Полный текст (23 804 стр.). Показаны 15401–15440 · переход к 15406.
стр. 15401
وفي صدد القول بجواز عقود التأمين ينتهي أحد الباحثين إلى أن أركان عقد ولاء الموالاة تتفق إلى حد كبير مع أركان عقد التأمين من المسئولية لأن ولاء المولاة رابطة قانونية بين شخصين بمقتضاها يتعاقدان على أن يعقل أولهما عن الآخر إذا جنى فيدفع عنه الدية في مقابل أن يرثه مولى الموالاة إذا توفي غير مخلف وارثاً قط وهو في هذا يناظر عقد التأمين من المسئولية [٥٣] .
والأصل في عقد ولاء الموالاة قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [٥٤] .
والجمهور على القول بعدم صحة هذا العقد فلا يحصل به توارث ولا عقل.. والحق في هذا مع الجمهور لقول الرسول ﷺ في الحديث المتفق عليه: "إنما الولاء لمن أعتق " [٥٥] . حيث أفاد حصر الولاء في نوع واحد هو العتق لشخص واحد هو المعتق وأما الآية فهذا كان في صدر الإسلام ثم نسخ بآية المواريث.
وقول الحنفية في ولاء الموالاة على تقدير التسليم بصحته جدلاً لا يشبه عقد التأمين من المسئولية ذلك أن الهدف الذي بني عليه ولاء الموالاة ليس هو هدف الذي بني عليه عقد التأمين.. فولاء الموالاة بني على النصرة والحماية ولجوء الضعيف الغريب إلى القوى النسيب ولذا فهولا يعتبر من عقود المعاوضة عند الحنفية القائلين به وإنما هو من عقود التبرع التي يغتفر فيها ما لا يغتفر في غيرها.. أما عقد التأمين فهو عقد معاوضة ظاهرة لا يقصد منه عند إنشائه إلا الربح والاستغلال فلا يصح أن يقاس على ولاء الموالاة مع وجود هذا الفارق الجوهري.. على أن قول الحنفية بمشروعية عقد ولاء الموالاة قول ضعيف مرجوح كما تقدم.
٥- إلحاق عقد التأمين بالوعد الملزم عند بعض المالكية:
وخلاصة مسألة الوعد الملزم عندهم أن الشخص إذا وعد غيره عدة مما ليس بواجب عليه في الأصل هل يصبح بهذا الوعد ملزما بالوفاء؟
стр. 15402
من المالكية من يقول إنه ملزم مطلقاً ومنهم من يقول إنه غير ملزم مطلقاً ومنهم من يقول يلزم إذا ذكر لها الواعد سبباً وإن لم يباشر الموعود ذلك السبب كأن يقول أريد أن أقرضك كذا لتتزوج، والراجح عندهم أنه يلزم إذا دخل الموعود في سبب ذكر في الوعد [٥٦] .
يقول الزرقا: "فإنا نجد في قاعدة الالتزامات هذه متسعاً لتخريج عقد التأمين على أساس أنه التزام من المُؤَمن للمستأمنين ولو بلا مقابل على سبيل الوعد أن يتحمل عنه أضرار الحادث الخطر ... ولا يخفي أن أقل ما يمكن أن يقال في عقد التأمين إنه التزام تحمل الخسائر عن الموعود في حادث معين محتمل الوقوع بطريق الوعد الملزم نظير التزام بتحمل خسارة المبيع عن البائع مما نص عليه المالكية" [٥٧] .
وقول بعض المالكية في هذه المسألة على التسليم بصحته جدلاً لا يصح أن يقاس عليه عقد التأمين لوجود الفارق بينهما.. فالوعد الملزم عند من قال به تبرع محض لا معاوضة فيه وهذا أمر واضح لا يحتاج إلى بيان حيث أن الموعود لا يلتزم بشيء مقابل وعد الواعد أما عقد التأمين فمعاوضة واضحة والتزام من الجانبين كما تقرر.. والتبرعات يغتفر فيها ما لا يغتفر في المعوضات كما تقرر أيضاً فلا يمكن أن تقاس المعاوضة من الطرفين في عقد التأمين على التبرع من طرف واحد في الوعد الملزم مع وجود هذا الفارق الجوهري.
٦- إلحاق عقد التأمين بمسألة عقل العاقلة: [٥٨]
стр. 15403
في هذا الصدد يقول الزرقا: "إن نظام العواقل أصله عادة حسنة قائمة قبل الإسلام في توزيع المصيبة المالية ... وقد أقر الشرع الفكرة لما فيها من مصلحة ... وجعلها إلزامية في جناية القتل لأن فيها مسئولية متعدية بسبب التناصر وذلك بعد إخراج حالة العمد منها ... فما المانع من أن يفتح باب لتنظيم هذا التعاون على ترميم الكوارث بجعله ملزماً بطريق التعاقد والإرادة الحرة كما جعله الشرع إلزامياً دون تعاقد في نظام العواقل؟ " [٥٩] .
يقول الزرقا: "يكفي في القياس التشابه بين المقيس والمقيس عليه في نقطة ارتكاز الحكم ومناطه وهي العلة وهذا ما رأيناه في نظام العواقل الإسلامي ونظام التأمين الحديث في بعض فروعه" [٦٠] .
وهذا القياس المزعوم قياس باطل من أساسه لأن نظام العقل في الإسلام إلزام من الشارع لمجموعة من الناس تربطهم رابطة معينة بتحمل ما توجبه جنايات بعضهم وليس التزام منهم باختيارهم بتحمل شيء ما مقابل عوض كما هو الحال فيعقد التأمين فأين وجه الشبه المزعوم؟.
وأيضا فإن نظام العقل في الإسلام مبنى على التناصر والبر بين أفراد عائلة واحدة وله أهداف جليلة وحكمة فأين هو من نظام التأمين المبني على التجارة وطلب الكسب والربح واستغلال الناس؟ ومن أين للزرقاء أن يزعم مع كل ذلك أن نقطة ارتكاز الحكم ومناطه وهى العلة متفقة في النظامين؟.
والخلاصة أنه لا يصح هذا القياس مع وجود هذه الفروق الأساسية في جوهر النظامين.
٧- الاحتجاج بالمصلحة:
وفي هذا يقول عبد الرحمن عيسى: "إن التأمين التجاري يحقق مصالح اقتصادية كبيرة للمجتمع.."وبعد سرد شواهد تدل على اعتبار المصلحة في الشرع يقول: "وقد بينا بوضوح تام أن التأمين يحقق مصالح عامة هامة فيكون حكمه الجواز شرعاً اعتبارًا لما يحققه من المصالح" [٦١] ..
стр. 15404
وبناء الشريعة على مبدأ جلب المصالح ودرء المفاسد أمر معروف ومسلم به لكن المراد بالمصالح ما اعتبرها الشرع كذلك وأما المصالح الملغاة في الشرع فلا اعتبار لها ولو اعتبرها العقل البشرى مصالح. فالأمور المنهي عنها أو التي تتضمن ارتكاب نهى لا اعتبار لما يزعم فيها من مصالح فهي على تقدير وجودها مصالح ملغاة.
وما يزعم في نظام التأمين من مصالح وهي- على تقدير وجودها- مصالح ملغاة لتضمن عقد التأمين أموراً وردت النصوص القطعية بالنهي عنها والوعيد الشديد عليها من الغرر والربا والقمار وبيع الدين بالدين كما سبق فإن رأت بعض العقول البشرية في نظام التأمين مصلحة ما فهي مصلحة مهدرة ملغاة شرعا لما تقدم.
وجميع ما نقل عن الصحابة وفقهاء السلف من تقرير أحكام استناداً إلى المصلحة إنما كان ذلك في أمور موافقة لمقاصد الشريعة ولم يرد فيها نص عن الشارع فالمصلحة المعتبرة عندهم ما فهموه من الشرع اعتباره في اقتضاء الأحكام ولا يستقل العقل بدركه [٦٢] .. وبهذا يعلم يقيناً أنه لا اعتبار لما يزعم في عقود التأمين من مصلحة لعدم موافقتها لمقاصد الشريعة بل لورود النص بالنهى عما تضمنته هذه العقود من غرر وربا ... الخ.
٨- الاحتجاج بأن التأمين ضرورة اقتصادية:
خلاصة الاحتجاج بالضرورة أن حاجة الناس إلى التأمين قد اشتدت وعظمت وأنه يشق عليهم تركه خوفاً من الكوارث حيث أصبح التأمين ضرورة لحفظ أموالهم وإن لم يكن من ضروريات الناس فإنه من حاجياتهم التي يترتب على فقدها الضيق والمشقة حيث أنهم قد ألفوه وتغلل في جميع نواحي حياتهم فلو منعوا منه لوقعوا في حرج ومعلوم في الشريعة الإسلامية أن المشقة تجلب التيسير والضرورات تبيح المحظورات [٦٣] ..
وتقريرهم للاحتجاج على النحو السابق يتضمن اعترافهم بأن عقد التأمين يشتمل على أمور محرمة.
стр. 15405
وهذا الاحتجاج يدل على جهل قائله بأصول الشريعة الإسلامية ومبادئها إذ كيف يتصور أن توجد الضرورة إلى نظام كنظام التأمين؟ قد توجد الضرورة في حالات فردية تقدر بقدرها وتقيد بشروطها مثل اضطرار الذي يخشى الهلاك إلى أكل الميتة ومثل هذه الصورة لا تتصور في نظام كهذا النظام.
وإذا عرفنا أن للضرورة حدوداً يعرف بها ما يكون ضرورة في واقع الأمر وما لا يكون وعرفنا معنى الضرورة وأنها ما يرتب على تركه تلف النفس أو العضو فهل الحاجة إلى التأمين من هذا الصنف؟ كلا.
وإذا وجدت ضرورة فإنما تقدر بقدرها كما تقدم وتعتبر أمراً استثنائيا يزول بزوال الحالة التي ألجأت إليه ولا يمكن أن يجعل قاعدة عامة في صورة نظام عام فإن مثل هذا يستلزم حاجة الشريعة إلى أنظمة وعقود محرمة واعتقاد مثل هذا قد يؤدى بصاحبه إلى الكفر والعياذ بالله لأنه يستلزم الاعتقاد بنقص الشريعة الإسلامية وتكذيب الله القائل: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ...﴾ [٦٤] .
وحتى الحاجة التي تُنَزّل منزلة الضرورة مشروطة بأن يكون قد شهد لها الشرع بالاعتبار فليس كل ما يسبب حرجاً للناس يستباح به المحظور وقد ذكر القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج﴾ [٦٥] قول العلماء: "رفع الحرج إنما هو لمن استقام على منهاج الشرع" [٦٦] .
وما من شك أن من استقام على منهاج الشرع واتقى الله فلن يجد حرجاً حين يمتنع من عقود التأمين.
والخلاصة أن الاحتجاج بالضرورة لا يصلح دليلاً لإباحة عقود التأمين إذ ليس هناك في الحقيقة ضرورة بالمعنى الشرعي.
الاحتجاج بنظام التقاعد:
стр. 15406
يستدل الزرقا بموقف فقهاء الشريعة- كما يقول- من نظام التقاعد مع أنه نظام تأميني بكل ما في كلمة التأمين من معنى ... يقول: "فما الفرق بين هذا النظام وبين التأمين على الحياة؟ ... ويضيف بأن الغرر والجهالة في نظام التقاعد أعظم منها في التأمين على الحياة ومع هذا يقره علماء الشريعة ... فلماذا يحسن وجود هذا النظام التقاعدي بين الدولة وموظفيها ولا يجوز نظيره تعاقدًا بين الناس [٦٧] ..
والرد على تساؤله هو وجود الفارق بينهما فالتأمين عقد بين طرفين مبني على الغرر والربا مراد به الربح والكسب وأما نظام التقاعد فليس فيه تعاقد وإنما هو إلزام من طرف الدولة وحدها ليس فيه اتفاق وتعاقد مع الموظف ولا يراد به الربح والتجارة.. وحقيقة أن الراتب ومعاش التقاعد كله من الدولة وكان بإمكانها أن تحسب الرواتب صافية دون الإشارة إلى حسم تقاعد وتلتزم بإعاشة الموظف بعد التقاعد وهي ملزمة برعاية رعيتها وعلى الأَخص الذين قضوا حياتهم في خدمتها.. فعلماء الشريعة لم يعلنوا النكير على نظام التقاعد لأنهم لم يروا فيه صورة العقد الذي يشترط له ما يشترط للعقود وإنما هو إجراء وإلزام من جانب الدولة وحدها في مجال تنظيم رواتب ومعاشات موظفيها.
وليس كلامي هنا في مجال الحكم على نظام التقاعد من حيث جوازه أم لا وإنما كلامي يدور حول وجود الفارق الجوهري والأساسي بين عقود التأمين وبين نظام التقاعد فلا يصح مع هذا التنظير بينهما.
١٠- الاحتجاج بالتراضي:
стр. 15407
ورد في كلام بعضهم أن كلا من طرفي العقد في التأمين يتعاقد مع الآخر عن رضى تام ورغبة تامة [٦٨] .. وهذا القول يدل على جهل فاضح فمتى كان التراضي على العقد المحرم مبيحاً له فعقد الربا المحرم بالإجماع لا يمكن أن يحله التراضي فكذلك عقد التأمين لا يحله التراضي وهو يتضمن أموراً يحرمها الشرع، فالتراضي المعتبر في قوله : ﴿إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [٦٩] . هو فيما أحله الله من العقود ولا اعتبار للتراضي فيما حرمه الله .
١١- إلحاق عقود التأمين بالجعالة:
زعم محمد البهي أن عقد التأمين هو عقد جعالة بين الشركة وجميع المُؤَمنين [٧٠] ..
ولا وجه لزعمه هذا فالجعالة إجارة على منفعة مظنون حصولها مثل مشارطة الطبيب على البرء والناشد على وجود العبد الآبق.. ويشترط فيها عند من أجازها أن يكون الثمن معلوماً وأن يكون العمل مما لا ينتفع الجاعل بجزء منه.. والأصل فيها قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [٧١] . وما في الأثر من أخذ الثمن على الرقية بأم القرآن [٧٢] .
فالجعالة إذاً معاوضة بين الجاعل وبن من يعمل العمل.. الجاعل يلتزم بمال معلوم والآخر يقوم بعمل معين فأين هذا من عقد التأمين بين المُؤَمن والمستأمن؟ وأيهما الجاعل؟ وأيهما الذي يقوم بالعمل؟ كل هذا لا ينطبق على عقد التأمين فالتأمين التزام بمال مقابل التزام بمال وهذا الالتزام غير معلوم المقدار وفي الجعالة يشترط أن يكون معلوماً.. والالتزام في عقد التأمين لا يقابله عمل وإنما يقابله التزام بمال أيضاً وفي الجعالة يقابل الثمن المعلوم عمل معين فلا يمكن أن يقاس عقد التأمين على الجعالة للاختلاف الظاهر بينهما بوجود مثل هذه الفروق الجوهرية التي تمنع القياس.
стр. 15408
وبهذا يتبين أنه ليس هنا مستند صحيح للقائلين بجواز عقود التأمين وقد أغفلت بعض أقوالهم مما لا وجه له ولا يستحق المناقشة.. وفي الحقيقة أن كل ما أثاروه لا قيمة له ولكنها وساوس وشبه أثيرت فلزم البيان.
وقد أصاب السنهوري عندما قال: "لا يجوز قياس عقد التأمين على عقود أو نظم معروفة في الفقه الإسلامي فهولا يشبه عقد المضاربة ولا هو كفالة ولا هو وديعة بأجر ولا هو عقد موالاة ولا يدخل في ضمان خطر الطريق ولا في الوعد الملزم ولا في نظام العواقل ... وإنما التأمين عقد جديد له مقوماته وخصائصه وهو ليس بين العقود أو النظم التي عرفها الفقه الإسلامي [٧٣] .
وهكذا ننتهي إلى أن عقد التأمين لا يشبه أي عقد من عقود المعاوضة في الفقه الإسلامي وكل ما أثاروه من شبه تبين بطلان الاحتجاج بها وبهذا ننتهي إلى الجزم بتحريم عقود التأمين لتضمنها ما نهى الشرع عنه من الغرر والربا والقمار وبيع الدين بالدين..
عقد التأمين التعاوني
لقد انتهى أكثر الباحثين في التأمين إلى أن عقود التأمين عقود محرمة إلا أن بعضهم استظهر جواز عقد التأمين التعاوني وفرق بينه وبين التأمين التجاري معتمداً على بعض الشواهد والفروق وقالوا إنه يمكن إيجاد نظام تأمين تعاوني يتفق مع نصوص الشريعة وقواعدها [٧٤] .
وقد استدلوا لذلك بالنصوص الآمرة والمرغبة بالتعاون على البر والتقوى والتواد والتراحم والتعاطف بين أفراد المسلمين.
كما ذكرت بعض الشواهد الواردة في هذا المجال وهى كالتالي:
стр. 15409
ا- حديث جابر بن عبد الله أنه قال: "بعث رسول الله ﷺ بعثاً قبل الساحل فأمر عليهم أبا عبيدة بن الجراح وهم ثلاثمائة وأنا فيهم فخرجنا حتى إذا كنا ببعض الطريق فني الزاد [٧٥] فأمر أبو عبيدة بازواد ذلك الجيش فجمع ذلك كله فكان مِِزوَدَى تمر فكان يقوتناه كل يوم قليلاً قليلاً حتى فني فلم يكن يصيبنا إلا تمرة تمرة ... "الحديث متفق عليه [٧٦] .
وجمع الطعام في السفر يدخل في النهد والتناهد هو إخراج القوم نفقاتهم على قدر عدد الرفقة وقيده بعضهم بالسوية وبالسفر ولعل هذه أصله- خلط الزاد في السفر- لكن قد يتفق حصوله في الحضر [٧٧] . وقيده ابن الأثير بسفر الغزو فقال: "ما تخرجه الرفقة عند المناهدة إلى العدو وهو أن يقسموا نفقتهم بينهم بالسوية حتى لا يتغابنوا ولا يكون لأحدهم على الآخر فضل ومنة" [٧٨] .
٢- حديث سلمة بن الأكوع ﵁ قال: خفت أزواد القوم وأملقوا [٧٩] فأتوا النبي ﷺ في نحر إبلهم فأذن لهم فلقيهم عمر فاخبروه فقال ما بقاؤكم بعد إبلكم؟ فدخل على النبي – ﷺ فقال يا رسول الله ما بقاؤهم بعد إبلهم؟ فقال رسول الله ﷺ : "ناد في الناس يأتون بفضل أزوادهم فبُسط لذلك نِطع وجعلوه على النطع فقام رسول الله ﷺ فدعا وبرك عليه [٨٠] ثم دعاهم بأوعيتهم فاحتثى [٨١] الناس حتى فرغوا ... "الحديث متفق عليه [٨٢] .
٣- حديث أبى موسى الأشعري ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "إن الأشعريين إذا أرملوا [٨٣] في الغزو أو قل طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية فهم مني وأنا منهم" متفق عليه [٨٤] .
стр. 15410
والأحاديث في هذا الباب تدل على أنه لا يتقيد بالتسوية إلا في القسمة [٨٥] وأما في الأكل فلا تسوية لاختلاف حال الآكلين ولأن الذي يوضع للأكل سبيله المكارمة لا التشاح ... وقد اغتفر الربا في النهد لثبوت الدليل على جوازه [٨٦] وذلك أن الشخص قد يأكل أكثر أو أقل مما أخرج وكذلك في القسمة قد يكون ما يقسم للشخص أكثر أو أقل ما أخذ منه لكنه اغتفر هذا الفضل للدليل الدال على جوازه.
وما حصل فيما ذكر لم يتم عن طريق التعاقد والالتزام بين أطراف في هذا التعاقد بدفع شيء معين أو غير معين مقابل التزام آخر وإنما يتم عن طريق المواساة في أوقات الحاجة والمجاعة.
وكذلك ليس فيما ذكر إرادة المبايعة والبدل وإنما يفضل بعضهم بعضاً بطريق المواساة.. فما ذكر في هذه الأحاديث إنما هو خلط الزاد في السفر والإقامة من باب الإيثار والمواساة وطلب البركة [٨٧] فلا يصلح أن يستدل بها لإنشاء عقد تأمين بدعوى أنه تعاوني وليس تجاري.
والذي يظهر أن ما ورد في هذا إنما هو حالة استثنائية خاصة فيمكن أن يطبق حكمها على ما يماثلها فقط ولا يصح أن تجعل قاعدة عامة يبنى عليها تنظيم عام وهذا ما يدل عليه تقييد العلماء للنهد بما تقدم كما يدل عليه الحالات التي حصلت فيها الشواهد المذكورة.
ثم إنه لا عبرة بتسميته تأمين تعاوني وإنما العبرة بالكيفية التي يتم بها هذا الشيء فإن كان على سبيل التبرع والإحسان بحيث لا يلزم أحد بدفع أقساط معينة بل كل يدفع ما شاء متى شاء وكذلك لا يلتزم له بدفع تعويض عن خطر ما وإنما يواس ويجبر دون التزام له بذلك فإن كان بمثل هذه الكيفية فلا بأس به إن شاء الله و ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ ويغتفر في التبرعات ما لا يغتفر في غيرها.
стр. 15411
وأما إن كان عن طريق التعاقد بان يلتزم كل واحد بدفع أقساط معينة ويلتزم له بتعويض لما يصيبه فهذا لا يُخرِجه عن صورة العقد المحرم كونه يراد منه التعاون والتكافل وكذا لا يغير من الحقيقة شيئاً تسميته عقد تأمين تعاوني أو إسلامي أو غير ذلك فالعبرة بجوهره وحقيقته وهي هنا التزام بما لا يلزم ومشتمل على شبهة المحاذير السابقة.
والذي يظهر من كلام المجوزين للتأمين التعاوني أنهم يريدون إنشاء تعاقد في هذا المجال يدل على هذا تسميته عقداً حيث يوحي بأنه التزام كما يدل عليه أيضاً وصفهم له بأنه تبادلي. يقول: الدكتور محمد بلتاجي: "لابد أن يكون تعاونياً ... وتبادلياً لأن لكل من المشتركين فيه أصلاً نفس الحقوق والواجبات " [٨٨] فوصفه بأنه تبادلي يقتضي أنه عقد معاوضة لأن البيع هكذا أصله مبادلة مال بمال [٨٩] .
ومن ذلك أيضاً ما يرد في كلامهم عن التأمين التعاوني من قولهم:"أطراف التعاقد". "نظاماً تعاقدياً". "ومن ثم يتفقون فيما بينهم على قسط الإسهام ونوع الخطر المُؤَمن منه ومبلغ التأمين" [٩٠] .
يقول محمد بلتاجي: "يصبح الاتجاه إلى تكون التعاونيات الإسلامية أمراً مطلوباً ليس لأنه بديل عن الزكاة والصدقات والتزام بيت المال بل هو يؤازرها بتعاقدات ااختيارية " [٩١] .
ويقول: "فهل هناك مانع من قيام نظم تعاقدية اختيارية تؤازر هذا النظام؟ إن ذلك فيما نرى أمر مطلوب..." [٩٢] .
стр. 15412
فكل هذه التعبيرات وغيرها تدل على أنهم يعنون بالتأمين التعاوني ما يتم عن طريق التعاقد الذي يلتزم فيه المستأمن بدفع أقساط معينة ويلتزم له بدفع تعويض عن آثار خطر ما وهو بهذه الكيفية لا يخرج عن صورة عقد التأمين الممنوع ولا يفيد كونه يراد منه التعاون أو يسمى تعاونياً كما لا يفيد أيضاً وصفه بأنه اختياري فما يسمون عقد تأمين تجاري يكون اختيارياً وهم لا يجوزنه فكذلك ما يسمونه تعاونياً بل إن عقد الربا يكون اختيارياً بين أصحابه ولا يحله ذلك وبهذا يتبين أن مثل قولهم "تعاقدات اختيارية" لا معنى منه.
وأما دعوى قيام الحاجة إلى مثل هذا العقد [٩٣] فهي في ظل الإسلام لا تعد أن تكون خرافة لا أساس لها فعند التطبيق الكامل للإسلام لن يكون هناك حاجة إليها أبداً والذين يدعونها ينطلقون فبتقديراتهم من واقع مجتمعات لا تطبق الإسلام في الأموال فلو طبق لما قامت الحاجة المدعاة كما لم تقم هذه الحاجة في الماضي عندما كان يطبق نظام الإسلام كاملا.
стр. 15413
هذا ما انتهيت إليه فيما يسمى التأمين التعاوني مع التسليم بأن التبرعات يغتفر فيها ما لا يغتفر في المعاوضات إلا أن التبرعات تتم من طرف واحد دون التزام من الطرف الآخر وكذا ما يتم بطريق المواساة في أوقات المجاعة كما في الأحاديث المتقدمة وما لم ير فيه المسلمون بأساً من النهد لأن ما يقدم للأكل مبني على المكارمة لا التشاح فكل ذلك يدل على جواز ما يتم من طريق التبرع والإحسان والمواساة والمكارمة- وخلط الإزواد في السفر لأجل ذلك وطلباً للبركة- لكن لا يدل هذا على جواز إنشاء عقود تبادلية فيها التزامات من أطراف العقد ولو كان القصد منها التعاون لأن جوهرها في الحقيقة معاوضة مادامت مبنية على تعاقد والتزام من أطراف التعاقد وهو التزام بما لا يلزم وترد عليه شبهة المحاذير السابق بيانها ... والله أعلم و صلى الله وسلم - وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه وآخر دعوانا أن الحمد لله..
--------------------------------------------------------------------------------
[١] انظر كتاب الخطر في التامين البحري تأليف محمود الشرقاوي ص ٣١ الدار القومية للطباعة والنشر بالقاهرة ١٣٨٥هـ.
[٢] انظر الوسيط لعبد الرزاق السنهوري ٧/١٩٠٦ دار النهضة العربية بالقاهرة ١٩٦٨م.
[٣] راجع السابقين.
[٤] انظر الوسيط ٧/١٠٨٥.
[٥] حاشية ابن عابدين (رد المحتار ٤/١٧٠) الطبعة الثانية ١٣٨٦ هـ طبعة مصطفى الحلبي.
[٦] انظر عقود التأمين من وجهة الفقه الإسلامي لمحمد بلتاجي ص ٢٦ و٢٧ الناشر دار العروبة الكويت١٤٠٢ هـ والتأمين وموقف الشريعة الإسلامية منه لمحمد الدسوقي ص ٧٥ المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بالقاهرة ١٣٨٧ هـ.
стр. 15414
[٧] لم يأت ذكر للخسارة مع احتمال حصولها والذي يظهر أنه ربح محدد عند التعاقد بنسبة معينة ويزيد الأمر وضوحاً رأى محمد عبده في أن ربا النسيئة لا يكون إلا في الديون ولا يكون في العقود عند إنشائها فقد جاء في تفسير المنار ٣/٩٧ طبعة الهيئة المصرية العامة للكتاب أنه لا يدخل في الربا الجلي المحرم بنص القرآن من يعطى آخر مالا يستغله ويجعل له من كسبه حظاً معيناً.
وهذا وإن كان من صياغة تلميذه رشيد رضا إلا أنه أقره كما جاء في مقدمة التفسيرِ المذكور ١/١٥ أن أستاذه الشيخ كان يقرأ ما يكتبه عمه ويقره.
وقد تبعه في هذا الرأي تلميذه رشيد رضا انظر كتابه الربا والمعاملات في الإسلام ومحمود شلتوت انظر مجلة لواء الإسلام العددان ١١و١٢ وعبد الكريم الخطيب انظر مجلة البنوك الإسلامية عدد ١١ وغيرهم.
ومقتضى ما تقدم أن محمد عبده يحلل القرض بفائدة ولذا لم يتوقف بالإجابة بالجواز فيما سئل عنه في شأن العقد المذكور.
[٨] انظر التأمين لعيسى عبده ص ٣١ دار البحوث العلمية بالكويت.
[٩] انظر الإسلام والحياة ص ٢١٦ وهو من تأليف المذكور.
[١٠] انظر بحث التَأمين له المقدم لندوة التشريع الإسلامي بالجامعة الليبية عام ١٣٩٢ هـ.
[١١] انظر له رأى الدين بين السائل والمجيب ص ١٨٦ وما بعدها- دار الفكر- ١٣٩٢ هـ.
[١٢] انظر أصول الفقه الإسلامي ص ٣٨٢ وما بعدها طبع بواسطة المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب بالقاهرة عام ١٣٨٢ هـ وهو مجموعة البحوث المقدمة للمؤتمر الذي عقد بدمشق ١٦ ـ٢١شوال ١٣٨٠هـ. ومجلة العربي العددان ١٩٢، ١٩٥ والمعاملات الحديثة لعبد الرحمن عيسى.
[١٣] انظر المراجع المتقدمة.
[١٤] صحيح مسلم٣/١١٥٣ كتاب البيوع رقم ٤ بترقيم محمد فؤاد عبد الباقي- دار إحياء الكتب العربية- بمصر.
стр. 15415
[١٥] انظر النووي على مسلم ١٠/١٥٦-١٥٧ طبعة -المطبعة المصرية- والمقدمات الممهدات لأبى الوليد بن رشد ٢/ ٢٢٢ طبعه- مطبعة السعادة - بمصر وبداية المجتهد ٢/١٥٣ الناشر- مكتبة الكليات الأزهرية-.
[١٦] انظر الوسيط ٧/ ١١٤٠ وأصول الفقه الإسلامي ٤٦١.
[١٧] انظر من فقه السنة ص ٣٦- ٣٧ الطبعة الأولى عام١٤٠٥ هـ.
[١٨] انظر من فقه السنة ص ٣٦- ٣٧ الطبعة الأولى عام١٤٠٥ هـ.
[١٩] انظر من فقه السنة ص ٣٦-٣٧ الطبعة الأولى عام١٤٠٥ هـ.
[٢٠] انظر الوسيط ٧/ ١٢١٨.
[٢١] انظر أصول الفقه الإسلامي ص ٤٠١.
[٢٢] انظر بحث التأمين للشيخ علي الخفيف ص ٦ وعقود التأمين لمحمد سلام مدكور مجلة العربي العدد ١٩٥.
[٢٣] سورة النساء آية ٢٩
[٢٤] انظر الأم ٣/ ٢-٣ للإمام الشافعي وبهامشه مختصر المزني - طبعة دار الشعب - والمقدمات الممهدات٢/ ٢٢٢.
[٢٥] انظر الفروق للقرافي ١/١٥٠ بهامشه تهذيب الفروق - دار المعرفة للطباعة والنشر- بيروت وبداية المجتهد ٢/٣٢٧ والمغنى لابن قدامة ٥/٦٥٧ الناشر- مكتبة الجمهورية العربية- بمصر ومكتبة الرياض الحديثة-.
ويجب أن يعلم أن مذهب مالك فيما يستباح فيه الغرر يشترط أن يكون من باب الإحسان المحض حالياً من أي صفات المعاوضة أي تكون الرغبة محضة لتصد الهبة والتبرع وليس عقد التأمين هكذا.
[٢٦] انظر مصادر الحق في الفقه الإسلامي ٣/ ٣٢-٣٣ والوسيط ٧/ ٠٨٩ ١ وكلاهما للمذكور.
[٢٧] ١لوسيط ٧/١٠٨٧.
[٢٨] ص ٥٩ وما بعدها.
[٢٩] انظر مجلة العربي العدد ١٩٢.
[٣٠] انظر أصول الفقه الإسلامي ص ٤٠١ وما بعدها.
[٣١] تقدم في أول البحث.
[٣٢] انظر أصول الفقه الإسلامي صر ٤٠٢ وما بعدها.
[٣٣] انظر الوسيط ٧/ ١١٣٩.
[٣٤] انظر طرفا من ذلك من فقه السنة ص ١٠٠ وما بعدها.
стр. 15416
[٣٥] انظر نظام التأمين لمصطفى الزرقا ص ٢٥ وأصول الفقه الإسلامي ص ٤٠٤ وما بعدها.
[٣٦] انظر أصول الفقه الإسلامي ص ٤٠٦.
[٣٧] سورة المائدة الآية ٩٠ -٩١ وانظر تفسير الطبري٢/٣٥٧ -٣٥٩ و٧/٣٢-٣٥ جامع بيان عن تأويل آي القرآن لابن جرير الطبري الطبعة الثالثة طبعه-مصطفى الحلبي - بمصر، وتفسير القرطبي ٣/٥٢ الجامع لأحكام القرآن لأبي عبد الله القرطبي الطبعة الثالثة عن - طبعة دار الكتب المصرية-.
[٣٨] انظر الوسيط ٧/١٠٨٧.
[٣٩] أصول الفقه الإسلامي ص ٣٩٨ وانظر بحث الخفيف ص ١٧.
[٤٠] أصول الفقه الإسلامي ص ٣٩٩.
[٤١] المصدر السابق ص ٣٩٩
[٤٢] عقود التأمين من وجهة الفقه الإسلامي ص ١١٧.
[٤٣] انظر بداية المجتهد ٢/١٢٣ ونيل الأوطار شرح منتقى الأخبار ٥/١٦٦ لمحمد بن علي الشوكاني الطبعة الثالثة- ملتزم الطبع والنشر مصطفى الحلبي-.
[٤٤] في هذا خلاف أصولي لا مجال لذكره هنا راجع إن شئت الإحكام في أصول الأحكام لا بن حزم ١/٥٢ وما بعدها - منشورات دار الآفاق الجديدة - بيروت. والقواعد النورانية لشيخ الإسلام ابن تيمية ص١٨٤ وما بعدها تحقيق الفقي - مطبعة السنة المحمدية -.
[٤٥] انظر أصول الفقه الإسلامي ص ٣٨٧.
[٤٦] انظر المصدر السابق ص ٣٨٨.
[٤٧] انظر المصدر السابق ص٥١٥.
[٤٨] انظر المصدر السابق ص ٤٠٤.
[٤٩] انظر المصدر السابق ص ٤١٠.
[٥٠] انظر حاشية ابن عابدين ٤/ ٧٠ ا- ا ١٧.
[٥١] أصول الفقه الإسلامي ص ٤١٠.
[٥٢] انظر شرح الدر المختار بحاشية ابن عابدين ٦/ ٢٥ ا-١٢٧.
[٥٣] انظر بحث الأحمد السنوسي في مجلة االأزهر ٢٥/٢٣٢-٣٠٣.
[٥٤] سورة النساء آية ٣٣.
[٥٥] صحيح البخاري بشرح فتح الباري٥/.١٩ و ٣٢٦ رقم ٢٥٦٣ بترقيم محمد فؤاد عد الباقي- المطبعة السلفية – وصحيح مسلم ٢/١١٤١ و ١١٤٢ و ١١٤٣ حديث رقم٦و٧.
стр. 15417
[٥٦] انظر الفروق للقرافي ٤/٢٢ وما بعدها.
[٥٧] انظر أصول الفقه الإسلامي ص ٤١٠.
[٥٨] عاقلة الرجل عصبته التي تعقل عنه: أي التي تؤدي عنه دية الخطأ.
[٥٩] انظر أصول الفقه الإسلامي ص ٤١٢.
[٦٠] انظر المصدر السابق ص ٥١٧.
[٦١] انظر المصدر السابق ص ٤٧٣ وما بعدها.
[٦٢] راجع إن شئت المستصفى لأبي حامد الغزالي ص٢٥٠ وما بعدها تحقيق محمد أبو العلا الناشر- مكتبة الجندي - بالقاهرة والاعتصام للشاطيى ٢/ ٦٦ وما بعدها الناشر - دار التحرير للطباعة والنثر-.
[٦٣] انظر أصول الفقه الإسلامي ص ٤٦٤ و٤٧٦ وما بعدها.
[٦٤] سوره المائدة آية ٣
[٦٥] سورة الحج آية ٧٨.
[٦٦] تفسير القرطبي ١٢/ ١٠١
[٦٧] انظر أصول الفقه الإسلامي ص- ٤١٤ وما بعدها.
[٦٨] انظر أصول الفقه الإسلامي ص ٤٧٣.
[٦٩] سورة النساء آية ٢٩.
[٧٠] انظر رأى الدين بيت السائل والمجيب ص١٨٦ وما بعدها.
[٧١] سورة يوسف آية ٧٢.
[٧٢] انظر بداية المجتهد ٢/ ٢٣٤-٢٣٥ والمغنى ٥/ ٧٢٢ وحديث الرقية بأم القرآن رواه البخاري ومسلم. انظر صحيح البخاري بشرح فتح الباري٤/٤٥٣ رقم الحديث ٢٢٧٦ صحيح مسلم ٤/ ١٧٢٧-١٧٢٨ كتاب السلام حديث رقم ٦٥ و ٦٦.
[٧٣] ١لوسيط ٧/ ١٠٨٩.
[٧٤] من هؤلاء الشيخ محمد أبو زهره وبحثه في أصول الفقه الإسلامي ص ٥٢٦ ومحمد الدسوقي في كتابه التأمين وموقف الشريعة منه ص ٣٩ ١ وما بعدها المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بالقاهرة عام ٣٨٧ اهـ. وحسين حامد حسان في كتابه حكم الشريعة في عقود التأمين ص ١٣٦ وما بعدها دار الاعتصام. وعباس حسنى في كتابه عقد التأمين في الفقه الإسلامي والقانون الوضعي ص ٧٣ ومحمد بلتاجى في كتابه عقود التأمين ص٢٠٠ وما بعدها.
[٧٥] أي كاد يفنى.
стр. 15418
[٧٦] صحيح البخاري بشرح فتح الباري ٥/١٢٨ رقم ٢٤٨٣ ومسلم ٣/١٥٣٧ صيد رقم ٢١ واللفظ للبخاري.
[٧٧] انظر فتح الباري ٥/١٢٩.
[٧٨] النهاية في غريب الحديث والأثر ٥/١٣٥ تحقيق الطناحى طبعة عيسى الحلبي.
[٧٩] أملقوا: أي افتقروا.
[٨٠] برك: عليه: أي دعا بالبركة.
[٨١] إحتثى: من الحثى وهو الأخذ بالكفين.
[٨٢] صحيح البخاري بشرح فتح الباري ٥/١٢٨ رقم الحديث ٢٤٨٤ وصحيح مسلم ٣/١٣٥٤-١٣٥٥القطة رقم الحديث ١٩ وروى نحوه عن أبى هريرة ١/٥٥-٥٦ كتاب الإيمان رقم الحديث ٤٤.
[٨٣] أرملوا: أي فني زادهم وأصله من الرمل كأنهم لصقوا بالرمل من القلة كما قيل في قوله تعالى: ﴿ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ البلد/١٦.
[٨٤] صحيح البخاري بشرح فتح الباري ٥/١٢٨-١٢٩ رقم ٢٤٨٦ ومسلم ٣/٩٤٤ ا-١٩٤٥ فضائل الصحابة رقم ١٦٧
[٨٥] في حديث سلمة لم يذكر فيه التسوية في القسمة إلا أن يقال إن مثل هذا داخل في موضوع المعجزات فلا يستدل به لهذا الباب أصلا وهذا هو الظاهر.
[٨٦] انظر فتح الباري ٥/ ١٢٩ وعمدة القاري شرح صحيح البخاري ١٣/ ٤٠ و. ٥ للعيني الناشر دار الفكر.
[٨٧] يدل لهذا ما رواه أبو عبيد في الغريب عن الحسن قال: "أخرجوا نهدكم فإنه أعظم للبركة وأحسن لأخلاقكم "انظر فتح الباري ٥/ ١٢٩وقال العيني: "وحكى عن عمرو بن عبيد عن الحسن فساقه وزاد "وأطيب لنفوسكم "عمدة القاري ١٣/ ٤٠والله أعلم بالصواب.
[٨٨] عقود التأمين ص ٢١٥.
[٨٩] انظر المصباح المنير ١/٧٧ طبعة مصطفى الحلبي.
[٩٠] عقود التأمين من وجهة الفقه الإسلامي ص ٢٣٣.
[٩١] المصدر السابق ص ٢٣٦.
[٩٢] المصدر السابق ص ٢٤١.
[٩٣] انظر المصدر السابق ٢٣٢.
стр. 15419
البدع وآثَارُهَا السَّيِّئَة
للشيخ عبد الكريم مراد
أستاذ مشارك بكلية الشريعة بالجامعة.
الحمد لله الذي أكمل لنا ديننا وأتم علينا نعمته ورضي لنا الإسلام دينا.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده المصطفى ورسوله المجتبى المبعوث رحمة للعالمين، فتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا، ترك أمته على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.
وبعد فقد صدق النبي ﷺ : "بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ"فإن البدع قد فشت ومدت أعناقها حتى أصبحت سننا ثابتة وشرائع مقررة حسبها العامة والجمهور دينا لا يرون الحق غيره. والمتمسك بمحض السنة عندهم كالخارج عنها. ولقد صدق حذيفة ﵁: "والله لتفشون البدع حتى إذا ترك شيء منها قالوا: تركت السنة". والمؤمن المتبصر في أمر دينه لا يشك في أن اتباع البدع خروج عن الصراط المستقيم ورمى في عماية وضلالة. أعاذنا الله منها.
وهذه كلمة موجزة منتخبة من كلام أئمة الإسلام مثل شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام أبي إسحاق الشاطبي وغيرهما ﵏ في معنى البدعة شرعا وذمها وسوء منقلب أهلها مع إلقاء الضوء على الاستحسان الفقهي والاستدلال المرسل المسمى بالمصلحة المرسلة حتى يتبين أن البدع ليست من هذين الأصليين الفقهيين في ورد ولا صدر ولا تبقى لأحد شبهة في أنه ليس في البدع مستحسن وفي أن كل بدعة ضلالة.
معنى البدعة:
стр. 15420
أصل مادة (بدع) معناه الاختراع على غير مثالا سابق. ومنه قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ أي مخترعاهما لا عن مثال سابق متقدم. والبِدْع: الشيء الذي يكون أولاً، يقال: فلان بدع في هذا الأمر أي أولٌ لم يسبقه أحد. ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُل﴾ أي ما كنت أول رسول أرسل قد أرسل قبلي كثيرون [١] .
ومن هذا المعنى سميت البدعة بدعة، فإحداثها واستجراحها للسلوك عليها هو: الابتداع، وكيفيتها وهيئتها هي: البدعة.
وقد يسمى العمل المعمول على هذا الوجه أيضا بدعة.
تعريف البدعة:
البدعة شرعا: هي طريقة مخترعة في الدين تضاهي الطريقة الشرعية يقصد بالسلوك عليها التعبد لله تعالى.
شرح التعريف: (طريقة) الطريقة والطريق والسبيل والصراط والسنة ألفاظٌ معناها واحد وهو: ما رسم للسلوك عليه.
(مخترعة في الدين) محدثة فيه على غير مثال سابق من الشرع. خرج بهذا القيد كل ما يظهر لبادئ الرأي أنه مخترع مما له أصل في الشرع كجمع القرآن وتدوين السنن.
وإنما قيدت بالدين لأن البدعة تحدث في الدين وإليه يضيفها صاحبها وهو المبتدع، فلو كانت مخترعة في الأمور الدنيوية على الخصوص لم تسم بدعة كالمخترعات الحديثة وسائر مالا عهد به فيما تقدم من الزمان.
стр. 15421
(تضاهي الطريقة الشرعية) أي تشابهها يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية وهو: التعبد لله تعالى وفي الحقيقة هي مخالفة لظاهر الشريعة من جهة ضرب الحدود وتعيين الكيفيات والتزام الهيئات الخاصة أو الأزمنة المعينة مع الدوام ونحو ذلك كالذكر بهيئة الاجتماع على صوت واحد ورفع الأيدي في الدعاء جماعيا بعد الصلوات الخمس على الدوام واتخاذ يوم ولادة النبي ﷺ عيدا مضاهاة للنصارى في عيد ميلاد عيسى ﵇، وقد أحدث عيد الميلاد هذا في الإسلام بعد المائة السادسة من الهجرة لم يفعله السلف مع قيام المقتضى له وعدم المانع منه ولو كان هذا خيرا محضا أو راجحا لسبق إليه السلف من الصحابة والتابعين ﵃ فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله ﷺ وتعظيماً له منا وهم على الخير أحرص وإنما كمال محبته ﷺ وتعظيمه في متابعته وطاعته وهي طريقة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين تبعوهم بإحسان [٢] .
وكذلك صوم يوم النصف من شعبان وقيام ليلته. والحديث الذي رواه ابن ماجه في ذلك ضعيف جدا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فضل ليلة النصف من شعبان مختلف فيه بين أهل العلم من السلف والخلف وأما صوم يوم النصف مفردا فلا أصل له وكذلك ما أحدث في ليلة النصف من الاجتماع العام للصلاة الألفية في المساجد الجامعة ومساجد الأحياء مكروه لم يشرع. والحديث الوارد في الصلاة الألفية موضوع باتفاق أهل العلم بالحديث. وسميت بالصلاة الألفية لقراءة سورة الإخلاص فيها ألف مرة.
وكذلك صوم يوم أول خميس من رجب وقيام ليلة تلك الجمعة والصلاة فيها المعروفة عند الجهال بصلاة الرغائب المحدثة في الإسلام بعد المائة الرابعة من الهجرة. والحديث في ذلك أيضا موضوع.
стр. 15422
والبدعة لو كانت لا تضاهي الأمور الشرعية ولا تشابهها لم تكن بدعة شرعا بل تصير من باب الأفعال العادية.
(يقصد بالسلوك عليها التعبد لله تعالى) هذا إتمام لمعنى البدعة إذ هو المقصود بابتداعها.
خرج بهذا القيد العادات، فكل ما أحدث مما لم يقصد به التعبد لا يسمى بدعة شرعاً. ومن سمى ذلك بدعة فهو إما ملبس على غيره أو جاهل بمواقع السنة والبدعة فلا يكون قوله معتدا به ولا معتمدا عليه.
والتعريف يشمل البدع التركية فإن من ترك شيئا من المطلوبات الشرعية تدينا فهو مبتدع قطعاً حيث تدين بضد ما شرعه الله تعالى.
وأما الترك إذا كان لغير التدين من كسل أو لتضييع أو نحو ذلك من الدواعي النفسية فلا يكون بدعة بل هو عائد إلى المخالفة للأمر فيكون التارك عاصياً لمخالفة ما أمر الله تعالى به.
كل بدعة ضلالة:
ذم البدع والمحدثات في الدين عام لا يخص محدثةً دون محدثةٍ. والأدلة الشرعية تدل على العموم من وجوه:
الأول: أنها جاءت مطلقة عامة على كثرتها لم يقع فيها استثناء البتة ولم يأت ما يقتضي أن من البدع ما هو هدى، فلو كان هنالك بدعة يقتضي النظر الشرعي فيها الاستحسان لأشير إلى ذلك في آية أو حديث لكنه لا يوجد.
فدل ذلك على أن تلك الأدلة بأسرها على حقيقة ظاهرها من الكلية والعموم لا يتخلف عن مقتضاها فرد من أفراد البدعة.
الثاني: أنه قد تقرر أن كل قاعدة كلية ودليل شرعي إذا تكررت في مواضع كثيرة ولم يقترن بها تقييد ولا تخصيص مع تكرارها فذلك دليل على بقاء تلك القاعدة على مقتضى ظاهر لفظها من العموم مثل قوله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ . وقوله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى﴾ وما أشبه ذلك.
стр. 15423
وما نحن بصدده من هذا القبيل إذ جاء في الأحاديث المتعددة والمتكررة في أوقات شتى وبحسب الأحوال المختلفة أن كل بدعة ضلالة وأن كل محدثة بدعة، ونحو ذلك من العبارات التي تدل على عموم ذم البدع والمحدثات في الدين ولم يأت في آية ولا حديث تقييد ولا تخصيص ولا ما يفهم منه خلاف ظاهر العموم والكلية فيها.
فدل ذلك دلالة واضحة على أن تلك الأحاديث على ظاهرها من العموم والإطلاق.
الثالث: إجماع السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان على ذم البدع بدون استثناء والهروب عنها وعن أصحابها.
فهذا بحسب الاستقراء إجماع ثابت يدل على أن كل بدعة مذمومة.
الرابع: أن معنى البدعة ومفهومها يقتضي عموم ذم البدع كلها بدون استثناء لأنه باب مضادة الشارع واطراد للشرع، وكل ما كان كذلك فممتنع أن ينقسم إلى: حَسن وقبيح وأن يكون منه ما يمدح ومنه ما يذم إذ لا يصح في معقول ولا منقول استحسان مشاقة الشارع ومخالفته [٣] .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في اقتضاء الصراط المستقيم (٢٦٨) بعد الكلام على أعياد الكفار والمشركين: "ومن المنكرات في هذا الباب سائر الأعياد والمواسم المبتدعة لما في ذلك من المشابهة للكفار ولأنها من البدع".
وهذه المواسم إنما نهى عنها لما حدث فيها من الدين الذي يتقرب به إلى الله تعالى. فما أحدث من المواسم والأعياد فهو منكر وإن لم يكن فيه مشابهة لأهل الكتاب والمشركين لأن ذلك داخل في مسمى البدع والمحدثات فيدخل في عموم قول النبي ﷺ : "وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة"، وفي رواية النسائي: "وكل ضلالة في النار"، وفي حديث العرباض ابن سارية الصحيح: "وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة". رواه أبو داود وغيره.
стр. 15424
وقوله: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"متفق عليه ولمسلم: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد".
واعلم أن هذه القاعدة وهي الاستدلال بكون الشيء بدعة على كراهته سواء بلغت الكراهة التحريم أولم تبلغه هي قاعدة عظيمة دل عليها السنة والإجماع مع ما في كتاب الله من الدلالة عليها أيضا.
وأما ما ثبت حسنه بدليل شرعي فليس من البدع الشرعية فيبقى العموم محفوظاً لا خصوص فيه إذ البدعة شرعا: ما لم يدل عليه دليل شرعي.
تقسيم البدعة إلى: حسنة وسيئة تقسيم محدث لا يدل عليه دليل شرعي:
فإن قيل إن غير واحد من العلماء قسم البدعة إلى قسمين: بدعة حسنة وبدعة سيئة مثل النووي وملا علي القاري وغيرهما بدليل قول عمر بن الخطاب ﵁ في صلاة التراويح: "نعمت البدعة هذه"، وبدليل أشياء من الأقوال والأفعال أحدثت بعد عهد رسول الله ﷺ وهي ليست مكروهة بل حسنة للأدلة الدالة على ذلك من الإجماع أو القياس وقد بسط القول في ذلك أبو العباس شهاب القرافي من المالكية فقال: "اعلم أن الأصحاب فيما رأيت متفقون على إنكار البدع نص على ذلك ابن أبى زيد وغيره والحق التفصيل وأنها خمسة أقسام:
الأول: واجب وهو ما تناولته أدلة الوجوب وقواعده من الشرع كجمع القرآن وتدوين الشرائع إذ خيف عليها الضياع.
الثاني: محرم وهو ما تناولته أدلة التحريم وقواعده من الشرع كالمكوس والمحدثات من المظالم.
الثالث: مندوب وهو ما تناولته أدلة الندب وقواعده من الشرع كصلاة التراويح في المسجد جماعة.
الرابع: مكروه وهو ما تناولته أدلة الكراهة وقواعدها من الشرع كتخصيص بعض الأيام أو الليالي بنوع من العبادات. والزيادة في المندوبات المحدودة من هذا الباب والزيادة في الواجب أو عليه أشد في المنع.
стр. 15425
الخامس: مباح وهو ما تناولته أدلة الإباحة وقواعدها من الشرع مثل اتخاذ المناخل للدقيق وغسل اليدين بالأشنان.
قال: فالبدعة تعرض على قواعد الشرع وأدلته فأي شيء تناولها من الأدلة ألحقت به من إيجاب أو تحريم أو غيرهما".
وقد قسم البدعة قبل القرافي شيخه عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام إلى الأحكام الخمسة.
وملخص الإيراد والمعارضة: ليست كل بدعة ضلالة.
أقول: قد تقدم الجواب عن ذلك في كلام الشاطيي وأشير إليه في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمهما الله وأعيد الجواب موجزاً لمسيس الحاجة إلى ذلك.
فأقول: إن هذا تقسيم محدث لا يدل عليه دليل شرعي بل هو تقسيم في نفسه متدافع منها ولا أساس له لأن البدعة الشرعية هي ما لم يدل عليه دليل شرعي فإذا دل دليل شرعي على وجوب أمر أو ندبه أو نحو ذلك لم يكن بدعة.
فالجمع بين عد بعض الأشياء من البدع وبين كون الأدلة تدل عليها من وجوب أو تحريم أو غيرهما جمع بين المتنافيين [٤] .
قال في الدين الخالص: إن الله تعالى ورسوله ﷺ لا يرضيان بدعة أي بدعة كانت. فلو كانت بدعة حسنة لما قال النبي ﷺ :"كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة".يا لله العجب من أمثال هذه المقالة، ألم يعلموا أن في إشاعة البدع إماتة السنن وفي إماتتها إحياء الدين وعلومه.
стр. 15426
والذي نفسي بيده إن دين الإسلام كامل تام غير ناقص لا يحتاج إلى شمس في إكماله وإتمامه. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إن قول رسول الله ﷺ : "فإن شر الأمور محدثاتها وإن كل محدثة بدعة وإن كل بدعة ضلالة"، نص من رسول الله ﷺ فلا يحل لأحد أن يدفع في دلالته على ذم البدع، ومن نازع في دلالته فهو مراغم. وقال: لا يحل لأحد أن يقابل هذه الكلمة الجامعة من رسول الله ﷺ الكلية وهي: قوله: "كل بدعة ضلالة"، بسلب عمومها وهو أن يقال: ليست كل بدعة ضلالة. فإن هذا إلى مشاقة الرسول – ﷺ أقرب منه إلى التأويل.
وقال: وقصد التعميم المحيط ظاهر من نص رسول الله ﷺ بهذه الكلمة الجامعة فلا يعدل عن مقصوده بأبي هو وأمي ﷺ .
والمجادلة المحمودة إنما هي بإبداء المدارك وإظهار الحجج التي هي مستند الأقوال والأعمال من الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة والإجماع نصا أو استنباطاً. وأما إظهار الاعتماد على ما ليس هو المعتمد في القول والعمل فليست هي طريقة أهل العلم بل هو نوع من النفاق في العلم والجدل والكلام والعمل.
قال: وأما صلاة التراويح فليست بدعة بل سنة بقول رسول الله ﷺ : "إن الله فرض عليكم صيام رمضان وسننت لكم قيامه".
وكذلك صلاتها جماعة في المسجد ليست بدعة بل سنة صلاها رسول الله ﷺ في أول الشهر ليلتين بل ثلاثا وصلاها في العشر الأواخر مرات ثم تركها وقال لهم في الليلة الثالثة أو الرابعة لما اجتمعوا: "إنه لم يمنعني أن أخرج لكم إلا كراهة أن يفرض عليكم"، فعلل الترك بخشية الافتراض على الأمة.
وأما الجواب عن قول عمر ﵁ "نعمت البدعة هذه"ففي قول الصحابي الذي لم يخالف فيه, قولان لأهل العلم:
стр. 15427
أحدهما: حجة يقدم على القياس ويخص به العموم وهذا قول مالك والقديم للشافعي ورواية عن أحمد وقول بعض الحنفية.
والثاني: ليس بحجة لأن الصحابي لم تثبت عصمته يجوز عليه الخطأ والغلط.
وهذا قول عامة المتكلمين والجديد للشافعي واختاره أبو الخطاب [٥] . وعلى القولين لا تصلح ولا تصح معارضة الحديث بقول الصحابي. وهو ظاهر. نعم أكثر ما في هذا هي تسمية عمر تلك بدعة.
وهذه تسمية لغوية لا شرعية وذلك أن البدعة في اللغة تعم كل ما فعل ابتداء من غير مثال سابق.
فلما كانت صلاة التراويح في عهد عمر بهذه الهيئة وهي اجتماعهم في المسجد على قارئ واحد مع إسراج المسجد عملا محدثا لم يعهد من قبل سماه بدعة.
فإذا دل نص رسول الله ﷺ على استحباب شيء أو إيجابه بعد موته أو دل على ذلك مطلقا ولم يعمل بذلك إلا بعد وفاته – ﷺ صح أن يسمى بدعة في اللغة لأنه عمل مبتدأ كما أن نفس الدين الذي جاء به ﷺ يسمى بدعة ومحدثا في اللغة كما قالت رسل قريش للنجاشي عن المهاجرين إلى الحبشة من أصحاب النبي ﷺ : "إن هؤلاء خرجوا من دين آبائهم ولم يدخلوا في دين الملك وجاءوا بدين محدث لا يعرف" [٦] .
وقال الحافظ ابن رجب ﵀: "البدعة ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، وأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعا وإن كان بدعة لغة فقوله – ﷺ : "كل بدعة ضلالة"، من جوامع الكلم لا يخرج عنه شيء. وهو أصل عظيم من أصول الدين.
وأما ما وقع في كلام السلف من استحسان بعض البدع فإنما ذلك في البدع اللغوية لا الشرعية فمن ذلك قول عمر ﵁ في التراويح: "نعمت البدعة هذه"، وروى عنه: "إن كانت بدعة فنعمت البدعة" [٧] .
من آثار البدع السيئة:
стр. 15428
من شؤم البدعة وآثارها السيئة أنها لا يقبل معها عمل من صلاة ولا صيام ولا صدقة وغيرها من القربات، وهي مانعة من الورود على حوض النبي ﷺ ومانعة من شفاعته، وعلى المبتدع إثم من عمل ببدعته إلى يوم القيامة، وليس له توبة.
وقد تبرأ منه النبي ﷺ والمؤمنون، يخاف عليه من سوء الخاتمة والعياذ بالله والبدعة لا يقبل معها عمل إما أن يراه بذلك عدم القبول مطلقا على أي وجه وقع عمل المبتدع وافق السنة أو خالفها أو أن يراد منه أنه لا يقبل ما ابتدع فيه من الأعمال خاصة دون ما لم يبتدع فأما الأول وهو أن المبتدع لا تقبل أعماله مطلقا سواء داخلتها بدعة أم لا، فيدل على ذلك أدلة:
منها ما صح عن عبد الله بن عمر ﵄ في القدرية وهو قوله: "فو الذي يحلف به عبد الله بن عمر لو كان لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه ما تقبله الله حتى يؤمن بالقدر"ثم استشهد بحديث جبريل الذي رواه مسلم.
ومنها ما في حديث الخوارج وهو قوله - صلى الله غليه وسلم -: "يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية"، بعد قوله: "تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم"الحديث. ومنها حديث علي بن أبي طالب ﵁ المشهور بحديث الصحيفة المتفق عليه وفيه قوله: "المدينة حرم ما بين عير وإلى ثور، من أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا".
والحديث عام يشمل كل حدث ينافي الشرع والبدع أقبح المحدثات وهو وإن كان خاصاً بمدينة الرسول ﷺ فغيرها داخل في المعنى، وهذا الحديث من أشد ما يكون على أهل البدع.
стр. 15429
وأما الاحتمال الثاني وهو أن يراد عدم قبول ما داخلت البدعة من الأعمال خاصة فذلك ظاهر جدا يدل عليه قول النبي ﷺ : "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" متفق عليه ولمسلم: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد".
وقوله: كل بدعة ضلالة.
والبدعة مانعة من الورود على حوض النبي ﷺ ومن شفاعته فذلك للحديث الصحيح: "فليذاد رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال" وفي رواية: "أنا على الحوض أنتظر من يَرِد علىّ منكم فيؤخذ أناس دوني فأقول يا رب مني ومن أمتي فيقال: أما شعرت ما عملوا بعدك؟ وفي رواية: ما تدرى ما أحدثوا بعدك؟ فأقول: سحقا سحقا".
والمبتدع عليه إثم من عمل ببدعته إلى يوم القيامة فذلك لقول الله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْم﴾ الآية وقوله ﷺ : "من سن سنة سيئة فعمل بها بعده كان عليه وزرها ووزر من عمل بها". فما من بدعة يبتدعها أحد فيعمل بها من بعده إلا كتب على مبتدعها إثم من عمل بها زيادة على إثم ابتداعه أولا ثم عمله ثانيا.
وأيضاً فإذا كانت كل بدعة تستلزم رفع السنة التي تقابلها كان على المبتدع إثم ذلك زائدا على إثم الابتداع.
والتوبة محجوبة عن صاحب البدعة فيدل على ذلك حديث أنس ﵁ المرفوع: "إن الله حجز أو قال حجب التوبة عن كل صاحب بدعة". رواه ابن أبي عاصم في السنة وقال الألباني: "صحيح بشواهده".
ويدل عليه ما في حديث الخوارج وهو قوله: "يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية ثم لا يعودون فيه".
стр. 15430
ويدل على ذلك قوله في حديث الفرق: "وإنه سيخرج من أمتي أقوام تجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله"، وعدم قبول التوبة من المبتدع يقتضي ظاهر الحديث عموم ذلك فهو محمول على العموم العادي لأن الغالب عادة في الواقع الإصرار من المبتدعة على البدع.
وأما براءة النبي ﷺ والمؤمنين من أهل البدع فيدل على ذلك قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ الآية وقوله ﷺ : "من رغب عن سنتي فليس مني".
وقول ابن عمر ﵄ في أول فرقة من أهل البدع في الإسلام وهم القدرية: "إذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم وهم براء مني".
والآثار عن السلف في التحذير عن أهل الأهواء والبدع والابتعاد عن مجالستهم كثيرة.
والمبتدع يخاف عليه من سوء الخاتمة وذلك أن سوء الخاتمة لا يكون لمن استقام ظاهره وصلح باطنه، والحمد لله على ذلك وإنما يكون سوء الخاتمة لمن له فساد في العقل أو إصرار على الكبائر أو يكون مستقيما في أول أمره ثم تغيرت حاله وأخذ في طريق غير طريق الاستقامة فيكون عمله ذلك سببا لسوء عاقبته وخاتمته والعياذ بالله.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ الآية. وقال سبحانه: ﴿َفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ . والمكر جلب السوء من حيث لا يفطن له وسوء الخاتمة من مكر الله إذ يأتي الإنسان من حيث لا يشعر.
اللهم إنا نسألك العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدنيا والآخرة.
الفرق بين البدع وبين المصالح المرسلة والاستحسان
стр. 15431
لما كان هذا المقام مزلة قدم لأهل البدع ومشتبها عليهم حتى استدلوا على البدع من جهته كان لابد من بيان الفرق بين البدع وبين الاستدلال المرسل المسمى بالمصالح المرسلة والاستحسان الفقهي حتى يتبين أن البدع ليست من المصالح المرسلة ولا من الاستحسان
فأقول أولا: إن المصالح المرسلة لابد فيها من اعتبار أمور:
الأول: الملائمة لمقاصد الشرع بحيث لا تتنافى مع أصل من أصوله ولا دليل من أدلته.
الثاني: أن النظر المصلحي إنما يكون فيما عقل معناه وجرى على المناسبات المعقولة التي إذا عرضت على العقول تلقتها بالقبول.
فلا مدخل للمصالح المرسلة في الأمور التعبدية ولا ما جرى مجراها لأن العبادات لا يعقل لها معنى على وجه التفصيل مثل الوضوء والتيمم والصلاة والصوم والحج وسائر العبادات.
ألا ترى أن الطهارات على اختلاف أنواعها قد اختص كل نوع منها بتعبد مخالف جدا لما يظهر لبادئ الرأي فإن البول والبراز خارجان نجسان يجب فيهما تطهير أعضاء الوضوء دون الاكتفاء على تطهير المخرجين فقط.
والتطهير من ذلك واجب مع نظافة الأعضاء وغير واجب في قذارتها بالأدران والأوساخ إذا فرض عدم وجود الحدث.
ثم التراب من شأنه التلويث يقوم مقام الماء الذي من شأنه التنظيف.
وأوقات الصلوات الخمس لا توجد فيها مناسبة تعقل لإقامة الصلوات فيها دون غيرها من الأوقات.
والصيام والحج نجد فيهما من التعبدات غير المعقولة شيئا كثيرا.
وهكذا توجد سائر العبادات إلا قليلا منها ظهر فيه معنى مناسب فهم من الشارع فاعتبر به.
لقد صدق على رضى الله عنه: "لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه".
стр. 15432
لذلك التزام الإمام مالك بن أنس ﵀ في العبادات عدم الالتفات إلى المعاني وإن ظهرت لبادئ الرأي وقوفا منه ﵀ مع ما فهم من مقصود الشارع في التعبدات من التسليم لها على ما هي عليه بخلاف العادات فهي جارية على المعاني المناسبة الظاهرة للعقول فإن مذهب مالك فيها الرجوع إلى المصالح المرسلة والاستحسان.
الأمر الثالث: أن المصالح المرسلة ترجع إلى حفظ ضروري من الضروريات فهو من باب الوسائل ومالا يتم الواجب إلا به.
أو ترجع إلى دفع جرح لازم فهو من باب التخفيف.
فإذا تقرر ذلك علم أن البدع مخالفة للمصالح المرسلة لأن موضوع المصالح المرسلة: ما عقل معناه على التفصيل مثل الأمور العادية فلذا كانت مظنتها بخلاف العبادات فليس حكمها حكم العادات لاهتداء العقول لها في الجملة وعدم اهتدائها لوجوه التقربات إلى الله تعالى. فلذا لا يقدم على اختراع عبادة لا أصل لها في الشرع.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "إن أعمال العباد تنقسم إلى: عبادات يتخذونها دينا ينتفعون بها في الآخرة أوفي الدنيا والآخرة، وإلى عادات ينتفعون بها في معاشهم.
فالأصل في العبادات أن لا يشرع منها إلا ما شرعه الله تعالى.
والأصل في العادات أن لا يحظر منها إلا ما حظر الله تعالى" [٨] .
ونكرر ونقول: إن المصالح المرسلة مرجعها إما حفظ ضروري فهو من باب الوسائل لا من المقاصد. أو رفع جرح لازم فهو راجع إلى التخفيف لا إلى التشديد.
فلا يمكن إذًا إحداث البدع من جهة المصالح المرسلة لأن البدع متعبد بها فليست وسائل بل هي من المقاصد عن أصحابها، ولأن البدع زيادة في التكليف فهي منافية للتخفيف، فلا حجة لأهل البدع في المصالح المرسلة أصلا.
стр. 15433
وبذلك كله يعلم من قصد الشارع أنه لم يكل شيئا من التعبدات إلى آراء العباد فلم يبق إلا الوقوف عند ما حده في العبادات والزيادة عليه بدعة كما أن النقصان منه بدعة.
وثانيا أن الاستحسان أيضا مظنة شبهة لمن أراد أن يبتدع فقد يقول: "إن استحسنت كذا وكذا ففلان من العلماء قد استحسن".
لذلك كان لزاما من بيان معنى الاستحسان عند من اعتبره في الأحكام من أهل العلم حتى لا يغتر به جاهل ولا يحتج به مبتدع.
فنقول: قد اعتبر الاستحسان الإمامان: أبو حنيفة ومالك رحمهما الله والذي يُستقرى من مذهبهما أن مرجع الاستحسان هو العمل بأقوى الدليلين كما قال ابن العربي المالكي ويشعر به قول الكرخي من الحنفية حيث يقول: "إن الاستحسان هو العدول عن الحكم في المسألة بحكم نظائرها إلى خلافه لوجه أقوى".
وعرفه ابن العربي فقال: "إنه إيثار ترك مقتضى الدليل على طريق الاستثناء والترخص لمعارضته ما يعارض به في بعض مقتضياته".
وقسمه إلى عدة أقسام وذكر منها: ترك الدليل للعرف وتركه للمصلحة وتركه في اليسير لرفع المشقة ومثل لذلك.
وعرفه ابن رشد المالكي بقوله: "الاستحسان طرح للقياس وعدول عنه في بعض المواضع لمعنى يؤثر في الحكم يختص ذلك الموضع". والاستحسان على هذه التعريفات ليس بخارج عن الأدلة. والأدلة يقيد بعضها ويخصص بعضها بعضاً.
فلا حجة في الاستحسان لمبتدع ولا يمكن أن يتمسك به من أراد أن يستحسن بغير دليل أصلا.
وأما تعلق أهل البدع بالاستحسان على قول من عرفه بأنه: "ما يستحسنه المجتهد بعقله ويميل إليه برأيه أو أنه: دليل ينقدح في نفس المجتهد ولا تساعده العبارة عنه ولا يقدر على إظهاره".
فلم يعرف التعبد بذلك لا بضرورة ولا بنظر ولا بدليل من الشرع قاطع ولا مظنون. والاستحسان بهذا المعنى مصداق قول الإمام الشافعي ﵀: "من استحسن فقد شرع".
стр. 15434
ومعلوم أن الصحابة ﵃ قد حصروا نظرهم في الحوادث والوقائع التي لا نصوص فيها في الاستنباط والرد إلى ما فهموه من الأصول ولم يقل أحد منهم: "إني حكمت في كذا لأن عقلي استحسنه أو طبعي مال إلي من البدع وأهلها وأنت المسئول المرجو الاجابة أن تمتعنا بالإسلام والسنة والعافية بمنك وك هـ".
وختاما نستعصم اللهم رمك.
وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] لسان العرب.
[٢] اقتضاء الصراط المستقيم ص٢٩٤.
[٣] الاعتصام للشاطبي.
[٤] الاعتصام للشاطبي.
[٥] الروضة لابن قدامة.
[٦] اقتضاء الصراط المستقيم.
[٧] جامع العلوم والحكم لابن رجب.
[٨] اقتضاء الصراط المستقيم ص ٢٦٩.
стр. 15435
القُرْآن الكَرِيْم مَصْدَرٌ لِلتَّاريخ
للدكتور بشير كوكو حميدة
أستاذ مساعد بكلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة
القرآن الكريم، كتاب الله المبين، والتنزيل الحكيم، لم ينزل ليكون سفرا في التاريخ أوفي العلوم أوفي الأدب أوفي غيرها من المعارف الإنسانية، وإنما جاء لهداية البشرية جمعاء. فهذه هي طبيعة القرآن التي ينبغي علينا أن نعيها. مصداقا لقوله تعالى في أول سورة البقرة المباركة: ﴿آلم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ . فهو هداية الله وهديته إلى خلقه [١] قال تعالى: ﴿ ... قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ . المائدة ١٥-١٦. ومن هنا فإن القرآن الكريم كتاب دين وليس كتاب علم أرضي بمعنى أنه لا يشرح نظريات الهندسة أوقوانين الطب [٢] ، ولنا أن نتساءل إذن عن مدار البحث الرئيسي في هذا الكتاب الحكيم، وعن موضوعه.
حقيقة الأمر أن موضوع القرآن هو:
أولاً: الإنسان وحياته التي تفضي به إما إلى عيشة راضية أو إلى نار حامية.
وثانيا: فإن بحثه هو إجلاء الحقيقة ودعوة البشر إليها.
وثالثا: فإن هدفه دعوة الإنسان إلى الحق المبين والنهج القويم [٣] .
стр. 15436
على أن القرآن يحوي بين دفتيه الكثير من العلوم والمعارف المختلفة. قال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ . الأنعام:٣٨ وقال جل شأنه: ﴿َنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ . النحل:٨٩ وعن ابن مسعود ﵁ أنه قال: "من أراد العلم فعليه بالقرآن فإن فيه خبر الأولين والآخرين" [٤] . وفي ما أخرج البيهقي عن الحسن أنه قال "أنزل الله مائة وأربعة كتب وأودع علومها أربعة منها التوراة والإنجيل والزبور والفرقان، ثم أودع علوم الثلاثة الفرقان" [٥] . إذن فالقرآن العظيم هو الجامع الشامل لكامل الدين. قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ... ﴾ الشورى: ١٣.
وفي تقديري ... أنه ليس على المؤرخ حرج في أن يستنبط حقائق التاريخ من آيات الله البينات. فالقرآن مأدبة الله، وهو أدسم الموائد قاطبة. ويمكن لكل من أوتى حظا من العلم أن يتناول ما يناسبه من هذه المائدة الدسمة علما بأن فريقا من العلماء قد جوز استعمال بعض آيات القرآن في التصانيف والرسائل والخطب [٦] . والتاريخ علم ويمكن أن نأخذه من القرآن. وعلى حد تعبير الزركشي: "وكل علم من العلوم منتزع من القرآن، وإلا فليس له برهان" [٧] .
стр. 15437
وفي المبتدأ ينبغي لي أن أثبت حقيقة ناصعة لا تقبل الشك ألا وهي أن ما ورد في القرآن الكريم من التاريخ حق لا ريب فيه. وآية ذلك أن القرآن كتاب عزيز: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ . فصلت:٤٦. فلم يتصد للقرآن بالنقد والرفض في مطلع الدعوة الإسلامية إلا المشركون من أهل مكة الذين لم يؤمنوا بآيات الله وهي القرآن ومحمد ﷺ ، فقالوا إن محمدًا كان يتلقى القرآن من قين (حداد) نصراني كان النبي ﵊ يدخل عليه [٨] . علماً بأن ذلك النصراني كان أعجميا لا يعرف العربية أو على الأقل لا يجيدها وفي هذا الصدد يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ .النحل:١٠٣.
ولا نزاع في أن زعماء المشركين بمكة كانوا يعلمون أن ما جاء به النبي الكريم ﷺ حق قال تعالى: ﴿... فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ .الأنعام: ٣٣. فها هو أبو جهل- أحد صناديد قريش وسادتها- يقول قولته المشهورة حينما سئل عن محمد أصادق هو أم كاذب؟ فقال: "والله إن محمدًا لصادق، وما كذب محمد قط".
ولكن إذا ذهبت بنو قصي باللواء والسقاية والحجابة والنبوة فماذا يكون لسائر قريش!؟ " [٩] . إذن فإن أبا جهل إنما كان ينطلق من منطلق النعرة الضيقة والتفاخر بين الأسر القرشية. فلم يعجب بعض القرشيين أن يكون من الهاشميين نبي يأتيه الوحي من السماء، وهم لا يدركون ذلك. فأقسموا بالله ألا يؤمنوا بالنبي – ﷺ ولا يصدقوه [١٠] . هذا بالطبع أحد الأسباب الأخرى التي جعلت المشركين يقفون موقف العداء من الدعوة الإسلامية.
стр. 15438
أما في العصر الحديث فقد تصدى للقرآن ونبي الإسلام بعض المستشرقين ومن ورائهم الكنيسة التي أشاعت بين الأوروبيين أن القرآن لم يأت بغير أساطير أستمد أصولها من المدراش والتلمود وبعض ما ذهب إليه الفكر المسيحي. بل إن التحريف قد أصاب القرآن في أكثر من موضع!! [١١] . بيد أن الكنيسة التي أعماها التعصب ضد الإسلام والبغض له، لم تستطع أن تبين موقفا واحدا حدث فيه تحريف أو تغيير في القرآن، ولن تستطيع أن تفعل ذلك لأن القرآن محفوظ بعناية الله وما ينبغي لبشر أو شيطان أن يعبث فيه. وكان حريا بالكنيسة أن تتذكر أن التوراة والإنجيل هما اللذان أصابهما التحريف. وفي هذا الصدد يقول الطبيب الفرنسي والعالم المستشرق موريس بوكاي في كتابه التوراة والإنجيل والقرآن والعلم في ضوء المعارف الحديثة لما ما نصه: "لا يستطيع أحد أن يقول كيفَ كانت النصوص الأصلية، وما نصيب الخيال والهوى في عملية تحريرها أو ما نصيب التحريف المقصود من قبل كتبة هذه النصوص أو ما نصيب التعديلات غير الواعية التي أدخلت على الكتب المقدسة" [١٢] .
أما أعداء الله من المستشرقين الذين هاجموا القرآن فمنهم من البريطانيين: الفرد جيوم (A.Geom) وهـ. أ. ر. جِبْ (H.A.R.Gibb) ومن الفرنسيين: لوى ماسينيون، ومن المجريين: جولد تسيهر وهو يهودي أصلا، ومن الأمريكيين: كينيت كراج. ثم يأتي أعداء الإسلام من العرب المسيحيين أمثال: فيليب حتى المؤرخ اللبناني، وعزيز عطية سوريال المصري، ومجيد قدوري العراقي. وكل أولئك قد تميزوا بحقدهم على الإسلام والمسلمين.
стр. 15439
ويتبع هذه القائمة تلاميذ المستشرقين من المسلمين الضالعين في ركابهم الآكلين من شتات موائدهم وعلى رأس هؤلاء الدكتور طه حسين في كتابه "الشعر الجاهلي""مسألة الانتحال والوضع في الشعر الجاهلي"تأكيدًا لنظرية الشك في كل ما جاء بالعربية من شعر ونثر ومن ذلك القرآن الكريم. فهو يرى أنه يتعين على الباحث أن يخضع كل ما ورد من أخبار الأمم السابقة وقصصهم في القرآن إلى هذا المنهج وهو الشك ويخلص من ذلك إلى أن القرآن ليس وحيا الهي وبذلك حقق هدفا من أهداف الاستشراق وهو أن القرآن موضوع وليس وحيا من الله، [١٣] . وفي هذه الضلالة التي تردى فيها طه حسين زعم أنه كان يحكم منهج ديكارت الفيلسوف الفرنسي. فضل الطريق وضلل تلاميذه [١٤] . وجدير بالذكر أن الإمام الغزالي قد سبق ديكارت لهذا المذهب. وما قرره ديكارت هو أنه يجب علينا ألا نقولَ عن شيء أنه حق إلا إذا قام البرهان على أنه كذلك. ومن الحقائق التي وصل إليها ديكارت في فلسفته: "أن ما وجد في الدين واضحا جليا فهو حق يجب أن يسلم به تسليما" [١٥] .
ومن هنا نستطيع القول بأن طه حسين لم يكن دقيقا فيما ذهب إليه عن مذهب ديكارت. وقد تبين لبعضهم أن الدكتور طه حسين كان واقعا تحت عبودية فكرية تمثلت في كتابه "الأدب الجاهلي"الذي كان ترديدا لآراء غلاة المستشرقين المتعصبين ضد العرب والإسلام أمثال: مرجيليوث الذي نقل طه حسين آراءه كلها في كتابه الأدب الجاهلي ونسبها إلى نفسه [١٦] ، وكتاب مرجليوث هذا هو "أصل الشعر العربي".
هذا، وقد رميت من هذا الاستطراد إلى أن القرآن حق لا يتطرق إليه الشك. وأن ما ذكره المستشرقون ومن سار في ركابهم لا يمس كتاب الله في قليل أو كثير على حد قول الشاعر:
كناطح صخرة يوما ليوهنها
فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل
стр. 15440
وعلى ذلك فما على المؤرخ إلا أن يعد عدته ويأخذ من القرآن ما يحتاج إليه في تدوين الأحداث التاريخية موقنا بأن هذا الكتاب أصدق وثيقة على وجه الأرض، وأنه قد سما بنظراته العلمية والتاريخية عن الارتباط بحوادث تاريخية أو قضايا علمية مشكوك في صحتها [١٧] .
على أن القرآن لم يفصل كثيرا من الحقائق عن المسائل الشرعية إذ ترك مسألة التفاصيل للرسول ﷺ ليوضح ما غمض، وليفصل ما أجمل وليحلل ما أوجز. ومن هنا تأتى أهمية السنة المطهرة في التشريع الإسلامي. فإذا كانت هذه هي حال القرآن تجاه الأمور الشرعية، فمن الأولى أن يكون ذلك كذلك بالنسبة للتاريخ.
ولنا أن نتساءل لماذا لم يتناول القرآن الأحداث التاريخية بالأسلوب التاريخي المعهود؟ وفيما قدمت آنفا فإن من أهداف التنزيل دعوة البشرية إلى الحق وإلى سلوك النهج القويم. فالقرآن يتناول الأحداث بأسلوب إجمالي لأغراض الدعوة والإنذار والتبشير. ويتبع نفس الأسلوب وهو الإشارات الإجمالية في ذكر آيات الكون التي تشير إلى حكمة الله وراء خلق العالم [١٨] .
هذا ويمكن أن نقسم هذا الموضوع إلى فترتين متميزتين: الأولى عن القرآن وتاريخ الأمم السابقة، والثانية عن القرآن والحقبة الإسلامية. ولأن الحقبة الإسلامية قريبة منا نسبيا إذا ما قارناها بتاريخ الحضارات السابقة، وأن تاريخها قد سجل في كتب السيرة وكتب التاريخ الإسلامي عامة، فإني سأكتفي بالحديث في هذا المقام بما تيسر لي عن العهود القديمة السَابقة للإسلام.
следующие страницы →