Полный текст (23 804 стр.). Показаны 14946–14985 · переход к 14951.
стр. 14946
(١) قائلها هو أبو محمد الجوينى والد أبو المعالي (توفى٤٤٠) وقد رجع في آخر عمره إلى عقيدة السلف وشهد له بذلك شيخ الإسلام في مواضع، وكتب في توبته "النصيحة"المطبوعة مع المجموعة المنيرية وطبعها المكتب الإسلامي معزوة إلى ابن شيخ الحزاميين وهو خطأ. ومناسبة فتواه هذه هي صدور مراسيم سلطانية بلعن أصحاب البدع - ومنهم االأشاعرة - على المنابر، انظر المنتظم لابن الجوزي حوادث سنة ٤٣٣ وما بعدها.
(٢) وهي أول رسالة في المجلد الخامس من الفتاوي الكبرى (الطبعة الطويلة) وهي تشمل الجزء الخامس كله من الطبعة التي قدم لها مخلوف، وسمعت أنها تحقق بجامعة الإمام عام وهى جديرة بالعناية.
(٣) مجموع الفتاوى: ٦/ ٣٥٩.
(٤) وانظر عن القدامى: الرد الوافر على من زعم أن ابن تيمية شيح الإسلام كافر، وكتاب الحصني: دفع شبهة من شبّه وتمرّد. وللعلم فبعض هذه الكتب المعاصرة باسم مستعار، وممن اعترف بموقفهم من شيخ الإسلام الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه ابن تيمية (ص ٥٦) , ومن ذلك قول صاحب حواشي على شرح الكبرى للسنوسي قوله:"ابن تيمية ... أي الحنبلي المشهور زنديق وبغضه للدين وأهله لا يخفى" (ص ٦٢) وانظر في كتاب وهبى غاوجبى أركان الإيمان (ص ٢٩٧ ـ ٢٩٩) .
(٥) ج ٢ ص ١٦٣ تحقيق محمد رشاد سالم.
(٦) انظر شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، اللالكائي، تحقيق الأخ أحمد بن سعد بن حمدان ١/١٥٧-١٦٥.
(٧) جامع بيان العلم وفضله ١٧/٢ ١ تحقيق عثمان محمد عثمان، وهو في ٢/٩٦ سن الطبعة المنيرية.
(٨) توفي ابن سريج سنة ٣٠٦, انظر تاريخ بغداد ٤/ ٢٩٠, وسير أعلام النبلاء١٤/٢٠١, والظاهر أنه توفي قبل رجوع الأشعري لمذهب السلف، والأشعري توفي ٣٢٤ أو ٣٣٠ على قولين. وانظر عقيدة ابن سريج في اجتماع الجيوش الإسلامية ٦٢.
стр. 14947
(١) التسعينية: ٢٣٨ - ٢٣٩ وانظر شرح الأصفهانية: ٣١ من ج ٥ من الفتاوى الكبرى نفسها, وانظر عن الكرجي وعقيدته: إجتماع الجيوش الإسلامية ومختصر العلو, وله ترجمة في طبقات الشافعية لابن السبكي وطبقات الشافعية لابن كثير.
(٢) يلاحظ أن كلاً من الشافعية والحنابلة يدّعى الهروي لمذهبهم, ورجّح شيخ الإسلام أنه يأخذ من كليهما ويتبع الأثر. انظر (شيخ الإسلام عبد الله الهروي ص٩٦) , وقوله فيهم نقله في التسعينية: ٢٧٧ عن كتاب ذم الكلام وهو يحقق بجامعة الإمام كما قرأت. وانظر أيضا عن موقف الشافعية درء التعارض ٢/١٠٦.
(٣) انظر غير ما ذكر سير أعلام النبلاء ترجمة بشر ١٠/٢٠٠ - ٢٠١، والحموية: ١٤ - ١٥ طبعة قصى الخطيب.
(٤) انظر المنتظم لابن الجوزي أحداث سنة: ٤٣٣، ٤٦٩، ٤٧٥، وغيرها ج٨ وج٩.
(٥) ص٨١ - ٨٩ و١٠٥ ـ ١٠٩.
(٦) ومنها شرح الباجوري - أو البيجوري - على الجوهرة ١/٨٢، طبعة محمد علي صبيح.
(٧) انظر الاستقامة:١٠٥ وتبين كذب المفتري ابن عساكر٤١٠ بتحقيق الكوثري.
(٨) بل إن متكلِّمي الأشاعرة الذين ينفون العلو بكل جرأة ويستندون إلى شبهات كثيرة، تجد في خبايا كلامهم إقراراً به دون أن يشعروا؛ لأن مغالبة الفطرة من أصعب الأمور, فالرازي مثلاً - مع إنكاره الشديد للعلو في (التأسيس والتفسير) قال في التفسير: "إنّ الله خسف بقارون فجعل الأرض فوقه ورفع محمداً ﷺ فجعله قاب قوسين تحته". ١/٢٤٨. ط: بيروت.
(٩) ترجمة الرازي: ٤/ ٤٢٦, والآمدي: ٦/ ١٣٤.
(١٠) انظر فتح الباري: ١/ ٤٦، ٣/٣٥٧-٣٦١, ١٣/٣٤٧ ـ ٣٥٠.
(١١) انظر فتح الباري ١ /٤٦، ٣/٣٥٧- ٣٦١، ١٣/٣٤٧ ٣٥٠
(١٢) المصدر السابق: ١٣/ ٢٥٣، ٢٥٩، ٤٠٧, وغيرها كثير.
(١٣) وقد رأينا في واقعنا المعاصر علماء فضلاء وافقوا الاشتراكيين أو الديمقراطيين أو القوميين في أشياء للأسباب نفسها. ولم يعدهم أحد اشتراكيين أو قوميين.
стр. 14948
(١) انظر سير أعلام النبلاء: ١٥/٩٠، مقابلة الأشعري لإمام السنة في عصره "البربهارى"انظر ترجمته في طبقات الحنابلة ورسالته القيمة في السنة التي ساقها صاحب الطبقات.
(٢) يلاحظ أن الدلائل النقلية تشمل نصوص الكتاب والسنة معا فكيف يقال إنها غير صحيحة دون تفريق بينهما، مع أن مجرد إطلاقها على السنة وحدها في غاية الخطورة.
(٣) هل وصلت قيمة نصوص الوحي إلى حد أن الاشتغال بتأويلها - الذي هو تحريف لها - يعتبر تبرعا وإحسانا؟!
(٤) انظر عن مصدر التلقي عندهم: درء تعارض العقل والنقل فهو كله رد عليهم, وقد استفتحه بذكر قانونهم الكلي في التعارض، أساس التقديس للرازي: ١٦٨_ ١٧٣، الشامل للجويني: ٥٦١، الإرشاد له: ٣٥٩ _٣٦٠، شرح الكبرى للسنوسي: ٥٠٢, المواقف للإيجي: ٣٩_٤٠، مختصر الصواعق ٣٣_ ٢٥٨, مشكل الحديث لابن فورك: مقدمته وخاتمته, أصول الدين للبغدادي: ١٢، كبرى اليقينيان: محمد سعيد رمضان البوطي الإهداء ٣٢ _٣٣، الرسالة اللدنية للغزالي: ١/ ١١٤_ ١١٨ من مجموعة الفصور العوالي.
(٥) انظر الأبواب الأولى من أي كتاب في عقيدتهم, ومجموع الفتاوى:٢/٧_٢٣ وأول شرح الاصبهانية. ويلاحظ أن تعمدهم استخدام كلمة (حادث) سببه أنهم لو قالوا: "مخلوق"لألزمهم الفلاسفة بأن هذا هو موضع النزاع ولا يستدل بالدعوى على نفسها في نظرهم، مع هذا فالفلاسفة يقولون: الكون قديم ولا نسلم أنه حادث، فالأشاعرة كما قال شيخ الإسلام: "لا للإسلام نصروا ولا للفلاسفة كسروا".
стр. 14949
(١) عن هذه الفقرة انظر: نهاية الإقدام للشهرستاني: ٩٠، شرح الكبرى: ٣٠٤، غاية المرام للآمدي: ١٤٩، كبرى اليقينيات: ٩٢_٩٣، الله ﷻ : سعيد حوى: ١٣١, أركان الإيمان لوهبي غاوجي: ٣٠. وبخصوص أول واجب والمعرفة الفطرية انظر: درء تعارض العقل والنقل ج ٧، ٨, ٩ كلها, الإنصاف للباقلايى: ٢٢، الإرشاد: ٣, المواقف: ٣٢-٣٣, الشامل: ١٢٠، أصول الدين للبغدادي: ٢٥٤_٢٥٥، فتح الباري ٣/٣٥٧_٣٦١, ١٣/٣٤٧ ـ ٣٥٨.
(٢) انظر الإنصاف: ٥٥، الإرشاد: ٣٩٧، غاية المرام: ٣١١، المواقف: ٣٨٤, الإيمان لشيخ الإسلام: أكثره رد عليهم فلا حاجة لتحديد الصفحات، تبسيط العقائد الإسلامية لحسن أيوب: ٢٩_٣٣, كبرى اليقينيات: ١٩٦.
(٣) مجموع الفتاوى
(٤) عن القرآن عندهم انظر: الإنصاف: ٩٦_٩٧ وما بعدها، الإرشاد: ١٢٨_١٣٧، أصول الدين: ١٠٧، الموافف: ٢٩٣، شرح الباجوري على الجوهرة ٦٤_٦٦_٨٤, متن الدردير ٢٥ من مجموع مهمات المتون، التسعينية وقد استغرق موضوع الرد عليهم في القرآن أكثر مباحثها ومن أعظمها وأنفسها ما ذكره في الوجه السابع والسبعين فليراجع.
(٥) الإنصاف: ٤٥ ـ ٤٦ بهوامش الكوثري، الإرشاد: ١٨٧_ ٢٠٣، أصول الدين: ١٣٣، نهاية الإقدام: ٧٧، المواقف: ٣١١، شفاء العليل: ٢٥٩- ا ٢٦ وغيرها.
(٦) المصادر السابقة في القدر، وشرح الكبرى: ١٨٤، شرح أم البراهين: ١١،٨١,٨٠ منظومة الدردير ٢٤٠ وقد أفردناها عن القدر لأنهم يفردونها وقد يقدمونها باعتبارها من قضايا الكفر والإيمان!!.
وعن المدرسة الوضعية انظر "المنطق الوضعي"، زكي نجيب محمود فهو أحدهم.
стр. 14950
(١) انظر المواقف: ٣٣١، شرح الكبرى: ٣٢٢_ ٤٢٣، شرح أم البراهين ٣٦، النبوات ١٦٣-.٢٣، مجموع الفتاوى-: ١٦/٢٩٩، وقد أطال ابن القيم في رد شبه الأشاعرة في شفاء العليل: انظر مثلا من ٣٩١ إلى ٥٢١، حيث رد عليهم من ٣٦ وجهاً, ومنهاج السنة: ١/١٢٨ الطبعة القديمة, الله ﷻ : ٩٠ قد ذكر الحكمة ضمن الظواهر ولم يذكرها ضمن الصفات.
(٢) انظر الإرشاد: ٣٠٦، ٣٥٦، نهاية الإقدام: ٤٦١، أصول الدين: ١٧٦، المواقف: ٣٥٩- ٣٦١، غاية المرام: ٣١٨، الرسالة اللدنية: ١: ١١٤،١١٨ (من مجموعة القصور العوالي) .
(٣) نهاية الإقدام: ٣٧٠، شرح الكبر ى: ٤٢٩، غاية المرام: ٢٣٤. المواقف ٣٢٣، مجموع الفتاوى ٨/٤٣٢_ ٤٣٦, التسعينية: ٢٤٧.
(٤) نهاية الإقدام: ٣٧٠، شرح الكبر ى: ٤٢٩، غاية المرام: ٢٣٤. المواقف ٣٢٣، مجموع الفتاوى ٨/٤٣٢_ ٤٣٦, التسعينية: ٢٤٧.
(٥) عن التأويل جملة انظر كتاب ابن فورك كاملا، والإنصاف: ٥٦. ١٦٥، وغيرها, والإرشاد: فصل كامل له، أساس التقديس: فصل كامل أيضا. وعن الثلاثة الأحاديث انظر: إحياء علوم الدين طبعة الشعوب: ١/ ١٧٩ والرد عليه في مجموع الفتاوى ٥/٣٩٨, وانظر كذلك ٦/٣٩٧،٥٨٠ تنبيه حول التأويل: التأوّل الذي يذكره الفقهاء في باب البغاة وقد يرد في بعض كتب العقيدة لا سيما في موضوع التكفير والاستحلال هو غير التأويل المذكور هنا وإن كانت أكثر الكتب تسمِّيه تأويلا وهو في الحقيقة تأوُّلاً لأن الفعل الماضي منه "تأوًل".
стр. 14951
فالتأوّل هو: وضع الدليل في غير موضعه باجتهاد أو هو شبه تنشأ من عدم فهم دلالة النص، وقد يكون المتأول مجتهدا مخطئا فيعذر, وقد يكون متعسّفا متوّها فلا يعذر, وعلى كل حال يجب الكشف عن حاله وتصحيح فهمه قبل الحكم عليه, ولهذا كان من مذهب السلف عدم تكفير المتأول حتى تقام عليه الحجة مثلما حصل مع بعض الصحابة الذين شربوا الخمر في عهد عمر متأولين قوله تعالى: ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا﴾ الآية. ومثل هذا من أوّل بعض الصفات عن حسن نية متأوِّلا قوله تعالى: ﴿ليس كمثله شئ﴾ فهو مؤوِّل متأوّل ولا يكفر، ولهذا لم يطلق السلف تكفير المخالفين في الصفات أو غيرها؛ لأن بعضهم أو كثير منهم متأوِّلون، أما الباطنية فلا شك في كفرهم لأن تأويلهم ليس له أي شبهة بل أرادوا هدم الإسلام عمداً بدليل أنهم لم يكتفوا بتأويل الأمور الاعتقادية بل أوَّلوا الأحكام العملية كالصلاة والصوم والحج. الخ ...
(١) انظر الإرشاد: ٣٥٨، ٣٤٠، الإنصاف: ٥٥، المواقف: ٢٣, شرح الأصفهانية: ٤٩، النبوات: ٤٨، وانظر الجزء الثاني من مجموع الفتاوى ٧- ٢٧.
(٢) انظر المواقف: ٣٩٢، ومصادر المبحث "السابع "، أساس التقديس: ١٦، ١٩٦، شرح الكبرى ٦٢, أركان الإيمان: ٢٩٨-٢٩٩.
(٣) شرح الباجوري: ٣١، شرح الكبرى: ٣٩، ٢١٠، ٢١٣، حاشية الدسوقي: ٥٤- ٧٠- ٩٧، مصادر الموضوعات السابقة.
(٤) يعنى بهم الأشاعرة كعادته هو وبعض أصحابه, ولهذا يجب التفطن لمثل هذا عند النقل من كتبهم.
(٥) الفرق بين الفرق: ٣١٨.
(٦) انظر ص ١٢٤.
(٧) انظر المواقف: ١٩٩، ٢١٧، ٢١٩.
(٨) الرد على المنطقيين: ٣١١.
(٩) ومن العجيب أن الماتريدية يخرجون الأشاعرة من أهل السنة ويدعونه لأنفسهم وهم أكثر فرقتين في الإسلام تقاربا واشتراكا في الأصول. انظر حاشية على لشرح العضدية: ٣٨
стр. 14952
أما ما يتعلق بالخلاف بين الأشاعرة والمعتزلة فهو برمته خلاف داخلي ضمن المدرسة العقلية التي هي مدرسة الهوى والبدعة, ولا بأس أن يستفيد أهل السنة من ردود الأشاعرة عليهم إذا كانت حقا.
(١) انظر تفصيل المناظرة في مجموع الفتاوى ج ٣.
(٢) انظر المصدر السابق: ١٦٩، ٢١٧.
(٣) انظر تفصيل ذلك في مجموع الفتاوى: ١٢/ ٤٧٩- ٥٠١.
(٤) انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة الكلام عن حديث ٢٠٤.
(٥) مجموع الفتاوى: ٣/ ١٧٩.
(٦) ص ٢٠٦.
стр. 14953
إضطراب الناس في مسألة الكلام
مع بيان الحق الذي تدل عليه الأدلة وتشهد به الفطر السليمة
للشيخ عبد الكريم مراد
أستاذ مشارك بكلية الشريعة
الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى.
وبعد: فهذا بيان موجز لأقوال الناس واضطرابهم في مسألة هي من أهم مسائل الدين وهي: مسألة الكلام مع بيان الحق الذي تدل عليه الأدلة وتشهد به الفطرة السليمة.
أقول وبالله التوفيق: الكلام والقول واحد, وهو في عرف الناس ولغاتهم اسم للفظ والمعنى معاً, فاللفظ بمفرده لا يسمى كلاماً ولا المعنى بمفرده كلاما إلا مع قرينة.
ولهذا تجد الكثيرين من المصنفين في أصول الفقه من جميع الطوائف من أتباع الأئمة الأربعة إذا تكلموا في الأمر والنهي ذكروا: أن الأمر والنهي هو اللفظ والمعنى معاً وخالفوا من قال: إن الأمر والنهي هو المعنى [١] قال الشيخ الموفق في روضة الناظر (٢/٦٣) : "وللأمر صيغة مبنية تدل بمجردها على كونها أمراً إذا تعرَّت عن القرائن وهي (إفعلْ) للحاضر و (لْيَفعل) للغائب, هذا قول الجمهور, وزعمت طائفة من المبتدعة أنه لا صيغة للأمر بناءً على خيالهم الفاسد: أن الكلام معنى قائم بالنفس, فخالفوا الكتاب والسنة واللغة والعرف.! "
وعلى هذا مضى السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولم يكن بينهم أي نزاع في مسمى الكلام ومعناه. وهل يعقل أن ينازعوا فيما هو من أجلى الأمور عند الناس مثل الماء والنار والرأس واليد ونحو ذلك.
والكلام تكلم به الأولون والآخرون منذ خلقوا, وهل يقول عاقل: إنهم ما فهموا معنى الكلام ومسماه.
ولوترك الناس على فطرهم السليمة وعقولهم الصحيحة لم يقع بينهم نزاع في مثل ذلك من الضروريات ولكن الشياطين يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا فيَضلون ويُضلون غيرهم. ونعوذ بالله من فتن المضلِّين.
стр. 14954
وإنما حصل النزاع في معنى الكلام ومسماه عند المتأخرين بعد ما حدثت البدع وكثرت بها الشبه والشكوك فمرضت القلوب وفسدت العقول وكثر القيل والقال.
فقال بعضهم: "الكلام حقيقة في اللفظ مجاز في المعنى تسمية المدلول باسم الدال", وقال آخرون: "عكس ذلك".
وقيل: "يطلق الكلام على اللفظ والمعنى بطريق الاشتراك اللفظي", وقيل: "حقيقة في كلام الناس؛ لأن لكلامهم حروفاً وأصواتاً تقوم بهم ومجاز في كلام الله " [٢] .
والصواب في ذلك هو ما ذكرناه آنفاً بأن الكلام: "مجموع اللفظ والمعنى فمسماه مركب".
الكلام من صفات الله تعالى:
قد تواتر عن الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام: أن الله تعالى متكلم موصوف بالكلام حيث أخبروا عن الله بأنه: أمر بكذا ونهى عن كذا وأخبر بكذا، وكل ذلك من أقسام الكلام.
ووصف الله تعالى نفسه المقدسة بالكلام كما وصف نفسه بالعلم والقدرة والإرادة ونحو ذلك من صفات الكمال.
وصفاته جل وعلا لا تماثل صفات المخلوقين فهي صفات كمال تختلف عن صفات المحدثات كما تختلف ذاته المقدسة عن ذواتهم، ليس كمثله شيء.
وذلك أن المعاني والصفات التي تطلق على الخالق والمخلوق بالاشتراك لها اعتباران:
أـ اعتبار العموم والتجريد من الإضافة نحو: الحياة والعلم والقدرة والكلام، فهي بهذا الاعتبار مشتركة بين الخالق وبين المخلوق.
ولا يلزم من اشتراكهما في الأسماء والمعاني من حيث العموم وعدم الإضافة تشبيه ولا تمثيل؛ لأن هذا المشترك مطلق كلي لا وجود له في الخارج والواقع وإنما يفرضه الذهن, والذهن يفرض المحال.
ب- إعتبار الخصوص والتقييد والإضافة:
стр. 14955
والإضافة تارة تكون إلى الرب ﷻ نحو: وجود الله وحياة الله وكلام الله، فهذا المضَاف إليه سبحانه مختص به لا يَشْرَكه فيه أحد من خلقه, ولله المثل الأعلى. وتارة تكون الإضافة إلى العبد نحو: وجود العبد وحياته وعلمه وكلامه.
فهذا المضاف إلى العبد مختص به, والله تعالى منزه عن مشاركة العبد في صفاته وخصائصه, فالصفة تابعة للموصوف؛ فإن كان الموصوف بها هو الغني الحميد فصفاته كما يليق به, وإن كان الموصوف هو العبد الفقير فصفاته كما يليق بحاله من الفقر والحدوث والفناء [٣] .
اختلاف الناس في حقيقة كلام الله تعالى:
قد تنازع الناس في حقيقة كلام الرب وتفرَّقوا واختلفوا بالأهواء بعد مضيّ خير القرون من الصحابة والتابعين لهم بإحسان.
قال عزّ من قائل: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ . (٢: ١٧٦) .
١ـ وأبعد ما قيل في كلام الله سبحانه: "إنه فيض من المعاني يفيض من الملأ الأعلى على النفوس الشريفة بواسطة العقل أو غيره فيكسبها أنواعا من العلوم من تصورات وتصديقات بحسب استعداد تلك النفوس وقبولها لذلك الفيض". وهذا قول المتفلسفة القرامطة مثل: الفارابي وابن سينا والطوسي.
ويزعم هؤلاء الملاحدة أنّ موسى ﵇ سمع كلام الله من سماء عقله أي كلّمه بكلام حدث في نفسه لم يسمعه من خارج, وأن أهل الرياضة والصفاء يصلون إلى ما وصل إليه موسى فيسمعون ما سمعه موسى كما سمعه موسى ﵇, ويرى هؤلاء أن لتلك النفوس قوتين:
أ - قوة التصور وبها تدرك من المعاني ما يعجز عنه غيرها.
ب - قوة التخييل وبها تستطيع أن تتصوّر المعقول في صورة المحسوس فتتخيل صوراً نورانية تخاطبها وتكلمها بكلام تسمعه الآذان.
стр. 14956
وربما تقوى هذه القوة على إسماع ذلك لغيرها وعلى تشكيل تلك الصور النورانية لعين الرائي فيرى الملائكة ويسمع كلامهم وكل ذلك من الوهم والخيال.
وهؤلاء الملاحدة لما علموا أن الرسول ﷺ أخبر عن الله تعالى بأنه قال: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ قالوا مصانعين للمسلمين: "إن القرآن كلام الله وما جاء به الأنبياء كلام الله"، ولكن حقيقة كلام الله عندهم هو ما ذكرنا, فحرَّفوا نصوص الكتاب والسنة الدالة على كلام الله وتكليمه لعباده على طريقة إخوانهم في تحريف الكلم عن مواضعه.
والنبوّة عند هؤلاء مكتسبة, وحشر الأجساد عندهم مستحيل, والرب سبحانه لا يعلم الجزئيات, إلى غير ذلك من الكفر والضلال.
والذي قاد هؤلاء إلى هذا الكفر الصريح هو عدم إيمانهم بما جاء به الرسول ﷺ وأخبر به عن الله تعالى وعن المعاد, ولكن لما بهرت عقولهم شمس الرسالة حتى شهد شاهد منهم بأنه لم يطرق العالم ناموس أفضل من هذا الناموس ولم يوافق ما جاء به الرسول ﷺ أصولهم الفاسدة وآراءهم الكاسدة أصبحوا حيارى نحو ذلك.
فمنهم من لم يؤمن بكثير من ذلك بل يشك فيه أو يكذبه, ومنهم من يقول: "إن ما جاء به الرسول ﷺ تخييل للحقائق وأمثلة مضروبة لتقريبها إلى أفهام العامة, والأنبياء والرسل قد فعلوا ذلك للمصلحة". نعوذ بالله من ذلك.
هذه طريقة الفارابي الملقّب بالمعلّم الثاني لهم, وابن سينا الملقب بالشيخ الرئيس لهم, والطوسي الملقّب بالمحقّق عندهم من المتفلسفة في الإسلام.
يذكر الحافظ ابن القيم في النونية مذهب هؤلاء في كلام الله فيقول:
للمسلمين بإفكٍ ذي بهتان
وأتى ابن سينا القرمطي مصانعاً
الفعال علة هذه الأكوان
فرآه فيضاً فاض من عقل هو
حسن التخييل جيد التبيان
стр. 14957
حتى تلقاه زكيّ فاضل
٢ـ والقول الثاني في كلام الله تعالى قول أهل وحدة الوجود كابن عربي الطائي والصدر القونوي وحزبهما.
قالوا: "كل كلام في الوجود كلام الله تعالى نظماً كان أو نثراً، صدقاً كان أو كذباً ".
وقال عارفهم:
سواء علينا نثره ونظامه
كل كلام في الوجود كلامه
وهذا القول الذي لا يخفى فساده على كل من عنده مسكة عقل وهو فرع مذهبهم الفاسد وهو أن الله تعالى عين هذا الوجود وأن تلك الكثرة وهم وخداع من الحس لا حقيقة لها من الواقع.
ولازم هذا الهذيان والكفر الصريح أن كلام هذه المخلوقات وسائر صفاتها محمودة كانت أو مذمومةً هي عين كلام الله وصفاته إذ هي عينه. تعالى الله عما يقولون الظالمون علوا كبيرا.
ويصوّر لنا ابن القيم ﵀ مذهب هؤلاء في نونيته بقوله:
طمت على ما قال كل لسان
وأتت طوائف الاتحاد بملة
الخلق من جن ومن إنسان
قالوا كلام الله كل كلام هذا
صدقا وكذبا واضح البطلان
نظما أو نثرا زوره وصحيحه
للمحصنات وكل نوع أغان
فالسب والشتم القبيح وقذفهم
وسائر البهتان والهذيان
والنوح والتعزيم والسحر المبين
وكلامه حقا بلا نكران
هو عين كلام الله ﷻ
وعليه قام مكسح البنيان
هذا الذي أدى إليه أصلهم
عين الوجود وعن ذي الأكوان
إذ أصلهم أن الإله حقيقة
وصفاته ما ههنا قولان.
فكلامها وصفاتها هو قوله
٣ ـ والقول الثالث قول نفاة الصفات من جهمية ومعتزلة.
قالوا: "الرب متكلم بكلام حرف وصوتُ يخلق ذلك في بعض مخلوقاته".
فكلامه عندهم مخلوق كسائر المخلوقات.
стр. 14958
يقول القاضي عبد الجبار المعتزلي في كتابه المغني في التوحيد والعدل (٧/٣) : "اختلف الناس في كلام الله تعالى والذي عليه شيوخنا: أن كلام الله من جنس الكلام المعقول في الشاهد, وهو حروف منظومة وأصوات مقطعة, وهو عرض يخلقه الله تعالى في بعض الأجسام على وجه يسمع ويفهم معناه, يؤدِّي الملِك ذلك المعنى إلى الأنبياء ﵈ بحسب ما يأمر به الله ويعلمه صلاحاً".
ويقول في القرآن الكريم (٧/ ٢٢٤) : "إن الله خلق القرآن وأحدثه لمصالح العباد".
وهذا القول الفاسد فرع أصلهم الفاسد وهو النفي المجمل: "أن الله تعالى ليس محلا للحوادث ولا يقوم به وصف ولا فعل".
فجرَّدوه سبحانه مما وصف به نفسه ووصفه به رسوله ﷺ من صفات الكمال.
ومن لوازم هذا القول الفاسد في مسألة الكلام أن يكون الله تعالى متكلما بكل كلام يحدثه في الجمادات أو يخلقه في الحيوانات حقا كان أو باطلا، صدقا كان أو كذبا, وقد طرد ذلك الاتحادية. تعالى الله عن ذلك كله.
وجرّ هذا القول الفاسد قائليه إلى القول: "إن إضافة الكلام إلى الله تعالى إضافة تشريف مثل: بيت الله وناقة الله ونحو ذلك".
وبطلان ذلك لا يخفى على ذي البصيرة؛ وذلك لأن الإضافة إلى الرب تعالى نوعان:
أـ إضافة معان وصفات نحو: حياة الله وعلمه وقدرته وكلامه ونحو ذلك, فهذه من إضافة الصفة إلى الموصوف، ولا يقال في إضافة شيء من صفاته إليه تعالى إضافة تشريف إذ صفاته سبحانه ليست خارجة عن مسمى اسمه, بل يمتنع وجود ذاته بدون صفاته اللازمة لها وإن كان الذهن يفرض ذاتاً وحدها وصفة وحدها.
ب ـ إضافة ذوات وأعيان نحو: عبد الله وبيت الله وأرض الله ونحو ذلك, فهذه من إضافة المخلوق إلى خالقه جل ذكره.
وإضافة المخلوق إلى الخالق نوعان:
стр. 14959
١ ـ إضافة عامة لا تشريف فيها, وذلك أن يضاف إليه سبحانه شيء من المخلوقات نظراً لكونه مخلوقاً مربوباً له سبحانه.
فهذا المعنى العام موجود في جميع المخلوقات من غير فرق بين مخلوق وآخر, ولك بهذا الاعتبار أن تقول في إبليس عليه اللعنة: خلق الله ولا تشريف في ذلك.
٢ ـ إضافة خاصة تقتضي التشريف والتكريم للمضاف إلى الله تعالى, وذلك أن يضاف إليه سبحانه شيء من المخلوقات لمعنى خاص يوجد في ذلك المخلوق يحبه الله به ككونه نبياً وكون الكعبة قبلة للمسلمين, فإذا قيل في أحد أنبياء الله: عبد الله أو قيل في الكعبة الشريفة: بيت الله، فهذه إضافة تشريف.
وعلم بذلك أن إضافة المخلوق إلى الخالق لا تكون إضافة تشريف على وجه الإطلاق.
وأول من علم منه إنكار التكليم والمخالفة هو جعد بن درهم في أوائل القرن الثاني للهجرة, وشدد عليه في النكير علماء التابعين مثل الحسن البصري وغيره, وأفتوا بقتله فقتل بسبب ذلك قتله خالد بن عبد الله القسري أمير واسط بالعراق يوم الأضحى وقال للناس في خطبته: "أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضَحٍ بجعد بن درهم فإنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً ولم يكلم موسى تكليماً, تعالى الله عما يقول الجعد علواً كبيرا, ثم نزل فذبحه".
ثم تولى كبر هذه المقالة الشنعاء وهي مقالة تعطيل الأسماء والصفات بعد جعد ابن درهم تلميذه جهم بن صفوان السمرقندي, ونشرها فاشتهرت في الناس بمقالة الجهمية, وهذا الأخير لقي أيضاً مصرعه بسبب زيغه وزندقته.
ويذكر ابن القيم مذهب هؤلاء في النونية بقوله:
أيضاً فهم صنفان
والقائلون بمشيئة وإرادة
كمشيئة للخلق والأكوان
أحدهما جعلته خارج ذاته
التشريف مثل البيت ذي الأركان
قالوا: صار كلامه إضافة
والقول لم يسمع من الديّان
стр. 14960
ما قال عندهم ولا هو قائل
بالغير كالأعراض والأكوان
فالقول مفعول لديهم قائم
فيها الشيوخ معلّموا الصبيان
هذي مقالة كل جهميّ وهم
٤ ـ والرابع من الأقوال قول الكرّامية أتباع محمد بن كرام السجستاني المتوفى عام (٢٥٥ هـ) قالوا: "كلام الله تعالى حروف وأصوات حادثة, تكلّم الله بها بمشيئة وقدرة بعد أن لم يكن متكلّما أي حدثت له صفة الكلام".
وفساد هذا القول ظاهِر حيث جعلوه تعالى في الأزل غير قادر على الكلام ثم جعلوا الكلام ممكناً له تعالى مقدوراً له من غير حدوث شيء أوجب القدرة والإمكان.
ويقول في النونية عن هؤلاء:
في ذاته فهم نوعان
والقائلون بأنه بمشيئته
نوعاً حذارِ تسلسل الأعيان
أحدهما جعلته مبدوءاً به
إثبات خالق هذه الأكوان
فيسد ذاك عليهم في زعمهم
٥ ـ والخامس قول السالمية أتباع محمد بن أحمد سالم المتوفى عام (٢٩٧) للهجرة.
قالوا: "كلام الله تعالى حروف وأصوات أزلية قديمة ولها معان تقوم بذات الرب تعالى".
ولا يخفى فساد هذا القول بمجرد تصوره.
٦ ـ والسادس قول الكلاّبية والأشاعرة.
قالوا: "كلام الله تعالى معنى واحد قائم بذات الله لازم له لزوم الحياة والعلم والقدرة, أي صفة ذاتية لازمة غير مقدورة وليس لكلامه حرف ولا صوت يسمع".
وذلك المعنى الواحد هو الأمر والنهى والخبر والاستخبار وإن عُبرّ عنه بالعربية كان قرآنا, وإن عبر عنه بالعبرانية كان توراة, وإن عبر عنه بالسريانية كان إنجيلاً, فاختلفت العبارات لا المعنى.
قال سيف الدين الآمدي في كتابه "غاية المرام في علم الكلام" (٨٨) : "ذهب أهل الحق من الإسلاميين إلى كون الباري تعالى متكلما بكلام قديم أزلي أحديّ الذات ليس بحروف ولا أصوات".اهـ.
стр. 14961
وقال شارح المواقف (٢٩٨) : "كلامه تعالى عندنا واحد وهو المعنى القائم بالنفس الذي يعبر عنه بالألفاظ. وأما انقسامه إلى الأمر والنهي والخبر والاستفهام والنداء فإنما هو بحسب التعلق, فذاك المعنى الواحد باعتبار تعلقه بشيء على وجه خاص يكون أمراً, وباعتبار تعلقه على وجه آخر يكون خبراً وهكذا البواقي". اهـ.
هذا الذي قاله الكُلاَّبية والأشاعرة في كلام الله هو من أفسد ما قيل في كلامه سبحانه, وكلما تأمّل العاقل هذا القول تبين له فساده, وعلم مخالفته للكتاب والسنة وكلام سلف الأمة.
ومن اللوازم الفاسدة لهذا القول لا مفر لهم منها:
أـ إن القرآن المنزّل على خاتم النبيين ﷺ مخلوق فإنه كلام عربي مؤلف من حروف, وهؤلاء نفوا أن يكون لكلامه تعالى حرف.
ب ـ إن القرآن الكريم ليس كلام الله تعالى عندهم حقيقة.
ج ـ إن القرآن المنزل على محمد ﷺ هي التوراة المنزلة بالعبرية على موسى, وهو الإنجيل المنزل بالسريانية على عيسى ﵉.
د ـ إن معنى قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ معنى قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ .
وهل يقول ذلك عاقل وهو يدري ما يقول؟.
ونفى الكُلاّبية والأشاعرة أن يكون كلام الرب يتعلق بمشيئته وقدرته زعماً منهم أنه لو كان مقدوراً ومراداً له لكان حادثا فيلزم على هذا قيام الحوادث بالرب سبحانه.
وقد وافق هؤلاء نفاة الصفات من جهمية ومعتزلة على أصلهم الفاسد وهو نفيهم المجمل "أن الله ليس محلا للحوادث", ولكن فرقوا بين الصفات الذاتية وبين الصفات الاختيارية فقالوا: تقوم به تعالى الصفات الذاتية مثل الحياة والعلم والقدرة وجعلوا منها الكلام, وقالوا: لا يلزم من ذلك أي محذور لأنها صفات لازمة الذات.
стр. 14962
ونفوا أن تقوم به تعالى الصفات الاختيارية مثل الاستواء والنزول والغضب والرضى ونحوها مما يتعلق بإرادته وقدرته فرارا من أن يلزم به سبحانه قيام الحوادث.
والجواب عن قولهم "ليس الرب تعالى محلا للحوادث"أن هذا لفظ مجمل لا يقبل على إطلاقه بل يفسر ويفصل كآلاتي:
فإن أريد بهذا النفي المجمل: أن الله تعالى ليس محلا للحوادث أي ليس داخل ذاته المقدسة شيء من المخلوقات المحدثة فهذا حق.
أو أريد بذلك نفي تجدد وحدوث صفاته فهو أيضاً حق لأن صفاته تعالى قديمة أزلية إذ هي صفات كمال وفقدها عيب ونقص لا يليق بالإله ﷻ .
وإن أريد بهذا النفي المجمل "وهو مراد النفاة "نفي وإنكار ما وصف الله تعالى به نفسه وما وصفه رسوله ﷺ فهو نفي مردود على قائله لأن المؤمن لا يخطر بباله أن الله تعالى قد يصف نفسه أو يصفه أعلم الخلق بالله وهو الرسول ﷺ بكلام يكون ظاهره كفرا يجب تأويل ذلك.
بل جميع ما وصف الله به نفسه وما وصفه به رسوله ﷺ صفات كمال ظواهرها تليق بجلال الله تعالى تختلف عن الظواهر المشاهدة عند المخلوق كما تختلف ذاته عن ذواتهم. ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ .
وأول ما ظهر إنكار أن الله تعالى يتكلم بحرف وصوت في عهد أبي العباس المأمون بن هارون الرشيد الخليفة العباسي, وذلك أن نفاة الصفات من معتزلة وغيرهم قبل ذلك كانوا أذلاء مهانين فلما أدخلوا المأمون في مذهبهم وتأثر بآرائهم ظهر أمرهم ورفعوا رؤوسهم فعظمت الفتنة والمحنة وثبّت الله أهل الإيمان وورثة الأنبياء على ما ورثوا من الحق والقول الثابت, وعلم الناس سوء مذهب النفاة ومَا فيه من تعطيل الرب تعالى من صفات الكمال من الكلام وغيره, ظهر في ذلك الوقت رجل هو: أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب البصري المتوفى بعد سنة (٢٤٠) للهجرة بقليل.
стр. 14963
وأثبت الصفات مثل الحياة والعلم والقدرة والكلام ونحوها ونفى أن تكون صفات الله تعالى مخلوقة رداً على النفاة القائلين: "إنّ كلام الله مخلوق", فقال: "إنّ كلام الله معنى واحد قائم بنفسه لازم له ليس له حرف ولا صوت".
فسلك مسلكا خالف فيه المعتزلة ولم يوافق أهل الحديث في جميع ما قالوه, وإنما قابل بدعتهم ببدعة, وردّ باطلهم بباطل.
وأنكر ذلك الإمام أحمد بن حنبل والبخاري وغيرهما من أئمة السنة الذين كانوا في زمنه وبعده.
يقول عبد الله بن أحمد: "قلت لأبي: يا أبت إنّ قوما يقولون: "إنّ الله تعالى لم يتكلّم بصوت "، فقال يا بنيّ: "هؤلاء الجهمية إنما يدورون على التعطيل يريدون أن يلبسوا على الناس بل تكلم بصوت..."
قال في النونية عن هؤلاء:
وإرادة منه فطائفتان
ثم الألى قالوا بغير مشيئة
بالنفس أو قالوا بخمس معان
إحداهما جعلته معنى قائما
تبديه معقولا إلى الأذهان
والله أحدث هذه الألفاظ كي
هي القرآن بل دلت على القرآن
وكذلك قالوا إنها ليست
المجاز وذاك وضع ثان
ولربما سمى بها القرآن تسمية
والحق في المسألة هو ما ذهب إليه أئمة السنة والحديث من أن الكلام صفة كمال لله كسائر الصفات فهو لم يزل ولا يزال متكلما متى شاء وكيف شاء ولكلامه حرف وصوت يسمع, والكلام على هذا القول صفة ذات وفعل قديم النوع حادث الأفراد.
وذلك أن للكلام اعتبارين بالنسبة إلى المتكلم.
أـ كون الكلام صفة معنوية للمتكلم فبهذا الاعتبار يصح أن يقال: الكلام معنى قائم بنفس المتكلم وصفة قائمة بذاته, والصفة لا تقوم إلا بالموصوف.
стр. 14964
ب ـ كون الكلام مسموعا من المتكلم إذا تكلم بحرف وصوت فهذه هي حقيقة الكلام الخارجية وهي بالنسبة إلى المتكلم من المخلوقين مشاهدة لا ينكرها إلا مكابر.
وبالنسبة إلى الخالق جل وعلا فقد دلت الأدلة على أن لكلامه سبحانه حرفاً وصوتاً فقد وصف نفسه بالقول والتكليم وبالمناداة في غير ما آيةٍ.
والنداء هو الصوت ويقال: ناداه مناداة ونداء أي صاح به.
واستفاضت الأحاديث من الرسول ﷺ والآثار من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ومن بعدهم من أئمة السنة بأن الله تعالى ينادي بصوت ويتكلم بالوحي بصوت.
وكان أئمة السنة ﵃ يعدون من أنكر كلام الرب تعالى بصوت من الجهمية.
ومن تأمل نصوص الكتاب والسنة وكلام السلف لا يبقى عنده أي شك في ذلك ولا سيما أحاديث الشفاعة وحديث المعراج وأحاديث الرؤية وأحاديث الحساب وأحاديث تكليمه سبحانه ملائكته وأنبيائه ورسله وأهل الجنة إلى غير ذلك من الأحاديث.
ومن أحاط بها علما ومعرفة يقطع بان الله تعالى موصوف بالكلام على وجه يليق بكماله, وأن لكلامه سبحانه صوتا يسمع, بل الرب ﷻ أحق بهذه الصفة وأولى من كل أحد.
مراجع البحث
١ـ الأعلام للزركلي.
٢ـ الرسالة التدمرية لشيخ الإسلام ابن تيمية.
٣ـ الرسالة الحموية لشيخ الإسلام ابن تيمية.
٤ـ روضة الناظر لابن قدامه.
٥ـ شرح العقيدة الطحاوية.
٦ـ شرح المواقف.
٧ـ غاية المرام في علم الكلام للآمدي.
٨ـ فتح المجيد شرح كتاب التوحيد.
٩ـ القصيدة النونية لابن القيم.
١٠ـ مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام.
١١ـ مختصر الصواعق المرسلة لابن القيم.
١٢ـ المغني في التوحيد والعدل للقاضي عبد الجبار المعتزلي.
خلاق أمراء الصحابة
لما تم الصلح بين أمير جيوش المسلمين في فتح الشام وبين أحد قواد الروم، جاءه أمير الروم بطعام فاخر، وقال له:
стр. 14965
"هذا طعام الأمير".
فقال له أبو عبيدة: "وأطعمتم الجند مثل هذا الطعام؟ ".
قالت: "لم يتيسر مثله للجند".
فقال أبو عبيدة:
"لا حاجة لنا فيما يقتصر علينا وحدنا من ألوان الطعام, وبئس المرء أبو عبيدة إن صحب جنداً من بلادهم أهرقوا دماءهم دونه، أو لم يهرقوا، فاستأثر عليهم بشيء يصيبه. لا والله لا نأكل إلا مما يأكلون".
--------------------------------------------------------------------------------
[١] مجموع الفتاوى: (١٢/ ٣٥/٣٦)
[٢] شرح العقيدة الطحاوية.
[٣] مجموع الفتاوى (١٢/ ٣٦) , والتدمرية (٤٤) .
стр. 14966
نظامُ الإثبَات
في الفقه الإسلامي
[دراسة مقارنة]
للدكتور: عوض عبد الله أبو بكر
أستاذ مساعد بكلية الشريعة
(٤)
الحكم بالفراسة والقرائن
أولا: الحكم بالفراسة:
من وسائل الإثبات المختلف فيها عند فقهاء الشريعة الحكم بالفراسة، وهل تصلح دليلا يعتمد عليه القاضي في بناء أحكامه، أم لا تصلح دليلا لبناء الأحكام القضائية. وقبل أن نعرض آراء الفقهاء ينبغي معرفة المقصود من الفراسة.
الفراسة لغة:
الفِراسة بالكسر من التفرس, يقال: تفرّس الشيء إذا توسمه، وتفرّست فيه خيرا: توسّمته، وهو يتفرّس يتثبت وينظر، فالتفرس والتوسّم معناهما واحد أي يفسّر أحدهما بالآخر [١] .
الأصل في الفراسة ومعناها الفقهي:
الأصل في الفراسة قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ . (الحجر: ٧٥) .
فذكر أهل التفسير أن المتوسّمين يعني المتفرسين، وذلك اعتماداً على ما أثر عنه ﷺ .
فقد روى أبو سعيد الخدري ﵁ أنّ النبي ﷺ قال: "اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله ثم تلا الآية " [٢] .
وعن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن لله عباداً يعرفون الناس بالتوسُّم" [٣] .
يقول الألوسي: "قال الجلال السيوطي: هذه الآية أصل في الفراسة" [٤] .
معنى هذا أن الفراسة قد ورد اعتبارها في القرآن الكريم والسنة المطهرة، وأنها سمة من سمات المؤمنين، إذ أن الأحاديث مادحة للمتفرسين, وأن الفراسة مدرك من مدارك المعاني؛ لأن المؤمن المتفرس ينظر بنور الله، فالله هو الذي يريه ويفيض عليه.
فإذا ثبت هذا فلينظر كيف سارت تفسيرات العلماء للفراسة:
стр. 14967
يقول ابن العربي المالكي في تفسير الآية السابقة: "التوسم: هو تفعّل من الوسم وهي العلامة التي يستدل بها على مطلوب غيرها, وهي الفراسة وحقيقتها: الاستدلال بالخَلقْ على الخُلق، وذلك بجودة القريحة، ووحدة الخاطر، وصفاء الفكر" [٥] .
ويقول القرطبي: "هي العلامة التي يستدل بها على مطلوب غيرها ... "وقال ثعلب [٦] : "النظر من القرن إلى القدم, واستقصاء وجوه التعريف, وذلك يكون بجودة القريحة، وحدة الخاطر، وصفاء الفكر، وزاد غيره: وتفريغ القلب من حشو الدنيا وتطهيره من أدناس المعاصي، وكدورة الأخلاق وفضول الدنيا" [٧] .
ويفسرها الحكيم الترمذي بقوله: "والتفرس أن يركض بقلبه فارساً بنور الله إلى أمر لم يكن فيدركه... وإذا امتلأ القلب من نور الله تعالى نظرت عينا قلبه بنوره فأدرك في صدره مالا يحاط به وصفا" [٨] .
ويفسرها ابن الأثير بقوله: "الفراسة بمعنيين: أحدهما: ما دل عليه ظاهر الحديث، وهو ما يوقعه الله في قلوب أوليائه، فيعلمون أحوال الناس بنوع من الكرامات وإصابة الظن والحدس. والثاني: يعلم بالدلائل والتجارب والخلق والأخلاق" [٩] .
نلاحظ أن هذه التفسيرات مترددة بين اتجاهين:
الأول: إن الفراسة علامة يستدل بها على مطلوب غيرها- وأصحاب هذا التفسير يوافقون المعنى اللغوي، ويقولون: إن العلامات لما كانت متفاوتة منها ما يظهر من أول وهلة ولكل فرد من الناس، ومنها ما كان خفيا لا يدرك بباديء النظر، كان الخفيّ منها لا يعرفه إلا ذوو التجربة وصفاء الفكر، والفراسة في جميع هذه الأحوال استدلال بالعلامة لا مدخل للإلهام فيها، بل إن أصحاب هذا القول استنكروا على الصوفية وغيرهم ممن يرون أن الفراسة نوع من الإلهام والكرامة.
وقد تمثل هذا الاتجاه في قول ابن العربي وبه أخذ القرطبي وثعلب، وهو المعنى الثاني عند ابن الأثير.
стр. 14968
الثاني: إنّ الفراسة خاطر إلهامي يوقعه الله في قلوب الصالحين من عباده، فيعرفون به أحوال الناس، ويطّلعون على مالا يطّلع عليه العامة، وقد يدركون به أمراً لم يكن بعد.
وهذا يتمثل في تفسير الحكيم الترمذي, والمعنى الأول عند ابن الأثير وإليه أشار القرطبي بقوله: "إنها تكون لمن صفى قلبه من كدورات الأخلاق وتفريغ القلب من حشو الدنيا ... "الخ.
سواء كانت الفراسة استدلالاً بالعلامة أو خاطراً إلهامياً، فإن المتفق عليه في هذه التفسيرات هو أنّ سبيل الإدراك بالفراسة مستتر، وطريق المعرفة بها طريق خفي، وخطوات الاستنتاج فيها غير ظاهرة إلا لمن صفى فكره وكان حادّ الذكاء، أو كان من المؤمنين الصادقين الذين مدحتهم الآية والأحاديث وذكرت أنهم ينظرون بنور الله فتكون فراستهم صادقة ويطرد صوابها.
وجدير في هذا المقام، وحتى يتبيّن لنا معنى الفراسة، أن نذكر جانباً من الآثار التي أوردها الفقهاء تمثيلا للفراسة.
أولا: ما روي من فراسة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁:
أـ أنه قال: "يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى"ونزلت الآية ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً﴾ . (البقرة: ١٢٥) .
ب ـ أنه قال: "يا رسول الله لو أمرت نساءك أن يحتجبن. فنزلت آية الحجاب".
ج ـ أنه قال حين اجتمع على رسول الله ﷺ نساؤه في الغيرة: " ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِنْكُن﴾ . فنزلت كذلك". (التحريم: ٥) [١٠] .
هـ ـ أنه دخل عليه قوم فيهم الأشتر فصعّد فيه النظر وصوّبه، وقال: "أيهم هذا؟ "قالوا: "مالك بن الحارث"، فقال: "ماله قاتله الله إني لأرى للمسلمين منه يوما عصيبا"، فكان منه في الفتنة ما كان [١١] .
ثانيا: ما روي عن ذي النورين عثمان ﵁:
стр. 14969
أـ أنه دخل عليه بعض الصحابة، وكان قد مرّ بالسوق فنظر إلى امرأة, فلما نظر إليه عثمان قال: "يدخل أحدكم عليّ وفي عينيه أثر الزنا". فقال له: أَوَحْياً بعد رسول الله ﷺ ؟ , قال عثمان: "لا ولكن فراسة صادق" [١٢] .
ب ـ أنه لما تفرّس أنه مقتول ولابد، أمسك عن القتال والدفع عن نفسه لئلا يجري بين المسلمين قتال وآخر الأمر يقتل هو، فأَحبَّ أن يُقتل دون أن يقع قتال بين المسلمين [١٣] .
ثالثا: ما روي من فراسة عبد الله بن عمر ﵄ في الحسين بن علي ﵄ لمّا ودَّعه قال: "أستودعك الله من قتيل"، ومع الحسين ﵁ كتب أهل العراق تناشده الحضور لنصرته، فكانت فراسة ابن عمر أصدق من كتبهم [١٤] .
رابعا: ما روي من فراسة الشعبي- ﵀ أنه قال لداود الأزدي - وهو يماريه-: "إنك لا تموت حتى تكوى في رأسك", فكان كذلك [١٥] .
والأمثلة من هذا القبيل كثيرة تجل عن الحصر، ولكن الذي يبدو كما ذكرت هو خفاء طريق الاستنتاج، وأن المتفرس يدرك الأمر بأسلوب مستتر، فقد يكون استنتاجه هذا مبنياً على علامات خفية تفرسها، وقد يكون مبنيا على خواطر إلهامية قذفها الله في قلبه ونطق بها لسانه.
القضاء بالفراسة في آراء الفقهاء:
لما كان الاستدلال بالفراسة لا يقوم على أسس واضحة ظاهرة حيث أنّ خطوات الاستنتاج فيها خفية غير معروفة لغير المتفرِّس فقد منع جمهور الفقهاء بناء الأحكام القضائية على الفراسة، وقالوا: إنها لا تصلح مستنداً للقاضي في فصل الدعوى، إذ أن القاضي لابد له من حجة ظاهرة يبني عليها حكمه.
يقول الشيخ الدردير المالكي فيما يتصف به القاضي: "فالمطلوب الدهاء ويندب ألا يكون زائدا فيه عن عادة الناس، خشية أن يحمله ذلك على الحكم بين الناس بالفراسة وترك قانون الشريعة من طلب البيّنة وتجريحها، وتعديلها، وطلب اليمين ممن وجهت إليه وغير ذلك" [١٦] .
стр. 14970
ويقول ابن العربي المالكي: "إذا ثبت أن التوهّم والتفرّس من مدارك المعاني، ومعالم المؤمنين، فإن ذلك لا يترتب عليه حكم، ولا يؤخذ به موسوم ولا متفرس، فإن مدارك الأحكام معلومة شرعاً، مدركة قطعاً، وليست الفراسة منها" [١٧] .
وجاء في تبصرة الحكّام لابن فرحون قوله: "والحكم بالفراسة مثل الحكم بالظن والحرز والتخمين، وذلك فسق وجور من الحكم، والظن يخطئ ويصيب" [١٨] ، ثم بيّن الشاطبي في كتابه الموافقات: أن الفراسة لا تصلح مستنداً للقاضي في حكمه لأن الاعتبارات الغيبية لا دخل لها في بناء الأحكام القضائية، فالرسول ﷺ وهو أعظم المتفرِّسين - لم يعتبرها دليلا يعتمد عليه فقال: "إنكم تختصمون إليّ ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له بحق أخيه شيئا بقوله فإنما أقطع له قطعة من النار فلا يأخذها". فقيّد الحكم بمقتضى ما يسمع وترك ما وراء ذلك" [١٩] .
كما أن صاحب (معين الحكام) الحنفي قد ذكر من القول في منع الحكم بالفراسة مثل ما قدمناه عن صاحب تبصرة الحكام، وأن الحكم بها حكم بالظن والتخمين [٢٠] .
رأي ابن القيم:
خالف ابن القيم جمهور الفقهاء وذهب إلى القول بجواز الحكم بالفراسة وقال إنها مدرك صحيح للأحكام، واستخراج الحقوق وفصل الدعاوى، ومن قوله في ذلك: "ولم يزل حذّاق الحكام والولاة يستخرجون الحقوق بالفراسة والأمارات، فإذا ظهرت لم يقدّموا عليها شهادة ولا إقراراً" [٢١] .
وهو في ذلك يرى أنّ الفراسة من القرائن، ويفسِّرها بالعلامة، ويظهر ذلك من فحوى اعتراضه على تفرقة أبي الوفاء بن عقيل- أحد فقهاء الحنابلة - بين الفراسة والأمارات. قال: "وسئل أبو الوفاء بن عقيل عن هذه المسألة - أي مسألة الحكم بالقرينة والأمارات - فقال: "إن الحكم بالقرينة ليس من باب الحكم بالفراسة التي تختفي فيها خطوات الاستنتاج".
стр. 14971
فاعترض ابن القيم قائلا: "وقول أبي الوفاء بن عقيل ليس هذا فراسة فيقال: لا محذور في تسميته فراسة، فهي فراسة صادقة، وقد مدح الله الفراسة وأهلها في مواضع كثيرة من كتابه فقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ وهم المتفرسون الآخذون بالسّيما وهي العلامة٢.
ومن هنا يتضح لنا أن ابن القيم لا يفرّق بين الاستدلال بالعلامات كانت هذه العلامات خفية لا تدرك إلا للمتفرسين، أم كانت ظاهرة تدرك لكل أحد، ومع أنه قد ذكر جانباً من الأمثلة التي تقدّمت عن الفراسة التي يختفي فيها طريق الاستدلال بالعلامة ويتضح فيها جانب الإلهام كتلك التي قدمناها عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، إلا أنه يرى أن كل ذلك استدلالا بالعلامة ويجوز بناء الأحكام القضائية عليه.
وزيادة على ذلك فقد استدل ابن القيم على القضاء بالفراسة بما كان يفعله إياس بن معاوية وشريح، إذ اشتهر عنهما ذلك، وذاع ذكاؤهما وحسن فراستهما, وقد أورد ابن القيم في الطرق الحكمية آثارا كثيرة عنهما تنم عن ذكاء وصفاء فكر وحدّة فراسة تميّزا بها في إرجاع الحقوق إلى أهلها.
تعقيب.
ومن رأينا أن الفراسة لا تصلح مستندا لحكم القاضي وفصل الدعاوى وهو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء خلافا لابن القيم، وذلك للأسباب التالية:
الأول: أنه لم يرد في الشرع الحكيم ما يدل على اعتبارها والأخذ بها في القضاء، ومع أن الله قد مدح المتفرّسين، وأنه تعالى هو الذي يفيض عليهم ويهديهم هذه المعارف التي لا يدركها غيرهم، إلا أن مدارك الأحكام القضائية معلومة شرعا، وقد وضّحها النبي ﷺ ، وأنه ﷺ خير المتفرسين وأفضلهم وأعرف الناس بالناس. قال: "إنكم تختصمون إليّ.." الحديث, فلم يجعل للاعتبارات الخفية مدخلا، ولم يترك لوسائل الاستنباط غير المنضبطة والمستترة مجالا.
стр. 14972
ثانيا: لما كانت الفراسة غير مدركة بالعين الحسية، فقد يكون الاحتجاج بها مدخلا لذوي النفوس المريضة والأغراض والدعاوى الباطلة، فيحكمون بما يوافق أهواءهم وأطماعهم مما يؤدي إلى اختلاف الأحكام وفساد القضاء.
ثالثا: إذا كنا قد وافقنا الفقهاء القائلين بعدم السماح للقاضي القضاء بعلمه لكون طريق الإثبات غير معروف لغير القاضي، فمن باب أولى ألا نوافق في القضاء بالفراسة لنفس السبب. وإن كان فساد الزمان من أسباب منع القاضي أن يقضي بعلمه فهو أيضا سبب كاف لمنع الحكم بالفراسة [٢٢] .
رابعا: قول ابن القيم ﵀ "إن الفراسة من الاستدلال بالعلامة"محل نظر لوجود حالات كثيرة للفراسة يختفي فيها الاستدلال بالعلامة، وفيما قدّمنا من أمثلة دليل صادق على صحة قولنا. أما الفراسة التي يكون الاستدلال فيها مبنيا على العلامة الظاهرة فحكمها ملحق بحكم العمل بالقرائن والعلامات. وهو ما سيأتي الحديث عنه إن شاء الله تعالى.
أما فعل إياس بن معاوية وشريح، فقد رجعت إلى كثير من القضايا المأثورة عنهما ووجدت استدلالهم بالعلامة الظاهرة واضحا، غير أنه يظهر جليا ذكاؤهما وفراستهما في الوصول إلى هذه العلامة. ثم إن القضاة ليسوا كإياس وشريح حتى يسيروا سيرهما. كما أنّ جمهور الفقهاء لا يتفق معهم على الأخذ بمنهجهما في القضاء.
وعلى هذا أرى أن الفراسة لا تصلح أن تكون طريقاً من طرق الإثبات في الفقه الإسلامي.
ثانيا: الحكم بالقرائن:
معنى القرينة لغة:
стр. 14973
القرينة، جمعها قرائن، قارن الشيء يقارنه مقارنة وقرانا: اقترن به وصاحبه, وقارنته قرانا: صاحبته، وقرينة الرجل: امرأته، وسميت الزوجة قرينة لمقارنة الرجل إياها. وقرينة الكلام ما يصاحبه ويدل على المراد به. والقرين المصاحب, والشيطان المقرون بالإنسان لا يفارقه, وفي الحديث: "ما من أحد إلا وكّل به قرينه" [٢٣] أي مصاحبه من الملائكة والشياَطين [٢٤] .
معنى القرينة اصطلاحا:
لم أعثر فيما اطلعت عليه من كتب الفقه القديمة على تعريف للقرينة إلا ما ورد في كتاب "التعريفات"للجرجاني حيث يقول: "القرينة: أمر يشير إلى المطلوب" [٢٥] . وما نقله العلامة ابن نجيم المصري الحنفي عن ابن الغرس من قوله: "من جملة طرق القضاء القرائن الدالة على ما يطلب الحكم به دلالة واضحة بحيث تصيره في حيز المقطوع به" [٢٦] . وأيضا ما جاء في مجلة الأحكام العدلية من أن: "القرينة القاطعة هي الأمارة البالغة حدّ اليقين" [٢٧] .
هذه التعريفات وان اختلفت كلماتها إلا أنها تتفق على أن القرينة أمر أو أمارة أي علامة تدل على أمر آخر وهو المراد، بمعنى أنّ هناك واقعة مجهولة يراد معرفتها فتقوم هذه العلامة أو مجموعة العلامات بالدلالة عليها، وهي لا تختلف عن المعنى اللغوي لأن هذه العلامات تصاحب الأمر المجهول فتدل عليه، أي تدل عليه لمصاحبتها له.
والقرينة في مجال الإثبات هي العلامات التي تدل على الواقعة المجهولة التي يراد إثباتها عند انعدام أدلة الإثبات الأخرى الأقوى من إقرار أو بينة.
стр. 14974
مثال ذلك: أن يرى شخص الله عليه وسلم يحمل سكينا ملطخة بالدماء وهو خارج من خربة خائفا يرتجف، فيدخل شخص أو أشخاص الخربة على الفور فيجدون آخر مذبوحا لتوه مضرجا بدمائه وليس في الخربة غيره. فالواقعة المراد إثباتها هي شخصية القاتل والعلامات التي تدل عليها هي خروج ذلك الرجل وبتلك الهيئة التي تحمل على الاعتقاد أنه القاتل، وذلك عند عدم اعترافه أو قيام البيّنة على القاتل. فالاعتراف والبينة دليلان يتناولان الواقعة المجهولة مباشرة، أما العلامات فإنها تدل عليها دلالة أي يؤخذ منه بالدلالة والاستنتاج حكم الواقعة المجهولة.
الفرق بين القرينة والفراسة:
بناء على ما قدمنا من تعريف للقرينة، وبناء على ما قدمنا من قول في الفراسة فيمكن تلخيص الفرق بين القرينة والفراسة في النقاط التالية:
أولا: أن القرينة علامة ظاهرة مشاهدة بالعيان، كمن يرى رجلا مكشوف الرأس وليس ذلك من عادته يعدو وراء آخر هارباً وبيد الهارب عمامة وعلى رأسه عمامة، فهذه قرينة مشاهدة بالعين الحسية ودلالتها كما يقول العلماء واضحة على أن العمامة للرجل مكشوف الرأس، ولا يقال عمن يرى هذه العلامة ويستنتج هذا الحكم إنه متفرس.
ثانيا: أن رؤية القرينة لا تتطلب مواصفات معينة في الرائي، كصدق الإيمان وصفاء الفكر وحّدة الذكاء، وذلك لأن خطوات الاستنتاج فيها ظاهرة واضحة، حتى أن الدقيق منها كتلك التي تقوم على التجارب العلمية لها أسسها وضوابطها وقانونها الذي يسهل الاطلاع عليه ومعرفته، أما الفراسة فهي تتطلب مواصفات معينة في المتفرّس، صدق إيمان أو حّدة ذكاء وصفاء فكر، وذلك لأن خطوات الاستنتاج فيها مستترة خفية.
стр. 14975
ثالثا: إنه يمكن أن تقام البيّنة على وقوع القرينة ويتأكد القاضي من ثبوتها ففي المثال المتقدّم قد يشهد اثنان أو أكثر على رؤية الواقعة، أما الفراسة فلا يتوفر فيها ذلك، فلا يستطيع أحد الشهادة عليها وإن صحّ وقوعها على قلب اثنين أو أكثر فتلك حالة نادرة.
رابعا: القرينة قد تصلح دليلاً لبناء الأحكام القضائية ومستنداً للقاضي في فصل النزاع كما سنبين ذلك. أما الفراسة فلا يصح الحكم بها على قول جمهور الفقهاء خلافاً لابن القيم.
القرينة والعرف:
وقبل أن نبيِّن آراء الفقهاء في القضاء بالقرينة نشير إلى ما لاحظناه من ارتباط وثيق بين القرينة والعرف.
والعرف: هو ما تعارف عليه الناس وساروا عليه من قول أو فعل أو ترك, بحيث لا يخالف دليلا شرعيا أو يحلّ حراما أو يبطل واجبا، والعرف بهذا المفهوم قد راعته الشريعة طالما أن الناس تعارفوا عليه واتفق مع حاجاتهم ومصالحهم، فقد راعى الشارع الحكيم عرف العرب ففرض الدية على العاقلة واعتبر العصبية في الإرث ولهذا يقول الحنفية: "المعروف عُرفاً كالمشروط شرطاً"و"الثابت بالعرف كالثابت بالنص", وقد غيّر الإمام الشافعي- ﵀ بعض أحكام مذهبه بعد أن ذهب إلى مصر لاختلاف أعرافهم عن أعراف أهل العراق [٢٨] .
ويظهر ارتباط القرينة بالعرف في صور يشكل فيها العرف قرائن تجب مراعاتها وملاحظتها، مثال ذلك: لقد تعارف الناس على البيع بالتعاطي وهو التبادل بين المتعاوضين من غير لفظ، فهذا عرف وهو في نفس الوقت قرينة دالة على رضا الطرفين بالبيع، وقد استجاب الفقهاء لمتطلبات العرف وتحرّروا بموجب هذه القرينة عن التقيُّد بشكلية اللفظ.
стр. 14976
ومن أظهر الصور التي جعلوا فيها العرف قرينة تجب مراعاتها في فهم الدعوى مسألة تنازع الزوجين في متاع البيت, وفى هذا يقول القرافي المالكي: "إنّ الإشهاد بين الزوجين يتعذر لأنهما لو اعتمدا ذلك، وأن من كان له شيء أشهد عليه أدى إلى المنافرة وعدم الوداد بينهما، وربما أفضى إلى الطلاق والقطيعة, فهما معذوران في عدم الإشهاد وملجآن إليه، وإذا الجاَ لعدم إشهاد فلو لم يقض بينهما بالعادة لانسد الباب بينهما" [٢٩] ر.
ومن ذلك أيضا قولهم: إن الزوجين إذا اختلفا في قدر المعجل والمؤجل في المهر ولا بينة لأحدهما فالقول لمن شهد له العرف [٣٠] .
يستفاد من هذا أن العرف قد يكون قرينة تدل على ما يطلب معرفته فلذلك كان لابد من ملاحظته ومعرفته عند نظر الدعوى, لأجل هذا فقد نبّه الفقهاء على القاضي بالتعرف على أحوال الناس وعاداتهم وما تواضعوا عليه لأنه بذلك تتبين له الدعوى ويعرف المحق من المبطل. ومن يرجع إلى ابن القيم في كتابيه الطرق الحكمية وأعلام الموقعين، وابن فرحون في تبصرته، والطرابلسي في كتابه معين الأحكام، لوجد ما فيه الكفاية من حث القاضي على معرفة العرف. ثم إن الفقيه الحنفي ابن عابدين قد ألف رسالة في هذا الشأن أسماها "نشر العرف في بناء بعض الأحكام على العُرف" [٣١]
ومع هذا التداخل بين القرينة والعرف يجب ألا يغيب عن نظرنا التفرقة بينهما، فالقرينة كما قدمنا هي العلامات التي يستنتج منها الواقعة المجهولة التي يراد إثباتها أو الحكم فيها، فقد تكون هذه العلامات مستفادة من أعراف الناس وما تواطأوا عليه، وقد تكون من غير ذلك. بمعنى آخر إن للقاضي أن يبني حكمه بناء على قرينة تعارف الناس على كذا، وقد يبنيه على علامات أخرى في الدعوى ليست مستفادة من العرف والعادة. ومن ثم فإن دائرة القرينة في مجال الإثبات أوسع لأنها تضم العرف وغيره.
القضاء بالقرينة:
стр. 14977
لم تحظ القرينة بالاتفاق على صلاحيتها كدليل لبناء الأحكام القضائية إلا أنه بالرغم مما يبدو لنا من خلاف حول تحكيم القرائن في فصل النزاع القضائي، فإن جميع المذاهب لا تخلو من إعمال القرائن في بعض المسائل حتى ولو كان ذلك تحت ستار العرف والعادة. ولكن هذا التحكيم للقرائن يختلف من مذهب لآخر، فيتسع مداه لدى فقهاء المالكية ومتأخري الحنابلة ويتوسط لدى الحنفية ويضيق عند فقهاء الشافعية والظاهرية.
وقبل أن نعرض أمثلة توضح أخذ المذاهب المختلفة بالقرائن نطرح أولا أدلة الفريقين، القائلين بتحكيم القرائن والمانعين لها.
أدلة القائلين بالقرينة:
أولا: القرآن الكريم:
لعل من نافلة القول أن نذكر أنه ليس في القرآن الكريم نص قطعي الدلالة على اعتبار القرينة في الأحكام أو عدم اعتبارها, ولكن القائلين بالقرينة قد استنبطوا اعتبارها بدلالة ظنية لبعض النصوص في القرآن الكريم ورأوا جواز الأخذ بها.
والآيات التي استنبط منها الفقهاء جواز الأخذ بالقرينة في الأحكام هي:
(١) قوله تعالى: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ . (يوسف: (١٨) .
стр. 14978
(٢) قوله تعالى: ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلاَّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ, قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ، فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيم﴾ . (يوسف: ٢٦- ٢٨) .
ومحل الاستدلال الوارد في هذه الآيات ما ذكره المفسرون من أنّ يعقوب ﵇ استدل بقرينة سلامة القميص من التمزيق عَلى كذب دعوى إخوة يوسف- ﵇ بأن الذئب قد أكله, وكذلك استدل الشاهد بقرينة قدّ القميص من دبر على كذب امرأة العزيز وبراءة يوسف- ﵇.
ونرى الآن منهجهم في استنباط حكم القرينة من هذه الآيات.
الشاهد الأول:
يقول ابن العربي المالكي عن قوله تعالى: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ ... ﴾ الآية: "فيها ثلاث مسائل- نذكر منها:
المسألة الأولى: إنما أرادوا أن يجعلوا الدم علامة على صدقهم فروي في الإسرائيليات أن الله تعالى قرن بهذه العلامة تعارضها، وهي سلامة القميص من التلبيب. والعلامات إذا تعارضت تعيَّن الترجيح، فيقضى بجانب الرجحان وهي قوة التهمة لوجوه تضمنها القرآن، منها طلبهم إياه شفقة ولم يكن من فعلهم ما يناسبها فيشهد بصدقها بل كان سبق ضدها وهي تبرمهم، ومنها أن الدم يحتمل أن يكون في القميص موضوعاً، ولا يمكن افتراس الذئب ليوسف وهو لابس القميص ويسلم القميص من تخريق، وهكذا يجب على الناظر أن يلحظ الأمارات (العلامات) وتعارضها.
стр. 14979
المسألة الثانية: القضاء بالتهمة إذا ظهرت كما قال يعقوب: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ ولا خلاف في الحكم بالتهمة, وإنما اختلف الناس في تأثير أعيان التهم" [٣٢] .
ومن ذلك أيضا قول القرطبي في تفسيره "استدل فقهاؤنا بهذه القرينة على إعمال الأمارات في مسائل الفقه كالقسامة وغيرها وأجمعوا على أنّ يعقوب ﵇ استدل على كذبهم بصحة القميص, وهكذا يجب عَلى الناظر أن يلحظ الأمارات والعلاقات إذا تعارضت, فما ترجح منها قضى بجانب الترجيح وهى قوة التهمة ولا خلاف في الحكم بها" [٣٣] .
الشاهد الثاني:
إنه لما نشب النزل بين يوسف ﵇ وامرأة العزيز التي قذفته بما قذفته من إرادة الفاحشة، قال يوسف ﵇ مكذبا لها، ودفعا لما نسب إليه، ﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ فعند ذلك جاء دور الشاهد الذي وصفه القرآن الكريم بأنه من أهلها والذي فصل الخطاب بما ذكره من القرائن التي بان بها الحق وانفض بها النزاع.
والقرائن التي ذكرها الشاهد هي أنه إذا كان قميص يوسف قدّ من القبل فالمرأة صادقة في دعواها بأنه هو الذي أرادها، أما إذا كان قدّ من دبر فهي كاذبة ويوسف بريء من التهمة. والحاصل أن القميص قدّ من دبر, وهذا دليل إدباره عنها وهو دليل براءته [٣٤] .
وقد يعترض على العلامة المذكورة إذ أنها لا تدل قطعا على براءة يوسف ﵇ لاحتمال أن الرجل قصد المرأة بطلب الفاحشة فغضبت عليه المرأة فعدت خلفه لتضربه، فعلى هذا الوجه قد يتمزّق القميص من دبر، والمرأة بريئة من الذنب.
стр. 14980
وأجيب على هذا الاعتراض بأن القرائن كانت كثيرة وكفيلة بصرف هذه التهمة عنه، أما القرينة المذكورة في الآية إنما جاءت دليلا مرجحا ومقويا لتلك القرائن، ومن هذه القرائن التي ذكرها المفسرون أن يوسف ﵇ كان عبدا في ظاهر الأمر والعبد لا يمكن أن يتسلط على مولاه إلى هذا الحد، كما أنهم رأوا أن المرأة زيّنت نفسها على أكمل الوجوه، ولم يكن على يوسف ﵇ آثاراً للتزين. ثم إنّ أحوال يوسف ﵇ في المدة الطويلة تدل على براءته إذ لم يروا منه حالة تناسب إقدامه على مثل هذا الفعل المنكر وذلك مما يقوى الظن. وقيل: إن زوج المرأة كان عاجزا وآثار طلب الشهوة في حق المرأة كانت متكاملة [٣٥] .
فلما حصلت هذه الأمارات الدالة على أن مبدأ هذه الفتنة كانت من المرأة استحى الزوج وتوقف وسكت لعلمه بأن يوسف هو الصادق والمرأة كاذبة، أظهر الله ليوسف دليلا يقوي تلك الدلائل فجاءت تلك القرينة على لسان الشاهد.
كما اعترض على هذه القرينة من ناحية الشاهد المذكور، فقد اختلفوا فيه فقيل: "إنه كان ابن عم المرأة وكان حكيما يستشره الملك"، وقيل: "إنه طفل تكلّم في المهد". فقالوا: إن كان الشاهد طفلا تكلم في المهد لا يكون في الآية دليل على إعمال الأمارات إذ أن الدليل هو كلام الصبي في مهده.
وقد دفع هذا الاعتراض بأنه يستبعد أن يكون الشاهد صبيا بل كان رجلا حكيما وهو الذي يناسب سياق الآية، فلو أنطق الله الطفل لكان كافيا قوله: "إنها كاذبة"ولما احتاج إلى نصب العلامة، ثم قوله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ ليكون أولى بالقبول في حق المرأة ولو كان صبيا لا يتفاوت الحال كونه من أهلها أو من غير أهلها. كما أن لفظ الشاهد لا يقع في العرف إلا لمن تقدمت معرفته بالواقعة وإحاطة بها [٣٦] .
стр. 14981
وقيل: إنه لا تعارض بين كونه صبيا تكلم في المهد وبين الأمارة المنصوبة، فقد يتكلم الصبي, ومع ذلك ينبههم إلى الدليل الذي غفلوا عنه وهي أمارة القميص [٣٧]
وهناك اعتراض ثالث هو أن هذه الآية تبيِّن شرع السابقين وشرع من قبلنا لا يلزمنا.
وقد أجيب على هذا الاعتراض بالأدلة التي يحتج بها مثبتو العمل بشرع من قبلنا إذا لم يرد دليل على نسخه عنا.
ثانيا: السنة الشريفة وعمل الصحابة رضوان الله عليهم:
كذلك احتجّ القائلون بالقرينة في الأحكام بآثار كثيرة وردت عن النبي ﷺ وصحابته، ومن هذه الآثار:
(١) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "بينما امرأتان معهما ابناهما، جاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت لصاحبتها: "إنما ذهب بابنك ", وقالت الأخرى: "إنما ذهب بابنك", فتحاكمتا إلى داود ﵇ فقضى به للكبرى فخرجتا على سليمان ابن داود ﵉ فأخبرتاه فقال: ائتوني بالسكين أشقّه بينكما", فقالت الصغرى: "لا تفعل يرحمك الله هو ابنها ", فقضى به للصغرى" [٣٨] .
فاستدل بقرينة رضا الكبرى أن يشقّه نصفين وعدم شفقتها عليه أنه ليس ابنها، بينما أشفقت الصغرى وامتنعت عن الدعوى حتى لا يذهب الطفل, فهذا يدل على أنه ابنها إذ أن الله أودع في قلوب الأمهات الشفقة على أبنائهن.
(١) ما روي عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: "أردت السفر إلى خيبر، فقال لي رسول الله ﷺ : "إذا جئت وكيلي فخذ منه خمسة عشر وسقاً فإذا طلب منك آية فضع يدك على ترقوته" [٣٩] .
فأقام العلامة مقام الشهادة.
(٣) عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا تنكح الأيّم حتى تستأمر ولا تنكح البكر حتى تستأذن"، قالوا: "يا رسول الله وكيف إذنها؟ "قال: "إذنها صماتها". أو قال: "أن تسكت" [٤٠] .
стр. 14982
فجعل ﵊ صماتها قرينة على الرضا.
(٤) أنه ﷺ حينما صالح يهود خيبر كان لحي بن أخطب مال كثير فأخفوه عن النبي ﷺ ، فسألهم عنه؟ فقال ابن أبي الحقيق عم حيّ ابن أخطب: "أذهبته الحروب والنفقات"، فقال ﷺ : "العهد قريب والمال أكثر من ذلك", ثم دفعه إلى الزبير فضربه حتى أقر بمكان المال [٤١] . فيظهر اعتماده ﷺ على الأمارات وشواهد الحال قرب العهد وكثرة المال.
(٥) عن زيد بن خالد الجهني أن رجلا سأل رسول الله ﷺ عن اللقطة فقال: "عرِّفها سنة ثم اعرف وكاءها ووعاءها وعفاصها ثم استنفع بها فإن جاء ربها فأدها إليه" [٤٢] . فأمر رسول الله ﷺ الملتقط أن يدفع اللقطة إلى صاحبها بمجرد الوصف لأن وصفه لها بما يطابق الواقع قرينة على ملكيته.
(٦) أن ابني عفراء لما تداعيا قتل أبي جهل قال لهم رسول الله ﷺ : "هل مسحتما سيفيكما؟ "قالا: "لا". قال: "فأرِياني سيْفيكُمَا", فلما نظر فيهما قال لأحدهما: "هذا قتله وقضى له بسلبه" [٤٣] .
(٧) أنه ﷺ حكم بالقافة وجعلها من أدلة ثبوت النسب وليس فيئها إلا مجرد العلامات والأمارات [٤٤] .
(٨) حكم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ برجم المرأة التي ظهر حملها ولا زوج لها ولا سيد. كما ورد في المتفق عليه قوله في شأن الرجم: "وإن الرجم حق في كتاب الله على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف" [٤٥] .
(٩) كذلك ما ورد في الموطأ وكذلك عن مسلم عن عمر وعثمان وابن مسعود -رضوان الله عليهم - بحد من وجدت منه رائحة الخمر [٤٦] .
стр. 14983
هذا نزر قليل من الأدلة الكثيرة التي أوردها مثبتو العمل بالقرائن في القضاء راعيت في اختياره قوة الثبوت ووضوح الدلالة، ولنقف الآن قليلا مع أدلة المانعين لإعمال القرائن في بناء الأحكام القضائية.
أدلة المانعين:
تتركز حجة هؤلاء في خطورة الأخذ بالقرائن لما يحوطها من الاحتمالات من شأنها أن تؤدي إلى القصاص من متهم بريء، أو إنزال العقوبة على شخص لا يستحق العقاب.
ومن الآثار الواردة في هذا المعنى:
стр. 14984
(١) ما روي أنه أتي برجل وجد في خربة بيده سكين ملطخة بدم، وبين يديه قتيل يتشحط في دمه، فسأله علي ﵁ فقال: "أنا قتلته", قال علي: "اذهبوا به فاقتلوه"، فلما ذهبوا به أقبل رجل مسرعاً، فقال: "يا قوم لا تعجلوا ردّوه إلى علي"، فردوه، فقال الرجل: "يا أمير المؤمنين ما هذا صاحبه أنا قتلته"فقال علي للأول: "ما حملك على أن قلت: أنا قتلته ولم تقتله؟ "قال: "يا أمير المؤمنين وما أستطيع أن أصنع وقد وقف العسس على الرجل يتشحَّط في دمه وأنا واقف وفي يدي سكين وفيها أثر الدم، وقد أخذت في خربة، فخفت ألا يقبل مني وأن يكون قسامة فاعترفت بما لم أصنع واحتسبت نفسي عند الله", فقال علي: "بئسما صنعت فكيف كان حديثك؟ "قال: "إني رجل قصاب وخرجت إلى حانوتي في الغلس فذبحت بقرة وسلختها، فبينما أنا أصلحها والسكين في يدي أخذني البول فأتيت خربة كانت بقربي فدخلتها، فقضيت حاجتي، وعدت أريد حانوتي فإذا أنا بهذا المقتول يتشحط في دمه، فراعني أمره فوقفت أنظر إليه والسكين في يدي، فلم أشعر إلا بأصحابك قد وقفوا وأخذوني فقال الناس: "هذا قتل هذا ما له قاتل سواه"، فأيقنت أنك لا تترك قولهم لقولي، فاعترفت بما لم أجنه", فقال علي للمقر الثاني: "فأنت كيف قصتك؟ "فقال: "أغواني الشيطان فقتلت الرجل طمعاً في ماله، ثم سمعت حس العسس، فخرجت من الخربة واستقبلت هذا القصاب على الحال التي وصف فاستترت منه ببعض الخربة حتى أتى العسس فأخذوه وأتوك به، فلما أمرت بقتله علمت أني سأبوء بدمه أيضا، فاعترفت بالحق". فقال للحسين ﵁: "ما الحكم في هذا؟ "قال: "يا أمير المؤمنين إن كان قد قتل نفساً فقد أحيا نفساً، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾ " (المائدة:٣٢) فخلّى عليّ عنهما, وأخرج دية القتيل من بيت المال" [٤٧] .
وقد وقع نظير تلك القضية في عهده ﷺ إلا أنها ليست في القتل.
стр. 14985
عن علقمة بن وائل عن أبيه: أن امرأة وقع عليها رجل في سواد الصبح وهي تعمد إلى المسجد بمكروه من نفسها، فاستغاثت برجل مرّ عليها وفر صاحبها، ثم مرّ ذوو عَدد فاستغاثت بهم، فأدركوا الرجل الذي كانت استغاثت به فأخذوه، وسبقهم الآخر, فجاءوا به يقودونه إليها فقال: "أنا الذي أغثتك وقد ذهب الآخر"، فأتوا به النبي ﷺ فقال الرجل: "إنما كنت أغثتها على صاحبها فأدركني هؤلاء فأخذوني", فقالت: "كذب، هو الذي وقع عليَّ ", فقال رسول الله ﷺ : "انطلقوا به فارجموه", فقام رجل فقال: "لا ترجموه فارجموني فأنا الذي فعلت بها الفعل"واعترف, فاجتمع ثلاثة عند رسول الله ﷺ : الذي وقع عليها والذي أغاثها والمرأة. فقال: "أما أنت فقد غفر لك", وقال للذي أغاثها قولا حسنا. فقال عمر ﵁: "أرجم الذي اعترف بالزنا", فأبى رسول الله ﷺ وقال: "لا. لأنه قد تاب", وفي رواية فقالوا: "يا رسول الله أرجمه", فقال: "لقد تاب توبة لو تابها أهل المدينة لقبل منهم" [٤٨] .
وعند الترمذي أمر برجمه، فقال: "ارجموه لقد تاب توبة لو تابها أهل المدينة لقبل منهم" [٤٩] .
مما لا شك فيه أن هذين الأثرين يوهنان الأخذ بالقرينة ويفتان في عضد الاحتجاج بها ويقويان شبهة المانعين للعمل بها من حيث أن شواهد الحال كثيرا ما تكذب، وأن الأمر يكون خلاف ما دلت عليه القرائن الظاهرة, فلو أخذنا بها لذهبت دماء وأموال لمجرد الاحتمال. غير أنه لا يفوتنا في هذه المقام أن نورد ما ذكره الإمام ابن القيم- ﵀ عن هذين الأثرين.
следующие страницы →