← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 15786–15825 · переход к 15791.

стр. 15786

قال النووي: هكذا هو في الأصول "لا أقدر عليه" وهو صحيح، ويعود الضمير في (عليه) إلى الحمد. وقوله في الرواية الأخرى: "لستُ لها". قال الطيبي: اللام متعلقة بمحذوف. واللام هي التي في قولك: أنت لهذا الأمر، أي كائن له ونختص به. وعلى هذا قوله: "أنا لها" وقوله: "ليس ذلك لك". ٥٠ - حديث الغار، قوله: "إِنَّهُ كانَ لي والدان فكُنْتُ أَحْلِبُ لَهمُا في إنائِهما فآتيهما، فإذا وَجْدتُهما راقِدَيْن قُمْتُ عَلى رُؤُوسِهما كرَاهِيةَ أنّ أَرُدِّ سِنَتَهمُا في رُؤوسهما حتّى يستيقظان متى استيقظا". قال أبو البقاء: هكذا وقع في هذه الرواية "حتى يستيقظان" بالنون، وفيه عدة أوجه: أحدها: أن يكون ذلك من سهو الرواة، وقد وقع ذلك منهم كثيراً، والوجه حذفها بحتى، لأن معناها إلى أن يستيقظا، وتتعلق بقمت. والثاني: أن يكون ذلك على ما جاء في شذوذ الشعر، كقوله: أَنْ تقرآنِ عَلى أسْماء وَيحكُما مِنيّ السَّلامَ وأَنْ لا تُخْبِرا أَحَدا (١) والثالث: أن يكون على حذف مبتدأ، أي حتى هما يستيقظان. وقوله: "متى استيقظ" تقديره: سقيتهما. ويجوز أن يكون المعنى أؤخر أو أنتظر أي وقت استيقظا. انتهى. ٥١ - حديث الأوعية، قوله: "فالرصاص والقارورة، قال: ما بأس بهما".

стр. 15787

قال أبو البقاء: جعل اسم (ما) نكرة والخبر جار ومجرور، والأكثر في كلامهم أن يقدّم هاهنا الخبر، فيقال: ما بهما بأس. وتقديم المبتدأ جائز لأن البأس مصدر، وتعريف المصدر وتنكيره متقاربان. وقد قالوا: "لا رجلٌ في الدار". فرفعوا بلا النكرة. و (ما) قريب منها. ويجوز أن يحمل (ما) على (لا) . ٥٢ - حديث "لا تَزالُ جَهَنَّمُ تقول "هَلْ مِنْ مَزيد" حتى يَضَعَ فيها رَبُّ العِزَّةِ قَدَمه، فتقول: "قَطْ قَطْ وعِزَّتِك". قال الأندلسي في شرح المفصّل: (قَطْ) المخففة معناها حَسْب، وهي مبنية على السكون لوقوعها موقع فعل الأمر، وتدخلها نون الوقاية حرصاً على إبقاء سكونها. قال: امتلأ الحَوْضُ وقال قَطْني وربما حذفت نون الوقاية منها، مثله في عني ومني (١) . وإنما لم تُبنَ حَسْب وإن كانت في معناها لأنها لم توضع في أول أحوالها وضع الفعل كما فُعل بقط، لأنك تصرفها فتقول أحسبني الشيء إحساباً، وهذا حَسْبُك أي كافيك، فلما تصرّف بهذه الوجوه دون قَط أُعرب ولم يُبْنَ، وتنون قَطْ هذه في التنكير لأنها بمنزلة صَهْ ومَهْ. ٥٣- حديث "قوموا فلأصلّي لكم". قال أبو البقاء: لم يقل (بكم) لأنه أراد من أجلكم لتقتدوا بي. انتهى.

стр. 15788

وقال إن مالك في التوضيح: يروي قوله (فلأصلّي) بحذف الياء وبثبوتها مفتوحة وساكنة، واللام عند ثبوت الياء مفتوحة لام كي، والفعل بعدها منصوب بأن مضمرة، وأن الفعل في تأويل مصدر مجرور، واللام ومصحوبها خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: قوموا فقيامكم لأصلي لكم. ويجوز على مذهب الأخفش أن تكون الفاء زائدة، واللام متعلقة بقوموا، واللام عند حذف الياء لام الأمر، ويجوز فتحها على لغة سُليم، وتسكينها بعد الفاء والواو وثُمّ على لغة قريش، وحذف الياء علامة الجزم. وأمر المتكلم نفسه بفعل مقرون باللام فيصح قليل في الاستعمال، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ (١) . وأمّا في رواية من أثبت الياء ساكنة فيحتمل أن تكون اللام لام كي وسكنت الياء تخفيفاً، وهي لغة مشهورة، أعني تسكين الياء المفتوحة، ومنه قراءة الحسن ﴿وذروا ما بَقِيْ من الرّبا﴾ (٢) وقرىء ﴿فَنَسيْ﴾ (٣) و ﴿ثانيْ اثنين﴾ (٤) بالسكون. ويحتمل أن تكون اللام لام الأمر وثبتت الياء في الجزم إجراء للمعتل مجرى الصحيح، كقراءة قُنْبُل. . ﴿إنه من يتقيْ ويصبر﴾ . وقال الزركشي: قال ابن السّيد: يرويه كثير من الناس بالياء، ومنهم من يفتح اللام ويسكن الياء ويتوهمونه قَسَما، وذلك غلط، لأنه لا وجه للقسم، ولو كان لقال فلأصلينّ، بالنون. وإنما الرواية الصحيحة (فلأصلّ) على معنى الأمر. والأمر إن كان للمتكلم والغائب كان باللام أبدا، وإذا كان للمخاطب كان بلام وغير لام. قوله: "وصَفَفْتُ أنا واليتيم وراءه".

стр. 15789

قال الزركشي: بنصب اليتيم ورفعه. ويروى "وصففت واليتيم"من غير توكيد. والأول أفصح، إذ لا يعطف غالباً على الضمير المرفوع إلاّ مع التأكيد، كقوله تعالى: ﴿اسْ كُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ (١) . ٥٤- حديث "مرّ النبي بِتمْرَةٍ مسقوطة". قال الكرماني: القياس أن يقال سَاقطة، لكنه قد يجعل اللازم كالمتعدّي بتأويل، كقراءة من قرأ ﴿وعُموا وصُمّوا﴾ (٢) بلفظ المجهول. التيمي: هي كلمة غريبة لأن المشهور أن (سقط) لازم، على أن العرب قد تذكرِ الفاعل بلفظ المفعول وبالعكس إذا كان المعنى مفهوماً. ويجوز أن يقال جاء (سُقِط) متعدياَ أيضاً بدليل قوله تعالى: ﴿سُقِطَ فِي أَيْدِيهِم﴾ . قال الخطابي: "يأتي المفعول بمعنى الفاعل كقوله تعالى: ﴿كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً﴾ (٣) أي آتيا". [انتهى] . وقال ابن مالك: (مسقوطة) بمعنى مُسقَطة، ونظيره مرقوق بمعنى مُرَقّ أي مسترق، عن ابن جني، ومثله أيضاً رجل مفؤود أي جبان، ولا فعل له، [إنما يقال فُئد بمعنى مرض فؤاده لا بمعنى جبن. وكما جاء مفعول ولا فعل له جاء فُعِلَ ولا مفعول له [ (٤) كقراءة النخعي ﴿ثم عُمُوا وصُمُّوا﴾ ولم يجيء مَعْمِيّ ولا مَصمُوم استغناء بأعْمى وأَصَمّ. ٥٥ -: حديث "ما صَلَّيْتُ ورَاء إمامٍ قَطّ أَخَفَّ صَلاةً". قال الكرماني: (أخفّ) صفة للإِمام. و (صلاة) تمييز له. وقوله: "وإنْ كانَ لَيَسْمَعُ بكاء الصبي"أصله: وإنّه كان، مخفف وفيه ضمير الشأن. ٥٦- حديث: "إن النبيَّ ﷺ وأَبا بكرٍ وعمرَ كانوا يَفْتَتِحُونَ الصَّلاةَ بالحمدُ لله ربّ العالمين". قال الزركشي والكرماني (٥)

стр. 15790

: (الحمدُ) بضم الدال على سبيل الحكاية. ٥٧- حديث: "لقد رأيتُ الآنَ مُنْذُ صَلَّيْتُ لَكمُ الَجنَّةَ والنّار". قال الكرماني: فإن قلت (الآن) للحال، و (رأيتُ) للماضي، فكيف يجتمعان؟ قلت: دخول (قد) عليه قرّبه إلى الحال. فإن قلت: فما قولك في (صَلَّيتُ) فإنه للمضيّ البتة؟ قلت: قال ابن الحاجب: كل مخبر أو منشئ فقصده الحاضر، فمثل (صليت) يكون للماضي الملاصق للحاضر. أو أريد بالآن ما يقال عرفاً إنه الزمان الحاضر، لا اللحظة الحاضرة الغير المنقسمة المسماة بالحال. فإن قلت: (منذ) حرف أو اسم؟ قلت: جاز الأمران. فإن كان اسماً فهو مبتدأ وما بعده خبر، والزمان مقدّر قبل (صليت) . وقال الزجاج بعكس ذلك. قوله: "فَلَمْ أَرَ كالْيَومِ في الخير والشرّ". قال الطيبي: الكاف في موضع الحال. وذو الحال المفعول به، وهو الجنة والنار. والمعنى: لم أر الجنة والنار في الخير والشر يوماً من الأيام مثل ما رأيت اليوم. أي رأيتها رؤية جليّة ظاهرة مثبتاً في مثل هذا الجدار، ظاهراً خيرها وشرّها. ونحوه قولِ الشاعر: حتى إذا الكلاّبُ قالَ لها كاليومِ مَطْلوباً ولا طَلَبا ٥٨- حديث "يُؤْتَي بالرَّجلِ يَوْمَ القِيامةِ مِنْ أَهلِ الجنَّة، فيقولُ له: يا بْنَ آدم كيفَ وَجَدْتَ مَنْزِلَك؟ فيقول: أيْ رب خيْرَ مَنزِل". قال أبو البقاء: النصب هو الوجه، أي وجدته خيرَ منزل. ٥٩- حديث "إن رسول الله ﷺ صَعِدَ أُحُداً فَتَبِعَه أبو بكر وعمرُ وعثمانُ فرَجَفَ بهم، فقال: اسكُنْ نَبيٌّ وصدّيقٌ وشَهيدان". قال أبو البقاء: تقديره عليك نبيٌّ. وقد جاء مفسّراً في حديث آخر. ٦٠- حديث "لا عَدْوَى ولا طِيْرة".

стр. 15791

قال ابن مالك في شرح التسهيل: "أكثر ما يحذف الحجازيون خبر لا مع إلاّ نحو: لا إله إلاّ الله". ومن حذفه دون إلاّ قوله تعالى: ﴿قَالُوا لا ضَيْر﴾ وقوله ﷺ : "لا ضَرَرَ ولا ضِرار" (١) و"لا عدوى ولا طيرة" (٢) . ٦١ - حديث "إنّه الإيمان حُبّ الأنْصارِ وإنَّهُ النِّفاقُ بُغْضُهم". قال أبو البقاء: " (إنَّ) المؤكدة، والهاء فيها ضمير الشأن مثل قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأبْصَارُ﴾ (٣) وليست ضميراً عائداً على مذكور قبله، إذ ليس في الكلام ذلك. و"الإِيمان حبّ الأنصار" مبتدأ وخبر، وهو خبر إن كأنه قال: إنّ الأمر والشأن الإِيمان حبّ الأنصار. ويروى (آية الإيمان) وهو ظاهر". انتهى. وقال الحافظ ابن حجر: " (آية) بهمزة ممدودة وياء تحتية مفتوحة وهاء تأنيث. و (الإِيمان) مجرورة بالإضافة. هذا هو المعتمد في ضبط هذه الكلمة في جميع الروايات في الصحيحين والسنن والمستخرجات والمسانيد. والآية العلامة". قال: "وما ذكره أبو البقاء من أنه بهمزة مكسورة ونون مشدّدة وهاء، و (الإيمان) بالرفع، تصحيف منه". قلت: ويؤيد ذلك أن في رواية النسائي "حبّ الأنصار آية الإيمان". و (الأنصار) أصله جمع ناصر كأصحاب وصاحب. أو جمع نصير كأشراف وشريف. صار علماً عليهم بتسمية النبي ﷺ . ٦٢- حديث "إنّي لأوَّلُ الناسِ تَنْشَقُ الأرض عن جُمْجُمَتي يَوْمَ القِيامةِ ولا فَخْرٌ". كان مقتضى اللفظ (عن جمجمته) لكنه جاء على نسق الضمير في (إني) على حدّ قول الشاعر:

стр. 15792

أنا الرَّجُلُ الضَّرْبًّ الذي تَعْرِفُونَني وقوله: "ولا فخر". قال الطيبي: حال مؤكدة، أي أقول هذا ولا فخر. ٦٣ - حديث "إنَّ الشَّيْطانَ يَجْري مِن ابْنِ آدمَ مَجْرَى الدَّم". قال الطيبي: "عدّى (يجري) بمن على تضمنه معنى التمكن، أي يتمكن من الإنسان في جريانه مجرى الدم. وقوله (مجرى الدم) يجوز أن يكون مصدراًَ ميمياً، وأن يكون اسم مكان". ٦٤ - حديث "إِن اسْتَطَعْتَ أَنْ تُصْبحَ وتُمسِيَ لَيْسَ في قَلْبِكَ غِشٌّ لأَحَدٍ مِن المسُلمين فَافْعَل". قال الطيبي: (تصبح) أي تدخل في وقت الصبح. و (ليس) حال تنازع فيه الفعلان. والمراد بهما الديمومة. وقوله (فافعل) جزاء. كناية عما سبق في الشرط من المعنى. أي إن فعلت ما نصحتك به فقد أتيت بأمر عظيم. ٦٥ - حديث "قَدِمَ عَليٌّ على النبيِّ خيالها من اليمن، فقال: بِما أَهْلَلْتَ؟ ". قال ابن مالك في توضيحه: شذ ثبوت الألف في (بما أهللت) لأن (ما) استفهامية مجرورة، فحقّها أن تحذف ألفها فرقاً بينها وبين الموصولة. هذا هو الكثير نحو ﴿لِمَ تَلْبِسُون﴾ و ﴿بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ (١) و ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا﴾ (٢) . ونظير هذا الحديث قوله ﷺ : "ليأتينّ علَى الناَس زمان لا يبالي المرء مما أخذ المال أمن حلال أم من حرام" (٣) . وقول سهل بن سعد وقد امتروا في المنبر ممّ عوده "إني لأعرف مما عوده". ونظير ثبوت الألف في الأحاديث المذكورة ثبوتها في ﴿عَمَّا يتساءلون﴾ (٤) في قراءة عكرمة وعيسى. ومن ثبوتها في الشعر قول حسان: على ما قام يَشْتمُني لئيمِّ كخِنْزيرٍ تَمرّغَ في رَمادِ وقول عمر بن أبي ربيعة: عَجَبا ما عَجبْتُ ممّا لو ابْصَر ْتَ خَليلي ما دُونه لَعجِبْتا لمقالِ الصًّفِيِّ فِيمَ التَجنّي

стр. 15793

ولما قد دعوتَنا وهَجَرْتا (١) وفي عدول حسّان عن (علام يقوم يشتمني) وعدول عمر عن (ولماذا) مع إمكانهما دليل على أنهما مختاران لا مضطران ٦٦ - حديث "ولا تَنْقُشُوا في خَواتيمكم عربي". قالت أبو البقاء: "إنما رفع (عَربي) لأنه حكاية لقوله (محمد رسول الله) فهو على الحكاية. أي لا تنقشوا ما صورته عربي". قلت: رواه النسائي بلفظ (عربياً) بالنصب. ويمكن أن يكون في رواية أحمد منصوباً، ولكنه كتب بغير ألف، كما قدرناه في موضع آخر من هذا الكتاب. ٦٧ - حديث "وايم الذي نَفْسي بيده لو رَأَيْتم ما رَأَيتُ لَضحِكْتُم قليلاً ولَبكيتم كثيراً". قال ابن يعيشْ في شرح المفصل: " (اَيْمُن الله) اسم مفرد موضوع للقسم مأخوذ من اليمن والبركة، كأنهم أقسموا بيمن الله وبركته، وهو مرفوع بالابتداء وخبره محذوف للعلم به، كما كان كذلك في لَعَمْرُ الله. وتقديره: آيْمن الله قسمي أو يميني ونحوهما. وفتحت الهمزة منه لأنه غير متمكن، لا يستعمل إلا في القسم وحده، فضارع الحرف بقلة تمكنه، ففتح تشبيهاً بالهمزة اللاحقة لام التعريف، وذلك فيه دون بناء الاسم لشبه الحرف، ويؤكد حال هذا الاسم في مضارعته الحرف أنهم قد تلاعبوا به فقالوا مرة اَيْمُن الله، بالفتح، ومرة اِيمُن الله بكسر الهمزة، ومرة اَيْمُ الله بحذف النون، ومرّة اِيمُ الله بالكسر، ومرة مُ الله، ومرة مَ الله، ومرة مُنِ ربي، ومرة مُنُ ربي". وقال في النهاية: " (ايمُ الله) من ألفاظ القسم، كقولك: لَعمُر الله وعَهْدُ الله. وفيها لغات كثيرة: وتفتح همزتها وتكسر، وهمزتها همزة وصل، وقد تقطع". انتهى. ٦٨ - حديث "إنه أنزلت عليَّ آنفا سورة" وفي حديث جرير "ذكرك آنفا".

стр. 15794

قال أبو البقاء: " (آنفا) منصوب على الظرف، تقديره ذكرك زماناً آنفا، أي قريباً من وقتنا، حذف الموصوف وأقام الصفة مقامه. ويجوز أن يكون حالاً من ضمير الفاعل، أي ذكرك مستأنفاً لذكرك. ومنه قوله تعالى: ﴿مَاذَا قَالَ آنِفاً﴾ ". انتهى. ومثله حديث "إلاّ الدَّيْن سارَّني به جبريلُ آنفا". وحديث "هل قرأَ أَحدٌ منكم معي آنفا" وحديث "عرضت علي الجنة والنار آنفا في عرض هذا الحائط" (١) . وقال أبو حيان: " (آنفا) منصوب على الحال، تقديره مؤتنفاً مبتدئاً. قالَ: وأعربه الزمخشري ظرفاً، أي الساعة، ولا أعلم أحداً من النحويين عدّه من الظروف". انتهى. ٦٩ - حديث "تلك صلاةُ المنافقِ، يَجْلسُ يرقُبُ الشَّمْسَ حتى إِذا اصْفَرَّتْ قام فنَقَر أَرْبَعاً لا يذكر الله فيها إلاّ قليلا". قال الطيبي: (تلك) إشارة إلى ما في الذهن من الصلاة المخصوصة، والخبر بيان ما في الذهن. و (يجلس...) إلى آخره جملة مستأنفة بيان للجملة السابقة. ويجوز أن تكون حالاً. و (الشمس) مفعول (يرقب) ، و (إذا) ظرف معمول بدل اشتمال من الشمس، كقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ﴾ (٢) . يعني يرقب وقت اصفرار الشمس. وعلى هذا (قام) استئناف. ويجوز أن يكون (إذا) للشرط، و (قام) جزاؤه. والشرطية استئنافية. وقال الشيخ ولي الدين العراقي: "الإشارة بـ (تلك) إلى صلاة العصر التي تؤخر إلى اصفرار الشمس، وكأنه كان تقدم ذكرها من لفظ النبي ﷺ أو بحضرته، فأعاد الإشارة إليه". ٧٠ - حديث "يَتْبَعُ الميّتَ ثلاثٌ أَهْلُه ومالهُ وعَملُه، فيرجعُ اثنان ويبقى واحد".

стр. 15795

قال أبو البقاء: الوجه أن يقال (ثلاثة) ، لأن الأشياء المذكورة مذكرات كلها، ولذلك قال: "فيرجع اثنان ويبقى واحدا"فذكرّ. والأشبه أنه من تغيير الرواة من هذا الطريق. ويحتمل أن يكون الوجه فيه ثلاث عُلَق، والواحدة عُلْقة، لأن كلاًّ من هذه المذكورات علقة، ثم إنّه ذكرّ بعد ذلك حملاً على اللفظ بعد أن حمل الأوّل على المعنى. ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً﴾ (١) بتأنيث الأول وتذكير الثاني. قلت: رواه البُخاري ومسلم والترمذي والنسائي بلفظ (ثلاثة) ، وكذا هو في النسخة التي عندي من المسند. ٧١ - حديث "لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُم حتّى يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لِنَفْسِه". قال الحافظ ابن حجر: " (يحبَّ) بالنصب، لأن (حتى) جارة، فأَنْ بعدها مضمرة، ولا يجوز الرفع على أن (حتى) عاطفة، لأن المعنى غير صحيح، إذ عدم الإيمان ليس سبباً للمحبّة". ٧٢ - حديث "سألتُ الله أَيّما إنسانٍ مِنْ أُمّتي دَعَوْتُ عليه أن يَجْعلَها له مغفرة". قال أبو البقاء: " (أيّما) يجوز النصب على معنى سببته، وما بعده تفسيرٌ له، والرفع على الابتداء وما بعده خبر". ٧٣ - حديث "كان يَدْخُلُ الخَلاء". قال ابن الحاجب وغيره (٢) هو منصوب على الظرفية، لأن (دخل) من الأفعال اللازمة، بدليل أن مصدره على فُعول، وما كان مصدره على فُعول فهو لازم. ولأنه نقيض خرج، وهو لازم فيكون هو أيضاً كذلك.

стр. 15796

واختار قومٌ أنه مفعول به. وعن سيبويه (١) أنه منصوب بإسقاط الخافض. وجعله الجرمي من الأفعال المتعدية تارة بنفسها وتارة بحرف الجر. وقال أبو حيان: " (دخل) يتعدّى عند سيبويه لظرف الزمان المختص الحقيقي بغير واسطة في، فإن كان مجازياً تعدّى إليه بواسطة في، نحو: دخلتُ في الأمر". ٧٤ - حديث "لَغَدْوةٌ في سَبيل الله أو رَوْحَةٌ خَير من الدنيا وما فيها". قال الزركشي: (الغدوة) بالفتح المرة من غدا يغدو. و (روحة) بالفتح المرة من راح يروح. أي الخرجة الواحدة في هذا الوقت من أول النهار وآخره في الجهاد. أي ثواب ذلك في الجنة خير من الدنيا. ٧٥ - حديث "مَنْ نَسِىَ صَلاةً أَوْ نامَ عَنْها". قال الطيبي: ضمت (نام) معنى غفل، أي غفل عنها يا حال نومه. قوله: "فكفّارتها". قال الطيبي: "الكفارة عبارة عن الفعلة أو الخصلة التي من شأنها أن تكفّر الخطيئة، وهي فعّالة للمبالغة كقتّالة وضرّابة، وهي من الصفات الغالبة في الاسمية". ٧٦ - حديث "العيادَةُ فُواقُ ناقَة". قال الطيبي: (فُواق) خبر المبتدأ، أيَ زمان العيادة مقدار فواق (٢) ناقة. ٧٧ - حديث "لَبَّيْكَ عُمْرةً وحَجًّا". قال أبو البقاء: النصب بفعل محذوف تقديره أريد عمرةً وحجا، أو نويت عمرةً وحجا. ٧٨ - حديث "كان النبي ﷺ يُصَلّي في نَعْلَيه". قال ابن مالك: (في) هنا بمعنى باء المصاحبة، كقوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِه﴾ (٣) . ٧٩ - حديث الإِسراء، قوله: "قالوا مَرْحَباً بِه وأَهْلاً". هما منصوبان بفعل مضمر وجوباً، أي صادفت رُحباً، بضم الراء، أي سعة، ووجدت أهلاً، فاستأنس.

стр. 15797

وقال القاضي عياض والنووي: " (مرحبا) نصب على المصدر، وهو لفظ استعملته العرب وأكثرت منه، تريد به البرّ وحسن اللقاء. ومعناه صادفت رُحباً وسعةًَ وبِرّاً". وقال الزركشي: "هو منصوب بفعل لا يظهر. وقيل على المصدر. وقال الفراء: معناه رحب الله بك، كأنه وضع موضع الترحيب". قوله: "فلمّا مرَّ جِبرْيلُ بالنبي ﷺ بإِدريس". قال الكرماني: "الباء الأولى للمصاحبة، والثانية للإِلصاق". قوله: "ونعْمَ المجَيء، جاء". قال المظهري: "المخصوص بالمدح محذوف، وفيه تقديم وتأخير، تقديره: جاء فنعم المجيء مجيئه". وقال ابن مالك في توضيحه: فيه شاهد على الاستغناء بالصلة عن الموصول، أو بالصفة عن الموصوف، في باب نِعْمَ، لأنها تحتاج إلى فاعل هو المجيء، وإلى مخصوص معناها، وهو مبتدأ مخبر عنه بنِعْم وفاعلها، وهو في هذا الكلام وشبهه موصول أو موصوف بجاء، والتقدير: ونعْمَ المجيء الذي جاء، أو نعم مجيء جاء. وكونه موصولاً أجود لأنه مخبر عنه، وكون المخبر عنه معرفة أولى من كونه نكرة. قوله: "أَصَبْتَ الفِطْرةَ أَنْتَ وأُمَّتُك" (١) . قال الكرماني: "فإن قلت كيف تقدّر العامل هنا، إذ لا يصح أن يقال أصبت أمتُك؟ قلت: يقدر على وجه ينصبُّ إلى صحة المعنى، كما يقال في قوله تعالى: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ﴾ " (٢) إن تقديره: ولتسكن زوجُك. قوله: "قَدْ والله راوَدْتُ بني إسرائيل". قال الكرماني: فإن قلت (قد) حرف لازم دخوله على الفعل. قلت: هو داخل عليه، والقسم مقحم بينهما لتأكيده. قوله: "بيت المقدس". قال أبو علي الفارسي: لا يخلو إما أن يكون مصدراً أو مكاناً، فإن كان مصدراً كان كقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُم﴾ (٣) ونحوه من المصادر. وإن كان مكاناً فمعناه بيت المكان الذي جعل فيه الطهارة، أو بيت مكان الطهارة".

стр. 15798

وقال الزجاج: "أي بيت المكان الذي يطهر فيه من الذنوب". قوله: "فإذا أنا بابني الخالة". قال الأزهري: "قال ابن السكيت (١) : يقال هما ابنا عمّ ولا يقال ابنا خال، ويقال هما ابنا خالة ولا يقال ابنا عمة" (٢) . قوله: "إذا هو قد أُعطي شَطر الحسن". قال الطيبي: "بدل من الأول في معنى بدل الاشتمال". قوله: "مسنداً ظهره". قال الطيبي: "منصوب على الحال. وروي بالرفع على حذف المبتدأ". قوله: "يدخلُه كلَّ يَوْمٍ سبعون ألفَ مَلَكٍ إذا خرجوا منه لم يعودوا فيه آخر ما عليهم". قال النووي: "قال صاحب المطالع (٣) : (آخر) برفع الراء ونصبها، فالنصب على الظرف، والرفع على تقدير ذلك آخر ما عليهم من دخوله. قال: والرفع أَوْجَه". قوله: "كُتبت له حسنة". قال الطيبي: " (كتبت) مبني للمفعول، والضمير فيه راجع إلى قوله (حسنة) . و (حسنةً) وضعت موضع المصدر، أي كتبت الحسنة كتابة واحدة، وكذا (عشرا) وكذا (شيئاً) منصوبان على المصدر". قوله: "فشُقّ من النَّحرْ إلى مَراقِّ البطن". قال الجوهري:" [مراق [، لا واحد لها". وقال الواحدي: "واحدها مَرَق". ٨٠- حديث "رُصُّوا صُفُوفَكُم وقارِبوا بَيْنَها وحاذُوا بالأَعْناق، فوالذي نَفْسي بيده إني لأرى الشَّيطانَ يَدْخُلُ مِنْ خَلَلِ الصفّ كأَنَّها الحَذَف". قال المظهري في شرح المصابيح: الضمير في (كأنها) راجع إلى مقدر، أي جعل نفسه شاة أو ما عزة كأنها الحذف.

стр. 15799

وقال الطيبي في شرح المشكاة: الضمير إذا وقع بين شيئين أحدهما مذكر والآخر مؤنث يجوز تذكيره وتأنيثه، كما في قولهم: من كانت أمَّك، ومن كان أمَّك. وهنا الحَذَف مؤنث، والشيطان شُبّه بها، فيجوز تأنيث الضمير باعتبار الحَذَف وتذكيره باعتبار الشيطان. ٨١ - حديث "ما مِنْ أَحدٍ يومَ القِيامة غَنِيّ ولا فَقير إلاّ وَدَّ أَنما كان أُوتي مِنَ الدّنيا قوتا". قال أبو البقاء: (مِنْ) زائدة. و (غني) بالرفع صفة لأحد على الموضع، لأن الجار والمجرور في موضع رفع. ونظيره قوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ بالرفعٍ على الموضع وبالجر على اللفظ. ويجوز في الحديث (غنيٍ ولا فقيرٍ) بالجر على اللفظ أيضاً. ٨٢ - حديث "كان لا تشاء أَنْ تَراه مِنَ الليل مُصَلِّياً إلاّ رأَيْتَه". قال المظهري: " (لا) بمعنى ليس، أو بمعنى لم، أي لست تشاء أولم تكن تشاء، أو تقديره لا زمان تشاء". وقال الطيبي: "لعل هذا التركيب من باب الاستثناء على البدل، وتقديره على الإثبات أن يقال: إن تشأ رؤيته متهجداً رأيته متهجداً، وإن تشأ رؤيته نائماً رأيته نائماً، يعني كان أمره قصداً لا إسراف ولا تقصير". ٨٣ - حديث "الصَّلاةَ وما مَلكَتْ أَيْمانكُم". هو منصوب على الإغراء. قال ابن مالك في شرح الكافية: "معنى الإغراء إلزام المخاطب العكوف على ما يحمد العكوف عليه من مواصلة ذوي القربى والمحافظة على عهود المعاهدين، ونحو ذلك. كقولك لمن تغريه برعاية الخلة وهي المودّة: الخلّةَ الخلِّةَ. أي إلزام الخلة. والثاني من الاسمين بدل من اللفظ بالفعل. وكذا المعطوف كقولك لمن تغريه بالذبّ والحميّة: الأهلَ والولدَ. أي الزم الذبّ عنهم. وقد يجاء باسم المغرى به مع التكرار مرفوعاً، قال الشاعر: إِن قَوْماً مِنْهمُ عُميرٌ وأشبا هـ عُمَيْرٍِ ومنهُمُ السَّفّاحُ لجَديرونَ بِالوفاء إذا قا ل أَخُو النًجدةِ السِّلاحُ السِّلاحُ"

стр. 15800

٨٤ - حديث "اللهمَّ إنّي أَشْهَدُ أَنَّك أَنْتَ الله لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ أَحَداً صَمَدا ". قال الطيبي: " (أحداً صمداً) منصوبان على الاختصاص، كقوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ إلى قوله: ﴿قَائِماً بِالْقِسْطِ﴾ (١) . وروي مرفوعان معرّفان صفتان لله". ٨٥ - حديث "إنَّ الحَمْدَ لله وسُبْحانَ الله ولا إِله إِلاّ الله والله أَكْبرُ تُساقِطُ ذُنَوبَ العَبْدِ كما يتساقطُ وَرَقُ الشجَّر". قال الطيبي: (تُساقط) بضم التاء. وقوله: (كما يتساقط) إن جعل صفة مصدر محذوف لم تبق المطابقة بين المصدرين، وإن جعل حالاً من الذنوب استقام، ويكون تقديره: تساقط الذنوب، مشبهاً تساقطها بتساقط الورق. ٨٦ - حديث "قُلت: يا رسولَ الله وَلَدَتْ أُمُّ سُلَيم، قال: الله أكبر، ما وَلَدَت؟ قلت: غُلاماً. قال: الحَمْدُ لله، هاتِه". سئل أبو محمد بن السِّيد البطليوسي عن قولهم: "ما ولد لفلان؟ ولم يقولوا: مَنْ ولد لفلان؟ فأجاب بأن هذا توهمّ من السائل، وأن (مَن) أكثر استعمالاً وأذهب في القياس". انتهى. وقوله: (غلاماً) بالنصب لأنه جواب ما المنصوبة بولدت، على حدّ قوله تعالى: ﴿مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا: خَيْرا﴾ (٢) . وقوله: (هاته) يحتمل أن تكون هاء السكت، وأن تكون هاء المفعول، فيستدل به على أن (هات) فعل. وقوله في الطريق الآخر "لعلّ أم سُلَيم ولدت" (٣) . الظاهر أن (لعل) للاستفهام كقوله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ (٤) . وقال النبي ﷺ لبعض الأنصار وقد خرج إليه مستعجلاً: "لعلَّنا أعجلناك".

стр. 15801

٨٧ - حديث "إنّ رَجُلَين مِنْ أَصْحاب النبيِّ ﷺ خرَجا مِنْ عند رسول الله ﷺ في ليلة مُظلمة ومعهما مِثلُ المِصباحَينِ يُضيئانِ بًينَ أيديهما". قال الكرماني: "قال الزمخشري: (أضاء) إما متعدّ بمعنى نوّر، وإما غير متعدّ بمعنى لَمعَ". قال: "فقوله: (بين أيديهما) مفعول فيه إن كان فعل الإضاعة لازماً، ومفعول به إن كان متعدياًَ". ٨٨ - حديث "أما تَرْضَى أَنْ تكونَ لهم الدُّنيا ولَنا الآخِرة". ليست (أما) هذه الاستفتاحية، وإنما هي (ما) النافية دخلت عليها همزة الاستفهام. ولهذا قال عمر في الجواب: "بلى". ومثله حديث "أما يخشى أحدُكم إذا رفع رأسه في الصلاة أن لا يرجع إليه بصره". وحديث "أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحوّل الله رأسه رأس حمار". وحديث "أنه رأى رجلاً شعثاً فقال: أما كان يجد هذا ما يسكِّن به رأسه". قالت ابن هشام في المغني: زاد المالقي لِـ (أَمَا) معنى ثالثاً، وهو أن تكون حرف عرض بمنزلة لولا، فتختص بالفعل، نحو: أما تقوم، أما تقعد، وقد يُدّعى في ذلك أن الهمزة للاستفهام التقريري مثلها في: ألم، وألا، وأنّ (ما) نافية. ٨٩ - حديث "لما ثَقُلَ رسَولُ الله ﷺ جَعلَ يتغشَّاه الكَرْب. فقالت فاطمة: واكَرْبَ أَبَتاه. فلما مات قالت: يا أَبتاه، أجاب ربّاً دَعاه، يا أبتاه مِنْ رّبه ما أدناه". قال الزركشي: "رواه مبارك بن فضالة عن ثابت (واكرباه) ". وقال الطيبي: " (يا أبتاه) أصله يا أبي، فالتاء بدل من الياء لأنهما من حروف الزوائد، والألف للندبة لمدّ الصوت، والهاء للسكت". قال: وقوله: " (مَنْ جَنّةُ الفِرْدَوس) وقع مَنْ موصولة، وفي بعض النسخ وقعت جارة. والأول أنسب لأنه من وادي قولهم: وامَنْ حفر بئر زمزماه".

стр. 15802

٩٠ - حديث "لمَّا قَدِمَ رسولُ الله ﷺ المدينةَ أَتاه المهاجرون فقالوا: يا رسولَ الله ما رأينا قوماً أَبْذَلَ مِنْ كثيرٍ ولا أَحْسَنَ مواساةً من قليلٍ من قَوْمٍ نَزَلْنا بَيْنَ أَظْهُرِهم". قال الطيبي: الجاران والمجروران- أعنى قوله: (من كثير ومن قليل) - متعلقان بالبذل والمواساة. وقوله (من قوم) صلة لأبذل وأحسنَ على سبيل التنازع، وقوم هو المفضّل. ٩١ - حديث "إِذا تَزَوَّجَ الْعَبْدُ فَقَد اسْتكْمَلَ نِصْفَ دينه فَلْيَتَّقِ الله في النِّصفِ الآخر". قال الطيبي: قوله: (فقد استكمل) يحتمل أن يكون جواباً للشرط، و (فليتق الله) عطف عليه. ويجوز أن يكون الجواب الثاني والأول عطف على الشرط، فعلى هذا السبب مركب والمسبب مفرد. فالمعنى أنه معلوم أن التزوج نصف الدين، فمن حصّل هذا فعليه بالنصف الباقي. وهذا أبلغ لما يؤذن أنه مقرر ومعلوم أن التزوج يحصّن نصف الدين. وعلى الوجه الآخر إعلام بذلك فلا يكون مقرراً. وعلى الأوّل السبب مفرد والمسبب مركب. وفيه إعلام أن التزوج سبب لاستكمال نصف الدين المترتب عليه تقوى الله تعالى. ٩٢- حديث "اللهُمَّ إِنَّكَ إنْ تَشأْ لا تُعْبَد بَعْدَ اليوم". قلت: الفصيح في مثل هذا جزم (تعبدْ) جواباً للشرط، وجملة الشرط وجوابه خبر إنّ. ومثله قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا﴾ . وقد يرفع كقول الشاعر: يا أقرعُ بْنَ حابسٍ يا أقرعُ إنّك إنّ يُصْرَعْ أخوك تُصْرَعُ وقال الكرماني: "مفعول (إن تشأْ) محذوف، وهو نحو: إنّ تشأْ هلاكَ المؤمنين. إذ (لا تعُبدْ) في حكم المفعول، والجزاء محذوف". ٩٣ - حديث "مَنْ يَشْتري العبد؟ فقال: يا رسول الله، إذن والله تجِدَني كاسدا". فيه الفصل بين إذن والفعل بالقسم وهو شائع مغتفر. ٩٤ - حديث "لَوْ خَرَجْتُم إِلى ذَوْدٍ لَنا فَشَرِبْتُم مِنْ أَلْبانِها". قلت: فيه حذف جواب لو، أي لنفعكم أو لشفيتم.

стр. 15803

قال ابن يعيش: "قد يحذف جواب (لو) كثيراً. قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾ الجواب محذوف تقديره أي لرأيت سوء منقلبهم، ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَال﴾ (١) أي لكان هذا القرآن. ومن ذلك (لَوْ ذاتُ سِوارٍ لَطَمْتني) لم يأت بجواب، والمراد لانتصفْتُ. وذلك كلّه للعلم بموضعه. وقال أصحابنا إن حذف الجواب في هذه الأشياء أبلغ في المعنى من إظهاره، لأن الإِبهام أوقع في النفس". ٩٥ - حديث "إنه ﷺ أُتي بالبُراقِ فاسْتَصْعَبَ عليه، فقال له جبريل: أبمحمد تفعلُ هذا؟ فو الله مَا رِكِبَكَ أَحدٌ قطُّ أكرم على الله منه. قالت: فأرْفَض عَرَقا". ] عرقا [هو منصوب على التمييز المحوّل عن الفاعل. ٩٦ - حديث "آتي بابَ الجنَّةِ فأَسْتَفتحُ، فيقولُ الخازِنُ: مَنْ؟ فأقول: مُحَمّد. فيقول: بِكَ أُمِرْتُ أَنْ لا أفتح لأحدٍ قَبْلَك". قال الطيبي: " (بك) متعلق بأمرت، والباء للسببيّة قدّمت للتخصيص. المعنى: بسببك أمرت بأن لا أفتح لغيرك لا بشيء آخر. ويجوز أن يكون صلة للفعل، و (أن لا أفتح) بدلاً من الضمير المجرور، أي أمرت بأن لا أفتح لأحدٍ غيرك". اهـ. ٩٧ - حديث "وإذا صلَّى جالِساً فصلُّوا جُلوساً أجمعون". قال الزركشي:] أجمعون [هو تأكيد لضمير الفاعل في قوِله (فصلوا) . ويروى (أجمعين) وفيه وجهان، أحدهما: أن يكون حالاً أي مجتمعين، أو تأكيداًَ لقوله (جلوساً) . ولا يجيء عند البصريين لأن ألفاظ التأكيد معارفْ. ٩٨ - حديث "مَنْ صَلَّى الضُّحى ثنْتي عَشْرةَ رَكْعَةً بَنَى الله له قَصْراً في الجنّة". قال الحافظ زين الدين العراقي في شرح الترمذي: "يحتمل أن يكون (الضحى) مفعول صلَّى، أقي صلاة الضحى. و (ثنتي عشرة) تمييز. ويحتمل أن يكون مفعول صلّى قوله (ثنتي عشرة ركعة) وأن يكون (الضحى) ظرفاً، أي من صلِّى وقت الضّحى". ٩٩ - حديث "إنّي لأَخْشاكُم لله".

стр. 15804

قال الطيبي: (لله) مفعوٍل لأخشاكم. وأفَعْلَ لا يعمل في الظاهر إلاّ في الظرف. قال: "وقوله: "ولكنّي أصومُ وأفْطِر" المستدرك منه مقدّر، أي أخشاكم لله فينبغي أن أقوم في العبادة إلى أقصى غايتها، لكني أقصد فيها فأصوم وأفطر وأصلي وأنام. وقوله: "فَمَنْ رَغِبَ عن سُنّتي" الفاء متعلقة بمحذوف، أي لكني أفعل ذلك لأبين للناس الطريقة المثلى والسنة العظمى، فمن رغب عنها فليس مني. و (مِنْ) في (مِنّي) إيصالية كما في قوله تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْض﴾ (١) . وقوله: "مَنْ لم يوتر فليس منّا" (٢) أي فليس بمتصل بنا وبهدينا وطريقتنا. وقول الشاعر: فإني لستُ منك ولسمتَ منّي" انتهى. ١٠٠ -حديث "أنه ﷺ قال: يا معاذ بْنَ جَبَل". هو بنصب (ابن) لا غير، ويجوز في (معاذ) الضمّ والفتح. قال ابن مالك في شرح الكافية (٣)

стр. 15805

: "يجوز في العلم المضموم في النداء أن يفتح إذا وصف بابن متصل مضافاً إلى علم نحو: يا زَيْدَ بْنَ عَمْرو. ولا يمتنع الضمّ، وهو عند المبردّ أولى من الفتحً". وقال الأبَّدَي في شرح الجزولية: الضمّ على أصله يا النداء، ونصب الابن على النعت، لأنه لا يستعمل في الخبر إلاّ نعتاً فكذا يكون في النداء، والفتح على التركيب وجعلهما اسماً واحداً، وكأن حرف الإعراب على هذا في آخر النعت. وقوله: "ما مِنْ أحدٍ يَشْهَدُ أًنْ لا إِله إلاّ الله وأنّ محمداً رسول الله صِدْقا مِنْ قلبه إلاّ حرَّمَه الله على النار". قال الكرماني: "هو استثناء من أعمّ الصفات، أي ما أحد يشهد كائناً بصفة إلاّ بصفة التحريم". وقوله: "أَفَلا أً خبرُ بِه الناسَ فيَسْتبْشِروا". هو منصوب في جواب العرض. وروي (فيستبشرون) بالرفع، أي فهم يستبشرون، كقوله تعالى: ﴿وَلا يُؤْذَنُ ل َهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ (١) . [مسند أنس بن مالك يتبع في العدد القادم....]

стр. 15806

رسائل لم يحملها البريد للشيخ عبد الرءوف اللبدي أستاذ مساعد بكلية الشريعة أختي العزيزة: (هل) : سوف أحدثك في هذه الرسالة السادسة عشرة عن همزة الاستفهام الداخلة على الفعل الماضي (رأى) : لقد وردت في القرآن الكريم على أربعة أساليب: أسلوب ﴿أَرَأَيْتَ﴾ وأسلوب ﴿أَرَأَيْتَكَ﴾ ، وأسلوب ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ ، وأسلوب ﴿أَرَأَيْتَكُمْ﴾ . وقد ذهب سيبويه وجماعة من النحاة إلى أن أرأيت في أساليبها المختلفة إذا جاءت بمعنى أخبرني كانت علمية تنصب مفعولين: المفعول الأول ملتزم فيه النصب، ولا يجوز فيه الرفع على اعتبار تعليق أرأيت، لأن أرأيت بمعنى أخبرني، وأخبرني لا تعلّق، فكذلك ما كان بمعناها، أما المفعول الثاني فجملة استفهامية. وتفسير (أرأيت) بمعنى أخبرني تفسير معنى لا تفسير إعراب، لأن أخبرني تتعدى بعن فتقول أخبرني عن زيد، أما أرأيت فتتعدى بنفسها إلى مفعوله به صريح، وإلى جملة استفهامية هي في موضع المفعول الثاني. وقد اعترض على سيبويه كثير من النحاة وخالفوه وقالوا كثيرا ما تعلق (أرأيت) ، وفي القرآن الكريم كثير منه، كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (الآية٤٠) الأنعام. وذهب أبو الحسن الأخفش (١) إلى أن ﴿أَرَأَيْتَ﴾ قد تخرج عن معنى أخبرني في بعض أساليبها، فتكون بمعنى أَمّا، أو تنبّه، ولا تنصب مفعولا به ولا مفعولين، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوت﴾ (الآية٦٣) الكهف. فأرأيت هنا (على رأي أبي الحسن) بمعنى أمّا أو تنبِّه.

стр. 15807

وسوف ألتزم في حديثي عن (أرأيت) في أساليبها المختلفة مذهب سيبويه، فأفسرها بمعنى أخبرني وأعربها على أنها علمية تنصب مفعولين: الأول منصوب، والثاني جملة استفهامية، وإذا لم يذكر أحدهما في الكلام أو لم يذكرا معا قدّرت ما لم يذكر. والآن أبدأ، وأنا أسأل الله تعالى العون والتوفيق- بالحديث عن أسلوب (أرأيتم) لأنه أكثر ورودا، فقد ورد في إحدى وعشرين آية من آيات القرآن الكريم: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُون﴾ (الآية ٤٦) من سورة الأنعام. في هذه الآية الكريمة يأمر الله رسوله محمدا ﷺ أن يقول للمشركين ما يتضمن: أخبروني أيها المشركون إن ذهب الله بسمعكم فأصمّكم، وذهب بأبصاركم فأعماكم، وختم على قلوبكم فأماتها, فصرتم لا تفقهون حجة، ولا تفهمون حديثا، أيّ إله غير الله يستطيع أن يردّ إليكم ما أخذه الله منكم. ما أعجب أمرهم يا محمد!! نتابع عليهم الحجج الكثيرة، ونضرب لهم الأمثال والعبر المختلفة، ولكنهم مع هذا كله يعرضون عن الاعتبار والادّكار والإِنابة إلى الله. هذا، و ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ هنا بمعنى أخبروني، والمستخبر عنه هو السمع والأبصار والقلوب، ومتعلق الاستخبار ومناطه الجملة الاستفهامية: ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾ . وتقدير الكلام: أخبروني أيها المشركون عن سمعكم وأبصاركم وقلوبكم مَن إله غير الله يأتيكم بها إن أخذها الله منكم.

стр. 15808

أما إعراب ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ شهي علمية تنصب مفعولين: الأولى محذوف، وتقديره: أرأيتم سمعكم وأبصاركم وقلوبكم، وقد تنازعه ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ و ﴿أَخَذَ﴾ تنازعا سمعكم وأبصاركم وقلوبكم، فأعمل الثاني وحذف في الأول. أما المفعول الثاني فالجملة الاستفهامية: ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾ ، وأما جواب الشرط (إن أخذ) فمحذوف لدلالة ما قبله عليه، والتقدير: إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وقلوبكم فأخبروني من يأتيكم بها. أما إعراب ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾ فـ ﴿مَنْ﴾ اسم استفهام في محل رفع مبتدأ، و ﴿إِلَهٌ﴾ خبره، و ﴿غَيْرُ اللَّهِ﴾ صفة للخبر، وجملة ﴿يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾ في محل رفع صفة ثانية للخبر، والضمير ﴿بِهِ﴾ يعود على ما ذكر سابقا، وقد أُفرد وذُكِّر لأنه أجرى مجرى اسم الإشارة المفرد: (ذاك) . وقد جاء استفهام ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ هنا مفيدا التقريع والتوبيخ والتهديد، والتنبيه: تقريع المشركين وتوبيخهم على عبادتهم الأصنام وعلى إعراضهم عن عبادة الله المنعم عليهم بالسمع والأبصار والأفئدة. وتهديدهم بأن يأخذ الله منهم هذه النعم التي أنعم بها عليهم، أن يأخذها منهم جزاء كفرهم، ولن تستطيع أصنامهم أن تردّ عليهم هذه النعم، فالأخذ والعطاء بيد الله وحده. وتنبيههم على أنه ليس هناك إله غير الله يقدر على أن ينعم عليهم بهذه النعم، وأن يأخذها منهم حين يشاء، فالتعلق بغيره لا ينفع ولا يشفع. الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتاً أَوْ نَهَاراً مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ﴾ (الآية ٥٠) من سورة يونس. في هذه الآية الكريمة يأمر الله رسوله محمدا ﷺ أن يقول للمشركين ما يتضمن:

стр. 15809

أخبروني أيها المشركون الذين تستعجلون العذاب، أخبروني عن عذاب الله إن آتاكم ليلا وأنتم نائمون غافلون، أو نهارا وأنتم في طلب المعاش مشغولون، أي شيء تستعجلون منه أيها المجرمون وليس شيء من العذاب يستعجله عاقل؟! فالعذاب كله مرّ المذاق مفزع تنفر منه الطباع، والمجرمون أحق بأن يخافوا التعذيب على إجرامهم، وأن يهلكوا فزعا من ذكره ومن مجيئه وإن أبطأ عليهم، فكيف يستعجلونه؟! و ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ هنا بمعنى أخبروني، والمستخبر عنه عذاب الله، ومتعلق الاستخبار ومناطه الجملة الاستفهامية: ﴿مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ﴾ . أما الإِعراب فـ ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ علمية تنصب مفعولين: الأول محذوف تقديره عذاب الله وقد تنازعه ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ و (أتاكم) : أرأيتم يطلبه على أنه مفعول به، وأتاكم يطلبه على أنه فاعل، فأعمل الثاني وحذف في الأول، والمفعول الثاني لأرأيتم هو الجملة الاستفهامية: ﴿مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ﴾ والرابط الذي ربطها بالمفعول الأول هو ضمير (منه) ، و (بياتا) و (نهارا) منصوبان على الظرفية الزمانية متعلقان بأتاكم، وإعراب ﴿مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ﴾ : (ما) استفهامية في محل رفع مبتدأ، و (ذا) بمعنى الذي خبره، وجملة (يستعجل منه المجرمون) صلته، وقد حذف الضمير العائد على الموصول؟ والتقدير: ما الذي يستعجله من العذاب المجرمون. ويجوز أن تكون (ماذا) كلمة واحدة وتكون في محل نصب مفعولا مقدما، ويكون التقدير: أيّ شيء من العذاب يستعجل المجرمون. وجواب الشرط ﴿إِنْ أَتَاكُمْ﴾ محذوف دلّ عليه ما قبله وهو ْ ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ ومعمولها، والتقدير: إن أتاكم عذابه فأخبروني ماذا تستعجلون منه أيها المجرمون.

стр. 15810

هذا، وقال الزمخشري في تفسيره الكشاف: "وجواب الشرط ﴿إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ﴾ محذوف، وهو تندموا على الاستعجال أو تعرفوا الخطأ فيه "اهـ. وقد ردّ أبو حيان في تفسيره البحر المحيط قول الزمخشري هذا وقال:"وما قدّره الزمخشري غير سائغ، لأنه لا يُقدَّر الجواب إلا مما تقدمه لفظا أو تقديرا، تقول أنت ظالم إن فعلت، فالتقدير إن فعلت فأنت ظالم وكذلك (أيَ مما تقدمه تقديرا) ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ التقدير: إن شاء الله نهتد"اهـ. وقال الزمخشري أيضا عند تفسيره هذه الآية: "ويجوز أن يكون ﴿مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ﴾ جوابا للشرط كقولك إن أتيتك ماذا تطعمني"اهـ. وقد ردّ أبو حيان هذا الراقي أيضا بقوله: "وأما تجويزه أن يكون ماذا جوابا للشرط فلا يصحّ، لأن جواب الشرط إذا كان استفهاما فلابد فيه من الفاء، والمثال الذي ذكره وهو إن أتيتك ماذا تطعمني، هو من تمثيله لا من والأم العرب"اهـ. وقد أفاد استفهام ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ هنا تقريع المشركين وتوبيخهم على استعجالهم العذاب مع أنهم قوم مجرمون، فهم أحقاء أن يخشوه وأن يفزعوا من ذكره، فكيف يستعجلونه. وأفاد أيضا تهديد المشركين بأن الله تعالى قادر على أن ينزل بهم العذاب في أي وقت يشاء. الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَاماً وَحَلالاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُون﴾ (الآية ٥٩) من سورة يونس. في هذه الآية الكريمة يأمر الله رسوله محمدا ﷺ أن يقول للمشركين ما يتضمن: أخبروني أيها المشركون عما خلق الله لكم من رزق فحرّمتم بعضه على أنفسكم وحللتم بعضه لها، آلله أذن لكم أن تحرّموا ما حرّمتم من هذا الرزق، وأن تحلّلوا ما حلّلتم منه، أم لم يأذن الله لكم فأنتم تكذبون على الله وتفترون.

стр. 15811

و ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ هنا بمعنى أخبروني، والمستخبر عنه ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم بعضه حراما وبعضه حلالا، ومتعلق الاستخبار ومناطه الجملة الاستفهامية: ﴿آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُون﴾ . أما إعراب ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ فهي علمية تنصب مفعولين: الأول اسم الموصول (ما) والجملة بعد (ما) صلتها، والعائد محذوف، والتقدير: ما أنزله، والمفعول الثاني الجملة الاستفهامية: ﴿آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُون﴾ ، والرابط الذي ربط جملة المفعول الثاني بالأول محذوف، والتقدير: آلله أذن لكم فيه. وجوّز الزمخشري في تفسيره الكشاف، جوّز في (ما) الموصولة هذه وجها ثانيا وهو أن تكون استفهامية منصوبة المحل على أنها مفعول مقدم لأنزل، وهي حينئذ معلّقة لأرأيتم، والجملة في محل نصب سدّت مسدّ مفعولها. وقال أبو حيان في تفسيره البحر المحيط "والوجه الأول وهو أن تكونا (ما) موصولة أولى، لأن فيه إبقاء ﴿أَرَأَيْتَ﴾ على بابها من كونها تتعدى إلى الأول فتؤثر فيه، بخلاف جعلها استفهامية، فإن أرأيت إذ ذاك تكون معلّقة، وتكون (ما) قد سدّت مسدّ المفعولين"اهـ. و ﴿قُلْ﴾ الثانية توكيد لفظي للأولى، و (أم) الظاهر فيها أنها متصلة عطفت ما بعدها على ما قبلها، والتقدير: آلله أذن لكم فيه أم لم يأذن. وجوّز الزمخشري أن تكون منقطعة بمعنى بل أتفترون على الله، أي أنتم تفترون على الله. وجملة ﴿فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَاماً وَحَلالاً﴾ معطوفة على جملة ﴿أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْق﴾ و ﴿حَلالاً﴾ مفعول ثان لجعلتم، والمفعول الأول هو ﴿مِنْهُ﴾ باعتبار معناه أي بعضه، والتقدير: فجعلتم بعضه حراما وجعلتم بعضه حلالا. وقد جاء استفهام ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ هنا مفيدا تقريع المشركين وتوبيخهم على تحريمهم بعض ما رزقهم الله، وتحليلهم بعضا آخر، يفعلون ذلك من عند أنفسهم، ثم ينسبون إلى الله كذبا وافتراء.

стр. 15812

وقد أفاد الإنكار أيضا بمعنى لا ينبغي لكم أن تحرموا ما تحرمون وأن تحلّلوا ما تحلّلون كذبا وافتراء على الله تعالى. الآية الرابعة: في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ الآيات (٢٥- ٢٨) من سورة هود. تتضمن هذه الآيات الكريمة أن الله قد أرسل نوحا إلى قومه فقال لهم إني رسول الله إليكم أخوفكم من عذاب الله وعقابه، وأبيّن لكم أن لا تعبدوا إلا الله، وأن لا تشركوا به شيئا، وإني لأخشى عليكم أن يعذبكم الله عذابا أليما يوم القيامة إن لم تؤمنوا به وحده وتخلصوا له العبادة. فقال الكبراء والأشراف الذين كفروا بالله من قوم نوح وجحدوا أنه نبي مرسل: ما نراك يا نوح إلا بشرا آدميا مثلنا، فكيف أُوحي إليك من دوننا؟! وما نراك اتبعك إلا أراذلنا، وما كان اتباعهم لك عن تروٍّ وتدبر وإنعام نظر، وإنما كان رأيا عارضا ابتدرهم أولا ما دعوتهم، ثم ما نرى لكم بعد أن تركتم عبادة الأوثان وصرتم إلى عبادة الله، ما نرى لكم فضالا علينا يغرينا باتباعكم ويحبّب إلينا دينكم الجديد، وما نظنكم إلا كاذبين فيما تدّعونه لأنفسكم من البر والصلاح والعبادة والسعادة في الآخرة التي تتحدثون عنها وتصفون.

стр. 15813

وقد ردّ نوح على قومه ردّاً رفيقا ليّنا بعيدا عن الفظاظة والغلظة، فذلك أبعث على تخفيف ما في قلوبهم من حقد وغلّ وعداوة، وأدعى إلى ترقيق قلوبهم وحسن إصغائهم وتخلّيهم عن التمادي في العناد والمكابرة، قال: يا قوم أرأيتم إن كنت على بيّنة من ربي وآتاني النبوة من عنده رحمة منه تعالى بي وبكم، أنلزمكم قبولها وأنتم لها كارهون؟! لا، لا نفعل ذلك، بل نكل أمركم إلى الله يقضى فيكم بما يشاء، إنه الهادي إلى سواء السبيل. هذا، و ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ هنا بمعنى أخبروني والمستخبر عنه هو البيّنة، ومتعلق الاستخبار ومناطه الجملة الاستفهامية، والتقدير: أخبروني عن البينة من ربي إن كنت عليها أنلزمكم قبولها وأنتم لها كارهون. أما إعراب ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ فهي علمية تنصب مفعولين: وقد تنازع ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ وفعل الشرط ﴿كُنْتُ﴾ ، تنازعا ﴿بَيِّنَةٍ﴾ فأرأيتم يطلبها منصوبة على أنها مفعول به، وفعل الشرط يطلبها مجرورة بعلى، فأعمل الثاني وحذف في الأول، والجملة الاستفهامية: ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ هي المفعول الثاني لأرأيتم، وجواب (إِنْ) الشرطية محذوف دلّ عليه وأغنى عنه أرأيتم ومفعولها، والتقدير: إن كنت على بيّنة من ربي وآتاني رحمة من عنده فأخبر وني عنها أنلزمكموها وأنتم لها كارهون. وإعراب ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ : الهمزة حرف استفهام، ونُلزم مضارع ألزم وهو متعد إلى مفعولين: الأول ضمير المخاطبين (كمو) ، والثاني الضمير (ها) العائد على البيّنة، وجملة ﴿وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ في محل نصب على الحال من ضمير المخاطبين (كمو) ، والجملة الاستفهامية كلها سبق القول إنها المفعول الثاني لأرأيتم.

стр. 15814

وقد جاء استفهام ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ هنا مفيدا التنبيه: تنبيه نوح قومه على أن النبوة التي آتاه الله تعالى إياها رحمة به وبهم لا يُلزمهم قبولها ولا يُكرههم على الإيمان بها، وإنما عليه أن يبلغها إليهم، والله تعالى وحده هو الذي يتولى حسابهم وهو الهادي إلى سبيل الرشاد. الآية لخامسة: في قوله تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِير﴾ الآيات: (٦١-٦٣) من سورة هود. تتضمن هذه الآيات الكريمة أن الله أرسل النبيّ صالحا إلى قومه ثمود فقال لهم: يا قوم اعبدوا الله وحده لا شريك له، وليس هناك من إله يستحق العبادة غيره، فهو الذي خلقكم من الأرض وجعلكم قادرين على عمارتها، فاطلبوا منه تعالى أن يغفر لكم ذنوبكم بالإِيمان به وإخلاص العبادة له، واتباع ما أرسلت به إليكم، ثم اطلبوا منه أن يتوب عليكم بترك ما يكرهه من الأعمال إلى ما يرضاه ويحبه، إن الله قريب ممن أخلص له العبادة ورغب إليه في التوبة، مجيب له إذا دعاه. فقالت ثمود لصالح: يا صالح لقد كنا نرجو أن تكون فينا مقدَّماً مسوَّداً قبل أن تقول لنا: ما لكم من إله غيره، أما بعد هذا فلا، أتنهانا أن نعبد الآلهة التي كان آباؤنا يعبدونها من قبل؟!

стр. 15815

ولكن صالحا ردَّ على قومه ردًّا ليّنا بعيدا عن الفظاظة والغلظة، دون أن يستفزّه ما في جوابهم من جفوة وتكذيب: قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بيّنة من ربي وآتاني منه النبوة، فمن ذا الذي يدفع عنى عقابه إن أنا عصيته فلم أبلغكموها واتبعتكم فيما تدعونني إليه من الكفر، إنكم لا تزيدونني حين أتباعكم إلا خسرانا وضياعا لما أنعم الله عليّ من رحمته. والتعبير بحرف الشك (إِنْ) في قول صالح لقومه: ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ وفي قول نوح لقومه في الآية السابقة: ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ وفي قول شعيب لقومه في الآية التالية: ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ ، تعبير هؤلاء الأنبياء بهذا الحرف (إِنْ) الذي كثيرا ما يستعمل في شك المتكلم في الفعل الواقع بعده، تعبير هؤلاء الأنبياء بهذا الحرف في مخاطبتهم لأقوامهم مع أنهم كانوا على يقين من أنهم على بينة من ربهم، لأنهم كانوا يخاطبون قوما جاحدين، ففيه رعاية لحسن المحاورة، واستنزال عن العناد والمكابرة، واستدراج لطيف لهؤلاء المشركين لعلهم يذّكرون. و ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ هنا بمعنى أخبروني، والمستخبر عنه هو البينة، ومتعلق الاستخبار ومناطه الجملة الاستفهامية: ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ﴾ ، والتقدير: أخبروني عن البينة من ربي إن كنت عليها فمن ينصرني من الله إن عصيته فلم أبلغكموها وكتمتها عنكم.

стр. 15816

أما إعراب ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ فهي علمية تنصب مفعولين: الأول هو البينة، على نحو ما مرّ في قول نوح لقومه: ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ في الآية الثامنة والعشرين من سورة هود. وأما المفعول الثاني فهو الجملة الاستفهامية: ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ والرابط الذي ربط المفعول الثاني بالأول مقدر، والتقدير: فمن ينصرني من الله إن عصيته بكتمانها. وكون الجملة الاستفهامية هذه هي المفعول الثاني لـ ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ رأي نقله صاحب الفتوحات الإلهية، وعلى هذا الرأي تكون الفاء الداخلة على الجملة الاستفهامية زائدة للتوكيد، وَعلى هذا الرأي أيضا يكون جواب الشرط ﴿إِنْ كُنْتُ﴾ محذوفاً دل عليه ما قبله، والتقدير: إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة فأخبروني عنها من ينصرني من الله إن عصيته بكتمانها. وقد ذهب أبو حيان في تفسيره البحر المحيط إلى أن الجملة الاستفهامية: ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ﴾ واقعة في جواب الشرط، وليست هي المفعول الثاني لأرأيتم، وفى رأيه أن المفعول الثاني محذوف دل عليه هذه الجملة الاستفهامية وقدّره: أأعصيه في ترك ما أنا عليه من البينة. أما الرأي القائل: إن الشرط والجملة الاستفهامية الواقعة في جوابه، يسدّان مسدَّ مفعولي ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ . فقد ردّه أبو حيان، وقال: إن الشرط وجوابه لا يقعان ولا يسدّان مسدّ مفعولي ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ . وذهب أبو الحسن الأخفش إلى أن ﴿أَرَأَيْتَ﴾ إذا جاء بعدها الشرط، وجاء بعد الشرط جملة استفهامية مقترنة بالفاء كما في هذه الآية- تكون حينئذ بمعنى أمّا ولا يكون لها مفعولان ولا مفعول واحد. وقد ردّ أبو حيان في تفسيره البحر المحيط هذا الرأي بأنه إخراج أرأيت عن مدلولها بالكلية.

стр. 15817

الآية السادسة: في قوله تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ الآيات: (٨٤-٨٨) من سورة هود. تتضمن هذه الآيات الكريمة أن الله قد أرسل إلى قوم مدين أخاهم شعيبا فقال: يا قوم اعبدوا الله وحده لا شريك له وانبذوا عبادة الأصنام، فليس لكم من إله يستحق العبادة سوى الله. ولا تنقصوا الناس حقوقهم إذا كلتم لهم أو وزنتم، إني أراكم في سعة من العيش وكثرة من المالي تغنيكم عن هذا التطفيف في المكيال والميزان. وإني أخاف عليكم من جراء عبادتكم الأصنام وهذا التطفيف أن ينزل الله بكم عذاب يوم يحيط بكم من كل جانب فلا ينجو منه أحد.

стр. 15818

ويا قوم أوفوا الكيل والميزان حقهما بالعدل والقسط، سواء أكان الكيل والوزن لكم أم عليكم، ولا تبخسوا الناس أشياءهم سواء أكانت هذه الأشياء مما يكال أو يوزن أو يذرع أو يعدّ أم كانت غير ذلك. ويا قوم لا تسعوا في الأرض مفسدين مصالح الآخرين. هذه البقية التي تبقى لكم من الكسب الحلال- وإن قلّت- خير لكم من كثير تبقونه لأنفسكم بالتطفيف، خير لكم عند الله ثوابا، وأحسن عقبى إن كنتم مؤمنين. ويا قوم ما أنا عليكم بحفيظ أحفظ عليكم أعمالكم وأجازيكم عليها، وإنما عليّ أن أبلغكم رسالة ربي وأن أنصح لكم بما يرضى الله، وقد فعلت وأعذرت حين أنذرت. فقال قوم شعيب: أصلاتك يا شعيب تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا من الأوثان والأصنام، وتأمرك أن لا نتصرف في أموالنا كما نشاء؟! إنك لأنت الحليم الذي لا يستفزه الغضب، وإنك لأنت الرشيد الذي لا يركبه الجهل والطيش!! وما كنّا لنتوقع أن تأمرنا بأن نخرج على دين آبائك وأجدادك، وتنهانا عما نهيت فلا نربح في تجاراتنا إلا القليل!! فقال لهم شعيب: يا قوم أرأيتم إن كنت نبيًّا مرسلا من الله تعالى إليكم لأدعوكم إلى عبادته تعالى وحده وأنهاكم عن عبادة الأصنام، وأحذركم التطفيف وكسب أموال الناس بالباطل، ورزقني الله رزقا حلالا طيبا، أيحق لي بعد ذلك أن أكتم الرسالة وأن أترك تبليغ ما أمرني ربي أن أبلغكموه، وأن أضل ضلالكم فأعبد ما تعبدون وأكسب الحرام كما تكسبون، لا، لا يحق لي ذلك، إني أخاف الله رب العالمين، فما كنت لأنهاكم عن أمر أركبه وآتيه، وما أريد فيما آمركم به وأنهاكم عنه إلا إصلاحكم وإصلاح أموركم ما استطعت إلى ذلك سبيلا، وما توفيقي فيما أحاول من هذا الِإصلاح إلا بالله، فهو المعين على ذلك، وعلى الله أتوكل وإليه أنيب.

стр. 15819

هذا، و ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ بمعنى أخبروني، والمستخبر عنه هو البينة، ومتعلق الاستخبار ومناطه جملة استفهامية مقدرة، والتقدير: أخبروني عن البينة الواضحة والنبوة الصادقة التي آتانيها الله أيحق لي أن لا أبلغكموها وأن لا أعمل بمقتضاها؟! أما إعراب ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ فهي علمية تنصب مفعولين: المفعول الأول محذوف وهو البيّنة (وقد سبق بيان ذلك في الآية الثامنة والعشرين من سورة هود وهي الآية الرابعة من آيات هذه الرسالة) . والمفعول الثاني محذوف أيضا وهو جملة استفهامية يدل عليها المعنى والسياق وتقديرها: أيحق لي أن أكتمها وأن لا أبلغكموها. أما جواب الشرط ﴿إِنْ كُنْتُ﴾ فمحذوف، وقد دلّ عليه وأغنى عن ذكره ما تقدم عليه وهو أرأيتم ومعمولها والتقدير: إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا فأخبروني أيحق لي أن أكتمها وأن لا أبلغكموها. وقد جاء استفهام ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ هنا مفيدا التنبيه: تنبيه شعيب قومه على أن النبوة التي آتاه الله إياها وأن الرسالة التي أمره الله بتبليغها بأن يدعوهم إلى عبادة الله وحده، وإلى ترك عبادة الأصنام، وإلى الكف عن تطفيف الكيل والميزان، لا يحق له أن يكتمها وأن يترك تبليغها، وأن يضل ضلالهم الذي ليس وراءه ضلال.

стр. 15820

الآية السابعة: في قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِين وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ الآيات: (٦٩-٨٢) من سورة الشعراء. أمر الله نبيّه محمدا ﷺ أن يقص على قومه المشركين نبأ إبراهيم الذي تضمنته هذه الآيات الكريمة، وقد تضمنت: قال إبراهيم لأبيه وقومه: أي شيء تعبدون؟ فقالوا له: نعبد أصناما فنظل على عبادتها عاكفين، فقال لهم إبراهيم: أتسمع هذه الأصنام التي تعبدونها دعاءكم إذ تدعون؟ وهل تستطيع هذه الأصنام أن تنفعكم أو تضركم إن أرادت لكم النفع أو أرادت بكم الضر؟ فأجابوا: هم لا يسمعوننا إذا دعوناهم ولا ينفعوننا شيئا ولا يضرون، ولكننا عبدناهم لأننا وجدنا آباءنا من قبلنا يعبدون هذه الأصنام فاتبعناهم واقتدينا بهم وفعلنا مثل ما كانوا يفعلون.

стр. 15821

فقال لهم إبراهيم: أفرأيتم هذه الأصنام التي تعبدونها أنتم وآباؤكم الأولون، إنها عدوّ لي وأنا بريء مما تعبدون، ولا أعبد إلا رب العالمين الذي خلقني فهو يهديني، وهو الذي يطعمني ويسقيني، وإذا مرضت فهو يشفيني، وهو الذي يميتني ثم يحييني، وهو الذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الحساب. إن الذي يفعل هذه الأفعال هو الذي يستحق أن يكون إلها يعبد، أما أصنامكم هذه التي اتخذتموها آلهة فلا تستحق العبادة، إنها لا تملك نفعا ولا ضرا، ولا تستطيع شيئا. هذا، و ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ هنا بمعنى أخبروني، والمستخبر عنه هو اسم الموصول: ﴿مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ ، ومتعلق الاستخبار ومناطه جملة استفهامية مقدرة يدل عليها المعنى والسياق، والتقدير: أخبروني عن الأصنام التي تعبدونها أنتم وآباؤكم الأقدمون أيستحقون أن تعبدوهم. أما إعراب (أرأيتم) فهي علمية تأخذ مفعولين: الأول اسم الموصول ﴿مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ والثاني جملة استفهامية مقدرة: (أيستحقون أن تعبدوهم) . وقد أفاد استفهام ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ التنبيه: تنبيه إبراهيم أباه وقومه على أنهم يعبدون آلهة لا تضر ولا تنفع، ولا تعقل ولا تسمع، ولذلك فهولا يحبها وإنما يحب أن يعبد إلها قادرا على كل شيء هو رب العالمين. نبههم على ذلك لعلهم يتبيّنون أنهم على خطأ وأن آباءهم من قبلهم كانوا على خطأ. ولا يخلو هذا الاستفهام من تودّد وملاطفة واستدراج للوصول إلى الغرض وهو الإيمان بالله والإِعراض عن عبادة الأصنام. وقد كان هذا سبيل الأنبياء نوح وهود وشعيب في الآَيات المتقدمة حين خاطبوا أقوامهم ب ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ ... الآية الثامنة: قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ﴾ الآية (٧١) من سورة القصص.

стр. 15822

في هذه الآية الكريمة يأمر الله نبيّه محمدا ﷺ أن يقول للمشركين ما يتضمن: أخبروني أيها المشركون عن الليل إن جعله الله عليكم مستمرا متواصلا لا يعقبه نهار إلى يوم القيامة مَنْ إله غير الله يأتيكم بضياء بعده تبصرون فيه معايشكم ويصلح فيه نباتكم وثماركم. أفلا تسمعون هذا الكلام سماع فهم وندبر فتدركوا أن لا إله يستحق العبادة إلا الله. و ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ هنا بمعنى أخبروني، والمستخبر عنه هو الليل، ومتعلق الاستخبار ومناطه هو الجملة الاستفهامية: ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاء﴾ . وتقدير الكلام: أخبروني- أيها المشركون- عن الليل إن جعله الله عليكم مستمرا لا ينقطع إلى يوم القيامة مَنْ إله غير الله يأتيكم بضياء بعده تصلح به حياتكم. أما إعراب ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ فهي علمية تأخذ مفعولين: الأول محذوف وهو الليل، وقد تنازعه ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ و ﴿جَعَلَ﴾ ، فكل منهما يطلبه على أنه مفعول به، فأُعمل الثاني وهو (جعل) وحذف في الأول، والمفعول الثاني لـ ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ هو الجملة الاستفهامية: ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاء﴾ والرابط الذي يربط هذه الجملة الاستفهامية بالمفعول الأول ضمير محذوف، والتقدير: من إله غير الله يأتيكم بضياء بعده.

стр. 15823

و ﴿جَعَلَ﴾ إذا كانت بمعنى صيّر أخذت مفعولين، فيكون الليل هو المفعول الأول، و ﴿سَرْمَدا﴾ هو المفعول الثاني، وإذا كانت بمعنى خلق وأنشأ أخذت مفعولا به واحدا هو الليل، ويكون ﴿سَرْمَدا﴾ حالا منه. وجواب الشرط (إن جعل) محذوف دلّ عليه ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ ومعمولها، والتقدير: إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة فأخبروني عنه مَنْ إله غير الله يأتيكم بضياء بعده. وإعراب ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاء﴾ : (مَنْ) اسم استفهام في محل رفع مبتدأ، و ﴿إِلَهٌ﴾ خبره، و ﴿غَيْرُ اللَّهِ﴾ صفة أولى لإِله، وجملة ﴿يَأْتِيكُمْ بِضِيَاء﴾ في محل رفع صفة ثانية لإِله. وقد سبق أن هذه الجملة الاستفهامية كلها في محل نصب مفعول ثان لـ ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ . واستفهام ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ في هذه الآية الكريمة يفيد التوبيخ: توبيخ المشركين على عبادتهم غير الله وتركهم عبادة الله الذي يعلمون أنه هو الذي يأتيهم بالضياء بعد الليل ليبتغوا فيه من فضله. ويفيد أيضا التنبيه: تنبيه المشركين على أن الله وحده هو الذي يقدر على أن يأتي بالنهار بعد الليل ليبتغوا فيه من فضله، وأن أصنامهم التي يعبدونها من دون الله لا تقدر على ذلك. فعليهم أن يسمعوا آية الله هذه وأن يتدبروها فينصرفوا عن عبادة الأصنام، ويجعلوا عبادتهم خالصة لله الذي أنعم عليهم بهذه النعمة العظمى. الآية التاسعة: قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ الآية (٧٢) سورة القصص. في هذه الآية الكريمة يأمر الله رسوله محمدا ﷺ أن يقول للمشركين ما يتضمن:

стр. 15824

أخبروني أيها المشركون عن النهار إن جعله الله عليكم مستمرًّا متواصلا لا يعقبه ليل إلى يوم القيامة مَنْ إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه وتستريحون من عناء طلب المعاش الذي كان في النهار، أفلا تبصرون في اختلاف الليل والنهار عليكم رحمة من الله لكم، وحجة منه عليكم، فتعلموا أن العبادة لا تجب إلا لمن أنعم عليكم بذلكم، ولمن هو القادر عليه. و ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ بمعنى أخبروني، والمستخبر عنه هو النهار، ومتعلق الاستخبار ومناطه الجملة الاستفهامية، وتقدير الكلام: أخبروني- أيها المشركون عن النهار إن جعله الله عليكم سرمدا إلى يوم القيامة مَنْ إله غير الله يأتيكم بليل بعده تسكنون فيه. أما إعراب ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ وما بعدها فقد سبق مثله في الآية التي قبل هذه. وأما استفهام ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ هنا فيفيد التوبيخ: توبيخ المشركين على عبادتهم غير الله وتركهم عبادة الله الذي يعلمون أنه هو الذي يأتيهم بالليل من بعد النهار ليجدوا فيه السكينة والطمأنينة، فالله وحده هو الذي يستحق العبادة. ويفيد أيضا التنبيه: تنبيه المشركين على أن الله وحده هو الذي يقدر على أن يأتيهم بالليل من بعد النهار ليسكنوا فيه ويذوقوا طعم الراحة، فعليهم أن يبصروا آية الله هذه وأن يتدبروها، فيعرضوا عن عبادة الأصنام، ويخلصوا العبادة لله الذي أنعم عليهم بهذه المنة الكبرى. الآية العاشرة: قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً إِلاَّ غُرُوراً﴾ الآية (٤٠) من سورة فاطر. في هذه الآية الكريمة يأمر الله رسوله محمدا ﷺ أن يقول للمشركين ما يتضمن:

стр. 15825

أخبروني- أيها المشركون- عن هؤلاء الذين تزعمونهم شركاء لله وتدعونهم من دونه، أخبروني أي شيء من الأرض استبدوا بخلقه، أم لهم شركة مع الله في خلق السموات، أم أن الله تعالى آتاهم كتابا من عنده فهم على حجة وبرهان منه بأنه تعالى قد اتخذهم شركاء له. إن رؤساء الكفر والشرك حين يقولون لأتباعهم إن هذه الأصنام التي نعبدها شفعاء لنا عند الله، حين يقولون لهم ذلك إنما يقولون أباطيل تغرّ وتخدع. و ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ بمعنى أخبروني، والمستخبر عنه شركاؤهم الذين يدعونهم من دون الله، ومتعلق الاستخبار ومناطه الجملة الاستفهامية: ﴿مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ﴾ ، وتقدير الكلام: أخبروني عن هؤلاء الشركاء الذين تدعونهم من دون الله ماذا خلقوا من الأرض. أما إعراب ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ فهي علمية تتعدى إلى مفعولين: الأول شركاءكم، والثاني الجملة الاستفهامية ﴿مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ﴾ ، وعلى هذا الِإعراب تكون جملة ﴿أَرُونِي﴾ معترضة بين المفعولين لتأكيد الكلام وتقويته، ويحتمل أن يكون ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ و ﴿أَرُونِي﴾ قد تنازعا الجملة الاستفهامية فأعمل الثاني وحذف الأول. وقد ذهب الزمخشري في تفسيره الكشاف إلى أن ﴿أَرُونِي﴾ بدل من ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ . ولم يرتض أبو حيان في تفسيره البحر المحيط هذا الرأي وردّه من وجوه عدة، وقد حاول الألوسي في تفسير روح المعاني الانتصار لرأي الزمخشري هذا، ولكن هذه الرسالة لا تتسع لذاك الردّ وهذا الانتصار. واستفهام ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ في هذه الآية الكريمة يفيد التنبيه والتوبيخ: تنبيه المشركين على خطئهم في اتخاذهم الأصنام شركاء لله، فالاستفهام يلفت أنظارهم إلى أن هذه الأصنام لم تكن شريكا لله في خلق شيء من الأرض، ولا في خلق شيء في السموات، ولم ينزل كتاب من عند الله يثبت هذه الشركة، فأنى يكونون شركاء لله؟!!
следующие страницы →