Полный текст (23 804 стр.). Показаны 16171–16210 · переход к 16176.
стр. 16171
الثانية: أنهم لما دلهم على الله بالبراهين ولم يستمعوا له وأعرضوا عزم على الكيد لأصنامهم فقال: ﴿وَتَالله لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً إِلا كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ قَالُوا سَمِعْنَا فَتىً يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [١٣٣] ، وهذا القول ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُم هذا﴾ ظاهره إسناد التحطيم إلى الصنم الكبير على أنه هو الذي حطم أصنامهم التي كانوا يعبدونها من دون الله، وهذا هو المفهوم الظاهر لأول مرة، وباطنه التوبيخ والتهكم والاستهزاء، والباعث له على ذلك أن يضطرهم إلى أن يسألوا آلهتهم عمن فعل بها التحطيم فلا تستطيع جواباً، فيتبين لهم أنهم على الباطن ببرهان عملي سديد، وهذا ما وقع منهم بالفعل لكن غلبت عليهم شقاوتهم قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ الله مَا لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ الله أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [١٣٤] .
стр. 16172
الثالثة: قوله عن زوجته سارة وقد سأله الجبار عنها " هذه أختي "ظاهره أخوة النسب، وهي التي فهمها الجبار ولم يفهم غيرها، وباطنه أخوة الدين وهي التي أرادها الخليل ﵇، والباعث لإبراهيم ﵇ على هذا التعريض مع أن ذلك الجبار يريد اغتصابها أختا كانت أو زوجة أنه كان من عادة الجبار أن يقتل زوج من يغتصبها لغيرته منه، ولا يقتل أخاها لضعف غيرته منه، فلذلك قالت إبراهيم "أختي "لينجو من القتل وفي نجاته إعلاء لكلمة الله وتبليغ رسالته للناس.
ولا يرتاب أحد في أن الكذب المحض في مثل هذه المواقف الثلاثة جائز بل واجب، ولكنه لم يلجأ إليه ليعلو مقامه، وقوة فطنته وذكائه، وإنما لجأ إلى المعاريض، وهي أنه لطيفة من الحيل الجائزة التي يترتب عليها إعلاء كلمة الله، ونصرة الإسلام والمسلمين.
٦- عن جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ قال: "الحرب خدعة " [١٣٥] .
قلت: اتفق الفقهاء على جواز خداع الكفار في الحرب إلا أن يكون فيه نقض عهد أو أمان فلا يجوز، كما يدل أيضاً على تحذير المؤمن من خداع الكفار لئلا تكون الغلبة عليهم.
والخدعة في الحرب من قبيل الحيل التي يحتال بها لعزة الإسلام والمسلمين ولها أضرب متعددة وأساليب متنوعة، بل أصبحت حديثاً من أشد الأَسلحة فتكاً في الدفاع أو في الهجوم، ومن أمثلة الخداع في الحرب: التورية في الغزو، روى الشيخان عن كعب بن مالك ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ قلما يريد غزوة يغزوها إلا ورى بغيرها حتى كانت غزوة تبوك فغزاها رسول الله ﷺ في حر شديد، واستقبل سفراً بعيداً ومفازاً، وعدواً كثيراً فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم " الحديث [١٣٦] .
стр. 16173
ومن أمثلته أيضاً ما فعله نعيم بن مسعود من إلقاء العداوة والبغضاء بين مشركي العرب وبين اليهود في غزوة الخندق وكان ذلك من أسباب الظفر والنصر، ثم أرسل الله على المشركين ريحاً فرقت ما بقي من أمرهم [١٣٧] .
ومن أمثلته أيضاً ما حصل من محمد بن مسلمة من تلطفه لعدو الله كعب بن الأشرف اليهودي وقتله على غرة وكفى الله المؤمنين شره [١٣٨] .
ومن ذلك أيضاً قتل أبي رافع سلام بن أبي الحقيق اليهودي قتله عبد الله بن عتيك ﵁ بأمر من النبي ﷺ [١٣٩] .
هذه نماذج وشواهد من دلالة الآيات القرآنية والسنة النبوية على الحيل التي لا تناقض مقاصد الشارع وأنها جائزة، بل تصل إلى درجة الوجوب إذا كان متعلقها واجباً.
ومن الحيل الفقهية، والمخارج الشرعية التي ذكرها الفقهاء في كتبهم ما ذكره ابن القيم ﵀ في كتابيه "إعلام الموقعين"و"إغاثة اللهفان"، فقد ذكر في إعلام الموقعين مائة وسبعة عشر مثالا للحيل الجائزة، وذكر في إغاثة اللهفان ثمانين مثالا للحيل الجائزة، ولا داعي لتكرارها هنا بجملتها، وإنما أحيل القارئ إليها لتمعنها وتدبرها، وإنما كان قصدي هنا الإشارة إلى أن باب الحيل باب واسع، منه الجائز ومنه غير الجائز، وقد مضت الضوابط والأدلة والشواهد على كلا النوعين، وهذا الذي كتبته مختصر من العلم نافع، لا يستغني عنه طالب العلم، ولا يسع القاضي جهله، به تتبين مقاصد الشارع وأسرارها، وبه يعلم الفرق بين ما اشتبه على الناس من مسائل الحيل.
كما أود الإشارة أيضاً إلى كتابين عظيمين أيضاً في هذا الباب أحدهما "إقامة الدليل في إبطال التحليل" لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
والآخر "الأذكياء"لابن الجوزي ﵀ حيث أفردها بأبواب خاصة، وأكتفي بذكرهما عن غيرهما.
стр. 16174
كما أثر عن السلف من الحيل التي لا تناقض مقاصد الشارع مالا يحصى، وهي في بابها تحتاج إلى مؤلف خاص بها فلتراجع في مظانها من الكتب التي أشرت إليها آنفاً.
هذا ما أحببت بيانه وتوضيحه لأولي الألباب، الذين يمسكون بالكتاب، من أهل العلم والطلاب، والله أسأل أن يجعل عملي خالصاً لوجهه الكريم، وأن يرفع به ذكري، ويحط به وزري، وعلى الله التكلان، وهو المستعان، وبه الاعتصام من كل شيطان، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيد الأولين والآخرين، نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] صحيح البخاري جـ ٩ص١١٠.
[٢] صحيح البخاري جـ١ص٤٢.
[٣] الآية ٣ من سورة المائدة.
[٤] الآية رقم ١٧ من سورة الحجرات.
[٥] الآية رقم ٨٧ من سورة النساء.
[٦] الآية رقم ٩ من سورة الحجر.
[٧] انظر مقدمة ابن الصلاح بكاملها.
[٨] روضة الناظر ص٦٧.
[٩] روضة الناظر ص٧٩-٨٠.
[١٠] الآية ٢ من سورة الحشر.
[١١] روضة الناظر ص١٤٥.
[١٢] سورة البقرة آية ١٨٣.
[١٣] الانعام آية ١٤٦.
[١٤] أصول البزدوي مبحث النسخ، المغني في أصول الفقه للخبازي، المعتمد لأبي الحسين البصري، شرح البدخشي، أصول الشاشي كلها في مباحث النسخ.
[١٥] روضة الناظر ص٨٤.
[١٦] نظرية المصلحة للدكتورحسين حامد حسان في مباحث الاستحسان عند الأئمة الأربعة، وروضة الناظرص٨٣.
[١٧] الآية ١٨٥ من سورة البقرة.
[١٨] الآية ٦ من سورة المائدة.
[١٩] نظرية المصلحة د/ حسين حامد، وروضة الناظرص٨٦، شفاء الغليل ص٢١١.
[٢٠] الأشباه والنظائر للسيوطى ص٨٩-١٠١.
[٢١] لسان العرب جـ ١ص ٥ ١٠٦.
[٢٢] الفتاوى الكبرى جـ٣ ص ٢٥٦.
стр. 16175
[٢٣] الفتاوى الكبرى جـ٣ ص ٢٥٧.
[٢٤] انظر: إعلام الموقعين المجلد الثالث والرابع في مسائل العبرة في العقود بالمقاصد والنيات وسد الذرائع والحيل، وانظر: الموافقات الجزء الثاني كتاب المقاصد.
[٢٥] الآية ١٠٨ من سورة الأنعام.
[٢٦] الآية ١٠٤ من سورة البقرة.
[٢٧] صحيح البخاري جـ٨ ص ٣.
[٢٨] صحيح البخاري جـ٤ ص ١٩٢، صحيح مسلم جـ٨ ص ١٩.
[٢٩] صحيح البخاري جـ٢ ص٩٨.
[٣٠] الفتاوى الكبرى جـ٣ ص٢٥٨-٢٦٤، إعلام الموقعين جـ٣ ص ١٣٧-١٥٩.
[٣١] لسان العرب جـ ١ ص ٧٥٩.
[٣٢] التعريفات للجرجاني ص ٩٤.
[٣٣] الصحاح للجوهري جـ ٤ ص ١٦٨١-١٦٨٢.
[٣٤] إعلام الموقعين جـ٣ ص ٢٤١.
[٣٥] غمز عيون البصائر شرح الأشباه والنظائر جـ٤ ص٢١٩.
[٣٦] إعلام الموقعين جـ٣ ص٢٤١-٢٤٢.
[٣٧] مسند الشافعي ص٣٨٤.
[٣٨] صحيح البخاري جـ٣ ص ٧٥.
[٣٩] صحيح البخاري جـ٤ ص ٦٦، صحيح مسلم جـ٥ ص١٤٣.
[٤٠] الآية رقم ١٠ من سورة فاطر.
[٤١] الآية رقم ٤٢ من سورة فاطر.
[٤٢] الآية رقم ٤٥ من سورة النحل.
[٤٣] الآية رقم ٥٤ من سورة آل عمران.
[٤٤] الآية رقم ١٤٢ من سورة السماء.
[٤٥] الآية رقم ٧٦ من سورة يوسف.
[٤٦] الآية رقم ٤٤ من سورة القلم.
[٤٧] الذريعة ص ٣٥١.
[٤٨] الموافقات جـ٢ ص ٣٣٧.
[٤٩] ملخص ما قاله الشاطبي بتصرف من جـ٢ ص٣٩١-٤١٤.
[٥٠] إقامة الدليل ص١٦٥، إعلام الموقعين جـ٣ ص ١٩١.
[٥١] سنن أبي داود جـ٤ ص ٣٠٠، سنن الترمذي جـ٤ ص ٣٥٨ وقال: حديث حسن صحيح غريب.
[٥٢] صحيح البخاري جـ٧ ص ٦، صحيح مسلم جـ٧ ص ٩٨.
[٥٣] صحيح البخاري جـ٥ ص ٦٩.
[٥٤] إقامة الدليل ص٢٠٥.
[٥٥] صحيح مسلم بشرح النووي جـ١٠ص٥١.
[٥٦] إعلام الموقعين جـ٣ ص ٣٢٨-٢٢١.
[٥٧] الآية من ٨-١٠ من سورة البقرة.
стр. 16176
[٥٨] صحيح البخاري جـ٦ص ١٧٥، صحيح مسلم جـ٨ ص ١٩.
[٥٩] مختصر تفسير ابن كثير جـ ١ص ٣٣.
[٦٠] الآية ٦٥ من سورة البقرة.
[٦١] لآية ١٦٣ من سورة الأعراف.
[٦٢] انظر تفسير القرطبي جـ ١ص ٤٣٩ وجـ٧ ص٣٠٤.
[٦٣] إقامة الدليل ص ١٢٠-١٢١.
[٦٤] الآية ٢٢٨ من سورة البقرة.
[٦٥] الآية من ٢٢٩-.٢٣ من سورة البقرة.
[٦٦] إعلام الموقعين جـ٣ ص٢٨٠.
[٦٧] انظر الفتاوى الكبرى جـ٣ ص٣٢٦ وما قبلها وما بعدها فى نكاح التحليل، وانظر كذلك منار لسبيل جـ٢ ص ١٧٣.
[٦٨] الآية من ١٧-٣٣ من سورة القلم.
[٦٩] تفسير القرطبي جـ ١٨ص ٢- ٥، زاد المسير جـ ٨ ص ٢٧١-٢٧٣. فتح القدير جـ ٣ ص ٢٧١-٢٧٣
[٧٠] صحيح البخاري جـ١ ص ٢، صحيح مسلم جـ ٦ ص ٤٨.
[٧١] فتح الباري جـ ١٣ ص ٣٢٧.
[٧٢] صحيح مسلم جـ ٥ ص ٨٧.
[٧٣] صحيح مسلم جـ ٥ ص٨٧.
[٧٤] فتح الباري جـ١٢ ص ٣٢٥.
[٧٥] المرجع السابق.
[٧٦] شرح الترمذي.
[٧٧] الفتاوى الكبرى جـ٣ ص ١٢٣.
[٧٨] تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٥٨.
[٧٩] تفسير القرطبي جـ ١٨ص ٢- ٥.
[٨٠] الآية ٢٥-٢٧ من سورة الأحزاب، وانظر تفسير القرطبي جـ ١٤ ص١٠-١٦١.
الآية ٢٥ - ٢٧ من سورة الأحزاب، [٨١] وانظر تفسير القرطبي جـ ١٤ ص١٠-١٦١.
[٨٢] انظر صحيح البخاري جـ ٧ ص ١٥٤.
[٨٣] انظر صحيح البخاري جـ ٣ ص ١٧٨.
[٨٤] الفتح الرباني جـ ١٦ص ١٩٤، سنن الترمذي جـ ٣ ص ٤٢٩.
[٨٥] سنن ابن ماجه جـ ١ ص ٦٢٢.
[٨٦] بتصرف واختصار ودقة من الفتاوى الكبرى جـ ٣ ص ٢٧٧-٢٧٨.
[٨٧] زاد المعاد جـ٤ ص ١١، وأعلام الموقعين جـ ٣ ص ٤٣-٤٧.
[٨٨] الفتاوى الكبرى جـ٣ ص ٣٢٥.
[٨٩] المستدرك جـ ٢ ص ١٩٩.
[٩٠] الفتاوى الكبرى جـ ٣ ص ٣٢٤.
стр. 16177
[٩١] انظر الفتاوى الكبرى المجلد الثالث، وأعلام الموقعين أيضا المجلد الثالث، وإغاثة اللهفان المجلد الأول.
[٩٢] الفتح الرباني جـ ٧ ص ٢٠٨، وصحيح البخاري جـ٢ ص ١٢٤.
[٩٣] انظر عمدة القاري شرح صحيح البخاري جـ ٩ ص ١٠، فتح القدير جـ ١ص ٤٩٦.
[٩٤] فتح الباري جـ ١٢ ص٣١٤، كتاب الزكاة من الحاوي الكبير للماوردي جـ ١ ص ٥٢٩ تحقيق ودراسة د/ ياسين ناصر محمود الخطيب.
[٩٥] المغني جـ٢ ص ٤٥٩-٤٦٠.
[٩٦] سنن الترمذي ص٣ ص٥٥٠، وقال: حديث حسن، الفتح الرباني جـ ١٥ ص ٣٨، سنن النسائي جـ ٧ ص٢٥٢، سنن أبي داود جـ ٣ ص ٢٧٣.
[٩٧] انظر: المغني جـ ٣ ص ٤٨٢، قوانين الأحكام الشرعية لابن جزي المالكي ص٣٠٥، شرح فتح القدير جـ٥ ص ١٢٢.
[٩٨] صحيح البخاري جـ٣ ص ٧٦، صحيح مسلم جـ٥ ص ٦.
[٩٩] انظر: المغني جـ٤ ص ١٠٢، بدائع الصنائع جـ٧ ص٣٣١٨-٣٣١٩.
[١٠٠] إعلام الموقعين جـ٣ ص ١٣.
[١٠١] جـ١١ ص ٢٧٢.
[١٠٢] إقامة الدليل لابن تيمية ص ٢٣٧.
[١٠٣] المسند جـ ١٥ص ٤٤، أبو داود جـ٣ ص ٢٧٥.
[١٠٤] بلوغ المرام ص ١٧٢.
[١٠٥] إقامة الدليل ص ١٣٣.
[١٠٦] جـ ٥ ص١٧٥.
[١٠٧] الفروق جـ ٣ ص ٢٦٧-٢٦٨.
[١٠٨] المحلى جـ ٩ ص ٤٩-٥٠.
[١٠٩] بتصرف من إقامة الدليل ص ١٣٥-١٣٨، وإعلام الموقعين جـ ٣ ص ١٦٦-١٧٠.
[١١٠] انظر إقامة الدليل ص١٣٤، إعلام الموقعين جـ ٣ ص ١٦٦.
[١١١] صحيح البخاري جـ٣ ص ٩١، صحيح مسلم جـ ٣ ص ٤١.
[١١٢] الفتح الرباني جـ١٥ ص ٢٧.
[١١٣] معالم السنن جـ٣ ص ١٣٣.
[١١٤] فتح الباري جـ ٤ ص٢٨٢.
[١١٥] إقامة الدليل ص ٢٤٦.
[١١٦] الآية من ١٥-١٦ من سورة الأنفال.
[١١٧] الآية ٦٦ من سورة الأنفال.
[١١٨] الأم جـ ٤ ص ٩٢.
[١١٩] صحيح البخاري جـ٤ ص ٦٦، صحيح مسلم جـ٥ ص ١٤٣.
стр. 16178
[١٢٠] الآيات: ٩٧،٩٨، ٩٩ من سورة النساء.
[١٢١] الآية من ١٠٦-١٠٧ من سورة النحل.
[١٢٢] زاد المسير جـ ٤ ص٤٩٥.
[١٢٣] إقامة الدليل ص ١٤٧-١٤٨.
[١٢٤]- صحيح البخاري جـ ٤ ص ١٧٠، صحيح مسلم جـ ٥ ص١٣٣.
[١٢٥] تفسير القرطبي جـ ١١ص ٣١٣.
[١٢٦] تفسير القرطبي جـ ١١ ص ٣١٤.
[١٢٧] سنن ابن ماجه جـ ١ ص ٣٨٦ قال في مجمع الزوائد: ((إسناده صحيح ورجاله ثقات)) .
[١٢٨] سنن أبي داود جـ٣ ص ٢٢٤.
[١٢٩] صحيح البخاري جـ٥ ص ٦٩.
[١٣٠] صحيح البخاري جـ٧ ص ٦، صحيح مسلم جـ ٧ ص ٩٨.
[١٣١] الآية ٨٨ من سورة الصافات.
[١٣٢] الآية من ٩٠-٩٦ من سورة الصافات.
[١٣٣] الآية من ٥٧-٦٣ من سورة الأنبياء.
[١٣٤] الآية من ٦٣-٦٧ من سورة الأنبياء.
[١٣٥] صحيح البخاري جـ ٤ ص ٦٧، صحيح مسلم جـ ٥ ص١٣٤.
[١٣٦] صحيح البخاري جـ ٦ ص ٤، صحيح مسلم جـ ٨ ص ١١٢.
[١٣٧] زاد المعاد جـ٢ ص ٢٩١-٢٩٢.
[١٣٨] انظر تفاصيل القصة في فتح الباري جـ ٦ ص ٩٨، وكتب السير والمغازي.
[١٣٩] انظر تفاصيل القصة في فتح الباري جـ٧ ص ٢٤٢، وكتب السير المغازي.
стр. 16179
رسالة في تحَقيق مَعنَى النَّظمِ والصِّيَاغةِ
لابن كمال باشا (ت:٩٤٠هـ)
درَاسَة وَتحقِيق
الدكتورْ حَامِدصَادِق قنيبي
قسم الدراسات الإسلامية والعربية
جامعة الملك فهد للبترول والعادن - الظهران
المحتويات
رسالة في تحقيق معنى النظم والصياغة
لابن كمال باشا (ت ٩٤٠ هـ)
أولا: السيرة الذاتية لابن كمال باشا.
ثانيا: القراءة التقويمية وخطة التحقيق.
ثالثا: تحقيق الرسالة.
ثبت المصادر
الخلاصة
عاش ابن كمال (٩٤٠ هـ) ، صاحب هذه الرسالة في عصر هيمنت فيه النزعة الفلسفية وتفريعاتها المنطقية الجافة على الدرس البلاغي اللغوي بتأثير مدرسة أبي يعقوب السّكاكي (ت ٦٢٦ هـ) وشرّاحها.
ويدعو ابن كمال في هذه الرسالة إلى تجديد اتجاه عبد القاهر الجرجاني (ت ٤٧١ هـ) ، وفيها يُلقى الضوء على جوانب من نظرية النظم، ويجلو قيمة الصياغة الفنية في إطار النظرة الشمولية لمعاني النحو والتجربة الشعورية بعيداً عن التزويق أو الزخرفة المصطنعة. وهي من منظور نقدي معاصر جديرة بالاهتمام.
أولا: السيرة الذاتية لابن كمال باشا
ابن كمال باشا، شمس الدين أحمد [١]
(٨٧٣-٩٤٠هـ / ١٤٦٨-١٥٣٤م)
من علماء الترك المستعربين، بل هو واحد من أكبر المدققين. اسمه: شمس الدين أحمد بن سليمان بن كمال باشا، الشهير بابن كمال باشا [٢] . نشأ في بيت علم وفضل ومكانة عالية.
стр. 16180
فجده لأبيه (كمال باشا) من أمراء الدولة العثمانية، كان ذا حظوة لدى سلاطينها، إذ كان مربيا لبايزيد الثاني (ولي العهد آنذاك) ، ثم صار (نشانجى) [٣] الديوان السلطاني [٤] . وكان عالما ومن تلاميذه [٥] التفتازاني [٦] والشريف الجرجاني [٧] . وكذلك كان والده (سليمان بك ابن كمال باشا) [٨] ، فقد كان من قادة عساكر السلطان محمد الثاني الفاتح وحامل لواء (أماسيا amasya) في فتح القسطنطينية عام ٨٥٧ هـ/١٤٥٣ م. وصار بعد الفتح وكيلاً لجند السلطان برتبة (صوباشي) [٩] ، أي منصب من تتوفر فيه الكفاية لضبط البلد من جهة السلطان [١٠] .
في ظل هذه الأسرة المنعمة نشأ صاحبنا (ابن كمال باشا) ، وقد حُبِّبَ إليه العلم والترقي فيه فأكب في شبابه على نهل المعرفة ليلا ونهارا. ثم انتظم في سلك الجيش، وخرج سنة ٨٨٧ هـ في سفر مع الوزير (إبراهيم بن خليل باشا) ، وكان معهم الأمير (أحمد بك بن أورنوس) وهو المقدّم على سائر الأمراء آنذاك، وبينما هم في مجلسهم ذات يوم إذ دخل عليهم رجل من العلماء رثّ الهيئة فجلس في صدر المجلس، مما أثار استغراب ابن كمال باشا، وتساءل عن هذا (الرجل) الذي تقدم على مجلس الأمير، فقيل له: إنه رجل من أهل العلم يُقال له (الملا لطفي) .. فكانت هذه الحادثة نقطة تحول في حياة (ابن كمال) إذ تأكد له من يومها أنه لن يبلغ المراتب العالية إلا إذا اشتغل بالعلم الشريف، وكان له ما أراد، أما أصل الحكاية فلنستمع إلى ابن كمال يرويها بلسانه إذ يقول [١١] :
стр. 16181
".. كنت واقفا على قدمي قدّام الوزير المزبور. والأمير المذكور عنده جالس إذ جاء رجل من العلماء رث الهيئة دنيء اللباس فجلس فوق الأمير المذكور، ولم يمنعه أحد عن ذلك فتحيرت في هذا. فقلت لبعض رفقائي: مَنْ هذا الذي جلس فوق هذا الأمير؟ فقال: هو رجل عالم مدّرس بمدرسة (فلبا filibe) يقال له: المولى لطفي. قلت: كم وظيفته؟ فقال: ثلاثون درهما. قلت: فكيف يتصدّر هذا الأمير ومنصبه [١٢] هذا المقدار؟ قال رفيقي: إن العلماء معظمون لعلمهم، ولو تأخّر لم يرض بذلك ولا الوزير، قال رحمه الله تعالى: فتفكرت في نفسي فقلت: إني لا أبلغ مرتبة الأمير المذكور في الإمارة، وإني لو اشتغلت بالعلم يمكن أن أبلغ مرتبة العالم المذكور، فنويت أن أشتغل بالعلم الشريف ".
بعد هذه الحادثة وَقَرَ في نفس ابن كمال باشا أن يسلك طريق العلم الشريف، فترك الجيش ولازم المولى لطفي في مدرسة (دار الحديث) بأدرنة، وقرأ عليه (حواشي شرح المطالع) ، وقد سبق له قراءة (مبادئ العلوم) في صدر شبابه. ومن شيوخه الذين تلقّى العلم على أيديهم [١٣] :
ا- المولى القسطلاني، مصلح الدين مصطفى
٢- المولى خطيب زاده، محيي الدين محمد
٣- المولى معروف زاده، سنان الدين يوسف.
وفي سنة ٩١١ هـ[١٤] صار (ابن كمال باشا) مدّرسا بمدرسة (علي بك) في أدرنة، وقد طلب منه السلطان بايزيد الثاني أن يكتب تاريخ العثمانيين.
وفي سنة ٩١٧ هـ[١٥] ولي التدريس بمدرسة (أسكوب) في اليونان. ثم رجع في سنة ٩١٨ هـ إلى المدرسة الحلبية بأدرنة. ثم صار مدرسا بإحدى المدرستين المتجاورتين بأدرنة، وبعدها بإحدى المدارس الثمان [١٦] إلى أن أصبح مدرسا لمدرسة السلطان بايزيد الثاني.
وفي سنة ٩٢٢ هـ صار قاضيا لأدرنة، وفي السنة نفسها جعله السلطان سليم الأول [١٧] (قاضي عسكر الأناضول) [١٨] ، ثم عزل من هذا المنصب سنة ٩٢٥ هـ، وعينّ رئيساً لدار الحديث بأدرنة.
стр. 16182
وكان ﵀ حسن المنظر، حافظ الآداب، لطيف الصحبة إذا جلس مع الأحباب، كريم الشأن، عظيم المكان، قليل المقال، كثير التفكير في كل حال، وهذه بعض شمائله.
وفي عام ٩٣٢ هـ وبعد وفاة علاء الدين الجمالي صار ابن كمال باشا شيخ الإسلام (مفتي الخلافة العلمية العثمانية) ، ولم يزل في منصب الإفتاء إلى أن توفي يوم الجمعة الثاني من شوال ٩٤٠ هـ، الموافق ١٧ من نيسان ١٥٣٤م في عهد سليمان القانوني [١٩] .
ودفن في (باب أدرنة) بالآستانة في زاوية (محمود جلبي) وقيل في تاريخ موته (ارتحل العلم بالكمال) ، وكُتب على قبره (هذا مقام أحمد) ، وعلى أكفانه (هي آخر ملابسه) ، وكلّها
تتضمن تاريخ وفاته. وكان يقول ﵀ وهو يحتضر: (يا أحد نجنا مما نخاف) فحسبت بعد موته فكانت تاريخاً لوفاته أيضا بحساب الجُمَّل.
(*) - مكانته العلمية:
تكشف مؤلفاته عن شخصيته الموسوعية، ويعتبر بحق من أكابر العلماء العثمانيين. ومصنفاته في: الدين، والآداب، واللغة وله في تاريخ العثمانيين كتاب كبير ومهم، فضلا عن مئات الرسائل والمقالات والمقطوعات الشعرية.
لقد أثبت مكانته الرفيعة في كلّ العلوم التي تناولها، ولقد قرظّه العلماء وأثنوا عليه بما هو أهله، فقد قال عنه طاش كبرى زاده [٢٠] :
"كان يشتغل بالعلم ليلا ونهارا ولم يفتر قلمه، وصنف رسائل كثيرة في المباحث المهمة والغامضة... وكان صاحب أخلاق حميدة حسنة وأدب تام وعقل وافر، وتقرير حسن ملخص، وله تحرير مقبول جدا لإيجازه مع وضوح دلالته على المراد. وبالجملة أنسى [٢١]- رحمه الله تعالى - ذكر السلف بين الناس، وأحيا رباع العلم بعد الاندراس، وكان في العلم جبلا راسخا وطودا شامخا، وكان من مفردات الدنيا، ومنبعا للمعارف العليا. روّح الله تعالى روحه، وزاد في غرف الجنان فتوحه ".
стр. 16183
وابن كمال باشا عند العثمانيين يشبه جلال الدين السيوطي (ت ٩١١ هـ) عند العرب، فكلاهما زينة العصر. اتفقا في كثرة التأليف والجمع، ولقد أثنى علماء القاهرة على ابن كمال باشا عند زيارته مصر عام ٩٢٣ هـ في صحبة السلطان سليم الأول "ياوز "فقد أثبت شخصيته من خلال الجدل والمناقشة، وقد جعله اللكنوي من أصحاب الترجيح المقلدين القادرين على تفضيل بعض الروايات على بعض [٢٢] ، وقد عقد مقارنة بينه وبين السيوطي فقال [٢٣] :
"كان ابن كمال مساويا للسيوطي في كثرة التأليف وسعة الاطلاع في الأدب والأصول، ولكن لا يساويه في فنون الحديث، فالسيوطي أوسع نظرا وأدق فكرا في هذه الفنون منه، بل من جميع معاصريه، وأظن أنه لا يوجد مثله بعده، وأما صاحب الترجمة (ابن كمال) فبضاعته
في الحديث مزجاة كما لا يخفى على من طالع تصانيفهما فشتان ما بينهما كتفاوت السماء والأرض وما بينهما... ولكن ابن كمال باشا عندي أدق من السيوطي، وأحسن فهما على أنهما كانا جمال ذلك العصر "، وقوله (كتفاوت السماء والأرض وما بينهما) ... مبالغة في عمومها، والأصح أنهما نظيران تشابها في كثير من فروع المعرفة، غير أن ابن كمال تميز في إجادته التامة للغات العربية والتركية والفارسية الأمر الذي جعله يقف على أسرارها ويؤلف في فقهها المقارن، فضلا على أنه عاش طيلة حياته رجل سياسة وقضاء. بينما يظل السيوطي متفرداً في علوم الحديث.
(*) - مؤلفات ابن كمال باشا:
تذكر الموسوعة التركية أن مجموع تصانيف ابن كمال باشا قد بلغت (٢٠٩) مصنفات، يمكن إدراجها تحت رؤوس الموضوعات التالية:
١- تفسير القرآن الكريم وعلومه ١٢ مصنفا
٢- الحديث الشريف وعلومه ٨ مصنفات
٣- الفقه والشريعة ٤٣ مصنفا
٤- الفلسفة ٥٠ مصنفا
٥- الآداب ٢٢ مصنفا
٦- المنطق ٨ مصنفات
٧- التصوف مصنفان
٨- الأخلاق مصنفان
٩- علوم العربية ونحوها ٢١ مصنفا
стр. 16184
١٠- مصنفات باللغة الفارسية ٩ مصنفات
١١- مصنفات في موضوعات متنوعة ٣٢ مصنفا
ولقد عدد طاش كبرى زاده من مؤلفاته [٢٤] :
".. كان عدد رسائله قريبا من مائة رسالة، وله من التصانيف تفسير لطيف حسن قريب من التمام، وقد اخترمته المنية ولم يكمله. وله حواش على الكشاف. وله شرح بعض الهداية. وله كتاب في الفقه (متن) . وشرح سماه بالإصلاح والإيضاح. وله كتاب في الأصول (متن) . وشرح أيضا سماه تغيير التنقيح [٢٥] . وله كتاب في علم الكلام (متن) وشرح أيضا. وله حواش على التلويح [٢٦] . وله حواش على التهافت للمولى خوجه زاده [٢٧] . وهذا ما شاع بين الناس. وأما ما بقي في المسودة فأكثر مما ذكر، وله يد طولى في الإنشاء والنظم بالفارسية والتركية. وقد صنف كتابا بالفارسية على منوال كتاب (كلستان) سماه بنكارستان. وصنف كتابا في تواريخ آل عثمان بالتركية ".
ثانيا: القراءة التقويمية
موضوع هذه الرسالة (في تحقيق معنى النظم والصياغة) ، ومصطلح النظم والصياغة يقابل في الدرس الحديث الصورة البلاغية. وابن كمال في هذه الدراسة يلتقي مع الشيخ عبد القاهر الجرجاني (ت ٤٧١ هـ) ، بل لا نعدو الحقيقة إذا قلنا أنه يكشف عن بعض الجوانب الغامضة في آراء (شيخه) كما يحب أن يدعوه. وهو ينحو باللائمة على مدرسة السكاكي وما خلّفته من جمود كان له الأثر السلبي في الدرس البلاغي النقدي.
стр. 16185
والنظم والصياغة عند ابن كمال هما الوعاء الذي يختزن التجربة الشعورية عند الأديب، فهما ليسا زينة عارضة تطرأ على المعنى الأصلي بقدر ما هما جسر لتحقيق الصورة الفنية الموحية، يقول ابن كمال/ س ٩٥ أ/: "اعلم أن أساس البلاغة وقاعدة الفصاحة نظم الكلام، لا بمعنى ضمّ بعضها إلى بعض كيف جاء واتفق، بل بمعنى ترتيبها على حسب ترتيب المعاني في النفس، فهو إذاً نظم يعتبر فيه حال المنظوم بعضه مع بعض، ولهذا كان عند أرباب هذه الصناعة نظيراً للنسج والوشي والصياغة وما أشبه ذلك. مما يوجب اعتبار الأجزاء بعضها مع بعض حتى يكون لِوَضْع كل منها حيث وُضِع علّة تقتضي كونه هناك وحتى لو وضع مكان غيره لم يصلح ".
وحتى يؤكد ما يذهب إليه يعمد إلى النقل عن عبد القاهر الجرجاني، فهما متفقان على أن عملية الصياغة إنما هي محصلة ما يحدثه السياق من صور وأحاسيس وفكر وصوت تكوّن في مجموعها الصورة الأدبية. يقول الجرجاني (الدلائل، ص ٣٧- طبعة المنار) : "... فإذا وجب لمعنى أن يكون أولا في النفس وجب للفظ الدال عليه أن يكون مثله أولا في النطق، فأما أن تتصور في الألفاظ أن تكون المقصودة قبل المعاني بالنظم والترتيب، وأن يكون الفكر في النظم الذي يتواصفه البلغاء فكرا في نظم الألفاظ، أو أن تحتاج بعد ترتيب المعاني إلى فكر تستأنفه لأن تجيء بالألفاظ على نسقها، فباطل من الظنّ، ووهم يتخيل إلى من لا يوفي النظر حقه. وكيف تكون مفكرا في نظم الألفاظ وأنت لا تعقل لها أوصافا وأحوالا إذا عرفتها عرفت أن حقها أن تنظم على وجه كذا؟ ".
стр. 16186
لقد شغلت قضية اللفظ والمعنى جهود النقاد العرب. وقد نصب الجرجاني همّه لرفض الثنائية بينهما وتابعه في هذا الاتجاه ابن كمال. فاللفظ يعانق المعنى فإذا وجب للمعنى أن يكون أولا في النص وجب للفظ الدّال عليه أن يكون مثله لا النطق. وهذا الاتجاه لا يخرج عما انتهى إليه الدرس الحديث، يقول طه حسين (خصام ونقد، ص ٨٧) : "إن من أعسر العسر أن تفصل بين صورة الأدب ومادته، فالأدب يوشك ألا يخضع لهذا النوع من التحليل الذي يعمد إليه العلماء وأصحاب الكيمياء منهم خاصة، فإذا عمد النقاد إلى تحليله فهم يقاربون ولا يحققون.. إن اللغة صورة الأدب وإن المعاني هي مادته وهذا كلام مقارب لا تحقيق فيه فكثير من النقاد القدماء خاصة، تصوروا أن المعاني تشبه الأجسام قبل أن تلبس الثياب، ونعرف الثياب قبل أن تسبغ على الأجسام ونستطيع أن نحقق الفصل بينهما، ولكننا لا نعرف المعاني المجردة التي تتخذ ثيابها من الألفاظ ولا نعرف الألفاظ الفارغة التي تنتظر المعاني لتلبسها، وإنما نعرف الألفاظ والمعاني ممتزجة متحدة، لا تستطيع أن تنفصل ولا أن تفترق ".
وفي الرسالة دعوة إلى وحدة علوم اللغة، فعلم المعاني بمعناه العام الذي يضم البيان وإن اشتهر ضمه إلى علوم البلاغة فهو ليس إلا دراسة لغوية تدخل في إطار النحو بمعناه الدقيق، لأن علم المعاني يعنى بدراسة الجملة وما يكون فيها من حذف أو ذكر، أو تعريف أو تنكير، أو تقديم أو تأخير، أو قصر أو وصل، أو إيجاز أو إطناب. ولابن كمال دراسة قائمة بذاتها لتأكيد هذه الصلة، يقول فيها:/مخطوط لدى الباحث/ ".. ويشارك النحوي في البحث عن المركبات إلا أنّ النحوي يبحث عنها من جهة هيئاتها التركيبية صحة وفسادا، ودلالة تلك الهيئات على معانيها الوضعية على وجه السداد. وصاحب المعاني
стр. 16187
يبحث عنها من جهة حسن النظم المعبّر عنه بالفصاحة في التركيب.. ومرجع تلك الفصاحة إلى الخلو من التعقيد. فما يبحث عنه في علم النحو من جهة الصحة والفساد يبحث عنه في علم المعاني من جهة الحسن والقبح، وهذا معنى كون عِلم المعاني تمام علم النحو ".
ولقد سبق أن أشرنا إلى أن ابن كمال مجدد لدعوة عبد القاهر الجرجاني في الدرس اللغوي المبينة على النظرة الشمولية... فهو- مثلا- يساوي بين مصطلحي الفصاحة والبلاغة. وتقوم نظرية النظم عند عبد القاهر على عدم المفاضلة بين اللفظ والمعنى، ومن ثَمّ بين الفصاحة والبلاغة ففي دلائل الإعجاز (ص ١٨٣- طبعة المنار) نقرأ: "يصحُّ التعبير عن المعنى بلفظين مختلفين، ثم يكون لأحدهما مزية على الآخر، وأن أحدهما فصيح، والآخر غير فصيح.. "، وإنما تتحقق الفصاحة عنده بعد التأليف وصوغ العبارة، لأن الكلمة في حال إفرادها لا تفضل غيرها وإنما يظهر التمايز في إطار السياق وحسن الأداء، وتمام المعنى. يقول/ الدلائل، ص ٣١/: "وهل تجد أحداً يقول: هذه اللفظة فصيحة، إلا وهو يعتبر مكانها من النظم، وحسن ملاءمة معناها لمعنى جاراتها، وفضل مؤانستها لأخواتها؟ وهل قالوا لفظة متمكنة ومقبولة، وفي خلافه: قلقة ونابية ومستكرهة، إلا وغرضهم أن يعبروا بالتمكن عن حسن الاتفاق بين هذه وتلك من معنييهما، وبالقلق والنبوّ عن سوء التلاؤم، وأن الأولى لم تَلِقْ بالثانية في معناها، وأن السابقة لم تصلح أن تكون لفقاً للتالية في مؤدّاها؟.. ".
стр. 16188
وإذا كان علم النحو يعنى بالجمل من حيث صحة التراكيب لتحقيق الاتصال بين الناس فإنه- أي علم النحو- لا يقوم كيانه دون أن يرفد من علم الصرف بالمواد الأولية، والتي يمكن أن توصف بأنها خطوات ممهدة أو وسائل لتحقيق الغاية. فنحن نتعلم من علم الصرف حالات الاسم مفردا أو مثنى أو جمعا، ثم نوظف هذه المعرفة في تركيب العبارات والجمل وفق مقتضيات علم النحو دون إخلال بأساسيات العلوم الأخرى المساندة. وهكذا يبدو اعتماد العلمين على بعضهما كما لو كانا كلا متكاملا.
وابن كمال في معالجته هذه القضية يدرك الرابطة الوثيقة بين علوم اللغة، يقول في هذه الرسالة:/ س ٩٩ أ/: ".. وبهذا التفصيل تبين أن مرادهم من المعاني التي يضيفون إليها عبارة (الصياغة) المعاني الأول. وقد نبهت فيما سبق على صياغتها على نحوين: أحدهما ما يكون بالتصرف في النظم بلا اتّساع وتجوز في الكلام. والآخر ما يكون بنحو من الاتساع والتجوز فيه مع قطع النظر عن حال النظم ".
ثم ينتهي إلى القول/ س ٩٩ ب/: "ومن هنا انكشف لك سرّ وهو أن الاختلاف في كيفية الدلالة غير منحصر في طريق المجاز والكناية كما توهمه صاحب المفتاح حيث قال: انصباب علم البيان إلى التعرض للمجاز والكناية بناء على ما قدمه من أن التفاوت في الدلالة إنما يكون بالدلالة العقلية وذلك بالطريقين المذكورين لأن قوله (يَسُبني) في الوجهين المزبورين على حقيقته. والتفاوت المذكور في الدلالة مرجعه إلى المعنى النحوي، لا إلى المعنى اللغوي. فافهم هذا السر الدقيق، فإنه بالحفظ حقيق ".
على أنه فيما يكشف عنه من سر مسبوق بما قاله الجرجاني -سلفه- حيث يقول في (الدلائل، ص ٢٤٠) : ".. ومرادهم من النظم في أمثال هذا المقام توخي معاني النحو فيما بين الكلام حسب الأغراض التي يصاغ لها الكلام، والنظم بهذا المعنى، أسُّ البلاغة، وأمّ الإعجاز ".
стр. 16189
ولعل هذه الرسالة في مضمونها جاءت مكملة لما سبق لابن كمال دراسته في مجموعة من الرسائل في هذا الباب وهي: (الكلمة المفردة) و (اللفظ قد يوضع لقيد) و (المزايا والخواص) و (مشاركة صاحب المعاني اللغوي في البحث عن مفردات الألفاظ المستعملة في كلام العرب) [٢٨] .
ويدعو ابن كمال في دراساته هذه إلى تجديد الدرس اللغوي وإحياء آراء عبد القاهر الجرجاني، والتي ليس بينها وبين المعاصرة فاصل كبير، وهي تأتي في زمن هيمن فيه (مفتاح العلوم) لأبي يعقوب السكاكي (ت ٦٢٦ هـ) ، ونظمه، وشروحه، وتلخيصاته.. فكانت محاولة للخروج من التأثر بالمنطق والفلسفة والعلوم العقلية إلى فهم روح البلاغة، وإثراء الإحساس في تذوق النص الأدبي، ووضع البلاغة والنحو وضعا سليما في خدمة اللسان العربي. وإنما تقوم اللغة بمجموعة العلاقات بين الدلالات ورموز المعاني المتمثلة في الألفاظ لأداء ما في النفس.
وليس للفظ المفرد أهمية ذاتية مهما بلغ من انسجام في حروفه، وحسن وقعه وجرسه، وإنما تبدو أهميته حين ينتظم مع غيره، ويتلاءم مع ما يجاوره ويتوافق معه.. والأداء العربي لا يمكن أن يتحقق إلا لمن كان عارفا بالطرائق الصحيحة في القول، متمرسا بالأساليب العربية الرفيعة، مزودا بالمعرفة النحوية عن طريق الذوق والمعايشة لما تزخر به العربية من روائع القول.
وصف نسختي المخطوط
اعتمدت في تحقيق هذه الرسالة على نسختين في المكتبة السليمانية باستانبول.
стр. 16190
الأولى: نسخة المكتبة السليمانية (رقم ١٠٤٥) ، وقد رمزت لها بالحرف (س) ، وجعلتها بمثابة النسخة الأم إذ عزوت إليها في الدراسة دون النسخة الأخرى. وهي قريبة العهد بحياة المؤلف، إذ كان تاريخ نسخها في سنة ٩٩١ هـ. وهي بخط تعليق، ولا تخلو من تحريف وتصحيف. وتقع ضمن مجموع بدءاً من الورقة (٩٥ ب) إلى (٩٩ ب) . والصفحة الواحدة منها (١٩) سطرا، وقياس كتابتها (٦١ /١٢٢ ملم) . وتمتاز النسخة بأنها خزائنية دونت في خاتمة المجموع وقفية السلطان هكذا:
"وقف السلطان الأسعد الأحمد وتخليد الخاقان الأمجد الأكمل الصارف همته الجليلة نحو الحرب، المعرب عن معالي الحسنات السلطان ابن السلطان أبو الفتوح والمغازي محمود خان ابن السلطان مصطفى خان رزقه الله أطول الأعمار وطول الآماد، وجعل وقت خلافته العلية أبعد الآماد. وأنا الفقير لله مصطفى طاهر المفتش بالحرمين الشريفين المحرمين. غفر له ". وجاء في الورقة (١٤٧) : "وقع الفارغ من تحرير الرسائل للعلامة ابن كمال باشا في أواخر جمادى الأولى سنة إحدى وتسعين وتسعماية على يد أحقر الورى محمد بن حسن بسبيري زاده ".
أما النسخة الثانية، فهي نسخة "بغداد وهبى" (رقم ٢٠٤١) ، وقد رمزت لها بالحرف (ع) ، وهي نسخة جيدة، وخطها تعليق جميل، ونص الرسالة يقع في الورقات (٢٠٨ ب إلى ٢١١ ب) ، والصفحة الواحدة منها (٢١) سطرا، وقياس كتابتها (٥٦/١٣٠ ملم) . والمجموع كتبه (أبو السعود) وفي الصفحة الأخيرة ترجمة موجزة للمؤلف جاء فيها: "هذه الرسائل للمولى العلامة أستاذ أرباب الفضائل أحمد بن سليمان بن كمال باشا رحمه الله تعالى. من أكابر العلماء وأفاضل الفضلاء، جمع جميع العلوم، وتفرد في كلّها سراجا منيرا يهتدي بمناره الروم.. ".
стр. 16191
وقد كانت خطتي في تحقيق هذه الرسالة إثبات الفروق بين النسختين. كما قمت بمراجعة النصوص على مصادر ابن كمال حيثما وُجد المطبوع منها. ولم أر ضرورة إلى التعريف بالأعلام لأنها مشهورة في حقل الاختصاص، وهي قليلة على العموم.
ثالثا: تحقيق الرسالة. .
"رسالة في تحقيق معنى النظم والصياغة " [٢٩]
بسم الله الرحمن الرحيم [٣٠]
باسمه سبحانه [٣١] ، الحمد لوليه [٣٢] ، والصلاة على نبيه [٣٣] . وبعد؛ فهذه رسالة رتبناها في تحقيق معنى النظم والصياغة عند أرباب البلاغة وأصحاب البراعة، فنقول ومن الله التوفيق، وبيده أزمة التحقيق: اعلم أن أساس البلاغة وقاعدة الفصاحة نظم الكلام، لا بمعنى ضم بعضها إلى بعض كيف جاء واتفق، بل بمعنى ترتيبها حسب ترتيب المعاني في النفس، فهو إذاً نظم يعتبر فيه حال المنظوم بعضه مع بعض، لهذا كان عند أرباب هذه الصناعة [٣٤] نظيرا للنسج والوشي الصياغة وما أشبه ذلك. مما يوجب اعتبار الأجزاء بعضها مع بعض حتى يكون لوضع كل منها [٣٥] حيث وضع علة تقتضي كونه هناك، وحتى لو وضع في مكان غيره لم يصلح [٣٦] .
стр. 16192
وإذا تحققت هذا فاعلم أن نظم أجزاء الكلام مع قطع النظر عن الدلالة بمعانيها الوضعية على معان أُخر ضرب من القصور فيستعار له من [٣٧] الصياغة بدون اعتبار ما في المعنى من الاتساع والتَّجوُّز على ما أفصح /س٩٦أ/ عنه [٣٨] الشيخ [٣٩] حيث قال في دلائل الإعجاز [٤٠] : "واعلم أنّ مَثَل واضع اللغة مثل من يأخذ قطعاً من الذهب أو [٤١] الفضة فيذيب [٤٢] بعضها بعضا في بعض حتى تصير قطعة واحدة. وذلك أنك إذا قلت: "ضرب زيد عَمْرا يوم الجمعة ضرباً شديداً تأديباً له "فإنك تحصل من مجموع هذه الكَلِم [٤٣] على مفهوم هو معنى واحد/ع٢٠٩أ/، لا عدة معان كما يتوهمه [٤٤] الناس [٤٥] . وهو إثباتك [٤٦] زيدا فاعلا ضربا لعمرو في وقت كذا وعلى صفة كذا لغرض كذا. ولهذا نقول إنه كلام واحد [٤٧] وإذا عرفت هذا فبيت (بشار) [٤٨] إذا تأملته وجدته كالحلقة [٤٩] المفرغة التي لا تقبل [٥٠] التقسيم، ورأيته قد صنع في الكَلِم التي فيه ما يصنعه الصانع [٥١] حين يأخذ كِسَراً [٥٢] من الذهب فيذيبها ثم يصبها في قالب ويخرجها لك سِوارا، أو خلخالا. وأنت إذا حاولت قطع بعض ألفاظ البيت عن بعض كنت كمن يكسر الحلقة ويفصم السوار [٥٣] . وذلك أنه لم يرد أن يشبّه النقع بالليل على حدة، والأسياف بالكواكب على حِدة [٥٤] ، ولكنه أراد أن يشبه النقع والأسياف تجول فيه بالليل في حال ما تكدر [٥٥] الكواكب وتتهاوى فيه. فالمفهوم من الجميع مفهوم واحد. والبيت من أوله إلى أخره كلام واحد " [٥٦] . والبيت هذا [٥٧] :
كأن مُثارَ النَّقع فوق رؤوسنا
وأسْيافَنا، ليل تَهَاوى كواكبه
ومراد صاحب المفتاح من الصياغة /س ٩٦ب/ حيث قال [٥٨] : "مثل ما يسبق إلى فهمك من تركيب (إن زيدا منطلقٌ) إذا سمعته عن العارف بصياغة الكلام.. "هذه الصياغة المستعارة للنظم. ولذلك أضافها إلى الكلام دون المعاني كما أضافها إليها في موضع آخر على ما تقف عليه بإذن الله تعالى.
стр. 16193
وقد تستعار الصياغة لترتيب المعاني وإحداث الصورة فيها كما هو الظاهر من كلام الشيخ حيث قال في كتابه المذكور سابقا [٥٩] : "واعلم أن قولنا (الصورة) إنما هو تمثيل وقياس لما نعلمه بعقولنا على الذي نراه بأبصارنا فلما رأينا البينونة بين آحاد الأجناس /ع ٢٠٩ب/ تكون [٦٠] من جهة الصورة، فكان تبين [٦١] إنسان من إنسان، وفرس من فرس، بخصوصية تكون [٦٢] في صورة هذا لا تكون [٦٣] في صورة ذاك. وكذلك الأمر في المصنوعات، وكان تبين [٦٤] خاتم من خاتم، وسوار من سوار بذلك، ثم وجدنا بين المعنى في أحد البيتين [٦٥] ، وبينه في الآخر بينونة في عقولنا وفرقا، عبرنا عن ذلك الفرق وتلك البينونة بأن قلنا: للمعنى في هذا صورة غير صورته في ذلك، وليس العبارة عن ذلك بالصورة شيئا نحن ابتدأناه فينكره منكر، بل هو مستعمل في كلام العلماء، ويكفيك قول الجاحظ: "إنما الشعر صياغة [٦٦] وضرب من التصوير "انتهى كلامه.
وهذا المعنى من الصياغة أيضا لا يتوقف على الاتساع /س ٩٧أ/ والتجوز، بل يتحقق بهما تارة، وبمجرد التصرف في النظم أخرى. صرَّح الشيخ بذلك، حيث قال [٦٧] : "جملة الأمر أنَّ صورَ المعاني لا تتغير [٦٨] بنقلها من لفظ إلى لفظ حتى يكون هناك اتساع ومجاز، وحتى لا يراد من الألفاظ ظواهر ما وضعت له في اللغة، ولكن يشار إلى معان أخر.
واعلم أن هذا كذلك ما دام النظم واحدا، فأما إذا تغيَّر النظم فلا بد حينئذ من أن تتغير [٦٩] صورة المعنى على ما مضى من البيان في [٧٠] مسائل التقديم والتأخير "إلى هنا كلامه.
стр. 16194
إلا أنه في الغالب يكون بنوع من الأتساع والتجوز، ولذلك قال الجاحظ: وإنما الشعر صياغة، ولم يقل: وإنما الكلام صياغة؛ فإن الشعر كالعلم لما اتُّسع فيه وتجوّز من الكلام، وإلا فحقه التعميم كما فصله [٧١] الشيخ، حيث قال [٧٢] : "ومعلوم أم سبيل الكلام سبيل التصوير والصياغة، وأن سبيل المعنى /ع ٢١٠أ/ الذي يعبر عنه سبيل الشيء [٧٣] الذي يقع التصوير والصوغ فيه، كالفضة والذهب، يصاغ منها خاتم أو سوار " انتهى كلامه [٧٤] .
ومراد صاحب المفتاح من الصياغة حيث قال [٧٥] : وإذا تحققت أن علم المعاني والبيان هو معرفة خواص تراكيب الكلام. ومعرفة صياغات المعاني هذه الصياغة المستعارة لتصوير المعاني، ولذلك أضافها إليه [٧٦] كما أن مراد الجاحظ أيضا هي ما نبه عليه الشيخ فيما نقلناه عنه سابقا.
وإذ قد وقفت على أن مراد الجاحظ من /س ٩٨أ/ التصوير الذي عبر عنه بالصياغة، تصوير المعاني [٧٧] بترتيبها الذهني، لا تصوير الألفاظ بتركيبها الخارجي، فقد عرفت أن من قال [٧٨] في شرح القول المنقول عن صاحب المفتاح أولا [٧٩] : يشبه تأليف الكلام بترتيب كلماته متناسبة الدلالات على حسب الأغراض المقصودة منه بصياغة الحلي [٨٠] ، ومنه قول الجاحظ: أن الشعر صياغة وضرب من التصوير لم يصب [٨١] في قوله.
ومنه قول الجاحظ: وإذا تحققت أن الصياغة المستعملة في عرف أهل هذه الصناعة تستعمل تارة لما في نظم الكلام
وتأليفه من أحداث الهيئة، وأخرى [٨٢] لما في معنى [٨٣] الكلام وترتيبه من أحداث الصورة [٨٤] . فاعلم [٨٥] أنه لا دخل لعلم البيان في الصياغة بالمعنى الأول؛ فإن علم المعاني مستقل [٨٦] في بيان ما يتعلق بها، وكذا الحال في الصياغة
стр. 16195
بالمعنى الثاني إن لم يكن فيه تأثير للتوسع والتجوز؛ وإن كان فيها تأثير لهما فلعلم البيان فيها شركة مع علم المعاني، والحظ الوافر للثاني، ضرورة أن الأول [٨٧] منه بمنزلة الغصن [٨٨] من الدوحة [٨٩] ، وقد فرغنا من تحقيق هذا في بعض تعليقاتنا [٩٠] .
وبهذا التفصيل تبين فساد ما قيل [٩١] في شرح القول /ع ٢١٠ب/ المنقول عن صاحب المفتاح ثانيا [٩٢] ، أي علمت حقيقة أن علم المعاني هو معرفة خواص تراكيب الكلام، وأن علم البيان معرفة صياغات المعاني، أي تصويراتها بالصور المختلفة وإيرادها بالطرق [٩٣] المتفاوتة على ما قال /س ٩٨أ/ الجاحظ: إن الشعر صياغة وضرب من التصوير، حيث مبناه على اختصاص معرفة الصياغة بالمعنى الثاني بعلم البيان.
بقي هنا شيء لا بد من التنبيه عليه، وهو أن المعاني المعتبرة عند أرباب هذه الصناعة ثلاثة أنواع:
الأول: معاني النحو التي كان النظم الذي هو الأصل فيها عبارة عن توخي تلك المعاني على ما [٩٤] صرح به الشيخ في مواضع من دلائل الإعجاز، منها قوله [٩٥] : "إذا كان لا يكون النظم شيئا [٩٦] غير توخي معاني النحو وأحكامه فيما بين الكلم، كان من أعجب العجب أن يزعم زاعم أنه [٩٧] يطلب المزية في النظم ثم لا يطلبها في معاني النحو وأحكامه ".
انتهى كلامه، ولذلك، أي ولكون المعتبر في النظم هذه المعاني دون خصوصيات [٩٨] الألفاظ فقد تتبدل [٩٩] الألفاظ [١٠٠] ولا يتغير المعنى، وقد يتغير النظم ولا تغيُّر [١٠١] في الألفاظ. أما الأول فظاهر من اشتراك الكلامين كقولك: (جاء زيد، وذهب عمرو) [١٠٢] في نظم مخصوص. وأما الثاني فلأنك إذا جعلت المبتدأ خبرا، والخبر مبتدأ في نحو قولك: (الذي جاء زيد) يتغير النظم ولا تتغير الألفاظ، وكذا إذا جعلت الصفة حالا أو العكس [١٠٣] ، واعتبر هذا في نحو قوله:
ولقد أمر على اللئيم يسبني [١٠٤]
стр. 16196
والمراد من المعني المذكورة في أول الرسالة هذا النوع. دل على ذلك الشيخ، وملوم علم الضرورة أن يكون للفظة تعلق /ع٢١١أ/ بلفظة أخرى من غير أن يعتبر حال معنى / ٩٨ب/ هذه مع معنى تلك، ويراعى هناك أمر يتصل أحدهما بالأخرى كمراعاة (نبك) [١٠٥] جوابا للأمر.
والنوع الثاني [١٠٦] : من الأنواع المذكورة: المعاني الوضعية المعبر عنها في عُرفهم بالمعاني الأولى. د
والثالث منها: المعاني المقصودة في المقام، والأغراض التي سيق لأجلها الكلام المعبر عنها بالمعاني الثواني، قال الشيخ بعد التفصيل المشبع في الفرق بين هذين النوعين [١٠٧] : "وإذا عرفت هذه الجملة فهنا عبارة مختصرة وهي أن نقول: المعنى، ومعنى المعنى. نعني بالمعنى المفهوم من ظاهر اللفظ، والذي تصل إليه بغير واسطة، وبمعنى المعنى أن تعقل من اللفظ معنى، ثم يفضي بك ذلك المعنى إلى آخر، كالذي فسرت لك ". ثم قال بعد التمثيل والتوضيح [١٠٨] : "فالمعاني الأول المفهومة من أنفس الألفاظ، وهي المعارض والوشي والحلي وأشباه ذلك، والمعاني الثواني التي يومأ إليها بتلك المعاني هي تكسي تلك المعارض وتزين بذلك الوشي والحلي "انتهى كلامه. وهنا نكتة، وهي أن الوشي من الثياب يكون وشيا كان على اللابس أو كان قد خلع وترك غير ملبوس، وكذلك الحلي يكون حليا بحالها أن تلبس، وهذه المعاني التي دلوا بها على معان ثوان يكون وشيا وحليا ما دامت لباسا لتلك المعاني؛ فإذا خلعت عنها ونظر إليها منزوعة منها لم يكن وشيا ولا حليا. ولو قلت: (فصلان فلان مهزولة) وأنت لا تكني بذلك عن [١٠٩] غيره وأمثاله [١١٠] للضيافة /س ٩٩أ/ لم يكن من معنى الوشي /ع ٢١١ب/ والحلي في شيء [١١١] .
وبهذا التفصيل تبين أنّ مرادهم من المعاني التي يضيفون إليها عبارة (الصياغة)
стр. 16197
المعاني الأُول. وقد نبهت فيما سبق على صياغتها على نحوين: أحدهما ما يكون بالتصرف في النظم بلا اتساع وتجوز في الكلام. والآخر ما يكون بنحو [١١٢] من الاتساع والتجوز [١١٣] فيه مع قطع النظر عن حال النظم.
فإن قلتَ: هل تختلف [١١٤] دلالة المعاني الأُول في كلام مخصوص مركب من مواد معينة، على العاني الثواني بلا اتساع وتجوّز فيه لا من جهة المادة، ولا من جمة الهيئة..؟
قلتُ: نعم إذا تغير النظم وحال [١١٥] المواد [١١٦] على حالها - على ما نقلناه عن الشيخ فيما تقدم.
فإن قلتَ: هلا تتغير حينئذ صورة الكلام الحاصلة بحسب النظم..؟
قلتُ: بلى إلا أن هذا التغيير لا يؤثر في الدلالة ولا يخرجها عن حد الوضع إلى حد العقل [١١٧] .
فإن قلتَ: هل [١١٨] يحصل بمجرد تغير النظم اختلاف في كيفية دلالة المعاني الأُول على المعاني الثواني.
قلتُ: نعم، ألا ترى أن (يسبُني) في قوله [١١٩] :
ولقد أمر على اللئيم يسبني
حال كونه صفة أظهر دلالة على المعنى [١٢٠] المقصود، وهو التمدح بالوقار منه حال كونه حالاً؟ ولقد أفصح عن هذا من قال [١٢١] : ".. المرجح للوصفية على الحالية، إن جعله وصفا، أي لئيم عادته [١٢٢] المستمرة (يسبني) أفيد في المعنى /س ٩٩ب/ على الوقار "انتهى كلامه.
ومن هنا انكشف سر وهو أن الاختلاف في كيفية الدلالة غير منحصر [١٢٣] في طريق المجاز والكناية كما توهمه صاحب المفتاح حيث قال [١٢٤] : انصباب علم البيان إلى التعرض للمجاز والكناية بناء على ما قدمه من أن التفاوت في الدلالة إنما يكون بالدلالة [١٢٥] العقلية. وذلك بالطريقين المذكورين لأن قوله (يسبني) في الوجهين المزبورين على حقيقته. والتفاوت المذكور في الدلالة مرجعه إلى المعنى النحوي، لا إلى المعنى اللغوي. فافهم هذا السر الدقيق [١٢٦] ، فإنه بالحفظ حقيق.
стр. 16198
والحمد لله على التمام، والصلاة والسلام على سيد الأنام، وعلى آله الكرام.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] مصادر ترجمته: هدية العارفين ١/١٤١، كشف الظنون ١/٤١، الشقائق النعمانية ٢٢٦-٢٢٨، عقود الجوهر ١/٢١٧، الموسوعة التركية ٥٦١-٥٦٦.
[٢] يحلو لبعض الدارسين تسميته بـ/ كمال باشا أوغلو، أو كمال باشا زاده. على أن (أوغلو) كلمة تركية تعني ابن، و (زاده) كلمة فارسية تعني ابن أيضا. ولكننا نؤثر تسميته بابن كمال باشا كما كان يحلو أن يُسمي نفسه بذلك.
[٣] تشانجى، أي: الذي يختم المراسيم والمكاتيب بختم ((السيد العظيم)) المعروف بطغراء السلطان.
[٤] عاش عهدي السلطانين محمد الثاني الفاتح ابن مراد (٨٥٥-٨٨٦هـ / ١٤٥٠-١٤٨١ م) ، وبايزيد الثاني ابن محمد الفاتح (٨٨٦-٩١٨هـ/١٤٨١- ١٥١٢م) .
[٥] انظر: الشقائق النعمانية ص ٢١٥.
[٦] التفتازاني، هو مسعود بن عبد الله التفتازاني، الملقب بسعد الدين (ت ٧٩١ هـ) ، العلامة الأصولي المفسر المتكلم المحدث البلاغي الأديب. له مصنفات في علوم شتى منها: التلويح في كشف حقائق التنقيح في الأصول، وحاشية على شرح العضد على مختصر ابن الحاجب في الأصول، والمطول الذي وضعه شرحا لتلخيص المفتاح للسكاكي، وله حاشية على الكشاف ولم يتم (ترجمته: بغية الوعاة ص ٣٩١، الفوائد البهية ص ١٣٦-١٣٧، الأعلام ١٣/١١٣-١١٤، أبجد العلوم (٣/٥٦) .
стр. 16199
[٧] الشريف الجرجاني، هو علي بن محمد بن علي (ت ٨١٦هـ) ، من كبار العلماء بالعربية، كان بينه وبين التفتازاني مباحثات ومحاورات في مجلس تيمورلنك. من مصنفاته: التعريفات، وشرح مواقف الإيجي، والحوشي على المطول للتفتازاني، وشرح على حاشية القاضي العضد. على مختصر المنتهى، وشرح القسم الثالث من المفتاح، وحاشية على الكشاف ولم يتم (ترجمته: الفوائد البهية ص ١٢٥-١٣٧، الأعلام ٥/١٥٩-١٦٠، أبجد العلوم ٣/٥٦) .
[٨] أما أمه فهي ابنة محمد محيي الدين كوبلي kupeli-oglu mehmed، وكان جدها (سنان باشا يوسف ضياء الدين) من العلماء.
[٩] انظر: الشقائق النعمانية ص٢١٥. بالإضافة إلى شهرة الفاتح كقائد عسكري طموح، فلقد كان شاعرا محبا للعلم والعلماء وكان يجيد عدة لغات شرقية وأوربية وله ديوان شعر بالتركية مطبوع.
[١٠] انظر: معجم صفصافى ص٤٧١.
[١١] الشقائق النعمانية ص ٢٢٦.
[١٢] كذا في الأصل ولعل المقصود: مرتبه أو وظيفته.
[١٣] انظر: طاش كبرى زاده، الشقائق النعمانية بذيل وفيات الأعيان ج٢م٢ص٥٩٢.
[١٤] انظر المرجع السابق ص ٥٩٣.
[١٥] انظر المرجع السابق ص ٣٩٣-٥٩٤.
[١٦] أنشأها السلطان محمد الفاتح، وتعرف هذه المدارس بمدارس الصحن الثمان، وهي للتعليم العالي المتكامل في مرافقه وخدماته لطلاب العلم أشبه ما يكون بالمدينة الجامعية.
[١٧] هو تاسع السلاطين العثمانيين (٩١٨-٩٢٦ هـ/١٥١٢-١٥٢٠م) ، الملقب بـ/ ((ياوز)) ، أي القاطع. وفي عهده تم التغلب على سورية ومصر إثر واقعة مرج دابق.
[١٨] ((قاضي عسكر)) أو ((قاضيعس كر)) : كان لقبا علميا كبيراً في الدولة العثمانية، فقد كانت الدولة العثمانية مقسمة إلى منطقتين كبيرتين من هذه الوجهة هي الأناضول والرومليّ (أي بلاد الروم) وكان يعين على كلّ منهما قاض للعسكر (عن معجم صفصافي ٢٣٦) ، وهذا يشبه منصب قاضي القضاة عند العرب.
стр. 16200
[١٩] هو سليمان الأول (١٥٢٠-١٥٦٦م) عاشر السلاطين العثمانيين، وعهده هو العهد الذهبي في تاريخ الدولة العثمانية إذ ازدهرت العلوم والفنون والآداب، واستبحر العمران، وارتقت الدولة في جميع مرافقها.
[٢٠] الشقائق النعمانية ٢٢٧.
[٢١] كذا في الأصل. ولعله من الأفضل أن يقال: أحيا ذكر السلف.
[٢٢] الفوائد البهية في تراجم الحنفية ٢١.
[٢٣] المصدر السابق ٢٢.
[٢٤] الشقائق النعمانية ٢٢٧.
[٢٥] عنوانه ((تغيير التنقيح (بالتنقيح)) ) - وتنقيح الأصول لعبد الله بن مسعود البخاري الحنفي المتوفى سنة ٧٢٧ هـ (عن حاجي خليفة، كشف الظنون ١/ ٤٩٩) .
[٢٦] هو كتاب ((التلويح في كشف حقائق التنقيح)) لسعد الدين التفتازاني. المطبعة الخيرية بالقاهرة ١٣٠٤ هـ.
[٢٧] انظر: الطبقات السنية في تراجم الحنفية لتقي الدين عبد القادر التميمي (ت ١٠٠٥هـ) ، تحقيق عبد الفتاح الحلو. القاهرة، ١٩٧٠م. الجزء الأول ص ٤١١.
[٢٨] حقق الباحث بعض هذه الرسائل، وقد أفاد منها في تحقيق هذه الرسالة ودراستها.
[٢٩] تختلف النسختان في عنوان الرسالة، ع: رسالة شريفة في تحقيق معنى النظم والصياغة للعلامة الرومي الشهير بكمال باشا زاده رحمه الله تعالى. س: هذه رسالة مرتبة في تحقيق معنى النظم والصياغة لبن كمال باشا.
[٣٠] الزيادة من س.
[٣١] اختلاف في الديباجة س: أما بعد حمد الله والصلاة والسلام على نبي الله، أما بعد.. (قابل بدلائل الإعجاز، صفحة ٩٣،الطبعة ١٩٦٩م)
[٣٢] سابقه
[٣٣] سابقه
[٣٤] الصناعة: علم متعلق بكيفية العمل سواء حصل بمزاولة العمل أو بدونها (عن المفتاح) .
[٣٥] س: منهما، تحريف.
стр. 16201
[٣٦] يقول عبد القادر الجرجاني (الدلائل، ص٢) : ((وليس النظم سوى تعليق الكلم بعضها ببعض، وجعل بعضها بسبب من بعض. والكلام ثلاث: اسم، وفعل، وحرف. وللتعليق فيما بينهما طرق معلومة ... ومختصر كل الأمر أنه لا يكون كلام من جزء واحد، ولابد من مسند، ومسند إليه)) . ويقول (ص٣٩) : ((..الفظ تبع للمعنى في النظم، وإن الكلم تترتب معانيها في النفس، وإنها لو خلت من معانيها حتى تتجرد أصواتا وأصداء حروف لما وقع في ضمير، ولا هجس في خاطر: أن يجب فيها ترتيب ونظم، وأن يجعل لها أمكنة ومنازل، وأن يجب النطق بهذه قبل النطق بتلك))
[٣٧] من: سقط من (س) .
[٣٨] عنه: سقط من (س) .
[٣٩] الشيخ: يعني عبد القاهر الجرجاني (ت٤٧١) .
[٤٠] عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، ص٣٨٨ (ط الخفاجي ١٩٨٠) .
[٤١] س: و، تحريف.
[٤٢] ع: فيذهب، تحريف.
[٤٣] في نسختي المخطوط: (فإن السامع يحصل من مجموع الكلم كلها) وقد تصرف ابن كمال في النص المنقول عن الدلائل دون إخلال بالمعني.
[٤٤] ع: يتوهم.
[٤٥] ما بعده تصرف من ابن كمال في النص المنقول عن (الدلائل) ولكن المعنى لم يتغير.
[٤٦] س: اتيانك.
[٤٧] واحد: سقط من (ع) .
[٤٨] انظر الآتي.
[٤٩] س، كحلق، تحريف.
[٥٠] س، يقبل.
[٥١] س، حتى، تصحيف.
[٥٢] (كسرا) : بكسر الكاف وفتح السين، والكِسرَ جمع الكسرة (بكسر الكاف وسكون السين) : القطعة من الشيء المكسور.
[٥٣] السوار، سقط من (س) .
[٥٤] (والأسياف بالكواكب على حدة) ، سقط من (ع) .
[٥٥] تكر، أي: تتهاوى.
[٥٦] س: إلى هنا كلامه.
стр. 16202
[٥٧] البيت لبشار بن برد (من الطويل) . وهو مثل تطبيقي جيد لنظرية النظم عند الشيخ عبد القاهر الجرجاني، وعند ابن كمال باشا الذي جدد خطاه. وفي النص المنقول تأكيد على أن العلاقات القائمة بين دلالات الألفاظ هي التي يتعلق بها الفكر، وبذلك لا يتصور وقوع قصد منا إلى معنى الكلمة دون أن نريد تعليقها بمعنى كلمة أخرى ترد معها. والشاعر لا يريد هنا أن يعلمنا بمعاني الألفاظ المفردة. فهو كالصائغ الذي يأخذ قطعا من الذهب فيسكبها في قالب واحد. ولقد عمد إلى ترابط المعاني المجازية والنحوية في سياق ليشكل الصورة العامة في مفهوم وهو في مجموعة معنى واحد. ويزيد الجرجاني الأمر إيضاحا فيقول في الموضع نفسه: ((جعل (مُثال النقّع) اسم (كأن) وجعل الظرف الذي هو (فوق رؤوسنا) معمولا (لمثار) ومعلقا به. وأشرك (الأسياف) في (كأن) بعطفه على (مثار) . ثم بأن قال: ليل تهاوي كواكبه) خبرا لكان. فانظر هل ترى شيئا كان التحاد به غير ما عددناه، وهل تعرف له موجبا سواه؟))
[٥٨] مفتاح العلوم للسكاكي، ص١٦١ (طبعة دار الكتب العلمية، سنة١٩٨٣) ، وتكملة قول السكاكي: ((.. من أن يكون مقصودا به نفي الشك، أو رد الإنكار، أو من تركيب (زيد منطلق) من أنه يلزم مجرد القصد إلى الخبار..))
[٥٩] دلائل الإعجاز، ص٤٦٢ (طبعة الخفاجي١٩٨٠م)
[٦٠] س: يكون، تصحيف.
[٦١] الدلائل المطبوع: بين.
[٦٢] س: يكون، تصحيف.
[٦٣] س: يكون، تصحيف.
[٦٤] الدلائل المطبوع: بين.
[٦٥] س: التباين، تحريف. والبيتان، هما بيتين. على أن عبد القاهر الجرجاني قدم لهذه الفقرة بفصل عقده للموازنة بين المعنى المتحد واللفظ المتعدد، ومن ذلك قول البحتري:
وأحب آفاق البلاد إلى فتى
أرض ينال بها كريم المطلب
مع قول المتنبي:
وكل امرئ يولي الجميل مُّحَبَّبٌ
وكلُّ مكان يُنبِتُ العِزَّ طيب
стр. 16203
إن الصورة عند عبد القاهر الجرجاني – يتابعه ابن كمال في ذلك – تعني الصياغة أو النظم. ويظهر السياق القيمة الفنية للصياغة بمقدار ما يحقق الارتباط العضوي بين المعاني الحقيقة أو النحوية، وبين المعاني المجازية من استعارة وتمثيل وتشبيه..وغيرها. وليست المعاني البلاغية منفصلة عن النظم بل هي جزء منه. والفرق بين صورة شعرية وأخرى - اتحاء المعنى - إنما يرجع إلى خصوصية في الصياغة أو النظم، وإن أي تغير في ترتيب الألفاظ يتبعه تغير في الصورة (انظر الدلائل ٢٠٥،٢٧٩) والخلاصة فإن الصورة عنده هي الصياغة الفنية للمعنى، أو هي نظم الكلمات داخل سياق لغوي متفاعل لا ينفصل فيه الشكل عن المضمون.
[٦٦] في نسخ الدلائل المطبوعة: صناعة.
[٦٧] الدلائل، ص١٧٥ (طبعة المنار) .
[٦٨] ع: تغير، تصحيف.
[٦٩] ع، س: بتغير، تصحيف.
[٧٠] في، زيادة من (ع) .
[٧١] ع، س: فعله، تصحيف.
[٧٢] الدلائل، ص١٦٧ (طبعة المنار) .
[٧٣] الشيء، سقط من (ع) و (س) .
[٧٤] وتكملة كلام الجرجاني ... فكما أن محالا إذ أنت أردت النظر في صور الخاتم وفي جودة العمل ورداءته أن تنظر إلى الفضة الحاملة لتلك الصورة أو الذهب الذي وقع فيه العمل وتلك الصفة - كذلك محال إذا أردت أن تعرف مكان الفضل والمزية في الكلام أن تنظر في مجرد معناه. وكما لو فضلنا خاتما على خاتم بأن تكون فضة هذا أجود أوفصه أنفس، لم يكن ذلك تفضيلا له من حيث هو شعر وكلام، وهذا قاطع فعرفه – وهذا النص فيه تأكيد لرفض ثنائية الفظ والمعنى عند مدرسة الجرجاني. والصورة عنده تعني الصياغة، وكلاهما مرادف للنظم حيث تبدو أصالة العمل الأدبي في إطار السياق الفني.
стр. 16204
[٧٥] انظر: مفتاح العلوم للسكاكي، ص ١٦١ (طبعة دار الكتب العلمية) وقد تصرف ابن كمال فيما نقله عن السكاكي، فعلم المعاني عنده هو: ((تتبع خواص تراكيب الكلام في الإفادة وما يتصل بها من الاستحسان وغيره ليحترز بالوقوف عليها عن الخطأ في تطبيق الكلام على ما يقتضي الحال ذكره)) وأما علم البيان فهو: ((معرفة إيراد المعنى الواحد في طرق مختلفة بالزيادة في وضوح الدلالة عليه، وبالنقصان ليحترز بالوقوف على ذلك عن الخطأ في مطابقته الكلام لتمام المراد منه)) .
ومن الواضح أن ابن كمال يرفض ما ذهب إليه السكاكي من حيث إن علم البيان لا يبحث في الدلالة من حيث الوضوح وعدمه، بل من حيث التذاذ النفس بها، لكونها متصرفة فيها، ولها مدخل منها. فليس قولنا: إنه كثير الرماد، مثل قولنا: كثير الضيافة لما يكون كل منهما صورة في النفس (انظر: الدلائل ص ١٧٤) .
[٧٦] أي لتصوير المعنى.
[٧٧] س: المعنى.
[٧٨] في حاشية (س) : قائله السيد الشريف (الشريف الجرجاني، علي بن محمد ت٨١٦هـ) وقد سبقت ترجمته (انظر ص٧) .
[٧٩] إشارة إلى ما سبق إثباته (ومراد صاحب المفتاح من الصياغة حيث قال: ((مثل ما سبق إلى فهمك من تركيب (إن زيدا منطلق) إذا سمعته عن العارف بصياغة الكلام ...
[٨٠] الحلي: بضم الحاء وكسر اللام وياء مشدّدة: ما يتزين به من مصوغ المعدنيات أو الحجارة.
[٨١] يعني السيد الشريف أيضا، ومن المعروف أن السيد الشريف قد شرح القسم الثالث من (المفتاح) .
[٨٢] ع: كما، تحريف.
[٨٣] المعنى: سقط من (ع) .
[٨٤] ع: الصور.
[٨٥] ع: فيما علم، تحريف.
[٨٦] س: مستعمل، تحريف.
[٨٧] أي علم البيان.
[٨٨] س: النقص، التحريف.
[٨٩] س: الدرجة، تحريف.
стр. 16205
[٩٠] من المؤكد أن ابن كمال يسير على خطى عبد القاهر الجرجاني، وهو يجدد دعوته في الدرس اللغوي المبني على النظرة الشمولية، وقد بنى نظرية النظم على أساس عدم التفرقة بين اللفظ والمعنى (انظر: الدلائل ص ١٨٣) والصورة الجمالية عنده أجزاء يكمل بعضها بعضاً وهي تستمد قيمتها من النظم وتكسب فضيلتها من السياق. وفي رسالة ابن كمال المسماة (مشاركة صاحب المعنى اللغوي في البحث عن مفردات الألفاظ) تأكيد لما سبق، يقول/ ورقة ١٧ من مخطوط السليمانية رقم ١٠٤٣/: ((ويشارك النحوي في البحث عن المركبات إلا أن النحوي يبحث عنها من جهة هيئاتها التركيبية صحة وفساداً، ودلالة تلك الهيئات على معانيها الوضعية على وجه السداد. وصاحب المعاني يبحث عنها من جهة حسن النظم المعبر عنه بالفصاحة في التركيب وقبحه، ومرجع تلك الفصاحة إلى الخلو من التعقيد فما يبحث عنه في علم النحو من جهة الصحة والفساد يبحث عنه فيعلم المعاني من جهة الحسن والقبح. وهذا معنى كون علم المعاني تمام علم النحو)) .
قابل بما ورد في المثل السائر لابن الأثير (١/٣٩) مع الأخذ بعين الاعتبار أن مباحث علوم البلاغة متداخلة عنده كالجرجاني، فالبلاغة ترادف البيان، والبيان يتسع ليشمل المعاني والبديع.
[٩١] في حاشية (س) : قائله الفاضل التفتزاني وقلده الفاضل الشريف.
[٩٢] انظر: ما ذكرناه في حاشية (٤٧) .
[٩٣] س: بالطرائق.
[٩٤] ما: سقط من (ع) .
[٩٥] انظر مثلا: فصل (كون النظم يتوخى معاني النحو) ص ٢٤٠ من (الدلائل) - طبعة المنار. ومواطن كثيرة من دلائل الإعجاز، ففي ص٥٥ ((واعلم أن ليس النظم إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو، وتعمل على قوانينه وأصوله، وتعرف مناهجه التي نهجت فلا تزيغ عنها، وتحفظ الرسوم التي رسمت لك فلا تخل بشيء منها)) .
[٩٦] ع: عن، تحريف.
[٩٧] س: إن، تحريف.
[٩٨] س: خصوصات، تحريف.
стр. 16206
[٩٩] ع: يتبدل، تصحيف.
[١٠٠] الألفاظ، سقط من (ع) .
[١٠١] س: يتغير، تصحيف.
[١٠٢] جاء، سقط من (ع) .
[١٠٣] قابل بما ورد في (الدلائل) ص١٣٧و٢٢٧ (طبعة المنار) .
[١٠٤] هذا صدر بيت من الكامل، وقد نسب إلى عميرة بن جابر الحنفي وعجزه
فَمَضَيْتُ ثُمَّتَ قُلْتُ لاَ يعنيني
(والشاهد فيه: قوله (اللئيم يسبني) حيث وقعت الجملة، وهي يسبني نعتاً للمعرفة وهو قوله اللئيم، وإنما ساغ ذلك لأنه – وإن كان معرفة في اللفظ – نكرة في المعنى؛ لأن (أل) المقترنة به جنسية، وزعم ابن عقيل أنه يجوز في هذا البيت أن تكون الجملة حالاً كالأصل في الجمل الواقعة بعد المعارف، والمعنى يأبى ذلك، فإن الشاعر لم يقصد أنه يمر على اللئيم الذي من ديدنه وشيمته وسجيته أنه يقع فيه) –أوضح المسالك بتحقيق محمد محي الدين عبد الحميد (شاهد ٣٩٣) وانظر: ١/٤٠٦ كتاب سيبويه.
[١٠٥] إشارة إلى مطلع معلقة امرئ القيس:
قفا نبكي من ذكر حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخول فحومل
وانظر: (الدلائل) ص ٣٠٤، طبعة المنار، وفيه (أن الفكر لا يتعلق إلا إذا توخينا إمكانات النحو في تركيب البيت وهو ما صنعه امرئ القيس من كون (نبك) جوابا للأمر، وكون من معدية إلى (ذكرى) وكون ذكرى مضافة إلى (حبيب) وكون منزل (منزل) معطوفاً على حبيب ... وجملة الأمر: أن لا يكون هناك إيداع في شيء حتى يكون هناك قصد إلى صورة وضعة، وإن لم يقدم ما قدم، ولم يؤخر ما أخر، وبدئ بالذي ثني به أو ثني بالذي ثلث به، لم تحصل الصورة الأدبية) .
стр. 16207
[١٠٦] س: والثاني من الأنواع المذكورة. والمعاني الأول، مصطلح أطلقه الجرجاني. ويقصدبه: المدلول المباشر للكلمة أو العبارة، وهو المدلول المفهوم من مجرد الصوت المسموع، أو ما عرف لدى اللغويين بالمعنى الوصفي. أو المعاني الثواني، أي ما يعقل الدلالة الأولوية للمعنى في الجملة بحيث يؤدي إلى فهم معنى آخر، ومدار هذا المعنى على الكتابة والاستعارة والتشبيه والتمثيل (انظر: الدلائل، ص١٧٤، طبعة المنار) .
[١٠٧] المرجع السابق، الموضع نفسه.
[١٠٨] المرجع السابق، الموضع نفسه.
[١٠٩] ع: من.
[١١٠] س، ع: وأمهاتها.
[١١١] قابل بالآتي نقلا عن الدلائل
وما يك فيّ من عيب فإني جبان الكلب مهزول الفيصل
((أراد أن يذكر نفسه بالقرى والضيافة فكنى عن ذلك بجبن الكلب وهزال الفيصل وترك أن يصرح فيقول: قد عرف أن جنابي مألوف وكلبي مؤدب لا يهر في وجوه من يغشاني من الأضياف وإني أنحر السمان من إبلي وأدع فصالها هزلي)) .
[١١٢] س: بتجوز، تحريف.
[١١٣] التجوز: سقط من (س) .
[١١٤] ع، س: يختلف.
[١١٥] حال: سقط من (ع) .
[١١٦] ع: والمواد.
[١١٧] س: العقل، تصحيف.
[١١٨] ع: بل، تحريف.
[١١٩] انظر: تعليقنا رقم (٧٦) من هذه الدراسة.
[١٢٠] المعنى: سقط من (س) .
[١٢١] في حاشية المخطوط: قائله السيد الشريف الفاضل.
[١٢٢] ع: عادة.
[١٢٣] س: منحصرة.
[١٢٤] انظر: مفتاح العلوم للسكاكي، ص١٦١. وانظر: ما سبق من تعليقنا حول هذه المسألة، رقم (٤٧) .
[١٢٥] س: بادلالات.
стр. 16208
[١٢٦] وهكذا يكشف ابن كمال، في هذا الجزء من الرسالة، عن منهجه في الدرس البلاغي النقدي. فهو مجدد لاتجاه عبد القاهر الجرجاني صاحب نظرية النظم التي قوامها: ((واعلم أن ليس النظم إلا أن تضع كلامك الوضع الي يقتضيه علم النحو، وتعمل على قوانينه وأصوله)) (الدلائل –طبعة المنار – ص٥٥) ..أما ابن كمال فيقول: ((ومرادهم من النظم في أمثال هذا المقام توخي معاني النحو فيما بين الكلام حسب الأغراض التي يصاغ لها الكلام – والنظم بهذا المعنى أسّ البلاغة، وأم الإعجاز)) ... ويقول: ((وإذا تحققت ما ذكرناه فقد ظهر عندك أن التراكيب الخالية عن الفصاحة ساقطة عن نظر صاحب المعاني دون النحوي، وكذا ساقطة التراكيب التي لاحظ من الخواص الخطابية. ومن هنا تبين أن موضوع علم النحو أوسع دائرة من موضوع علم المعاني رغم أن البحث فيهما عن المركبات على الإطلاق، إلا أن النحوي ينظر إلى هيئاتها التركيبية وتأديتها المعاني الأصلية. وصاحب المعاني ينظر إلى إفادتها المعاني المغايرة لأصل المعنى)) .
/ عن مخطط لابن كمال بعنوان: صاحب المعاني يشارك الغوي في البحث عن مفردات الألفاظ../.
стр. 16209
العدد ٧٣-٧٤
فهرس المحتويات
١- استدراكات على كتاب تاريخ التراث العربي في كتب التفسير: للدكتور حكمت بشير ياسين
٢- عقود الزبرجد على مسند الإمام أحمد في إعراب الحديث: تأليف: جلال الدين السيوطي؛ تحقيق: الدكتور حسن موسى الشاعر
٣- رسائل لم يحملها البريد: للشيخ عبد الرؤوف اللبدي
٤- قضية الحداثة: الدكتور عبد الباسط بدر
٥- ألفية ابن مالك: منهجها وشروحها: للأستاذ الدكتور غريب عبد المجيد نافع
عمادة البحث العلمي - جميع الحقوق محفوظة ١٤٢٣ هـ / ٢٠٠٢ م
стр. 16210
استدراكات على كتاب تاريخ التراث العربي في كتب التفسير
للدكتور حكمت بشير ياسين
أستاذ مساعد بكلية القرآن الكريم
(٣)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى من اهتدى بهديه ودعا بدعوته إلى يوم الدين ... وبعد:
فهذا القسم الثالث من (استدراكات على كتاب تاريخ التراث العربي) ، وفيه كتب التجويد والقراءات، وقد رتبتها حسب السنين كصنيع الأستاذ سزكين وبالله أستعين.
كتب القرن الثاني الهجري
١- الوقف والابتداء:
لضرار بن صرد بن سليمان التميمي الكوفي المقرئ ت ١٢٩ هـ ذكره ابن النديم
٢- تقييد الأمثلة:
لأبى عمرو بن العلاء التميمي المازني البصري ت ١٥٤ هـ أحد القرَّاء السبعة منه نسخة في الخزانة العامة في الرباط/ المغرب برقم د - ١٣٧١ ضمن مجموع من ورقة ٢٠٨ أ - ٢٢٣ ب. ونسخة أخرى في الخزانة العلمية الصبيحية برقم ٩/٢٥٤ تقع في (١٧) صفحة بخط مغربي نسخي مدموج ملون.
٣- الوقف والابتداء:
لحمزة بن حبيب بن عمارة الزيات أبي عمارة الكوفي المقرئ أحد القرَّاء السبعة ت ١٥٦ هـ ذكره ابن النديم.
٤- وقف التمام:
لنافع بن عبد الرحمن بن أبى نعيم القارئ المدني أحد القرَّاء السبعة ت ١٦٩ هـ والكتاب ذكره ابن النديم وهو من الكتب التي حصل على إجازتها الخطيب البغدادي
٥- القراءات:
لعباس بن الفضل بن عمرو بن عبيد الأنصاري الواقفي ت ١٨٦ هـ وقد قرئ هذا الكتاب على ابن عدي.
قال ابن عدي: "قرأ علينا إبراهيم بن عليّ العمري بالموصل عن عبد الغفار بن عبد الله الموصلي، عن العباس بن الفضل الأنصاري قراءاته التي صنفها بكتاب كبير وفيه حديث صالح مما يرويه، وقد أنكرت في رواياته أحاديث معدودة وهو مع ضعفه يكتب حديثه".
٦- الوقف والابتداء الكبير والوقف والابتداء الصغير:
لمحمد بن أبي سارة الكوفي الرؤاسي أبي جعفر النحوي ت ١٨٧ هـ قال ابن النديم: "وهو أول من وضع من الكوفيين كتابا في النحو".
следующие страницы →