← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 15366–15405 · переход к 15371.

стр. 15366

أسباب هذا الواقع لقد كانت هناك أسباب متعددة وراء ذلك الواقع نذكر أهمها: أولا: جهل الأمة بدينها: فقد انتشر الجهل في الأمة قيادات وشعوبا حتى أصبح كثير منهم لا يعرف من دينه إلا اسمه فلا يعرف أحكامه وعقائده ولا أخلاقه وآدابه فسهل على أعداء الله أن ينشروا ضلالهم وأن يبثوا سمومهم بل وسهل عليهم أن يصنعوا لهم عملاء من أبناء المسلمين يحاربون عقيدة المسلمين وينشرون الضلال في صفوفهم. قال الأستاذ محمد كرد علي: "أصبح الناس بعد المائة السادسة تفتر هممهم شيئا فشيئا في طلب العلم ورغبوا عن الافتنان بفنونه وحصروا نطاقه وعفوا بعض معالمه فأصبحت مجاهل وكثرت البدع وكثر الدعاة إليها والتعويل عليها " [٣٨] . ويذكر الأستاذ الندوي وهو يتحدث عن الجهل الذي أصاب تركيا "إنه لم يكن الجمود العلمي والكلال الفكري مقتصرين على تركيا وأوساطها العلمية والدينية فحسب بل كان العالم الإسلامي من شرقه إلى غربه مصابا بالجدب العلمي وشبه شلل فكرى قد أخذه الإعياء والفتور واستولى عليه النعاس" [٣٩] . ثانيا: الغزو العسكري لبلدان المسلمين: كانت الأمة الإسلامية أمة واحدة تستظل براية واحدة وتخضع لقيادة واحدة فكانت ذات شوكة ومنعة ثم لم تلبث أن سرت فيها أمراض فتاكة خلخلت بناءها وأفسدت أبناءها فضعفت قوتها وذلت عزتها فسهل على أعدائها القضاء عليها وتمزيقها إلى دويلات وإمارات واستولت على كثير منها فترات طويلة استطاعت فيها أن تفسد عقائدها وأخلاقها وتغير ولاءها.

стр. 15367

يقول برنارد لويس: "وفي أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين تعدلت وتغيرت الولاءات التي كانت قائمة للخلافة الإسلامية القديمة والتي كانت تحكم العرب والعجم والترك وحلت محلها أفكار ممزقة مبعثرة أوروبية هي مزيج من الوطنية والقومية ونظريات خيالية عن الوطن والقوم حجبت الحقائق القديمة الواقعية في الدولة والعقيدة" [٤٠] . فأصبحت بعد ذلك الأمة الواحدة أمما مختلفة ومجتمعات متعددة لكل منها شعاره ومذهبه فتمزقت وحدة الأمة وتعددت ولاءاتها بحسب شعاراتها ومذاهبها. وكان هذا كله بسبب الغزو العسكري الذي احتل بلاد المسلمين فترات متفاوتة ركز خلالها على إفساد عقيدة الأمة وأخلاقها وقسمها بعد ذلك إلى دول ومناطق أقام لكل واحدة منها حاكما مستقلا. ثالثا: الغزو الفكري: لم يكتف الاستعمار بتحطيم الخلافة الإسلامية وتفريق الأمة إلى دول وشعوب.. ونهب خيراتها وتشتيت ولاءاتها.. بل أضافوا إلى ذلك غزوا للعقول والقلوب بشعارات ومبادئ جديدة تفسد العقول وتخرب القلوب ليبقى لهم السيطرة والنفوذ مادامت هذه الشعارات والمبادئ تحكم هذه البلاد. وقد ذكر الأستاذ محمد محمود الصواف عن وسائل الاستعمار في غزو المسلمين والجبهات التي تشترك في ذلك الغزو، وأكد أن جميع تلك الجبهات تعمل: "سرا وجهرا لأهداف الاستعمار التي يرمى من ورائها إلى إيقاف الوعي الإسلامي وصد المسلمين عن دينهم إبقاء لسَيطرته ونفوذه في بلاد المسلمين وليتمتع هو وجنوده الأبالسة في خيرات بلاد المسلمين ويسعى في سرقة ثرواتهم والسيطرة عليهم فكريا وسياسيا واقتصاديا.

стр. 15368

لذا أخذ المستعمرون يبذلون كل الجهود لإشاعة الفساد في المجتمع الإسلامي العظيم وزرع الشكوك في العقول الإسلامية وقتل الطموح في نفوس المسلمين، وبث الفرقة والشقاق في الصف الإسلامي حتى تعاونت جميع أجهزة الاستعمار من دعائية وسياسية وفكرية واقتصادية لتحقيق أهداف الاستعمار" [٤١] . وقد شارك اليهود الاستعمار الصليبي في تصدير الأفكار والمذاهب المنحرفة إلى بلاد المسلمين.. بل لعل اليهود أكثر حماسا وحقدا على الإسلام، والتاريخ يؤكد هذه الحقيقة حيث كان اليهود هم أول من وقف في وجه الإسلام وحاولوا القضاء عليه ولكن الله رد كيدهم في نحورهم وحفظ دينه وأعلا كلمته. فعبد الله بن سبأ (يهودي) أظهر الإسلام لإفساد الإسلام، ودعاة الإلحاد وزعماؤه اليوم (يهود) أرادوا إفساد العالم: كارل ماركس الشيوعي (يهودي) [٤٢] وفرويد (يهودي) [٤٣] ودور كايم (يهودي) [٤٤] وهؤلاء هم زعماء المذاهب المنحرفة في الاقتصاد والأخلاق والاجتماع وقد أثرت مذاهبهم في المجتمعات البشرية عموما وفي المجتمعات الإسلامية على وجه الخصوص. يقول الأستاذ أنور الجندي: "ولا ريب أن اليهودية العالمية هي التي أثارت في العالم الإسلامي تمزيق وحدة العروبة والإسلام للحيلولة دون الوحدة وعملا على تعميق التجزئة الإقليمية. ولما كانت وحدة العرب والمسلمين لها جذورها الضخمة البعيدة المدى في الفكر الإسلامي وفي القرآن نفسه فقد طرحت عشرات المذاهب والقضايا والدعوات والأنظمة والنماذج التي طرحت في أوروبا لإفساد المفهوم الإسلامي الجامع للعرب والإسلام" [٤٥] . ويعترف اليهود بذلك في (بروتوكولاتهم) حيث يقول البروتوكول التاسع: "ولقد خدعنا الجيل الناشئ من الأميين وجعلناه فاسدا متعفنا بما علمناه من مبادئ ونظريات معروف لدينا زيفها" [٤٦] .

стр. 15369

وكان من جراء هذا الغزو المشترك أن ظهرت في بلاد المسلمين اتجاهات منحرفة تتبنى تلك العقائد الضالة وتحاول نشرها في المجتمعات الإسلامية, ولعل الصورة التي يعرضها اللورد كرومر المصري الجديد – كما تصورها هو – تنطبق إلى حد ما على مجموعات من أبناء المسلمين الذين أثر فيهم الغزو الفكري الغربي. يقول: "إن المجتمع المصري في مرحلة الانتقال والتطور السريع وكان من نتيجته الطبيعية إن وجدت جماعة من أفرادهم "مسلمون "ولكنهم متجردون عن العقيدة الإسلامية والخصائص الإسلامية وان كانوا "غربيين "فإنهم لا يحملون القوة المعنوية والثقة بأنفسهم وإن المصري الذي خضع للتأثير الغربي فإنه وان كان يحمل الاسم الإسلامي لكنه في الحقيقة ملحد وارتيابي والفجوة بينه وبين عالم أزهري لا تقل عن الفجوَة بين عالم أزهري وبين أوربي" [٤٧] . هذه هي ثمار الغزو الفكري في بلاد المسلمين. القسم الثالث أسس الوحدة الإسلامية أولا: وحدة الغاية. ثانيا: وحدة العقيدة. ثالثا: وحدة القيادة. رابعا: وحدة التشريع. القسم الثالث أسس الوحدة الإسلامية إن الأمة الإسلامية تملك أسسا مشتركة تستطيَع بها أن تجمع شتاتها وتوحد كلمتها.. فهي أمة واحدة.. ذات دين واحد.. وكتاب واحد.. ورسول واحد.. وهذه هي الأصول والأسس التي تشترك فيها الأمة الإسلامية. فإذا ما أدركت جيدا والتزمت بمقتضياتها فإن ذلك يجعل منها أمة واحدة تلتقي على: أولا: وحدة الغاية. ثانيا: وحدة العقيدة. ثالثا: وحدة القيادة. رابعا: وحدة التشريع. وبهذا تصبح الشعوب الإسلامية "أمة واحدة"تذوب فيها جميع الأجناس والتجمعات شعارها: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ فتحقق للأمة الإسلامية عزتها وقوتها المنشودة. وفيما يلي نبين بإيجاز تلك الأسس: أولا: وحدة الغاية:

стр. 15370

إن لهذا الإنسان الذي يعيش على ظهر هذه الأرض: "غاية"يؤديها أثناء وجوده إذا عرفها وتمثلها في حياته سعد في دنياه وآخرته وإذا جهلها أو أعرض عنها فانه يشقى في الدنيا والآخرة. هذه الغاية حددها الله بنفسه وبينها في كتبه.. فمن أجلها خلق الإنسان.. ألا وهي: "عبادة الله "كما قال : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [٤٨] . والمسلمون ولله الحمد يدركون هذه الغاية ويعرفونها ولكنهم فرطوا في القيام بها والعمل بمقتضاها مما كان له أسوأ الأثر في حياتهم. فلابد من العودة الصادقة إلى تحقيق هذه الغاية والالتزام بمقتضياتها ليحقق المسلمون لأنفسهم السعادة في الدنيا والآخرة. السعادة في الدنيا باجتماع الكلمة ووحدة الأمة وطمأنينة النفس واستقامة الحياة.. وهي آمال يحلم بها جميع شعوب العالم ولكنهم لم يهتدوا إلى أسبابها ووسائلها. ولكن تعدد الغايات وتنوعها يفتت الأمة ويشتت كلمتها ويجعل كل فئة من الأمة لها غاية تخالف غاية الفئة الأخرى تسعى لتحقيقها والوصول إليها. فغاية اقتصادية.. وغاية سياسية.. وغاية شهوانية.. وهكذا غايات متعددة تنتهي بهم إلى فئات متصارعة وسبل متفرقة. قال : ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [٤٩] . ثانيا: وحدة العقيدة:

стр. 15371

إن التفرق الذي ابتليت به الأمة في عقيدتها- كما رأينا طرفا منه في أول البحث- لا يمكن أن يكون معه اجتماع للأمة ولا تعاون ولذلك فإنه لابد أولا من علاجِ لذلك التفرق برد الملحدين إلى الله وتصحيح عقائد المنحرفين لتتوحد القلوب وتتآلف النفوس. فأما الذين ابتلوا بمرض الإلحاد فقد كان ذلك في غيبة من الوعي الإسلامي وفي وقت الانبهار بالحضارة الغربية التي تمردت على الدين بل حملت لواء الحرب ضده. والآن وقد بدأ المسلمون يدركون حقيقة الحضارة الغربية وما تحمله من سلبيات وثمرات فاسدة.. بدأ الوعي يدب في صفوفهم ويدركون قيمة هذا الدين وأنه لا سعادة للإنسان في هذه الحياة بدون أن يلتزم بعقيدته وتوجيهاته. يقول الأستاذ محمد محمود الصواف: "وفي يقيني أن الزمن الذي كان يسمى فيه الإسلام "رجعية"و"تزمتا"قد مضى وانقضى حيث تعرى خصوم الإسلام وانكشفوا وظهر زيف دعواتهم الباطلة من قومية واشتراكية وحزبية قاتلة وغيرها من فتن هذا العصر المضللة ورأى الناس خيبتها وخسرانها وتضييعها للأوطان وتدميرها وعبثها بحقوق الإنسان، ورأوا عن كثب ويلاتها على العرب الذين ابتلوا بها، بل ويلاتها على الجنس البَشرى في جميع أنحاء الأرض ومن دعاتها من رأى ذلك بأم عينه ولكنه معاند مكابر لا يعترف بإخفاقه ولا يريد الخضوع أمام غيره.

стр. 15372

ولم يعد الإسلام "رجعية"كما كانوا يسمونه وتسميه إذاعاتهم بأصواتها المنكرة المبحوحة.. بل عاد الإِسلام والناس يتلمسونه في الميدان ويسألون عنه في كل مكان ونادى به اليوم من لم يكن يعرفه بالأمس ولم يعرف عنه النداء باسمه من قبل. وامتلأت المساجد بالوافدين الجدد وآب الكثير ون إلى الله سبحانه يسألونه العز والنصر والفرج القريب لهذه الأمة المنكوبة برجالها وشبابها وقادتها في هذا الجيل المخفق الخاسر الذي هو جيل الهزيمة المنكرة.. فإذا كثر سواد الصالحين وزاد عدد المؤمنين فبشر الأمة بالنصر المبين" [٥٠] . فالوعي الديني استيقظ في الأمة وهو في حاجة إلى من يوجهه وجهة صحيحة ليكون أساسا واحدا لجمع كلمة الأمة ويقضى على المذاهب المنحرفة والعقائد الضالة المتسللة إلى مجتمعات المسلمين. وأما الانحرافات الأخرى التي طرأت على عقائد المسلمين سواء في التوحيد العملي أوفي التوحيد العلمي فإن ذلك يستدعى جهودا مخلصة وأقلاما صادقة تعالج تلك الانحرافات بحكمة وموعظة حسنة إذ أن أصحابها أو كثيرا منهم لم يتعمد الانحراف ولا يرضى به لو كشف له، لذلك فإن مخاطبتهم يجب أن تكون بأسلوب لين وبجدال حسن. فإذا قدر للأمة أن تجتمع في عقيدتها فإن ذلك سيفسح المجال للاجتماع والوحدة الإسلامية. ثالثا: وحدة القيادة: للمسلمين قيادة واحدة على مدار الزمن واختلاف المكان وتعدد المذاهب.. وكل قيادة سواها إنما تستمد شرعيتها من متابعتها لهذه القيادة والالتزام بمنهجها والسير على طريقها. هذه حقيقة يقوى وضوحها في أذهان المسلمين كلما صفت العقيدة وقوى الإيمان. وهي حقيقة قررها الله في كتابه وأكدها في مواطن كثيرة لئلا تغفل عنها الأمة الإسلامية.

стр. 15373

قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [٥١] . وقال : ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ [٥٢] . وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [٥٣] . وهكذا تكرر التأكيد على هذه الحقيقة في عشرات المواضع من القرآن الكريم. فإذا ما اتضحت هذه الحقيقة وتقررت في أذهان المسلمين فإنه يمكن أن يتحد كلمتهم وتجتمع صفوفهم. فالرسول أن هو: (القائد) والجميع اتباع له وأنصار به يتأسون ولحكمه يخضعون وإلى سنته يتحاكمون.. هذا أصل لا يمكن أن تتوحد الأمة بدون إدراكه والالتزام به.. وهذا ما يقتضيه الإيمان بالله وإلا فإن الإيمان يبقى دعوى بدوت دليل. وكل قيادة أخرى تحاول أن تلغى هذه القيادة أو تقلل من شأنها فإنها قيادة خارجة عن الإسلام محاربة له.. بل كل قيادة تتمي هي في ذات نفسها عن هذه القيادة أو تنحرف عن متابعتها فهي قيادة منحرفة. رابعا: وحدة التشريع: من الأسباب الرئيسية لتمزق الأمة الإسلامية تعدد التشريعات وتنوعها تلك التشريعات التي لا صلة لها بها ولا علاقة لها بدينها، بل هي مضادة لدينها محاربة لعقيدتها.. فوقعت الفجوة بسم التشريعات والواقع.. وبين القيادات والشعوب.. بل بين القيادات أنفسها.. فانعكست تلك الخلافات على الأمة الإسلامية.

стр. 15374

وما لم يوحد التشريع الذي يحكم الأمة فيكون تشريعا مستمدا من دينها القويم فإن كل محاولة لوحدة الأمة أو لجمع شتاتها فإنها محاولة فاشلة. فإنه ليس هناك مكان لتشريعات أخرى في المجتمع الإسلامي وليس لأحد من البشر حق وضع تشريع يحكم الحياة في المجتمع الإسلامي، فالحقَ لله وحده وليس لأحد من خلقه أن يتلقى تشريعاته من غيره سبحَانه. قال الله : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [٥٤] فالنفس البشرية ذات طبيعة معقدة ومعرفة ضوابط إصلاحها أو أسباب فسادها أمر لا يعلمه إلا الله وقد اعترف علماء الغرب بذلك وأكدوا أن العلوم البشرية لم تستطع أن تبين حقيقة الإنسان. وأشهر من أعلن هذه الحقيقة هو الطبيب الفرنسي: (الكسيسر كاريل) حيث يقول: "فمن الواضح أن جميع ما حققه العلماء من تقدم فيما يتعلق بدراسة الإنسان مازال غير كاف وأن معرفتنا بأنفسنا مازالت بدائية في الغالب" [٥٥] . فإذا كانت معلومات الإنسان عن نفسه رغم ما يملكه من وسائل المعارف المذهلة التي لم يكن يحلم بوجودها الإنسَان في الزمن الماضي- إذا كانت رغم كل ذلك بدائية.. فهل يمكن أن يضع تشريعا يحكم حياته ويقوده إلى تحقيق إنسانيته؟! ولهذا فإن العودة إلى شريعة الله أمر ضروري.. ضروري لأنه أمر أوجبه الله . وضروري لأن الإنسان ليس له قدرة وضع التشريع المناسب. وضروري لأن الأمة لا تجتمع وتشريعاتها مختلفة.. إذ للتشريع أثر في حياة الإنسان.. في مفاهيمه.. في تصوراته.. في موازينه.. فلابد من وحدة التشريع لتتحد مفاهيمه وتصوراته وموازينه.. ومن ثم تتحقق له وحدته المنشودة. القسم الرابع وسائل تحقيق الوحدة أولا: التعليم الموجه. ثانيا: الإعلام الهادف الملتزم.

стр. 15375

ثالثا: الاقتصاد المستقل. رابعا: العمل على الاكتفاء الذاتي. خامسا: ايجاد مراكز إسلامية. القسم الرابع وسائل تحقيق الوحدة عرضنا في القسم السابق أسس الوحدة الإسلامية التي لابد من تحقيقها لتوحيد الأمة الإسلامية وهى وان كانت شرطا في تحقيق إيمان المسلم فلا يكون مسلما بدونها فإنها شرط في تحقيق الأمة واجتماع كلمتها كذلك. ولكن هذه الأسس- كما رأينا من قبل- قد تعرضت للفساد والانحراف واختفت أو تشوهت في كثير من المجتمعات الإسلامية فكان لابد من إظهار ما اختفى منها وتصحيح ما تشوه. وهذا أمر يحتاج إلى وسائل متعددة وجهود مكثفة للقيام بذلك الدور ورعايته في المجتمعات الإسلامية. ومن تلك الوسائل ما يلي: أولا: التعليم الموجه. ثانيا: الإعلام الملتزم. ثالثا: الاقتصاد المستقل. رابعا: الاكتفاء الذاتي. خامسا: إيجاد مراكز علمية. ونذكر ما يتعلق بهذه الوسائل فيما يلي: أولا: التعليم الموجه: إن المناهج التعليمية من أخطر الوسائل وأكثرها تأثيرا في المجتمع إذ أنها طريق للغالبية من المجتمع أو لجميع أفراده بحسب مستوى المجتمع وحرصه على التعليم. فالمدارس الرسمية والأهلية تحتوي على مناهج تعليمية إجبارية وكل منتسب إليها لابد له من هضمها واستيعابها وبالتالي فلابد من حصول التأثر بها خاصة وهى ترافق الفرد في كل مراحل حياته. ولقد عرف المستعمرون وأعوانهم من مبشرين أهمية "التعليم الموجه"فأنشأوا المدارس المختلفة لإفساد أبناء المسلمين عن طريقها. يقول اليسوعيون: "إن المبشر الأولى هو المدرسة" [٥٦] . ويقول جب: "إن مدارس البنات في بلاد الإسلام هي بؤبؤ عيني لقد شعرت دائما أن مستقبل الأمر في سوريا إنما هو بمنهج تعليم بناتها ونسائها" [٥٧] .

стр. 15376

فالتعليم له شأنه وخطره وعدم تصحيح مناهجه وتوجيه أبنائه إلى الغاية الصحيحة في جميع بلاد المسلمين يبقى عائقاً دون توحيد المفاهيم والتصورات والموازين التي لا تكاد تلتقي على أمر واحد في بلاد المسلمين اليوم ولازالت تسير وفق المخططات التي رسمها لها أعداء الإسلام- إلا ما رحم ربك-. "فإذا أراد العالم الإسلامي أن يستأنف حياته ويتحرر من رق غيره وإذا كان يطمح إلى القيادة فلابد إذن من الاستقلال التعليمي بل لابد من الزعامة العلمية وما هي بالأمر الهين إنها تحتاج إلى تفكير عميق وحركة التدوين والتأليف الواسعة وخبرة إلى درجة التحقيق والنقد بعلوم العصر مع التشبع بروح الإسلام والإيمان الراسخ بأصوله وتعاليمه إنها لمهمة تنوء بالعصبة أولى القوة، إنه هي شأن الحكومات الإسلامية فتنظم لذلك جمعيات وتختارلها أساتذة بارعين في كل فن فيضعون منهاجا تعليميا يجمع بين محكمات الكتاب والسنة وحقائق الدين التي لا تتبدل وبين العلوم العصرية النافعة والتجربة والاختبار ويدونون العلو العصرية للشباب الإسلامي على أساس الإسلام وبروح الإسلام ... " [٥٨] . وبذلك يمكن أن تصحح المفاهيم وتقوم الموازين في الأمة فتتحد في أفكارها وعقائدها وتلتقي على أسس مشتركة من العلم المعرفة. ثانيا: الإعلام الهادف الملتزم: ونعني به أن يكون الإعلام في بلاد المسلمين بكل أنواعه المسموعة والمرئية والمقروءة إعلاما هادفا له رسالة يسعى لتحقيقها من خلال ما يبثه أو يكتبه، وتلك الرسالة هي: "تحقيق العبودية لله في أرضه"وهي الغاية التي من أجلها خلق الإنسان ويعمل لها المسلمون بكل طبقاتهم. فيكون للإعلام في بلاد المسلمين رسالة يتمثلها عند كل خطوة يخطوها وكل كلمة يبثها أو يكتبها. وقد فطن اليهود إلى قوة تأثير الصحافة عندما برزت وخططوا لاستغلالها.

стр. 15377

فقد ورد في كتاب (بروتوكلات حكماء صهيون) : "إن الأدب والصحافة هما أعظم قوتين خطيرتين" [٥٩] . وفي كتاب: (التبشير والاستعمار في البلاد العربية) نقلا عن مصادر تبشيرية أجنجية: "إن الصحافة لا توجه الرأي الَعام فقط أو تهيئه لقبول ما تنشر عليه بل هي تخلق الرأي العام" [٦٠] . وبعد ظهور"التلفاز"والذي لا يكاد يخلو منه بيت فإن خطره يكون أكبر وتأثيره أعظم.. فإذا كانت الصحف لا يقرؤها إلا المتعلمون فإن "التلفاز"يراه ويشاهده كل إنسان وليس خاصا بنوعية معينة. لذا فإن توجيه الإعلام والتزامه بـ: "هدف"أمر ضروري ولا يمكن أن تتحد الأمة وإعلامها إعلام ضائع لا هوية له ولا هدف.. بل في كثير من بلدان المسلمين قد وجه لإفساد الأمة وخلخلة عقائدها. فإصلاح الإعلام وتصحيح مساره ضرورة بل واجب شرعي تأثم الأمة بإهماله وتضييعه.. ثم تخسر عقيدتها وعزتها.. ولا تتحقق لها وحدة واجتماع وهذه الوسائل تسير مسارا عشوائيا أو تخريبيا. ووسائل الإعلام في كثير من البلدان الإسلامية غير ملتزمة بالمنهج الإسلامي الذي يبث الخير وينشر الفضيلة ويحذر من الشر والأخلاق الرذيلة بل إن بعض تلك الوسائل تحارب الإسلام وتسيء إلى أهله بما تنشره من البرامج السيئة والحلقات المنحرفة.. وهذا كله مضاد لدين الأمة ومفرق لجمعها وهادم لأسس الوحدة التي تقوم عليها. ولن يكون هناك لقاء أو اتحاد وإعلام المسلمين أو بعضه بهذه الصورة فلابد أذن من إعادة بناء الإعلام بناء صحيحا بحيث يكون قادرا على توجيه الأمة وتعميق العقيدة في نفوسها وتذكيرها بغايتها في هذه الحياة، وتبرز المنهج الذي اختاره الله لها كما تبين إلى جانب ذلك وحدة القيادة للأمة الإسلامية وانه لم يعد هناك مجال لظهور قيادات أخرى

стр. 15378

تنازع هذه القيادة المحمدية أو تزاحمها وان القيادات الموجودة تستمد شرعيتها في حق الطاعة على الأمة بمتابعتها لتلك القيادة. فإذا استطاع الإعلام في البلدان الإسلامية أن يثبت هذه القضايا الأساسية في نفوس الأمة فإنه عندئذ يكون قد أدى دوره الصحيح في المجتمع وساهم في وحدة الأمة.. وإلا فلا وحدة ولا اجتماع. ويتحقق ذلك بالاختيار الأمين للعاملين في الإعلام فيختار الكفاءات المؤمنة التي تدرك أهداف الأمة وغايتها. ثالثا: الاقتصاد المستقل: إن التشابك المعقد في العلاقات الدولية اليوم واختلاف الأنظمة الاقتصادية في العالم قد انعكس أثره على أكثر المجتمعات الإسلامية فتعددت فيها الأنظمة الاقتصادية تبعا للاتجاه الذي يغلب على كل بلد فكان له آثاره السلبية على وحدة الأمة الإسلامية. والاقتصاد العالمي اليوم في قبضة "اليهود"فهم يتحكمون فيه كما يشاءون، وقد جاء في كتاب: "بروتوكولات حكماء صهيون"موضوع خاص لبيان كيفية التحكم في اقتصاد العالم والوسائل التي يجب أن تتخذ لتنفيذ هذا المخطط نورد بعضا من فقراته. فقد وضعوا في حسبانهم إيجاد الأزمات الاقتصادية المفتعلة لزيادة ثرواتهم ويبين ذلك قولهم: "إن الأزمات الاقتصادية التي دبرناها بنجاح باهر في البلاد الإسلامية- قد أنجزت عن طريق سحب العملة من التداول فتراكمت ثروات ضخمة ... " [٦١] . وعن سحب الذهب من العالم ورد فيه: "وأظنكم تعرفون أن العملة الذهبية كانت الدمار للدول التي سارت عليها لأنها لم تستطع أن تفي بمطالب السكان ولأننا فوق ذلك قد بذلنا أقصى جهدنا لتكديسها وسحبها من التداول" [٦٢] .

стр. 15379

فالاقتصاد جانب مهم في حياة المجتمع ولهذا فقد عنى به القرآن الكريم والسنة الشريفة بتنظيمه وبيان جوانبه المباحة والمحرمة إضافة إلى خطورة ارتباطه بأنظمة غير مسلمة لا تفرق بين الحلال والحرام ولا نألو جهدا في إضعاف الأمة المسلمة وتمزيق وحدتها. لذا فإن العناية به أمر مطلوب شرعا ولا بد للأمة وهى تحاول العودة إلى دينها ووحدتها من التحرر من تلك الأنظمة الدخيلة على المجتمعات الإسلامية والعودة إلى النظام الاقتصادي الإسلامي الذي هو جزء من الشريعة الإسلامية الواجب أتباعها. ولابد من إيجاد اقتصاد إسلامي ليس مرتبطاً بأي نظام آخر لئلا يبقى بين الأمة فجوات تحول دون وحدتها. ويتم ذلك بإيجاد أسواق مشتركة وعملة موحدة وهيئة اقتصادية تشرف على ذلكم الاقتصاد الإسلامي المستقل. وبهذا تستقل عن التبعية الاقتصادية الضارة وتقيم لها وحدة اقتصادية قوية على أسس إسلامية. والاقتصاد في الحقيقة هو جزء من الشريعة الإسلامية المتكاملة والتي تعتبر أساسا ثابتا لوحدة الأمة.. والذي أريده هنا هو إيجاد أسواق مشتركة وعملة موحدة تعطى للأمة شخصيتها المستقلة وتمهد السبيل لوحدة الأمة وعزتها. رابعا: الاكتفاء الذاتي: للأمة مطالب متنوعة لا تستطيع الاستغناء عنها وتلك المطالب تشتمل على كل جوانب الحياة. ومطالب ثقافية وسياسية. ومطالب اقتصادية. ومطالب عسكرية. ومطالب صناعية مختلفة. هذه المطالب لا يجوز بقاء الأمة عالة على أعدائها فيها كل بلد إسلامي له وجهة يوليها ويشحذها.. بل لابد من الاستغناء والاكتفاء في هذه الجوانب بالإنتاج الإسلامي في بلاد المسلمين وبأيد مسلمة.

стр. 15380

فالعمل على اكتفاء الأمة بإنتاجها من أقوى الوسائل لاستقلالها وقوتها وبالتالي لوحدتها واجتماعها إذ انقسام الأمة إلى أجزاء تابعة للبلدان المصنعة لن يمكنها من توحيد صفوفها ولا استقلالها، فلا بد من هذا الاكتفاء ولو على المدى الطويل. خامسا: إيجاد مراكز علمية. لما كانت هذه الوسائل المتقدم ذكرها لابد لها من إعداد وتخطيط بحيث تتحقق بالصورة الصحيحة كان لابد من إيجاد مراكز علمية متخصصة في كل جوانب الحياة تكون مهمتها التخطيط الدقيق والدراسة المتأنية لتحديد الوسائل والضوابط لتحقيق المطلوب. وهذه المراكز متعددة الأغراض تمثل هيئات استشارية وتخطيطية تشترك فيها جميع البلدان الإسلامية تضم في داخلها كفاءات علمية من أبناء الأمة الذين يؤمنون بعقيدتها ويسعون إلى تحقيق أهدافها. وبهذا كله يمكن للأمة أن تجمع شملها وتتحد كلمتها وتتحقق لها مكانتها التي أرادها الله لها ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله وما ذلك على الله بعزيز. الخاتمة بعد هذا العرض الموجز لواقع الأمة والأسس التي يجب تحقيقها لوحدة الأمة وتصحيح واقعها والوسائل التي يمكن أن تعين على تحقيق الهدف المطلوب يتبين لنا عدة أمور نجملها فيما يلي: إن واقع الأمة واقع مؤلم ولا يرضى الله . وأن هذا الواقع لا يمكن أن تتوحد الأمة مع استمراره. وأن وحدة الأمة مرهونة بتغيير هذا الواقع على ضوء الكتاب والسنة. وأن هناك أسسا لهذه الوحدة تعتبر قاعدة ضرورية لوحدة الأمة. حتى وان التغيير المطلوب يحتاج إلى وسائل متعددة لتحقيقه. هذا واجتماع كلمة الأمة الِإسلامية حلم يراود أفرادها وجماعاتها المخلصة التي يحزنها أن ترى أن القيادة والريادة مكبلة بسلاسل الجهل والمعاصي والانحطاط وتترقب اليوم الذي تعتز فيه الأمة وتحتل مكانها الصحيح. أمة هادية. أمة رائدة.

стр. 15381

أمة قائدة. وان كانت هناك عقبات في هذا الطريق وعراقيل يضعها أعداء الله فيه لكن الأمل في الله عظيم أن يحي نفوس هذه الأمة ويوقظ عقولها ويقوى عزمها ويومئذ تتحطم كل عقبة وتتلاشى كل السدود ويرتفع صوت الحق وينصب ميزان العدل وتستظل البشرية بظلال الخير والسعادة. وصلى الله وسلم على سيدنا وإمامنا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه. -------------------------------------------------------------------------------- [١] سورة الأنفال: آية ٤٦. [٢] سورة آل عمران: آية ١٠٣. [٣] موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين ٤/ ٢٨١- الحاشية. [٤] المصدر السابق ٤/ ٢٨٧. [٥] الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر ٢/ ٣٠٥. [٦] راجع الفتاوى ٥/٢٠، ولوامع البهية١/٢٣ [٧] الملل والنحل١/٤٣. [٨] يقول أحد شراح هذا الكتاب وهو. عبد الحسين بن عبد الله المظفر في مقدمة الشرح. "إن كتاب الكافي في طليعة الكتب "لأربعة التي هي محور العمل عليها"، ٣/ ثم قال مفضلا له على تلك الكتب: (وهذا الكتاب أوفاها في الحديث ولم يعمل الإمامية مثله.. وعليه اعتماد العلماء منذ أن دونه مؤلفه حتى اليوم ١/٥. [٩] أصول الكافي ٣/ ٢٣٢. [١٠] أصول الكافي ٣/ ٢٧١. [١١] أصول الكافي٣/ ٢٤٠. [١٢] أصول الكافي ٣/٢٤٨ [١٣] سورة الجن آية ٢٦-٢٧. [١٤] أصول الكافي ٣/٢٤١. [١٥] أصول الكافي ٣/٢٤٤. [١٦] الفتاوى١١/٤١٧. [١٧] منهاج السنة ١/٤٤. [١٨] ولاية الله والطريق إليها/١٨٧/. [١٩] هدا الكتاب مطبوع مع كتاب (خفايا الطائفة البهائية) . [٢٠] ص ١٤١. [٢١] ذكره محي الدين الخطيب في كتابه: "البهائية"ص ٢٧. [٢٢] وهو مطبوع في الهند. [٢٣] ص٤٠٣. [٢٤] ص ٤٠٦

стр. 15382

[٢٥] الثفن:جمع ثفنة: ركبة البعير ونحوها مما يحصل فيه غلط من أثر البروك. [٢٦] رحضة:وصف للملابس القديمة التي بليت من كثرة استعمالها وغسلها. [٢٧] مسهمة:أي مغيرة. [٢٨] تلبيس إبليس ص ٢٠٥ [٢٩] رواه مسلم ح (١٠٦٦) وأبو داود ح (٤٧٦٨) وما بعده. [٣٠] الفتاوى ١١/٤١٧. [٣١] تلبيس إبليس ٢٠٦. [٣٢] مقالات الإسلاميين١/٢١٤، الفرق بين الفرق٢١١ـ ٢١٢. [٣٣] المخططات الاستعمارية لمكافحة الإسلام ص ١٢٨. [٣٤] عالم جزائري هاجر إلى دمشق ثم إلى القسطنطينية واستقر أخيرا بمصر وتولى مشيخة الأزهر توفي عام ١٣٧٧ هـ. أنظر معجم المؤلفين ٢٧٩. [٣٥] رسائل الإصلاح١/١٠٥-١٠٦. [٣٦] وهو عالم تركي تولى مشيخة الإسلام في تركيا وقد عاصر بداية فصل الدين عن السياسية في عهد مصطفي كمال وقاومها؟ أشد المقاومة تم هاجر إلى مصر وتوفي بها عام ١٣٧٣هـ. انظر الإعلام ٨/٢٨١. [٣٧] موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين وعباده المسلمين ٤/ ٢٨١. [٣٨] الإسلام والحضارة العربية٢/٤٥. [٣٩] ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين ص ١٥١. [٤٠] الغرب والشرق ص١١٠. [٤١] المخططات الاستعمارية لمكافحة الإسلام ٩٩ـ ١٠٠. [٤٢]- مذاهب فكرية معاصرة ص ١٠١ [٤٣]- مذاهب فكرية معاصرة ص١٠٧ [٤٤]- مذاهب فكرية معاصرة ص١٤٤ [٤٥] الإسلام والعالم المعاصر ٤٢٧. [٤٦] بروتوكولات حكماء صهيون ص ١٢٨. [٤٧] ذكره الأستاذ الندوي في الصراع بين الفكرة الغربية والفكرة الإسلامية ص ١١٤. [٤٨] سورة الذاريات: آية ٥٦. [٤٩] سورة الأنعام: آية ١٥٣. [٥٠] معركة الإسلام ص ٢٦ـ ٢٧. [٥١] سورة النساء: آية٥٩. [٥٢] سورة النساء: آية ١١٥. [٥٣] سورة الحشر: آية ٧. [٥٤] سورة الأحزاب: آية ٣٦. [٥٥] الإنسان ذلك المجهول ص ١٩.

стр. 15383

[٥٦] أنظر التبشبر والاستعمار ص ٧١. [٥٧] المخططات الاستعمارية لمكافحة الإسلام ص ٢١٣، وانظر رسالة واقع المسلمين وسبيل النهوض بهم ص ١٧٦، والغزو الفكري والتيارات المعادية ـ بحوث مقدمة لمؤتمر الفقه الإسلامي الذي عقدته جامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض عام ١٣٩٦ هـ، والحلول المستوردة ص ٣٦. [٥٨] ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين ص ٢٧٦. [٥٩] ص ١٤٢. [٦٠] ص ٢١٣. [٦١] ص ١٧٤. [٦٢] ص ١٧٥.

стр. 15384

عقود التأمين حَقِيقَتُهَا وحُكْمُهَا للدكتور حمد حماد عبد العزيز الحماد الأستاذ المشارك بالدراسات العليا إن الحمد لله نحمده وستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد فإن موضوع التأمين قد طرق كثيراً وكتبت فيه عدة كتب وأبحاث ونوقش في أكثر من مؤتمر وقد لاحظت أن الباحثين فيه قسموه إلى نوعين تجاري وتعاوني وأٍن كثيرًا منهم قد انتهوا إلى القول بجواز التعاوني دون أن يقدموا له تكييفا فقهياً واضحا أو فارقاً معتبراً بينه وبين ما يسمونه تجارياً لذا أحببت المشاركة في هذا المجال مبيناً رأيي في حقيقة عقود التأمين وحكمها في الشرع وفق الأدلة الشرعية والقواعد المرعية والله المسئول أن يوفق للصواب ويهدى للرشاد وأن يجعله خالصاً لوجهه وذخرا ليوم المعاد إنه ولي ذلك والقادر عليه. مبدأ عقود التأمين وأصلها: إن أصل عقود التأمين ينبع من عقود ربوية مبنية على الغرر والمقامرة ويذكر الباحثون في التأمين أن فكرته موجودة في كثير من النظم القديمة تمتد إلى ألفي عام قبل الميلاد وربما أكثر من ذلك إلا أن أول وثيقة تأمين بحري عرفت كانت سنة ١٣٤٧م وهى المعروفة بالوثيقة الإيطالية ومنذ ذلك الوقت بدأ تنظيم التأمين في أوربا إلى أن وصل إلى ما وصل إليه في عصرنا [١] . وإثر حريق هائل شب في لندن سنة١٦٦٦م نشأ التأمين البري حيث بدأ التأمين من خطر الحريق [٢] .

стр. 15385

ثم توالت بعد ذلك صور التأمين المختلفة مثل: التأمين من حوادث العمل، والتأمين من المسئولية، والتأمين على الحياة، والتأمين من تلف المزروعات، والتأمين من موت المواشي، والتأمين من السرقة والتبديد، والتأمين من حوادث النقل الجوى ... إلى غير ذلك من الصور المختلفة [٣] . تعريف عقد التأمين: ويعرف عقد التأمين بأنه عقد يلتزم المُؤَمن بمقتضاه أن يؤدي إلى المُؤَمن له مبلغاً من المال أو مرتباً أو أي عوض مالي آخر في حالة وقوع الحادث أو تحقق الخطر المبين في العقد وذلك نظير قسط أو أية دفعة مالية أخرى يؤديها المُؤَمن له للمُؤَمن [٤] . ويعتبر ابن عابدين (ت١٢٥٢ هـ) من أول من تكلم عن التأمين وحكمه في الشريعة الإسلامية وأطلق عليه اسم (سوكرة) وانتهى إلى أنه عقد لا يحل حيث قال: "مطلب مهم فيما يفعله التجار من دفع ما يسمى سوكرة وتضمين الحربي ما هلك في المركب وبما قررناه يظهر جواب ما كثر السؤال عنه في زماننا وهو أنه جرت العادة أن التجار إذا استأجروا مركبا من حربي يدفعون له أجرته ويدفعون أيضاً مالاً معلوماً لرجل حربي مقيم في بلاده يسمى ذلك المال سوكرة على أنه مهما هلك من المال الذي في المركب بحرق أو غرق أو نهب أو غيره فذلك الرجل ضامن له بمقابلة ما يأخذه منهم ... والذي يظهر لي أنه لا يحل للتاجر أخذ بدل الهالك من ماله لأن هذا التزام ما لا يلزم " [٥] .

стр. 15386

وفي العصر الحديث انتشرت شركات التأمين في بعض بلدان المسلمين واجتهد المروجون لها في سبيل استصدار فتوى شرعية بجوازه من بعض المحسوبين على الفقه والفقهاء من ذلك ما جاء في جواب محمد عبده لسؤال أحد مدراء شركات التأمين عن رجل اتفق مع جماعة على أن يعطيهم مبلغاً معلوماً في مدة معينة على أقساط معينة للاتجار به فيما يبدو لهم فيه الحظ والمصلحة وأنه إذا مضت المدة المذكورة وكان حياً يأخذ هذا المبلغ منهم مع ما ربحه من التجارة في تلك المدة وإن مات في خلالها تأخذ ورثته ... المبلغ المذكور مع الربح الذي نتج مما دفعه. فأجاب بأن ما ذكر يكون من قبيل شركة المضاربة وهي جائزة [٦] ... وواضح من السؤال أن المسئول عنه عقد تأمين ليس من باب المضاربة في شيء فهو يدفع أقساطا معينة هي أقساط التأمين وقول السائل للاتجار به إنما هو للتمويه والتضليل، وقولهم: "إذا مضت المدة المذكورة وكان حياً يأخذ هذا المبلغ منهم مع ما ربحه من التجارة في تلك المدة "هذا هو مبلغ التأمين وهو هنا لا يذكر إلا الربح فقط [٧] ، ومن المعلوم أن المال في المضاربة خاضع لمبدأ الربح والخسارة. وقولهم: "وإن مات في خلالها تأخذ ورثته ... المبلغ المذكور"ظاهره أنه يأخذ الوارث أومن يقوم مقامه المبلغ كاملا مع أن الرجل قد مات في خلال المدة قبل أن يوفي جميع الأقساط وهذه حقيقة التأمين المبني على الغرر والمقامرة حيث يأخذ الورثة مالا لم يدفعه مورثهم.

стр. 15387

وقد علق الدكتور عيسى عبده على السؤال ببيان المكر في صياغته حيث أنه لم يعرض للعناصر الأساسية للتأمين التي منها أنه في التأمين على الحياة تلتزم الشركة المُؤَمنة بدفع رأس مال العقد كاملا إن حصلت الوفاة أثناء سريان العقد وإن كان المستأمن قد دفع قسطا واحداً من عشرات أو مئات الأقساط التي كان سيدفعها لو امتد به الأجل، وأيضاً لم يعرض السؤال لنوع الربح الذي يعوِد على المستأمن أهو جزء من الربح الذي تحققه الشركة بتشغيل أمواله أو هو قدر محدد سلفاً ... والواقع أن جميع شركات التأمين تحسب الربح على جملة الأقساط وجملة الفترات الزمنية ... أما السؤال ففيه إبهام مقصود وتلويح بما يشبه المضاربة الشرعية [٨] . هذا وقد تبع محمد عبده في فتواه عدد من المحْدثين فقالوا بجواز التأمين ومن هؤلاء الدكتور محمد يوسف موسى [٩] والشيخ على الخفيف [١٠] والدكتور محمد البهى [١١] ومصطفى الزرقا ومحمد سلام مذكور وعبد الرحمن عيسى.. وغيرهم [١٢] . وقد أبدى بعضهم تحفظات على شيء من فروع التأمين وجزئيا ته فاشترط محمد يوسف موسى أن تخلو المعاملة فيه من الربا ورد عبد الرحمن عيسى على بعض صور التأمين على الحياة كما رد محمد سلام مذكور بعض الشروط التعسفية [١٣] .. إلا أن هذا لا ينافي أن الرأي عندهم حل التأمين في الجملة.. ويستدلون لقولهم بجوازه بقياسه على بعض العقود الجائزة ولو عند بعض الفقهاء وسنعرض لذكرها والرد عليها في المباحث التالية: حكم عقود التأمين. عقود التأمين تشتمل في جوهرها على أمور تجعلها عقوداً محرمة من هذه الأمور ما يلي: أولا: الغرر:

стр. 15388

والنهي عن الغرر أصل عظيم من أصول البيوع يدخل تحته مسائل كثيرة مثل بيع المعدوم وبيع المجهول وبيع ما لا يقدر البائع على تسليمه وبيع ما لم يتم ملك البائع له والأصل في هذا حديث أبي هريرة ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر"رواه مسلم [١٤] . الغرر: الخطر. والغرر مناط البطلان عند جميع العلماء [١٥] . وهو متحقق في عقود التأمين بشكلٍ ظاهر لا يجادل فيه عاقل, فكل واحد من المتعاقدين لا يدرى كم يعطي ولا كم يأخذ فهو إذا عقد على مجهول فيه مخاطرة عظيمة. وقد أورد التقنين المدني عقد التأمين ضمن العقود الاحتمالية أو عقود الغرر وبيان ذلك أن المُؤَمن والمُؤَمن له لا يعرفان وقت إبرام العقد مقدار ما يأخذ كل منهما ولا مقدار ما يعطي كل منهما إذ أن ذلك متوقف على وقوع الكارثة أو عدم وقوعها [١٦] . من هنا نعلم أن وجود الغرر والمخاطرة في عقود التأمين من الأمور الواضحة وضوح الشمس في رابعة النهار بل إن الغرر والمخاطرة فيها أبين وأظهر من مثل صورة بيع الحصاة [١٧] وبيع المنابذة [١٨] وبيع الملامسة [١٩] وغيرها مما ورد فيه النهى الصريح لما فيها من الغرر الظاهر. ومن الغرر أيضاً في عقد التأمين الجهل بأجل العقد وذلك أن الخطر وهو محل عقد التأمين لا يعلم هل يقع أم لا؟ وإن وقع فلا يعلم متى يقع؟ وعدم العلم بوقوعه ووقت وقوعه من شروط العقد الواجبة في التأمين وهو أن يكون الخطر غير محقق الوقوع وهذا هو العنصر الجوهري في عقد التأمين [٢٠] .. فأي غرر أكثر وأشد مما في هذا العقد.. ومن العجيب أن يغالط بعض المنتسبين إلى الفقه فينازع في أن التأمين من العقود الاحتمالية كما فعل مصطفى الزرقا [٢١] مع وضوحه كما تقدم. شبه المخالفين في الغرر في عقد التأمين والرد عليها:

стр. 15389

ا- قال بعضهم أنه ليس من عقود الغرر المحرمة بدعوى أن ما ألفه الناس وتعارفوا عليه دون ترتب نزاع يكون غير منهي عنه [٢٢] وهذه دعوى باطلة فإن التراضي بين المتعاقدين لا يصير العقود المحرمة حلالاً وقد كانت كثير من صور عقود الغرر مألوفة في عهد الجاهلية ومع ذلك نهى الشرع عنها لأنها من أكل أموال الناس بالباطل كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُم﴾ [٢٣] . والمعنى تجارة لا غرر فيها ولا مخاطرة ولا قمار وهذا أمر متفق عليه عند أهل العلم [٢٤] .. ومن المعلوم أن اتفاق المتعاقدين على المعاملات الربوية وتراضيهما عليها وكون ذلك لا يؤدى إلى نزاع بينهما لا يجعل هذه المعاملات مشروعة فكذا هنا. ٢- دعوى أن عقود التأمين من قبيل التعاون بين مجموعة من الناس وفي التعاون والتبرع يغتفر الغرر الكثير استنادا لقول مالك ﵀ في تصرفات الإحسان الذي لا يقصد به تنمية المال كالصدقة والهبة والإبراء [٢٥] . وبناء على ذلك حاولوا أن يجعلوا عقد التأمين من هذا الباب كما فعل السنهوري حيث ذكر أن التأمين لا يفهم على الوجه الصحيح إلا إذا نظر إلى الجانب الآخر وهو جانب العلاقة بين المُؤَمن ومجموع المُؤَمن لهم حيث يكون المُؤَمن وسيطاً بينهم ينظم تعاونهم جميعاً على مواجهة الخسارة التي قد تصيب بعضهم [٢٦] .

стр. 15390

يقول السنهوري عن الجانب الآخر من عقد التأمين - على حد تعبيره- "إنه يبر ز التأمين في ثوبه الحقيقي ويبين أنه ليس إلا تعاوناً منظما تنظيماً دقيقاً بين عدد كبير من الناس معرضين جميعاً لخطر واحد حتى إذا تحقق الخطر بالنسبة إلى بعضهم تعاون الجميع على مواجهته بتضحية قليلة يبذلها كل منهم يتلافون بها أضرارًا جسيمة تحيق بمن نزل الخطر به منهم لولا هذا التعاون, وشركة التأمين ليست في الواقع من الأمر إلا الوسيط الذي ينظم هذا التعاون على أسس فنية صحيحة ... فالتأمين إذاً هو تعاون محمود, تعاون على البر والتقوى يبر به المتعاونون بعضهم بعضاً ويتقون به جميعاً شر المخاطر التي تهددهم فكيف يجوز القول بأنه غير مشروع؟ " [٢٧] . وقد استند على قول السنهوري هذا كل المشاغبين على مسألة وجود الغرر في عقود التأمين. فهذا مثلاً علي الخفيف يقرر نفس المعنى في بحثه عن التأمين [٢٨] . وكذا محمد سلام مدكور حيث يقول: "إن شركات التأمين تقوم بدور الوسيط بين الأفراد المتعاونين" [٢٩] . والزرقا حيث يقول: "إن التأمين قائم على فكرة التعاون على جبر المصائب والأضرار الناشئة من مفاجآت الأخطار" [٣٠] . ولو سلمنا القول بما ذهب إليه الإمام مالك ﵀ فلا يصلح مستنداً لما ذهبوا إليه البتة لأنها لا تصح أبداً دعواهم أن عقد التأمين من قبيل التبرعات بل هو عقد معاوضة محضة ويتضح ذلك من التعريف القانوني لعقد التأمين [٣١] .فليس هناك شك أن عقد التأمين عقد معاوضة بين متعاقدين يلتزم بمقتضاه كل منهما بعوض مقابل ما يلتزم به الآخر وإذا كان كذلك فلا يجوز في مذهب من المذاهب الفقهية ما في عقد التأمين من غرر كثير وكبير ولا تعدو هذه الدعوى أن تكون مغالطة بعيدة عن الواقع الحقيقي لعقد التأمين.

стр. 15391

ولا يجادل عاقل في أن مقصد شركات التأمين إنما هو تحقيق الربح الوفير لها من جراء اتجارها بدعوى توفير الأمن للمتعاقدين معها فلا يصح بحال دعوى أن هذه الشركات ليست إلا الوسيط الذي ينظم التعاون ... إنها مغالطة للواقع. ٣- حاول الزرقا دفع الغرر عن عقد التأمين بدعوى أن في عقد التأمين معاوضة محققة النتيجة فور عقده.. وأن الاحتمال فيه بالنسبة للمُؤَمن إنما هو بالنظر إلى كل عقد على حدة وأما بالنظر إلى مجموع العقود فإن التأمين يعتمد على أساس إحصائية تنفي عنه الاحتمال عادة.. وأما بالنسبة إلى المستأمن فإن الاحتمال معدوم؛ ذلك لأن المعاوضة الحقيقة في التأمين بأقساط إنما هي بين القسط الذي يدفعه المستأمن وبين الأمان الذي يحصل عليه وهو حاصل بمجرد العقد لأنه بهذا الأمان لم يبق بالنسبة إليه فرق بين وقوع الخطر وعدم وقوعه [٣٢] . وهذه المحاولة غير صحيحة أما بالنسبة للمُؤَمن فكل عقد يجريه فيه غرر كبير يوجب بطلانه والتحايل بلفت النظر إلى مجموع العقود لا يصح فإنه ليس له وجود في الخارج وإنما الذي له وجود هو العقد الغرر وهو يتضمن غرراً كبيراً من الجانبين. ومقتضى قوله بالصحة بالنظر إلى مجموع العقود يلزم منه أن العقد الباطل في ذاته إذا انضم إليه غيره مما يشبه في البطلان صار بهذا الانضمام صحيحاً وهو لازم باطل لا وجه له عند أحد من فقهاء المسلمين.

стр. 15392

على أن دعوى زوال احتمال الغرر من مجموع العقود مغالطة ظاهرة فشركات التأمين لا يمكن أن تعرف مجموع ما سوف تأخذ وما تعطى وإنما تستعين بالإحصائيات لمعرفة صورة تقريبية وهذا لا ينفي عنها عنصر الاحتمالية ... هذا وهناك أحداث وأخطار غير متوقعة تقلب كل توقعات المُؤَمنين فكيف يقال إنه يعتمد على أسس إحصائية تنفي عنه الاحتمال؟ وحاصل ما تقدم أن الغرر الكبير في عقود التأمين موجود رغم كل ما قالوه حتى بالنسبة لمجموع العقود وهذا يقتضي بطلانها على أية حال. وأما بالنسبة للمُؤَمن له فالغرر متحقق لديه وقت العقد في أنه لا يدرى ماذا سيعطى وماذا سيأخذ وهذا كاف للحكم ببطلانه.. ودعوى أن القسط في مقابل الأمان دعوى غير صحيحة ذلك أن عقد التأمين مذكور فيه أن القسط في مقابل مبلغ والتأمين هكذا يقول شراح القانون [٣٣] . وأما الأمان فلا يقدر عليه إلا الله وشركات التأمين لا تستطيع أن تضمن عدم وقوع الخطر وإنما تعوض عن بعض آثاره بعد وقوعه. وقول الزرقا: "لم يبق بالنسبة إليه- أي المُؤَمن له- فرق بين وقوع الخطر وعدمه...الخ "مغالطة ظاهرة وهل يعقل ذلك فيمن يُؤَمن على حياته أو على أعضائه؟ أيستوي عنده أن يفقد حياته وأعضاءه أو أن يبقى حياً معافى؟ لا يستويان فكل هذا إنما هو تحايل ومغالطة لنفي الغرر من عقود التأمين وهو متحقق فيها على أية حال. ومن خلال النظر إلى أركان هذا العقد وشروطه كما تقدم تصويره لا يراودنا أدنى شك في بطلانه.. ولا اعتبار بعد ذلك لأي دعاوى تتعلق في أمر خارج عن هذه الأركان والشروط لأن العبرة في الحكم على العقود إنما هو بالنظر إلى ما تضمنته من أركان وشروط. ثانيا: الربا:

стр. 15393

عقد التأمين يتضمن الربا بنوعيه أما النسيئة فدائماً وأما الفضل فغالباً وذلك أنه عندما يضع الخطر المُؤَمن منه وتسلم شركة التأمين مبلغ التأمين المتعاقد عليه فإنه لا يخلو في الغالب من أن يكون أقل أو أكثر مما دفعه المُؤَمن له وفي هذه الحالة يتحقق ربا الفضل بسبب عدم تساوى البد لين وكذا ربا النسيئة لتأخر أحد البد لين وإن كان المبلغ مساوياً- وهذا نادر- تحقق ربا النسيئة لتأخر أحد البد لين لأن عقود التأمين لا تخرج عن الصرف إذ هي نقد بنقد وهذا واضح من تعريفه حيث أن المُؤَمن يلتزم بدفع مبلغ من المال في نظير قسط مالي وعقد الصرف يشترط فيه التقابض مطلقاً سواء اتحد الجنس أو اختلف ويشترط أيضاً التماثل عند اتحاد الجنس وهذا كله متحقق بين مبلغ التأمين وقسطه وبهذا يتبين أن عقود التأمين تشتمل على نوعي الربا. والنصوص الواردة في طلب التماثل والتقابض في مبادلة المال الربوي بجنسه متواترة وقد أجمع المسلمون على مدلولها [٣٤] . شبه المخالفين في تضمن التأمين للربا والرد عليها: ا- كما ادعوا في باب الغرر أن عقود التأمين من قبيل التعاون الذي يغتفر فيه الغرر ادعوا هنا أيضاً أن التأمين من أساسه قائم على فكرة التعاون على جبر المصائب فيغتفر ما فيه من ربا أو شبهة ربا [٣٥] . وهي دعوى مردودة كما تقدم فعقود التأمين ليست من قبيل التعاون وإنما هي عقود معاوضة وتجارة فلا يمكن حملها على تصرفات التبرع والإرفاق التي يغتفر فيها ما لا يغتفر في عقود المماكسة التي يقصد منها الربح.

стр. 15394

٢- حاول بعضهم أن يحصر شبهة الربا في بعض صور التأمين وهو ما يحصل في التأمين على الحياة حيث يشترط فائدة ربوية علاوة على مبلغ الأقساط التي يستفيدها إذا ظل حياً بعد مدة العقد ومن ثم يحكم على هذا الشرط وحده دون الحكم على نظام التأمين في ذاته ولذا يقترح الزرقا إلغاء شرط الفائدة في هذه الصورة من التأمين بحيث يرد مبلغ الأقساط بعينه دون فائدة [٣٦] . والجواب عن هذا أن جوهر عقد التأمين لا يخلو من شبهة الربا حتى لو خلا من مثل هذا الشرط فإنه وإن انتفى التفاضل فإن النَسَاء متحقق على أية حال. ثالثا: القمار: عقد التأمين يتضمن شبهة القمار وذلك أنه معلق على خطر قد يقع وقد لا يقع فهو يشبه في معناه معنى ميسر القمار وهو ما يتخاطر الناس عليه. قال ابن عباس: "كان الرجل في الجاهلية يخاطر الرجل على أهله وماله فأيهما قامر صاحبه ذهب بماله وأهله فنزلت الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [٣٧] . وأي مخاطرة ومقامرة أشد من دفع مبلغ التأمين كاملاً مقابل قسط واحد فيما إذا وقع الخطر المُؤَمن عليه ففي مقابل ماذا دفع المُؤَمن هذا المبلغ الكبير؟ وكيف تكون المخاطرة والمقامرة إذا لم تكن هذه مخاطرة ومقامرة؟ والحقيقة أننا لو نظرنا إلى عناصر عقد المقامرة عند شراح القانون لوجدناها متوفرة في عقود التأمين ولذا قال السنهوري إنه إذا نظرنا إلى عقد تأمين بمفرده لم يعدُ أن يكون عقد مقامرة [٣٨] .

стр. 15395

شبه المخالفين في تضمن عقد التأمين للمقامرة والرد عليها: وقد حاول الزرقا ومن على شاكلته إيجاد فروق بين عقد التأمين وبين القمار سوف أذكرها حسب ورودها في بحثه وأجيب عليها. أ- يقول: "إن القمار لعب بالحظوظ ومقتلة للأخلاق ... فأين القمار الذي هو من أعظم الآفات ... من نظام يقوم على أساس ترميم الكوارث الواقعة على الإنسان في نفسه أو ماله ... " [٣٩] . والجواب عن هذا أن وجه الشبه بين عقد التأمين وبين القمار هو عنصر المخاطرة في كل منهما حيث أن عقد التأمين يكون على شيء غير محقق الوقوع وهو عنصر أساسي فيه وفي القمار أيضاً وهذا هو مناط التحريم وأما ما يقر بسبب القمار من العداوة والبغضاء والصد عن ذكر الله وعن الصلاة فهذا من حكمة التحريم فإن القمار حرام حتى ولو قدر خلوه من ذلك فكذا عقد التأمين حرام لتضمنه مناط التحريم وهو المخاطرة على أن نظام التأمين يقع فيه شيء من العداوة والبغضاء حين يأخذ أحد الطرفين في عقد التأمين مبلغاً كبيراً دون مقابل. وحتى لو سلمنا بأن القمار يؤدي إلى العداوة والبغضاء وعقود التأمين لا تؤدى إلى ذلك فإن معنى المخاطرة والمقامرة متحقق فيها على أية حال. ٢- يقول: "إن عقد التأمين يعطى المستأمن طمأنينة وأماناً من نتائج الأخطار ... فأين هذا الأمان والاطمئنان لأحد المقامرين في ألعاب القمار التي هي بذاتها الكارثة الحالقة؟ " [٤٠] .. والجواب عن هذا أنه لو سلمنا جدلا أن في التأمين أماناً وطمأنينة لا توجد في المقامرة فإن هذا ليس له أثر في الحكم إذ أن العنصر الذي له أثر في الحكم هو عنصر المخاطرة في إجراء العقد على واقعة غير محققة في كل من التأمين والقمار وهذا لا صلة له بما يصحب العقد من خوف أو أمان فالمقامرة في عقد التأمين متحققة حتى لو سلمنا بهذا الفارق المزعوم.

стр. 15396

٣- يقول: "ومن جهة ثالثة عقد التأمين من قبيل المعاوضة وهذه المعاوضة مفيدة فائدة محققة للطرفين ففيها ... ربح اكتسابي للمُؤَمن وفيها أمان للمستأمن ... فأين هذه المعاوضة في القمار؟ وما هي الفائدة التي عادت على الخاسر فيه من ربح الفائز " [٤١] .. والجواب عن هذا أن كونه عقد معاوضة لا يمنع أن يكون فيه معنى القمار وأيضاً فإن مثل هذا الفارق لو سلم بوجوده لا أثر له في الحكم فعنصر المخاطرة الذي هو مناط التحريم متوفر على أية حال فلا يفيد بعد ذلك ما قاله الزرقا من أن التأمين معاوضة مفيدة للطرفين فسواء كانت مفيدة أو غير مفيدة فحكمها لا يتغير طالما اشتملت على عنصر يقتضي تحريمها. وأخيراً فإن شراح القانون قد قرروا أنه بالنظر إلى عقد التأمين من جهة العلاقة بين المُؤَمن وأي من المستأمنين لا يعد أن يكون عقد مقامرة كما في قول السنهوري المتقدم وإذا تقرر ذلك فهو كاف في الحكم عليه بالتحريم ولا تأثير بعد ذلك للفروق التي ادعوها حتى ولو سلم بشيء منها. رابعا: بيع الدين بالدين: يقول الدكتور محمد بلتاجي: "ويكون قسط التأمين عادة مبلغاً سنوياً والمستأمن لا يدفعه في مجلس العقد إنما يدفعه بعد ذلك على أقساط فهو دين في ذمة المستأمن يلزمه أداؤه حسبما نص على ذلك في العقد والذي يقابله يبلغ التأمين الذي تلتزم الشركة بدفعه إذا حدث الخطر المُؤَمن منه فهو الآخر دين في الذمة معلق على وقوع الخطر ومن ثم فعقد التأمين يتضمن بيع دين بدين" [٤٢] . وما ذكره بلتاجي متحقق حقيقة في عقد التأمين وقد أجمع المسلمون على تحريم بيع الدين بالدين [٤٣] .. والخلاصة أنه اجتمع في عقد التأمين الغرر والربا والقمار وبيع الدين بالدين وواحد من هذه الأمور يكفي للحكم بتحريمه فكيف وقد اجتمعت كلها على نحو ما تقدم؟.. احتجاج المجوزين للتأمين والرد عليهم

стр. 15397

حاول المخالفون في تحريم عقد التأمين أن يطبقوا عليه بعض القواعد العامة أو أن يقيسوه على بعض الصور في الفقه الإسلامي بشكل عام وهذا ما سأتناوله في النقاط التالية: ١- أن عقد التأمين عقد جديد فهو جائز بناء على أن الأصل في العقود الإباحة إلا ما ورد الشرع بتحريمه [٤٤] وأن الشريعة تركت الباب مفتوحاً للناس أن يحدثوا أنواعاً جديدة من العقود إذا دعت الحاجة لها بشرط أن تتوفر فيها الأركان والشروط العامة المعتبرة في العقود وفي هذا الصدد يمثل الزرقا بعقد بيع الوفاء وأنه أشبه بواقعة عقد التأمين فعقد بيع الوفاء "عقد جديد ذو خصائص وموضوع وغاية يختلف فيها عن كل عقد من العقود المسماة المعروفة قبله لدى فقهاء الشريعة وهو ينطوي على غاية يراها الفقهاء محرمة لأنه يخفي وراءه أنواعا من الربا المستور وهو الحصول على منفعة من وراء القرض حيث يدفع فيه الشخص مبلغاً من النقود ويسميه ثمناً لعقار يسلمه صاحبه إلى دافع المبلغ الذي يسميه مشترياً للعقار لينتفع به بالسكنى أو الإيجار بمقتضى الشراء بشرط أن صاحب العقار متى وفى المبلغ المأخوذ على سبيل الثمنية استرد العقار... ولكل منهما الرجوع عن هذا العقد أي فسخه وطلب التراد ولو حددت له المدة" [٤٥] . وقد اختلف الفقهاء فيه وقت ظهوره فمنهم من أعتبره بيعاً فاسدا لاقترانه بشرط مفسد للعقد. ومنهم من أعتبره بيعاً صحيحاً وأبطل الشرط وحده واعتبره لغوا. ومنهم من نظر إلى الهدف من هذا العقد والشرط فاعتبره في معنى الرهن الذي يشترط فيه المرتهن الانتفاع بالشيء المرهون فأبطل شرط الانتفاع بالمرهون وأبقاه رهناً لأن العبرة في التصرفات للمقاصد. إلا أنه استقرت الفتوى في المذهب الحنفي بعد ذلك على أنه عقد جديد ذو خصائص مختلفة عن هذه العقود الثلاثة لذا قرروا له أحكاماً مستمدة منها جميعاً.

стр. 15398

والمقصود من هذا أن قضية عقد التأمين تشبه بيع الوفاء من ناحية أن بيع الوفاء شاهد تاريخي واقعي في الفقه على جواز إحداث عقود جديدة وإن تعرض في أول نشأته لمثل ما تعرض له اليوم عقد التأمين من اختلاف [٤٦] ... والرد على ذلك أن وجه الحرمة في عقد التأمين ليس لأنه عقد جديد يختلف عن العقود المعروفة لدى فقهاء الشريعة الإسلامية بل وجه الحرمة فيه ما يتضمنه من غرر وربا وقمار وبيع دين بدين كما تقرر, وبناء على هذا فهذا العقد الجديد غير جائز لا لأنه جديد بل لأنه تضمن أمورا تقتضي بطلانه. وليعلم أنه من المتفق عليه عند القائلين إن الأصل في العقود الإباحة تقييد ذلك بأن لا يرد الشرع بتحريمه وعليه فقد اشتمل عقد التأمين على عدة أمور ورد الشرع بتحريمها فلا يندرج عقد التأمين تحت هذا الأصل القائل بأن الأصل في العقود الإباحة حتى على تقدير رجحانه على القول بأن الأصل فيها الحظر إلا ما ورد الشرع بإباحته. وغنى عن البيان القول بأن عقد الوفاء مختلف عن عقد التأمين في موضوعه وهذا ما سلم به الزرقا نفسه [٤٧] . على أن الصواب في بيع الوفاء أنه لا يخرج عن أن يكون بيعاً أو رهنا اقترن به شرط فاسد والحكم فيه هو إبطال العقد بسبب هذا الشرط أو إبطال الشرط وحده على الخلاف المذكور آنفاً وعلى هذا فليس هنا عقد جديد أصلاً وإنما هو عقد قديم- بيع أو رهن- اقترن بشرط. والحقيقة أن جر الكلام إلى موضوع إيجاد عقود جديدة إبعاد للمسألة عن مناط الحكم فيها فليس المحذور في عقد التأمين كونه عقداً جديداً- كما تقدم - وإنما لأنه تضمن الغرر والربا والقمار وبيع الدين بالدين وكل هذه الأمور قد اعتبرها الشارع مبطلة للعقود. - عقد الحراسة:

стр. 15399

يقول الزرقا إن المستأجر للحراسة ليس لعمله نتيجة سوى تحقيق الأمان لمن استأجره باطمئنانه على سلامة الشيء المحروس ... وهكذا الحال في عقد التأمين يبذل المستأمن فيه جزءاً من ماله في سبيل الحصول على الأمان من نتائج الأخطار [٤٨] . ويرد عليه بأن عقد الحراسة ليس محل العقد فيه هو الأمان وإنما الأجير يستحق الأجرة في مقابل القرار في مكان معين للقيام بالحراسة وهذا هو محل العقد وهو المتحقق في الواقع وأما الأمان فهو الهدف من العقد والباعث عليه وهذا الهدف قد يتحقق وقد لا يتحقق والأجير يستحق الأجرة بمجرد قيامه بالحراسة سواء حصل الأمان أولم يحصل وليس عليه شيء إذا لم يفرط. فالأمان إذاً ليس محلاً للعقد وإنما هو أمر معنوي نفسي لا يمكن أن يباع ويشترى بل قد يأتي بلا ثمن وقد يدفع في طلبه الثمن الكثير ولا يتحقق. والحقيقة أن عقد الحراسة معاوضة معلومة من الطرفين فصاحب الشيء المحروس يدفع أجرة معلومة والأجير يقوم بعمل معين فليس هناك غرر أو جهالة في هذا العقد. وأما عقد التأمين ففيه جهالة العوضين وجهالة مدة العقد فلا وجه لإلحاقه بعقد الحراسة المعلوم المحدد. وهذه المقايسة لا تعد أن تكون وسوسة شيطانية الهدف منها التضليل والمغالطة. ودعوى أن الأمان هو محل العقد في عقد الحراسة وعقد التأمين دعوى باطلة يكذبها العقل والواقع فليس في مقدور أحد من البشر توفير ذلك وإنما هو حقيقة بيد الله . ٣- ضمان خطر الطريق: ضمان خطر الطريق هو فيما إذا قال شخص لآخر أسلك هذه الطريق فإنها آمنة وإن أصابك شيء فأنا ضامن حيث يضمن القائل عند بعض الفقهاء. يقول الزرقا: "فإني أجد فيه فكرة فقهية تصلح أن تكون نصاً استثنائياً قوياً في تجويز التأمين على الأموال من الأخطار" [٤٩] ..

стр. 15400

والرد على هذا أن الأصل في ضمان خطر الطريق عند من قال به أن المغرور إنما يرجع على الغار إذا حصل الغرور في ضمن المعاوضة أو ضمن الغار صفة السلامة للمغرور [٥٠] .. والتنظير بين هذا وبين التأمين غير صحيح فشركات التأمين لا تغر الناس ولا تضمن صفة السلامة لمن يتعاقد معها فليس هنا تغرير يشبه التغرير في مسألة ضمان خطر الطريق عند من يقول به وعليه فلا يمكن قياس عقد التأمين على ضمان خطر الطريق. وهنا فارق جوهري آخر وهو أن ضمان خطر الطريق التزام من طرف واحد فلا يمكن أن يقاس عليه عقد التأمين وهو عقد معاوضة والتزام من الطرفين. وأخيراً فإن السلامة شأنها شأن الأمان ليست شيئاً يباع ويشترى لأنها ليست في مقدور البشر فالتلويح بها مغالطة ظاهرة. وأما قول الزرقا: "إن فقهاءنا الذين قرروا هذا الحكم في الكفالة... لو أنهم عاشوا في عصرنا اليوم... لما ترددوا لحظة في إقرار التأمين نظاماً شرعياً " [٥١] . فلا يستطيع أن يقنعنا بصدق قوله إلا أن يعيد أولئك الفقهاء فيصدقوه فيما زعم وليس بقادر، ومن جانبنا لا نظن في أولئك الفقهاء أن يقروا التأمين نظاماً شرعياً وقد تضمن ما يقتضي بطلانه من الغرر والربا. ٤- إلحاق عقود التأمين بولاء الموالاة عند الحنفية: وصفة هذا الولاء أن الرجل يوالى رجلا آخر على أن يعقل عنه إذا جنى ويرثه إن مات وليس له وارث ويمكن أن يشترطا الإرث من الجانبين وهو عند الحنفية خاصة والإرث به عندهم مؤخر عن أرث ذوى الأرحام ومن شرط هذا العقد عندهم أن يكون المعقول عنه حراً مجهول النسب وأن لا يكون عربياً وليس عليه ولاء عتاقة ولا ولاء مولاة مع أحد قد عقل عنه. وأن لا يكون عقل عنه بيت المال وأن يشترط العقل والإرث في العقد [٥٢] .

стр. 15401

وفي صدد القول بجواز عقود التأمين ينتهي أحد الباحثين إلى أن أركان عقد ولاء الموالاة تتفق إلى حد كبير مع أركان عقد التأمين من المسئولية لأن ولاء المولاة رابطة قانونية بين شخصين بمقتضاها يتعاقدان على أن يعقل أولهما عن الآخر إذا جنى فيدفع عنه الدية في مقابل أن يرثه مولى الموالاة إذا توفي غير مخلف وارثاً قط وهو في هذا يناظر عقد التأمين من المسئولية [٥٣] . والأصل في عقد ولاء الموالاة قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [٥٤] . والجمهور على القول بعدم صحة هذا العقد فلا يحصل به توارث ولا عقل.. والحق في هذا مع الجمهور لقول الرسول ﷺ في الحديث المتفق عليه: "إنما الولاء لمن أعتق " [٥٥] . حيث أفاد حصر الولاء في نوع واحد هو العتق لشخص واحد هو المعتق وأما الآية فهذا كان في صدر الإسلام ثم نسخ بآية المواريث. وقول الحنفية في ولاء الموالاة على تقدير التسليم بصحته جدلاً لا يشبه عقد التأمين من المسئولية ذلك أن الهدف الذي بني عليه ولاء الموالاة ليس هو هدف الذي بني عليه عقد التأمين.. فولاء الموالاة بني على النصرة والحماية ولجوء الضعيف الغريب إلى القوى النسيب ولذا فهولا يعتبر من عقود المعاوضة عند الحنفية القائلين به وإنما هو من عقود التبرع التي يغتفر فيها ما لا يغتفر في غيرها.. أما عقد التأمين فهو عقد معاوضة ظاهرة لا يقصد منه عند إنشائه إلا الربح والاستغلال فلا يصح أن يقاس على ولاء الموالاة مع وجود هذا الفارق الجوهري.. على أن قول الحنفية بمشروعية عقد ولاء الموالاة قول ضعيف مرجوح كما تقدم. ٥- إلحاق عقد التأمين بالوعد الملزم عند بعض المالكية: وخلاصة مسألة الوعد الملزم عندهم أن الشخص إذا وعد غيره عدة مما ليس بواجب عليه في الأصل هل يصبح بهذا الوعد ملزما بالوفاء؟

стр. 15402

من المالكية من يقول إنه ملزم مطلقاً ومنهم من يقول إنه غير ملزم مطلقاً ومنهم من يقول يلزم إذا ذكر لها الواعد سبباً وإن لم يباشر الموعود ذلك السبب كأن يقول أريد أن أقرضك كذا لتتزوج، والراجح عندهم أنه يلزم إذا دخل الموعود في سبب ذكر في الوعد [٥٦] . يقول الزرقا: "فإنا نجد في قاعدة الالتزامات هذه متسعاً لتخريج عقد التأمين على أساس أنه التزام من المُؤَمن للمستأمنين ولو بلا مقابل على سبيل الوعد أن يتحمل عنه أضرار الحادث الخطر ... ولا يخفي أن أقل ما يمكن أن يقال في عقد التأمين إنه التزام تحمل الخسائر عن الموعود في حادث معين محتمل الوقوع بطريق الوعد الملزم نظير التزام بتحمل خسارة المبيع عن البائع مما نص عليه المالكية" [٥٧] . وقول بعض المالكية في هذه المسألة على التسليم بصحته جدلاً لا يصح أن يقاس عليه عقد التأمين لوجود الفارق بينهما.. فالوعد الملزم عند من قال به تبرع محض لا معاوضة فيه وهذا أمر واضح لا يحتاج إلى بيان حيث أن الموعود لا يلتزم بشيء مقابل وعد الواعد أما عقد التأمين فمعاوضة واضحة والتزام من الجانبين كما تقرر.. والتبرعات يغتفر فيها ما لا يغتفر في المعوضات كما تقرر أيضاً فلا يمكن أن تقاس المعاوضة من الطرفين في عقد التأمين على التبرع من طرف واحد في الوعد الملزم مع وجود هذا الفارق الجوهري. ٦- إلحاق عقد التأمين بمسألة عقل العاقلة: [٥٨]

стр. 15403

في هذا الصدد يقول الزرقا: "إن نظام العواقل أصله عادة حسنة قائمة قبل الإسلام في توزيع المصيبة المالية ... وقد أقر الشرع الفكرة لما فيها من مصلحة ... وجعلها إلزامية في جناية القتل لأن فيها مسئولية متعدية بسبب التناصر وذلك بعد إخراج حالة العمد منها ... فما المانع من أن يفتح باب لتنظيم هذا التعاون على ترميم الكوارث بجعله ملزماً بطريق التعاقد والإرادة الحرة كما جعله الشرع إلزامياً دون تعاقد في نظام العواقل؟ " [٥٩] . يقول الزرقا: "يكفي في القياس التشابه بين المقيس والمقيس عليه في نقطة ارتكاز الحكم ومناطه وهي العلة وهذا ما رأيناه في نظام العواقل الإسلامي ونظام التأمين الحديث في بعض فروعه" [٦٠] . وهذا القياس المزعوم قياس باطل من أساسه لأن نظام العقل في الإسلام إلزام من الشارع لمجموعة من الناس تربطهم رابطة معينة بتحمل ما توجبه جنايات بعضهم وليس التزام منهم باختيارهم بتحمل شيء ما مقابل عوض كما هو الحال فيعقد التأمين فأين وجه الشبه المزعوم؟. وأيضا فإن نظام العقل في الإسلام مبنى على التناصر والبر بين أفراد عائلة واحدة وله أهداف جليلة وحكمة فأين هو من نظام التأمين المبني على التجارة وطلب الكسب والربح واستغلال الناس؟ ومن أين للزرقاء أن يزعم مع كل ذلك أن نقطة ارتكاز الحكم ومناطه وهى العلة متفقة في النظامين؟. والخلاصة أنه لا يصح هذا القياس مع وجود هذه الفروق الأساسية في جوهر النظامين. ٧- الاحتجاج بالمصلحة: وفي هذا يقول عبد الرحمن عيسى: "إن التأمين التجاري يحقق مصالح اقتصادية كبيرة للمجتمع.."وبعد سرد شواهد تدل على اعتبار المصلحة في الشرع يقول: "وقد بينا بوضوح تام أن التأمين يحقق مصالح عامة هامة فيكون حكمه الجواز شرعاً اعتبارًا لما يحققه من المصالح" [٦١] ..

стр. 15404

وبناء الشريعة على مبدأ جلب المصالح ودرء المفاسد أمر معروف ومسلم به لكن المراد بالمصالح ما اعتبرها الشرع كذلك وأما المصالح الملغاة في الشرع فلا اعتبار لها ولو اعتبرها العقل البشرى مصالح. فالأمور المنهي عنها أو التي تتضمن ارتكاب نهى لا اعتبار لما يزعم فيها من مصالح فهي على تقدير وجودها مصالح ملغاة. وما يزعم في نظام التأمين من مصالح وهي- على تقدير وجودها- مصالح ملغاة لتضمن عقد التأمين أموراً وردت النصوص القطعية بالنهي عنها والوعيد الشديد عليها من الغرر والربا والقمار وبيع الدين بالدين كما سبق فإن رأت بعض العقول البشرية في نظام التأمين مصلحة ما فهي مصلحة مهدرة ملغاة شرعا لما تقدم. وجميع ما نقل عن الصحابة وفقهاء السلف من تقرير أحكام استناداً إلى المصلحة إنما كان ذلك في أمور موافقة لمقاصد الشريعة ولم يرد فيها نص عن الشارع فالمصلحة المعتبرة عندهم ما فهموه من الشرع اعتباره في اقتضاء الأحكام ولا يستقل العقل بدركه [٦٢] .. وبهذا يعلم يقيناً أنه لا اعتبار لما يزعم في عقود التأمين من مصلحة لعدم موافقتها لمقاصد الشريعة بل لورود النص بالنهى عما تضمنته هذه العقود من غرر وربا ... الخ. ٨- الاحتجاج بأن التأمين ضرورة اقتصادية: خلاصة الاحتجاج بالضرورة أن حاجة الناس إلى التأمين قد اشتدت وعظمت وأنه يشق عليهم تركه خوفاً من الكوارث حيث أصبح التأمين ضرورة لحفظ أموالهم وإن لم يكن من ضروريات الناس فإنه من حاجياتهم التي يترتب على فقدها الضيق والمشقة حيث أنهم قد ألفوه وتغلل في جميع نواحي حياتهم فلو منعوا منه لوقعوا في حرج ومعلوم في الشريعة الإسلامية أن المشقة تجلب التيسير والضرورات تبيح المحظورات [٦٣] .. وتقريرهم للاحتجاج على النحو السابق يتضمن اعترافهم بأن عقد التأمين يشتمل على أمور محرمة.

стр. 15405

وهذا الاحتجاج يدل على جهل قائله بأصول الشريعة الإسلامية ومبادئها إذ كيف يتصور أن توجد الضرورة إلى نظام كنظام التأمين؟ قد توجد الضرورة في حالات فردية تقدر بقدرها وتقيد بشروطها مثل اضطرار الذي يخشى الهلاك إلى أكل الميتة ومثل هذه الصورة لا تتصور في نظام كهذا النظام. وإذا عرفنا أن للضرورة حدوداً يعرف بها ما يكون ضرورة في واقع الأمر وما لا يكون وعرفنا معنى الضرورة وأنها ما يرتب على تركه تلف النفس أو العضو فهل الحاجة إلى التأمين من هذا الصنف؟ كلا. وإذا وجدت ضرورة فإنما تقدر بقدرها كما تقدم وتعتبر أمراً استثنائيا يزول بزوال الحالة التي ألجأت إليه ولا يمكن أن يجعل قاعدة عامة في صورة نظام عام فإن مثل هذا يستلزم حاجة الشريعة إلى أنظمة وعقود محرمة واعتقاد مثل هذا قد يؤدى بصاحبه إلى الكفر والعياذ بالله لأنه يستلزم الاعتقاد بنقص الشريعة الإسلامية وتكذيب الله القائل: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ...﴾ [٦٤] . وحتى الحاجة التي تُنَزّل منزلة الضرورة مشروطة بأن يكون قد شهد لها الشرع بالاعتبار فليس كل ما يسبب حرجاً للناس يستباح به المحظور وقد ذكر القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج﴾ [٦٥] قول العلماء: "رفع الحرج إنما هو لمن استقام على منهاج الشرع" [٦٦] . وما من شك أن من استقام على منهاج الشرع واتقى الله فلن يجد حرجاً حين يمتنع من عقود التأمين. والخلاصة أن الاحتجاج بالضرورة لا يصلح دليلاً لإباحة عقود التأمين إذ ليس هناك في الحقيقة ضرورة بالمعنى الشرعي. الاحتجاج بنظام التقاعد:
следующие страницы →