لا يصلح أن يكون المعطوف عليه هو جملة ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ لأنها محكية عن المشركين والعطف عليها يجعل المعطوف وهو جملة الاستفهام محكيّاً عنهم، مع أن جملة الاستفهام ليست من كلامهم.
ولا يحسن أن يكون المعطوف عليه جملة شرطية أخرى مخالفة لجملة الشرط المذكورة، فيكون تقدير الكلام معها: أيتبعون آباءهم لو كانوا يعقلون شيئاً ويهتدون، ولو كانوا لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون.
لا يحسن ذلك لأنه تقدير متكلف لا يستدعيه المعنى ولا يتطلبه.
ثم إن الجملة الاستفهامية كلام مستأنق جاء ردّاً على الكافرين وتوبيخاً لهم.
هذا، وقبل أن أنتقل إلى الآية الثانية أحب أن أنقل إليك ملاحظات لأبى حيان تفسيره البحر المحيط [٦] تدل على دقة فهم وحسن تذوق لما جاء في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ﴾ ، وهذه هي الملاحظات:
١- (وإذا) الواردة في قوله تعالى المتقدم تدل على التكرار، تكرار القول لهم أن يتبعوا ما أنزل الله وتكرار جوابهم برفض هذا الإتباع والإصرار على اتباع آبائهم، وفي هذا دلالة على أن الدعوة إلى الإيمان بالله يجب أن لا تيأس وأن لا تتراجع وأن لا تقف أمام إعراض المدعوين عن الحق وشدة تماديهم في الباطل.
٢- وبُني (قِيل) لما لم يسمّ فاعله لأنه أخصر، فلو ذكر الفاعل وهو الرسول ﷺ ومن يتبعه من المؤمنين لطال الكلام طولاً لا يستدعيه غرض بلاغي.
٣- وقد ذكر لفظ الجلالة (الله) في (ما أنزل الله) للإعلام بعظم ما أمِروا باٍتباعه، فقد نسب إنزاله إلى الله تعالى، فكان ينبغي أن يتلقّى بالقبول وأن لا يُعارَض باتباع آبائهم رؤوس الضلالة.
стр. 15752
٤- وقد قدِّم العقل في قوله تعالى: ﴿لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً﴾ لأن العقل هو الذي تصدر عنه جميع التصرفات، وآخر نفي الهداية في قوله ﴿وَلا يَهْتَدُونَ﴾ لأن ذلك مترتب على نفي العقل، فالهداية للصواب ناشئة عن العقل، وعدم العقل عدم لها.اهـ- مع تصرف بالزيادة والحذف.
الآية الثانية قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ﴾ . الآية (١٠٤) من سورة المائدة.
تتضمن هذه الآية الكريمة أن هؤلاء الكفرة المشركين كانوا إذا دعوا إلى دين الله وشرعه واتباع ما أنزل الله في كتابه وما يحكم به رسوله، قالوا يكفينا ما وجدنا عليه آباءنا وما كانوا يعملون به من تحليل وتحريم.
فردّ الله عليهم: أيكفيهم ما وجدوا عليه آباءهم وقد كان أولئك الآباء جاهلين لا يعلمون شيئاً من الحق، ضالين لا يهتدون إلى الصواب، هل يكتفي بما كان عليه أولئك الآباء الضالون الجاهلون إلاّ مَنْ هو أجهلُ منهم وأضل سبيلاً؟!!
وقد جاء هذا الاستفهام: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ﴾ جاء مفيداً الإنكار (بمعنى لا ينبغون) ومفيداً التوبيخ والتعجب:
فقد أنكر الله عليهم ووبخهم وتعجب أن يكفيهم ما وجدوا عليه آباءهم من شرك وضلال وجهالة، وأن يجدوا في أعمال آبائهم وسلوكهم وطرائقهم غِنىً عمّا أنزله الله في كتابه من بيان للحق وهدى للناس.
وموضع الإنكار والتوبيخ والتعجب هو الفعل المقدّر بعد الهمزة مع متعلقه، والتقدير: أيكفيهم ما وجدوا عليه آباءهم ولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئاً ولا يهتدون، وقد دلّ على هذا الفعل المقدّر بعد الهمزة الكلام المتقدم عليها.
стр. 15753
أمّا إعراب هذا الاستفهام فقد سبق إعراب مثله في الآية الأولى، ولا حاجة إلى الإعادة والتكرار.
الآية الثالثة قوله تعالى: ﴿قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾ . الآية (٨٨) من سورة الأعراف.
تتضمن هذه الآية الكريمة أن أشراف قوم شعيب الذين استكبروا عن الإيمان بالله وعن الإيمان بأن شعيباً رسول الله قالوا في عتوّ وغرور وتهديد: لنخرجنّك يا شعيب من قريتنا هذه التي هي موطنك الذي نشأت فيه وترعرعت، لنخرجنّك عقاباً لك على هذه التفرقة التي أحدثتها في صفوفنا، وخشية أن يزداد افتتان الناس بهذا الدين الذي تدعونا إليه، ولست بمخرَج وحدَك، لنخرجنَّ معك هؤلاء الذين آمنوا بالله وصدقوك واتبعوك، أو لتعودن أنت ومن اتبعك في ملتنا التي نحن عليها!!
وقد أجابهم شعيب: أنعود في ملتكم ولو كنّا كارهين لتلك العودة؟! إن هذا لن يكون، وما ينبغي أن يكون!!
وقد جاء هذا الاستفهام: ﴿أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾ جاء مفيداً الإنكار (بمعنى لا ينبغي) ومفيداً النفي: فقد أنكر شعيب ونفى أن يعود هو ومن اتبعه إلى ملة الكفر ملّة أولئك الذين استكبروا عن الإيمان بالله وعن اتباع ما دعاهم إليه.
والواو الواقعة بعد همزة الاستفهام في هذا الاستفهام واو الحال، ولو شرطية غير جازمة، وجواب الشرط محذوف دلّ عليه وأغنى عنه الفعل المقدّر بعد الهمزة، والتقدير: أنعود في ملتكم ولو كنّا كارهين وقد دل على هذا الفعل المقدر بعد الهمزة الكلام المتقدم عليها، وجملة ﴿أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾ في محل نصب على الحالية، وصاحب الحال الضمير المستتر في الفعل المضارع المقدّر بعد الهمزة وهو (نعود) وهذا الفعل (نعود) هو العامل في الحال وصاحبها. وهو مع متعلقه موضع الإنكار والنفي.
стр. 15754
الآية الرابعة في قوله تعالى: ﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾ الآيات (٢٩- ٣٣) من الشعراء.
تتضمن هذه الآيات الكريمة جانباً من المحاجّة التي دارت بين فرعون وموسى ﵇ حين أتى هو وأخوه هارون فرعون فقالا له: إنّا رسول ربّ العالمين.
وفي هذه الآيات يقول فرعون بعد أن هُزم في هذه المحاجّة، يقول استكباراً عن الحق وتمادياً في الغي مهدًداً موعداً: لئن اتخذت يا موسى إلهاً غيري لأجعلنّك من المسجونين الذين لم تنس بعد كيف يسجنون، وفي أي مكان يحشرون، وأي موت يلاقون!!.
قال له موسى معرضاً عن تهديده ووعيده: أتجعلني يا فرعون من المسجونين ولو جئتك بشيء يبيّن صدق ما أقول لك ويشهد أني رسول ربِّ العالمين، قال له فرعون: فأت بذلك الشيء إن كنت صادقاً في أن لك بيّنة تشهد وبرهاناً يؤيّد.
أذن له فرعون أن يأتي بالشيء المبين ظانّاً أنه لا يستطيع أن يبطل ما يجيء به، ولكن موسى فاجأه بما لم يكن يخطر له على بال:
ألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ليس فيه خيال ولا خداع، ونزع يده السمراء من جيبه فإذا هي بيضاء ذات نور وشعاع.
لم يستطع فرعون أمام هاتين المعجزتين اللتين أذهلتاه إلاّ أن يلتفت إلى أشراف قومه ويقول لهم كذباً وافتراء: ما هذا إلاّ سحر مبين، وإن موسى لساحر عليم. وخوّف قومه بأن موسى يريد بسحره هذا أن يخرجهم من أرضهم وأن يجعلهم غرباء أذلاء.
ثم قال فرعون لقومه وقد أذهلته أدلة موسى الباهرة وأنسته ربوبيته الكاذبة، قال يتودد إلى قومه ويشعرهم أن لهم عنده مقاماً عظيماً ومنزلة عالية: ماذا تأمرون في موسى، وبماذا تشيرون فيه؟
стр. 15755
وفي الآيات (٣٦- ٥١) من سورة الشعراء تمام ما حدث بين فرعون وموسى ﵇ أمّا استفهام موسى: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ فهو على تقدير جملة محذوفة بعد الهمزة دلّ عليها الكلام السابق، والتقدير: أتجعلني من المسجونين ولو جئتك بشيء مبين، وهذه الجملة المقدّرة مع متعلقها الحال هي موضع الاستفهام، وهو استفهام حقيقي ساقه موسى إلى فرعون بعد أن استشاط فرعون من غضب وامتلأ من غيظ، وبهذا الاستفهام استطاع موسى أن يخفف من غلواء فرعون وأن يستدرجه إلى الاستماع إليه، فسكت عن فرعون غيظه وغضبه ووعيده، وهدأ ولان وسكن، وأجاب موسى: فأت به إن كنت من الصادقين.
أمّا إعراب هذه الصيغة الاستفهامية: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ فقد مضى إعراب مثلها في الآية الأولى، ولكنني أقول- زيادة في الإيضاح-: همزة الاستفهام داخلة على محذوف دلّ علية الكلام السابق والتقدير: أتجعلني من المسجونين ولو جئتك بشيء مبين، والواو الداخلة على (لو) حالية، و (لو) شرطية جوابها محذوف دلّ عليه وأغنى عنه الجملة المقدّرة بعد الهمزة، والواو وما دخلت عليه في محل نصب على الحال، وصاحب الحال ياء المتكلم في جملة (أتجعلني من المسجونين) المقدّرة بعد الهمزة، والعامل في الحال وصاحبها الفعل المضارع (تجعل) .
الآية الخامسة قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ . الآية (٢١) من سورة لقمان.
تتضمن هذه الآية الكريمة أن أولئك الذين يجادلون في الله عن جهالة وضلال كانوا إذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله على رسوله وصدقوا به، فهو الذي يهدي إلى الحق ويبعد عن الباطل- أبوا هذا الإتباع، وقالوا: بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا من عبادة أصنام وحلال وحرام.
стр. 15756
فردً الله جلّ وعلا عليهم: أيتبعون ما وجدوا عليه آباءهم ولو كان الشيطان يدعو أولئك الآباء إلى ما يكون عقباه عذاب السعير؟!
وقد جاء هذا الاستفهام: ﴿أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ . جاء مفيداً الإنكار (بمعنى لا ينبغي) ومفيداً التوبيخ والتعجب:
فقد أنكر الله على أولئك المشركين من كفار مكة وأمثالهم ممن يجادلون في الله عن جهل وضلال، أنكر عليهم أن يتبعوا آباءهم في عبادة أصنام وجهالات وضلالات وأباطيل زيّنها الشيطان لأولئك الآباء فقادهم إلى عذاب الجحيم، وأن يتركوا ما أنزل الله على رسوله ﷺ من الحق والهدى والرشاد الذي يقود إلى نعيم الجنّة، لقد أنكر الله عليهم ذلك ووبخهم عليه وتعجب منه.
وهمزة الاستفهام داخلة على محذوف دلّ عليه الكلام السابق، والتقدير: أيتبعون آباءهم ولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير، وهذا المحذوف المقدّر مع متعلقه هو موضع الإنكار والتوبيخ والتعجب.
الآية السادسة قوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ﴾ الآية (٤٣) من سورة الزمر.
تتضمن هذه الآية الكريمة أن المشركين من قريش قد اتخذوا أصنامهم التي يعبدونها من دون الله ويزعمونها آلهة، قد اتخذوها شفعاء تشفع لهم عنده تعالى في حاجاتهم.
قل يا محمد لهؤلاء المشركين من قومك: أتتخذون أصنامكم شفعاء ولو كانوا لا يملكون نفعاً ولا ضرّاً ولا شفاعة ولا شيئاً غير ذلك، أتتخذونهم شفعاء ولو كانوا لا يعقلون شيئاً ولا يدركون؟!
стр. 15757
وقد جاء هذا الاستفهام: ﴿قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ﴾ جاء مفيداً الإنكار (بمعنى لا ينبغي) ومفيداً التوبيخ والتعجب: فقد أنكر الله على المشركين أن يتخذوا من أصنامهم التي لا تملك شيئاً ولا تعقل، أن يتخذوا منهم شفعاء تشفع لهم عنده تعالى، ووبخهم على ذلك الاتخاذ وتعجب منه.
فموضع الإنكار والتوبيخ والتعجب هو الجملة المقدّرة بعد الهمزة مع متعلقها، وتقديرها: أتتخذونهم شفعاء ولو كانوا لا يملكون شيئاً ولا يعقلون. وقد دلّ على هذه الجملة المحذوفة المقدّرة قوله ﴿أم اتخذوا﴾ .
الآية السابعة في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ الآيات (٢٣- ٢٥) من سورة الزخرف.
تتضمن هذه الآيات الكريمة:
لم نرسل يا محمد من قبلك رسولاً إلى قرية يدعو أهلها إلى عبادة الله ويحذرهم من عبادة الأصنام ويخوفهم من سخط الله وعقابه إلاّ قال رؤساؤها المترفون معرضين عمّا جاءهم به ذلك الرسول: إنّا وجدنا آباءنا على ملة وإنّا على آثارهم مقتدون، نفعل كالذي يفعلون ونقول كالذي يقولون، ونعبد ما كانوا يعبدون.
فلم يكن بدعاً يا محمد أن يسلك مشركو قومك طريق من قبلهم مِن أهل الشرك بالله في إجابتهم إياك بما أجابوك به، وفي احتجاجهم بما احتجوا به للإقامة على دينهم الباطل والإستمرار على عبادة الأصنام.
стр. 15758
كان كلّ رسول يقول لأهل القرية التي أرسل إليها بعد أن يجيبوه بأنهم سوف يظلون على دين آبائهم، كان يقوله لهم: أتتبعون آباءكم ولو جئتكم من عند ربكم بدين أهدى إلى طريق الحق وأدل على سبيل الرشاد من دين آبائكم الباطل وملتهم الخاسرة.
كان أهل تلك القرى يقولون لأولئك الرسل الذين أرسلوا إليهم:
إنّا بما أرسلتم به جاحدون منكرون ولو كان أهدى مما وجدنا عليه آباءنا.
لقد انتقمنا من أولئك المكذبين بالرسل، فانظر يا محمد كيف كان عاقبة المكذبين، ولا تكترث بما يفعل المشركون، وسوف يرون أيَّ منقلب ينقلبون!!
وقد جاء هذا الاستفهام ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾ جاء مفيداً الإنكار (بمعنى لا ينبغي) ومفيداً التعجب:
فقد أنكر الرسل على أقوامهم الكافرين أن يتبعوا دين آبائهم الباطل، وأن يعرضوا عمّا جاؤهم به من الدين الحق، أنكروا على الكافرين ذلك، وعجبوا أن يقلدوا آباءهم تقليداً أعمى لا يقوم على تفكير سليم، ولا على حجة من كتاب منزل.
وهناك جملة محذوفة مقدَّرة بعد همزة الاستفهام دلّ عليها ما قبل الهمزة والتقدير أتتبعون آباءكم ولو جئتكم بأهدى ممّا وجدتموهم عليه، وهذه الجملة المحذوفة المقدّرة هي ومتعلقها موضع الإنكار والتعجب.
أختي العزيزة:
أمّا همزة الاستفهام الداخلة على (كلّما) الشرطية فقد وردت في آيتين اثنتين:
الآية الأولى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ﴾ . الآية (٨٧) من سورة البقرة.
стр. 15759
يتضمن هذه الآية الكريمة: يا بني إسرائيل قد نزّلنا التوراة على موسى رسولاً إليكم، وأرسلنا إليكم من بعده الرسل تترى رسولاً بعد رسول، يسيرون على شريعته ومنهاجه، ويعملون بما كان يعمل، ثم بعثنا إليكم من بعدهم عيسى بن مريم يأمركم بإقامة التوراة والعمل بما جاء فيها، وآتيناه الآيات التي تدل على أنه رسول من عند الله إليكم كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، وأعطيناه الإنجيل ونصرناه بجبريل، فكنتم كلما جاءكم رسول بما لا تهواه أنفسكم استكبرتم عن الإيمان به واتباعه إحتقاراً له وإعجاباً، بأنفسكم، ففريقاً من هؤلاء الرسل كنتم تكذبون، وفريقاً كنتم تقتلون.
وقد جاء هذا الاستفهام: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ﴾ جاء مفيداً الإنكار (بمعنى لا ينبغي) ومفيداً التوبيخ والتعجب: فقد أنكر الله على بني إسرائيل ووبخهم على تكبرهم على الرسل واحتقارهم إياهم، وعلى قتل من يستطيعون قتله، وعلى تكذيب من لا يستطيعون إلى قتله سبيلاً.
ولقد كانت حالهم هذه التي استحقوا التوبيخ عليها والإنكار من الله ، كانت مدعاة أيضاً إلى التعجب، فقد كانوا سفهاء في استقبالهم دعوة الحق والصدق، جهلاء سفّاكين للدماء في معاملتهم رسل الله الداعين إلى الخير والهدى.
وإعراب هذا الاستفهام: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ﴾ :
الفاء الواقعة بعد همزة الاستفهام عاطفة، عطفت الجملة التي بعدها على الجملة التي قبل الهمزة، فكأنه قيل لقد آتيناكم يا بني إسرائيل ما آتيناكم فكلّما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم.
стр. 15760
و (كلّما) أداة شرط لا تجزم، وهي ظرف زمان مبني على السكون في محل نصب على الظرفية، وجملة (جاءكم) جملة الشرط، وجملة استكبرتم جملة الجواب، والعامل في كلما هو جوابها، ولا يكون شرطها وجوابها إلاّ فعلاً ماضياً.
و (كلما) تفيد التكرار: تكرار الشرط وتكرار الجواب [٧] .
وموضع الإنكار والتوبيخ والتعجب هو جواب كلّما مع متعلقه، فموضع الإنكار والتوبيخ والتعجب في هذه الآية الكريمة هو تكبر بنى إسرائيل على الرسل وقتلهم وتكذيبهم كلما جاءوا إليهم.
الآية الثانية التي دخلت فيها همزة الاستفهام على (كلّما) الشرطية جاءت في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلا الْفَاسِقُونَ أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ الآيات: (٩٩- ١٠١) من سورة البقرة.
تتضمن هذه الآيات الكريمة:
لقد أنزلنا إليك يا محمد هذا القرآن مشتملاً على آيات واضحات تبين لعلماء بني إسرائيل وأحبارهم الجاحدين نبوّتك، المكذبين برسالتك، تبين لهم أنك رسول الله حقاً وصدقاً، وما يجحد تلك الآيات الدالة على صدق نبوّتك وصدق رسالتك إلاّ الخارجون منهم من دينهم الكافرون بما اشتملت عليه توراتهم.
ومن قبائح يهود بني إسرائيل أيضاً أنهم كانوا كلّما عاهدوا ربهم عهداً لَيعملُنَّ به نقض فريق منهم ذلك العهد، ولقد كانت تلك المعاهدات التي يعاهدون عليها الله ثم ينقضونها كثيرة جداً، حتى لكأنما أصبح إعطاء العهود ثم نقضها سجية فيهم وخليقة. وما كان أولئك اليهود الذين يعاهدون فينقضون قلة في العدد، بل كان أكثرهم يعاهد فينقض ويكفر بالله ورسوله.
стр. 15761
ولمّا جاء اليهود رسول الله ﷺ من عند الله بتصديق ما اشتملت عليه التوراة التي معهم من أن محمداً نبي الله- نبذ علماؤهم الذين أعطاهم الله العلم بالتوراة، نبذوا هذه التوراة ورفضوا العمل بما جاء فيها وهو التصديق بمحمد ﷺ .
لقد رفض علماء بني إسرائيل الذين يعلمون ما في التوراة من الأمر باتباع محمد ﷺ وتصديقه، رفضوا التصديق به واتباعه، ورفضوا الوفاء بما عاهدوا الله عليه، كأنهم لا يعلمون التوراة ولا يعلمون ما جاء فيها، وكأنما التوراة لم تخطر لهم على بال.
ولقد جاء هذا الاستفهام: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ جاء مفيداً الإنكار (بمعنى لا ينبغي) ومفيداً التوبيخ:
فقد أنكر الله على اليهود ووبخهم أن ينقض أكثرهم ما عاهدوا الله عليه مرة بعد مرة وكرة بعد أخرى حتى أصبح نقض العهود خلقاً لازماً فيهم لا يبرح، وسجية أصيلة لا تنفك.
فموضع الإنكار والتوبيخ هو جواب كلما مع متعلقه: وهو نبذ فريق منهم العهد كلّما عاهدوا الله عليه.
و (عهداً) في قوله تعالى: ﴿عَاهَدُوا عَهْداً﴾ مفعول ثان لعاهد، لأن عاهد هنا تضمنت معنى أعطى فتأخذ مفعولين، والمفعول الأول محذوف لدلالة السياق عليه، والتقدير: أو كلّما عاهدوا الله عهداً.
أختي العزيزة:
أمّا همزة الاستفهام الداخلة على (لمّا) الشرطية فقد وردت في آية واحدة هي قوله تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . الآية (١٦٥) من سورة آل عمران.
стр. 15762
تتضمن هذه الآية الكريمة أن المؤمنين في معركة أحد قد أصيبوا بأن قَتل المشركون منهم سبعين نفراً، وكان المؤمنون من قبل قد أصابوا من المشركين في معركة بدر ضعفي ما أصابه المشركون منهم ومع ذلك فقد عظم على المؤمنين ما أصابهم في معركة أحد، فقد هُزموا فيها وكثر فيهم القتلى، فأخذوا يعجبون ويقولون: كيف حدث هذا ونحن مسلمون وهم مشركون وفينا نبي الله وعدوّنا أهل كفر وشرك؟!!
فأمر الله جلّ وعلا رسوله محمداً ﷺ أن يجيبهم:
هذا الذي أصابكم كان من عند أنفسكم، كان بمخالفة أمري، وبترككم طاعتي، ولم يكن بسبب أحد سواكم، والله ذو قدرة على أن يفعل بخلقه ما يريد، فينصر من يشاء، ويمنع النصر عمن يشاء.
وقد جاء هذا الاستفهام: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾ جاء مفيداً لإنكار والتقريع:
الإنكار بمعنى ما كان ينبغي لكم أن تقولوا متعجبين: كيف وقعت هذه المصيبة، ومن أين جاءت، وقد كنتم السبب فيها، فقد تركتم موضع الرماة مخالفين أمر الرسول طامعين في الغنائم.
وجاء مفيداً التقرح أيضاً على تعجبهم من لحاق الهزيمة بهم وكثرة القتلى منهم، مع أنه لا عجب فيما وقع لهم بعد أن عصوا أمر الرسول ﷺ ، وخالفوا عن أمره.
стр. 15763
أمّا إعراب ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾ فالهمزة حرف استفهام، والواو الواقعة بعدها عاطفة عطفت الجملة التي بعدها على ما قبل الهمزة، و (لمّا) أداة شرط لا تجزم مبنية على السكون في محل نصب على الظرفية الزمانية، وهي منصوبة بجوابها (قلتم) أمّا جملة الشرط (أصابتكم) . فهي في محل جر بإضافة (لمّا) إليها. و (أنَّا هذا) : (أنَّى) اسم استفهام يفيد التعجب مبني على السكون في محل خبر مقدم، و (هذا) في محل رفع مبتدأ مؤخر، وجملة (أنّى هذا) في محل نصب مفعول به لـ (قلتم) وجملة ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ كما محل رفع صفة لمصيبة.
والقول بظرفية (لمّا) رأي ابن السراج والفارسي وابن جني وجماعة من النحاة منهم ابن مالك [٨] ، أمّا سيبويه [٩] فقد ذهب إلى أنها حرف وجود لوجود، وتقتضي جملتين وجدت ثانيتهما عند وجود أولاهما، وهي مختصة بالدخول على الفعل الماضي.
أختي العزيزة "هل":
بهذه الرسالة ينتهي حديثي إليك عن همزة الاستفهام الداخلة على أدوات الشرط، وسوف أحدثك في الرسالة القادمة إن شاء الله تعالى عن همزة الاستفهام الداخلة على الفعل الماضي "رأي".
أسأل الله تعالى أن يعين وأن يسدّد الخطا، وأن يهديني سبيل الرشاد.
والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
أختك
همزة الاستفهام
مراجع ما جاء ني هذه الرسالة
المراجع على وجه الإجمال:
١- تفسير أبي جعفر محمد بن جرير الطبري، الطبعة الثانية، الناشر، الحلبي بمصر.
٢- تفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي، الناشر: مكتبة النصر الحديثة بالرياض.
٣- تفسير أبي السعود، الناشر: مكتبة عبد الرحمن محمد بالقاهرة.
٤- تفسير القرطبي: نسخة مصورة عن طبعة دار الكتب المصدرة.
٥- تفسير الفخر الرازي، الطبعة الثانية. الناشر: دار الكتب العلمية بطهران.
стр. 15764
٦- الفتوحات الإلهية المعروفة بحاشية الجمل على الجلالين، الناشر: الحلبي بمصر.
٧- تفسير ابن كثير، الناشر: الحلبي بمصر.
٨- الكشاف للزمخشري الناشر: الحلبي بمصر.
٩- تفسير البيضاوي ومعه تفسير الجلالين، طبعة ثانية، الناشر: الحلبي بمصر.
١٠- إملاء ما منّ به الرحمن للعكبري، الطبعة الأولى، الناشر: الحلبي بمصر.
١١- مشكل إعراب القرآن لمكي بن أبى طالب، تحقيق محمد السواس، مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق.
١٣- مغني اللبيب لأبي هشام الأنصاري، تحقيق الدكتور/ مازن المبارك وزميله الطبعة الثانية، الناشر: دار الفكر.
١٣- شرح الرضى على كافية ابن الحاجب في النحو، نسخة مصورة، الناشر: دار الكتب العلمية: بيروت- لبنان.
١٤- همع الهوامع للسيوطي، نسخة. مصورة، الناشر: دار الصرفة: بيروت.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] إملاء ما مَنّ به الرحمن للعكبري ج ١ص ٧٥.
[٢] البحر المحيط لأبي حيان ج ١ ص ٤٨٠
[٣] مشكل إعراب القرآن لمكي ج ١ ص ٨٠.
[٤] الكشاف للزمخشري ج ١ ص ٣٣٨.
[٥] البحر المحيط لأبي حيان ج ١ ص. ٤٨٠.
[٦] البحر المحيط لأبى حيان ج ١ ص. ٤٨٠.
[٧] البحر المحيط لأبى حيان ج ١ ص ٣٠٠- همع الهوامع ج ٢ص ٧٤، مشكل إعراب القرآن لمكي ج ١ ص ٢٩- شرح الرضي على الكافية ج ٢ ص ١١٤.
[٨] المغني لابن هشام ج ١ ص ٣١٠، همع الهوامع للسيوطي ج ١ ص ٢١٥، شرح الرضي على الكافية ج ٣ ص ١٢٧.
[٩] المغني لابن هشام ج ١ ص ٣١٠، همع الهوامع للسيوطي ج ١ ص ٢١٥، شرح الرضي على الكافية ج ٣ ص ١٢٧.
стр. 15765
دلالة الأصل والتركيب بين ابن فارس والصاغاني
للدكتور يحيى عبد الرؤوف جبر
عمان - الأردن
يراد بالأصل والتركيب في اصطلاح ابن فارس والصاغاني ما درج المحدثون على تسميته بالمادة أو الجذر اللغوي الذي يكون منه الإشتقاق والبناء.
وسندور بهذه الدراسة القصيرة حول هذا الموضوع في كتابين هما "معجم مقاييس اللغة"لابن فارس "والعباب الزاخر واللباب الفاخر"للحسن بن محمد الصاغاني، أو هو الصًّغانيّ دون ألف بعد الصاد.
وجدير بالذكر أن أحداً من أعلام اللغويين القدماء لم يعرض لهذا النوع من التصور فيما نعلم. ولا نشك للحظة في أن الصغانيّ إنما فعل ما فعل إقتداء بابن فارس وجرياً على أسلوبه، فهو كثيراً ما يروى عنه، وينقل. غير أن هذا لا ينفي أن تكون للصغاني وجهة نظر مختلفة كثيراًَ أو قليلاً، أو أن يكون مذهبه أوسع أو أضيق مما كان عليه ابن فارس.
وقد ألمح ابن جني لذلك في خصائصه، غير أن الأمر لا يبدو واضحاً عنده، ونورد فيما يأتي عبارتين توضحان رأي ابن جني في هذا المجال، وذلك حيث يقول: فأما مقابلة الألفاظ بما يشاكل أصواتها من الأحداث فباب عظيم واسع ...
وذلك أنهم كثيراً ما يجعلون أصوات الحروف على سمت الأحداث المعبر بها عنها، فيعدلونها بها، ويحتذونها عليها، وذلك أكثر مما نقدره، وأضعاف ما نستشعره [١] وحيث يقول أيضاً: وذلك أنهم يضيفون إلى اختيار الحروف وتشبيه أصواتها بالأحداث المعبر عنها بها ترتيباً، وتقديم ما يضاهي آخره، وتوسيط ما يضاهي أوسطه، سوقاًَ للحروف على سمت المعنى المقصود [٢] ويضرب لذلك مثلاً "بحث"فيقول: فالباء لغلظها تشبه خفة الكف على الأرض، والحاء لصحلها تشبه مخالب الأسد وبراثن الذئب ونحوهما، إذا غارت في الأرض، والثاء للنفث والنبث للتراب.
стр. 15766
أما صاحبانا: ابن فارس والصغاني، فقد تبنيا هذه الفكرة، وهذا التصور، ولم تكد تخلو من الإشارة إليهما مادة من مواد معجميهما، غير أن ثمة ما هو جدير بالملاحظة، ذلك أن ابن فارس كان يقدم الدلالة العامة للأصل. أما الصغانيّ فعلى العكس من ذلك، حيث كان يؤخرها ويذيل بها شروحه لمعاني المادة، ومشتقاتها.
وقد يورد ابن فارس الأصل اللغويّ دون ذكر كلمة "أصل"ولكنه يباشر التفسير والشرح، ومن ذلك قوله [٣] في "أزف": الهمزة والزاء والفاء يدل على الدنو والمقاربة. يقال: أزف الرحيل، إذا اقترب ودنا- يريد الأصل وأزف.
وربما استخدم "كلمة"في موضع "الأصل"، ومن ذلك قوله في "بذل": الباء والذال واللام كلمة واحدة، وهو ترك صيانة الشيء. أما الشائع في معجمه فهو استخدام كلمة "الأصل".
وقد ينعت الكلمة والأصل بالتفرد أو الصحة أو غيرهما. ومن ذلك قوله السابق في "بذل"حيث نعت كلمة بـ "واحدة"، ومنه قوله [٤] : الباء والغين والراء أصل واحد ... وفيه كلمات متقاربة في الشرب ومعناه، فالبغر أن يشرب الإنسان ولا يروى، وهو يصيب الإبل [٥] أيضاً. وحكى بعضهم بُغرت الأرض، إذا لينها المطر [٦] .
ونستخلص من الأمثلة السابقة أن ابن فارس عندما يقول "كلمة واحدة"يريد أنه ليس في العربية غيرها من ذلك الأصل. أما الأصل فهو ما يشتق منه لمعناه العام، ويتضمن عدداً من المفردات والكلمات. ومما يوضح مذهبه في مصطلح "الكلمة"قوله في مادة "بيظ": الباء والياء والظاء كلمة ما أعرفها في فصيح كلام العرب، ولو أنهم ذكروها ما كان لإثباتها وجه، قالوا: البيظ ماء الفحل!.
وربما نعت الأصل بأنه صحيح، ومن ذلك قوله: العين والفاء والقاف أصل صحيح ... ، يريد أنه مادة من مواد العربية، وإن لم يكن شائعاً.
стр. 15767
وقد يأتي ابن فارس بمادة، فيفصل القول في معاني مشتقاتها ليقف على أنّ ثمة تبايناً فيما بينها، وأن يمكن أن تُبلْور في معنيين، ومن ذلك قوله في "عقر": العين والقاف والراء أصلان متباعدٌ ما بينهما، وكل واحد منهما مطردٌ في معناه، جامع لمعاني فروعه، فالأول الجرْح وما يشبهه من الهزم في الشيء. والثاني دالٌّ على ثباتٍ ودوام. فكأن صاحبنا يريد أن يقول إن لهذه المادة دلالتين.... وذلك أمر ليس صحيحاً، فالأصل في المادة أن تكون لدلالة واحدة، وسنناقش ذلك في ما يأتي.
ويدخل الصغانيّ المضعّف الرباعي في المادة الثلاثية، وكأنه يرى أن الأصل في الدلالة للحرفين الأول والثاني، بالرغم من أنه لم يصرح بذلك، ولكنا نراه في كلامه. ومن ذلك أنه أورد حفحف في حفّ، لمن ضاقت معيشته، والحفحفة من الأصوات. وأورد الرفرف والرفارف في مادة "رَفَّ".
والصغاني، كابن فارس، يورد أحيانا أن "التركيب" يدل على أكثر من معنى، ومن ذلك قوله في (ضفف) [٧] : "والتركيب يدل على الاجتماع، وعلى القلة والضعف"، وقوله في مادة (صيف) : "إن مدار التركيب يدل على زمان، وعلى مَيْل وعُدول".
ومن الطريف أن الصغانيّ كثيراً ما يتقفّى أثر ابن فارس في معجمه، ويترسم خطاه، ومن ذلك ما أورده في مادة (ظرف) من قوله- في آخرها: وقال ابن فارس في آخر هذا التركيب: "وما أحسب شيئاً من ذلك في كلام العرب" [٨] وما ورد في مادة (صعف) من قوله: وقال ابن فارس: "الصاد والعين والفاء ليس بشيء على أنهم يقولون الصَّعْف شراب" [٩] .
стр. 15768
ولعل ما ذهب إليه الرجلان من دلالة الأصل أو التركيب هو أول وأوضح ما وصل إليه المتقدمون على طريق تحديد دلالة المادة اللغوية، غير أن رؤيتهما لم تكن من الدقة والاكتمال بحيث ترتقي إلى مستوى الرؤية الحديثة، ولا عجب، فالحكم على الماضي بمعايير الحاضر أمر لا يصح بحال، كما أن في المستوى العلمي لعصرهما ما يكفي عذراً لهما. وهل يبدأ البنيان إلا من أسفل؟.
إن كثيراً من الدلالات التي أورداها لهذا الأصل أو ذاك مما قالا بتباينها واختلافها- هي في الحقيقة دلالة واحدة، ولكن نظرتهما إلى الدلالات المتباينة كانت تتم من زوايا مختلفة، وإن نظرة شموليةً للمعاني المختلفة لتقفنا على دلالة واحدة للمادة الواحدة، تجمع بينها كقاسم مشترك. وذلك هو الأصل في علم الدلالة، غير أن المرء قد يجد بين المعاني ما يشير إلى تباين، كأن يشير إلى وقوع أحدها على ما هو معنويّ، وآخرهما على ما هو ماديّ، فيصعب التوجيه إلا بتوسيع دائرة النظر، والتَّبصًّر في العلاقات الكامنة بين هذا وذاك.
ونورد في ما يأتي أمثلة تعكس الاختلاف في دلالة المادة الواحدة، ثم نعود لنبين أثر الاختلاف في الزاوية التي كان منها النظر في اختلاف الدلالة، ونخلص من ذلك بما يؤكد وحدة الدلالة للمادة الواحدة.
جاء في معجم المقاييس "فضح"قول ابن فارس: الفاء والضاد والحاء كلمتان متقاربتان تدل إحداهما على انكشاف شيء، ولا يكاد يقال إلا في قبيح، والأخرى تدل على لون غير حسن أيضاً، فالأول قولهم: فضح الضبح وفضَّح إذا بدا، ثم يقولون في التَّهتُّك: الفضوح، قالوا: وافتضح الرجل إذا بدت مساويه. وأما اللون، فيقولون: إن الفَضَح غُبْرةٌ في طُحْلةٍ [١٠] وهو لون قبيح، وأفضح البُسر [١١] إذا بدتْ منه حُمْره".
стр. 15769
وقبل أن نسترسل، يحسن أن نُقلِّب هذا القول، لنرى أن الدلالتين على اللون والانكشاف هما في الحقيقة دلالة واحدة، يمكن ترجمتها بقولنا "انقشاع حائل وظهورُ جديد"، وينفرع عن هذه الدلالة كل من الدلالات السابقة، فالغُبْرةُ في الطُّحْلة كبياض الفجر في سواد الليل سواء بسواء، وكاحمرار البُسر في خضرته، وقل مثل ذلك في انقشاع "ثوب الستر"عن الرجل لتبدو مساويه، وهذا الأخير من المعنويّ، وهو منشعب وناجم عن الدلالة لعلاقة مجازية.
وقال ابن فارس أيضاً [١٢] : "العين والقاف والراء أصلان متباعد ما بينهما، وكل واحد منهما مطردٌ في معناه، جامع لمعاني فروعه، فالأول: الجرح أو ما يشبه الجرح من الهزم في الشيء، والثاني دالّ على ثبات ودوام، فالأول قول الخليل: العُقْر كالجُرح ... يقال: عَقَرْتُ الفرس أي كَسَعْتُ قوائمه بالسيف، وفرس عقير ومعقور ... وتعقر الناقة حتى تسقط، فإذا سقطت نحرها مستمكناً منها ... وقول القائل: عَقَرْتَ بي، معناه أطلت حبسي، ليس هذا تلخيص الكلام، إنما معناه حبسه حتى أنه عقر ناقته، فهو لا يقدر على السير. وأما الأصل الآخر، فالعَقْر القَصْر الذي يكون معتمداً لأهل القرية يلجأون إليه. قال لبيد:
بأشباهٍ حُذين على منال وافر [١٣]
كعقر الهاجريِّ إذابتناه
أبو عبيد: "العقر كل بناء مرتفع ... ". قال الخليل: "عقر الدار محَلَّة القوم بين الدار والحوض، كان هناك بناء أولم يكن.... ومن الباب عُفْرُ النار: مجتمع جمرها".
стр. 15770
قلت: قوله فالأول قول الخليل: العقر كالجرح.... لا يعني أن العقر هو الجرح وإنما الذي نراه هو أنه أراد أن العقر كالجرح في ضم أوله وسكون ثانيه، ذلك إلى جانب أن هذا التوجيه لا يتنافى مع ما أورده عقب ذلك من قوله "عقرت الفرس، أي: كسعت قوائمه بالسيف"، ذلك أن العقر ليس جرحاً في أي موضع وعلى أية هيئة كانت. ولكنه جرح بالغ ويكون في الأعقاب عرضاً، بحيث يؤدي إلى قطع الأعصاب التي تتحكم في العضلات فتسقط الدابة، ومن ذلك قولهم كلب عقور، لأنه يأتي من وراء الإنسان فيعضه في عقبه أو عضلة ساقة "فيعقره"، وهذا مثل كسع قوائم الدابة، ومن هنا كان ما أردف به من قول القائل: عَقَرْت لي، أي: حبستني، وبهذا تكون الدلالة الأولى للعقر هي التثبيت في المكان واللبث عن السير، بقطع أسباب القيام والسير من الرجلين.
وننتقل إلى الدلالة الثانية التي أورها ابن فارس نقلاً عن شيوخه، وهي "مجتمع الناس والنار في المكان"على النحو الذي أوضحه، أي المكان الذي يلبثون فيه (ويثبتون) معظم أوقاتهم. وهكذا نرى أن الدلالتين التقتا، وأنهما في الحقيقة دلالة واحدة قائمة على معنى الثبات والتثبيت بشكل أو بآخر.... أليس الموت واحداً وإن تعددت الأسباب؟ والتشبع والريّ وإن اختلفت المأكولات والمشروبات؟.
ويلاحظ أثر اختلاف الزاوية المنظور منها في أن الدلالة (الأولى) كان النظر إليها من خلال العلة الكامنة وراء الحدث، ومراعاة لها، بينما كان النظر إلى الأخرى من خلال المكان الذي يتم فيه الحدث، كإطلاق كلمتي السنة والقحط على الجدب، الأولى لعلاقة الظرفية والثانية لعلاقة السببية.
ونسوق فيما يلي مثالاً من العباب يوضح التشابه الكبير بين الصغاني وابن فارس، وذلك حيث قوله في مادة (صرف) : "والتركيب معظمه يدل على رجع الشيء...، وقد شذّ عنه الصِّرْف للصِّبْغ"وقبل أن نمضي قدماً نتساءل أين تقع المعاني التالية من الدلالة على "رجع الشيء":
стр. 15771
١ - أصرف الشاعر، إذا أقوى في شعره.
٢ - والتصريف، بمعنى الاشتقاق.
٣ - وتصريف الخمر، بمعنى شُرْبها.
٤- وصَرَّفت الرجل في أمري تصريفاً، فوَّضْتُه.
وغيرهما؟ أم هي الأخرى شاذة كالصرف للصبغ؟ أم أنها من المجاز الذي ينبغي أن لا يُعوَّل عليه، وأن لا لوقف عنده حين البحث عن الدلالة الأصلية؟.
وبإلقاء نظرة شمولية على الدلالتين اللتين أوردهما الصغانيّ لمادة "صرف"نستطيع أن نقف على حقيقة مفادها أن تينك الدلالتين هما دلالة واحدة يمكن أن نبلورها في معنى "إحلال شيء مكان آخر، أو إزالة شيء ليكون آخر"ورجع الشيء يعني أن الشيء لا يكون فيكون وأن الأديم (الجلد) يكون ذا لون فيصبغ بمادة تغير لونه، وبذلك يكون شيء قد حل محل شيء آخر، وكأن اللون الأول رجع واختفى، وأسند الأمر إلى لون الصبغ.
وخلاصة القول أن لكل مادة أو أصل أو تركيب دلالة واحدة، وإن بدا خلاف ذلك فإنّ الأمر يقتضي مزيداً من البحث وإمعاناًَ بالنظر، وتقليباً لجوانبه، وسيؤدي ذلك بنا إلى قاسم مشترك يجمع بين ما بدا مختلفاً.
والغالب أن تكون الدلالة الأصلية لكل مادة محسوسة، أي: يمكن إدراكها بالحواس التي زود الله بها الجسم، وإن بدا خلاف ذلك فلابد من تعقب تاريخي لتطور دلالة المادة. وبعد، فإن ابن فارس، والصغاني من بعده ليعدان في طليعة أولئك الذين عرضوا للدلالة، وإن الفضل يعود إليهما في فتح ذلك الباب الذي هداهما الله إليه. ذلك بالرغم من أنهما لم يبلغا بذلك حداًَ علمياًَ دقيقاً يصلح لأن يرقى بمذهبهما إلى مستوى القاعدة أو النظرية.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] الخصائص – الطبعة المصرية ٢/١٥٧.
[٢] نفس المرجع ٢/١٦٣.
[٣] معجم المقاييس (أزف) .
[٤] نفس المرجع (بغر) .
стр. 15772
[٥] وهو الهيام، مرض يصيب الإبل. شرب الماء ولا ترتوي حتى تموت قال تعالى: ﴿فشاربون شرب الهيم﴾ جمع هيماء.
[٦] ويسمى التهاميون والعسيريون وفرة الأرض عقب المطر "بَغرة"، سمعت ذلك منهم، وليس عندهم غيره فيما نعلم، وهو أن تصبح الأرض صالحة للحرث.
[٧] العباب (ضفف) .
[٨] معجم المقاييس (ظرف) .
[٩] نفس المرجع (صعف) .
[١٠] الطحلة: السمرة الشديدة، أخف من السواد.
[١١] البسر: البلح قبل أن يخالطه اللون.
[١٢] مادة (عقر) .
[١٣] ديوان لبيد ط ١٨٨٠ ص ١١٢.
стр. 15773
دور كلية القرآن الكريم مراجعة المصاحف
إعداد: قسم القراءات
بعون من الله وفضل نتناول تحت هذا العنوان بالدرس والتحليل كل ما يرد إلى كلية القرآن الكريم من طبعات للمصحف الشريف في هذه الفترة التي راجت فيها سوق الطباعة وازدهرت وتنافست المطابع ودور النشر في إخراج طبعات من المصحف الشريف.
كل يريد أن يفوز بقصب السبق في هذا الميدان ويحرز شرف خدمة كتاب الله ونتج عن هذا التنافس الشريف وقوع بعض الأخطاء في بعض طبعات المصحف، الأمر الذي لا يقره ولا يسكت عليه كل مسلم غيور على القرآن الكريم، فالحق أحق أن يتبع. ولقد دأبت كلية القرآن الكريم منذ إنشائها على مراجعة الكثير من طبعات المصاحف وتصويب الأخطاء المطبعية التي ظهرت في تلك الطبعات، وذلك بإرسال تقارير مفصلة إلى دور النشر التي لوحظ على طبعاتها بعض الملاحظات، سواء أكانت هذه الملاحظات جوهرية أم فنية، أم كانت من جهة المخالفة لقواعد الرسم العثماني وقواعد الضبط، وإيماناً منا بواجب الحفاظ على كتاب الله ﵎ نرجو من كل مسلم أن يتعاون معنا ويوافينا بأية ملاحظة يقع عليها بصره أثناء تلاوته كتاب ربه سبحانه، مبيناً نوع الخطأ المطبعي الذي رآه، ورقم الصفحة، واسم السورة وعنوان الناشر، حتى يتسنى لنا القيام بواجب التناصح نحو كتاب الله رب العالمين، ولنذكر نموذجاً من الملاحظات التي وردت إلى كلية القرآن الكريم على سبيل المثال لا على سبيل الحصر:
١- ورد إلينا نسخة من مصحف الحرمين الشريفين المطبوع بدار الفكر ببيروت سنة ١٣٩٩ هـ (١٩٧٩ م) :
стр. 15774
وبعد المراجعة لاحظنا وقوع عدة أخطاء في طبع هذا المصحف الشريف وأن منها ما هو متعلق بالنص القرآني، ومنها ما هو متعلق بالرسم العثماني ومنها ما هو متعلق بالضبط، وقد أعددنا تقريراً مفصلاً وشاملاً لكل هذه الأخطاء، حتى يتسنى للمسئولين بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة مخاطبة الجهات المختصة لاتخاذ اللازم نحو الإتصال بدار الفكر ببيروت لوجوب تصحيح هذه الأخطاء، حفاظاً على كتاب الله تعالى وعدم السماح لأي دار من دور الطباعة بطبع مصحف من المصاحف إلا بعد عرضه على لجنة مراجعة المصاحف، صوناً له من الخطأ.
وفي هذه الأيام جاءتنا نسخة أخرى من مصحف الحرمين الشريفين طبعت بدار الفكر ببيروت سنة ١٤٠٣ هـ (١٩٨٣ م) :
فقمنا بمراجعتها، فاتضح لنا أن الأخطاء التي لاحظناها على النسخة الأولى المطبوعة سنة ١٣٩٩ هـ (١٩٧٩م) . والصادرة من نفس دار الفكر ببيروت لم تصوّب بأكملها، بل صوّب منها البعض وترك البعض الآخر دون تصويب.
وها هي ذي الأخطاء التي لم تصوّب وظهرت في الطبعة الثانية:
سورة آل عمران
حكم الكلمة وكيفية كتابتها
رقم الآية
رقم الصفحة
الكلمة كما وردت في المصحف المراجع
تضبط بإلحاق ألف صغيرة بعد العين مكان الألف المحذوفة رسماً هكذا ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ .
٩٦
٦٣
لِّلعَلَمين
سورة الأعراف
حكم الكلمة وكيفية كتابتها
رقم الآية
رقم الصفحة
الكلمة كما وردت في المصحف المراجع
ترسم الألف ياء في هذين الموضعين الواقعين في هذه السورة مع وضع ألف صغيرة فوق الياء هكذا ﴿بِسِيمَاهُمْ﴾ .
٤٦، ٤٨
١٥٧
بِسيمهم - معا -
توضع ألف ملحقة صغيرة بعد العين للدلالة على الألف المحذوفة هكذا: ﴿الْعَالَمِينَ﴾ .
٦٧
١٥٩
العَلَمِينَ
سورة يونس
حكم الكلمة وكيفية كتابتها رقم الآية
رقم الصفحة
الكلمة كما وردت في المصحف المراجع
стр. 15775
ترسم ياء. بعد النون هكذا.: ﴿تغنِي﴾ فقد اتفقوا على إثبات ياء هذا الفعل رسماً واتفق القراء أيضاً على إثبات يائه وقفاً اتباعاً للرسم، وأما في حالة الوصل فإنها تحذف تخلصاً من الساكنين. هذا، ولم تحذف ياء الفعل إلا في قوله تعالى: ﴿فَمَا تُغنِ النُّذُر﴾ . بالقمر "٥ ". وبالنظر إلى هذا الموضع وجدناه صحيحاً رسماً.
١٥١
٢٢١
وَمَا تُغنِ الآياتُ
سورة هود
حكم الكلمة وكيفية كتابتها
رقم الآية
رقم الصفحة
الكلمة كما وردت في المصحف المراجع
ترسم بحذف الألف عند أبي داود وعلى ذلك العمل هكذا: ﴿تخاطبني﴾ .
هذا وقد نظرنا إلى موضع ﴿المؤمنون﴾ الآية-٢٧- فوجدنا رسمه صحيحاً
٣٧
٢٢٦
وَلاَ تُخَاطِبنِي
سورة يوسف
حكم الكلمة وكيفية كتابتها رقم الآية
رقم الصفحة
الكلمة كما وردت في المصحف المراجع
تحذف الألف التي بعد الهمزة هكذا: ﴿قُرءَانًا﴾ هذا وموضع الزخرف الآية "٣"صحيح رسماً.
٢
٢٣٦
قُرءَانًا عَربِيًّا
تضبط بوضع العلامة المعينة الشكل الآتية فوق آخر الميم قبيل النون المشَددة للدلالة على الإشمام وهو ضم الشفتين مقارناً لسكون الحرف المدغم أعنى النون فتكتب هكذا: ﴿لاَ تأمَنَّا﴾ وضم الشفتين هنا كمن يريد النطق بضمة إشارة إلى أن الحركة المحذوفة ضمة، لأن هذا الفعل مرفوع وأصله تأمننا.
و (لا) هنا نافية وليست ناهية
١١
٢٣٧
مَا لَكَ لاَ تأمَنَّا
ويجوز للقراء العشرة ما عدا أبا جعفر اختلاس حركة النون الأولى كما يجوز لهم الإدغام مع الإشمام، أما أبو جعفر فإنه يقرأ بالإدغام المحض. تحذف الواو التي هي صورة للهمزة اتفاقاً هكذا: ﴿رُءيَى﴾
١٠٠
٢٤٨
رُؤيَى
سورة النحل
حكم الكلمة وكيفية كتابتها رقم الآية
رقم الصفحة
الكلمة كما وردت في المصحف المراجع
стр. 15776
تجعل صورة للهمزة هكذا: ﴿مطمَئِنَّة﴾ ١١٢
٢٨١
مُطمَئنَّةً
سورة الكهف
حكم الكلمة وكيفية كتابتها رقم الآية
رقم الصفحة
الكلمة كما وردت في المصحف المراجع
الصواب وضع كسرة تحت اللام هكذا: ﴿لأدَمَ﴾
٥٠
٣٠٠
لأََدَمَ
سورة الحج
حكم الكلمة وكيفية كتابتها رقم الآية
رقم الصفحة
الكلمة كما وردت في المصحف المراجع
ترسم بحذف صورة الهمزة وتجعل الهمزة فوق المتسع الذي بين الباء وبسط ياء الإعراب من هذا الجمع هكذا ﴿والصَّبِئِينَ﴾
هذا وقد اطلعنا على موضع البقرة فوجدناه صحيح الرسم وذلك في الآية رقم "٦٢" وإنما لم تصور الهمزة لئلا يؤدي ذلك إلى اجتماع الصورتين، وهذه قاعدة عامة.
١٧
٣٣٥
وَالصَّبِئينَ
سورة النور
حكم الكلمة وكيفية كتابتها رقم الآية
رقم الصفحة
الكلمة كما وردت في المصحف المراجع
تكتب ألف قبل لام التعريف وتضبط بوضع علامة همزة الوصل فوقها هكذا: ﴿أُوْلُواْ الْفَضْلِ﴾ .
أما الألف التي بعد الواو التي هي علامة للرفع فهي زائدة رسماً ساقطة لفظاً فقد اتفق علماء الرسم على زيادة الألف بعد الواو المتطرفة سواء أكانت للجمع أم للفرد، أم صورة للهمزة على تفصيل مذكور في كتب الرسم إلا كلمات معينة خرجت عن هذه القاعدة.
٢٢
٣٥٣
أُوْلُوالفَضْلِ
سورة الفرقان
حكم الكلمة وكيفية كتابتها
رقم الآية
رقم الصفحة
الكلمة كما وردت في المصحف المراجع
تثبت الألف التي بعد الياء رسماً عند الشيخين هكذا: ﴿وَعُمْيَاناً﴾ والعمل على ذلك وحذفها انفرادة.
٧٣
٣٦٧
وَعُميَنًا
سورة القمر
حكم الكلمة وكيفية كتابتها رقم الآية
رقم الصفحة
الكلمة كما وردت في المصحف المراجع
تجعل الألف صورة للهمزة الأولى لا للثانية هكذا: ﴿أءُلْقِيَ﴾ .
стр. 15777
هذا وقد راجعنا موضع سورة ص وهو: ﴿أءُنزِلَ﴾ فوجدناه موافقاً لما عليه علماء الرسم، فإنهم يجعلون الصورة للأولى إذا كانت الثانية مضمومة أو مكسورة إلا ما استثنى وللثانية إذا كانت أخراهما مفتوحة مثل: ﴿ءَ أَنذَرْتََهم﴾ على تفصيل مذكور في كتب الرسم.
وإنما لم يصوروا كلا من الهمزتين لئلا يؤدي ذلك إلى اجتماع الألفين.
٢٥
٥٣٠
ءَ أُلْقِيَ
سورة القلم
حكم الكلمة وكيفية كتابتها رقم الآية رقم الصفحة
الكلمة كما وردت في المصحف المراجع
تحذف الألف التي بعد الباء ولا ترسم ياء وتضبط الكلمة بإلحاق ألف صغيرة للدلالة على الألف المحذوفة هكذا: ﴿فَاجْتَبَهُ﴾
٥٠
٥٦٧
فَاجتَبَهُ
٢- ورد إلينا نسخة من المصحف الذي عنيت بطبعه شركة الشمرلي بالقاهرة بخط محمد سعد إبراهيم الشهير بحداد والذي طبع بتصريح من مشيخة الأزهر ومراقبة البحوث والثقافة الإسلامية وتقرير اللجنة المختصة الصادر في ١٥/٧/ ١٩٧٩ م. وباطلاعنا على قدر منه تبين لنَا أن هناك خطأ جوهرياً في لفظ ﴿فِطْرَتَ﴾ في قوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ . الآية "٣٠ "من سورة الروم:
فقد جاء هذا اللفظ في المصحف المذكور مضبوطاً بوضع كسرة تحت التاء. والصواب وضع فتحة فوقها هكذا. ﴿فِطرَتَ﴾ .
٣- ورد في تفسير الإمامين الجلالين طبعة شركة الشمرلي بالقاهرة تحقيق الدكتور شعبان محمد إسماعيل المدرس بجامعة الأزهر والذي طبع بتصريح من مشيخة الأزهر الشريف ومراقبة البحوث والثقافة الإسلامية وتقرير اللجنة المختصة الصادر برقم (٢٩٧) بتاريخ ٥/ ٥/١٩٧٧ م.
ورد في تفسير سورة يونس صفحة رقم ١٧٣ قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ الآية رقم "٢٦ "والصواب ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ .
стр. 15778
٤- ورد إلينا نسخة من المصحف المطبوع على نفقة محمد علي بيضون بإذن من دار الفتوى اللبنانية رقم ٢٢ لعام ١٩٧٧ م.- الطبعة الثالثة- ١٤٠٢ هـ- ١٩٨٢ م. وبمراجعة هذا المصحف تبين لنا أن في بعض ورقات المصحف المذكور تداخلاً في السور الآتية: المؤمنون، النور، الفرقان، الشعراء، النمل بمعنى أن الوجه الأولى من كل ورقة من الورقات المذكورة مشتمل على آيات من سورة والوجه الثاني مشتمل على آيات من سورة أخرى.
هذا ... وبعد أن قدمنا نموذجاً من الأخطاء المطبعية التي ظهرت في بعض طبعات المصاحف نتيجة للسرعة وعدم مراقبة الإنتاج أحياناً، ولعدم العناية والتثبت العلمي أحياناً أخرى ...
نهيب بكل مسلم... أن يبذل قصارى جهده في رجاء المسئولين أن يتخذوا ما يلزم ويعملوا على مصادرة. أي مصحف وقع فيه خطأ ويأمروا بإحراقه صوناً لكتاب الله، وتحقيقاً لوعده الكريم ﴿إنا نحنُ نَزلنَا الذِّكرَ وَإِنا له لحفِظونَ﴾ والله نسأل أن يوفقنا لخدمة كتابه العزيز، والعمل بما فيه فهو الموفق والله الهادي إلى سواء السبيل ...
مراجع البحث
١- متن مورد الظمآن في رسم القرآن للخراز.
٢- متن الذيل في علم الضبط للخراز أيضاً.
٣- دليل الحيران شرح مورد الظمآن للمارغني التونسي، وهو شرح لمتن الذيل أيضاً. ط تونس.
٤- سمير الطالبين في رسم وضبط الكتاب المبين للشيخ علي الضباع. ط عبد الحميد حنفي بمصر.
стр. 15779
العدد ٦٩-٧٠
فهرس المحتويات
١- أطيب النشر في تفسير الوصايا العشر: الدكتور مرزوق بن هياس آل مرزوق الزهراني
٢- المنهج في البحث
٣- أطيب النشر في تفسير الوصايا العشر (١) : الدكتور مرزوق بن هياس آل مرزوق الزهراني
٤- أطيب النشر في تفسير الوصايا العشر (٢) : الدكتور مرزوق بن هياس آل مرزوق الزهراني
٥- أطيب النشر في تفسير الوصايا العشر (٣) : الدكتور مرزوق بن هياس آل مرزوق الزهراني
٦- أطيب النشر في تفسير الوصايا العشر (٤) : الدكتور مرزوق بن هياس آل مرزوق الزهراني
٧- أطيب النشر في تفسير الوصايا العشر (٥) : الدكتور مرزوق بن هياس آل مرزوق الزهراني
٨- استِدْرَاكَاتٌ عَلَى كِتَاب تَارِيخِ التّرَاثِ العَرَبِيِّ فِي كُتُبِ التّفسِيرِ: للدكتور حكمت بشير ياسين
٩- مسائل في النحو أجاب عليها أبو البقاء يعيش بن علي ابن يعيش الحلبي
١٠- عُقُودُ الزّبَرْجَدِ عَلَى مُسْنَدِ الإمَام أحمَدَ فِي إعرَاب الحَدِيثِ: تأليف: جلال الدين السيوطي تحقيق: الدكتور حسن موسى الشاعر
١١- رسائل لم يحملها البريد: للشيخ عبد الرءوف اللبدي
١٢- الزَّلاَّقة مَعركَةٌ مِنْ مَعَارِكِ الإِسْلاَمِ الحَاسِمَةِ فِي الأندَلُس: للدكتور جميل عبد الله محمد المصري
عمادة البحث العلمي - جميع الحقوق محفوظة ١٤٢٣ هـ / ٢٠٠٢ م
стр. 15780
أطيب النشر في تفسير الوصايا العشر
الدكتور مرزوق بن هياس آل مرزوق الزهراني
أستاذ مساعد بكلية الحديث الشريف والدراسات الإسلامية
الجامعة الإسلامية - المدينة المنورة
المقدمة
الحمد لله أجل الحمد وأوفاه، والصلاة والسلام على أفضل رسل الله، سيدنا محمد ابن عبد الله، الذي بعثه ربه للعالمين رحمة، ولهداية البشر اصطفاه، وبه ختم الأنبياء، فلا نبوة بعده لأحد من خلق الله، وأنزل الله عليه الكتاب معجزة خالدة، وتبيانا لما فيه سعادة الإِنسان في أولاه وأخراه، وصلى الله على آله الأطهار، وأصحابه الأبرار، ومن اقتفى أثره وترسم خطاه.
أما بعد:
فهذه نظرات علمية، وتأملات فكرية في معاني آيات من كتاب الله ، ضمت الآيات أموراً هي قوام المجتمع الإسلامي وأسس مثالية الحياة لكل إنسان وفقه الله وبفضله ورحمته اجتباه، تلكم الأمور هيَ المسماة (الوصايا العشر) والآيات التي ضمت هذه الوصايا هي المبدوءة بقوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [١] .
وقد يخطر في ذهن القارئ الكريم أن يسأل عن سبب عنايتي بهذا الموضوع دون سواه من موضوعات الشريعة التي تزخر بكثير من المسائل في العديد من الأبواب. وجوابي عن هذه الخاطرة أن الحافز إلى هذا العمل أمران:
١- حب المعايشة لكتاب الله . ولأن هذه الوصايا عليها مدار الإسلام، وهي أسس النجاة وقوارب الفوز لعبور أمواج بحار الحياة العاتية، فالمستمسك بها تَحصل له السلامة في الدنيا والنجاة في الآخرة.
стр. 15781
٢- إن كتاب الله هو المصدر الأول للشريعة الإسلامية، والسنة النبوية المصدر الثاني المبين والمفصل لما جاء في المصدر الأول فالعناية بهما أوجب الواجبات والتعرف على شيء من كنوزهما جهد المقل، وما عداهما من العلوم ففرع عنهما أو خادم لهما، وقد كنت عايشت سنة رسول الله صلى بعض الشيء، وتاقت نفسي إلى جلسات جمع كتاب الله ، فرأيت أن أبدأ بدراسة تلك الوصايا المباركة رجاء أن تكون وصيتي لنفسي كما هي وصية الله إلى عباده جميعا، ووصية نبي الله إلى أمته، ومما تجدر الإشارة إليه هنا إعطاء القارئ الكريم نبذة عن نظرتي إلى هذه الوصايا. فأقول سائلا الموَلى جل ثناؤه التوفيق لكل خير، والبعد عن المزالق والزلل: إن المتأمل لتلك الآيات التي وردت بعد الحديث عن تشريعات الأنعام والثمار يجد أن تلك الوصايا هي قواعد هذا الدين الذي جد في بناء المجتمع الإنساني بناء يليق بمقامه واصطفائه، ففيها سعادة بني الإنسان إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فهي قوام حياته تذكي جذوة التوحيد في نفسه لتحرق تلك الجذوة أوهام الجاهلية، وتبيد تصوراتها، وتكشف زيف مزاعمها، فتملأ قلب الإنسان بنور الإيمان الذي يضيء له الطريق عبر مشواره الطويل إلى أن يلقى ربه علىَ صراط مستقيم، ويجد المتأمل أيضا أن هذه الوصايا قوام حياة الأسرة الإنسانية التي يتكون منها المجتمع البشري عبر أجيالها المتلاحقة، فكل أسرة تستمد هدايتهَا من هذا المنهل العذب فإنها تؤتي ثمارها طيبة مباركة بإذن ربها محفوفة برعاية الله في كل ما يحوط الحقوق الإنسانية من ضمانات، وتسعد بكل ما يدفع إلى القيام بالواجبات، وتقدمت الإشارة إلى أن الدين الإسلامي عني ببناء المجتمع الإسلامي الذي بناؤه نابع من صلاح الأسَرة، ومن هذه الوصايَا ندرك القدر العظيم في بناء المجتمع الذي جعل الدين الإسلامي التكافل أحد لبناته، فالعفة والطهارة تحوط
стр. 15782
كل ما يجري فيه من معاملات، كل ذلكَ مرتبط بعهد الله ولتحقيق هذه الغاية يرى المتأمل أن الوصايا بدأت بأعظم أسس إصلاح المجتمع وهي أسس عظيمة لكن توحيد الله في المقام الأول، فالمجتمع السليم يقوم على المبدأ السليم ولا حياة لمجتمع يفقد العقيدة النقية الموافقة لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ فإذا صحت العقيدة صح بناء المجتمع وإذا فسدت العقيدة فسد المجتمع، وبصحة العقيدة تصح العبادات، وإذا صحت العبادات أثمرت الأعمال وقوي الرجاء في النجاة بين يدي الله ما لم يتخلف القبول بسبب خارجي، ولهذا فإن اللازم قبل الدخول في الأوامر والنواهي، وقبل الشروع في التكاليف والواجبات أن تقوم في المجتمع قاعدة التوحيد قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [٢] وقال رسول الله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا لا إله إلا الله ... " [٣] الحد يث. وقال لما بعث معاذاً إلى اليمن: " ... فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله ... " [٤] وق ـد عني الكتاب والسنة بالتوحيد وجعله قاعدة أساسية لجميع الأعمال، منها تستمد الحقوق والواجبات، وقد رتب الِإسلام على العقيدة ما رتب من الولاء والبراء، وما وضع من الشرائع والأحكام فيجب أن يعترف الإنسان في هذا العصر المليء بالمتناقضات بربوبية الله له في كل شأن من شئون حياته، كما يجب أن يعترف بالله إلهاً واحداً، لا شريك له في ألوهيته ولا في أسمائه وصفاته، ولا ريب أن المتأمل يجد في هذه الوصايا تحديدا للمنهج الذي يجب أن يسير عليه كل مسلم إنه المنهج الإسلامي الرفيع الذي يقدم الأسلوب الوقائي على الأسلوب العلاجي، ولا يعرض الناس لَلفتنة ثم يكلفهم مشقة في المقاومة تتلف أعصابهم وتهدر طاقاتهم، إن الإسلام دين وقاية قبل أن يرسم الحدود ويوقع
стр. 15783
العقوبات فهو دين حماية للفرد والأسرة والمجَتمع، يرعى الإنسان في شئون دنياه ويرشده في أمور آخرته، يحمي الضمير الإنساني فلا يهجس فيه إلا خير ولا ينطوي إلا على صفاء الاعتقاد، ونداء الحق، وهاتف الخير، ومراقبة الله في السر والعلانية، إنه دين صيانة المشاعر، إذ يرشد إلى سمو الأخلاق، ويحذر من الإساءة أياً كان مصدرها والباعث عليها، واعتنى بالحواس فأرسى قواعد تهذيبها، ووطَد دعائم حماية الجوارح، والحماية منها أيضا جعل لكل ذلك قانونه وضوابطه في شتى مجالات الأعمال الدنيوية والأخروية. وربك أعلم بمن خلق وهو اللطيف الخبير.
الباحث
--------------------------------------------------------------------------------
[١] الآيات (١٥١-١٥٣) من سورة الأنعام.
[٢] الآية (١٩) سورة محمد.
[٣] أخرجه الإمام البخاري (الصحيح مع الفتح١/٧٥) .
[٤] أخرجه الإمام البخاري (المصدر السابق ٣/ ٢٦١)
стр. 15784
عُقُودُ الزّبَرْجَدِ عَلَى مُسْنَدِ الإمَام أحمَدَ
فِي إعرَاب الحَدِيثِ
تأليف: جلال الدين السيوطي
تحقيق: الدكتور حسن موسى الشاعر
أستاذ مشارك بكلية اللغة العربية بالجامعة
مسند أنس بن مالك (١) ﵁
٤٩- حديث الشفاعة، قوله: "يُجْمَعُ المُؤْمِنُونَ يَوْمَ القيامة فَيُلْهَمُونَ ذلك".
قال أبو البقاء: (ذلك) إشارة إلى المذكور بعده، وهو حديث الشفاعة. ويجوز أن يكون قد جرى ذكره قبل، فأشار بذلك إليه، ثم ذكر بعد منه طائفة.
وقوله: "فيقولون لو اسْتَشْفَعْنا على رَبِّنا".
عدّى (استشفعنا) بعلى، وهي في الأكثر تتعدّى بإلى، لأن معنى استشفعت توسلت، فتتعدى بإلى، ومعناها أيضاً استعنت، يقال: استشفعتُ إليه واستعنتُ عليه، وتحمّلت عليه بمعنى واحد. ومن هذا قول الشاعر:
إذا رَضيَتْ عَلىَّ بنو قُشَيرٍ
] لَعمرُ أبيكَ أعجبني رضاها [ (٢)
стр. 15785
فعدّاه بعلى. قال أبو عبيدة: "إنما ساغ ذلك لأن معناه أقبلت علىّ". انتهى.
قلت: في رواية للبخاري "لو استشفعنا إِلى ربّنا" بإلى على الأصل.
قال الكرماني: وجواب "لو" محذوف، أو هي للتمني.
وقال الطيبي: "لو" هي المتضمنة للتمني والطلب. وقوله (فَيُريحَنا) منصوب بأن المقدّرة بعد الفاء الواقعة جواباً للو. وقوله: (أأنت آدم) من باب:
أنا أبو النجم وشِعْري شِعْري
ثم قال أبو البقاء: وقوله: "لَسْتُ هُنَاكمُ": (هنا) في الأصل ظرف مكان وقد استعملت للزمان، ومعناها هاهنا عند، أي لست عند حاجتكم أنفعكم، والكاف والميم لخطاب الجماعة. وقوله: "فيستحي ربَّه من ذلك" الأصل فيستحي من ربّه فحذف (من) للعلم بها، كقوله تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً﴾ (١) أي من قومه. ويجوز أن لا يكون فيه حذف، ويكون المعنى يخشى ربَّه أو يخاف ربَّه، لأن الاستحياء والخشية بمعنى واحد. وقوله: "ولكن ائتوا موسى عَبْدٌ" تقديره: هو عبد. ولو نصب جاز على البدل أو على الحال، والرفع أفخم. وقوله: "ائتوا عيسى عَبْد الله" الرفعِ فيه أجود كما رفع ما قبله على التعظيم، ويجوز النصب على الصفة. وقوله: "ائتوا محمداً ﷺ عَبْداً غفر الله له" فنصب هاهنا على البدل أو الحال أو على إضمار أعني، ولو رفع كما رفع (عَبْدٌ كلّمه الله) لجاز. وقوله: "أنتظر أُمتِي تَعْبُرُ الصِّراط" التقدير: أنتظر أمتي أن تعبر، فأن والفعل في تقدير مصدر موضعه نصب بدلاً من أمتي بدل اشتمال، ولما حذف (أن) رفع الفعل، ونصبه جائز.
وقوله: "فالخَلْقُ مُلْجَموُنَ في العَرَق" يجوز أن يكون المعنى أنهم في العرق ملجمون بغيره، فيكون (في العرق) خبراًَ عن الخلق، و (مُلْجَمون) خبراً آخر. ويجوز أن يكون (في) بمعنى الباء، ويكون العرق ألجمهم. هذا كلُّه كلام أبي البقاء
وقوله: "فَاحْمَدُهُ بِمَحامِدَ لا أقدر عليه الآن".
стр. 15786
قال النووي: هكذا هو في الأصول "لا أقدر عليه" وهو صحيح، ويعود الضمير في (عليه) إلى الحمد.
وقوله في الرواية الأخرى: "لستُ لها".
قال الطيبي: اللام متعلقة بمحذوف. واللام هي التي في قولك: أنت لهذا الأمر، أي كائن له ونختص به. وعلى هذا قوله: "أنا لها" وقوله: "ليس ذلك لك".
٥٠ - حديث الغار، قوله: "إِنَّهُ كانَ لي والدان فكُنْتُ أَحْلِبُ لَهمُا في إنائِهما فآتيهما، فإذا وَجْدتُهما راقِدَيْن قُمْتُ عَلى رُؤُوسِهما كرَاهِيةَ أنّ أَرُدِّ سِنَتَهمُا في رُؤوسهما حتّى يستيقظان متى استيقظا".
قال أبو البقاء: هكذا وقع في هذه الرواية "حتى يستيقظان" بالنون، وفيه عدة أوجه: أحدها: أن يكون ذلك من سهو الرواة، وقد وقع ذلك منهم كثيراً، والوجه حذفها بحتى، لأن معناها إلى أن يستيقظا، وتتعلق بقمت.
والثاني: أن يكون ذلك على ما جاء في شذوذ الشعر، كقوله:
أَنْ تقرآنِ عَلى أسْماء وَيحكُما
مِنيّ السَّلامَ وأَنْ لا تُخْبِرا أَحَدا (١)
والثالث: أن يكون على حذف مبتدأ، أي حتى هما يستيقظان.
وقوله: "متى استيقظ" تقديره: سقيتهما. ويجوز أن يكون المعنى أؤخر أو أنتظر أي وقت استيقظا. انتهى.
٥١ - حديث الأوعية، قوله: "فالرصاص والقارورة، قال: ما بأس بهما".
стр. 15787
قال أبو البقاء: جعل اسم (ما) نكرة والخبر جار ومجرور، والأكثر في كلامهم أن يقدّم هاهنا الخبر، فيقال: ما بهما بأس. وتقديم المبتدأ جائز لأن البأس مصدر، وتعريف المصدر وتنكيره متقاربان. وقد قالوا: "لا رجلٌ في الدار". فرفعوا بلا النكرة. و (ما) قريب منها. ويجوز أن يحمل (ما) على (لا) .
٥٢ - حديث "لا تَزالُ جَهَنَّمُ تقول "هَلْ مِنْ مَزيد" حتى يَضَعَ فيها رَبُّ العِزَّةِ قَدَمه، فتقول: "قَطْ قَطْ وعِزَّتِك".
قال الأندلسي في شرح المفصّل: (قَطْ) المخففة معناها حَسْب، وهي مبنية على السكون لوقوعها موقع فعل الأمر، وتدخلها نون الوقاية حرصاً على إبقاء سكونها. قال:
امتلأ الحَوْضُ وقال قَطْني
وربما حذفت نون الوقاية منها، مثله في عني ومني (١) . وإنما لم تُبنَ حَسْب وإن كانت في معناها لأنها لم توضع في أول أحوالها وضع الفعل كما فُعل بقط، لأنك تصرفها فتقول أحسبني الشيء إحساباً، وهذا حَسْبُك أي كافيك، فلما تصرّف بهذه الوجوه دون قَط أُعرب ولم يُبْنَ، وتنون قَطْ هذه في التنكير لأنها بمنزلة صَهْ ومَهْ.
٥٣- حديث "قوموا فلأصلّي لكم".
قال أبو البقاء: لم يقل (بكم) لأنه أراد من أجلكم لتقتدوا بي. انتهى.
стр. 15788
وقال إن مالك في التوضيح: يروي قوله (فلأصلّي) بحذف الياء وبثبوتها مفتوحة وساكنة، واللام عند ثبوت الياء مفتوحة لام كي، والفعل بعدها منصوب بأن مضمرة، وأن الفعل في تأويل مصدر مجرور، واللام ومصحوبها خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: قوموا فقيامكم لأصلي لكم. ويجوز على مذهب الأخفش أن تكون الفاء زائدة، واللام متعلقة بقوموا، واللام عند حذف الياء لام الأمر، ويجوز فتحها على لغة سُليم، وتسكينها بعد الفاء والواو وثُمّ على لغة قريش، وحذف الياء علامة الجزم. وأمر المتكلم نفسه بفعل مقرون باللام فيصح قليل في الاستعمال، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ (١) . وأمّا في رواية من أثبت الياء ساكنة فيحتمل أن تكون اللام لام كي وسكنت الياء تخفيفاً، وهي لغة مشهورة، أعني تسكين الياء المفتوحة، ومنه قراءة الحسن ﴿وذروا ما بَقِيْ من الرّبا﴾ (٢) وقرىء ﴿فَنَسيْ﴾ (٣) و ﴿ثانيْ اثنين﴾ (٤) بالسكون. ويحتمل أن تكون اللام لام الأمر وثبتت الياء في الجزم إجراء للمعتل مجرى الصحيح، كقراءة قُنْبُل. . ﴿إنه من يتقيْ ويصبر﴾ .
وقال الزركشي: قال ابن السّيد: يرويه كثير من الناس بالياء، ومنهم من يفتح اللام ويسكن الياء ويتوهمونه قَسَما، وذلك غلط، لأنه لا وجه للقسم، ولو كان لقال فلأصلينّ، بالنون. وإنما الرواية الصحيحة (فلأصلّ) على معنى الأمر. والأمر إن كان للمتكلم والغائب كان باللام أبدا، وإذا كان للمخاطب كان بلام وغير لام.
قوله: "وصَفَفْتُ أنا واليتيم وراءه".
стр. 15789
قال الزركشي: بنصب اليتيم ورفعه. ويروى "وصففت واليتيم"من غير توكيد. والأول أفصح، إذ لا يعطف غالباً على الضمير المرفوع إلاّ مع التأكيد، كقوله تعالى: ﴿اسْ كُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ (١) .
٥٤- حديث "مرّ النبي بِتمْرَةٍ مسقوطة".
قال الكرماني: القياس أن يقال سَاقطة، لكنه قد يجعل اللازم كالمتعدّي بتأويل، كقراءة من قرأ ﴿وعُموا وصُمّوا﴾ (٢) بلفظ المجهول.
التيمي: هي كلمة غريبة لأن المشهور أن (سقط) لازم، على أن العرب قد تذكرِ الفاعل بلفظ المفعول وبالعكس إذا كان المعنى مفهوماً. ويجوز أن يقال جاء (سُقِط) متعدياَ أيضاً بدليل قوله تعالى: ﴿سُقِطَ فِي أَيْدِيهِم﴾ . قال الخطابي: "يأتي المفعول بمعنى الفاعل كقوله تعالى: ﴿كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً﴾ (٣) أي آتيا". [انتهى] .
وقال ابن مالك: (مسقوطة) بمعنى مُسقَطة، ونظيره مرقوق بمعنى مُرَقّ أي مسترق، عن ابن جني، ومثله أيضاً رجل مفؤود أي جبان، ولا فعل له، [إنما يقال فُئد بمعنى مرض فؤاده لا بمعنى جبن. وكما جاء مفعول ولا فعل له جاء فُعِلَ ولا مفعول له [ (٤) كقراءة النخعي ﴿ثم عُمُوا وصُمُّوا﴾ ولم يجيء مَعْمِيّ ولا مَصمُوم استغناء بأعْمى وأَصَمّ.
٥٥ -: حديث "ما صَلَّيْتُ ورَاء إمامٍ قَطّ أَخَفَّ صَلاةً".
قال الكرماني: (أخفّ) صفة للإِمام. و (صلاة) تمييز له. وقوله: "وإنْ كانَ لَيَسْمَعُ بكاء الصبي"أصله: وإنّه كان، مخفف وفيه ضمير الشأن.
٥٦- حديث: "إن النبيَّ ﷺ وأَبا بكرٍ وعمرَ كانوا يَفْتَتِحُونَ الصَّلاةَ بالحمدُ لله ربّ العالمين".
قال الزركشي والكرماني (٥)
стр. 15790
: (الحمدُ) بضم الدال على سبيل الحكاية.
٥٧- حديث: "لقد رأيتُ الآنَ مُنْذُ صَلَّيْتُ لَكمُ الَجنَّةَ والنّار".
قال الكرماني: فإن قلت (الآن) للحال، و (رأيتُ) للماضي، فكيف يجتمعان؟ قلت: دخول (قد) عليه قرّبه إلى الحال. فإن قلت: فما قولك في (صَلَّيتُ) فإنه للمضيّ البتة؟ قلت: قال ابن الحاجب: كل مخبر أو منشئ فقصده الحاضر، فمثل (صليت) يكون للماضي الملاصق للحاضر. أو أريد بالآن ما يقال عرفاً إنه الزمان الحاضر، لا اللحظة الحاضرة الغير المنقسمة المسماة بالحال. فإن قلت: (منذ) حرف أو اسم؟ قلت: جاز الأمران. فإن كان اسماً فهو مبتدأ وما بعده خبر، والزمان مقدّر قبل (صليت) . وقال الزجاج بعكس ذلك.
قوله: "فَلَمْ أَرَ كالْيَومِ في الخير والشرّ".
قال الطيبي: الكاف في موضع الحال. وذو الحال المفعول به، وهو الجنة والنار. والمعنى: لم أر الجنة والنار في الخير والشر يوماً من الأيام مثل ما رأيت اليوم. أي رأيتها رؤية جليّة ظاهرة مثبتاً في مثل هذا الجدار، ظاهراً خيرها وشرّها. ونحوه قولِ الشاعر:
حتى إذا الكلاّبُ قالَ لها
كاليومِ مَطْلوباً ولا طَلَبا
٥٨- حديث "يُؤْتَي بالرَّجلِ يَوْمَ القِيامةِ مِنْ أَهلِ الجنَّة، فيقولُ له: يا بْنَ آدم كيفَ وَجَدْتَ مَنْزِلَك؟ فيقول: أيْ رب خيْرَ مَنزِل".
قال أبو البقاء: النصب هو الوجه، أي وجدته خيرَ منزل.
٥٩- حديث "إن رسول الله ﷺ صَعِدَ أُحُداً فَتَبِعَه أبو بكر وعمرُ وعثمانُ فرَجَفَ بهم، فقال: اسكُنْ نَبيٌّ وصدّيقٌ وشَهيدان".
قال أبو البقاء: تقديره عليك نبيٌّ. وقد جاء مفسّراً في حديث آخر.
٦٠- حديث "لا عَدْوَى ولا طِيْرة".