← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

دع الإسراف مقتصداً، واذكر في اليوم غداً، وامسك من المال بقدر ضرورتك، وقدم الفضل ليوم حاجتك، أترجو أن يعطيك الله أجر المتواضعين وأنت عنده من المتكبيرن؟ أو تطمع وأنت متمرغ في نعيم تمنعه الضعيف والأرملة، أن يوجب لك ثواب المتصدقين؟ وإنما المرء مجزي بما أسلف وقادم علة ما قدم، والسلام. (جواهر الأدب)

стр. 1647

ندوة الطلبة الحركة الإسلامية في الهند بقلم الطالب: عبد الرحمن تروائي المليباري الإسلام دين إلهي ومنهج رباني يشمل جميع جوانب الحياة البشرية وليس مجرد تصور أو عقيدة أو طريق منعزل عن واقع حياة الأمة. وليس الإسلام مجرد اسم لعلاقة سرية بين العبد وربه وليس الإسلام مجرد نظام خاص وجد لإنهاء بعض الخصومات القبلية التي وجدت في فترة من الفترات كما يريد أن يظهره خصومه، ولكن الإسلام عقائد وعبادات ومعاملات وأخلاق وجهاد ودولة، وهو الدين الوحيد الضامن لحامله السعادة في العاجلة والآجلة مهما تغيرت الأزمان وتطورت الآراء أما مسؤولية إقامة هذا الدين الحنيف على الوجه الأكمل فإنها ملقاة على كواهل هذه الأمة بعد وفاة رسولها وقائدها محمد ﷺ والخلفاء الراشدين الذين تحملوا أعباء هذه المسؤولية بعده قد أدوا دورهم وأقاموا الخلافة الإسلامية الراشدة على أتم صورة، وبعد وفاة الرسول ﷺ بسنوات قلائل أزيلت وحطمت الإمبراطوريتان العظيمتان الرومية والفارسية المحيطتان بالجزيرة العربية الإسلامية من الوجود، فأصبحوا سادة العالم وقادة البشر أكثر من ألف سنة، وحطموا خلالها الصليبين وقضوا على التتار، وغزو شرق أوربا وجنوبها وغربها، وأقاموا فيها حكم الله مئات السنين، حتى أن الخليفة العباسي هارون الرشيد ﵁ يقول للسحابة: "أمطري حيث شئت فسيأتيني خراجك ".

стр. 1648

ولا يعتبر الإنسان مسلما حقيقيا حتى يحكم الإسلام في شؤونه كلها دقيقها وجليلها صغيرها وكبيرها عظيمها وحقيرها وهذا مصداق قوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ المائدة:٤٩, ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ النساء:١٠٥، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ المائدة:٤٥، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ المائدة:٤٧، ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ النساء:٦٥. وإن هذه الآيات القرآنية لتضع الإنسان أمام طريقين لا ثالث لهما أحدهما الاستجابة لله وللرسول واتباع ما جاء به الرسول ﷺ ، والثاني اتباع الهوى والشيطان وهذا صريح قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ القصص:٥٠.

стр. 1649

فهذه مصر الإسلامية في سنة ١٨٨٤م تخلت عن الشريعة الإسلامية وصبغت نظامها طبقا للقوانين الفرنسية، وهكذا فعلت الدولة التركية، والألبانية المسلمة أزاحت القوانين الإسلامية حتى قانون الأحوال الشخصية الإسلامية وجعلت نظام إيطاليا وسويسرا نظاما لها. وتاريخ الإسلام في الهند ليس ببعيد عنا، فقد ضلت الدولة الإسلامية فيها مستمرة مدة ثمانية قرون إلى زمن الاستعمار البريطاني، ومنذ أن وطئت أقدام المستعمر أرضها بدؤوا يبطلون الشريعة الإسلامية القائمة آنذاك شيئا فشيئا، فكنا نحن المسلمين في الهند نرزح تحت نير الاستعمار المجرم ووطأته وضغطه مدة ١٩٠ عاما ثم أخذت الهند استقلالها بعد ذلك، ولكن لم تنتهي محاولة محو الإسلام من نفوس أتباعه، فما زالت تقوم محاولات سرية لإزالة ما بقي من شعائر الدين على يد الحكومة الحالية التي ركزها الاستعمار عندما خرج من الهند، فكأن الهند لم تأخذ استقلالها بعد. وهذه الحالة المؤلمة ما ألمت بالمسلمين على نتيجة لتخليهم عن الشريعة الإسلامية وتحولهم عنها وإعراضهم عن القرآن الكريم وفهمهم الخاطئ للإسلام، حيث فصلوا بين الدين والدولة، فاصبح الدين عبارة عن مفهوم ضيق لا هيمنة له على واقع حياة الأمة، وأصبح المسلمون عبيدا وأذلاء في وجه الأعداء، ومن الواضح جدا أن المسلمين إذا طبَّقوا القرآن تطبيقا كاملا في جميع مرافق حياتهم فلن يقدر أي عدو محليا كان أو خارجيا أن يتغلب عليهم، ومنذ أن حدث هذا الفصام النكد بين الدين والدولة أصبح المسلمون قطيعا من الغنم في وجه الأسود المفترسة تكالبت عليهم الأمم من كل جانب، ولعل هذا ما قصد إليه الوزير الإنجليزي جلادستون حين وقف في مجلس العموم قبل سنين كثيرة يقول: " إن قدم الإمبراطورية الإنجليزية لن ترسخ في بلاد الإسلام ما دام القرآن موجودا ".

стр. 1650

والقرن الرابع عشر طلع علينا بامتيازات غير معروفة من قبل من البلايا والرزايا والنكبات والنكسات التي تبلبل العقول وتهز الاتجاهات الإنسانية، ومن أكبرها خطرا استيراد الحضارة الغربية القتالة التي أثرت في حياة الأمة الإسلامية أيما تأثير، فصرفت الشباب المؤمن عن الجادة الصحيحة المستقيمة، فانطفأ النور وعم الظلام وكثر الناعقون خلال هذا الظلام الدامس، فقسمت الناس إلى معسكرين بارزين شرقي وغربي، بعدما قسمهم الإسلام إلى معسكرين الإيمان والكفر أو الهداية والظلال، وإن هؤلاء الناعقين الغاشمين لبسوا كل ثوب حتى يصلوا إلى مهمتهم، فكان منهم المستشرقون الذين عُنُوا بدراسة العلوم الشرقية والمعارف الإسلامية للكيد للإسلام، والدس والافتراء عليه وعلى نبيه محمد ﷺ ، راغبين في إلباس الإسلام أثوابا مستوردة مشوهة، وكان منهم الكتاب في الداخل الذين اشتراهم المبشرون والاستعمار بثمن بخس يستخدمونهم في مهاجمة الدين لفصل الدين عن الدولة، مقلدين حملة الاستشراق البشع تقليد الأعمى، ولاشك أن الاستشراق متولد من أبوين غير شرعيين: التبشير الذي خططه والاستعمار الذي غذَّاه، وجميع هذه الأفكار والتنظيمات والمؤامرات المضادة للإسلام متفقة على نقطة واحدة وهي تقويض دعائم العقيدة الإسلامية الغراء ليغرسوا مكانها بعض التصورات والمفاهيم الجهنمية، ليصبح أبناء الإسلام حيارى لا يعرفون عنوان الإسلام فضلا عن مبادئه وتعاليمه.

стр. 1651

والعلماء هم ورثة الأنبياء غفلوا أو تغافلوا عن هذا الاصطياد في الماء العكر فما أدوا ما عليهم من الواجبات الدينية الملقاة على كواهلهم، وقد صار جل همهم في تحقيق المطامع الدنيوية والتشاجر في مسائل لا مساس لها بجوهر الدين، فما أحوج الأمة الإسلامية في هذه الظروف الحرجة والأوضاع المضطربة إلى حركات إسلامية تقوم بالدعوة الإسلامية الخالصة من جديد، وتحمي تعاليم الإسلام وقوانينه من الطوفان الجديد المادي، وتعيد إلى حظيرة الإسلام جميع جوانب الحياة المشردة الفردية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية. وتحقيقا لهذا الغرض النبيل الجليل تأسست في الهند وغيرها حركات إسلامية عديدة منها حركة ((الجماعة الإسلامية في الهند وباكستان)) والإخوان المسلمون في لبلاد العربية و ((ماشومي)) (مجلس شورى مسلمي إندونيسيا) وغرضي من هذه الجولة السريعة أن أقدم إلى الإخوان نظرة خاطفة عن تاريخ الجماعة الإسلامية الهندية وعن نشاطها الكبير الفعال في الهند وذلك بعد إيجاز تاريخ وصول الإسلام إليها. وصول الإسلام إلى الهند:

стр. 1652

تعتبر الهند القطر الثالث في العالم بعد باكستان وإندونيسيا وذلك من ناحية كثرة المسلمين الذين يبلغ عددهم حوالي ٦٠ مليون نسمة. توجد في الهند عدة أجناس وديانات ولغات وثقافات، وقد استمرت العلاقات التجارية والثقافية بينها وبين العرب ولا سيما ربوع مالابار قرونا عديدة والتجار العرب والبحارة من الحضارمة وغيرهم كانوا يتجولون في خليج بنغال وبلاد الملايو وجزر إندونيسيا ولما انبثق فجر الإسلام من أفق الجزيرة العربية وامتدت أشعتها إلى ما وراء بلاد الجزيرة العربية شرقا وغربا وشمالا وجنوبا حمل التجار العرب هذا المشعل الجديد ألى الهند في حين كانت الهند تئن من التفرقة والشدائد المتكررة من أصحاب الديانات السائدة فيها، ورأوا أن تربة الهند صالحة لبذر هذا الدين الجديد ودعوا الناس إلى التوحيد والمساواة ومكارم الأخلاق، والكتب التاريخية القديمة والحديثة تنص أن الإسلام وصل إلى الهند في القرن الأول الهجري. ومالابار هي البقعة الأولى التي تشرفت بالإسلام أولا ثم انتشر الإسلام إلى البقاع الهندية الأخرى. تأسيس الجماعة الإسلامية:

стр. 1653

أسس هذه الحركة الإسلامية الأستاذ المودودي ومنذ أن بدأ يشتغل بالصحافة والتأليف مجردا قلمه السيال مكِبّاً على معالجة القضايا التربوية والاقتصادية والسياسية وكشف النقاب عن عورات الزنادقة والملحدين والمنحرفين والحكام الضالين في صفحات مجلته ((ترجمان القرآن)) بدأ الأستاذ يكتب فيها معلنا ومحاربا جميع ألوان الطواغيت وأشكال الانحراف وذلك بأساليب مختلفة مثبتا قدميه أمام التحديات العصرية بدون أي تزعزع أو هوادة كالجبل الأشم الراسخ وجعل يكتب سلسلة من المقالات والأبحاث الفكرية القيمة التي تتعلق بانحطاط المسلمين وتدهورهم واندحارهم وضياع سابق عزهم وكان يناقش فيها جميع المخططات العملية السيئة للأحزاب السياسية ومحاولاتها الشريرة لتظليل أبناء الأمة وذَوَبان بعض القلوب المسلمة فيها وموقف العلماء المنتمين إلى الإسلام المتقاعسين المتغافلين عن المهمات الدينية، وبعد أن ختم تلك المقالات بدأ يكتب مقالات جديدة مناشدا فيها ضرورة قيام جماعة صالحة خيرة لإنقاذ الأمة الإسلامية مما هم فيه من الانحراف والانحلال والتأخر، وقد رسم فيها الهدف الأسمى لتلك الحركة التجديدية والوسائل المطلوبة لتحقيق غايتها. وقد صرح فيها أن الإسلام عقائد وعبادات ومعاملات وأخلاق وجهاد ودولة، وهو صالح لكل زمان ومكان وهو نظام إلهي للبشرية كافة وهو يعطي الاستقرار التام والسلام الكامل وأن الأنظمة الوضعية المستوردة كلها لا قيام لها ولا دوام وأنها لا تستحق البقاء أمام هذا النور الساطع فهو الذي لا يغيب ولا يأفل حتى يرث الله الأرض ومن عليها لأنه نور الله الذي لا يطفئه شيء ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ .

стр. 1654

ولا شك أن مقالاته الفكرية قد فتحت قلوب العلماء المفكرين النائمة وجعلتهم يفكرون في مستقبل الإسلام والمسلمين والأوضاع الخطيرة المحيطة بهم من كل جانب والنتيجة الوخيمة التي تأتي على الأمة المسلمة إذا تركت بلا قيادة دينية محكمة وفعلا إنها فتحت قلوب أمثال المجاهد البطل محمد إقبال الشاعر الإسلامي ﵀ الذي أرسل خطابا إلى المودودي يقول فيه إن بيئة بنجاب وجوها أليق وأحسن من حيدر آباد لغرس فكرته ودعوته، ولابد من السفر إليها، وبُعَيْدَ وصول هذا الخطاب انتقل الأستاذ من حيدر آباد إلى بتان كوت ببنجاب سنة ١٩٣٨م. وبعد أن بذل جهوده المباركة طوال تسع سنوات ازداد عدد المؤيدين له من أرجاء الهند، وفي ٢٦ آب سنة ١٩٤١م اجتمع ٧٥ رجلا من رجال العلم والدعوة الذين تأثروا بدعوته وفكرته والذين وجد فيهم استعدادا كاملا للاضطلاع بأعباء هذه المهمة العظيمة، والجهاد في سبيلها بالنفس والنفيس، احتشدوا في دار السلام في بتان كوت ببنجاب الشرقية. وبعد طول البحث والنقاش والتشاور اتفقت كلمتهم على تكوين حركة ((الجماعة الإسلامية)) . وقد صرح الأستاذ المودودي في مناسبة انتخابه أميرا لهذه الحركة بكلمته الرائعة المشهورة وهي ((أحب أن أتولى وظيفة ساعي البريد تحت نظام إسلامي صحيح أكثر مما أحب أن أنتخب رئيسا أو وزيرا تحت نظام غير إسلامي)) . وعقب استقلال الهند وانقسامها إلى قسمين: الهند وباكستان انقسمت الجماعة الإسلامية إلى قسمين: الجماعة الإسلامية الهندية، والجماعة الإسلامية الباكستانية، والأستاذ المودودي يحاول باذلا طاقاته أن يقيم في باكستان دولة إسلامية مثالية. وقد صرح قائلا أثناء محاضرته في كلية لاهور في شهر يناير سنة ١٩٤٨م: " إن باكستان لابد أن تكون دولة إسلامية صحيحة ولابد أن تنفذ فيها القوانين الإسلامية بدل القوانين الأجنبية الوضعية ".

стр. 1655

هدف الجماعة الإسلامية الهندية ومنهاجها كما ينص دستورها: الهدف: الهدف الذي ترمي إليه الجماعة الإسلامية الهندية هو إقامة الدين الحنيف والدافع الحقيقي وراء ذلك إنما هو نيل مرضاة الله تعالى والفرز في الآخرة. التوضيح: إن المراد بالدين في قوله: ((إقامة الدين)) هو الدين الذي أرسل الله لأجله جميع أنبيائه في مختلف العصور والأمصار والذي أكمله بمحمد ﷺ خاتم الأنبياء والمرسلين على أتم شكل وأكمله هدى للناس كافة وهذا الدين الذي بقي في الدنيا سائدا ومحفوظا ومقبولا عند الله هو الدين الوحيد المسمى بالإسلام وإن هذا الإسلام هو نظام سماوي يحيط الإنسان بظاهره وباطنه ويشمل كل جانب من جوانب الحياة البشرية الفردية والاجتماعية من العقيدة والعبادة والخلق والسلوك وما إلى ذلك من القوانين الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، ولن توجد شعبة من شعب حياة الإنسانية خارجة عن دائرة هذا الدين، وهذا الدين هو أصلح نظام للبشر يحل جميع مشاكل حياته حلا سليما حكيما، كما أنه يكفل مرضاة الله والسعادة في الآخرة، ولا تستقيم حياة الفرد والمجتمع بطريق أمثل وأجود إلا بإقامة هذا الدين على الوجه الأكمل. المراد بإقامة هذا الدين هو اتباعه بكليته دون أي تفريق وتعديل بكل إخلاص وتطبيقه بكامله في جميع مرافق الحياة البشرية الفردية والاجتماعية، حتى يصبح ارتقاء الفرد وبناء المجتمع وتنظيم الدولة طبقا لمقتضيات هذا الدين. والمثال الرفيع لإقامة هذا الدين إنما هو ما رسمه محمد ﷺ والخلفاء الراشدون. (البند الرابع من دستور الجماعة الإسلامية الهندية) المنهج: ١- القرآن والسنة هما الأساس الذي تعتمد عليه الجماعة في جميع أعمالها وأما سواهما فلا يعتبر إلا في المرتبة الثانية وإلى حد يسمح به الكتاب والسنة.

стр. 1656

٢- إن الجماعة تهتم في جميع نشاطاتها اهتماما بالغا بالتزام حدود الإخلاص والقيم ولن تقبل أي وسيلة ولا مخطط يصادم الصدق والأمانة ويؤدي إلى انفجار أي اعتداء عنصري واشتباك طائفي وفساد وفوضى في الأرض. ٣- تعتمد الجماعة لتحقيق هدفها المرسوم على الوسائل العلمية السليمة أي أنها تقوم أولا بنشر العقيدة وتزكية القلوب وتهذيب الأخلاق والعادات ثم تكوين الرأي العام لإيجاد انقلاب صالح منشود في مجالات الحياة الاجتماعية. (البند الخامس من دستور الجماعة الإسلامية الهندية) لمحة سريعة من حياة الأستاذ المودودي:

стр. 1657

ولد الأستاذ المودودي بتاريخ ١٥ أيلول سنة ١٩٠٣م في مدينة أورنك آباد في مقاطعة حيدر آباد وكانت ولادته في أسرة علمية صوفية تعرف بالأسرة المودودية نسبة إلى الشيخ قطب الدين مودودي جشتي ﵀ مؤسس الطريقة الجشتية في الهند المتوفى سنة ٥٢٧هـ وكان والده عالما متدينا شديد الورع أحب أن يعلم ابنه في مسقط رأسه وفي منزله لكيلا تؤثر فيه الحضارة الغربية، بدأ نشاطه كصحفي إسلامي وهو في السابعة عشر من عمره وهو في سبيل الدعوة الإسلامية تولى منصب رئاسة تحرير جريدة ((تاج)) الصادرة في جبل بور وجريدة ((مسلم)) وجريدة ((الجمعية)) الصادرة في دلهي، ومجلته الخاصة ((ترجمان القرآن)) التي بدأ صدورها سنة ١٩٢٣م لا تزال تصدر تحت رئاسته وهي تعد من أكبر المجلات الإسلامية في العالم والأستاذ المودودي غني عن التعريف وعن كل بيان لأنه لا يزال محترما بين المسلمين في الداخل والخارج. إن كان هناك شخصيات تتوفر فيهم أهلية القيادة للأمة المسلمة في هذه الظروف العصيبة، فهذا الرجل المسلم الواعي المفكر لا بد أن يكون في مقدمتهم وله عضوية مرموقة في عدة منظمات إسلامية عالمية، قام برحلات عديدة في البلاد العربية من المملكة العربية السعودية والأردن وسوريا وفلسطين ولبنان والجمهورية العربية المتحدة وذلك لمشاهدة الأماكن التاريخية والآثار الإسلامية المعروفة بالقداسة والشهرة وهو أمير للجماعة الإسلامية منذ تأسيسها إلى وقتنا هذا اللهم إلا فترة بسيطة كان مسجونا فيها وهو لا يزال يمارس جهوده الجبارة ليلا ونهارا في الدعوة الإسلامية ولإيجاد وحدة بين صفوف العلماء والجمعيات الإسلامية. مؤلفاته:

стр. 1658

للأستاذ المودودي حوالي ١٠٠ كتاب ما بين رسائل وكتب في السياسة والقانون والدستور والتربية والاقتصاد والاجتماع والأخلاق والتاريخ وما إلى ذلك من مشكلات اليوم والقضايا العصرية المعقدة، وعادته في التأليف أن يدرس الموضوع أولا مهما كان الموضوع دراسة وافية ثم يعرضه على القالب الإسلامي وبوتقته ثم يعالجه معالجة سديدة بشكل جذاب وأسلوب أخاذ على ضوء الكتاب والسنة والمنطق السليم. ومن أشهر كتبه تفهيم القرآن تفسيره للقرآن الكريم صدرت منه أربعة مجلدات من أول سورة الفاتحة إلى آخر سورة الفتح ومن المتوقع أنه سيصدر الباقي قريبا لأنه مكب على إنهائه رغم وجود الأعمال المتراكمة المتشعبة وقد كانت زيارته في البلاد العربية إنما هي لمشاهدة الأماكن التاريخية والآثار الإسلامية القديمة ولدارسة تاريخها كما ورد ذكرها في القرآن الكريم ولذا نجد في تفسيره صور الخرائط للأماكن التاريخية والمعارك الإسلامية قلما توجد في كتب التفسير الأخرى. ومنها كتاب ((الجهاد في الإسلام)) الذي ألفه سنة ١٩٢٧م وقد فصل فيه موضوع الجهاد بحيث لا يبقي لقارئه أي شبهة حول قضية الجهاد في الإسلام وهذا الكتاب يقع في أكثر من ٥٠٠ صفحة ومما يذكر من أسباب تأليفه المباشرة قول الزعيم الهندي المعروف ((المهاتما غندي)) في تصريحاته العديدة بأن الإسلام لم ينتشر إلا بقوة السيف، ولا شك أن هذا الكتاب قد جعل له مكانة عظمى في صفوف العلماء وكان موقع تقدير نبيل من أقطاب العلماء والمثقفين والمفكرين.

стр. 1659

ومنها كتاب ((المسألة القاديانية)) كتبه سنة ١٩٥٣م ولما صدر هذا الكتاب ألقي القبض عليه في شهر آذار سنة ١٩٥٣م وسجنته الحكومة الباكستانية وصدر من الحكومة الباكستانية العسكرية قرارها بإعدامه، والمسلمون لما سمعوا هذا الخبر تواردت برقياتهم من أنحاء العالم كله في الدوائر الحكومية فتركت أثرا كبيرا وهذا الأستاذ حسن الهضيبي من أعلام مصر يبعث ببرقية يبين فيها أن الحكم بإعدام الأستاذ أبي الأعلى المودودي هو أمر مؤسف جدا وعمل إجرامي بشع نحو الحركة الإسلامية، والمسلمون في مشارق الأرض ومغاربها ينظرون إلى هذا الحكم بالاستنكار الشديد والقلق الكبير ويطلبون من الحكومة الباكستانية استبدال هذا الحكم وعدم تنفيذه، وارتباط المسلمين ببكستان إنما هو ارتباط إسلامي فحسب ـ منبر المشرق القاهرة ٢٢-٥-١٩٥٣م- وخلاصة برقية مسلمي إندونيسيا: "الأستاذ أبو الأعلى المودودي أمانة للعالم الإسلامي، والعالم الإسلامي في حاجة إليه، إن لم تحتج إليه باكستان نحن (مسلمي إندونيسيا) معه، والعالم الإسلامي في أشد حاجة إلى أفكاره النيرة". وبناء على طلب المسلمين من أنحاء العالم الذين اعتنقوا فكرته والمواطنين القائمين بالجماعة الإسلامية أبدلت الحكومة بحكم الإعدام عقوبة السجن المؤبد مع الأشغال الشاقة ثم رفعت القضية إلى المحكمة العليا في لاهور ثم أطلقت سراحه سنة ١٩٥٥م، ويجدر بنا أن نذكر هنا أنه ألقي القبض عليه قبل هذا في شهر تشرين الأول سنة ١٩٤٨م أي بعد تأسيس باكستان إلى أيار ١٩٥٠م.

стр. 1660

ومن الجدير بالذكر أن بعض مؤلفاته الشهيرة نقلت إلى اللغات العالمية العربية والإنجليزية والفرنسية والتركية والألمانية وغيرها من اللغات المحلية مثل البنغالية والتاملية والمراتية والكندية والمليالمية والهندية والتلنكية، وأعجب من هذا أن بعض مؤلفاته نقلت إلى سبع عشرة لغة وقد نقلت من كتبه إلى اللغة العربية أكثر من ٤٥ كتابا ومن أشهر مؤلفاته التي ظهرت في اللغة العربية ما يلي: ١- المصطلحات الأربعة في القرآن. ٢- الحجاب. ٣- تفسير سورة النور. ٤- الإسلام والجاهلية. ٥- نظرية الإسلام وهديه في السياسة والدستور والقانون. ٦- القانون الإسلامي. ٧- نحن والحضارة الغربية. ٨- المسألة القاديانية. ٩- مبادئ أساسية لفهم القرآن. ١٠- حركة تحديد النسل في ميزان النقد. ١١- مسألة ملكية الأرض في الإسلام. ١٢- أسس الاقتصاد بين الإسلام والنظم المعاصرة. ١٣- الربا. ١٤- شهادة الحق. ١٥- نظرية الإسلام السياسية. ١٦- منهاج الانقلاب الإسلامي. ١٧- معضلات الاقتصاد الإسلامي وحلها في الإسلام. ومؤلفات الأستاذ المودودي كلها مفيدة تحتوي ذخائر وكنوزاً علمية فكرية فلسفية لا نريد بذلك القول بسلامتها من الخطأ؛ لأن أحداً لا يدعي العصمة ولا تدعى له. بعض الوسائل المهمة التي تستخدمتها الجماعة الإسلامية الهندية: ١- توزيع المنشورات الإسلامية. ٢- الطباعة. ٣- الحلقات العمومية. ٤- اجتماعات الاستقبال. ٥- حلقات التبليغ والدعوة والتعليم. ٦- دور المطالعات. ٧- مراكز الشباب. ٨- التنسيقات الدراسية. ٩- المنظمات التربوية. ١٠- إنشاء المدارس والكليات.

стр. 1661

١١- إنشاء المكتبات الإسلامية، ومكتبة الجماعة الإسلامية المركزية والمكتبات الفرعية التابعة لها قد نشرت خلال السنوات الماضية مئات من الكتب في عدة لغات رائجة في الهند، وقد ترجمت بعض الكتب الإسلامية لرجال الأقلام البارزة في العالم الإسلامي وفي مقدمتهم الشهيد سيد قطب ﵀. والجماعة الإسلامية الهندية بفضل الله تعالى تتمشى إلى الأمام بكل جرأة ونشاط على قدم وساق وليس في الهند حركة إسلامية ترمي إلى هدف لأجله وجدت الجماعة الإسلامية، وقد أبلغت الجماعة دعوتها الإسلامية إلى آلاف المسلمين وعشرات من غير المسلمين ولمنشوراتها تأثير عميق ونفوذ كبير في أصحاب الفكر والاطلاع من المهندسين والدكاترة والأساتذة وغيرهم من المثقفين. والجماعة الإسلامية الهندية ليست حزبا سياسيا كما يزعم أعداؤها بل إنها حركة إسلامية خالصة تقوم بالإسلام ولأجل دعوة الإسلام. وأمير الجماعة الإسلامية في الهند هو الأستاذ أبو الليث الندوي الإصلاحي وهو لا يزال يمارس جهوده المباركة الموكلة من قبل الجماعة الإسلامية والأستاذ أبو الليث يعد من فحول علماء الهند وله نظرة ثاقبة في علوم القرآن والحديث واطلاع واسع على مشاكل العصر. ومقر الجماعة الإسلامية في الهند هو مدينة دلهي العاصمة وجريدتها الرسمية هي "الدعوة"تصدر باللغة الأوردية وهي تعد من أكبر الجرائد الإسلامية في الهند وقد قامت الجماعة الإسلامية الهندية خلال السنوات الماضية بجمع مبلغ كبير من التبرعات والمساعدات من المسلمين وتوزيعها بين المصابين والمنكوبين وخاصة بين سكان بيهار وأحمد آباد عندما ألمت بهم العواصف والسيول والنكبات والنكسات. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيراً. فضل الجهاد والشهادة في سبيل الله

стр. 1662

سئل رسول الله ﷺ عن أفضل الناس؟ فقال: "مؤمن يجاهد بنفسه وماله في سبيل الله تعالى، ثم مؤمن في شعب من الشعاب يعبد الله ويدع الناس من شره". [١] وقال ﷺ : "ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا إلا وله ما على الأرض من شيء، إلا الشهيد يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة". [٢] -------------------------------------------------------------------------------- (١) متفق عليه. (٢) متفق عليه.

стр. 1663

الأدب العربي بقلم الطالب عبد الرحمن محمد الأنصاري من بين الكتب التي أتيحت لي قراءتها هذه الأيام، وسعدت بلقائها كتيب صغير الحجم لا تربو صفحاته على (٥٤) وهو مع ذلك قد وفق مؤلفه الفاضل في الوصول إلى الهدف الذي رمي إليه. ذلك هو ((الأدب العربي في ظل القومية العربية)) لمؤلفه الدكتور محمد محمد حسين، وبما أن مقاييس الناس في ما ينتجون، وما يحسنون، لا في شخصياتهم المجردة فإنني لا أقول كلمة واحدة عن المؤلف الفاضل.. وإنما أكتفي بتسليط الضوء من كوة ضيقة جدا عل متعطشا إلى نمير المعرفة يهتدي ببصيصها إلى أدبنا الخالد، وما يقال عنه من أراجيف كان للأعداء اليد الطولى في ترويجها. طبع الكتاب مرتين، أولاهما سنة ١٣٧٩هـ وثانيهما في سنة ١٣٨٩هـ، وقد شاء الله ألا ألقاه إلا بعد أن أكمل من سنيه عشرا رغم حرصي الشديد على الكتب التي تنحو منحاه.. تكلم المؤلف الفاضل في فاتحة بحثه عن القومية العربية بأسطر مقتضبة بلغت في مطابقتها لمقتضى الحال ما لا أجد معه إلا رسمها أمامك أيها القارئ الكريم. إن أكثر الناعقين والمتشدقين بـ ((القومية العربية)) إنما هم: ما بين مأجور، وراءه أموال من خزائن العدو، وبين متعلق لسلطان يردد ما يذهب إليه ويرضاه.. وهذه لعمر الله حقيقة لا ينكرها إلا المبطلون المعاندون. وأزيدك أن الويلات التي منيت بها أمتنا في أي حقبة، وبخاصة الحقبة الأخيرة، إنما مردها إلى مضغ هذه العلكة الجاهلية ((القومية العربية)) التي حرمتنا من مصافحة أيد هي لنا قوة ونحن لها تأييد. وهذا ما شعر به رائد التضامن الإسلامي فيصل بن عبد العزيز فذهب إلى إخوانه في عقر ديارهم مشعرا إياهم أنكم منا ونحن منكم.. ولقد تبين للناعين عليه في ذلك أن الحق فيما ارتآه.. وهكذا يحق الله الحق ويبطل الباطل ولو كره الكافرون.

стр. 1664

هذا ولا أريد أن ألخص لك الكتاب للحيلولة بينك وبين جماله الذي قد ينعدم أمامك بالتلخيص، إذ هو خير من يحدثك عن نفسه.. وإنما قصدي ذكر بعض النقاط الحساسة التي أشار إليها المؤلف وجعلها ركيزة للكتاب فكانت محوره.. بل كانت ضياءه. ذكر المؤلف الفاضل: أن الإسلام هو الذي حدد الشخصية العربية على مر العصور.. وربط آخرها بأولها لغة وحضارة وخُلُقاً ((وليس للعروبة تاريخ يعتز به العرب ويجتمعون حوله قبل الإسلام)) ثم ينعي على الذين اعتبروا أن ذلك الطابع الخاص المميز للأدب العربي عما سواه لا يعني الجمود كما يزعمه الزاعمون ولا يقود إليه في أي حال. ودليله على ذلك عدة أسباب: أولاها: أن الجمود صفة لا وجود لها في الحياة.. لأن الحياة حركة، ولأن الكائن الحي لو أراد الجمود وقصد إليه لما استطاعه فكل شيء في الحياة متغير، والناس مضطرون إلى التعبير عن أنفسهم وعن الحياة في مختلف نواحيها: في أدبهم، وفي صحفهم، وفي اذاعاتهم، وفي قصصهم، وفي كتبهم العلمية، والحرص على استعمال لغتنا العربية في كل هذه الميادين ينتهي حتما إلى تصفيتها وتنقيتها فيسقط السخيف الثقيل، والحوشي المستهجن لأن الأدباء والعلماء والدارسين سوف ينفرون من استعماله، ومن ورائهم الذوق العربي الممثل في جمهور القراء، والرواة. فأنت ترى المؤلف الفاضل يقرر مبدأ: إن البقاء للأصلح، وهو معنى يحلو لقليلي البضاعة - الفكرية - عزوه إلى ابن القرود داروين..!! علما بأن الفضل فيه لمنزل الكتاب ﷻ , قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ﴾

стр. 1665

ثم ذكر المؤلف الآية الكريمة: ﴿وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ . مستدلا بها على تباين الكائنات الحية: فالحيوان لا يأكل إلا النبات، وبعضه لا يأكل إلا اللحوم، فالله قد أعطى كل نوع من ذلك خلقه، وهداه إلى سبيل معين، ونهج خاص في سلوكه.. وقد يقحم الجاهل على حياة بعض النبات أو الحيوان مالا يلائمه مما يظن أنه أعود عليه بالنفع فيضنيه ويسقمه، وقد يقتله، والناس في ذلك - ككل خلق الله - طوائف وأمم يتمايزون في الطبائع والأمزجة، وفي غذاء الأبدان والأرواح والعقول، وقد يقتل بعض جماعاتهم ما تصح به جماعة أخرى. وأقوال: إن هذه معايير لم يعرها نفر من هؤلاء الأفاضل الذين يدعون بحرارة عاطفة هوجاء إلى أنواع من الأدب اعتبرها تجديدا وحرروها من عبودية مزعومة، بينما هي في الحقيقة لا تلامس وجداننا إلا بقدر ما يصلح العشب الأخضر أن يكون غذاء للأسد استعاضة عن اللحم..! وكنت ذات يوم عند أحد الأصدقاء المجددين فأدار مفتاح الراديو فإذا هو فجأة يلتقي بإذاعة من إذاعات الروم - الأفرنج - وبعد أن انتهى ((العلج)) من قراءة أخباره على ما يظهر سمعت صوتا شككت في بادئ الأمر أنه صوت إحدى ((الدركترات)) وهي تهد الصخور هدا.. بينما صديقي ظاهرة عليه إمارات الطرب والسرور، فلما أحس بما تعانيه طبلة أذني من وقع قضبان الدركترات على الصخر، قال مستنكرا: ألا تطرب للسمفونيات العالمية!. على أنني أشاطر الدكتور الفاضل الرأي إذ يقول: ".. والمهم في ذلك كله أن يكون الاقتباس والتطور على كل حال بالقدر الذي لا ينقلنا عن جبلتنا، ولا يغير حقيقتنا، ولا يقطع صلتنا بالماضي".

стр. 1666

وأما إذا ظللنا لا نعيش إلا على فتات موائد الغرب، والإشادة بكل هراء من ناعق، ونبذ تراثنا الخالد، ووصمه بما لا يفق مع سموه، فإننا مع الأسف نكون كما قال المؤلف: "أذنابا ينقادون ولا يقودون، ويقلدون، ولا يبتكرون". ثم يقف المؤلف محاميا عن الأدب العربي القديم أمام محكمة التجديد ويبدأ مرافعته بقوله: "أما الذين ينتقصون الأدب العربي القديم ويعيبونه فهم يذكرون عيوبا ليس من بينها عيب واحد يثبت على التحقيق", وأكثر هؤلاء من المفتونين بالأدب الأوروبي ويردون أن يحملوا الأدب العربي عليه، ويفنوه فيه، فيجعلوه باب من أبوابه، وأسلوبا من أساليبه، وشعبة من واديه، فهم لا يستحسنون من تراث العرب إلا ما وافق مذهبا من مذاهب الغرب، فعابوا على الشعر القديم نظام القافية، لأم الشعر الأوروبي خال منها، ووصفوا التأنق في التعبير، والاحتفال بجرس الألفاظ بالغثاثة، والتفاهة، لأن اللغات الأوروبية في فقرها وضيقها تعجز عن مجاراة اللغة العربية فيه. هذا إلى آخر ما تعرض إليه المؤلف الفاضل من أمور بلغت من الأهمية في هذا الموضوع الغاية القصوى، ولو ذهبت إلى ذكرها فقرة فقرة لشذذت عما التزمت في فاتحة بحثي، فحسبي أن دللتك عليه بإشارة مقتضبة، والله من وراء القصد.

стр. 1667

دراسات في الديانات الهندية الديانة الهندوسية (١) بقلم: الطالب محمد ضياء الرحمن الأعظمي عقيدة التناسخ: هذه العقيدة تقوم على اعتقادهم بأزلية الرب والروح والمادة، فالروح لا تفنى فناءا كاملا بل إذا خرجت من جسم حلت جسم آخر، وهكذا تنتقل الروح من هنا إلى هناك حتى تقوم الساعة. مسألة القيامة: أعمار الدنيا منقسمة أربعة أقسام: ١- ست يك. ٢- ترتيا يك. ٣- دواير يك. ٤- كل يك. وكل دور من هذه الأدوار له خصائص وأوصاف، فمثلا الذين يولدون في الدور الأول (ست يك) والذين يجمعون الدنيا والدين يولدون في الدور الثاني (ترتيا يك) والذين يجمعون الشهوات والرغبات والدين والدنيا يولدون في الدور الثالث (دواير يك) والذين يمشون وراء الرغبات والرهبات يولدون في الدور الرابع (كل يك) . كل دور من هذه الأدوار الأربعة يستغرق ملايين من السنين فبعد انتهاء هذه الدوار الأربعة تعيد الدنيا عملها ودورانها مرة ثانية من (ست يك) إلى (كل يك) ملايين المرات ثم تقوم القيامة وتنجو الروح من جولاتها وتتصل بذات الإله. السبب في هذا أن الروح لها ثلاث خصائص: ١- ستوكن - من علامته أن تكون الروح راغبة في العلم والمعرفة. ٢- ثموكن - من علامته أن تكون الروح بعيدة عن العلم والمعرفة. ٣- رجوكن - من علامته أن تكون الروح راغبة في وقت ونافرة في وقت. هذه الخصائص المجموعة هي سبب عيادة الروح مرة بعد مرة لحصول النجاة من أرذل صفاتها، فمن شرط النجاة تخليص النية من جميع الوسواس والأفكار الرديئة، والإنسان ما دام في قالب البشر لا يقدر على تخلية نفسه الوساوس خصوصا إذا ولد في ثموكن وكل يك، لأن ستوكن خاص بالملائكة المعصومين فلزم تنقل الروح من جسم إلى جسم جزاء بما كسبت في الحياة السابقة.

стр. 1668

هذه عقيدة معروفة منتشرة لدى جمهور الهندوس وتسلطت على عقولهم وأفكارهم ومجملهم لم يستطيعوا أن يتخلصوا منها. والباحثون إنما يمشون مع الجمهور ويظنون أن العادات والتقاليد هي عقيدة الأمم والملل فيتخبطون خاصة في مثل هذه المسائل التي لا انفكاك لها عن الديانة الهندوسية والأمة الهندية القديمة، فلنرجع على أصل ويدك وهرم ولننظر فيه حتى نقف على حقيقة هذه المسألة: ١- رك ويد - تذكر يوم الآخرة وعظم العلم والمعرفة ولا تتجاوز هذه الحدود (١-٢-٣-٢٠) . ٢- رك ويد - ذل نفسك وقل للذين يعظمون الملائكة (ديوتا) إنكم لتردون إلى حياة أخرى (١٩-٤٤-٦٠) . ٣- رك ويد - اجتهدوا في تحصيل الشمس حتى تعرفوا قدر النار. إن رسلنا " بهرب " و " بكو" و "مات وشوا " كلهم يؤمنون بالحياتين (حياة الدنيا الآخرة) (١-١١-٧٠-١٠) . ٤- دك ويد " أنا أذنت لكم بتناول الطعام الأبدي فيا أكنى " اسم رسول، كن من الذين يجتهدون في تحصيل الحياة الأبدية السرمدية (١-٩-٤٤-٥) . هذه أربع آيات جئنا بها لنبين كذب الهندوس وافتراءهم على ويدك وهرم ومعاندتهم تعليم الإسلام، نعم! كبا بوذا يعتقد جولان الروح والتناسخ ولكن هذه العقيدة ما كانت منتشرة في جميع الهندوس إلا بعد نزول القرآن ومجيء آخر الرسل محمد ﷺ . فالآيات الثلاث الأول تشير إلى ثبوت يوم الآخرة، والآية الرابعة تحث على تحصيل الحياة الأبدية التي لا حياة بعدها. هذه هي عقيدة ويد في مسألة التناسخ خلافا لما ذهب إليه " ديانتد " مؤسس آريا سماح وقلده جمهور الهندوس. أما الذين أنكروا عليه وعلى أتباعه وأثبتوا يوم الآخرة فكثيرون جدا منهم عالم كبير بسنسكرتيه " واهل سنسكرتايان " [١] يقول: " الذين قالوا بمسألة التناسخ كانوا في أزمنة [٢] " أبا نشد " لعلهم ما عرفوا بأن هذه المسألة ستكون خطيرة فيما بعد.

стр. 1669

وتقول الدكتورة " فريدة جوهان ": " نعم إن ويد يثبت جولان الروح ولكن مرة واحدة فقط لا آلاف المرات " (التناسخ وويد ص ٩٣) ويقول ستيا بركاش: " أنا أتحدى أن مسألة التناسخ لا توجد في ويد " (آواكون ص١٠٤) . ويقول المفكر الجديد " دركاشنكر " الذي عرفته من مقالاته القيمة التي تصدر في مجلة " كانتي " يحاول هذا العالم إثبات تعاليم القرآن في ويدك دهرم لتقليل المنافرة بين الأمتين المسلمة والهندوسية، وقد نجح نجاحا بارزا فكم من الشباب الهندوكي أقبلوا على دراسات القرآن. " إن من الأسئلة الغريبة التي وجهت إليَّ: هل توجد في ويدك دهرم مسألة اليوم الآخر؟ فهذا السؤال كسؤال من سأل هل في الجسم روح؟ فإن ويدك دهرم مملوءة بتوضيح مسألة اليوم الثاني " (مقالة مسألة التناسخ وويد) . هذه هي تحقيقاتنا موجزة في مسألة التناسخ في ويدك دهرم فالذي يريد الزيادة فليرجع إلى ويد لعله يعرف حقيقة هذه العقيدة الفاسدة التي احتلت جزءا كبيرا من قلوب الهندوس، فلما جاء القرآن يثبت يوم الآخرة كذبوه وعاندوه بغير علم. وصدق الله العظيم: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ ولا عجب، ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ..﴾ . الكلام الأخير: هذا هو ويدك دهرم الذي انتشر في جميع أنحاء الهند وفي بعض البلدان الأفريقية ذكرناه موجزا ما تيسر لنا، وما دخلنا في التفصيل والتنقيح، لأنه لا يكفي له مجلدات، والشيء الذي التزمناه هو إغماض العين عن العادات والتقاليد لأنها ليست من أساس الديانة، فكل ما ذكرناه وأوردناه من النصوص اقتبسناه من الكتب المقدسة، ثم فسرناه بما فسره به أهله وعلماؤه لئلا يطعن علينا طاعن بالتعصب والتحزب.

стр. 1670

وليس قصدنا من ذكر ويدك دهرم الاستهزاء به.. وكيف وقد منعنا الله بقوله: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ ، بل أردنا به إحقاق الحق وإبطال الباطل، حتى لو سألنا أحد عن تركنا ويدك دهرم فنقدم إليه المذكرة الموجزة.. وأخيرا ندعو أصحاب ويدك دهرم إلى أن يوازنوا بينه وبين الإسلام وينظروا أيهما أحق بالاتباع والاقتداء لأن الله يحب المقسطين. نسأل الله أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين. -------------------------------------------------------------------------------- [١] من العلماء الموجودين ليس عندي شيء من مؤلفاته حتى أذكر ترجمته ولكن أورد بعض ما بقي في حفظي مما قرأته في الأيام الماضية، هذا العالم يتصل بمقاطعة الهند الشمالية وقد قضى حياته كلها باحثا في أديان العالم وسافر إلى الدول الغربية عدة مرات للبحث وكان في بعض فترات حياته مسلما فكتب كتابا سماه " الدين الإسلامي مخططاته " ثم دخل في البوذية ووقف على دراسته ثم بدا له فترك البوذية ودخل في ويدك واشتغل بالتصنيف والتأليف ثم ما أعرف هل هو حي أو ميت. [٢] والمعروف أن أبا نشد لم يكتب في فترة واحدة بل كتبه العلماء في أزمنة عدة حتى بلغ عدده ١٠٨ (ويدانت ص ١٨ المطبوع في أبريل سنة ١٩٦٧) .

стр. 1671

دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب لفضيلة الشيخ: محمد الأمين الشنقيطي المدرس بالجامعة سورة الأنفال قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ الآية.. هذه الآية تدل على أن وجل القلوب عند سماع ذكر الله من علامات المؤمنين. وقد جاء في آية أخرى ما يدل على خلاف ذلك وهي قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ . فالمنافاة بين الطمأنينة ووجل القلوب ظاهرة والجواب عن هذا أن الطمأنينة تكون بانشراح الصدر بمعرفة التوحيد والوجل يكون عند خوف الزيغ والذهاب عن الهدى كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ . وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ .

стр. 1672

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ الآية. هذه الآية تدل بظاهرها على أن الاستجابة للرسول التي هي طاعته لا تجب إلا إذا دعانا لما يحيينا ونظيرها قوله تعالى: ﴿وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ وقد جاء في آيات أخر ما يدل على وجوب اتباعه مطلقا من غير قيد كقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ . وقوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ . الآية. وقوله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ . والظاهر أن وجه الجمع والله تعالى أعلم أن آيات الإطلاق مبينة أنه ﷺ لا يدعونا إلا لما يحيينا من خيري الدنيا والآخرة فالشرط المذكور في قوله إذا دعاكم متوفر في دعاء النبي ﷺ لمكان عصمته كما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى. إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ . والحاصل أن الآية إذا دعاكم لما يحييكم مبينة أنه لا طاعة إلا لما يدعو إلى ما يرضي الله وأن الآيات الأخر بينت أن النبي ﷺ لا يدعو أبدا إلا إلى ذلك صلوات الله عليه وسلامه. قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ . هذه الآية الكريمة تدل على أن لكفار مكة أمانين يدفع الله عنهم العذاب بسببها: أحدهما كونه ﷺ فيهم لأن الله لم يهلك أمة ونبيهم فيهم. والثاني استغفارهم الله وقوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ يدل على خلاف ذلك. والجواب من أربعة أوجه:

стр. 1673

الأول: وهو اختيار ابن جرير ونقله عن قتادة والسدي وابن زيد أن الأمانين منتفيان فالنبي ﷺ خرج من بين أظهرهم مهاجرا واستغفارهم معدوم لإصرارهم على الكفر فجملة الحال أريد بها أن العذاب لا ينزل في حاله استغفارهم لو يستغفروا ولا في حالة وجود نبيهم فيهم لكنه خرج من بين أظهرهم ولم يستغفروا لكفرهم ومعلوم أن الحال قيد لعاملها ووصف لصاحبها فالاستغفار مثلا قيد في نفي العذاب لكنهم لم يأتوا بالقيد فتقرير المعنى وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون لو استغفروا. وبعد انتفاء الأمرين عذبهم بالقتل والأسر يوم بدر كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ﴾ .

стр. 1674

الوجه الثاني: أن المراد بقوله: يستغفرون استغفار المؤمنين المستضعفين بمكة وعليه فالمعنى أنه بعد خروجه ﷺ كان استغفار المؤمنين سببا لرفع العذاب الدنيوي عن الكفار المستعجلين للعذاب بقولهم: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ . الآية. وعلى هذا القول فقد أسند الاستغفار إلى مجموع أهل مكة الصادق بخصوص المؤمنين منهم ونظير الآية عليه قوله تعالى: ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ﴾ مع أن العاقر واحد منهم بدليل قوله تعالى: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾ وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً. وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً﴾ : أي جعل القمر في مجموعهن الصادق بخصوص السماء التي فيها القمر لأنه لم يجعل في كل سماء قمراًًًًًً. وقوله تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالأِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ أي من مجموعكم الصادق بخصوص الإنس على الأصح إذا ليس من الجن رسل وأما تمثيل كثير من العلماء لإطلاق المجموع مرادا بعضه بقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ زاعمين أن معنى قوله منهما: أي من مجموعهما الصادق بخصوص البحر الملح لأن العذب لا يخرج منه لؤلؤ ولا مرجان فهو قول باطل بنص القرآن العظيم.

стр. 1675

فقد صرح تعالى باستخراج اللؤلؤ والمرجان من البحرين كليهما حيث قال: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ فقوله تعالى: ﴿وَمِنْ كُلّ﴾ نص صريح في إرادة العذب والملح معا وقوله: ﴿حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ هي اللؤلؤ والمرجان، وعلى هذا القول فالعذاب الدنيوي يدفعه الله عنهم باستغفار المؤمنين الكائنين بين أظهرهم. وقوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ : أي بعد خروج المؤمنين الذين كان استغفارهم سببا لدفع العذاب الدنيوي فبعد خروجهم عذب الله أهل مكة في الدنيا بأن سلط عليهم رسول الله عليه وسلم حتى فتح مكة ويدل لكونه تعالى يدفع العذاب الدنيوي عن الكفار بسب وجود المسلمين بين أظهرهم ما وقع في صلح الحديبية كما بينه تعالى بقوله: ﴿وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَأُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ . فقوله: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾ أي لو تزيل الكفار عن المسلمين لعذبنا الكفار بتسليط المسلمين عليهم ولكنا رفعنا عن الكفار هذا العذاب الدنيوي لعدم تميزهم من المؤمنين كما بينه بقوله: ﴿وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ..﴾ الآية. ونقل ابن جرير هذا القول عن ابن عباس والضحاك وأبي مالك وابن أبزي وحاصل هذا القول أن كفار مكة لما قالوا: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً﴾ . الآية. أنزل الله قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ ثم لما هاجر النبي ﷺ بقيت طائفة من

стр. 1676

المسلمين بمكة يستغفرون الله ويعبدونه فأنزل الله قوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ أي: أيُّ شيء ثبت لهم يدفع عنهم عذاب الله. وقد خرج النبي ﷺ والمؤمنون من بين أظهرهم. فالآية على هذا كقوله: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ . الوجه الثالث: أن المراد بقوله: ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ كفار مكة وعليه فوجه الجمع أن الله تعالى يرد عنهم العذاب الدنيوي بسبب استغفارهم أما عذاب الآخرة فهو واقع بهم لا محالة فقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ أي في الدنيا في حالة استغفارهم وقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ أي في الآخرة وقد كانوا كفارا في الدنيا. ونقل ابن جرير هذا القول عن ابن عباس وعلى هذا القول فعمل الكافر ينفعه في الدنيا كما فسر به جماعة قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ : أي أثابه من عمله الطيب في الدنيا وهو صريح قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ . الآية. وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ . وقوله: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ ونحو ذلك من الآيات يدل على بطلان عمل الكافر من أصله كما أوضحه الله تعالى بقوله: ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ فجعل كلتا الدارين ظرفا لبطلان أعمالهم واضمحلالها وسيأتي إن شاء الله تحقيق هذا المقام في سورة هود.

стр. 1677

الوجه الرابع: أن معنى قوله: ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ أي يسلمون أي وما كان الله معذبهم وقد سبق في عمله أن منهم من يسلم ويستغفر الله من كفره وعلى هذا القول فقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ في الذين سبقت لهم الشقاوة كأبي جهل وأصحابه الذين عذبوا بالقتل يوم بدر ونقل ابن جرير معنى هذا القول عن عكرمة ومجاهد. وأما ما رواه ابن جرير عن عكرمة والحسن البصري من أن قوله: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ ناسخ لقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ فبطلانه ظاهر لأن قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ﴾ . الآية. خبر من الله بعدم تعذيبه لهم في حالة استغفارهم والخبر لا يجوز نسخه شرعا بإجماع المسلمين وأظهر هذه الأقوال الأولان منها: قوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ . الآية. ظاهر هذه الآية أن الواحد من المسلمين يجب عليه مصابرة عشرة من الكفار وقد ذكر تعالى ما يدل على خلاف ذلك بقوله: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ . الآية. والجواب عن هذا أن الأول منسوخ بالثاني كما دل عليه قوله تعالى: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ . الآية. والعلم عند الله تعالى.

стр. 1678

قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ . هذه الآية الكريمة تدل على أن من لم يهاجر لا ولاية بينه وبين المؤمنين حتى يهاجر. وقد جاءت آية أخرى يفهم منها خلاف ذلك وهي قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ فإنها تدل على ثبوت الولاية بين المؤمنين وظاهرها العموم. والجواب من وجهين: الأول: إن الولاية المنفية في قوله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ هي ولاية الميراث أي ما لكم شيء من ميراثهم حتى يهاجروا لأن المهاجرين والأنصار كانوا يتوارثون بالمؤاخاة التي جعلها النبي ﷺ بينهم فمن مات من المهاجرين ورثه أخوه الأنصاري دون أخيه المؤمن الذي لم يهاجر حتى نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ . الآية. وهذا مروي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة كما نقله عنهم أبو حيان وابن جرير والولاية في قوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ ولاية النصر والمؤازرة والتعاون والتعاضد لأن المسلمين كالبنيان يشد بعضه بعضا وكالجسد الواحد إذا أصيب منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. وهذه الولاية لم تقصد بالنفي في قوله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ بدليل تصريحه تعالى بذلك في قوله بعده يليه: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ . الآية. فأثبت ولاية النصر بينهم بعد قوله ما لكم من ولايتهم من شيء فدل على أن الولاية المنفية غير ولاية النصر فظهر أن الولاية المنفية غير المنثبتة فارتفع الإشكال. الثاني: هو ما اقتصر عليه ابن كثير مستدلا عليه بحديث أخرجه الإمام أحمد ومسلم أن معنى قوله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ يعني لا نصيب لكم من المغانم ولا في خمسها إلا فيما حضرتم

стр. 1679

فيه القتال وعليه فلا إشكال في الآية ولا مانع من تناول الآية للجميع فيكون المراد بها نفي الميراث بينهم ونفي القسم لهم في الغنائم والخمس والعلم عند الله تعالى. سورة براءة قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ . الآية. اعلم أولا أن المراد بهذه الأشهر الحرم أشهر المهلة المنصوص عليها بقوله فسيحوا في الأرض أربعة أشهر لا الأشهر الحرم التي هي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب على الصحيح وهو قول ابن عباس في رواية العوفي عنه. وبه قال مجاهد وعمرو بن شعيب ومحمد ابن إسحاق وقتادة والسدي وعبد الرحمان بن زيد بن أسلم واستظهر هذا القول ابن كثير لدلالة سياق القرآن الكريم عليه ولأقوال هؤلاء العلماء خلافا لابن جرير وعليه فالآية تدل بعمومها على قتال الكفار في الأشهر الحرم المعروفة بعد انقضاء أشهر الإمهال الأربعة وقد جاءت آية أخرى تدل على عدم القتال فيها وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ . الآية.

стр. 1680

والجواب: أن تحريم الأشهر الحرم [١] منسوخ بعموم آيات السيف ومن يقول بعدم النسخ يقول: هو مخصص لها. والظاهر أن الصحيح كونها منسوخة كما يدل عليه النبي ﷺ في حصار ثقيف في الشهر الحرام الذي هو ذو القعدة كما ثبت في الصحيحين أنه خرج إلى هوازن في شهر شوال فلما كسرهم واستفاء أموالهم ورجع إليهم لجأوا إلى الطائف فعمد إلى الطائف فحاصرهم أربعين يوما وانصرف ولم يفتحها فثبت أنه حاصر في الشهر الحرام وهذا القول هو المشهور عند العلماء وعليه فقوله تعالى: ﴿َاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ ناسخ لقوله: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ وقوله: ﴿لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ وقوله: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ الآية. والمنسوخ من هذه ومن قوله أربعة حرم هو تحريم الشهر في الأولى والأشهر في الثانية فقط دون ما تضمنتاه من الخبر لأن الخبر لا يجوز نسخه شرعاً.

стр. 1681

قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ إلى قوله سبحانه ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ . هذه الآية فيها التنصيص الصريح على أن كفار أهل الكتاب مشركون بدليل قوله فيهم: سبحانه عما يشركون بعد أن بين وجوه شركهم بجعلهم الأولاد لله واتخاذهم الأحبار والرهبان أربابا من دون الله ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ لإجماع العلماء أن كفار أهل الكتاب داخلون فيها. وقد جاءت آيات أخرى تدل بظاهرها على أن أهل الكتاب ليسوا من المشركين كقوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ﴾ . الآية. وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ . الآية. وقوله: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ . الآية. والعطف يقتضي المغايرة.

стр. 1682

والذي يظهر لمقيده عفا الله عنه: أن وجه الجمع أن الشرك الأكبر المقتضي للخروج من الملة أنواع. وأهل الكتاب متصفون ببعضها وغير متصفين ببعض آخر منها. أما البعض الذي هم غير متصفين به فهو ما اتصف به كفار مكة من عبادة الأوثان صريحا ولذا عطفهم عليهم لاتصاف كفار مكة بما لم يتصف به أهل الكتاب من عبادة الأوثان وهذه المغايرة هي التي سوغت العطف فلا ينافي أن يكون أهل الكتاب مشركون بنوع آخر من أنواع الشرك الأكبر وهو طاعة الشيطان والأحبار والرهبان فإن مطيع الشيطان إذا كان يعتقد أن ذلك صواب عابد الشيطان مشرك بعبادة الشيطان الشرك الأكبر المخلد في النار كما بينته النصوص القرآنية كقوله: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا إِنَاثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلا شَيْطَاناً مَرِيداً﴾ فقوله: ﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إِلا شَيْطَاناً﴾ . صح معناه وما يعبدون إلا شيطانا لأن عبادتهم للشيطان طاعتهم له فيما حرمه الله عليهم وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ الآية. وقوله تعالى عن خليله إبراهيم: ﴿يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً﴾ . وقوله تعالى: ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنّ﴾ . الآية. وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ . الآية. فكل هذا الكفر بشرك الطاعة في معصية الله تعالى، ولما أوحى الشيطان إلى كفار مكة أن يسألوا النبي ﷺ عن الشاة تصبح ميتة من قتلها؟ وأنه إذا قال ﷺ الله قتلها أن يقولوا: ما قتلتموه بأيديكم حلال وما قتله الله حرام فأنتم إذا أحسن من الله. أنزل الله في ذلك قوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ

стр. 1683

لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ . فأقسم تعالى في هذه الآية على أن من أطاع الشيطان في معصية الله أنه مشرك بالله ولما سأل عدي بن حاتم النبي ﷺ عن قوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً﴾ ، كيف اتخذوهم أربابا؟ قال النبي ﷺ : "ألم يحلوا لهم ما حرم الله ويحرموا عليهم ما أحل الله فاتبعوهم". قال: "بلى". قال: "بذلك اتخذوهم أربابا". فبان أن أهل الكتاب مشركون من هذا الوجه الشرك الأكبر وإن كانوا خالفوا كفار مكة في صريح عبادة الأوثان والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً﴾ . الآية. هذه الآية الكريمة تدل على لزوم الخروج للجهاد في سبيل الله على كل حال وقد جاءت آيات أخرى تدل على خلاف ذلك كقوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾ . الآية. وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ . الآية. والجواب: أن آية انفروا خفافا وثقالا منسوخة بآيات العذر المذكورة وهذا الوضع من أمثلة ما نسخ فيه الناسخ لأن قوله: ﴿انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً..﴾ ناسخ لآيات الإعراض عن المشركين وهو منسوخ بآيات العذر كما ذكرنا آنفا. والعلم عند الله تعالى. --------------------------------------------------------------------------------

стр. 1684

[١]- لو قيل بعدم النسخ والتعارض لأن أشهر السياحة خاصة بأهل العهود الذين نقضوا عهدهم أو ظهرت خيانتهم. الخ. فأرجئوا أربعة أشهر حتى يبلغوا مأمنهم. وأما الأشهر الحرم الأخرى الدوارة فهي على ما هي عليه لما ذكر من الأدلة ولأن المشركين لما عاتبوا المسلمين في وقعه سرية نخله وعظم الأمر على المسلمين لم يذكر الله نسخ تلك الأشهر، بل ذكر أن القتال فيها كبير أيضا إلا أن عمل الكفار للمسلمين أكبر وكأنهم بادؤون بالحرب فلا جرم على المسلمين إذا حاربوهم لذلك ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ َالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ﴾ . الآية. ومن ناحية أخرى أن قوله تعالى: ﴿َقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ من باب التهييج ولم يتعرض للزمن فلا دليل فيه على النسخ وحصار ثقيف أجاب عنه في فتح القدير للشوكاني بأنه كان امتداد لحرب بدأت في شوال ابتدأ بها هوازن ثم لجأوا إلى الطائف فامتد الحرب من شوال إلى الأشهر الحرم. ويقول: فرق بين البداءة وبين الامتداد، فالبداءة محرمة بخلاف الامتداد.

стр. 1685

أخبار الجامعة انضم إلى هيئة الأطباء في مستوصف الجامعة الإسلامية الدكتور مصطفى إبراهيم مصطفى بكالوريوس في الطب والجراحة من الجامعة المصرية بعد أن تعاقدت معه إدارة الجامعة للعمل في المستوصف التابع لها. وقد باشر عمله فور وصوله حيث انضم إلى الهيئة الطبية العاملة لدى المستوصف. تعاقدت إدارة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة مع الأساتذة الآتية أسماؤهم وذلك للانضمام إلى هيئة التدريس التابعة لها للعام الدراسي ٩٠-٩١هـ وهم: اسم المتعاقد جنسيته مؤهلاته ١- الأستاذ يوسف عبد الرحمن الضبع مصري درجة الأستاذية ٢- الشيخ محمد محمد الدهان مصري ماجستير ٣- الشيخ محمد محمد الليثي أبو فرحة مصري ماجستير ٤- الشيخ يوسف إبراهيم خليل مصري ماجستير ٥- الشيخ محمود عبد الحليم الرفاعي مصري ماجستير ٦- الشيخ محمد سيد أحمد الشال مصري ماجستير ٧- الشيخ سعد عبد الرحمن سليم ندا مصري شهادة كلية الحقوق ٨- الشيخ عبد القوي عبد المجيد فضل الرحمن باكستاني شهادة علمية
следующие страницы →