Полный текст (23 804 стр.). Показаны 14981–15020 · переход к 14986.
стр. 14981
وقيل: إنه لا تعارض بين كونه صبيا تكلم في المهد وبين الأمارة المنصوبة، فقد يتكلم الصبي, ومع ذلك ينبههم إلى الدليل الذي غفلوا عنه وهي أمارة القميص [٣٧]
وهناك اعتراض ثالث هو أن هذه الآية تبيِّن شرع السابقين وشرع من قبلنا لا يلزمنا.
وقد أجيب على هذا الاعتراض بالأدلة التي يحتج بها مثبتو العمل بشرع من قبلنا إذا لم يرد دليل على نسخه عنا.
ثانيا: السنة الشريفة وعمل الصحابة رضوان الله عليهم:
كذلك احتجّ القائلون بالقرينة في الأحكام بآثار كثيرة وردت عن النبي ﷺ وصحابته، ومن هذه الآثار:
(١) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "بينما امرأتان معهما ابناهما، جاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت لصاحبتها: "إنما ذهب بابنك ", وقالت الأخرى: "إنما ذهب بابنك", فتحاكمتا إلى داود ﵇ فقضى به للكبرى فخرجتا على سليمان ابن داود ﵉ فأخبرتاه فقال: ائتوني بالسكين أشقّه بينكما", فقالت الصغرى: "لا تفعل يرحمك الله هو ابنها ", فقضى به للصغرى" [٣٨] .
فاستدل بقرينة رضا الكبرى أن يشقّه نصفين وعدم شفقتها عليه أنه ليس ابنها، بينما أشفقت الصغرى وامتنعت عن الدعوى حتى لا يذهب الطفل, فهذا يدل على أنه ابنها إذ أن الله أودع في قلوب الأمهات الشفقة على أبنائهن.
(١) ما روي عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: "أردت السفر إلى خيبر، فقال لي رسول الله ﷺ : "إذا جئت وكيلي فخذ منه خمسة عشر وسقاً فإذا طلب منك آية فضع يدك على ترقوته" [٣٩] .
فأقام العلامة مقام الشهادة.
(٣) عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا تنكح الأيّم حتى تستأمر ولا تنكح البكر حتى تستأذن"، قالوا: "يا رسول الله وكيف إذنها؟ "قال: "إذنها صماتها". أو قال: "أن تسكت" [٤٠] .
стр. 14982
فجعل ﵊ صماتها قرينة على الرضا.
(٤) أنه ﷺ حينما صالح يهود خيبر كان لحي بن أخطب مال كثير فأخفوه عن النبي ﷺ ، فسألهم عنه؟ فقال ابن أبي الحقيق عم حيّ ابن أخطب: "أذهبته الحروب والنفقات"، فقال ﷺ : "العهد قريب والمال أكثر من ذلك", ثم دفعه إلى الزبير فضربه حتى أقر بمكان المال [٤١] . فيظهر اعتماده ﷺ على الأمارات وشواهد الحال قرب العهد وكثرة المال.
(٥) عن زيد بن خالد الجهني أن رجلا سأل رسول الله ﷺ عن اللقطة فقال: "عرِّفها سنة ثم اعرف وكاءها ووعاءها وعفاصها ثم استنفع بها فإن جاء ربها فأدها إليه" [٤٢] . فأمر رسول الله ﷺ الملتقط أن يدفع اللقطة إلى صاحبها بمجرد الوصف لأن وصفه لها بما يطابق الواقع قرينة على ملكيته.
(٦) أن ابني عفراء لما تداعيا قتل أبي جهل قال لهم رسول الله ﷺ : "هل مسحتما سيفيكما؟ "قالا: "لا". قال: "فأرِياني سيْفيكُمَا", فلما نظر فيهما قال لأحدهما: "هذا قتله وقضى له بسلبه" [٤٣] .
(٧) أنه ﷺ حكم بالقافة وجعلها من أدلة ثبوت النسب وليس فيئها إلا مجرد العلامات والأمارات [٤٤] .
(٨) حكم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ برجم المرأة التي ظهر حملها ولا زوج لها ولا سيد. كما ورد في المتفق عليه قوله في شأن الرجم: "وإن الرجم حق في كتاب الله على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف" [٤٥] .
(٩) كذلك ما ورد في الموطأ وكذلك عن مسلم عن عمر وعثمان وابن مسعود -رضوان الله عليهم - بحد من وجدت منه رائحة الخمر [٤٦] .
стр. 14983
هذا نزر قليل من الأدلة الكثيرة التي أوردها مثبتو العمل بالقرائن في القضاء راعيت في اختياره قوة الثبوت ووضوح الدلالة، ولنقف الآن قليلا مع أدلة المانعين لإعمال القرائن في بناء الأحكام القضائية.
أدلة المانعين:
تتركز حجة هؤلاء في خطورة الأخذ بالقرائن لما يحوطها من الاحتمالات من شأنها أن تؤدي إلى القصاص من متهم بريء، أو إنزال العقوبة على شخص لا يستحق العقاب.
ومن الآثار الواردة في هذا المعنى:
стр. 14984
(١) ما روي أنه أتي برجل وجد في خربة بيده سكين ملطخة بدم، وبين يديه قتيل يتشحط في دمه، فسأله علي ﵁ فقال: "أنا قتلته", قال علي: "اذهبوا به فاقتلوه"، فلما ذهبوا به أقبل رجل مسرعاً، فقال: "يا قوم لا تعجلوا ردّوه إلى علي"، فردوه، فقال الرجل: "يا أمير المؤمنين ما هذا صاحبه أنا قتلته"فقال علي للأول: "ما حملك على أن قلت: أنا قتلته ولم تقتله؟ "قال: "يا أمير المؤمنين وما أستطيع أن أصنع وقد وقف العسس على الرجل يتشحَّط في دمه وأنا واقف وفي يدي سكين وفيها أثر الدم، وقد أخذت في خربة، فخفت ألا يقبل مني وأن يكون قسامة فاعترفت بما لم أصنع واحتسبت نفسي عند الله", فقال علي: "بئسما صنعت فكيف كان حديثك؟ "قال: "إني رجل قصاب وخرجت إلى حانوتي في الغلس فذبحت بقرة وسلختها، فبينما أنا أصلحها والسكين في يدي أخذني البول فأتيت خربة كانت بقربي فدخلتها، فقضيت حاجتي، وعدت أريد حانوتي فإذا أنا بهذا المقتول يتشحط في دمه، فراعني أمره فوقفت أنظر إليه والسكين في يدي، فلم أشعر إلا بأصحابك قد وقفوا وأخذوني فقال الناس: "هذا قتل هذا ما له قاتل سواه"، فأيقنت أنك لا تترك قولهم لقولي، فاعترفت بما لم أجنه", فقال علي للمقر الثاني: "فأنت كيف قصتك؟ "فقال: "أغواني الشيطان فقتلت الرجل طمعاً في ماله، ثم سمعت حس العسس، فخرجت من الخربة واستقبلت هذا القصاب على الحال التي وصف فاستترت منه ببعض الخربة حتى أتى العسس فأخذوه وأتوك به، فلما أمرت بقتله علمت أني سأبوء بدمه أيضا، فاعترفت بالحق". فقال للحسين ﵁: "ما الحكم في هذا؟ "قال: "يا أمير المؤمنين إن كان قد قتل نفساً فقد أحيا نفساً، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾ " (المائدة:٣٢) فخلّى عليّ عنهما, وأخرج دية القتيل من بيت المال" [٤٧] .
وقد وقع نظير تلك القضية في عهده ﷺ إلا أنها ليست في القتل.
стр. 14985
عن علقمة بن وائل عن أبيه: أن امرأة وقع عليها رجل في سواد الصبح وهي تعمد إلى المسجد بمكروه من نفسها، فاستغاثت برجل مرّ عليها وفر صاحبها، ثم مرّ ذوو عَدد فاستغاثت بهم، فأدركوا الرجل الذي كانت استغاثت به فأخذوه، وسبقهم الآخر, فجاءوا به يقودونه إليها فقال: "أنا الذي أغثتك وقد ذهب الآخر"، فأتوا به النبي ﷺ فقال الرجل: "إنما كنت أغثتها على صاحبها فأدركني هؤلاء فأخذوني", فقالت: "كذب، هو الذي وقع عليَّ ", فقال رسول الله ﷺ : "انطلقوا به فارجموه", فقام رجل فقال: "لا ترجموه فارجموني فأنا الذي فعلت بها الفعل"واعترف, فاجتمع ثلاثة عند رسول الله ﷺ : الذي وقع عليها والذي أغاثها والمرأة. فقال: "أما أنت فقد غفر لك", وقال للذي أغاثها قولا حسنا. فقال عمر ﵁: "أرجم الذي اعترف بالزنا", فأبى رسول الله ﷺ وقال: "لا. لأنه قد تاب", وفي رواية فقالوا: "يا رسول الله أرجمه", فقال: "لقد تاب توبة لو تابها أهل المدينة لقبل منهم" [٤٨] .
وعند الترمذي أمر برجمه، فقال: "ارجموه لقد تاب توبة لو تابها أهل المدينة لقبل منهم" [٤٩] .
مما لا شك فيه أن هذين الأثرين يوهنان الأخذ بالقرينة ويفتان في عضد الاحتجاج بها ويقويان شبهة المانعين للعمل بها من حيث أن شواهد الحال كثيرا ما تكذب، وأن الأمر يكون خلاف ما دلت عليه القرائن الظاهرة, فلو أخذنا بها لذهبت دماء وأموال لمجرد الاحتمال. غير أنه لا يفوتنا في هذه المقام أن نورد ما ذكره الإمام ابن القيم- ﵀ عن هذين الأثرين.
стр. 14986
يقول ابن القيم عن القضية التي عرضت على أمير المؤمنين علي-﵁: "وهذا إن كان صلحا وقع برضا الأولياء فلا إشكال، وإن كان بغير رضاهم فالمعروف من أقوال الفقهاء أن القصاص لا يسقط بذلك؛ لأن الجاني قد اعترف بما يوجبه ولم يوجد ما يسقطه فيتعين استيفاؤه، وبعد فلحكم أمير المؤمنين وجه قوي" [٥٠] .
رأي ابن القيم أن القصاص قد وجدت موجباته فليس هناك ما يمنع استيفاءه، اللهم إلا أن يكون قد تم ذلك برضاء الأولياء، فكأنه يرى نقصان الرواية لكونها لم تبين وجه عدول أمير المؤمنين علىّ عن استيفاء القصاص.
أما الحديث الثاني فيقول عنه: "وهذا الحديث إسناده على شرط مسلم، ولعله تركه لهذا الاضطراب في متنه", ويقصد بالاضطراب في المتن ورود رواية بعدم رجم الذي اعترف بالزنا, ورواية الترمذي أنه أمر برجمه. قال ابن القيم: "إن الراوي إما أن يكون قد جرى على المعتاد برجم المعترف، وإما أن يكون اشتبه عليه أمره برجم الذي جاءوا به أولا، فوهم وقال: إنه أمر برجم المعترف. ثم بين أن الذين رجمهم رسول الله ﷺ معروفون، ولم يكن هذا من بينهم. والظاهر أن راوي الرجم في هذه القصة استبعد أن يكون قد اعترف بالزنا عند رسول الله ﷺ ولم يرجمه، وعلم أن من هديه رجم الزاني فقال: "وأمر برجمه".
стр. 14987
وبعد أن بيّن ابن القيم ﵀ هذا الاضطراب في متن الحديث، ووهّم أحد رواته ذكر أن القرائن في هذا الحديث مع أنها دلت على خلاف الواقع، إلا أن الرسول ﵊ قد حكّم القرائن أيضا، وإلا فكيف أمر رسول الله ﷺ برجم المتهم الذي كان مغيثا للمرأة مع عدم إقراره ولم تقم شهادة على رؤية الزنا. قال: "فيقال: - والله أعلم- إن هذا مثال إقامة الحد باللوث الظاهر القوي، فإنه أدرك وهو يشتد هارباً بين أيدي القوم، واعترف بأنه كان عند المرأة، وادعى أنه كان مغيثا لها، وقالت المرأة: "هو هذا"وهذا لوث ظاهر، وقد أقام الصحابة حد الزنا والخمر باللوث الذي هو نظير هذا أو قريب منه وهو الحمل والرائحة... ولما انكشف الأمر بخلاف ذلك تعين الرجوع إليه، كما لو شهد أربعة بزنا المرأة لم يحكم برجمها إذا ظهر أنها عذراء أو ظهر كذبهم" [٥١]
يتبين من هذا أن الإمام ابن القيم يرى أن هذين الأثرين لا يمنعان العمل بالقرينة، إنما يؤيدان الحكم بالقرائن إذ أنه ﵇ أمر برجم الرجل الذي وجد عند المرأة وادّعى إغاثتها وليس هناك ما يدعوه إلى إصدار هذا الحكم بالرجم إلا القرائن الظاهرة. ويرى ابن القيم أن في هذا الحديث تأييداً لمذهبه القاضي بإعمال القرائن في إثبات الحدود.
رأينا في الموضوع:
стр. 14988
تبين مما سبق أن الحديث الذي استدل به من رفض القرينة اختلفت فيه أقوال الرواة فظهر الاضطراب في متنه، ومع ذلك ففيه الدلالة على تحكيم القرائن. وكذلك الأثر المروي عن علي- ﵁ وأعوانه فيه اتهام بنقصان الرواية حيث لم تبين كل ظروف القضية المطروحة، ومع ذلك فمن رأيي أن القرائن في هذا الأثر مع أنها دلت على خلاف الواقع إلا أن فيه دلالة على إعمالها أيضا، فالمتهم الأول بالرغم من أنه لم يرتكب الجريمة إلا أنه علم أنه لا يستطيع دحض القرائن الظاهرة فآثر الاعتراف بما لم يجنه. ونفس هذه القرائن هي التي جعلت عسكر علي ﵁ يلقون القبض على المتهم, ولو لم تكن القرائن دليلا في الدعوى لما قبضوه ولما ذكروا أنه القاتل, وإلا كيف يكون الحال إذا وجدنا رجلا مذبوحا وإلى جواره آخر يحمل سكينا مضرجة بالدماء ثم نتركه لاحتمال أن يكون القاتل غيره، فإن صح وجود قاتل غيره كما في هذا الأثر فإنه في حكم النادر.
ففي اعتقادي أنه لا خلاف في أن القرائن لا تخلو من بعض الاحتمالات التي توهن اعتبارها وتضعفها كدليل، ولكن يمكن القول بأن هذه الاحتمالات -كما تدخل في القرينة- قد تدخل في غيرها من طرق الإثبات, فالبينة قد يتطرق إليها كذب الشهود أو نسيانهم، والإقرار قد يدخل الغرض وتحقيق مصلحة ذاتية، ومع ذلك لم يلغ الشارع الحكيم اعتبارهما واعتمادهما كأدلة للإثبات لتوهم هذه الاحتمالات، فالشريعة لها الظاهر والله يتولى السرائر. فإذا كان الاحتمال قد يدخل في أقوى الحجج الشرعية، فليس هو بحجة يمنع بها اعتبار القرائن، وكما يكون هناك ضحايا في القرائن في مثل هذه الاحتمالات، فلا تخلو الأدلة الأخرى أيضا من ضحايا.
стр. 14989
ولكن هذه الاحتمالات ليس هي الغالب في أحوال القرينة كما أنها ليست الغالب في الإقرار والبينة. والشارع الحكيم قد عول على الظاهر ودلالة الحال في مواطن كثيرة لا يمكن تجاهلها منها ما ذكرنا ومنها مالا يتسع المجال لذكره. والرسول ﵊ يقول: "إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان" [٥٢] . فجعل الشهادة على إيمانه مبنية على الظاهر من حاله وهو ارتياد المساجد. وما الحكم بعدالة الشهود إلا بناء على الظاهر من حالهم، فالغالب من الأحوال أن الظاهر يطابق الواقع. أما الاحتمال فهو في حيز التوهم، فيجب ألا نلقي بالتعويل على القرائن لمجرده. ثم إننا بهذا القول الذي نطلب فيه من القاضي النظر إلى القرائن والأمارات نشترط عليه إمعان النظر والفكر والتثبت فلا يحكم بالقرائن الضعيفة المتهافتة التي لا يقوى بها الظن على ظهور الحكم. فلا بد أن يؤسس حكمه على قرائن ظاهرة يتبين فيها وضوح الدلالة وقوة الحجة بحيث يكون مطمئنا لذلك الحكم منشرح الصدر.
стр. 14990
ثم إن هؤلاء المانعين للعمل بالقرائن إذا كانوا قد عاشوا في مجتمعات سليمة غلب على الناس فيها الأمانة والصدق والورع، مما جعلهم يتورعون إلى هذا الحد ويوجبون على القاضي ألا يتعدّى في أدلته على المذكور، فإنّ أعراف اليوم قد تغيَّرت تماما، وتعقّد أسلوب الحياة، ومع هذا التعقيد انعدم الضمير والوازع، وانتشر الفساد وضرب أطنابه، وتكونت للسلب والنهب والسطو عصابات وجمعيات ليس في البلد الواحد فحسب بل أصبحت لها شبكات وفروع عالمية، وانتشرت دعاوى التزوير والغش، وسهل التعدي على النفس والعرض والمال، وكل ذلك يتم وقلّ أن يكون في حادثة منها شاهد عيان واحد، أو إقرار ممن قام بها، وليس هناك من الوازع الديني أو الأخلاقي ما يجعل المتهم يقر بحق عليه أو جريمة ارتكبها، ولو تركناه لليمين لحلفها وحلف عليها ألفاً أنه ما فعل ولا أخذ, فلو قصرنا الإثبات على الأدلة المذكورة لما ثبتت جريمة ولا استخلص حق. ولعمري أن رجال هذا المذهب -مع قلتهم بالنسبة للقائلين بالقرائن- لو وقعت عليهم مثل ما يقع اليوم من الحوادث والقضايا، أو لو أنهم عاشوا حتى رأوا ما نرى لما توقفوا في الإفتاء بما يوافق متطلبات هذه الحوادث والمنازعات، خصوصا وقد عرف منهم حرصهم الشديد على إقامة الحق والعدل.
ثم إنه مع هذا التقدم العلمي الذي يشهده عالم اليوم أمكن التوصل إلى قرائن قوية تبين الحق وتعين على فهم الدعوى كالتحليلات المعملية من فحص للدم وغيره ومطابقة بصمات الأصابع ومضاهاة الخطوط وغير ذلك. فإننا إذا أهملنا هذه القرائن وألقينا بها في البحر بحجة ما يتطرق إليها من الاحتمال لعرضنا الشريعة الإسلامية لتهمة الجمود وعدم مسايرة العصر، وهذا ما لم يقله إلا المكابر، فهي شريعة كل وقت وقانون كل جيل، وما هذه الفتاوى المأخوذة من أصولها المعروفة إلا دليل مرونتها وقابليتها لحكم الأجيال المتعاقبة.
стр. 14991
وعليه فإنه لا مناص من الأخذ بالقرائن والرجوع إليها في بناء الأحكام القضائية إذا لم يكن من دليل غيرها وفقاً على فتوى الكثيرين من الفقهاء -كما رأينا وسنرى إن شاء تعالى-.
على أننا حينما نؤيد الأخذ بالقرائن ونرى ضرورة مراعاتها عند بناء الأحكام القضائية لا نلقي هذا القول على عواهنه ونطلقه بلا حدود، فالقرائن التي نرى الاحتكام إليها هي تلك القرائن التي تكون واضحة الدلالة في الدعوى ظاهرة في محل النزاع، لا القرائن الضعيفة التي يتسع فيها باب الشك والاحتمال.
كما أننا نرى ضرورة المحافظة على مقاصد الشرع الحكيم ومراعاة منهجه في الإثبات، فالدعاوى التي تكون منهج الشارع فيها التشدد في الإثبات والحيطة في تطبيق عقوباتها كجرائم الحدود ينبغي ألا يكون هناك توسّع في إثباتها أو إعمال للقرائن لدرجة يخل بنظام الشارع، إذ أن هذا النوع من القضايا ليس متروكا لاقتناع القاضي بارتكاب المتهم للجريمة، ولذا فقد جعل له الشارع نظاما مقيَّدا في الإثبات، وزاد في أمر التثبت والنظر دون ما هو معهود في غيرها من القضايا، كما طلب من القاضي أن يفسر كل شك يطرأ في الدعوى لصالح المتهم، فإذا وجد أي شبهة تصرف الحد عن المتهم دفع عنه الحد لأن الحدود تدرأ بالشبهات.
القرائن في نصوص الفقهاء:
ليس مقصودي في هذه الفقرة أن أسجِّل دراسة نصِّية للقرائن عند الفقهاء فإن ذلك لا يتسع له المجال. ثم إني قد جعلت هذه الدراسة في كتاب أعدّ لطبعه بإذن الله تعالى. تناولت فيه أنواع القرائن وتطبيقاتها على الدعاوى سواء كانت دعاوى الجنايات أو المعاملات أو الدعاوى التي تقع في دائرة الأحوال الشخصية كما تناولت فيه نظرة الفقه الإسلامي للقرائن المستحدثة التي أبرزتها العلوم المعاصرة. أما الذي أقصده من هذه الفقرة أن أبيِّن في عجالة ملاحظاتي عن تلك الدراسة.
стр. 14992
الناظر في مذاهب الفقهاء يبدو له من أولى وهلة أن الفقهاء على فريقين، فريق يرى عدم الاعتداد بالقرينة ويقول إنها لا تصلح حجة في بناء الأحكام القضائية, وفريق آخر يراها حجة يجوز للقاضي عدها من أدلة الإثبات والفصل في الدعوى بناء على دلالتها.
لننظر مثلا في هذا النص الذي نقلناه عن العلاّمة الحنفي ابن نجيم المصري يقول في كتابه البحر الرائق: "إعلم أنه قد ظهر من كلام المصنف أنّ طرق القضاء ثلاثة: بيّنة، وإقرار، ويمين ونكول عليه, أو القسامة أو علم القاضي بما يريد أن يحكم به ... قال ابن الغرس -ولم أره حتى الآن لغيره-: "أو القرائن الدالة على ما يطلب الحكم به دلالة واضحة بحيث تصيره في حيز المقطوع به "، قال الخير الرملي-أي عن قول ابن الغرس في القرائن-: "هذا غريب خارج عن الجادة فلا ينبغي التعويل عليه ما لم يعضده نقل من كتاب معتمد" [٥٣] .
هذا النص يبيّن لنا اختلاف فقهاء المذهب الحنفي في الاحتجاج بالقرينة، ولكن عند التحقيق نجد أن فقهاء المذهب الحنفي قد اتفقوا على الاعتداد بالقرائن في بعض المواضع، ولذا فإننا نقول إنه لا يخلو مذهب من هذه المذاهب من الاحتجاج بالقرينة, ولكن هذا الاحتجاج يختلف من مذهب لآخر، فبينما يتسع مداه عند فقهاء المالكية ومتأخري الحنابلة ليشمل إعمال القرائن في الحدود والقصاص، يضيق لدى فقهاء الشافعية والظاهرية الذي اقتصدوا في الاحتجاج بها ولم يأخذوا بها إلا حيث بلغت من القوة مبلغ اليقين وأصبح عدم الأخذ بها يخالف بداهة العقول أو يخالف النص الصريح.
ونبرهن على صحة هذا القول بعرض موجز لبعض القرائن التي تحدث عنها الفقهاء، وسأكتفي بسرد موجز لآرائهم, مشيرا إلى المواطن التي اعتمدت عليها في النقل عنهم حتى يتمكّن من يريد الاستزادة في هذا الخصوص من الرجوع إلى هذه المصادر.
أـ قرينة الحيازة ودلالتها على الملك:
стр. 14993
والحيازة هي وضع اليد على الشيء والاستيلاء عليه [٥٤] . ولا فرق بين الحيازة ووضع اليد عند فقهاء الشريعة إذ المقصود هو الاستيلاء على الشيء بصورة مختلفة, فإذا وضع شخص يده على دار أو أرض تصير تلك الدار أو الأرض في حيازته، وترتب على ذلك حماية تلك الحيازة واحترامها، وعُدَّ ذلك المال المحاز من أملاكه وذلك بناء على أمرين هامين:
الأول: القاعدة الفقهية التي تقضى بأن "الأصل في الإنسان البراءة"وأنّ الناس محمولون على السلامة، فما لم يثبت أن الشخص مقيَّد أو غاصب فالأصل أنه بريء.
الثاني: ما جرت عليه العادة وما عرف من غالب أحوال الناس أنهم يتصرفون في أملاكهم، فإذا حاز الإنسان شيئا وتصرف فيه، فالغالب أنه يتصرف في ملكه ما لم يقم دليل على عكس ذلك.
وبناء على ذلك فإنّ أقلّ أحوال ثبوت هذه اليد عند الفقهاء أنها تفيد الملك كما يدل عليه ظاهر الحيازة، وعليه فإنه يجب حماية هذه الحيازة وذلك بعدم انتقال الملكية من الحائز إلا بناقل أرجح من هذه القرينة الظاهرة، أي قرينة الحيازة، والناقل الأرجح عند الدعوى هو إما الإقرار أو البيّنة أو قرائن أخرى تكون دلالتها أقوى من دلالة الحيازة وأظهر في حجيتها من دلالة الظاهر.
هذا المعنى في الحيازة متفق عليه بين الفقهاء. ومن أهم مميزات هذه القرينة أنها وضعت حلاً للمشكلات التي تبدو في سبيل تمييز المدّعي من المدّعى عليه، مستفيدين بذلك من دلالة الظاهر التي تفيد أنّ الحائز يتصرّف في ملكه، وعلى مدّعي الملكية في مواجهة الحائز إثبات دعواه [٥٥] .
ب ـ قرينة الاستعمال وقرينة الصلاحية:
стр. 14994
قلنا إنّ الفقهاء اتفقوا على أن الحيازة قرينة على الملكية لما تدل عليه شواهد الأحوال، غير أنّ الحيازة وحدها قد لا تضع حداً لكثير من المنازعات، وخاصة إذا كان الشيء المتنازع عليه في أيدي المتداعيين يستعملانه أو يتجاذبانه بحيث تكون يد كل واحد منهما عليه، لم يقف الفقهاء عند ذلك مكتوفي الأيدي إنما رجعوا للقرائن المرجحة، والقرائن المرجحة هي:
١ـ قرينة الاستعمال:
وفكرة هذه القرينة تقوم على أساس أنّ اليد دليل الملك كما قدمنا، فإذا تداعا اثنان في الشيء وكان في يد أحدهما، قدّم من كان في يده إذا لم يقدِّم المدَّعي بينة استحقاقه للشيء المتنازع فيه، فيترك لمن كان في يده، أما إذا تداعيا الشيء وكان في أيديهما، يقوم من كان استعماله للمال المحاز أظهر، ذلك أنَّ الحيازة تقوم على أساس استعمال المال والتصرّف فيه، إذ لا معنى لحيازة الشيء دون تصرف فيه، فالأموال جعلت للاستفادة منها. ومن تم قالوا: كلما كان أحد المتداعيين مستعملا للمال المتنازع فيه، ومتصرفا فيه تصرفا يميزه عن الآخر بحيث يجعل سيطرته عليه أكثر وأرجح، ترجح جانبه وقضى له بناء على قرينة استعماله لهذا المال.
ويظهر جليا اعتداد فقهاء الحنفية والمالكية والشافعية بهذه القرينة في المسائل التي بحثوها في باب "مسائل الحيطان "أو باب "التنازع بالأيدي"أو باب "الشهادات"أو باب "الدعاوى والبينات ". ومن المسائل التي ظهر فيها اعتدادهم بهذه القرينة، قولهم: "إذا تداعيا حائطا وكان لأحدهما عليه جذوع ولا شيء للآخر يقضى به لصاحب الجذوع لأنه مستعمل للحائط والاستعمال دليل الصدق, وإذا تنازعا في دار يقدّم ساكن الدار على الذي لا يسكنها, ومن حفر فيها بئراً أو أحدث فيها بناءً يقدَّم على غيره, وإذا تنازعا دابة يقدَّم راكبها على المتعلق بلجامها.. كل ذلك مع الاستهداء بما يقضي به العرف وشواهد العادات في مثل هذه الأحوال" [٥٦]
стр. 14995
ومن الذين اقتصدوا في الاعتداد بهذه القرينة ابن حزم الظاهري فيرى فيما ذكرنا أن يد المتنازعين متساوية فيقسم المتنازع فيه بينهما [٥٧] .
قرينة الصلاحية:
وتقوم فكرة هذه القرينة على أساس ترجيح أحد الجانبين بناء على صلاحية الشيء المتنازع فيه لأحد المتداعيين، يعني أن يكون ذلك الشيء ملائماً له بحسب العرف والعادة، كأن يكون أداة صنعته أو آلة حرفته، أومن مستلزمات مظهره حسب نفوذه أو مركزه في المجتمع وما عرف به بين الناس، ومن أمثلة ذلك الجلد للدباغ أو العطر للعطار أو السفينة للملاح أو الفرس للأمير وذي الجاه وغير ذلك من الأشياء التي تصلح لأحد الجانبين، في الوقت الذي يكون هذا الشيء ليس من مستلزمات أو أداة حرفة للجانب الآخر، وكما قلت إن أثر هذه القرينة يبدأ حينما يكون أيدي المتداعيين متساوية على الشيء المتنازع فيه.
وقد قال بالترجيح بهذه القرينة فقهاء المالكية والحنفية والحنابلة، ومنع من الترجيح بها الإمام الشافعي وابن حزم الظاهري بحجة أنَّ ذلك يخالف قاعدة الدعوى من أنّ كل من يدّعي حقا فعليه إثبات دعواه ولا ينظر لصلاحية المدّعى به له أو لغيره.
ج ـ في دعوى ملكية اللقطة أخذ الفقهاء بقرينة مطابقة الوصف دليلا على ملكية الواصف -بمعنى أن الواصف للقطة إذا ذكر وصفاً مطابقاً للواقع، جاز للملتقط تسليمه اللقطة- ومن ثم لا يلزمه ضمان المال إذا اتضح أنّ الواصف ليس هو المالك عند المالكية والحنابلة والظاهرية وهو الصحيح في نظري, ويلزم بالضمان عند الشافعية [٥٨] .
د ـ قرينة التهمة أدت إلى تقييد تصرفات المريض في مرض الموت، فلا تنفذ تصرفاته المنجزة سواء أكانت تبرعية أم بعوض إلا في حدود ثلث أمواله مراعاة لحق ورثته. خالف في ذلك ابن حزم الظاهري ولم يعتد بقرينة التهمة وجعل تصرفات المريض نافذة كتصرفات الأصحاء. ورأي الجمهور هو الظاهر الغالب [٥٩] .
стр. 14996
هـ ـ لم يعتد جمهور الفقهاء بالقرينة في إثبات الحدود، وذهب فقهاء المالكية وابن تيمية وابن القيم وهو قول عن الإمام أحمد إلى القول بثبوت الحدود ببعض القرائن وهي قرينة الحمل في الزنا في المرأة التي لا زوج لها ولا سيد، وقرينة الرائحة أو السكر أو القيء في حد الخمر، والتعريض مع دلالة القرائن الأخرى في حد القذف. ولكل من الفريقين أدلة تؤيد مذهبه، أقواها من جهة النقل أدلة المانعين لإثبات الحدود بالقرائن [٦٠]
وـ يقول فقهاء المالكية والشافعية والحنابلة: إنّ الوسيلة المستخدمة في القتل تدل على القصد الجنائي أو العمدية فإذا استخدم القاتل وسيلة معدة للقتل كالسلاح أو آلة تقتل غالبا كان ذلك قرينة على العمدية، وكان القتل قتلا عمدا، ولم يأخذ بفكرة الوسيلة هذه مالك وابن حزم [٦١] .
ز ـ أخذ الفقهاء بالقرائن في إثبات القسامة، وهي اللوث عند جمهور الفقهاء, وقرينة وجود القتيل في محله قدم عن الحنفية [٦٢] .
ح ـ في مجال إثبات الحقوق المترتبة على عقد الزواج يعدّ فقهاء الحنفية والحنابلة الخلوة الشرعية قرينة على الدخول الحقيقي، فإذا ما ثبتت خلوة الرجل بزوجته خلوة صحيحة - وهى التي ينعدم فيها المانع الحقيقي الذي يمنع اتصاله بها كمرضه أو مرضها أو المانع الشرعي كالصوم أو الإحرام في الحج أو المانع الطبعي كوجود شخص ثالث- فالغالب أنه يجامعها. ولما كان إثبات هذا الجماع أمرا متعذرا قال هؤلاء بأنه يكفي المرأة إثبات الخلوة الصحيحة، لتنال حقوقها في إثبات المهر وثبوت النسب والعدة، ووجوب النفقة والسكنى وغير ذلك، وجعل المالكية أيضا الخلوة قرينة على الوطء ولذا قالوا لن تصدق المرأة في دعواها الوطء وعليها اليمين [٦٣] .
стр. 14997
وجعل الفقهاء كذلك قرينة الصلاحية معيارا لفض النزل بين الزوجين في متاع البيت وذلك بجعل ما يصلح للرجال من كتب وسلاح وغيره للرجل، وما يعرف أنه من متاع النساء كالحلي والمغازل فهو للمرأة. خلافا للإمام الشافعي الذي لا يرى فض النزل بالصلاحية [٦٤] .
وفي إثبات النسب بالقرائن، أخذ الفقهاء من قرينة قبول الرجل التهنئة وشراء لوازم الولادة قرينة على. أن الولد منه، وقبل الحنفية وصف العلامة في ثبوت نسب اللقيط. كما عد فقهاء المالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية قرينة القافة- أي النظر إلى الشبه- دليلا على ثبوت النسب. وخالف فيها فقهاء الحنفية [٦٥] .
(ي) قال فقهاء المالكية والحنابلة بثبوت الوقف بالقرائن، فيثبت وقف المسجد الذي بناه صاحبه وأذن بالصلاة فيه وإن لم يصرح بأنه وقف لأن القرائن تدل على الوقفية، ويثبت وقف الفرس إذا كان موسوما بعلامة الوقف، وتثبت وقفية كتب المدرسة التي يوجد عليها كتابة الوقف [٦٦] .
والحق أن القرائن التي حفلت بها كتب الفقهاء كثيرة، ولكني اكتفي بهذا القدر لعلى أكون به قد أبرزت جانبا من أهمية القرائن، وأنها دليل قوى قد يصل إلى درجة القطع، وأننا إذا أغفلناه نكون قد عطلنا مدركا هاما من مدارك الأحكام، فنعر ض بذلك نظام الإثبات في الفقه الإسلامي لتهمة الجمود، كما أننا إذا أفرطنا في استخدامها نكون قد ضيعنا كَثيرا من الحقوق.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبيه ورسوله الأمين.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] تاج العروس "فصل الفاء من باب السين ".
[٢] نوادر الأصول في معرفة أخبار الرسول للحكيم الترمذي ص ٢٧١. ط. العثمانية.
[٣] مجمع الزوائد للهيثمي١/٢٦٨.
стр. 14998
[٤] تفسير روح المعاني لشهاب الدين الألوسي. ط. دار إحياء الكتب العربية وانظر تفسير ابن كثير. ط. المنار.
[٥] أحكام القرآن ج ٣ ص ١١١٩.
[٦] هو أحمد بن يحي بن زيد الشيباني المعروف بثعلب إمام الكوفيين في النحو واللغة كان راوية للشعر ومحدثا مشهورا
من كتبه "معاني القرآن "و"مجالس ثعلب "، "وما تلحن فيه العامة"توفي سنة ٢٩١ هـ.
[٧] تفسير القرطبي ج١٠ ص ٤٤.
[٨] نوادر الأصول ص ٢٧١.
[٩] النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير ج٣ ص ١٩١. ص١٩١. ط. العثمانية.
[١٠] صحيح مسلم مع شرح النووي ج هـ اص ١٦٦, وفيه جاء قال عمر: "وافقت ربي في ثلاث مقام إبراهيم وفى الحجاب وفي أسارى بدر. وفى رواية أخرى عند مسلم قال ﵇: "إنه كان في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي منهم أحد فإن عمر بن الخطاب منهم "ج ١٥ ص ١٦٦. و (محدثون) : أي ملهمون, جاء في تحفة الأحوذي ج ٤ ص ٣١٧: "قال الأكثر: إنه ملهم, وقيل: تكلمه الملائكة من غير نبوة- وورد في حديث أبي سعيد مرفوعا: "قيل يا رسول الله وكيف يحدث؟، قال: "تتكلم الملائكة على لسانه " وقد رويناه في فوائد الجوهري وحكاه القاسي ". اهـ.
[١١] نوادر الأصول للحكيم الترمذي ص٢٧١.
[١٢] الطرق الحكمية لابن القيم ص ٣٦. تبصرة الحكام لابن فرحون ج ٢ ص١٠٣.
[١٣] الطرق الحكمية ص ٣٦.
[١٤] المرجع السابق.
[١٥] تفسير الفخر الرازي ج ٥ ص ٤٩٦.
[١٦] الشرح الكبير بهامش حاشية الدسوقي ٤/١٣٦.
[١٧] أحكام القران ٣/١١١٩.
[١٨] تبصرة الحكام ٢/ ١٠٤.
[١٩] انظر الموافقات للشاطبي ٢/ ١٨٥ والحديث رواه البخاري عن أم سلمة- ﵂ صحيح البخاري كتاب الشهادات باب "من أقام البينة بعد اليمين".
[٢٠] معين الحكام للطرابلسي ص ٢٠٤. ط. الأميرية.
[٢١] الطرق الحكمية ص ٢٨.
стр. 14999
[٢٢] يراجع مقالنا في العدد (٦٠) من هذه المجلة.
[٢٣] الحديث رواه مسلم انظره مع شرح النووي ١٧/ ١٥٦ وتمامه "قالوا: يا رسول الله وإياك؟ قال: وإيايّ إلا أن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير".
[٢٤] لسان العرب (حرف النون فصل القاف) , تاج العروس (فصل القاف في باب النون) , الصحاح (مادة قرن) .
[٢٥] التعريفات للجرجاني ص ١٥٢.
[٢٦] البحر الرائق ٧/ ١٥٢.
[٢٧] مجلة الأحكام العدلية المادة (١٧٤١) .
[٢٨] الأشباه والنظائر لابن القيم وشرح الجموي على الأشباه ١/ ١٢٦, وانظر علم أصول الفقه وخلاصة تاريخ التشريع الإسلامي للمرحوم عبد الوهاب حلاف ص ٩٧.
[٢٩] الفروق ٣/ ١٤٩.
[٣٠] الاختيار لتعليل المختار ٢/١٧٧.
[٣١] رسائل ابن عابدين ٢/١٢٨.
[٣٢] أحكام القرآن ٣/ ١٠٦٥.
[٣٣] تفسير القرطبي ٩/ ١٥٠.
[٣٤] أحكام القرآن٣/١٠٧٣, تفسير الطبري ١٢/ ١١٦، تفسير الرازي ٥/ ١٧٩.
[٣٥] تفسير الرازي ٥/ ١٧٩، تفسير الخازن ٣/١٦.
[٣٦] روح المعاني ١٢/ ٢٢٢, أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٠٧١، والكشاف بهامشه الانتصاف ٢/٩٣.
[٣٧] أحكام القرآن لابن العربي٣/١٠٧٣، تبصرة الحكام لابن فرحون٢ /٩٣.
[٣٨] صحيح البخاري ٤/ ١٠٤ "كتاب الفرائض ".
[٣٩] سنن أبى داود ٣/ ٣٥١.
[٤٠] صحيح البخاري كتاب "النكاح "٣/٢٠٧.
[٤١] السيرة النبوية لابن هشام ٣/٣٣٧. قال في فتح الباري: "أخرجه البيهقي بإسناد رجاله ثقات ". انظر فتح الباري ٧/ ٣٨٦.
[٤٢] رواه الترمذي وقال: "حسن صحيح" سنن الترمذي٦/١٧٣. ط. الصاوي- مصر.
[٤٣] صحيح مسلم بشرح النووي ١٢/٦٢.
стр. 15000
[٤٤] القافة جمع قائف كبائع وباعة وهو من يعرف النسب بالشبه. وفى الصحيحين أن مجززا المدلجي رأى أسامة وزيدا قد غطيا رءوسها وبدت أقدامها فقال: "إن هذه الأقدام بعضها من بعض "، فسُرّ رسول الله ﷺ لكون المشركين كانوا يشككون في نسبهما لاختلاف لونيهما. انظر البخاري (باب الفرائض) ٣/ ١٣٩، مسلم بشرح النووي١٠/ ٤٢.
[٤٥] بلوغ المرام مع سبل السلام ٤/٨.
[٤٦] الموطأ مع المنتقى ٣/١٤٢. ط. السعادة. مصر، وانظر صحيح مسلم مع شرح النووي١١/٢١٦.
[٤٧] الطرق الحكمية ص ٦٧.
[٤٨] الحديث رواه أبو داود في سنه ٤/٢٣٣ مع حاشيته عون المعبود.
[٤٩] سنن الترمذي٦/٢٣٦.
[٥٠] الطرق الحكمية: ٦٧.
[٥١] المرجع السابق: ص٧٠- ا ٧.
[٥٢] سنن الدارمي ١/ ٢٢٢ وفي تخريج أحاديث الدارمي يقول عبد الله هاشم اليماني: "رواه أيضا أحمد والترمذي وقال: "حديث حسن غريب "وابن ماجة والحاكم وقال صحيح الإسناد.
[٥٣] البحر الرائق ٧/ ٢٠٥ وانظر بهامشه منحة الخالق وكذلك رسائل ابن عابدين ٢/١٢٨.
[٥٤] الشرح الكبير للدرديري بهامش حاشية الدسوقي ٤/٢٣٣.
[٥٥] يراجع في فقه المذاهب الأربعة والظاهرية مايلي: بدائع الصنائع للكاساني ٦/٢٦٧. المبسوط للسرخسي ١٨/ ٣٤. قوانين الأحكام الفقهية لابن جزي المالكي ص ٣٢٢، البهجة شرح التحفة للتسولي المالكي ٢/ ٢٥٤، مختصر المزني بهامش الأم للشافعي ٥/ ١٦١، شرح زكريا الأنصاري على متن البهجة لابن الوردي ٥٢٣٥, المغني لابن قدامة ١٠/ ٢٣٠, المحلى لابن حزم ٩/ ٥٣٣.
[٥٦] جامع الفصولين فقه حنفي ٢/٢٧٧، المبسوط ١٧/ ٨٨, فتح القدير ٦/ ٢٥١, الفروق للقرافي ٣/١٠٤, المغني ٩/ ٣٢٤, المهذب للشيرازي ٢/ ٣١٦، الطرق الحكمية ١٣٤.
стр. 15001
[٥٧] جواهر الروايات للبشتاوي الحنفي ص ٤٣, مجموعة رسائل ابن عابدين ١٢٧/٢ , الفروق للقرافي ٢/ ١ ٥٠. الطرق الحكمية ص ١١١-١١٤ , الأم للشافعي ٥/٩٥ , المهذب للشيرازي ٢/٣٣٥ , المحلى لابن حزم ٩/٥٣٣.
[٥٨] كشاف القناع للبهوتي ٤/ ٢٢٠, شرح الحطاب ٦/ ٧٠, المحلى ٨/٢٩٦.
[٥٩] راجع مقالنا في العدد ٥٩ من المجلة.
[٦٠] مختصر خليل وشرح الحطاب ٦/ ٢٩٤, الموطأ وشرح الزرقاني ٤/١٥, السياسة الشرعية ابن تيمية ص ١١١, إعلام الموقعين ٤/٣٧٤، المغني ٨/٢١١, المحلى ١١ / ٣٣٩, فتح الباري١٢/١٣٠.
[٦١] الزيلعي على متن الكَنز ٦/٩٧, الدر المختار ٥/٤٤٦ حاشية الزرقاني, وتحفة الطلاب ٢/٣٥٧, كشاف القناع٥/١٥١.
[٦٢] المهذب ٢/٣٣٨, تبصرة الحكام١/ ٢٥٥, الخرشي, ٨/ ٥٦, المغني ٨/٦٨.
[٦٣] الفتاوى الطرسوسية ص ٤٠ المغنى ٦/ ٧٢٤. تبصرة الحكام ١/٢٥٢.
[٦٤] المبسوط ٢١٣/٥، البدائع ٢/ ٣٠٩ الفروق ٢/ ١ ٥ ١، مختصر الخرقي والمغنى ٩/ ٣٢٥، الأم ومختصر المزنى ٥/٩٥.
[٦٥] المبسوط ٦/ ٢٩٩، البدائع ١٠/٢١٧، نهاية المحتاج ٨/ ٣٥٢ زاد المعاد ٤/ ١٦ ١ الفروق ٣/ ١٢٥.
[٦٦] تبصرة الحكام ٢/ ١٠٥ معين الحكام ص ٣٠٥
стр. 15002
الإمداد بأحكام الحداد
للدكتور فيحان شالي المطيري
أستاذ مساعد بكلية الشريعة
ـ ١ ـ
الحمد لله الكريم المنّان المتفرد بصفات الكمال والجلال وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له القوي المتعال وأصلّي وأسلّم على خاتم الأنبياء والمرسلين محمد بن عبد الله أكرم من مشى على وجه الأرض وتحت أديم السماء.
أما بعد: فقد كرم الله ابن آدم وميز بينه وبين سائر الحيوانات بنعمة العقل التي يفرق بها بين الخير والشر, والضار والنافع, فالإنسان يفكر ويتفكر ويأخذ ويعطي على حسب ما يراه من المصلحة, ونتيجة لهذا العقل فهو يتفاعل مع المجتمع, ويقيم الروابط بينه وبين الآخرين, ومن أهم هذه الروابط وأجلها رابطة الزوجية التي قال عنها القرآن الكريم: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَة﴾ (الروم:٢١) . فأيّ نعمة أعظم من هذه النعمة؟. التي تكون بين الزوجين بسبب الرابطة الزوجية ولهذا فإن الشارع الحكيم جعل لكل منهما حقوقا على صاحبه؛ فالزوجة لها حقوق على الزوج عظيمة لا يسمح له الشرع بالإخلال بشيء منها والانتقاص منها, وكذلك الزوج له حقوق عظيمة على زوجته لم يجعل الشارع سبيلا للزوجة كي تعبث بها, وهي لا تستحق الإكرام إلا إذا قامت بهذه الحقوق خير قيام, وهذا كله دليل على سماحة الشريعة الإسلامية وحرصها على جمع الكلمة وتقوية الروابط الفردية والاجتماعية وتأسيس الحياة الزوجية على أساس قوي يكتب له البقاء ردحاً من الزمن, وفي هذا سعادة المجتمع وسعادة الفرد, ولهذا وغيره من الأسباب أوجب الله الحداد على المرأة في حق زوجها المتوفى إظهاراً لحق الزوج ووفاءً بالعهد الذي كان بينهما على حد قوله تعالى: ﴿وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ . (البقرة: ٢٣٧) .
стр. 15003
نعم إنّ الفضل لا ينسى بين المسلمين وإنما يذكر أصحاب الفضل بالفضل, فالزوجة لا تنسى فضل زوجها وما كان بينهما من المحبة والمودة والعشرة الطيبة, فمن الوفاء كل الوفاء القيام بحقه حياً وميتاً.
ومن هذا المنطلق فقد ساهمت بهذا الجهد المتواضع خدمة للشريعة الإسلاَمية, فطالما كنت أفكِّر في الكتابة في هذا الموضوع لما له من الأهمية في حياة الفرد المسلم اليومية, والموت سنة إلهية لا ينكرها أحد حتى أولئك الذين لا يعترفون بالإسلام ديناً، نجد أنهم لا ينكرون هذه السنة الإلهية, فربّما فقدت المرأة زوجها قبل الدخول أو بعده فتكون محتاجة إلى معرفة الأحكام المتعلقة بالإحداد ولا تجد ما يحقق رغبتها اللهَّم إلا ما كان مبعثراً في المصادر القديمة مما يتعلق بالحداد. وقَد عزمت على الكتابة في هذا الموضوع تيسيراً وتسهيلاً على من يحتاج إلى ذلك مسترشداً بأفكار المتقدمين على ضوء الدليل والاستدلال والمناقشة, وقد زادني رغبة سؤال أتاني من فتاة تدرس في معهد التمريض للبنات مفاده أنّ زوجها توفي عنها في حادثة سيارة قبل الدخول, فهل يجب عليها الإحداد؟ ثم إذا كان يجب عليها فهل يجوز لها الخروج للدراسة وتأدية الامتحان. بالرغم من أنه لا يوجد لها عائل يعولها؟ فأجبتها حسب علمي وأحلتها على شيخنا سماحة الوالد عبد العزيز بن عبد الله بن باز ليطمئن قلبي وقلبها وبحمد الله أفتاها بمثل ما أفتيتها به, ومن هنا عقدت العزم على الكتابة وبدأت في جمع المادة من مصادرها وتقريبها في هذا البحث, راجيا الله أن ينفع به كل من قرأه واطلع عليه، إنه على ذلك قدير، وبالإجابة جدير.
أما أسلوب البحث فهو يتلخص في ما يأتي:
١ـ أذكر مذاهب الفقهاء الأربعة ما وجدت إلى ذلك سبيلا معتمداً على المصادر المشهورة في كل مذهب ثم أعرّج على المذاهب السنية الأخرى تتميما للفائدة.
стр. 15004
٢ ـ أعرض المسألة وما فيها من الاختلاف فأذكر القول ودليله ومناقشة أدلة القول المرجوح ثم أخلص إلى الراجح حسبما يظهر لي, ولا أعتمد في القول الراجح على ترتيب معين.
٣ ـ أعزو الآيات والأحاديث والآثار إلى مصادرها, فالآيات أعزوها إلى سورها في المصحف الشريف, والأحاديث أعزوها إلى كتب المحدثين, والآثار إلى كتب المحدثين, وقد أكتفي بعزوها إلى كتب الفقه أحياناً.
٤ ـ أجعل الفصل على مباحث, والمبحث على مطالب, والمطلب إلى فروع ما وجدت إلى ذلك سبيلا حسبما يتطلبه ذلك الفصل.
٥ ـ اقتبست أكثر أحكام الإحداد من الأدلة التي تفيد إيجاب العدة على المتوفى عنها واستفدت من أقوال الفقهاء في هذا الباب وإلا فالأحكام التي ذكرت عن الإحداد قديماً
قليلة جداً لا تتجاوز عشر صفحات في المطوّلات، وإنما فعلت ذلك لكون الحداد وعدة المتوفى عنها- شقيقتين- فهو يجب حيث تجب وينعدم حيث تنعدم، ولم أجد من أفرده بالتأليف قبلي وأحسب أن هذا البحت باكورة ما كتب فيه.
أما الخطة فبنيتها على ستة فصول وخاتمة:
الفصل الأول: معنى الإحداد.
الفصل الثاني: حكم الإحداد.
الفصل الثالث: شروط الإحداد، وفي هذا الفصل المباحث آلاتية:
المبحث الأول: كون الحادة عاقلة.
المبحث الثاني: في اشتراط البلوغ.
المبحث الثالث: في شرط الإسلام.
المبحث الرابع: هل من شرط وجوبِ الحداد كونه من الوفاة؟
المبحث الخامس: هل من شرط وجوب الحداد كون النكاح صحيحاً؟
الفصل الرابع: في أقسام الحداد، والكلام فيه في مبحثين:
المبحث الأول: في الحداد الجائز.
المبحث الثاني: في الحداد الممتنع, وقسمت كل مبحث إلى قسمين.
الفصل الخامس: في زمن الحداد وفيه مبحثان:
المبحث الأول زمن الحداد على القريب الميت.
المبحث الثاني رمن الحداد على الزوج، وفيه مطالب:
стр. 15005
المطلب الأول عدة غير ذات الحمل وفيه مسائل مبيّنة في موضعها.
المطلب الثاني في سبب وجوب الحداد.
المطلب الثالث: في شرط وجوب عَدة المتوفى عنها.
المطلب الرابع: في وجوب الحداد على المطلّقة إذا مات زوجها قبل انقضاء عدّتها من الطلاق.
المطلب الخامس: في إحداد المتوفى عنها الحامل.
الفصل السادس: الآثار المترتبة على الحداد، وفيه مباحث:
المبحث الأول: في الطيب.
المبحث الثاني: عدم تزين المرأة في نفسها.
المبحث الثالث: في زينة الثياب.
المبحث الرابع: في منع الحادة من الحلي.
المبحث الخامس: في سكنى الحادة وفيه مطالب:
المطلب الأول: في مبيت الحادة في منزلها ليلا.
المطلب الثاني: خروج الحادة من منزلها نهاراً.
المطلب الثالث: في وجوب السكنى وعدمها سكن الحادة.
المطلب الرابع: في نفقة الحادة.
الخاتمة: فقد تكلمت فيها على النتائج التي ظهرت لي من خلال البحث.
وإليك تحرير المقام في ذلك كله.
الفصل الأول: معنى الإحداد:
الإحداد له معنى في اللغة ومعنى في الاصطلاح، أما معناه لغة: فهو المنع لأن الإحداد صفة تتعلَّق بالمرأة المحدة فهو يمنعها من كثير مما كان مباحاً لها قبله، قال في القاموس: "الحاد والمحدة تاركة الزينة للعدة تقول: حَدَّتْ تَحِدُّ وتَحُدُّ حَداً وحداداً وأحدّت" [١] ، ومنه سمي البواب حداداً لمنعه الداخل، وسميت العقوبة حداً لأنها تمنع عن المعصية. وأما معناه في الاصطلاح: فهو أن تجتنب المرأة المعتدة المتوفى عنها زوجها كل ما يدعو إلى نكاحها ورغبة الآخرين فيها من طيب وكحل ولبس ومطيّب وخروج من منزل من غير حاجة.
قال ابن درستوية: "معنى الإحداد منع المعتدة نفسها الزينة وبدنها الطيب ومنع الخطّاب خطبتها والطمع فيها كما منعَ الحد المعصية" [٢] .
стр. 15006
وقال الزيلعي: "وهو -أي الإحداد-: ترك الزينة والطيب" [٣] .
ونشير هنا إلى أن الإحداد فيه لغتان وهما أحدّت إحداداً فهي محدّة فهذا من باب إفعال، والثاني: تحدّ من باب ضرب يضرب، ونصر ينصر، حدّاً فهي حادّ [٤] .
هذا ما يمكن أن يقال عن معنى الإحداد، ومنه يتبين ما بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي من العلاقة، فالمعنى اللغوي أعم من المعنى الاصطلاحي لأنه يراد به المنع مطلقا، أما المعنى الاصطلاحي فيراد به منع المعتدة من أمور خاصة إلى غاية معينة محدودة وهي مدة العدة.
فالعلاقة بين المعنيين علاقة عموم وخصوص كما ترى وهذا هو الشأن في معظم الأحكام التي لها معنى في اللغة ومعنى في الاصطلاح إن لم نقل كلها ...
الفصل الثاني: في حكم الإحداد:
هذا وبعد عرض المعنى اللغوي والاصطلاحي للإحداد نرى أنه من المفيد أن نذكر حكمه لأن ذلك هو الهدف الأول من دراسة ما يتعلق به من أحكام بالنسبة للمرأة إذا توفرت شروطه فنقول: اتفق كل من يعتد بقوله من أئمة الفتوى على وجوب الإحداد على المرأة التي مات زوجها من غير فرق بين ما إذا كانت مدخولاً بها أو غير مدخول بها بل هو واجب على الكل فلو أرادت المتوفى عنها زوجها تركه لم يكن لها ذلك لأن الواجب هو ما يثاب فاعله ويعاقب تاركه في اصطلاح الأصوليين، فالمرأة التاركة للإحداد آثمة ولاشك لما ستعرف قريبا من المنقول والمعقول وإجماع الصحابة على وجوب الإحداد ولم أجد في هذا المعنى خلافا اللهّم إلا خلافا شاذاً مرويا عن الحسن البصري والشعبي وسنذكر هذا الخلاف تتميما للفائدة وتبييناً للحق، إذن المنقول في ذلك من مذهبان: مذهب الجمهور وهو المعتمد والمشهور والمعمول به، ومذهب الحسن البصري والشعبي. ولنبدأ بمذهب الجمهور ونذكر أدلتهم ونثنِّي بالمذهب المخالف مع الإشارة إلى أدلة هذا المذهب وما أورد عليها من المناقشات.
стр. 15007
فنقول وبالله التوفيق: ذهب جمهور الفقهاء قديما وحديثا من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى وجوب الإحداد على المرأة المتوفى عنها زوجها على تفصيل في ذلك نذكره قريبا إن شاء الله تعالى [٥] .
وإنما ذهب الفقهاء هذا المذهب للمنقول والمعقول وإجماع الصحابة.
أما المنقول فنورد منه ما يأتي:
أـ عن حميد بن نافع عن زينب بنت أم سلمة أنها قالت: دخلت على أم حبيبة حين توفي أبوها أبو سفيان فدعت أم حبيبة بطيب فيه صفرة خلوق أو غيره فدهنت منه جارية ثم مست بعارضيها ثم قالت: والله مالي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله ﷺ يقول على المنبر: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تحدّ على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً"، قالت زينب: ثم دخلت على زينب بنت جحش حين توفي أخوها فدعت بطيب فمسّت منه ثم قالت: والله مالي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله ﷺ يقول على المنبر: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحدّ على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً"، قالت زينب: وسمعت أمي أم سلمة تقول: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها أفَنُكَحِّلُها؟ فقال رسول الله ﷺ : "لا، مرتين أو ثلاثا، كل ذلك يقول: "لا "، ثم قال: "إنما هي أربعة أشهر وعشراً". متفق عليه مختصراً.
ب ـ عن أم سلمة أن النبي ﷺ قال: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحدّ فوق ثلاثة أيام إلا على زوجها أربعة أشهر وعشراً" [٦] .
стр. 15008
فقد دلّ هذان الحديثان وما في معناهما على وجوب الإحداد على المرأة المتوفى عنها زوجها وهما نص في الموضوع ووجه الاستدلال من ذلك هو قوله ﷺ : "إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً" وهذا على معنى الإيجاب لا على معنى الإباحة لأن ذلك مستثنى من التحريم وهو قوله ﷺ : "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحدّ" وهذا يقتضي أن لفظة (افعل) وهو قوله: "أربعة " تكون بعد الحظر على بابها وهو الإيجاب فالحظر هنا التحريم فاستثنى منه الإيجاب كما نرى خلافاً لمن قال من الفقهاء إنها تقتضي الإباحة.
فإن قيل الاستثناء في الحديث وهو قوله ﷺ : "إلا على زوج.."الخ قد وقع بعد النفي فيدل على الحل فوق الثلاث على الزوج لا على الوجوب قيل إن الوجوب استفيد من دليل آخر بالإضافة إلى ما قلنا وهذا الدليل هو الإجماع وهو ما سنبيِّنه فيما يأتي.
وأما الإجماع فإنه روي عن جماعة من الصحابة منهم عبد الله بن عمر وعائشة وأم سلمة وغيرهم ﵃ القول بوجوب الإحداد ولا يعرف لهم مخالف في عصرهم فكان إجماعا من الصحابة- ﵃ [٧]
ومستند الإجماع هو ما ذكرناه من النصوص الدالة على وجوب الإحداد.
وأما المعقول فهو يفيد إيجاب الإحداد على المعتدة من الوفاة أيضاً لأن الحداد إنما وجب إظهاراً لحق الزوج على زوجته تأَسُّفاً على ما فاتها من حسن العشرة ودوام الصحبة إلى وقت الموت زد على هذا أنّ الحداد يكون واجبا لسبب آخر وهو فوات النكاح الذي هو نعمة في الدين خاصة في حقها لما فيه من قضاء لشهوتها وعفتها عن الحرام وصيانة نفسها عن الهلاك بدرور النفقة وقد انقطع ذلك كله بالموت فلزمها الإحداد إظهاراً للمصيبة والحزن [٨] .
فهذا هو النص والإجماع والمعقول كلها قاضية بإيجاب الحداد إذا وجد سببه وهو بّين كما ترى والله أعلم.
стр. 15009
ثانيا: ذهب الحسن البصري والشعبي إلى عدم وجوب الإحداد على المعتدة من الوفاة وهو قول شاذ مخالف لإجماع أئمة المسلمين ولهذا رده بعضهم فإنّ الخلال نقل بإسناده عن أحمد عن هشيم عن داود عن الشعبي أنه كان لا يعرف الإحداد قال أحمد: "ما كان بالعراق أشد تبحراً من هذين- يعني الحسن والشعبي- "قال أحمد: "وخفي ذلك عليهما". قال ابن حجر في الفتح: بعد إيراده ما ذكر "ومخالفتهما لا تقدح في الاحتجاج وإن كان فيها ردّ على من ادّعى الإجماع" [٩] .
وقال ابن قدامة في المغني بعد أن ذكر خلاف الحسن لأئمة الفتوى: "وهو قول شذ به عن أهل العلم وخالف به السنة فلا يُعرَّج عليه" [١٠] .
هذا ما أورده أهل العلم على هذا القول الشاذ وعلى فرض التسليم بثبوته فالاستدلال له بما يأتي:
١ ـ ما روي عن عبد الله بن شداد بن الهاد عن أسماء بنت عميس قالت: لما أصيب جعفر بن أبي طالب قال لي رسول الله ﷺ : "تسلبي [١١] ثلاثا ثم اصنعي ما شئت" [١٢] . أخرجه أحمد.
٢ ـ عن أسماء بنت عميس أنها استأذنت النبي ﷺ أن تحدّ على جعفر وهي امرأته فأذن لها ثلاثة أيام ثم بعث إليها بعد ثلاثة أيام أن تطهري واكتحلي [١٣] .
فهذا دليل على عدم وجوب الإحداد على المعتدة من الوفاة أكثر من ثلاثة أيام وهو نص في محل النزاع والجواب عن هذا الاستدلال من وجوه:
الوجه الأول: أنه شاذ لا يحتج به ولا يصلح عمدة لإثبات الأحكام، قال ابن المنذر مجيبا عن ذلك: "وقد دفع أهل العلم هذا الحديث بوجوه، وكان أحمد بن حنبل يقول: "هذا شاذ ولا يؤخذ به"وقاله إسحاق [١٤] .
стр. 15010
الوجه الثاني: أنّ هذا الحديث مخالف للأحاديث الأخرى الصحيحة ولعلها لم تبلغ القائلين بهذا القول إذ إنها لو بلغتهم لم يسعهم إلا التسليم؛ لأنه لا يصح لمسلم كائنا من كان يبلغه حديث رسول الله ﷺ دالُّ على حكم من الأحكام إلا القبول والتسليم قال ابن المنذر: بعد عرض المسألة وما فيها من خلاف: "كان الحسن البصري من بين سائر أهل العلم لا يرى الإحداد، وقد رُدَّ قول الحسن بأن الأخبار قد ثبتت عن النبي ﷺ بوجوب الحداد وليس لأحد بلغَته إلا التسليم، ولعل الحسن لم تبلغه أو بلغته فتأولها بحديث أسماء بنت عميس [١٥] الآنف الذكر.
الوجه الثالث: لو سلّمنا بصحة هذا الحديث فالأحاديث الدالة على الوجوب مقدّمة عليه لكونها أصح منه ولا ريب في دلالتها على الوجوب فإنّ حديث التي شكت عينها والذي تم تثبته قريبا يفيد الإيجاب وإلا لم يمتنع التداوي المباح، وأيضا السياق يدل على الوجوب فإن كل ما منع منه ودل دليل على جوازه كان ذلك الدليل دالاً بعينه على الوجوب كالختان والزيادة على الركوع في الكسوف [١٦] .
هذا ما يمكن أن يستدل به لهذا القول وما يمكن أن يجاب به عن الاستدلال.
стр. 15011
والذي يترجح عندي هو القول بوجوب الإحداد إذا وجد سببه وتوفرت شرائطه وذلك لدلالة السنة والمعقول وإجماع الصحابة على ما بيَّنا فهل يقول مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر وبرسالة محمد ﷺ بعدم وجوب الإحداد بعد معرفة النصوص النبوية الشريفة التي تفيد بمنطوقها ومفهومها إيجاب ما دلت عليه ... لا أعتقد أنّ أحداً يقول بخلاف ذلك ولهذا انعقد إجماع الصحابة ﵃ على هذا المعنى، وفي ظني أن الحسن البصري والإمام الشعبي لو بلغتهما هذه النصوص لما أحجما عن القول بوجوب الإحداد لما عرف عنهما من الفضل والتقوى وإرادة الحق وهذا شأن كل مسلم لأن المسلم إنما سمي مسلما لتنفيذه الأوامر الربانية واجتنابه النواهي السماوية وهو ما يفيده معنى الإسلام فإن الإسلام: هو الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة، فإذا كان المسلم قائماً بما أَمر به مجتنباً لما نهي عنه استحق أن يوصف بوصف الإسلام والإيمان، وإذا لم يكن كذلك فلا فرق بينه وبين سائر الناس الذين لا يؤمنون بالشرائع السماوية.
ونحن لا نقول إنّ المرأة المتوفى عنها زوجها إذا تركت الإحداد خرجت من الإسلام وإنما نقول إنها تركت واجباً من واجبات الإسلام يثاب فاعله ويعاقب تاركه فإن الإيجاب وعدمه لا يعرف إلا من قبل الشارع وهو الذي أوجب الإحداد على كل من توفي عنها زوجها من غير تفصيل.
الفصل الثالث: في شروط الإحداد:
عرفت في الفصل الآنف الذكر حكم الحداد وأنه واجب في الشريعة الإسلامية وقد دل على وجوبه صريح السنة وإجماع الصحابة والمعقول على ما تم ثبته قريباً وبما أن الحكم
стр. 15012
الشرعي قد لا يوجد عادة إلا إذا توفرت له شروط خاصة ولكون الحداد من هذا القبيل كان من الضروري أن نشير إلى الشروط اللازمة لوجوب الإحداد والتي لابد من وجودها لإيجاب الإحداد على المرأة المحدة، وهذه الشروط ليست محل اتفاق وإنما هي موضع خلاف عند أئمة الفتوى فما يراه البعض قد لا يراه البعض الآخر، كذلك وبيان هذه الشروط على النحو الآتي وطبقاً لما يقتضيه فن التأليف وجودة التنظيم. ونظراً لتعدد هذه الشروط فقد رأيت أن أجعل هذا الفصل مبنياً على المباحث الآتية. وقبل أن ندخل في التفصيل نشير هنا إلى أن شروط الحداد على قسمين: قسم متفق عليه وقسم مختلف فيه.
فالقسم المتفق عليه: هو أن تكون المعتدة عاقلة بالغة مسلمة من نكاح صحيح. وأما القسم المختلف فيه: فهو سوالب هذه الشروط. وكذلك هل يشترط في الحداد كون المرأة معتدة من وفاة أولا؟ ونحن نشير إلى ذلك كله بالتفصيل.
стр. 15013
المبحث الأول: كون المرأة المعتدة عاقلة. اتفق الفقهاء على وجوب الحداد على المرأة العاقلة إذا وُجِدَت الشروط الأخرى التي سنذكرها قريبا؛ وذلك لأن العقل نعمة أنعم الله بها على الإنسان وميزه بها عن سائر الحيوان فهو يميز بها بين الحلال والحرام، والضار والنافع، ولذلك جعل الشارع العقل مناطاُ للتكليف لعلمه أنّ فاقد العقل لا يفرّق بين الضار والنافع, وبالتالي لا يستطيع القيام بالأحكام التكليفية على الوجه الذي أمر الشارع أن تكون عليه، ومن هذا المنطلق قالت الحنفية بعدم وجوب الحداد على المجنونة [١٧] ؛ لأن العقل هو مناط التكليف كما قلنا والمجنونة فاقدة لهذه الوسيلة فلا يتوجه إليها أمر ولا نهي لأن الشريعة الإسلامية لا تكلف أحداً إلا بما هو في مقدوره وتحت تصرفه على حد قوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ . (البقرة: ٢٨٦) ، وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ . (التغابن: ١٦) . ولا يوجد شيء من ذلك بالنسبة للمجنونة التي ذهب عقلها وحُرمت تلك النعمة، ولهذا قالت العلماء إنها غير مخاطبة بالأحكام التكليفية، والحداد من الأحكام التكليفية فلا يجب عليها، يحقق ذلك كله قوله ﷺ : "رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يبلغ وعن المجنون حتى يفيق " [١٨] . ورفع القلم هنا معناه عدم التكليف لأن من ذكر في الحديث لو كان مخاطباً بالأوامر والنواهي لكان خطابا بما لا يطاق، والشريعة الإسلامية لا تقر هذا، ولا يظلم ربك أحدا. هذا ما رآه الحنفية ولم ير الجمهور هذا الرأي بل قالوا بوجوب الحداد على المجنونة [١٩] لأنها زوجة ف"لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحدّ على ميّت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا"هي داخلة تحت عموم قوله ﷺ : [٢٠] فهذا نص عام يفيد إيجاب الإحداد على كل زوجة من غير فرق بين
стр. 15014
ما إذا كانت عاقلة أو غير عاقلة، والقول بعدم وجوب الإحداد على المجنونة يحتاج إلى دليل مخصص لهذا العموم ولم يوجد فيبقى على عمومه دالاً على إيجاب الإحداد مطلقا، وستعرف في المبحث الآتي مزيداً من الأدلة للفريقين لما بين المبحثين من العلاقة وذلك لاشتراك الجنون والصغر في عدم التكليف.
المبحث الثاني: كون المعتدة بالغة:
البلوغ هو مظنة رشد المكلف فإذا بلغ الصغير فإنه قد يعرف مصالح نفسه ويكون رشيداً يحسن التصرف في تعامله مع نفسه ومع غيره يبيِّن ذلك قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ . (النساء: ٦) .
والبلوغ ضد الصغر، والصغير هو من لم يبلغ النكاح، والصغر مظنة لعدم الرشد لكون الصغير فاقداً لآلة الفهم والتمييز وإدارك الأشياء على حقيقتها التي تمكنه من معرفة مصالحه وعلى هذا فهل يجب الحداد على المرأة الصغيرة التي لم تبلغ مع اتفاق الفقهاء على وجوبه على المرأة البالغة العاقلة؟.
أقول: اختلف الفقهاء في وجوب الحداد على الصغيرة على قولين:
القول الأول: ذهب الجمهور إلى وجوب الحداد على الصغيرة فلا فرق عند هؤلاء بين الصغيرة والكبيرة إلا في الإثم [٢١] . وقول الجمهور هنا موافق لقولهم في إيجاب الحداد على فاقدة العقل بسبب الجنون - كما تم ثبته قريباً- فلا فرق عندهم في إيجاب الإحداد على الزوجة بين أن تكون عاقلة أو غير عاقلة مادام أنّ اسم الزوجية شامل لها.
الاستدلال لهذا القول: استدل أصحاب هذا القول بالمنقول والمعقول:
стр. 15015
أما المنقول فهو العمومات التي تفيد إيجاب الإحداد على المرأة المتوفى عنها زوجها من غير فرق بين ما إذا كانت كبيرة أو صغيرة من مثل قوله ﷺ : "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحدّ على ميّت فوق ثلاثٍ إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً". وقد ذكرنا طرفا من هذه العمومات عند الكلام على الفصل الثاني وهي قاضية بوجوب الحداد، شاملة بعمومها لكل أحد وإخراج الصغيرة من هذا العموم يحتاج إلى دليل ولا دليل عليه.
وأما استدلالهم بالمعقول فمن وجوه:
أـ إنّ العدة تجب على الصغيرة اتفاقاً فإذا كان الأمر كذلك فإن الحداد يجب عليها لكونه حُكماً من أحكام النكاح فهو يشترك مع العدة في ذلك بالإضافة إلى ما فيه من إظهار التأسف على فراق الزوج، ونحن نعلم يقينا فراغ رحم الصغيرَة ومع ذلك وجبت العدة عليها. فالعدة إنما وجبت عليها لحق الشرع لأن فراغ رحمها من ماء الزوج أمر مقطوع به ومع هذا وجبت عليها العدة فكذلك الحداد يجب عليها.
ب ـ إن الصغيرة يحرم العقد عليها بل تحرم خطبتها مادامت في العدة وهذا المعنى يوجد في حق الكبيرة فظهر أنهما يشتركان في حكم الحداد أيضا [٢٢] .
ج ـ إنّ غير المكلفة تساوي المكلفة في اجتناب المحرمات كالخمر والزنا، وإنما يفترقان في الإثم [٢٣] فإذا كان الأمر كذلك فإنّ ترك الحداد فعل محرم والصغيرة ممنوعة من ذلك ويكون المنع إلى وليّها بمعنى أنه لا يمكنها من ترك الحداد كما أنه لا يمكنها من ترك العدة فتحريم الطيب وسائر أنواع الزينة عليها إنما هو لحق الشرع، فالشرع هو الذي منعها من ذلك، والغرض من هذا هو إظهار حق الزوج وهذا المعنى يستوي فيه البالغة وغيرها.
وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى عدم وجوب الحداد على الصغيرة وجعلوا ذلك مخصوصا بالمرأة البالغة، وإنما قالوا بذلك لما يأتي [٢٤] :
стр. 15016
١ ـ أن الحداد حق من حقوق الشرع ولهذا لو أمرها الزوج بتركه لا يجوز لها تركه فلا تخاطب الصغيرة بذلك، وكذا شرط الإيمان فيه حيث قال رسول الله ﷺ : "لا يحل لامرأة تؤمن بالله وباليوم الآخر" الحديث.
٢ ـ إنّ منع الصغيرة المتوفى عنها زوجها من اللبس والطيب هو فعلها الحسّي محكوم بحرمته فلابد فيه من خطاب التكليف بخلاف العدة وإنها قد تقال على كف النفس عن الحرمات الخاصة وعلى نفس الحرمات وعلى مضي المدة وهي اللازمة لها على كل حال بمعنى أنه يثبت بعد الموت صحة نكاح الصغيرة إلى انقضاء مدة معينة وهي مدة العدة فإذا باشروا لها عقد النكاح قبل انقضاء عدتها لا يصح شرعا ولا خطاب للعباد فيه تكليفي بل هو من ربط المسببات بالأسباب وهذا كله لا يوجد في الحداد لأن الخطاب به خطاب تكليفي فلو اكتحلن أو لبسن المزعفر واختضبن لا يأثمن لعدم التكليف به [٢٥] .
هذا ما استدل به الفريقان بالنسبة لهذه المسألة وهي مشكلة كما نرى ووجه الإشكال هو أن الصغيرة لا تخاطب بفروع الشريعة من الصوم والصلاة والحج لأنها فاقدة للأهلية وهي التكليف فالخطاب إنما يتوجه إلى المكلفين, وعموم السنة التي استدل بها الفقهاء على وجوب الحداد قاضية بوجوب الحداد على كل امرأة من غير فرق بين الصغيرة والكبيرة, زد على هذا أن العدة واجبة من غير فرق أيضا, وقد قلبت النظر في هذه المسألة كثيراً لعلي أهتدي إلى الراجح منهما وبعد نظر طويل وتفكير عميق شرح الله صدري بترجيح القول الأول وهو وجوب الحداد عليها وذلك لما يأتي:
стр. 15017
١ ـ أن الصغيرة المتوفى عنها زوجها لا يجوز لها أن تفعل شيئا من المحرمات كالزنا والخمر والسرقة وغيرها من المحرمات, والولي مطالب بمنعها فإذا لم يمنعها من الوقوع في الفعل المحرم فهو آثم, ومن ذلك ترك الحداد وفعل ما ينافيه كالطيب وسائر أنواع الزينة, فكما أنّ الولي لا يجوز له أن يمكِّنَها من ارتكاب سائر المحرمات فكذلك لا يجوز له أن يمكّنها من ترك الحداد وهو مخاطب بذلك كما يفيده عموم قوله ﷺ : "مروا أبناءكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرّقوا بينهم في المضاجع" [٢٦] , فلو لم يفعل الولي ذلك فهو آثم ولاشك, وكذلك ما نحن فيه.
٢ ـ أنّ وجوب العدة على الصغيرة لا خلاف فيه عند أئمة الفتوى فيما علمنا, يوضحه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ . (سورة البقرة: ٢٣٤) . والصغيرة زوجة والتنكير يفيد العموم والعدة عبادة وهي لازمة للصغيرة فهل يقول قائل إنها تجب هنا ولا يجب الحداد هنالك, فإن كان كذلك فهو مطالب بالدليل على وجود الفرق.
٣ ـ نعم الصغيرة لا تخاطب بفروع الشريعة وإنما الولي هو المطالب بمنعها من فعل المحرمات على ما بينا, ألا ترى أن الولي لوليّ بالحج عن الصغيرة أو الصغير؟. كانت أحكام الحج لازمة لوليها بمعنى أن الولي لا يمكنه من فعل محظورات الإحرام من الطيب واللبس ونحو ذلك فلو فعل ذلك كان آثما فأي فرق بين المسألتين إنني لا أجد فرقا.
стр. 15018
٤ ـ العمومات التي استدل بها أصحاب القول الأول من مثل قوله ﷺ : "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحدّ على ميّت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشر", لم تفرق بين ما إذا كانت الزوجة كبيرة أو صغيرة بل هي شاملة بعمومها لكل أحد, فقوله: (لامرأة) نكرة تفيد العموم, وقد أكد هذا العموم بذكره النكرة بعد النفي وهذا زيادة في العموم كما تفيده قواعد الأصول, وسيأتي تحرير المقام في قوله صلى الله عليه ويلم (أن تؤمن) عند الكلام على حكم الحداد من الكتابية. ولا حجة في قوله ﷺ (امرأة) للقائلين بعدم وجوب الحداد على الصغيرة وذلك لأمرين:
الأمر الأول: أن الصغيرة تسمى امرأة فلها من الحقوق كالكبيرة, وعليها ما عليها, صحيح أنها لا تبتغى لطلب الولد لصغرها لكونها لا يوطأ مثلها بيد أن اللفظ شامل لها.
الأمر الثاني: لو سلمنا أنها لا تسمى امرأة فلا دلالة فيه للمخالفين لأننا نقول إنه خرج مخرج الغالب فإن الغالب الكثير أن المرأة لا يفارقها زوجها إلا وهي كبيرة وليس معناه أن الحداد لا يجب على الصغيرة.
المبحث الثالث: كون الحادة مسلمة:
اتفق الفقهاء فيما علمنا على أن الحداد يجب على المرأة الكبيرة العاقلة البالغة المسلمة على ما بيّنا, واختلف الفقهاء في سوالب ذلك, ومنه اختلافهم في وجوب الحداد على الكتابية, وتجدر الإشارة هنا إلى أن أئمة الفتوى لم يختلفوا في إباحة الحداد لكل من ذكرنا ومن سنذكر قريبا, وإنما الخلاف في الوجوب أو السنية.
وبيان اختلافهم في وجوب الحداد على الكتابية كالآتي:
стр. 15019
١ـ ذهب الجمهور ومنهم الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد إلى وجوب الحداد على الكتابية, وقد استدلوا لذلك بأدلة بيانها كالآتي: العمومات التي تفيد وجوب الحداد على الكتابية لأنها من جملة النساء, والأحاديث لم تفرق بين ما إذا كانت المرأة مسلمة أو كتابية, وإخراج الكتابية من هذا العموم يحتاج إلى دليل, ولا دليل عليه, ومن ادّعى خروج الكتابية فعليه الدليل, أضف إلى هذا أن الكتابية زوجة وقد أوجب الله تعالى العدّة على الزوجات من غير تخصيص. يوضحه قوِله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ فهذا إيجاب من الله تعالى العدة على الزوجات من غيرفرق ولا تجب عدة الوفاة إلا حيث يجب الحداد؛ لأن الحداد حق للزوج فهو يلتحق بالعدة في حفظ النسب فتدخل الكافرة في ذلك بالمعنى كما دخل الكافر في النهي عن السوم على سوم أخيه [٢٧] .
فإن قيل كيف يكون الحداد واجباً على الكتابية وقد شرط رسول الله ﷺ في وجوبه الإيمان بدليل قوله ﷺ : "لا يحل لامرأة تؤمن بالله أن تحد..". فهذا دليل على عدم وجوبه على الكتابية؟ قيل الجواب عن ذلك من أوجه:
أـ أن شرط الإيمان إنما ذكر تأكيداً للمبالغة في الزجر فلا مفهوم له كما يقال هذا طريق المسلمين وقد يشاركهم غيرهم [٢٨] .
قال النووي في شرحه على صحيح مسلم مجيبا عن هذا الاعتراض ومبيِّناً أنه لا دليل فيه "وأن المؤمن هو الذي يستثمر خطاب الشارع وينتفع به وينقاد له فلهذا قُيّد به" [٢٩] . أضف إلى هذا أن السبكي نقل في فتاويه عن بعضهم أن الذمية داخلة في "تؤمن بالله واليوم الآخر" [٣٠] .
ب ـ أنّ الحداد حق للزوجية على ما بيّنا فهو ملتحق بالنفقة والسكن فكما أن الزوج تجب عليه نفقة زوجته وسكنها فكذلك يجب على الزوجة الحداد على زوجها [٣١] .
стр. 15020
ج ـ أن العدة لا تجب على الذمية إلا إذا كان زوجها مسلماً أما إذا كان زوجها ذميا فإن الحداد لا يجب عليها, وأهل الذمة مطالبون بتنفيذ عقودهم مع المسلمين وهذا منها. قال ابن القيم في الهدي مشيراً إلى ما قلنا: "ولكن عذر الذين أوجبوا الحداد على الذمية أنه يتعلق به حق الزوج المسلم وكان منه إلزامها به كأصل العدة ولهذا لا يلزمونها به في عدتها من الذمي ولا يتعرض لها فيها فصار هذا كعقودهم مع المسلمين فإنهم يلزمون فيها بأحكام الإسلام وإن لم يتعرض لعقودهم مع بعضهم بعضا" [٣٢] . وذهب الحنفية وبعض المالكية وأبو ثور إلى عدم وجوب الحداد على الذمية سواء كان زوجها مسلماً أو ذمياً [٣٣] .
وقد استدل أصحاب هذا القول بما يأتي:
١ ـ إنَّ الكتابية غير مخاطبة بحقوق الشرع والحداد من حقوقه يوضحه قوله ﵊: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر.." الخ.
فالإيمان شرط لوجوب الحداد وهو لا يوجد في الكتابية لكونه حقاً من حقوق الشرع, والذمية ليست أهلا لذلك يوضحه أن المسلمة لو أمرت بترك الحداد لم يكن لها ذلك فدل على أنه تكليفي, والأحكام التكليفية خاصة بالمسلمين قال ابن القيم في الهدي مستدلا لهذا القول بأن النّبي ﷺ "جعل الإحداد من أحكام من يؤمن بالله واليوم الآخر فلا تدخل فيه الكافرة ولأنها غير مكلفة بأحكاَم الفروع فعدوله عن اللفظ العام المطلق إلى الخاص المقيد بالإيمان يقتضي أن هذا من أحكام الإيمان ولوازمه وواجباته فكأنه قال: من التزم الإيمان فهذا من شرائعه وواجباته" [٣٤] .
следующие страницы →