ. مطبعة بابي الحلبي- القاهرة. (٣) الشيخ أحمد رضا: معجم متن اللغة. الجزء الأول، الطبعة الأولى. ١٣٧٧هـ. دار مكتبة الحياة- بيروت. (٤) أحمد بن فارس بن زكريا: معجم مقاييس اللغة. الجزء الأول. الطبعة الأولى. ١٣٦٦ هـ. دار إحياء الكتب العربية- القاهرة. (٥) الآمدي، سيف الدين أبي الحسن على بن أبى على بن محمد: الإحكام في أصول الأحكام. الجزء الثاني. ١٣٨٧ هـ. مؤسسة الحلبي وشركاؤه- القاهرة. (٦) البغدادي، الخطيب: الكفاية في علم الرواية. الطبعة الأولى. ١٣٤٧ هـ- حيدر آباد الدكن. (٧) الزييدى: تاج العروس. الجزء السابع. الطبعة الأولى. ١٣٠٦ هـ. دار ليبيا للنشر والتوزيع - ليبيا. (٨) الزيلعي: نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية. الجزء الأول. ١٣٥٧ هـ. دار المأمون. (٩) السخاوي، شمس الدين محمد بن عبد الرحمن: فتح المغيث شرح ألفية الحديث للعراقي. الطبعة الأولى، ١٣٨٨ هـ، المكتبة السلفية - المدينة المنورة. (١٠) العلائي، الحافظ صلاح الدين أبى سعيد خليل بن كيكلدى، جامع التحصيل في أحكام المراسيل. الطبعة الأولى. ١٣٩٨ هـ. الدار العربية للطباعة - بغداد.

стр. 14868

(١١) السيوطي، الحافظ جلال الدين عبد الرحمن بن أبى بكر: تدريب الراوي شرح تقريب النووي. الطبعة الثانية. ١٣٨٥ هـ. دار الكتب الحديثة – القاهرة. (١٢) النووي. الحافظ محي الدين أبو زكريا يحي بن شرف. التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير. الطبعة الثانية، ١٣٨٥هـ. دار الكتب الحديثة - القاهرة. (١٣) المؤلف نفسه: المجموع شرح المهذب، الجزء الأول. الطبعة الأولى. بدون تاريخ. مطبعة العاصمة - القاهرة. (١٤) النيسابوري، الإمام الحاكم أبو عبد الله بن محمد بن عبد الله، معرفة علوم الحديث. المكتبة العلمية - المدينة المنورة. (١٥) الحنبلي، رضي الدين، قفو الأثر. ١٣٢٦ هـ. مطبعة السعادة. (١٦) القرافي، شرح التنقيح. الطبعة الأولى، ١٣٠٦ هـ. المطبعة الخيرية القاهرة. (١٧) ابن أبى حاتم، المراسيل، بدون تاريخ. (١٨) القرطبي، ابن عبد البر النمري، التمهيد، الجزء الأول. ١٣٨٧ هـ. الرباط. (١٩) الدكتور صبحي الصالح: علوم الحديث ومصطلحه. الطبعة العاشرة. ١٩٧٨. دار العلم للملايين- بيروت. (٢٠) القاسمي، محمد جمال الدين: قواعد التحديث في فنون مصطلح الحديث. الطبعة الثانية. ١٣٨٠ هـ. دار إحياء الكتب العربية - دمشق. (٢١) التهانوي، ظفرأحمد العثماني: قواعد في علوم الحديث. الطبعة الثالثة. ١٣٩٢ هـ. دار القلم - بيروت. ترجمان الشافعي لما مرض الإمام محمد بن إدريس الشافعي ﵀ مرضه الذي مات فيه، قال لمن كان عنده: "إذا أنا متُّ فقولوا لفلان يغسلني". فلما توفي وأبلغوا كلمة الشافعي إلى ذلك الرجل قال: "ائتوني بتذكرته", فجئ بها فوجد فيها على ذلك الشافعي سبعين ألف درهم لفلان وفلان، فكتبها الرجل على نفسه وقال: "هذا هو الغسل الذي أراده" ...

стр. 14869

-------------------------------------------------------------------------------- [١] التهانوي: قواعد في علوم الحديث. ص ٢٣. [٢] ابن منظور: لسان العرب. ج ا ١ ص٢٨٣. [٣] العلائي: جامع التحصيل في أحكام المراسيل ص ١٤. [٤] الزييدى: تاج العروس. ج ٧ ص٣٤٥. [٥] القرافي: شرح التنقيح. ص١٦٤. [٦] أحمد بن فارس بن زكريا: معجم مقاييس اللغة. ج ١ ص ٣٩٣. [٧] الشيخ أحمد رضا: معجم متن اللغة ج اص ٣٩٣. [٨] السخاوى: فتح المغيث شرح ألفية الحديث للقراقى. ص١٢٨. [٩] العلائي: جامع التحصيل في أحكام المراسيل. ص ١٤. [١٠] السيوطى: تدريب الراوي. ج اص ٢٠٧. [١١] نفس المصدر. ص ٢١١. [١٢] الحاكم: معرفة علوم الحديث ص٢٥. [١٣] الحاكم: معرفة علوم الحديث. ص ٢٦. [١٤] الخطيب البغدادي: الكفاية. ص ٣٨٤. [١٥] ابن همام الدين: تيسير التحرير. ج ١ ص ١٠٢. [١٦] موفق الدين الحنبلي: الروضة. ص ٦٤. [١٧] الآمدى: الإحكام في أصول الأحكام، ج٢. ص١١٢. [١٨] الغزالى: المَستصفي. ج ا. ص ١٦٩. [١٩] ابن الحنبلي: قفو الأثر. ص ١٤. [٢٠] العلائي: جامع التحصيل في أحكام المراسيل. ص ٢٧. [٢١] المصدر نفسه: ص ٢٨. [٢٢] القرافي: شرح التنقيح. ص ١٦٤. [٢٣] الإمام مسلم: الجامع الصحيح. ج. ص ١٣٢. [٢٤] العلائي: جامع التحصيل في أحكام المراسيل. ص٣٠. [٢٥] ابن أبى حاتم: كتاب المراسيل. ص ٧. [٢٦] الحاكم: معرفة علوا الحديث. ص ٢٦. [٢٧] ابن عبد البر النمري: التمهيد ج١ ص٦. [٢٨] الخطيب البغدادي: الكفاية. ص ٣٨٧. [٢٩] النووي: المجموع. ج١.ص٩٩. [٣٠] ابن أبي حاتم. كتاب المراسيل. ص٣. [٣١] العلائي: جامع التحصيل في أحكام المراسيل. ص٧٧. [٣٢] الحاكم: معرفة علوم الحديث. ص هـ ٢.

стр. 14870

[٣٣] الحاكم: معرفة علوم الحديث. ص ٢٦. [٣٤] الذهبي: تذكرة الحفاظ. ج١ ص ٧٩. [٣٥] الزيلعى: نصب الراية. ج ١ ص ٥٢. [٣٦] السيوطى: تدريب الراوي ج اص١٢٤. [٣٧] العلائي: جامع التحصيل في أحكام المراسيل. ص ٤١.

стр. 14871

أوّل واجب على المكلّف عبادة الله تعالى وضوح ذلك من كتاب الله ودعوات الرسل للشيخ عبد الله الغنيمان رئيس قسم الدراسات العليا الحمد لله الغني الحميد، المبدىء المعيد، غني بذاته عن كل من سواه، وكل من سواه فقير إليه، وصائر إليه، وهو تحت قهره وتصرفه، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه وأتباعه إلى يوم الدين ... وبعد ... فإنّ الله تعالى خلق الإنسان وفضله على كثير من خلقه، بالعقل والفكر والنطق والبيان، ووهبه القدرة على الكَسب والقوة على العمل، ليكون مؤهلاً للأمر والنهى، وجعل له دارين، داراً للابتلاء والاختبار والتمييز بين الصالح والفاسد، ومحلا لكسب الأعمال، التي بها يستوجب الثواب أو العقاب، وجعل لها مدة محددة، وأجلاً قصيراً، ثم ينقل إلى الدار الأخرى التي لا تنتهي ولا تنقطع، قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ . فالله تعالى أوجد الإنسان بعد أن كان معدوماً، وأعطاه ما يحتاج إليه في حياته, وما يكون سبباً لسعادته من العقل والفكر الذي يميز به ما ينفعه مما يضره وما يلزم لذلك من السمع والبصر، والقوى التي يتمكن بها من العمل. قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً. إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً. إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً﴾ . (الإنسان: ١- ٣) فقوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ . وقوله: ﴿نَبْتَلِيهِ﴾ هذا ما خلق الإنسان من أجله، وقد بين ذلك تعالى بيانا واضحاً وضوح النهار.

стр. 14872

قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ . (النحل: ٣٦) . وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ . (الأنبياء: ٢٥) . وفي القرآن آيات كثيرة تنص على وجوب عبادة الله تعالى، وتبيِّن لزوم ذلك للإنسان لزوم أمر أوجبه الله تعالى عليه، وأكثر تعالى من التهديد والوعيد لمن تركه، وأعرض عنه، ومن الترغيب والوعد بالجزاء الجميل لمن امتثل ذلك واتبع الرسل، ومع وضوح هذا الأمر وكثرة ما أحيط به من ترغيب في فعله في الدنيا والآخرة، ومن ترهيب لمن أعرض عنه وجانبه مع ذلك كله فقد ضل عنه أكثر الخلق إما جهلاً، وإما عمداً وعناداً، وذلك أن الذي يحمل العبد على امتثال أمر الله واتباع رسله هو قوة الإيمان بالله، وبما أعده لمن آمن به وعمل صالحاً وما أعده لمن عصاه وبارزه بالمعادات والمحاربة.

стр. 14873

ومع الإيمان فلابد من العلم بأمره وشرعه، ومع فَقد هذين الأمرين يستحكم الضلال، والبعد عن كل خير، لهذا صار أهم ما على العبد معرفته ما أوجبه الله عليه، والعمل به، وأول ما أوجب الله تعالى على العبد وأعظمه هو الإيمان به تعالى وبرسوله- ثم الاهتداء إلى ذلك وتفاصيله بالوحي الذي جاء به النبي ﷺ قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ . (سبأ: ٥٠) فالاهتداء يكون بالوحي ولهذا أمر الله تعالى أهل العقل بتدبر القرآن واستماعه والإنصات لتلاوته، وحض فيه على التدبر والتفكر والتذكر والعقل والفهم والتأثر منه بالوجل، والبكاء والخشية لما فيه من العلم والهدى، والمقصود من إرسال الرسل إلى العباد، وإنزال الكتب عليهم إصلاح أحوالهم في الدنيا والآخرة، وأن يعرفوا ما خلقوا من أجله ويصلوا إليه وهو عبادة ربهم وحده لا شريك له. والعبادة أصلها عبادة القلب، المستلزمة لعبادة الجوارح، فإن القلب هو الملك، والأعضاء جنوده، وإذا صلح الملك صلحت الجنود، كما قال ﷺ : "ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد ألا وهي القلب" [١] .

стр. 14874

والقلب بعبادة الله تعالى والاستعانة به: معتصم مستمسك قد لجأ إلى ركن وثيق، واعتصم بالدليل الهادي والبرهان المتين، فلا يزال في زيادة من العلم والإيمان، أو سلامة من الجهل والضلال، سالماً من جهل أهل التصوف وعباد الخلق، وضلال المتكلمين أهل الشك والحيرة والخذلان. والعبد لما كان مخلوقاً مربوباً، عاد في علمه وعمله إلى خالقه وباريه فبه يهتدي وله يعمل، وإليه يصير، فلا غنى له عنه، وانصرافه إلى غيره هو عين هلاكه وفساده، وبالله له عن كل شيء عوض، وليس لكل شيء عن الله عوض وليس للعبد صلاح ولا فلاح إلا بمعرفة ربه وعبادته، فإذا حصل له ذلك فهو الغاية المرادة له والتي خلق من أجلها، فما سوى ذلك إما فضل نافع أو فضول غير نافعة أو فضول ضارة، ولهذا صارت دعوة الرسل لأممهم إلى الإيمان بالله وعبادته، فكل رسول يبدأ دعوته بذلك كما يعلم من تتبع دعوات الرسل في القرآن، بخلاف الطرق الكلامية الفلسفية فإنهم يبدأون بنفوسهم فيجعلونها هي الأصل الذي يفرعون عليه، فيتكلمون في إدراكاتهم للعلم، أنه مرة يكون بالحس ومرة بالعقل، أو بهما. ويجعلون العلوم الحسية والبديهية هي الأصل الذي لا يحصل علم إلا بها على حد زعمهم، مثل الأمور الطبيعية والحسابية، والأخلاق، وبنوا سائر العلوم على هذه الأمور الثلاثة، ولهذا كانوا يمثلون بها في أصول العلم والكلام كقولهم: إن الواحد نصف الاثنين، والعشرة أكثر من الخمسة، والجسم لا يكون في مكانين، والضدان لا يجتمعان كالسواد والبياض، هذا في الحسابية والطبيعية، وأما الأخلاق فمثل استحسان العلم، والعدل والعفة والشجاعة.

стр. 14875

ثم إذا تجاوزوا هذه الأمور إلى العالم العلوي فمقصودهم إثبات خالق العالم والدلائل التي بها تثبت النبوة على طريقهم فإذا ثبتت النبوة تلقوا عنها السمعيات، وهي الكتاب والسنة والإجماع، وهذه الطريقة فيها فساد كثير في وسائلها ومقاصدها كما بين ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في كثير من كتبه، أما الوسائل مع صعوبتها ففيها خطورة ومزلات عظيمة. وأما مقاصدها فغايتها إثبات ربوبية الله تعالى للكون فهي كما قيل: "لحم جمل غث، على رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى، ولا سمين فينتقى"، مثال ذلك قولهم كما في نهاية المرام والإرشاد وغيرهما: "إن الله لا يعرف إلا بإثبات حدوث العالم ثم الاستدلال بذلك على محدثه، والدليل على أن العالم حادث، ما فيه من الأعراض، والأعراض هي صفات الأجسام" [٢] ، وجمهور المتكلمين يستدلون بهذا الدليل بعينه على نفي صفات الله تعالى حيث قالوا: إن حركات الأجسام وأعراضها هو الذي دل على حدوثها، وسمَّوا الصفات أعراضاً مثل العلم والرحمة والغضب والرضا وغير ذلك وقالوا: إذا اتصف بذلك صار محلا للحوادث، وما كان محلا للحوادث فهو حادث.

стр. 14876

[والقدرية من المعتزلة يعتقدون أن إثبات الرب تعالى لا يمكن إلا بعد اعتقاد أن العبد هو المحدث لأفعاله، وإلا انتقض الدليل] . وكثير منهم جعل سلوك هذا متعينا لأنه الموصل إلى معرفة الله، ومن لم يسلك ذلك لم يعرف ربه. وبطلان هذا معلوم بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين, قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين﴾ (البينة: ٥) . وقال تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ﴾ (الزمر:٢) . وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة:٢١) . وهذا كثير في القرآن يأمر الله تعالى أن يعبد ويخلص له الدين، وأن يؤمن به ابتداء، وكذلك النبي ﷺ لم يدع الناس إلى النظر ابتداء إلى الاستدلال على وجود الله تعالى، ولا إلى مجرد إثبات وجوده، بل أول ما دعاهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وكان يأمر رسله والدعاة الذين يبعثهم لنشر دعوته بأن يبدؤا بدعوة الناس إلى أن يوحِّدوا الله أولا بأن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله كما في حديث معاذ المتفق على صحته حينما بعثه إلى أهل اليمن قال: "إنك تأتي قوما من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة, فإن هم أجابوك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تُؤخذُ من أغنيائهم فتُردُّ في فقرائهم" [٣] . وقوله في حديث أبي هريرة الذي في الصحيحين وحديث ابن عمر: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله" [٤] وقد أجمع الصحابة وأئمة المسلمين من بعدهم على أن الكافر يدعى إلى الشهادتين مهما كانت عقيدته وعمله

стр. 14877

فإذا أجاب ونطق بالشهادتين حكم بإسلامه ظاهراً، فإن كان صادقا في نطقه فهو مسلم ظاهرا وباطنا، وإن كان كاذبا في الباطن فهو منافق. وليس في كتاب الله أن النظر أول الواجبات، بل ولا فيه إيجاب النظر على كل أحد، وإنما فيه الأمر بالنظر لبعض الناس الذين لا يحصل لهم الإيمان إلا به كقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ، أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ (الأعراف:١٨٤ ـ ١٨٥) . فقول الجويني مثلا في الإرشاد (ص ٣) : "أول ما ما يجب على العاقل البالغ، باستكمال سِنّ البلوغ أو الحلم شرعاً، القصد إلى النظر الصحيح المفضي إلى العلم بحدوث العالم", ومثل ذلك قال الرازي (انظر المحصل ص ٤٧) , وكذلك الايجي في المواقف (ص ٣٢) وغيرهم، وهذا كلامٌ مخالف لكتاب الله تعالى ولما عُلِمَ من دعوة رسول الله ﷺ , ولما أجمع عليه أئمة المسلمين، وإذا سُلِّم لهؤلاء، "أنّ أول الواجبات هو النظر، أو المعرفة أو حتى الشهادتين كما هو الصحيح قال ابن المنذر: "أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم على أن الكافر إذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وأن كل ما جاء به محمد حق، وأبرأ من كل دين خالف دين الإسلام، وهو بالغ صحيح العقل أنه مسلم، فإن رجع بعد ذلك فأظهر الكفر كان مرتداً، يجب عليه ما يجب على المرتد". (الأوسط: ص ٧٣٥) فكيف يجب على البالغ أن يفعله عقب البلوغ وقد فعله قبل ذلك، وخصوصاً إذا كان النظر مستلزماً للشك المنافي لما حصل له من المعرِفة والإيمان، فيكون التقدير أن يقال: "أُكْفُرْ ثم آمن، واجْهَلْ ثم اعْرِفْ ", وهذا كما أنه محرَّم شرعاً، فهو ممتنع في العقل، فإن

стр. 14878

تكليف العالم الجهل من باب تكليف مالا يقدر عليه، فإن الجاهل يمكن أن يصير عالماً أما العالم فلا يقدر أن يصير جاهلاً. كما أن من رأى الشيء وسمعه لا يمكن أن يقال لا يعرفه، فمن كان الله قد أنعم عليه بالإيمان وشرح صدره للإسلام قبل بلوغه كيف يؤمر بما يناقض إيمانه ومعرفته. والسلف والأئمة متفقون على أن أول ما يؤمر به العباد الشهادتان، وأن من فعل ذلك قبل البلوغ لم يؤمر بتجديد ذلك بعد البلوغ. والشهادة تتضمن الإقرار بالله تعالى وبرسوله، لكن مجرد معرفة الله تعالى لا يصير بها الإنسان مؤمناً وإن كان يعلم أنه رب كل شيء فلابد للإيمان من شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وهذا هو الذي دل عليه كتاب الله تعَالى. قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: ٥٦) . فالعبادة هي الغاية المقصودة من الخلق التي أرادها الله منهم بأمره وشرعه، وبها يحصل محبوبه تعالى، وتحصل سعادتهم ونجاتهم، وهذا لا يخالف كون كثير منهم لم يعبده؛ لأن الله تعالى لم يجعلهم عابدين له، لما في ذلك من تفويت محبوبات له أخرى، هي أحب إليه من عبادة أولئك, وحصول مفاسد أخرى هي أبغض من معصيتهم كما قال تعالى: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ (هود: ١١٩) . فهو تعالى أراد بخلقهم ما هم صائرون إليه من الرحمة, والاختلاف إرادة كونية قدرية، ففي قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ . ذكر الغاية لتي أمروا بها، وفى قوله تعالى: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ ذكر الغاية التي يصيرون إليها، وكلاهما مرادة له تعالى تلك مرادة بأمره وشرعه، والموجود منها مراد بخلقه وأمره، والأخرى مرادة بخلقه، والمشروع منها مراد بخلقه وأمره، وهذا معنى ما يروى عن علي بن أبي طالب في قوله تعالى: ﴿إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾

стр. 14879

, قال معناه: "إلا لآمرهم أن يعبدون، وأدعوهم إلى عبادتي"، وقاله مجاهد أيضا. وقال ابن عباس: ﴿إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ : "ليقرُّوا لي بالعبودية طوعاً وكرهاً". وقال السدي: "خلقهم للعبادة، فمن العبادة عبادة تنفع، ومنها عبادة لا تنفع كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَضَ لَيَقُولُنَّ: اللَّهُ﴾ (لقمان: ٢٥) , فهذا منهم عبادة ولكنها لا تنفعهم"، وقال الكلبي: "إلا ليوحدوني، فأما المؤمن فيوحده في الشدة والرخاء، وأما الكافر فيوحده في الشدة والبلاء دون النعمة والرخاء، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ " (العنكبوت: ٦٥) [٥] .

стр. 14880

وهذه الأقوال تُبيِّن أنّ جميع الإنس والجن مقرُّون بالخالق معترفون به، خاضعون لعبوديته طوعاً وكرهاً، وهذا يقتضي أنّ هذه المعرفة من لوازم نشأتهم لا ينفك عنها أحد منهم، وبه يعلم أن أصل الإقرار بالله تعالى، والاعتراف به ربّاً مستقر في قلوب جميع الإنس والجن، وأنه من لوازم خلقهم، ضروري فيهم، وإن قدر أن الإقرار بالرب تعالى أنه يحصل بسبب يعرض للإنسان في حياته فهو في الحقيقة يظهر بذلك ويبرز، وهذا والله أعلم هو الإقرار والشهادة المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (الأعراف: ١٧٢- ١٧٣) . وشهادة المرأ على نفسه في القرآن يراد بها إقراره، فمن أقر بحق عليه فقد شهد به على نفسه كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْر﴾ (التوبة: ١٧) ؛ لأنهم كانوا مُقرِّين بما هو كفر، فصار ذلك شهادة منهم على أنفسهم, وقال تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ (الأنعام: ١٣٠) , فشهادتهم على أنفسهم هو إقرارهم على أنفسهم.
следующие страницы →