← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 15821–15860 · переход к 15826.

стр. 15821

فقال لهم إبراهيم: أفرأيتم هذه الأصنام التي تعبدونها أنتم وآباؤكم الأولون، إنها عدوّ لي وأنا بريء مما تعبدون، ولا أعبد إلا رب العالمين الذي خلقني فهو يهديني، وهو الذي يطعمني ويسقيني، وإذا مرضت فهو يشفيني، وهو الذي يميتني ثم يحييني، وهو الذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الحساب. إن الذي يفعل هذه الأفعال هو الذي يستحق أن يكون إلها يعبد، أما أصنامكم هذه التي اتخذتموها آلهة فلا تستحق العبادة، إنها لا تملك نفعا ولا ضرا، ولا تستطيع شيئا. هذا، و ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ هنا بمعنى أخبروني، والمستخبر عنه هو اسم الموصول: ﴿مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ ، ومتعلق الاستخبار ومناطه جملة استفهامية مقدرة يدل عليها المعنى والسياق، والتقدير: أخبروني عن الأصنام التي تعبدونها أنتم وآباؤكم الأقدمون أيستحقون أن تعبدوهم. أما إعراب (أرأيتم) فهي علمية تأخذ مفعولين: الأول اسم الموصول ﴿مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ والثاني جملة استفهامية مقدرة: (أيستحقون أن تعبدوهم) . وقد أفاد استفهام ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ التنبيه: تنبيه إبراهيم أباه وقومه على أنهم يعبدون آلهة لا تضر ولا تنفع، ولا تعقل ولا تسمع، ولذلك فهولا يحبها وإنما يحب أن يعبد إلها قادرا على كل شيء هو رب العالمين. نبههم على ذلك لعلهم يتبيّنون أنهم على خطأ وأن آباءهم من قبلهم كانوا على خطأ. ولا يخلو هذا الاستفهام من تودّد وملاطفة واستدراج للوصول إلى الغرض وهو الإيمان بالله والإِعراض عن عبادة الأصنام. وقد كان هذا سبيل الأنبياء نوح وهود وشعيب في الآَيات المتقدمة حين خاطبوا أقوامهم ب ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ ... الآية الثامنة: قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ﴾ الآية (٧١) من سورة القصص.

стр. 15822

في هذه الآية الكريمة يأمر الله نبيّه محمدا ﷺ أن يقول للمشركين ما يتضمن: أخبروني أيها المشركون عن الليل إن جعله الله عليكم مستمرا متواصلا لا يعقبه نهار إلى يوم القيامة مَنْ إله غير الله يأتيكم بضياء بعده تبصرون فيه معايشكم ويصلح فيه نباتكم وثماركم. أفلا تسمعون هذا الكلام سماع فهم وندبر فتدركوا أن لا إله يستحق العبادة إلا الله. و ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ هنا بمعنى أخبروني، والمستخبر عنه هو الليل، ومتعلق الاستخبار ومناطه هو الجملة الاستفهامية: ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاء﴾ . وتقدير الكلام: أخبروني- أيها المشركون- عن الليل إن جعله الله عليكم مستمرا لا ينقطع إلى يوم القيامة مَنْ إله غير الله يأتيكم بضياء بعده تصلح به حياتكم. أما إعراب ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ فهي علمية تأخذ مفعولين: الأول محذوف وهو الليل، وقد تنازعه ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ و ﴿جَعَلَ﴾ ، فكل منهما يطلبه على أنه مفعول به، فأُعمل الثاني وهو (جعل) وحذف في الأول، والمفعول الثاني لـ ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ هو الجملة الاستفهامية: ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاء﴾ والرابط الذي يربط هذه الجملة الاستفهامية بالمفعول الأول ضمير محذوف، والتقدير: من إله غير الله يأتيكم بضياء بعده.

стр. 15823

و ﴿جَعَلَ﴾ إذا كانت بمعنى صيّر أخذت مفعولين، فيكون الليل هو المفعول الأول، و ﴿سَرْمَدا﴾ هو المفعول الثاني، وإذا كانت بمعنى خلق وأنشأ أخذت مفعولا به واحدا هو الليل، ويكون ﴿سَرْمَدا﴾ حالا منه. وجواب الشرط (إن جعل) محذوف دلّ عليه ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ ومعمولها، والتقدير: إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة فأخبروني عنه مَنْ إله غير الله يأتيكم بضياء بعده. وإعراب ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاء﴾ : (مَنْ) اسم استفهام في محل رفع مبتدأ، و ﴿إِلَهٌ﴾ خبره، و ﴿غَيْرُ اللَّهِ﴾ صفة أولى لإِله، وجملة ﴿يَأْتِيكُمْ بِضِيَاء﴾ في محل رفع صفة ثانية لإِله. وقد سبق أن هذه الجملة الاستفهامية كلها في محل نصب مفعول ثان لـ ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ . واستفهام ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ في هذه الآية الكريمة يفيد التوبيخ: توبيخ المشركين على عبادتهم غير الله وتركهم عبادة الله الذي يعلمون أنه هو الذي يأتيهم بالضياء بعد الليل ليبتغوا فيه من فضله. ويفيد أيضا التنبيه: تنبيه المشركين على أن الله وحده هو الذي يقدر على أن يأتي بالنهار بعد الليل ليبتغوا فيه من فضله، وأن أصنامهم التي يعبدونها من دون الله لا تقدر على ذلك. فعليهم أن يسمعوا آية الله هذه وأن يتدبروها فينصرفوا عن عبادة الأصنام، ويجعلوا عبادتهم خالصة لله الذي أنعم عليهم بهذه النعمة العظمى. الآية التاسعة: قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ الآية (٧٢) سورة القصص. في هذه الآية الكريمة يأمر الله رسوله محمدا ﷺ أن يقول للمشركين ما يتضمن:

стр. 15824

أخبروني أيها المشركون عن النهار إن جعله الله عليكم مستمرًّا متواصلا لا يعقبه ليل إلى يوم القيامة مَنْ إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه وتستريحون من عناء طلب المعاش الذي كان في النهار، أفلا تبصرون في اختلاف الليل والنهار عليكم رحمة من الله لكم، وحجة منه عليكم، فتعلموا أن العبادة لا تجب إلا لمن أنعم عليكم بذلكم، ولمن هو القادر عليه. و ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ بمعنى أخبروني، والمستخبر عنه هو النهار، ومتعلق الاستخبار ومناطه الجملة الاستفهامية، وتقدير الكلام: أخبروني- أيها المشركون عن النهار إن جعله الله عليكم سرمدا إلى يوم القيامة مَنْ إله غير الله يأتيكم بليل بعده تسكنون فيه. أما إعراب ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ وما بعدها فقد سبق مثله في الآية التي قبل هذه. وأما استفهام ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ هنا فيفيد التوبيخ: توبيخ المشركين على عبادتهم غير الله وتركهم عبادة الله الذي يعلمون أنه هو الذي يأتيهم بالليل من بعد النهار ليجدوا فيه السكينة والطمأنينة، فالله وحده هو الذي يستحق العبادة. ويفيد أيضا التنبيه: تنبيه المشركين على أن الله وحده هو الذي يقدر على أن يأتيهم بالليل من بعد النهار ليسكنوا فيه ويذوقوا طعم الراحة، فعليهم أن يبصروا آية الله هذه وأن يتدبروها، فيعرضوا عن عبادة الأصنام، ويخلصوا العبادة لله الذي أنعم عليهم بهذه المنة الكبرى. الآية العاشرة: قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً إِلاَّ غُرُوراً﴾ الآية (٤٠) من سورة فاطر. في هذه الآية الكريمة يأمر الله رسوله محمدا ﷺ أن يقول للمشركين ما يتضمن:

стр. 15825

أخبروني- أيها المشركون- عن هؤلاء الذين تزعمونهم شركاء لله وتدعونهم من دونه، أخبروني أي شيء من الأرض استبدوا بخلقه، أم لهم شركة مع الله في خلق السموات، أم أن الله تعالى آتاهم كتابا من عنده فهم على حجة وبرهان منه بأنه تعالى قد اتخذهم شركاء له. إن رؤساء الكفر والشرك حين يقولون لأتباعهم إن هذه الأصنام التي نعبدها شفعاء لنا عند الله، حين يقولون لهم ذلك إنما يقولون أباطيل تغرّ وتخدع. و ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ بمعنى أخبروني، والمستخبر عنه شركاؤهم الذين يدعونهم من دون الله، ومتعلق الاستخبار ومناطه الجملة الاستفهامية: ﴿مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ﴾ ، وتقدير الكلام: أخبروني عن هؤلاء الشركاء الذين تدعونهم من دون الله ماذا خلقوا من الأرض. أما إعراب ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ فهي علمية تتعدى إلى مفعولين: الأول شركاءكم، والثاني الجملة الاستفهامية ﴿مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ﴾ ، وعلى هذا الِإعراب تكون جملة ﴿أَرُونِي﴾ معترضة بين المفعولين لتأكيد الكلام وتقويته، ويحتمل أن يكون ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ و ﴿أَرُونِي﴾ قد تنازعا الجملة الاستفهامية فأعمل الثاني وحذف الأول. وقد ذهب الزمخشري في تفسيره الكشاف إلى أن ﴿أَرُونِي﴾ بدل من ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ . ولم يرتض أبو حيان في تفسيره البحر المحيط هذا الرأي وردّه من وجوه عدة، وقد حاول الألوسي في تفسير روح المعاني الانتصار لرأي الزمخشري هذا، ولكن هذه الرسالة لا تتسع لذاك الردّ وهذا الانتصار. واستفهام ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ في هذه الآية الكريمة يفيد التنبيه والتوبيخ: تنبيه المشركين على خطئهم في اتخاذهم الأصنام شركاء لله، فالاستفهام يلفت أنظارهم إلى أن هذه الأصنام لم تكن شريكا لله في خلق شيء من الأرض، ولا في خلق شيء في السموات، ولم ينزل كتاب من عند الله يثبت هذه الشركة، فأنى يكونون شركاء لله؟!!

стр. 15826

ويفيد أيضا توبيخ هؤلاء المشركين وتقريعهم على اتخاذهم الأصنام شركاء لله تعالى وهم لا يقدرون على شيء، مع أن الله ﷻ على كل شيء قدير. الآية الحادية عشرة: قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ الآية (٣٨) من سورة الزمر. تتضمن هذه الآية الكريمة: ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين الذين يعبدون الأصنام: مَنْ خلق السموات والأرض، ليقولن خلقهن الله. وفي هذه الآية الكريمة يأمر الله رسوله محمدا ﷺ أن يقول للمشركين ما يتضمن: أخبروني- أيها المشركون- عن هذه الأصنام التي تدعونها من دون الله وتعبدونها هل هن قادرات- إن أرادني الله بضر- أن يكشفن ذلك الضر وهل هن قادرات - إن أرادني الله برحمة- أن يمسكن عني تلك الرحمة. وإذا كانت هذه الأصنام لا تملك نفعا ولا ضرا، فالله الذي خلق السموات والأرض وهو القادر على كل شيء هو وحده الذي يستحق أن يفرد بالعبادة، وهو حسبي في إصابة الخير ودفع الضر، وعليه وحده يتوكل كل متوكل، لأن الأمر كله بيده جل وعلا. و ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ هنا بمعنى أخبروني، والمستخبر عنه ﴿مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ومتعلق الاستخبار ومناطه الجملة الاستفهامية: ﴿هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّه﴾ ، ﴿هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِه﴾ ، وتقدير الكلام: أخبروني- أيها المشركون- عن هذه الأصنام التي تدعونها من دون الله، هل هن كاشفات الضر عنى إن أرادني الله بضر، وهل هنّ ممسكات الرحمة عني إن أرادني الله برحمة.

стр. 15827

أما إعراب ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ فهي علمية تتعدى إلى مفعولين: المفعول الأول اسم الموصول ﴿مَا تَدْعُونَ﴾ ، والمفعول الثاني الجملة الاستفهامية: هل هن كاشفات ضره، هل هن ممسكات رحمته. والرابط الذي يربط المفعول الثاني بالأول ضمير ﴿هُنَّ﴾ وقد أُنث بالنظر إلى المعنى المراد من ﴿مَا تَدْعُونَ﴾ وهو الأصنام، وكثيرا ما كانوا يسمونها بأسماء الإناث كاللات والعزى ومناة. وجواب الشرط ﴿إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرّ﴾ ، ﴿أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَة﴾ محذوف يدل عليه ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ ومعمولها وتقديره: فأخبروني هل هن كاشفات ضره أو ممسكات رحمته. واستفهام ﴿أَفَرَأَيْتُمْ﴾ هنا يفيد التنبيه والتوبيخ: تنبيه المشركين على خطئهم في اتخاذهم الأصنام آلهة تعبد من دون الله، فالاستفهام يلفت أنظارهم إلى أن أصنامهم التي يعبدونها لا تدفع ضرا ولا تجلب نفعا، وإذن فهي لا تستحق العبادة ولا الألوهية، وأن الذي يستحق العبادة دون غيره هو الله وحده. ويفيد تقريع المشركين وتوبيخهم على عبادتهم أصناما لا قدرة لها على الخير ولا على الشر، على حين يكفرون بوحدانية الله تعالى وإخلاص العبادة له وهو القادر على كل شيء القاهر فوق عباده. الآية الثانية عشرة: قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ الآية (٥٢) من سورة فصلت. تتضمن هذه الآية الكريمة أن الله أمر رسوله ﷺ أن يقول للمشركين المكذبين بالقرآن الكريم ما يتضمن: أرأيتم إن كان هذا القرآن الذي تكذبون به قد جئتكم به من عند الله ثم كفرتم به من غير نظر ولا اتباع دليل، أرأيتم أحدا أضل منكم، لا أحد أضل منكم أيها المكذبون الذين أبعدتم في الشقاق وأوغلتم في العداوة.

стр. 15828

و ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ بمعنى أخبروني، والمستخبر عنه هم المخاطبون المكذبون بالقرآن، ومتعلق الاستخبار ومناطه هو الجملة الاستفهامية: ﴿مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ . وتقدير الكلام: أخبروني- أيها المشركون- عن حالكم إن كان هذا القرآن من عند الله ثم كفرتم به- من أضل منكم. أما إعراب ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ فهي علميه تأخذ مفعولين: المفعول الأول- في رأي أبي حيان- محذوف، وتقديره: أرأيتم أنفسكم، والمفعول الثاني الجملة الاستفهامية: ﴿مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيد﴾ ، والرابط الذي ربط المفعول الثاني بالمفعول الأول هو اسم الموصول ﴿مَنْ﴾ الذي خلف الضمير، إذ المعنى مَنْ أضل منكم. أما جواب الشرط إِنْ ﴿كَانَ﴾ فمحذوف يدل عليه ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ ومعمولها، والتقدير: إن كان من عند الله ثم كفرتم به فأخبروني من أضل منكم. ويفيد استفهام ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ هنا توبيخ المشركين وتقريعهم على كفرهم بالقرآن أن يكون من عند الله دونما تبصر وتدبر، دونما دليل عقلي أو نقلي. ويفيد أيضا تنبيه المشركين على أن إنكارهم أن يكون القرآن من عند الله لم يكن مبنيا على دليل عقلي أو نقلي أو ناشئا عن بعد نظر وطول تدبر وإنما كان ضلالا وعنادا. الآية الثالثة عشرة: قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ الآية (٤) من سورة الأحقاف. في هذه الآية الكريمة يأمر الله رسوله محمدا ﷺ أن يقول للمشركين ما يتضمن:

стр. 15829

أخبروني- أيها المشركون- عن هذه الأوثان التي تعبدونها من دون الله، أخبروني أيّ شيء خلقوا من الأرض فيكون لكم بذلك حجة في عبادتكم إياها، أم كان لهذه الأصنام مشاركة في خلق السموات فيكون لكم بذلك حجة في تلك العبادة؟!! ائتوني أيها المشركون بكتاب من عند الله جاء قبل هذا القرآن يشهد بصحة ما أنتم عليه من عبادة غير الله، أو ائتوني ببقية من علم الأولين تثبت ذلك. إن كنتم أيها المشركون صادقين فيما تدعون فهاتوا برهانكم فإن الدعوى بدون دليل لا تغني من الحق شيئا. و ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ هنا بمعنى أخبروني، والمستخبر عنه ﴿مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ، ومتعلق الاستخبار ومناطه الجملة الاستفهامية: ﴿مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْض﴾ . والمعنى: أخبروني أيها المشركون محن هذه الأصنام التي تعبدونها من دون الله، أي شيء خلقت من الأرض فاستحقت به أن تعبد. أما أعراب ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ فهي علمية تأخذ مفعولين: الأول اسم الموصول ﴿مَا﴾ في ﴿مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ، والثاني الجملة الاستفهامية: ﴿مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْض﴾ ، و ﴿أَرُونِي﴾ جملة معترضة بين المفعولين مؤكدة لأرأيتم، لأنهما على معنى واحد: فأرأيتم بمعنى أخبروني، وأروني بمعنى أخبروني. ويجوز في ﴿أَرُونِي﴾ أن لا تكون معترضة، وحينئذ تكون المسألة من باب التنازع: فأرأيتم وأروني تنازعا الجملة الاستفهامية: ﴿مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْض﴾ فأرأيتم تطلبها على أنها مفعولها الثاني، أروني تطلبها كذلك على أنها المفعول الثاني لها، فأعمل الثاني، وحذف في الأول. وأما إعراب ﴿مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْض﴾ فقد مرّ في إعراب الآية العاشرة. وقد جاء استفهام ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ هنا مفيدا التقريع والتوبيخ ومفيدا التنبيه:

стр. 15830

تقريع المشركين وتوبيخهم على عبادتهم غير الله مع علمهم أن الأصنام وغير الأصنام مما يعبد من دون الله ليست على شيء تستحق به أن تعبد، فهي لم تخلق شيئا في الأرض ولا شيئا في السماء، ولم يُنزَّل بصحة عبادتها كتاب من عند الله، ولم يؤثر عن الأولين ما يثبت صحة تلك العبادة. وقد نبّه هذا الاستفهام المشركين ولفت أنظارهم إلى أن هذه الأصنام التي يعبدونها لم تخلق شيئا في الأرض ولا شيئا في السموات، ولم تثبت صحة عبادتها في كتاب منزل ولا في علم أُثِر عن الأولين، فكيف تصح عبادتها، وبأي شيء تستحق هذه العبادة؟! الذي يستحق العبادة هو الذي خلق الأرض السموات وحده، والذي أُنزلت الكتب من لدنه تثبت وحدانيته جلّ وعلا. الآية الرابعة عشرة: قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ الآية (١٠) من سورة الأحقاف. في هذه الآية الكريمة يأمر الله نبيّه محمدا ﷺ أن يقول للمشركين الكافرين بالقرآن ما يتضمن: أخبروني أيها الكافرون- إن كان هذا القرآن س عند الله وكذبتم به وشهد شاهد عظيم الشأن من بنى إسرائيل على التوراة التي هي مثل القرآن في أنها من عند الله، فآمن هذا الشاهد بالقرآن أنه من عند الله، واستكبرتم أنتم عن الإيمان به، أخبروني من أظلم منكم؟! إن الله لا يهدى القوم الظالمين الذين يظلمون أنفسهم فيكذبون بالقرآن وبمن أنزل عليه هذا القرآن. و ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ هنا بمعنى أخبروني، والمستخبر عنه محذوف، ومتعلق الاستخبار ومناطه جملة استفهامية محذوفة أيضا، والتقدير: أخبروني عن حالكم- إن كان هذا القرآن من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بنى إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم- ألستم ظالمين.

стр. 15831

أما إعراب ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ فهي علمية تنصب مفعولين، وقد حذفا لدلالة المعنى عليهما، وتقديرهما: أرأيتم حالكم ... ألستم ظالمين، فحالكم هو المفعول الأول، والجملة الاستفهامية: (ألستم ظالمين) هي المفعول الثاني. وجواب الشرط ﴿إِنْ كَانَ﴾ محذوف، يدلّ عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ . وقدّره أبو حيان: فقد ظلمتم. وفي جواب الشرط هذا آراء أخرى ذكرها أبو حيان في تفسيره البحر المحيط، وذكرها صاحب الفتوحات الإلهية في حاشيته على تفسير الجلالين (١) ، ولكن هذه الرسالة لا تتسع لذكرها، ولا طائل تحتَها. وجيء في الشرط ﴿إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ بحرف (إِنْ) الذي من شأنه أن يكون في الشرط غير المجزوم بوقوعه مراعاة لحال المخاطبين على نحو ما سبق بيانه (في الآية الخامسة من آيات هذه الرسالة) في قول الأنبياء: نوح وصالح وشعيب لأقوامهم: ﴿إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ مع أنهم كانوا على يقين من تلك البينة. واستفهام ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ هنا يفيد توبيخ المشركين على كفرهم بالقرآن أن يكون من عند الله مع أنه قد شهد شاهد عظيم الشأن من علماء بني إسرائيل على كتاب آخر مماثل للقرآن وهو التوراة بأنه من عند الله. وكانت شهادة علماء بنى إسرائيل حجة لأن هؤلاء المشركين كانوا يثقون فيهم ويصدقونهم. ويفيد أيضا التنبيه تنبيه المشركين على أن كفرهم بالقرآن لا يقوم على حجة، وفيه مخالفة لشهادة شاهد من بنى إسرائيل الذين كانوا يظنون فيهم الصدق.

стр. 15832

الآية الخامسة عشرة: في قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ الآيات: (١٩-٢٣) من سورة النجم. جاء في تفسير ابن كثير لهذه الآيات الكريمة ما ملخصه: كان للمشركين العرب أصنام وطواغيت كثيرة يعظمونها ويتخذون لها البيوت والحجاب والسدنة، ويطوفون بها، ويجعلونها أندادا وشركاء لله تعالى، ويعبدونها من دونه ، وقد أفرد القرآن الكريم هذه الأصنام الثلاثة: اللات والعزى ومناة، أفردها بالذكر لأنها كانت أشهر من غيرها، وقد أنث المشركون هذه الأصنام وسموها بأسماء الإناث وجعلوها بنات الله ، وقد قرّع الله تعالى هؤلاء المشركين ووبّخهم بما يتضمن: أتجعلون لله أولادا وتجعلون هؤلاء الأولاد إناثا، والإناث في زعمكم نوع مذموم، وتختارون لأنفسكم النوع الذي تستحسنونه وتفضلونه وهو الَذكور، فلو كانت هذه القسمة بينكم وبن مخلوق مثلكم لكانت قسمة جائرة فيها جهالة وسفاهة، فكيف وقد جعلتموها بينكم وبين ربكم!! ثم قال تعالى منكرا عليهم ما ابتدعوه من الكذب والافتراء والكفر في عبادة الأصنام وتسميتها آلهة، وقد تضمن قوله تعالى: ما هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم من تلقاء أنفسكم، ما أنزل الله بها من حجة، وإنما تعتمدون في ذلك على حسن ظنكم بآبائكم الذين سلكوا هذا المسلك الباطل من قبلكم، وعلى حب أنفسكم للرئاسة وتعظيم آبائكم الأقدمين، ولقد أرسل الله إليكم الرسل بالحق المنير والحجة القاطعة، ولكنكم لم تتبعوها ولم تهتدوا بهديها. اهـ.

стр. 15833

و ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ هنا بمعنى أخبروني، والمستخبر عنه واللات والعزى ومناة، ومتعلق الاستخبار، ومناطه هو الجملة الاستفهامية: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى﴾ ، والمعنى: أخبروني- أيها المشركون- عن هذه الأصنام الثلاثة، كيف جعلتموهن بنات الله، والبنات في زعمكم معرّة وذم، ثم خصصتم أنفسكم بالنوع الأفضل فيما تزعمون وهم الذكور، والله منزّه عن الولد ذكراً كان أم أنثى؟!! إن هذه القسمة لو كانت بينكم وبين مخلوقين أمثالكم لكانت قسمة جائرة فيها ظلم وسفاهة، فكيف وقد جعلتموها بينكم وبن ربكم ذي الجلال والإِكرام؟! أما إعراب ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ فهي علمية تأخذ مفعولين: الأول: اللات وما عطف عليها، الثاني: الجملة الاستفهامية: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى﴾ - وهذا رأي أبي حيان في تفسيره البحر المحيط، والرابط الذي يربط المفعول الثاني بالأول قوله: ﴿الأُنْثَى﴾ لأن المعنى: ألكم الذكر وله هنَّ أي تلك الأصنام، فأغنى هذا الاسم الظاهر عن الضمير، وإنما أوثر هذا الاسم الظاهر لوقوعه رأس فاصلة روعي فيها الفواصل الأخرى. وهناك آراء أخرى كثيرة في تقدير المفعول الثاني المحذوف ذكرها الألوسي في تفسير روح المعاني، ولكن هذه الرسالة لا تتسع لذكرها. واستفهام ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ هنا جاء مفيدا الإنكار والتوبيخ: فالله ينكر على المشركين ويوبخهم أن يجعلوا اللات والعزى ومناة بنات الله، مع أن البنات في زعمهم مذمومات يستنكفون منهن، فكيف يخصون الله خالقهم بهن، ويخصون أنفسهم بمن هم أفضل في زعمهم وهم الذكور، مع أن الله منزه عن الولد سواء أكان ذكرا أم أنثى.

стр. 15834

الآية السادسة عشرة: في قوله تعالى: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولَى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ الآيات: (٥٧-٦٢) من سورة الواقعة. تتضمن هذه الآيات الكريمة الردّ على أهل الزيغ والإلحاد الذين كانوا يكذبون بالبعث، ﴿وَكَانُوا يَقُولُونَ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ أَوَآبَاؤُنَا الأََوَّلُونَ﴾ . والردّ الذي تضمنته هذه الآيات: أن الله قد خلقكم أيها الكافرون ابتداء بعد أن لم تكونوا شيئا مذكورا، والذي يقدر على البدء يقدر على الإعادة، فهلا تصدقون بالإعادة وتقرون بها كما أقررتم بالنشأة الأولى. أخبروني عن المنيّ الذي تريقونه في الأرحام أأنتم تخلقونه وتنشئون أم الله؟ ولا مفر من أن تقروا بأن الله هو خالق هذا المني، فكيف تنكرون قدرته على البعث؟! والله هو الذي يصرّف الموت بينكم كيف يشاء، فيجعل لموت كل إنسان موعدا لا يتقدم عليه ولا يتأخر، ولا يستطيع أحد أن يغلب الله تعالى على هذا التصريف فيطيل عمر من يقصر الله عمره، أو يقصر عمر من يطيل الله عمره، أو يهرب من الموت فيكون من الخالدين. والله تعالى قادر على أن يميتكم وينشئ بدلا منكم آخرين أمثالكم، وقادر على أن يغير كم خَلْقاً وخُلُقاً وينشئكم في صفات لا تعلمونها ولا تخطر لكم على بال. ولقد علمتم النشأة الأولى وهى خلق آدم من طين، فهلا تتذكرون وتعتبرون فتعلموا أن الذي أنشأكم النشأة الأولى قادر على أن يعيدكم أحياء من بعد الممات والفناء.

стр. 15835

هذا، و ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ هنا بمعنى أخبروني، والمستخبر عنه ﴿مَا تُمْنُونَ﴾ ، ومتعلق الاستخبار ومناطه الجملة الاستفهامية: ﴿أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ ، والمعنى: أخبروني عن المنيّ الذي تمنونه في الأرحام، أأنتم تخلقونه أم الله. أما إعراب ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ : فأرأيتم علمية تأخذ مفعولين: الأول اسم الموصول (ما) وجملة تمنون صلته، والعائد محذوف تقديره ما تمنونه، والمفعول الثاني الجملة الاستفهامية: ﴿أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ ، و ﴿َأَنْتُمْ﴾ مبتدأ وجملة تخلقونه خبره، و (أم) عاطفة متصلة، وقد اعترض على كونها متصلة بأن المتصلة هي التي تعطف المفردات، وهنا جاء بعدها جملة من مبتدأ وخبر، وأجيب عن هذا بأن ﴿الْخَالِقُونَ﴾ جاء توكيدا للفعل السابق وهو (تخلقون) ، وجاء أيضا لمراعاة الفواصل، فلو قيل أأنتم تخلقونه أم نحن لا كتفي به وتمّ المعنى المراد، وعلى هذا فالجملة بعد أم في تأويل المفرد. وجَوّز بعض العلماء أن تكون (أم) منقطعة بمعنى بل، والكلام معها يفيد التقرير، والمعنى: بل نحن الخالقون. وفي رأيي أن هذا لا يخلو من بعد وتكلف، وهو خلاف المعنى المتبادر. واستفهام ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ هنا يفيد التقرير والتوبيخ: التقرير بمعنى طلب الاعتراف بالإجابة عن السؤال الذي تضمنته ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ مع معمولها وهو: أخبروني مَنْ خالق المني الذَي تمنونه في الأرحام: أأنتم أم الله؟ ولما كانت إجابتهم عن هذا السؤال معلومة لا يشك فيها، وهي أن الله هو الخالق- استغنى عن ذكرها. ويفيد توبيخ هؤلاء المشركين على إنكارهم البعث، وتكذيبهم بقدرة الله تعالى عليه، مع أنهم يعترفون بأنه تعالى هو الذي خلقهم وأنشأهم أول مرة، وكان مقتضى اعترافهم هذا أن يؤمنوا بالبعث، لأن القادر على الخلق ابتداء قادر على الإعادة.

стр. 15836

الآية السابعة عشرة: في قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ َوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ إِنَّا لَمُغْرَمُونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ الآيات: (٦٣-٦٧) من سورة الواقعة. يردّ الله على المشركين الذين ينكرون البعث فيقول لهم ما يتضمن: أخبروني عن البذر اليابس الميت الذي تبذرونه في الأرض التي تحرثون، أأنتم تنبتونه وتجعلونه زرعا حيًّا ناميا يزهو ويرفّ، أم نحن؟ فإذا أقررتم بأن الله هو الذي يفعل ذلك- ولا محيص لكم عن هذا الإقرار- فكيف تنكرون قدرته على إخراج الأموات من الأرض وإعادتهم أحياء؟!! لو يشاء الله لجعل هذا الزرع الأخضر اليانع حطاما لا خطير فيه، فتصيبكم الحسرة والندم مما نزل به، وتظلون على ذلك تقولون إنّا لمهلكون، قد ذهب الذي بذرناه في الأرض سدي من غير عوض، وحُرمنا ما كنّا نرجوه من رزق وغلال وطعام. و ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ هنا بمعنى أخبروني والمستخبر عنه البذر الذي يبذرونه في الأرض التي يحرثون، ومتعلق الاستخبار ومناطه الجملة الاستفهامية: ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ . والمعنى: أخبروني أيها المشركون عن البذر الذي تبذرونه في الأرض التي تحرثون، أأنتم تنبتونه وتجعلونه زرعا أخضر ينمو ويرفّ وُيعجب أم الله؟ وقد جاء استفهام ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ مفيدا التقرير والتوبيخ: التقرير بمعنى طلب الاعتراف بالإجابة عن السؤال الذي تضمنته أرأيتم مع معمولها، وهو أخبروني عن البذر اليابس اَلميت الذي تلقونه في الأرض التي تحرثونها، من يُنبته لكم فيجعله زرعا حيًّا ناميا زاهيا؟ أأنتم أم الله؟ ولما كانت الإجابة عن هذا السؤال معلومة لا يشك فيها، وهي اعترافهم بأن الله جلّت قدرته هو الذي يفعل ذلك- استغنى عن ذكر هذه الإجابة.

стр. 15837

ويفيد التوبيخ توبيخ هؤلاء المشوكين على إنكارهم البعث وتكذيبهم بقدرة الله على إحيائهم بعد الموت، مع أنهم يشاهدون الدلائل والبراهين تملأ عليهم أبصارهم، ومنها هذا البذر الذي يلقونه في الأرض ميتا يابسا فيجعله الله تعالى زرعا حيًّا ناميا زاهيا. وإعراب ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ ومعمولها هنا قد مضى مثله في قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ﴾ من سورة الواقعة. الآية الثامنة عشرة: في قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ الآيات: (٦٨- ٧٥) من سورة الواقعة. يخاطب لله جلّ وعلا في هذه الآيات الكريمة المشركين الذين كانوا ينكرون البعث، يخاطبهم بما يتضمن: أخبروني عن هذا الماء الذي تشربون، أأنتم خلقتموه عذبا صالحا للشرب وأنزلتموه من السحاب أم نحن الخالقون المنزلون؟ إنّا نحن الخالقون المنزلون، وهذا ما لا سبيل إلى إنكاره، ولو شئنا لأمسكناه عنكم، أو جعلناه مِلْحا زُعاقا لا تنتفعون منه في شرب ولا زرع ولا في شيء غير ذلك. فهلاّ تشكرون الله الذي أنشأ لكم هذا الماء وأنزله عليكم عذبا فُراتا سائغا تشربون منه وتحيون ويحيا به كل شيء حي. فهلاّ تشكرون الله وتنبذون هذا الكفر الذي أنتم فيه وهذا الشرك الذي أنتم عليه، وهلا تعترفون بقدرة الله تعالى على أن يخلقكم مرة ثانية كما تعترفون بأنه الذي يخلق الماء في السحاب وينزله عليكم فيكون سببا في حياتكم وحياة ما حولكم من زرع وحيوان ونبات!!

стр. 15838

و ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ هنا بمعنى أخبروني، والمستخبر عنه الماء الذي يشربونه، ومتعلق الاستخبار ومناطه الجملة الاستفهامية: ﴿أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ ، والمعنى: أخبروني أيها المشركون الذين تنكرون البعث وقدرة الله على هذا البعث، أخبروني عن هذا الماء الذي تشربونه عذبا فُراتا فيكون به حياتكم، أأنتم أنشأتموه في السحاب وأنزلتموه منه أم نحن المنشئون المنزلون؟!! وقد جاء استفهام ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ هنا مفيدا التقرير والتوبيخ: التقرير على معنى طلب الاعتراف بالإجابة عن السؤال الذي تضمنته ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ ومعمولها وهو: أخبروني عن الماء الذي تشربونه، أأنتم خلقتموه عذبا صالحا للشرب وأنزلتموه من السحاب أم نحن المنزلون؟ ولما كانت الإجابة عن هذا السؤال معروفة لا يشك فيها وهي اعترافهم بأن الله تعالى هو الذي يفعل ذلكَ- استغنى عن ذكر هذه الإجابة. ويفيد توبيخ هؤلاء المشركين على إنكارهم قدرة الله تعالى على بعثهم بعد الممات، على حين يعترفون بقدرته تعالى على خلق الماء في السحاب وإنزاله عليهم فيكون سببا في حياتهم. وقد سبق إعراب مثل هذا الاستفهام في قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ﴾ . الآية التاسعة عشرة: في قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعاً لِلْمُقْوِينَ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ الآيات: (٧١-٧٤) من سورة الواقعة. في هذه الآيات الكريمة يردّ الله على المشركين الذين ينكرون البعث ويكذبون بقدرة الله تعالى عليه، يردّ عليهم بما يتضمن: أخبروني أيها المشركون عن هذه النار التي تخرج من الشجر الأخضر بحكّ بعضه ببعض، أأنتم أنشأتم شجرتها وخلقتم النار التي فيها أم نحن المنشئون الخالقون؟

стр. 15839

نحن جعلنا تلك النار تذكرة وتبصرة لمن يذّكّر ويعتبر ويفكر فيدرك أن القادر على أن يجعل النار تخرج من الشجر الأخضر المضادّ لها قادر على أن يجعل الأموات أحياء يوم القيامة. ونحن جعلناها أيضا نافعة ومتاعا لأولئك الذين هم في أشد الحاجة إليها، أولئك الذين يعيشون في القفار بعيدين عن حياة الحضر والاستقرار. وبعد أن ذكر الله ﷻ الأمور الأربعة السابقة وهي: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ﴾ ، ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ﴾ ، ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ ، ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ . هذه الأمور المتضمنة أمر خلقهم والنعم التي بها قوام حياتهم، هذه الأمور الدالة على قدرته تعالى على الإبداع والإنشاء والخلق، وعلى قدرته تعالى على بعث الأموات أحياء يوم القيامة، بعد ذلكَ أمر رسوله ﷺ (وكل من كان له أسوة حسنة برسوله مأمور كذلك) أمره بالاستمرار والمداومة على تنزيه الله تعالى عن كل ما لا يليق بجلاله وكماله، وعما يزعمه الكافرون من الأنداد والشركاء والعجز عن البعث، فقال تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ . و ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ هنا بمعنى أخبروني، والمستخبر عنه النار التي يورونها، ومتعلق الاستخبار ومناطه الجملة الاستفهامية: ﴿أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ﴾ . وقد أفاد استفهام ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ التقرير والتوبيخ: التقرير بمعنى طلب الاعتراف بالإجابة عن السؤال الذي تضمنته ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ مع معمولها وهو: أخبروني عن النار التي تَخرج من الشجر الأخضر، أأنتم أنشأتم شجرتها وخلقتم النار فيها أم نحن الخالقون المنشئون؟ ولما كانت إجابتهم عن هذا السؤال معلومة لا يشك فيها، وهي الاعتراف بأن الخالق المنشئ هو الله- استغنى عن ذكرها.

стр. 15840

ويفيد التوبيخ أيضا: توبيخ المشركين على إنكارهم البعث وتكذيبهم بقدرة الله تعالى على إحيائهم بعد مماتهم مع اعترافهم بقدرة الله تعالى على إخراج النار من الشجر الأخضر الرطب المضادّ لها، وهو من الدلائل العظيمة على انفراده تعالى بالخلق والإنشاء. أما إعراب ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ هنا فقد مضى إعراب مثله في قوله تعالى المتقدم: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ﴾ . الآية العشرون: قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ الآية: (٢٨) من سورة الملك. يُروى أن كفار مكة كانوا يدعون على رسول الله ﷺ وعلى من آمن به، يدعون عليهم بالهلاك، فأمر الله رسوله محمدا ﷺ أن يقول لهم ما يتضمن: أخبروني- أيها الكافرون- إن أهلكني الله تعالى ومن آمن بي فأماتنا أو رحمنا فأخّر آجالنا فمن ذا الذي يستطيع أن يجيركم من عذاب الله الأليم، ومن ذا الذي يستطيع أن يمنعكم من عقابه جزاء كفركم. و ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ هنا بمعنى أخبروني، والمستخبر عنه محذوف، ومتعلق الاستخبار ومناطه الجملة الاستفهامية: ﴿فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ والتقدير: أخبروني أيها الكافرون عن أنفسكم من يحميكم من عذاب الله الأليم إن أماتني الله ومن معي أو رحمنا فأخر آجالنا. أما إعراب ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ فهي علمية تأخذ مفعولين، وهما هنا محذوفان دلّ عليهما الشرط وجوابه، وتقديرها: أرأيتم أنفسكم أينجيكم أحد من العذاب إن أهلكنا الله أو أبقانا. أما الجملة الاستفهامية: ﴿فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ فقد أعربها أبو حيان في تفسيره البحر المحيط واقعة في جواب الشرط: ﴿إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ﴾ ، وقد اعترض في حاشية الفتوحات- على هذا الرأي بأن تسبب الجواب على الشرط فيه بُعد.

стр. 15841

والذي يبدو لي- والله أعلم- أن جملة ﴿فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ هي المفعول الثاني لأرأيتم، وأن الرابط الذي يربطها بالمفعول الأول هو الضمير الذي أقيم الاسم الظاهر وهو ﴿الْكَافِرِينَ﴾ مقامه، والتقدير: أرأيتم أنفسكم من يجيركم من عذاب الله الأليم، وتكون الفاء على هذا زائدة للتوكيد، ويكون جواب الشرط محذوفا، دلّ عليه وأغنى عن ذكره أرأيتم ومعمولها، والتقدير: إن أهلكني الله ومن معي أو رحمنا فأخبروني أي فائدة لكم في ذلك وهل ينجيكم هذا من العذاب. وقد أفاد استفهام ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ هنا التنبيه، والإنكار والتوبيخ: تنبيه المشركين على أن إماتة الرسول ﷺ قيم ومن آمن به لا تفيدهم شيئا ولا تحميهم من عذاب كفرهم، وأن عليهم بدل هذا الدعاء أن يوحدوا الله وأن يؤمنوا برسوله. ويفيد الإنكار على المشركين وتوبيخهم أن يدعوا على رسول الله ﷺ ومن آمن به- بالهلاك، وأن يتربصوا به ريب المنون، مع أن هذا الهلاك لا ينفعهم شيئا، ولا يحميهم من عذاب الله تعالى جزاء كفرهم، ولا يضرّ برسول الله ﷺ . الآية الحادية والعشرون: قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ الآية: (٣٠) من سورة الملك. في هذه الآية الكريمة يأمر الله نبيه محمدا ﷺ أن يقول للمشركين ما يتضمن: أخبروني أيها المشركون عن مائكم إن أصبح متواريا في جوف الأرض، لا تستطيعون أن تنالوا منه شيئا، أخبروني من يأتيكم بماء ظاهر تراه العيون، تشربون منه وتحيون.

стр. 15842

و ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ هنا بمعنى أخبروني، والمستخبر عنه محذوف، ومتعلق الاستخبار ومناطه الجملة الاستفهامية: ﴿فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ . والتقدير: أخبروني عن مائكم- إن أصبح غائرا في جوف الأرض- من غير الله يستطيع أن يأتيكم بماء ظاهر تراه العيون ومنه تشربون. أما إعراب ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ فهي علمية تنصب مفعولين: الأول ضمير محذوف يعود على َ ﴿مَاؤُكُمْ﴾ وتكون المسألة من باب التنازع: تنازع ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ و ﴿أَصْبَحَ﴾ في َ ﴿مَاؤُكُمْ﴾ فأرأيتم تطلبه على أنه مفعول به، وأصبح تطلبه على أنه اسم لها، فأعمل الثاني وأضمر في الأول وحذف. وأما المفعول الثاني لـ ﴿أرأيتم﴾ فجملة استفهامية محذوفة دلّ عليها جملة جواب الشرط: ﴿فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ . وتقدير المفعولين: أرأيتم ماءكم (إن أصبح غائرا) أيستطيع أحد غير الله أن يأتيكم ببدل منه. وقد جاء استفهام ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ هنا مفيدا التنبيه والتوبيخ: تنبيه المشركين على أن الله تعالى هو وحده الذي يأتيهم بالماء الذي منه يشربون ويحيون، وأن الأصنام لا تستطيع ذلك، فكان عليهم أن يؤمنوا بالله تعالى وأن يفردوه بالعبادة. وتوبيخ هؤلاء المشركين على تركهم عبادة الله الذي يأتيهم بالماء الذي منه يشربون ويحيون، وتوبيخهم على عبادتهم أصناما لا تستطيع أن تأتيهم بالماء إن أصبح ماؤهم غورا. أختي العزيزة: أرى رسالتي إليك قد طالت، وما كان لي يد في أن تطول، لقد آن لها أن تنتهي، وسوف أحدثك- إن شاء الله تعالى- عن بقية أساليب (أرأيت) في الرسالة التالية، وعن خصائص ومزايا جاءت في هذه الأساليب. اللهم سدّد خطاي، ووفقني إلى الصواب، فعليك أتوكل، وبك أستعين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أختك همزة الاستفهام

стр. 15843

الزَّلاَّقَة مَعركَةٌ مِنْ مَعَارِكِ الإِسْلاَمِ الحَاسِمَةِ فِي الأندَلُس للدكتور جميل عبد الله محمد المصري أستاذ مشارك بالجامعة الإسلامية الحمد لله الذي جعل أمة الإسلام خير أمة أخرجت للناس، أمة جهاد في سبيله، وأمة رحمة وهداية للعالمين، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي، النموذج العملي لرسالة الإسلام وعقيدته، جعله الله شهيدًا على أمته، وجعل أمته شهداء على النَّاس، ورضي الله عن صحابته الطاهرين، ومن قام بهديه إلى يوم الدين وبعد: فإن المعارك العالمية التي سجلها التاريخ كثيرة، تلك التي تمخضت عنها تغييرات شاملة، ذات نتائج خطيرة، وتبقى معارك الإسلام من أشهرها وأهمها، ذلك لأن المعركة في الإسلام ليست غاية في ذاتها، فهي محصلة لأمور كثيرة، إذا وصلت إلى حدّ معينّ لابد من معركة حربية، ومفهوم الجهاد واضح المعنى وواضح الهدف، هو قتال في سبيل الله، يهدف إلى تبليغ الدعوة، ومدّها، أو تثبيتها والدفاع عنها، فإذا وصلت الأمور حاجزاً لا مجال لاختراقه بوسيلة أخرى كانت المعركة، ولابد مِن الصبرِ عليها، ومن هنا فإن معارك الإسلام تخدم الدعوة في الدرجة الأولى امتدادا أو دفاعًا أو تثبيتًا. ومنذ معركة بدر الفاصلة –الفرقان- التي قادها سيد الخلق محمد ﷺ ، والمسلمون يحاولون الوصول في معاركهم إلى مستواها في أهدافهِا ومعانيها، وتنظيمها، ونتائجها. فكانت معركة خيبر في عهده ﷺ ، التي وضعت حداً نهائياَ لتسلط اليهود في بلاد العرب، ثم كانت اليرموك التي قررت مصير بلاد الشام ومصير الإمبراطورية الرومانية كله، والقادسية التي قررت مصير العراق وبلاد فارس وإمبراطورية الفرس.

стр. 15844

وهكذا تتابعت معارك الإسلام وتتالت، إلى أن كانت في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري معركتان: ملاذكرد (منزكرت) في آسيا الصغرى التي قررت مصير آسيا الصغرى عام ٤٦٣ هـ، والزلاقة على أرض الأندلس الشهيدة التي أوقفت الزحف الصليبي النامي إلى حين، عام ٤٧٩ هـ. فقد ساءت حالة العالم الإسلامي في بداية القرن الخامس الهجري شرقاً وغرْباً، فعم الرفض، وفشا التفرق في المغرَب بسقوط الخلافة الأموية وتمزق الدولة العامرية، ولكن الله هيأ للمسلمين: السلاجقة في المشرق، حيث بلغت دولتهم ذروة القوة في منتصف القرن الخامس الهجري. والمرابطين في المغرب، وبلغت ذروتها في الوقت ذاته. وكلتا القوتين اتخذ الجهاد سبيلاً لإعزاز الإسلام والمسلمين ونصرة الدين. وكلتاهما مدّ الإسلام إلى آفاق واسعة. فقد مدّ السلاجقة الإسلام في آسيا الصغرى وأصبحت من ديار الإسلام، ومدّ المرابطون الإسلام إلى أفريقية الغربية وعبر الصحراء إلى السودان، وقاموا بواجبهم في نصرة إخوانهم في الأندلس، وحماية الإسلام. حالة المغرب والأندلس في النصف الأول من القرن الخامس الهجري التي هيأت لمعركة الزلاقة: أولاً: شمال أفريقيا ودولة المرابطين في المغرب:

стр. 15845

انتثر ملك الخلافة بالمغرب (١) ، وانقسم إلى إمارات صغيرة متفرقة، فقد أقام المعزّ بن باديس سنة ٤٤٠ هـ الدعوة للقائم بالله الخليفة العباسي وخلع طاعة المستنصر العبيدي، (وكان قبل ذلك يسب بني عبيد سرّاً) ، فبعث المستنصر القبائل العربية من بني هلال ورياح وزغبة لمحاربته، فكانت الحروب الهائلة بين ابن باديس والعرب الذين دخلوا القيروان (٢) . وكثر المتغلّبون على الشمال الأفريقي بأجمعه، فاستولى بنو هلال على المناطق الممتدة في الداخل من قابس إلى المغرب، وظل بنو زيري يحتفظون بالمهدية وما يليها، واستقر أمر بني حماد في بجاية، واستقل حمو بن ومليل البرغواطي في صفاقس بعد أن حالف العرب، واستقل ابن خراسان بتونس سنة ٤٥٨ هـ، واستقل موسى بن يحيى بفاس، وحاكم قفصة الزيري بعد أن استعان بالعرب مقابل جزية سنوية (٣) . كما تعرض الشمال الأفريقي لغارات النورمان يدفعهم الحقد الصليبي، فقد تملكوا صقلية من المسلمين بقيادة رجار سنة ٤٦٤ هـ (٤) ، ماعدا مدينتي قصريانه وجرجنت، اللتين حاصروها حصاراً شديداً، واستسلمت جرجنت سنة ٤٨١ هـ، وتبعتها قصريانه سنة ٤٨٤ هـ (٥) . وشجع البابا فكتور الثالث على تكوين طائفة من رجال البحر من بيزه وجنوة للإغارة على السواحل الإسلامية الأفريقية، فهاجموا مدينة المهدية وزويلة، وعادوا بعدد عظَيم من أسارى المسلمين رَجالاً ونساء (٦) وبمبلغ عظيم من الذهب والفضة مقابل رحيلهم وذلك سنة ٤٨٠ هـ

стр. 15846

وفي هذه الظروف الحالكة انبعثت من قلب الصحراء الكبرى الأفريقية، قوة إسلامية، تدعو إلى التمسك بالِإسلام، مصدر قوة المسلمين، وتجدد جريان الحياة في تياره، باتخاذه دستوراَ يحكم حياة الإنسان في جميع نواحي الحياة. فقد توجه يحي بن إبراهيم الجدالي- أمير جدالة- في جماعة إلى الحج (١) عام ٤٤٠ هـ، وعرجوا في عودتهم على القيروان، واستمعوا إلى علمائها، وكانت في هذه الفترة قد نبذت المذهب الشيعي، وعادت إلى أهل السنة والجماعة، فاسترجعت مكانتها كقاعدة للمذهب المالكي في المغرب، فاتصلوا بأبي عمران موسى الفاسي شيخ المذهب المالكي (٢) ، وطلبوا منه أن يرسل معهم عالماً يعلمهم الدين، فأرسل معهم الشيخ عبد الله بن يِاسين الجزولي (٣) وكان من حذاق الطلبة ومن أهل العلم والصلاح، واعتبر عمل هذا جهاداً لنشر تعاليم الإسلام الصحيحة بين الذين حرموا من نعمة المعرفة والعلم. فقام بدوره، فأخذ يفقه الناس ويعلمهم الشريعة، وأقام رباطاًَ يرجح إن مكانه في السنغال أو النيجر، والتف حوله جماعة من لمتونة إحدى بطون صنهاجه كجدالة من البرانس البربر؛ بلغ عددهم حوالي الألف رجل، أطلق عليهم اسم (المرابطون) نسبة إلى رباط عبد الله بن ياسين، حيث تلقوا فيه تكوينهم الديني والجهادي، وحوّلهم من رعاة إبل إلى جماعة من المجاهدين، يحملون عبء تبليغ الدعوة الإسلامية، وتصحيح مفاهيم العقيدة. وسمّوا بالملثمين أو الملثمة لاتخاذهم لثاماً داكن اللون يغطي الجزء الأدنى من وجّهوهم (٤)

стр. 15847

وكان على رأسهم المجاهد يحي بن عمر بن إبراهيم اللمتوني الذي توفي سنة ٤٤٦ هـ أو٤٤٧ هـ (١) ، فخلفه أخوه: أبو بكر بن عمر اللمتوني، وكان كأخيه مثال الإخلاص والتضحية والقيادة الناجحة، فمدّ الإسلام في إفريقية وبلاد السودان، وأمضى حَياته في الجهاد، وتنازل لابن عمه يوسف بن تاشفين الذي أثبت مقدرة ومهارة أكسبته مكانة عالية بجانب شهرته العسكرية (٢) ، واستمر أبو بكر في جهاده إلى أن استشهد في الصحراء عام ٤٨٠ هـ (٣) . اتخذت الدولة المرابطية أغمات عاصمة وهي على بعد ٣٥ كم جنوب شرقي مدينة مراكش، ثم اختط يوسف مدينة مراكش عام ٤٥٤ هـ/١٠٦٢ م أو بعدها بقليل، وأسس قصبة ومسجداً، وكان يشارك العمال بنفسه في بناء المسجد تواضعاً لله وتورعاً (٤) . تمكن المرابطون بقيادة يوسف من توحيد المغرب وإنقاذه من الفرقة وأزالوا المنكرات، ورفعوا المكوس الجائرة، وفرقوا الأخماس على المرابطين والفقهاء، وطبقوا أحكام الدين، وقضوا على الروافض، ورجع من بقي منهم إلى أهل السنة والجماعة، كما قضوا على مذهب صالح ابن طريف الإباحي، وكان يهودي الأصل نشر مذهبه بين قبيلة برغواطه (٥) وأصبحت دولتهم تستعد للامتداد إلى الأندلس، وهمّ يوسف بذلك وأخذ في إنشاء المراكب والسفن ليعبر فيها (٦) ثانيًا: الأندلس بعد سقوط الدولة العامرية: نعمت الأندلس الإسلامية بالأمن والرفاهية في ظلّ الدولة الأموية وفي عهد الدولة العامرية، ومدّت نفوذَها على جميع شبه الجزيرة الأندلسية والمغرب، وركدت حركات النصارى، وامتلأت قلوبهم رعباً، فقلّ عبثهم، وخطب ملوكهم ودّ الدولة الإسلامية في أكثر عهودها.

стр. 15848

ولما انقطعت تلك الدولة قام الطوائف بعد الخلائف، وانتزى الأمراء والرؤساء من البربر والعرب والموالي بالجهات، واقتسموا خططها، وتغلّب بعض على بعض (١) ، وكثرت الفتن وانبسط عدو الدين في الجزيرة وبلغ منهم كلّ مبلغ ما بين قتل وأسر، وهم (أي ملوك الطوائف) في تحاسد واختلاف الكلمة وانتحال الأوصاف، واقتسام ألقاب الخلافة، فتلقّبوا بالناصر، والمنصور، والمعتمد، والمظفر، والمتوكل، والقادر، والمؤتمن، وغير ذلك، فمال شاعر الأندلس أبو بكر محمد بن عمار أو غيره (٢) : مما يزهدني في أرض أندلس أسماء معتمد فيها ومعتضد ألقاب مملكة في غير موضعها كالهر يحكي انتفاخاً صولة الأسد

стр. 15849

واستعان بعضهم على بعض بأعدائهم من نصارى الشمال، فوجد النصارى الفرصة للقضاء علىِ المسلمين جميعاً في شبه الجزيرة، فأخذوا يضربونهم، بعضهم ببعض، ويدفعون كلا منهم للصراع، ويغرونهم بشتّى الإعانات، والخداع، والمكر، والكيد، حتى يتمكّنوا من أخذ البلاد والاستيلاء على الطّارف والتّلاد (١) كما نشروا الجواسيس لإيجاد الصدع في صفوف المسلمين (٢) ، وتنازع الإخوة من ملوك الطوائف على الملك (٣) ، واستعان كلّ منهم بالعدوّ الصّليبي على أخيه، ولبَّى النّصارى الاستغاثات لأنهم وجدوها فرصة لتصفية الحساب مع المسلمين، فكانوا يقدمون الضّمانات الزّائفة، والوعود الكاذبة للجانب الذي ظهر رجحان كفته، حتى إذا أوشك على النّصر قلبوا له ظهر المجنّ وعملوا على ترجيح كفّة منافسه (٤) كما أخذت الكنيسة في روما تتحرّك بقوّة بما لاحظته من ضعف المسلمين، فعملت على تكتّل نصارى أسبانيا، وعلى تكتّل النّصارى في أوربا لتوحيد العمل ضد الإسلام والمسلمين. والحقّ أن الأفرنج ما طمعت في الأندلس إلاّ عندما تفرقت البلاد، وصار كلّ بلد بيد ملك، فحينئذ طمع الفرنج فيهم، وأخذوا كثيراً من ثغورهم (٥) ، وأنهكوا قوى المسلمين واستنزفوها. فاتخذت الحرب في الأندلس وجهة الحرب الصليبية قبل أن تعلن بصفة رسمية في الشرق. إذ قرّر البابا الأسكندر الثاني عام ٤٥٦هـ/١٠٦٣م منح مغفرة خاصة لكل من يشدّ الرّحال لقتال المسلمين في أسبانيا، فهب عدد كبير من فرسان فرنسا

стр. 15850

وأوربا لمساعدة إخوانهم في ما وراء الجبال (١) فقويت الممالك النصرانية في شمال الأندلس، وتوالت غاراتها على المسلمين، وطمع فردلند (فرناندو الأول) ملك قشتالة وليون فاستولى على بعض المناطق القاصية من الشمّال الغربي سنة ٤٤٩هـ/١٠٥٧م وحاصر مدينة باز وجنوب دويرة، واقتحمها بعد دفاع مجيد من المسلمين وعاث فيها قتلاً وأسراً، كما هاجم واحتل مناطق من مملكة بطليوس الخاضعة لبني الأفطس، وعاث عام ٤٥٤ هـ في الأنحاء الشمالية لمنطقة طليطلة وحكامها بنو ذي النّون، وفي بعض مناطق اشبيلية حيث بنو عباد، وسقطت بيده مدينة قلمرية (قلنبيره) عام ٤٥٦/١٠٦٤م (٢) . وهاجم النورمان مدينة بربشتر وتقع على بعد ٦٠ كم شمال شرق سرقسطة وإحدى القواعد الأندلسية المنيعة، وتغلّبوا عليها بعد حصار أربعين يوماً سنة ٤٥٦ هـ وارتكب النصارى فيها جرائم مذهلة مثيرة بقيادة جيوم دي مونري من أكابر فرسان عصره. وكان في خدمة الجيوش الرومانية والبابوية (٣) ، فقد استباحوا المدينة بعد أن أمّنوا سكانها بكلّ ما فيها ومن فيها، وقدّر عدد القتلى والأسرى بين أربعين ألف ومائة ألف، ثم أعطى قائد الحملة الأمان لكنه- حين رأى كثرة أهل المدينة- أمر جنده أن تقلّل أعدادهم حصاداً بالسّيف، فأطيح أرضاً بستة آلاف من الرؤوس، ثم انتهبوا المدينة، واحتلّوا دورها لأنفسهم وارتكبوا أبشع الجرائم قتلاً وهتكاً للأعراض. وكان (الخطب أعظم من أن يوصف أو يُستقصى) كما يقول ابن حيّان (٤) فأثر الخطب في المسلمين وتداعوا إلى الجهاد، فتمكّنوا من استرجاعها عام ٤٥٧ هـ ومُزّق المعتدون بعد أن دام احتلالها تسعة شهور (٥) .

стр. 15851

وتوفي فردلند (فرناندو الأول) ملك قشتالة وليونِ عام ٤٥٨هـ/١٠٦٥م بعد أن قسّم دولته بين أولاده الثلاثة، حيث تحارب الأخوة حربا لم يستغلها المسلمون لتفرقهم ولتمكنّ الروح الانهزامية في نفوسهم، وانتصر في هذه الحروب شانجه وهرب أخوه الفونسو (الاذفونش) ولجأ إلى طليطلة عند ملكها يحي بن إسماعيل بن ذي النون الملقب بالمأمون، فقابله بالترّحاب وبالغ في إكرامه، وأنزله داراً مجاورة لقصره، وجعل له داراً أخرى خارت المدينة ذات حدائق تكون متنزّهاً له ولمرافقيه، حيث قضى تسعة شهور درس فيها أحوال المدينة تمهيداً للاستيلاء عليها. وكان الأخ الثالث غرسيه قد لجأ إلى اشبيلية عند بني عباد. واغتيل شانجه عام ٤٦٥هـ/١٠٧٢م فاستدعي الفونسو لتولّي الحكم، بعد أن قطع الوعود للمأمون، وأصبح ملكاً لقشتالة وليون وجيليقية باسم الفونسو السادس (الاذفونش عند المسلمين) فتوحدّت أسبانيا النصرانية حيث قضى غرسيه الأخ الثالث بقيّة عمره في السجن لمدة سبعة عشر عاماً (١) من هذا العرض لأوضاع المغرب والأندلس نرى أن المغرب الإسلامي كان يمر في حركة تغيير شاملة على أسس إسلامية، وعلى يد المرابطين، وتنبعث فيه حياة جديدة، وقوة وثّابة، كالحركة التي شهدها المشرق الإسلامي على يد السلاجقة. في حين كانت الأندلس الِإسلامية تشهد حركة عكسية، حركَة يتوالى فيها تمزّق المسلمين، وتتوالى الانتكاسات، وتسرّبت إلى زعمائهم الروح الانهزامية أمام القوى النّصرانية الصّاعدة الحاقدة على الإسلام وأهله، والتي تجنّدها البابويّة من نصارى أسبانيا وأوربا. وأمام فقدان المسلمين في الأندلس قوتهم الذاتية تلمّسوا حولهم، فوجدوا القوى الإسلامية في العدوة الأخرى، فاندفعوا للعمل للاتصال بالأخوة، وخاصة بعد قمة الفاجعة الأندلسية- سقوط طليطلة بيد النصارى. ثالثاًَ: سقوط طليطلة- زلزلة الأندلس الإِسلامية-:

стр. 15852

كانت طليطلة من أجلّ المدن الإسلامية وأعظمها خطراً (١) ، ومن- أكبر بلاد الأندلس وأحصنها، حكمها من الطوائف بنو ذي النون الهواري، وأوّلهم الأمير إسماعيل عام ٤٢٠هـ، ثم تملّك المأمون بعد أبيه عام ٤٣٥هـ (٢) ، فعكف على اللذات والخلاعة، وصادر الرعيّة، وهادن العدوّ، فطمعت فيه الفرنجة بل في الأندلس، وأخذت عدّة حصون، وكان قد استعان بهم على تملّك مدائن الأندلس، وغدر به ملكهم، وأخذه رهينة حتّى أعطاه ما طلب من الحصون، وقرّر عليه مالاً كلّ سنة، وعاد ذليلاً مخذولاً وذلك بما قدّمت يداه، إلى أن توفي عام ٤٦٠هـ (٣) مقتولاً بيد القاضي ابن جحّاف، فخلفه القادر بن يحي في الحكم (٤) الذي لجأ إلى بلاطه الفونسو السادس، وأقام فيه تسعة شهور، ولاقي الإكرام الزائد، والمجاملات الكثيرة إلى أن غادرها حاكماً للنّصارى، بعد أن ارتبط ببني ذي النون بروابط الصداقة وأعطى العهود والمواثيق.

стр. 15853

أصبح شغل الفونسو الشاّغل الاستيلاء على هذا البلد الذي آواه وأكرمه، وكان قد درس وسائل احتلالها أثناء لجوئه، بل وتذكر بعض الروايات أنه استمع ذات يوم وهو متظاهر بالنوم إلى حديث المأمون مع وزرائه في كيفية الدفاع عن طليطلة إذا هاجمها النصارى، وقد أجاب بعضهم: أن النّصارى لا يستطيعون الاستيلاء عليها وهي المدينة الحصينة إلا إذا أنفقوا سبعة أعوام على الأقلّ في تخريب أحوازها وإنتساف قوتها (١) ، وتمكن الفونسو من الإطلاع على عوراتها (٢) . فأخذ بالإغارة على أراضيها وعاث فيها سفكاً وتخريباً، وانتسف مزارعها، بالاتفاق (ياللأسف) مع ابن عباد أمير اشبيلية، وأعظم ملوك الطوائف، الذي تحالف معه وتعهّد بمعاونته بالجند والمرتزقة ضد جميع المسلمين مقابل ألاّ يتعرض لمشروعه في مهاجمة طليطلة، فضحّى المعتمد بمعقل الأندلس المسلمة مقابل وعود خدّاعة، ودفع للادفونش الجزية (٣)

стр. 15854

استمرّ الفونسو في غاراته على أراضي طليطلة دون أن يجد من يردعه، وبعد أن أنهكها تقدّم لحصارها، واستمرّ في حصارها سبع سنوات (١) وارتكب بها وبأهلها الأفاعيل وأُنزلت الآثامٍ، وتمثّلت النزّعة الصّليبيّة واضحة في هذا الحصار، فقد ضمّت القوات النّصرانيّة جنوداً من جميع أسبانيا النّصرانية من قشتاله وليون وارغون، ومتطوعين نصارى من المغامرين من فرنسا وألمانيا وإنكلترا وغيرها من أوربا النصرانية (٢) ، تباركهم الكنيسة. في حين بقيت طليطلة المسلمة وحيدة تصارع هذه القوى، وأمراء الطوائف جامدون لا يتحرّكون، وكأن الأمر لا يخصهم، بل ارتمى بعضهم كزعيمهم ابن عباد على اعتاب الفونسو، وتغافلوا عن الحقيقة: (إن النصارى لا يفرّقون بين طليطلة وغيرها من القواعد الإسلامية) ولم يقم بواجب نجدتها إلا المتوكّل على الله عمر بن محمد بن الافطس أمير بطليوس الذي وقف مجاهداً عن الإسلام وأهله كوالده الذي كان قد دعا إلى وحدة الأندلس للوقوف في وجه النصارى، وأنحى باللائمة على ابن عباد الذي مالأ الاذفونش، وبينّ أن سبب تكالب الأفرنج على بلاد المسلمين يكمن في ذنوبهم وتفرّقهمِ (٣) ، واستمرّ في جهاده إلى وفاته سنة ٤٧٠هـ. فكان ابنه المتوكل هذا لا يقلّ عنه جهاداً، وقد ثار أهل طليطلة عام ٤٧٢ هـ ضد القادر وخلعوه لتعاونه معِ الاذفونش وخياناته، واستدعوا المتوكّل ليتولىّ أمرها، فقبل مكرهاً، وأقام عندهم نحواً من عشرة أشهر ليعود إلى بطليوس حين علم باستعانة القادر بالاذفونش وتقدّمهما نحو طليطلة (٤) .

стр. 15855

يئس أهل طليطلة من نجدات المسلمين، ففاوضوا الاذفونش من أجل التّسليم، وكالعادة أعطى لأهلها الأمان لضمان حرّيّاتهم، واحترام شعائر دينهم، وحقوقهم، وحرمة مساجدهم، وكعادته أيضاً نقض هذه العهود بعد شهرين فقط، وحوّل مسجدها الجامع إلى كنيسة، وحطّم المحراب ليقام الهيكل مكانه (١) ،وارتكب بأهلها الأفاعيل وأنزل بها الآثام (٢) ،تباركه الكنيسة في ذلك، واتّخذها عاصمة لأسبانيا النّصرانيّة. وكان سقوطها في منتصف المحرم سنة ٤٧٨هـ. وأسفر سقوط طليطلة عن نتائج هامة: فقد اشتدّ طمع النّصارى في بلاد الأندلس الإسلامية، فشنّ الأذفونش الغارات على جميع الأندلس المسلمة، وفاز باستخلاص جميع أقطار ابن ذي النون واستئصالها، وذلك ثمانون منبراً، سوى البُنيّات والقرى المعمورات، وحاز من وادي الحجارة إلى طلبيرة، وفحص اللجّ، وأعمال شنزية كلّها، وتسمّى (بالإمبراطور) أو (الإمبراطور ذي الملتين الإسلامية والنّصرانية) . وطمع في ملوك الطوائف، وعاملهم معاملة الأتباع الأذلاّء (٣) ، وتصوّر أنهم غدوا كافّة رهن إشارته، وطوع بنانه، وانّه سيقضي عليهم الواحد بعد الآخر، ورفض جزيتهم وردّها كما فعل مع ابن عباد، ووصفهم بالحمقى الذين تلقبوا بأسماء الخليفة وهم لا يملكون لأنفسهم ضرّاَ ولا نفعاً (٤) وتسلل اليأس إلى نفوس المسلمين من ملوك الطوائف، وغدت الأصوات اليائسة ترتفع، وفي ذلك يقول عبد الله بن فرج اليحصبي المشهور بابن العسّال أو غيره (٥) : يا أهل أندلس حثّوا مطيّكم فما المقام بها إلا من الغلط الثّوب ينسل من أطرافه وأرى ثوب الجزيرة منسولاً من الوسط ونحن بين عدوّ لا يفارقنا كيف الحياة مع الحيّات في سفط

стр. 15856

هذا وقد نُظّمت قصائد كثيرة في سقوط طليطلة وغيرها من المدن والحصون يظهر فيها الأسى والحزن. وأدرك ملوك الطوائف عزلتهم عن أمّتهم، وأنّ النّصارى لا يفرّقون بينهم في المعاملة، وينظرون إليهم نظرتهم الحاقدة إلى المسلمين تحثّهم على ذلك الكنيسة بروحها الصّليبية، فتنادوا للّقاء، وتداعوا للوحدة استجابة أو مسايرة للرأي العام المسلم. رابعاً: دور العلماء في الدّعوة إلى الوحدة في الأندلس: للعلماء المسلمين دور كبير في جميع عهود التاريخ الإسلامي، في الدّعوة إلى لمّ الشمل والوحدة، وإلى الجهاد. فمنذ سقوط الدولة العامرية في الأندلس وتفرّقها إلى طوائف، ارتفعت أصوات العلماء بالدّعوة إلى الوحدة، إدراكاً منهم للخطر الذي يتهدّد المسلمين من النّصارى، ومن العلماء الذين قاموا بجهود في هذا المجال: ابن عبد البر: (أبو عمر يوسف بن عبد الله النّمري) علامة الأندلس والمغرب الكبير (ت عام ٤٦٣ هـ) عن عمر ناهز الخامسة والتسعين، فقد جلا عن وطنه قرطبة وتجوّل في أنحاء الأندلس فسكن دانية، وبلنسية، وشاطبة وبها توفي. وولي قضاء الأشبونة، وشنترين في مدّة المظفّر بن الأفطس، وكان خلال تنقّله وتدريسه يدعو إلى نبذ التفرّق ولمّ الشّمل (١) .

стр. 15857

وابن حيان: (أبو مروان حيان بن خلف الأموي مولاهم) (١) ، الذي علّق على أحداث الأندلس، وبشكل خاص نكبة بربشتر عام ٤٥٦هـ، وعلّل أسبابها، وأنحى باللائمة على النّاس والحكّام بما ارتكبوا في جنب الله من ذنوب إهمالهم، بتقصيرهم في الأخذ بالشريعة، وتهاونهم في تنفيذ أوامرها، مما جرّهم إلى حالة الفرقة وأذهبت قوّتهم فقد "أركستهم الذنوب، ووصمتهم العيوب، فليسوا في سبيل الرشد بأتقياء، ولا على معاني الغيّ بأقوياء، نشء من النّاس هامل، يعلّلون نفوسهم، من أوّل الدّلائل على فرط جهلهم بشأنهم وإغزارهم بزمانهم، وبعادهم عن طاعة خالقهم، ورفضهم وصيّة رسوله نبيّهم ﵊، وهووهم عن النّظر في عاقبة أمرهم، وغفلتهم عن سدّ ثغرهم، حتى لظلّ عدوّهم السّاعي لإطفاء نورهم، يتبجّح عراض ديارهم، ويستقري بسائط بقاعهم، يقطع كل يوم طرفاً منهم وسرامة، ومن لدينا وحوالينا من أهل كلمتنا صموت عن ذكرهم، لهات عن لبهمّ، ما أن يسمع عندنا في مسجد من مساجدنا، ومحفل من محافلنا، مذكّر بهم أو داع لهم، فضلاً عن نافر إليهم أو مواس لهم، حتى كأن ليسوا منّا، وكأن فتقهم ليس بمفض إلينا، قد بخلنا عليهم بالدّعاء بخلنا بالفناء، عجائب مغربة فاتت التّقدير، وعرضت للتّغيير، ولله عاقبة الأمور واليه المصير". وقد أوقع ابن حيّان نصيباً كبيراً لهذه الأحوال على أمراء السوء في دول الطّوائف، الذين انحرفوا عن نهج الإسلام، ملوّماً الناس لركونهم إلى أمثال هؤلاء الأمراء.

стр. 15858

وأبو الوليد الباجي: (سليمان بن خلف التجيبي القرطبي (٤٠٣-٤٧٤ هـ) الذي جاب أقطار المشرق الإسلامي، فجاور بمكة ثلاثة أعوام، ورحل إلى بغداد ودمشق والموصل، واستغرقت رحلته ثلاثة عشر عاماً، عاد بعدها إلى وطنه فولي المضاء لأماكن متعدّدة، وصنّف التّصانيف الكثيرة (١) ، ودعا إلى الوحدة من تلقاء نفسه أوّلاً، ثم نشط أكثر بعد حادثة بربشتر عام ٤٥٦ هـ تلك التي نبهت غيارى المسلمين إلى الخطر الكامن وراء هذه الأحداث المؤلمة، ثم عمه المتوكّل بن الأفطس، وشدّ من عضده، بل كلّفه أو وجّهه إلى الجهاد، فأخذت دعوته طريقها الرسمي بذلك. وابن حزم: (أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد) الوزير الظاهري، الذي تجوّل في الأندلس، داعياً إلى الوحدة، ووجّه النّقد اللاّذع لملوك الطوائف وبين استهتارهم، وما أورثوا الأمة من الوهن والانحدار، ودعا إلى الجهاد، ومن جيد شعره في ذلك: مناي من الدنيا علوم أبثّها وأنشرها في كلّ بادٍ وحاضر دعاء إلى القرآن والسّنن التيِ تناسى رجال ذكرها في المحاضر والزم أطراف الثّغور مجاهداًَ إذا هَيْعة ثارت فأوّل نافر لألقى حمامي مقبلاً غير مدبر بسمر العوالي والرّقاق البواتر كفاحا ًَ مع الكفّار في حومة الوغى وأكرم موت للفتى قتل كافر فيا ربّ لا تجعل حمامي بغيرها ولا تجعلنيّ من قطين المقابر

стр. 15859

وهناك كثير من العلماء قاموا بدورهم في هذا المجال مثل: حاتم بن محمد الطرابلسي القرطبي المحدّث (ت عام ٤٦٩ هـ) . وأبو العباس المعذري أحمد بن عمر بن أنس بن دلهات الأندلسي المدلائي (١) . وأبو عبد الله الحميدي محمد بن أبي نصر الميورقي (٢) . وأبو المعالي إدريس بن يحي الأشبيلي (٣) . والفقيه أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد قاضى الجماعة بقرطبة (٤) ، وعبد الله بن غالب المالكي مفتى أهل سبتة (٥) . وأبو القاسم المهلب بن أحمد الأسدي الأندلسي قاضي المرية (٦) . ومكي بن أبي طالب القيسي (٧) . ومحمد بن عبد الله المعافري محدّث قرطبة (٨) . وعثمان بن سعيد القرطبي الصيرفي (٩) . وعبد الله بن الوليد الأنصاري الأندلسي (١٠) . وابن العربي أبو محمد عبد الله الأشبيلي والد القاضي أبي بكر (١١) .

стр. 15860

والطلاعي أبو عبد الأحد بن الفرج القرطبي المالكي مفتي الأندلسي ومحدّثها (١) . وحكم بن محمد أبو العاص الجذامي القرطبي مسند الأندلس (٢) . والقاسم بن محمد بن هشام الرعيني السبتي المالكي (٣) . وأحمد بن سليمان الباجي (٤) . وأبو بكر محمد بن أحمد من أهلَ قرطبة الذي تطوّع محاولاً إزالة الخلافات بين ملوك الطّوائف، وسعى بجمع كلمتهم، وكان من بيت وزارة وجلالة (٥) . كما اشترك في ذلك أبو الفتح نصر بن الحسنِ الترني الشاشي التنكتي من علماء المشرق (وتنكت من أعمال الشاش) وقد جاب البلاد محدّثاًَ وتاجراً، وسمع في مصر والشام والأندلس وتوفي سنة ٤٨٦ هـ (٦) .
следующие страницы →