Полный текст (23 804 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.
стр. 1611
وفي سورة يونس: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ, إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ .
وقال تعالى في سورة (ق) : ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ, وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ, تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ, وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ, وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ, رِزْقاً لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذَلِكَ الْخُرُوجُ..﴾ .
وفي سورة الأعراف: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ .
وفي سورة الأنعام: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ .
وفي سورة يونس: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ .
وفي سورة الغاشية: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ, وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ, وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ, وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ, فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ .
стр. 1612
وقال تعالى في سورة الواقعة: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ, أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ؟ أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ؟ نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ, وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ. أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ؟ لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ، إِنَّا لَمُغْرَمُونَ، بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ، أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ؟ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ؟ لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُونَ, أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ؟ نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعاً لِلْمُقْوِينَ، فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ .
لقد طاف بنا القرآن الكريم في الآيات المذكورة، في أنحاء هذا الكون الكبير، الذي لا يعلم مداه إلا خالقه، وتتبع مظاهر الطبيعة على وجه هذه الأرض التي نعيش عليها، بما فيها من جبال، وبحار، وأنهار، وينابيع، ونبات، وأشجار، وحيوان، وفواكه، تسقى بماء واحد، وتفضل بعضها على بعض في الأكل.
ووضَّح القرآن في أسلوب أخَّاذ، كيفية تبدُّل الأرض وتغيُّرها عندما ينزل عليها الماء فتهتز وتربو وتنبت من كل زوج بهيج.
وفي الكون العلوي، تحدث القرآن عن ملكوت السموات، تحدث عن الليل والنهار، والشمس والقمر والنجوم ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ .
стр. 1613
وتتسم الآيات التي تناولت مظاهر الطبيعة بلفت النظرة والاعتبار، بما فيها بداية أو نهاية، كثيرا ما تُصَدَّر الآية بقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ ، ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ .
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ .
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾ .
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الأَرْضِ الْجُرُزِ﴾ .
ولكي نعطي صورة تقريبية، لمدى اهتمام القرآن بمظاهر الطبيعة وتوجيه النظر، للتفكير والتأمل والبحث فيها. نورد إحصائية لبعض هذه الظواهر التي رددها القرآن في كثير من آياته.
ذكر القرآن الكريم (الأرض) في أكثر من ثمانين وأربعمائة آية، وذكر السماء مفردا وجمعا في مائتي آية، وذكر النهار في خمسين موضعا، وذكر البحر في أكثر من أربعين موضعا، وذكر الجبال في أكثر خمسة وثلاثين موضعا، وذكر الأنعام في ثلاثين موضعا، وذكر الريح والرياح في أكثر من خمسة وعشرين موضعا. وذكر الظلمات في عشرين آية والنجم في ثلاث عشرة آية، وذكر النخيل في عشرين آية، والنطفة في اثنتي عشرة آية.
لم يكن تكرار تلك الألفاظ عبثا، وإنما جاء في كل آية بإشارات خاصة وإيحاءات دافعة، ومناسبات تختلف كل واحدة فيها عن الأخرى.
وهذا مثال للجوانب التي تحدث فيها القرآن الكريم عن الأرض، في بعض الآيات التي وردت في القرآن: "أخذت الأرض زخرفها"، "أشرقت بنور ربها"، "ألقت ما فيها وتخلت"، "أخرجت أثقالها"، "وضعها للأنام"، "ألقى رواسي أن تميد بكم"، "تصبح مخضرَّة"، "فجرها عيونا"، "رجت رجا"، "زلزلت الأرض زلزالها"، "وجعلها الله فراشا، وذلولا، وبساطا، وكفاتا، وقرارا، وخاشعة، ودحاها، وجعل فيها خزائن، وجنات"إلخ.. [١] .
стр. 1614
وهكذا لو حاولنا تقصِّي المناسبات التي ذكرت فيها هذه الظواهر والأسرار التي ذكرها الله بشأنها، لَمَا وسعنا الزمن، وصدق الله العظيم: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ .
وقال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً﴾ . وإلى اللقاء.
من حكم أبي بكر الصديق ﵁
١- صنائع المعروف تقي مصارع السوء.
٢- ليست مع العزاء مصيبة ولا مع الجزع فائدة.
٣- ثلاث من كُنَّ فيه كُنَّ عليه: البغي، والنكث، والمكر.
٤- كثير الكلام ينسي بعضه بعضا، وإنما لك ما وُعِيَ عنك.
٥- أصلح نفسك يصلح لك الناس.
(جواهر الأدب)
--------------------------------------------------------------------------------
[١] راجع مجلة الدراسات الإسلامية المجلد الثاني - باكستان - إسلام آباد.
стр. 1615
ملاحظات وتعقيبات
تعقيب على مقال:
التضامن الإسلامي بين التأييد والتنديد
للشيخ عبد الله القادري
المشرف الاجتماعي في الجامعة الإسلامية
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه. وبعد، فقد نشرت جريدة (نداء الجنوب) في العدد ١٢٩ مقالا بعنوان: (التضامن الإسلامي بين التأييد والتنديد) يحمل توقيع (عقيل) وهو مقال جيِّد يدل على غِيرة الأخ الكاتب على دينه وعلى امتعاضه من المبادئ والشعارات المعادية للإسلام. ولكن عبارة لفتت نظري واستغربت أن تكون من صاحب المقال، لأن وجهته إسلامية وكتابته ضد المبادئ الهدامة، والعبارة - حسب اعتقادي - فيها ما هو مخالف للإسلام صراحة، وفيها ما هو في حاجة إلى البيان والإيضاح، وأنا أنقل العبارة أولا بلفظها ثم أذكر بعد ذلك ما رأيت ابدأه نصحا لله ولرسوله وللكاتب والقائمين على إصدار الجريدة والقراء بصفة عامَّة.
قال الكاتب:
"وما كان الإسلام ولن يكون عدو القومية والوحدة والتحرُّر والإنسانية والاشتراكية".
قلت: إن بعض ما في هذه العبارة مخالف للإسلام صراحة، وبعضها الآخر يحتاج إلى إيضاح وتفصيل:
١- أما ما يخالف الإسلام صراحة فهو كون الإسلام ليس عدوا للاشتراكية، فإن الاشتراكية - كما هو معروف - مقدمة الشيوعية. ولا أريد أن أطيل الكلام في هذا الموضوع فقد كفانا الكتَّاب المسلمون عناء ذلك، ومن سقط من المنتسبين إلى الإسلام من أهل العلم أو أدعيائه في هوة أعداء الإسلام وادعى أن نصوص الإسلام تؤيد الاشتراكية لا يخلو من أحد أمرين: فهو إما مخطئ في فهم نصوص الشريعة مع حسن نيته، وهذا الاحتمال أحسن الاحتمالين وأمر صاحبه إلى الله تعالى إذ هو الذي يعلم حسن نيته - دون غيره -.
стр. 1616
وإما عبد مادة وجاه طلب منه أعداء الإسلام أن يؤيد فكرتهم بالتلاعب بنصوص الشريعة والاستدلال بها على صحة مبادئ أسيادهم الهدَّامة، وهذا أسوء الاحتمالين، وصاحبه يعتبر مشابها للمحرفين من أهل الكتاب الذين ينسبون أحكاما إلى الله وليس من عنده وهذا العمل يعتبر كفرا وردة يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا فجزاؤه معروف في باب الردة من كل كتاب من كتب الأحكام.
ومن الرسائل التي تعرضت للرد على أولئك العلماء بِقِسْمَيْهِمْ رسالة للشيخ عبد العزيز البدري وكتاب للشيخ محمد الحامد رحمهما الله وغيرهما كثير.
وعلى أي حال فالإسلام كيان مستقل بنفسه ليس في حاجة إلى الشيوعية الشرقية ولا إلى الرأسمالية الغربية.. بل فيه الغناء التام عقيدة وسلوكا وشريعة ونظاما. ولو طبَّق حكَّام الشعوب الإسلامية قوانين إسلامهم تطبيقا كاملا لأروا كلتا الكتلتين أن الإسلام وحده هو الكفيل بإيجاد الأمن والاستقرار والسعادة لكل أبناء الإنسان في كل أنحاء الأرض، ولكن أولئك الحكام - إلا من شاء الله - هم الذين شوَّهوا الإسلام في نظر أعدائه وأبنائه على السواء. والله المستعان.
٢- وأما ما يحتاج إلى تفصيل وإيضاح فكون الأمور الأربعة التالية لا يعاديها الإسلام:
الأول: القومية.
الثاني: الوحدة.
الثالث: التحرر.
الرابع: الإنسانية.
١- القومية:
إن كان المراد بالقومية مناصرة بعض القوم بعضا في الحق دون الباطل، والتفاف بعضهم حول بعض من أجل إحقاق الحق وإبطال الباطل فنقول: إن هذه القومية - إن صحت تسميتها بذلك - قومية محمودة وعدل مطلوب، ولعل هذا هو السر في تعبير كثير من الأنبياء عندما ينادي جماعته بلفظ: ((يا قوم)) .
ولكنها تصبح قومية مخالفة للإسلام عندما تتخذ رباطا يجمع بين أمَّة من الأمم تشترك في النسب أو اللغة أو الوطن ونحوها، وينصر بعضهم بعضا على حق أو باطل كما قال الشاعر الجاهلي القديم:
стр. 1617
وهل أنا إلا من غزية إن غوت
غويت وإن ترشد غزية أرشد
وكما هو المتعارف عليه في هذا العصر بالنسبة لجميع القوميات، ومن ذلك: القومية العربية التي حاول المستعمرون أن يحلوها محل العقيدة الإسلامية التي تربط بين المسلمين في أنحاء المعمورة من أي جنس مهما كانت أنسابهم ومهما اختلفت أوطانهم ولغاتهم، ليصلوا بذلك إلى هدفهم الأصيل، وهو تفريق كلمة المسلمين وتشتيت جمعهم بتعدد القوميات لكل أمة منهم، لأن العرب عندما يدعون إلى القومية العربية ويفتخرون بها، ويتخلون عن الدعوة إلى الإسلام يفتحون بذلك بابا لانفصال المسلمين من غير العرب عنهم، لأن لكل أمة قومية تخصها، فإذا كانت قومية العرب هي العربية فقومية الأتراك هي التركية، وهي أحق بالأتراك من القومية العربية التي نادى بها المستعمرون أولا وطبقها أذنابهم في بلادنا ثانيا، حتى أصبح المسلمون في أنحاء العالم ينظرون إلى العرب كأمة منفصلة عنهم لا تربطهم بهم رابطة. وأرجو أن لا يفهم القارئ من هذا أنني لا أحبذ اجتماع كلمة العرب، كلا!! ولكني أريد منهم أن يكون اجتماعهم على رابطة عامة شريفة تربطهم بإخوانهم المسلمين كلهم وهي رابطة العقيدة الصحيحة. ولذا نرى دول الشعوب الإسلامية تسارع إلى حضور الاجتماعات الإسلامية وتؤيِّدها باسم الإسلام الذين يشتركون فيه جميعا..
أجل إن القومية التي لها هذه المعاني فهي ما أذهبه الله عن المسلمين من عيشة الجاهلية، من دعا إليها فقد دعا إلى ما أذهبه الله عن المسلمين من أسباب الفرقة والعداء. ولصاحب السماحة الوالد رئيس الجامعة الإسلامية الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رسالة قيمة في هذا الموضوع تسمى: نقد القومية على ضوء الإسلام والواقع، فمن شاء فليرجع إليها.
٢- الوحدة:
стр. 1618
إن أريد بها اتحاد جميع المسلمين وتضامنهم حول عقيدتهم الإسلامية عربهم وعجمهم تحقيقا لقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ وذلك بأن يطبقوا تعاليم الإسلام في عقيدتهم وشريعتهم ونظامهم وسلوكهم لا يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض، ولا بعضهم يؤمن بالإسلام وبعضهم يؤمن بما يخالفه، فهذه وحدة نادى بها الإسلام قبل أربعة عشر قرنا، ويجب على المسلمين تحقيقها وهي الجماعة التي يد الله معها، وبها تقوى شوكتهم ويحصل التعاون التام بينهم الذي يضمن لهم نصرهم على عدوهم.
وإن أريد بها وحدة الدول خاصة ذات هدف واحد مشترك يخالف الإسلام كوحدة الثوريين والاشتراكيين فهذه في الحقيقة ليست وحدة وإنما هي فرقة، وواقعها يكفي دليلا على فشلها، وكل وحدة على غير الإسلام فمصيرها الفرقة، وهذه الوحدة المزعومة هي التي ينادي بها من نصَّبوا أنفسهم أعداء للوحدة الإسلامية الشاملة، وتسميتها وحدة بمنزلة تسمية الخمر عسلا.
٣- التحرر:
والتحرر أيضا قسمان - حسب مفهوم الناس -:
الأول: التحرر من عبادة العباد وشهوات النفس إلى عبادة الله وحده. فهذا التحرر هو الذي نادى به الإسلام يوم بزوغ شمسه، كما قال بعض المجاهدين لرئيس من رؤساء الدول الأجنبية عندما سأل الرئيس المجاهد قائلا: لماذا جئتم إلى بلادنا؟ فقال المجاهد: جئنا لنحرر العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور السلطان إلى عدل الإسلام.
стр. 1619
الثاني: ما يطلقه أكثر الناس الآن على التفلُّت الكامل بحيث يفعل الإنسان ما ترغب نفسه وتستطيبه شهوته، لا يلَّتفت إلى ما يحب الله ولا إلى ما يبغضه بل يبقى طليقا يفعل ما يشاء يزني ويشرب الخمر ويغني ويرقص، ويأكل المحرمات إلى ما لا نهاية. وهذا - وإن سماه الدعاة إليه تحررا - ليس بتحرر وإنما هو رق كامل لا لجهة واحدة وإنما لجهات متعددة: رق للشيطان ورق للنفس وشهواتها ورق لمن يملك من الناس تمكين الشخص من مراده وعدم تمكينه.
٤- الإنسانية:
وللإنسانية أيضا مفهومان:
الأول: صحيح وهو: أن يعتقد أن البشر كلهم بنو الإنسان الأول الذي هو آدم ﵇ ليس لأحدهم فضل على الآخر إلا بتقوى الله كما قال : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ومعنى هذا أنهم يتساوون في الحقوق والواجبات والتصرفات، لا يفيد أحدا منهم أحدا، ولا يحرم أحد شيئا على أحد، كما لا يحل شخص لآخر من عند نفسه، وإنما يصدر التحليل والتحريم والتقييد من مصدر واحد هو خالق الناس كلهم، وإذا كان التفاضل بين الناس لا يحصل إلا بالتقوى فلا منافاة بين كونهم يستوون في الانتساب إلى الإنسانية. وكثير من الأمور التي يطول ذكرها، وبين كون الذي اختص بالتقوى يفضل من لم يصبه منها نصيب فلا غرو أن يكون المسلم هو الحاكم المنفذ لشريعة الله على المؤمن والكافر معاً، وأن يكون الكافر صاغراً دافعاً للجزية لقاء أمنه على نفسه وماله وعرضه بين المسلمين.
أما المفهوم الثاني للإنسانية فهو ما تعارف عليه الناس في هذه الأيام، وهو المساواة المطلقة بين الناس مسلمهم ونصرانيهم ويهوديهم ووثنيهم، ذكرهم وأنثاهم، فليس لمسلم أن يجاهد كافراً ليدخل في الإسلام أو يدفع الجزية وهو صاغر لأنهم كلهم إخوة في الإنسانية.
стр. 1620
ولا فرق بين الرجل والمرأة في كل شيء، فلها الحرية الكاملة في الذهاب والإياب والاختلاط والخلوة بالرجل في المكتب والمصنع وغيرهما، وتساويه في الإرث وغيره، وهذه في الحقيقة ليست إنسانية لأنها وضع للأمور في غير مواضعها ومخالفتها لنصوص القرآن والسنة والحكمة واضحة كل الوضوح.
والإنسانية هي التي تضم الجميع في ظل عدالة سماوية وحكم إلهي يجعل لكل فرد أو جماعة ما تستحق، ويوجب عليها لغيرها ما يستحق، فإن المساواة المطلقة بين المسلم والكافر يعتبر معاكسة لجميع الأديان السماوية كما قال تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ .
وقال: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ . بل فرق بين المسلمين أنفسهم ببعض الصفات فقال: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ وجعل للمرأة نصف حظ الرجل في الإرث وجعله قوَّاماً عليها، لعلمه تعالى أنه أهل لذلك بخلافها، والواقع أكبر شاهد لذلك.
ولا أريد الإطالة كما قلت بل أردت التنبيه فقط، وأرجو أن يكون الأخ الكاتب أراد في كل ما ذكر المفهومات الصحيحة كما هو المظنون به، وأرجو أن يعلم أني لم أرد التشهير به وإنما قصدت النصح كما ذكرت أولا، وإذا كان للكاتب أو غيره ملاحظة على شيء مما ذكرت فإني أرحب بتنبيهي على خطأ يصدر مني إذ "كل بني آدم خطاؤن وخير الخطائين التوابون" وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه.
-٢-
تعقيب على مقال: " ابن حزم "
للشيخ محمد المجذوب
سيادة الأخ المكرم محرر (نداء الجنوب) سلَّمه الله:
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
стр. 1621
في العدد (١٦٨) من النداء العزيز قرأت مقالة الأستاذ " ابن حزم " (صفحات من التاريخ) وعلى الرغم من إعجابي بقلمه وأفكاره العالية وجدتني مضطرا لإبداء بعض النقاط التي ما يحسن السكوت عليها لمخالفتها للصحيح الثابت من أخبار غزوة أحد.
١- يقول الكاتب المحترم عن الذعر الذي عمَّ المسلمين عقب الانتكاسة: "فألقى بعضهم السلاح وأخذوا يفكرون في الاتصال بحليف المشركين عبد الله بن أبي - رأس المنافقين بالمدينة - ليعرض استسلامهم على قائد جيش القرشيين ويأخذ لهم الأمان منهم ظنا منهم أن النبي القائد ﷺ قد قُتِلَ وألا جدوى في المقاومة..وبينما هم حائرون يفكرون في الاستسلام إذ أقبل إليهم انس بن النضر.."وقد تكرر هذا المعنى في المقال عدة مرات كقوله: "..يعني الصحابة الذين ألقوا السلاح وفكروا في الاستسلام.."وقوله عن تضحية أنس ﵁ بأنها كانت "بمثابة العاصفة التي اقتلعت روح الاستسلام من نفوس الصحابة الذين كانوا قد قرروا إلقاء السلاح والاستسلام للمشركين..".
ثم يقول: ".. فعدلوا عن فكرة الاستسلام وأخذوا أسلحتهم واندفعوا..".
٢- فها هنا توكيد مُلِحٌّ على أن هؤلاء الصحابة قد ألقوا السلاح وأنهم أزمعوا الاستسلام للمنافقين والمشركين لم يردهم عن ذلك إلا مشاهد التضحية التي حققها أنس وبعض الثابتين على العهد.
وهذا قول يعوِزه التحقيق الذي سرعان ما يكشف زيفه، حتى ولو نسبت روايته إلى بعض المشهورين الذين أشار إليهم الطبري وابن كثير رحمهما الله.
стр. 1622
٣- وأول ما يعرض من الشك في ادعاء كهذا هو ما ينطوي عليه من اتهام لهؤلاء الصحابة برقة الدين حتى أنهم ليلقون سلاحهم، ويفكرون بإعطاء الدنية التي تقربهم بل تعرضهم للارتداد. لأن أهل النفاق والشرك لن يرضوا عنهم بأقل من العودة إلى وثنيتهم.. وهو تصور مستحيل في حقهم، ولا سيما بعد استقرار الإيمان في قلوبهم ومشاهدتهم الآيات، وعيشهم في غمار الوحي، والتأثر العميق بالتربية النبوية، وبخاصة أن بينهم بعض كبار الصحابة والمبشرين وحسبنا أن نذكر منهم عمر الفاروق ﵁ الذي يقول فيه ابن مسعود: "ما زلنا أذلة حتى أسلم عمر..".
٤- إذا أعدنا النظر في هذه الرواية كما جاءت في تاريخ ابن كثير نلاحظ أنه عقب عليها بما يدحضها ويرذلها، وذلك قوله: "وهذا غريب جدا وفيه نكارة"ومرد تلك إلى أمرين: متن القصة الذي لا يتفق مع إيمان أولئك الصحابة الذين أسهموا في تثبيت صرح الإسلام وإعلاء رايته قبلا وبعدا، ثم إسناد القصة الذي فيه مجهولان، وهما شيخ ابن جرير وشيخ شيخه، وأسباط عن السدي، والأول مجروح بكثرة الخطأ والإغراب، والثاني منبوذ بالتشيع.. ورائحة التشيع أبرز شيء في هذه القصة.. هذا فضلا عن الانقطاع الذي لا يخطئه النظر، إذ تقف الرواية عند السدي، ثم لا ندري عمن رواها.. وكفى بهذا مفنداً ومكذباً.
стр. 1623
٥- ولدى التدقيق في خبر أنس بن النضر كما ورد في رواية ابن إسحاق - بصيغة التحديث - وكما أخرجه البخاري من حديث أنس، وأحمد عن يزيد عن حميد عن أنس ﵁، لا تجد أية إشارة إلى فكرة الاستسلام أو إلقاء السلاح بل كل ما هنالك أنهم - كما جاء في رواية ابن إسحاق - ألقوا بأيديهم - لا بأسلحتهم - وذلك كناية عن الوهن والحيرة من هول ما أصابهم حين سمعوا الخبر عن مقتل رسول الله ﷺ وسرعان ما عادوا إلى القتال بما سمعوا من تذكير أنس، وبما علموا من حياة قائدهم الحبيب ﷺ كما هو واضح من مختلف المصادر الصحيحة.
٦- والخلاصة أن لا سند من الصحة لخبر الاستسلام أو إلقاء السلاح، ولا يعقل أن يكون في صحابة رسول الله ﷺ من يفكر بمفاوضة أعداء الله، والتخلي عن دينه ليمكِّن للوثنية وأهلها.. إلا إذا سمحنا لعقولنا بأن لا تفرق بين ذلك الرعيل المصفى من أحابيش اليوم.
وبعد، فهذا ما رأيت التذكير به شاكراً للأستاذ ابن حزم وإخوانه جهادهم وغيرتهم، والله أسأل أن يوفقنا وإياهم إلى طاعته واقتفاء آثار أولئك الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، والحمد لله رب العالمين.
стр. 1624
قدس القداسات
بقلم الأستاذ عبد السلام حافظ
يا قدس يا جرحنا الدامي وشكوانا
يا قدس يا ليلنا المملوء أحزانا
يا قدس.. ماذا دهانا فيك واشتعلت
عشرون عاما وأرض النور تلحانا
يا قدس.. طيبة والبيت الحرام علا
صوتاهما يسألان الرب تحنانا
ويبكيان القداسات التي هدرت
في أرض عيسى وأمست من منايانا
مسرى الرسول ومعراج العظيم بها
كيف التأسي وقد عادت لبلوانا!
مثارهم.. وإسرائيل تنهبها
وأهلها يعلقون الذل ألوانا!
مشردون بلا مال ولا وطن
شعب الخيام غدوا.. فالشعب قد هانا!
عاشت بقبلتنا الأولى شراذمة
واستهجنوا ورموا بالنار أقصانا
رماهم الله بالخسران من قدم
لا يعرفون لغير الشر ميدانا
هم اليهود أضروا الأنبياء وفي
كل العصور أذاقوا الناس عدوانا
يا قدس آتون للتحرير يلهبنا
شوق الصلاة جماعات ووحدانا
نطهر المسجد الأقصى ونرفعها
الله أكبر.. توحيدا وبنيانا
أجل سنأتي فبعد اليوم لا طلعت
شمس علينا إذا ما خاب مسعانا
تصميمنا وإرادات الحياة بنا
هي التحفز.. والأمجاد تلقانا
اليوم نعلنها لله في ثقة
حربا مقدسة.. والنصر نجوانا
فيا بني العرب أبطال أمتنا
هبوا إلى نصرة الإسلام أعوانا
هناك في المقدس الوضاء ملحمة
كبرى.. هي الشرق الباقي وذكرانا
فمن تهاون في حق يضيعه
والفوز بالعزم والإصرار قد كانا
* * *
وأسوة بالفدائيين فابتدروا
درب الكفاح وأعلوا السيف إعلانا
قلوبهم بين أيديهم مزغردة
للموت، إذ يبذلون الروح قربانا
الله أكبر ما عشنا نرددها
стр. 1625
نحيا بظلاتها صحبا وإخوانا
على العدو أشدَّاء أشاوسة
لم يبق فينا سوى من بات يقظانا
يأبى الهوان ولا يرضى بمظلمة
يفدي فلسطينا بالأرواح إيمانا
قدس القداسات نحميها وننقذها
حي ـ الجهاد بكأس الفخر أسقانا
* * *
يا قدس.. يا شعلة التحرير موعدنا
آت قريبا ليزهو فيك مأوانا
نفجر الحقد والثأر القديم بمن
عاثوا بأوطاننا سرا وإعلانا
حتماً سيكبو بإسرائيل مطمعها
وتنتهي.. فيبيد الله شيطاناً
وتستعيد فلسطين الحياة بها
نورا وعلما وتاريخا وإنسانا
ونحمد الله.. فالإسلام خافقة
أعلامه تشهد الدنيا بتقوانا
يا قدس آتون للتحرير غايتنا
أبقى من العصر.. الرحمن يرعانا
ما دام فينا نضاليون مشعلهم
دين الهدى، يبذلون النفس.. برهانا
стр. 1626
ذبح الحمام الأهلي في الحرم المكي
لفضيلة الشيخ محمد شفيع
نحمد الله ونصلي ونسلم على رسوله الكريم، أما بعد.
فقد ورد علينا سؤال من سكان مكة المكرمة سيما الذين يقطنون في الأحياء البعيدة عن المسجد الحرام كالجرول، وقوس النكاسة، والدهلة الوسطى سألوا عن ذبح الحمام الأهلي الذي يقتنيه الناس في بيوتهم هل يجوز ذبحه في حدود حرم مكة أم لا؟ وهل حكم الحمام الأهلي كدجاجة جاز ذبحها في الحرم لمحرم وحلال أم هو كالطيور التي ذبحها محظور على المحرم.. وعلى من كان في الحرم حلالا كان أو حراما.
إنا فتشنا عن ذلك في كتب المذاهب الأربعة فاتضح لنا أن الحمام عند أصحاب المذاهب الأربعة لا يكون إلا صيداً سواء كان أهلياً يقتنى في البيوت أو متوحشاً يطير ويخاف من الإنس كحمام المسجد الحرام أو غير ذلك مما يوجد في الصحراء، والآجام وكون بعض صنوفه أهلياً مستأنسا بالرجال لكونه مقتنى في البيوت لا يخرجه عن كونه صيداً.
ففي المغني من فقه الحنابلة صفحة ٥٠٢ - ج٣ "وكذلك وجب الجزاء في الحمام أهلية ووحشية اعتباراً بأصله" اهـ. هذا ما ذكره في جنايات الإحرام.
وقال في ذكر محظورات الحرم: "وما يحرم ويضمن في الإحرام يحرم ويضمن في الحرم وما لا فلا إلا شيئين، أحدهما القمل مختلف في قتله في الإحرام وهو مباح في الحرم بلا اختلاف. الثاني: صيد البحر مباح في الإحرام من غير خلاف، ولا يحل صيده من آبار الحرم وعيونه"اهـ. وهذا صريح في أن الحمام لا يجوز ذبحه وقتله في حدود حرم مكة المكرمة أهلياً أو وحشياً وليس له حكم الدجاجة في ذلك.
стр. 1627
وفي المهذب - من فقه الشافعية -: "وإن كان الصيد طائراً نظرت فإن كان حماماً وهو الذي يغب ويهدر كالذي يقتنيه الناس في البيوت كالدبسي والقمري والفاختة فإنه يجب فيه شاة". صفحة ٣١٨ ج١, وفيه أيضا صفحة ٣١٨ ج١: "ويحرم صيد الحرم على الحلال والمحرم، وحكمه في الجزاء حكم صيد الإحرام لأنه مثله في التحريم فكان مثله في الجزاء"اهـ، فإذا كان حكم الحرم والإحرام واحداً في حرمة الصيد وجزائه، وكل حمام أهلياً كان أو وحشياً صيد عند الشافعية كان ذبح الحمام الأهلي في الحرم حراماً عندهم وفي غنية الناسك صفحة (١٥١) من كتب الحنفية المعتمد في المناسك ومسائل الحرمين "والصيد المملوك لو كان معلماً كالبازي والشاهين والصقر والطوطي والحمام، الذي يجيء من المواضع البعيدة.
وغير ذلك من الأصناف التي تتخذ للترفه يلزمه قيمته للجناية غير معلم وقيمته لمالكه معلماً بالغة ما بلغت إلا أن يكون للهو ولا تعتبر زيادة قيمته بسبب التعليم أو تفاخر الملوك لحق الشرع، وأما زيادتها لحسن ذات في الصيد فمعتبرة كالحمام المطوقة والمصوتة، والصيد الحسن المليح"اهـ. وهذا صريح في الجزاء على المحرم يقتل الحمام المعلم، والمعلم هو الأهلي الداجن الذي يقتنى في البيوت، فلما كان هذا حكم المحرم كان حكم الحرم كذلك لما صرح قاضي خان في فتاواه - وهو من أكابر الفقهاء الحنفية – "صيد الحرم لا يحل قتله ولا تنفيره إلا ما يباح منه للمحرم"اهـ.
ولقد قال ابن نجيم الحنفي المصري في البحر الواثق شرح كنز الدقائق صفحة ٣٩ ج٣: "الحمام متوحش بأصل الخلقة ممتنع بطيرانه وإن كان بطيء النهوض، والاستيناس عارض"اهـ، فالحمام صيد عند الحنفية - أيَّ حمام كان - لكونه متوحشاً في أصل الخلقة وفي المدونة - من فقه المالكية - "وكان مالك يكره للمحرم أن يذبح الحمام إذا أحرم الوحشي وغير الوحشي لأن أصل الحمام طير يطير".
стр. 1628
قال عبد الرحمن بن قاسم: "قيل لمالك إنا عندنا حماما يقال له ((الردمية)) لا يطير وإنما يتخذ للفراخ"، قال: "لا يعجبني ذبحه لأنها تطير، ولا يعجبني أن يذبح المحرم شيئا مما يطير"، قال: "فقلنا لمالك فيذبح في المحرم الإوز، والدجاج"، قال: "لا بأس بذلك"، قلت لابن القاسم: "أليس الإوز طيراً يطير فما فرق بينه وبين الحمام"، قال مالك: "ليس أصله مما يطير، وكذلك الدجاج ليس أصله مما يطير"، قال: فقلت لمالك: "فما أدخل مكة من الحمام الإنسي، والوحشي أترى للحلال إن أدخل به من الحل فكذا الحمام في ذلك"اهـ.
وفي أقرب المسالك لمذهب الإمام مالك تأليف محمد بن أحمد الدردير صفحة (٥٣) "وليس الدجاج، والإوز بصيد بخلاف الحمام "اهـ.
ففي عبارة المدونة، وأقرب المسالك تصريح في أن الحمام صيد - أي حمام كان - فلا يجوز ذبح الحمام الأهلي، وغير الأهلي في الحرم عند المالكية أيضاً إلا أن مالكا - رحمة الله عليه - أجاز ذبح الحمام الذي أدخل في الحرم من خارج الحرم.
فالذي يعوَّل عليه، ويعتمد أن ذبح الحمام الأهلي المستأنس، والوحشي الذي يستأنس لا يجوز ذبحه في حدود حرم مكة في المذاهب الأربعة، إلا مالكاً - رحمة الله تعالى عليه - أجاز ذبح الحمام الذي أدخل في الحرم من خارج الحرم.
والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
محمد شفيع
- عفى الله عنه -
стр. 1629
التفكر في مخلوقات الله
للشيخ عبد الله بن صالح المحسن
المدرس بمعهد الجامعة
إن التفكر في مخلوقات الله ليفتح أبواباً مغلقة من نور البصيرة في العلوم والأفهام وتحرير الإنسان من الغفلة والجهل والعصيان وقد أثنى الله على المتفكرين في كتابه العزيز. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ . وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآياتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ﴾ ، فعلى العبد أن ينظر في هذا الكون نظر تفكر وتدبر واعتبار ليزداد إيماناً ويقيناً. على أن كل ما في الوجود هو خلق الله وأن كل شيء خلق لحكمة قد تعلم أو لا تعلم أو يعلم بعض دون الآخر لأن في مخلوقات الله عجائب وغرائب لا تحيط بها العلوم والأفكار ولا تحصيها الأقلام.
قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً﴾ .
стр. 1630
وأول شيء أذكره من هذا الموجز من عجائب بعض المخلوقات العظيمة هو نظر المرء إلى نفسه حيث أمره الله بذلك، قال تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ, مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ, مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ, ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ, ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ, ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى، ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى, فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى, أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ وقال تعالى: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ, فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ, إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ, فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ إلى غير ذلك من الآيات الدالة على بيان مبدأ الإنسان ومنتهاه، ليتذكر أولو الألباب وليعلم كل إنسان أن ذكر النطفة وما ينتهي إليه ليس مجرد لفظ يسمع ويترك التفكر في معناه وما يترتب عليه من الثمرات والنتائج إنما هو مأمور بالنظر والتفكير والاعتبار حول هذه النطفة التي هي قطرة من ماء لو تركت ساعة من الوقت بعد خروجها لفسدت وأنتنت، فكيف خلقها الله وأخرجها ربُّ العزة والجلال من بين الصلب والترائب، وخلق الإنسان من بين ذلك، وكيف خلق الجنين منها وأمده بدم الحيض في الرحم ليكون له كالغذاء، والرحم كالوعاء ينمو ويكبر حتى حين خروجه..
стр. 1631
ثم كيف نقلت هذه المضغة من حال إلى حال أخرى حتى تصورت إنسانا ونفخت فيه الروح متكاملا بعظام وأعصاب وعروق وأوتاد ولحم وتقاسيم عجيبة من رأس وسمع وبصر وأنف ويدين ورجلين وغير ذلك مما يعجز جميع البشر أن يخلقوا مثله، ثم بعد خروجه أنظر العجائب المركبة فيه من الإحساس وتحرك مفاصل العظام التي هي ثلاثة وستون مفصلا والعضلات التي تزيد على خمسمائة عضلة، وقد جعل لكل عضلة وعضو عملا يخصه، وانظر مع كثرة بني آدم لا يماثل واحد آخر فلا بد من مميز بينهما، وانظر معتبراً كل ذلك مما يتذكر به أولو الألباب إن هذا الخلق لهم ربٌّ واحد خلقهم أول مرة وهو بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وإليه يرجعون فإذا عرفت أيها العبد هذه العجائب وغيرها في نفسك فتفكر في الأرض التي هي مقرك وما فيها من أنهار وبحار وجبال وأشجار ومعادن وغير ذلك، وجعلها الله لنا ذلولاً نسعى في مناكبها ونأكل من رزقه وجعلها لنا كفاتاً أحياء وأمواتاً، وانظر كيف تخرج لنا من النباتات والأشجار التي فيها معاشنا، وانظر إلى الحيوانات التي خلق أكثرها لمنافعنا كيف تنوعها وأشكالها وما فيها من العجائب التي لا نشك أن لها خالقاً عظيماً هو الله ، وانظر إلى الهواء اللطيف الذي يدرك بالحس ولا يرى بالعين قد جعل لحايتنا ومنافعنا، وانظر إلى عجائب الجوِّ وما يطرأ عليه من الغيوم والرعد والبرق ونزول الأمطار والشهب والصواعق ...
стр. 1632
كل ذلك لمنافع وحكم وأسرار لا يعلما إلا الله، وقد أشار القرآن إلى ذلك بقوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ﴾ وانظر كيف عظَّم الله أمر السماوات والنجوم في كتابه العزيز، فما من سورة إلا وهي مشتملة على ذكرها وتعظيمها، وكم قسم في القرآن بها ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ , ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ , ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾ ، ﴿وَالأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾ , ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ , ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ , ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ , ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا﴾ . ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ , ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ , ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ, وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ إلى غير ذلك مما ورد في القرآن العزيز، فإذا علمت أن عجائب النطفة التي خلقت منها لم يستطع أحد الإحاطة بمعرفة حقيقتها فكيف بشيء أقسم به رب العزة والجلال أن يحيط بعلمه أحد من خلقه.. وأمر عباده بالتفكر في خلق السماوات والأرض مما يدل على أن السماوات والأرض والكواكب فيها عجائب وأمور وشئون عظيمة لا نعلمها، وقد نعلم منها في المستقبل ما لا نعلمه الآن، وهل تظن أن النظر والتفكر مجرد نظر إلى زرقة السماء وضوء الكواكب أو النظر إلى الأرض مجرد نظر إلى سطحها؟
стр. 1633
كلا لقد كانت البهائم تشارك بني آدم في ذلك إنما على الإنسان النظر إلى ذلك كله بتفكر واعتبار أولاً وبفعل الأسباب المؤدية إلى بعض العلوم التي لا نعلمها لنعلمها ونستفيد منها. وقد أخبرنا الله أنه يعلِّمنا ما لم نعلم، قال تعالى: ﴿عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ وإننا متفاوتون في العلم فنسأل عما جهلناه قال تعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ فأدر أيها العاقل فكرك في آيات الله في تلك الكواكب في دورانها وطلوعها وغروبها مستمرة مع اختلاف ألوانها وصفاتها وحركاتها، ومرتبة بحساب مقدر لا يزيد ولا ينقص مع عظم حجمها وصغر مرآها لبعدها عنا، فهي باقية على هذا الترتيب والنظام العجيب إلى أن يطويها الله سبحانه كطي السجل للكتب.
وأعظم من ذلك أن النجوم والسماء قد أمسكت من دون عمد نراها ولا معلقة بشيء يمسكها مع ما فيها من عظيم صنع الله وكل العالم لهم السماء كالسقف الواحد، وإن الأرض كروية وكلها في مرأى الأعين كأنها مبسوطة لعظمها وسعتها، وفيها من جنود الله الذين لا يحصيهم إلا هو, وما يعلم جنود ربك إلا هو, مع ذلك كله وغيره يقول الله : ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلاً﴾ وقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ﴾ فسبحان الله رب العالمين رب العرش العظيم.
стр. 1634
وقصارى القول: إن التفكير السليم هو السُّلم إلى السعادة في الدنيا والآخرة وإن علم الله لا يحيط به أحد من خلقه وإنه لمن أجهل الجهل وأخطر الخطر أن يقول الإنسان في مخلوقات الله التي لا يعلمها إذا أخبر عنها بغير علم فيسارع إلى إنكارها لكونها خرجت عن محيط إدراكه وفهمه القاصر السيئ، لأنه لم يستدل على ما لا يعلمه بما يعلمه على أن الله على كل شيء قدير وإن كل ما يتوصل إليه من العلم فهو لا يخرج عن خلق الله وقدرته العظيمة الشأن، وإنما على المرء أن لا يتسرع إلى هذا القول الأحمق والاعتقاد الفاسد حتى يتيقن عدم ما أنبئ به أو يتحقق ثبوته، فيزداد العاقل إيماناً بربه وأنه خلق ويخلق ما لا نعلم ويعلم الإنسان ما لم يعلم.
هذا وكل ما ذكرته ما هو إلا نبذة من العلوم والتفكير في مخلوقات الله، والله الهادي إلى سواء السبيل.
стр. 1635
مع الصحافة
مع الإسلام ولكن؟
نقلا عن مجلة البعث الإسلامي
نشرت مجلة البحث الإسلامي في عددها الأول من المجلد الخامس عشر الصادر في جمادى الآخرة عام ١٣٩٠هـ مقالا بعنوان:
مع الإسلام ولكن..؟
نحن كلنا مع الإسلام، ما في ذلك شك، مع الإسلام في الهند، وباكستان، ومصر، وسوريا، والحجاز، والكويت، وفي كل بلد إسلامي وفي كل جهة إسلامية.
نحن مع الإسلام دائما، وبصفة عامة، والحمد لله على هذه النعمة العظيمة الباقية إن شاء الله.
ولكن..؟
إن (لكن) هو الفارق الوحيد الأساسي بين إسلام وإسلام، وبين إسلام لا يرى عليه ضررا من أي حركة سياسية، ولو خالفت أهم قواعده، وأولى مقوماته، وينسجم مع سائر الأوضاع والملابسات ولو عارضته من أول طريق، وبداية الخط.
بين إسلامٍ (مضمونٍ) عقد عليه في شركات التأمين، فلا تفسده خيانة، ولا يفسده نفاق، ولا يضره استهتار، ولا ينال منه إسراف، ولا تكدِّر بحره الزاخر فجور ثقافية، وخلافة أدبية وفضيحة فنية، وعري علني، وكفر منطقي، وإنكار قومي، وشذوذ سياسي، لأنه إسلام مضمون مسجل، وعد بسلامته ومتانته جودته، كبار تلاميذ الغرب ووكلائه الموزعين في الشرق.
إنه إسلام يسمى فيه المولود مسلما بحكم القانون والوراثة، ويبقى مسلما ليتمتع به بما شاء من منافع مادية وأدبية، ولا يحتاج إلى تجديد في إيمانه لأنه ولد من أبويين مسلمين وكفى.
إنه إسلام جامد، واقف، لا ينقص ولا يزيد، ولا يتحرك، ورحم الله البخاري فقد عقد بابا تحت هذا العنوان (الإيمان يزيد وينقص) وهو لا يعلم أن في بلده وفي البلاد الإسلامية العريقة قوما لا تضرهم اشتراكية ماركس الملحدة، وكفر لينين البواح، ولا ينقص إيمانهم بشيء من هذه الأشياء.
стр. 1636
إنه إسلام سلبي، لا يتدخل في المجتمع والحياة، بل يترك الحبل على غاربه، ويدع جيله تحت رحمة الموجبات المادية الطاغية والأفكار السامة والأدب المائع، فيترك المجتمع فريسة سهلة ولقمة سائغة أمام ذئاب الإنسانية ووحوش الحضارة، وقراصنة السياسة، ولصوص الدين والأدب، ويظن أنه سينجو بنفسه ويقول كما قال ولد سيدنا نوح ﵇ ﴿قَالَ سَآوي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾ ثم لم يلبث أن يجرفه التيار المارد العنيف، وتسوقه هذه ((السلبية البريئة)) إلى كل ما عافه قديما واستنكفه، ومقته، ومجه ﴿وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ .
إن هذا الإسلام يعيش جنبا إلى جنب مع كل كاتب يبيع الهوى وينشر المنكر ويروج بضاعة الفحشاء مع كل أديب يحسن الكتابة، ويجيد الوصف ولو تطاول على ذات الله ، ومقام الرسول ﷺ ، ويستمع بكل أناة وصبر وشرح صدر إلى كل حوار لبق وكلام شيق، وحديث حلو، ولو كان حالقاً للدين، ماحقا للإيمان، هادما للأخلاق، وينظر إلى كل صورة على الشاشة ولو ذهبت بالحزم والحلم، واللب والعقل، وأطارت الرشد والصواب.
هذا الإسلام يمشي مع سائر التقلبات والموضات الفكرية والمذاهب الاجتماعية والسياسية، والحركات التقدمية الثورية، في الهند الصينية أو أمريكا اللاتينية، ومع كل فريق من المغنين والمصورين والهائمين والحالمين والشذاذ الأفاقين، لأن ((تمشي)) هذه ((الكلمة السحرية)) تضع في يد هؤلاء القوم ((ورقة مرور)) يتعدون بها كل حد، ويحطمون بها كل سياج، ويهيمون بها في كل واد وناد.
إنه إسلام ((السالمين)) لا المسلمين، في تعبير أصح وأفصح، لأنه يسالم جمع الألوان والأنواع الحضارية الموجودة في العالم المعاصر، ويتبع كل سبيل غير سبيل الرشد.
стр. 1637
إن هذا الإسلام لا ينقص بالتهاون في حقوق الله، والاستهانة بشعائر الدين، فإذا وقع عنده صدام بين عبادات وأعمال سياسية واجتماعية طغت الأعمال السياسية على العبادات والصلوات، ولذة التقريب والمناجاة، وإذا حدث له شيء أو شغله أمر من تحرير في صحيفة أو خطاب في حفل أو قيادة لموكب أو رفع لاحتجاج أو قضية في برلمان أو حديث في مأدبة ومسامرة في عشاء أو نزهة في حديقة، وحتى فنجان شاي بين الأصدقاء نسي ما عليه من حق الله، وهو في الأشغال والنشاطات، وفي المشكلات والأزمات أولى بالطاعات وأحق بالدعاء والتضرع والمناجاة، وأحوج إلى العبادة والعبودية، دون الأوضاع الهادئة والظروف العادية، فلا اعتبار بطاعة لم تصطدم بما يهواه الطبع، وعبادة لم تشق على النفس، إنها درجات في إسلام ولكنه على كل حال إسلام المسالمين، أما إسلام المسلمين فهو لا يقبل ((على ما يرام)) ولا يؤمن بمبدأ ((الدين للديان والوطن للجميع)) ولا يجمع بين الخطب الدينية في المحافل، والترفيه بالبرامج العارية الراقصة، الفاسدة المفسدة بعد صلاة العشاء بين أولاده وأفلاذ أكباده.
إنه لا يؤمن بالجمع بين حضارة الغرب وعقيدة الإسلام، والزي الإسلامي والحياة الأوربية، والجمع بين لغة الحديث والقرآن وأفكار لينين وسارتر وماوتسي تونغ.
إنه لا يؤمن بالجمع بين عبد الباسط وأم كلثوم، والجمع بين المصاحف المرتلة والموسوعات الفقهية، وأغاني صباح، وفيروز وشادية، أو الجمع بين ((المجتمع)) و ((البلاغ)) و ((البعث الإسلامي)) وبين روز اليوسف و ((الموعد)) و ((الطليعة)) .
стр. 1638
إنها صورة جزئية، وصور بسيطة وأمور ليست بذات أهمية عند البعض، ولكنها تصور ذلك الإسلام الذي أشرنا إليه كل التصوير، إسلام من ((ماركة ممتاز)) لا يؤثر فيه شيء، ولا يعتريه البلى والوهن، ولا ينقص بنقصان شرع ودين ومسالمة واستسلام أو انسياق مع تيارات المادة والمعدة، واتجاهات الغرب والشرق واليمين واليسار.
نحن مع الإسلام في كل مكان، ما في ذلك من شك، ولكن مع الإسلام المستقل الأصيل، لا الإسلام التابع، الفرعي، المتطفل.
نحن مع الإسلام القائد، السائد، المعلم، الموجه، لا الإسلام الذي يتلقى الأوامر والتعليمات من ((الباب العالي)) في موسكو، و ((البيت الأبيض)) في واشنطن.
مع إسلام لا ينكر العلم والسياسة، بل إن العلم والسياسة فيه عبادة، ولا يهمل الطاعة والعبادة فهي مفزع المؤمن ومأمنه، وحصنه ومعقله، وأكبر همه وغاية مناه.
مع إسلام مناضل مكافح متصل الحلقات بجميع أجزائه، وثيق العرى بجميع حركاته وتنظيماته، عميق الحب بجميع أبنائه، كثير الاعتراف بالفضل عظيم التقدير لذوي الكفاية والإخلاص، كثير الشكر على المساهمة والتعاون.
هذا الإسلام العميق الواسع، المشرق النير، الكامل الشامل، الأصيل المستقل، المكافح المناضل.
الإسلام الذي يتكلم ولو كره الصليبيون الجدد الحمر والبيض والصفر، ويرفع صوته لتنظيم المجتمع والحكم، والأسرة والعائلة، على أسس نقية واضحة من السيرة الطاهرة والشريعة الخالدة والكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد.
هذا الإسلام هو العنصر الأقوى في معركتنا الكبرى، وردنا الحاسم على هواة الفساد ودعاة الانحلال والمتآمرين على سلامة البلاد، ونعمة الأمن والهناء، باسم الحرية والعلم والتقدمية، والاشتراكية والثورية.
نعم، نحن مع الإسلام ولكن؟؟
محمد الحسني
стр. 1639
يستفتونك
يتولى الرد على أسئلة القراء فضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز
رئيس الجامعة الإسلامية
ورد سؤال من الشيخ منظور أحمد رئيس الجامعة العربية (جنيوت الباكستان الغربية) وهذا نص السؤال:
ما قول السادة العلماء الكرام في حياة سيدنا عيسى ﵇ ورفعه إلى السماء بجسده العنصري الشريف ثم نزوله من السماء إلى الأرض قرب يوم القيامة وأن ذلك النزول من أشراط الساعة وما حكم من أنكر نزوله قرب يوم القيامة، وادعى أنه صلب ولكنه لم يمت بذلك بل هاجر إلى كشمير (الهند) وعاش فيها طويلا ومات فيها بموت طبعي وأنه لا ينزل قبل الساعة بل يأتي مثيله. أفتونا مأجورين؟
والجواب:
وبالله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله، قد تظافرت الأدلة من الكتاب والسنة على أن عيسى بن مريم عبد الله ورسوله ﷺ قد رفع إلى السماء بجسده الشريف وروحه وأنه لم يمت ولم يقتل ولم يصلب وأنه ينزل في آخر الزمان فيقتل الدجال ويكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ولا يقبل إلا الإسلام وثبت أن ذلك النزول من أشراط الساعة. وقد أجمع علماء الإسلام الذين يعتد بأقوالهم على ما ذكرناه وإنما اختلفوا في التوفي المذكور في قول الله : ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ على أقوال:
أحدها:
إن المراد بذلك وفاة الموت لأنه الظاهر من الآية بالنسبة إلى من لم يتأمل بقية الأدلة ولأن ذلك قد تكرر في القرآن الكريم بهذا المعنى مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ وقوله : ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ﴾ وفي آيات أخرى قد ذكر فيها التوفي بمعنى الموت, وعلى هذا المعنى يكون في الآية تقديم وتأخير.
стр. 1640
والقول الثاني: معناه القبض نقل ذلك أبن جرير في تفسيره عن جماعة من السلف واختاره ورجحه على ما سواه وعليه فيكون معنى الآية: إني قابضك من عالم الأرض إلى عالم السماء وأنت حيّ ورافعك إليّ. ومن هذا المعنى قول العرب: "توفيت مالي من فلان"أي قبضته كله وافيا.
والقول الثالث: أن المراد بذلك: وفاة النوم؛ لأن النوم يسمى وفاة, وقد دلت الأدلة على عدم موته ﵇ فوجب حمل الآية على وفاة النوم جمعاً بين الأدلة كقوله : ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ , وقوله : ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً﴾ . والقولان الأخيران أرجح من القول الأول, وبكل حال فالحق الذي دلت عليه الأدلة البينة وتظافرت عليه البراهين أنه ﵊ رفع إلى السماء حيا وأنه لم يمت بل لم يزل ﵇ حيا في السماء إلى أن ينزل في آخر الزمان ويقوم بأداء المهمة التي أسندت إليه المبينة في الأحاديث الصحيحة عن محمد رسول الله ﷺ ثم يموت بعد ذلك الموتة التي كتبها الله عليه ومن هنا يعلم أن تفسير التوفي بالموت قول ضعيف مرجوح وعلى فرض صحته فالمراد بذلك التوفي الذي يكون بعد نزوله في آخر الزمان فيكون ذكره في الآية قبل الرفع من باب المقدم ومعناه التأخير لأن الواو لا تقتضي الترتيب كما نبه عليه أهل العلم والله الموفق. وأما من زعم أنه قد قتل أو صلب فصريح القرآن يرد قوله ويبطله. وهكذا قول من قال إنه لم يرفع إلى السماء وإنما هاجر إلى كشمير وعاش فيها طويلا ومات فيها بموت طبيعي وأنه لا ينزل قبل الساعة وإنما يأتي مثيله فقوله ظاهر البطلان بل هو من أعظم الفرية على الله تعالى والكذب عليه وعلى رسوله ﷺ .
стр. 1641
وهكذا قول من قال إنه أتى وأدى المهمة كالقادياني فقوله من أوضح الكذب فإن المسيح ﵇ لم يزل في السماء ولم يزل إلى وقتنا هذا وسوف ينزل في مستقبل الزمان كما أخبر بذلك رسول الله ﷺ ومما تقدم يعلم السائل وغيره أن من قال إن المسيح قتل أو صلب أو قال إنه هاجر إلى كشمير ومات بها موتا طبيعيا ولم يرفع إلى السماء أو قال إنه قد أتى أو سيأتي مثيله وإنه ليس هناك مسيح ينزل من السماء فقد أعظم على الله الفرية بل هو مكذب لله ولرسوله ﷺ ومن كذب الله ورسوله فقد كفر والواجب أن يستتاب من قال مثل هذه الأقوال وأن توضح له الأدلة من الكتاب والسنة فإن تاب ورجع إلى الحق وإلا قتل كافرا.
والأدلة على ذلك كثيرة معلومة منها قوله سبحانه في شأن عيسى ﵇ في سورة النساء ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً, بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ . ومنها ما توافرت به الأحاديث عن رسول الله ﷺ من أنه ﵊ ينزل في آخر الزمان حَكَماً مقسطاً فيقتل مسيح الضلالة ويكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ولا يقبل إلا الإسلام، وهي أحاديث متواترة مقطوع بصحتها عن رسول الله ﷺ وقد أجمع علماء الإسلام على تلاقيها بالقبول والإيمان بما دلت عليه وذكروا ذلك في كتب العقائد.
стр. 1642
فمن أنكرها متعلقاً بأنها أخبار آحاد لا تفيد القطع وتأوَّلها على أن المراد بذلك تمسك الناس في آخر الزمان بأخلاق المسيح ﵇ من الرحمة والعطف وأخذ الناس بروح الشريعة ومقاصدها ولبابها لا بظواهرها فقوله ظاهر البطلان مخالف لما عليه أئمة الإسلام بل هو صريح في رد النصوص الثابتة المتواترة وجناية على الشريعة الغراء وجرأة شنيعة على الإسلام وأخبار المعصوم ﵊ وتحكيم للظن والهوى وخروج عن جادة الحق والهدى لا يقدم عليه من له قدم راسخة في علم الشريعة وإيمان صادق بمن جاء بها وتعظيم لأحكامها ونصوصها والقول بأن أحاديث المسيح أخبار آحاد لا تفيد القطع قول ظاهر الفساد لأنها أحاديث كثيرة مخرجة في الصحاح والسنن والمسانيد متنوعة الأسانيد والطرق متعددة المخارج قد توفرت فيها شروط التواتر فكيف يجوز لمن له أدنى بصيرة في الشريعة أن يقول باطّراحها وعدم الاعتماد عليها ولو سلمنا أنها أخبار آحاد فليس كل أخبار الآحاد لا يفيد القطع بل الصحيح الذي عليه أهل التحقيق من أهل العلم أن أخبار الآحاد إذا تعددت طرقها واستقامت أسانيدها وسلمت من المعارض المقاوم تفيد القطع والأحاديث في هذا الباب بهذا المعنى فإنها أحاديث مقطوع بصحتها متعددة الطرق والمخارج ليس في الباب ما يعارضها فهي مفيدة للقطع سواء قلنا أنها أخبار آحاد أو متواترة وبذلك يعلم السائل وغيره بطلان هذه الشبهة وانحراف قائلها عن جادة الحق والصواب وأشنع من ذلك وأعظم في البطلان والجرأة على الله وعلى رسوله ﷺ قول من تأولها على غير ما دلت عليه فإنه قد جمع بين تكذيب النصوص وإبطالها وعدم الإيمان بما دلت عليه من نزول عيسى ﵇ وحكمه بين الناس بالقسط وقتله الدجال وغير ذلك مما جاء في الأحاديث وبين نسبته الرسول ﷺ الذي هو أنصح الناس وأعلمهم بشريعة الله إلى التمويه والتلبيس وإرادة غير ما يظهر من
стр. 1643
كلامه وتدل عليه ألفاظه وهذا غاية في الكذب والافتراء والغش للأمة الذي يجب أن يتنزه عنه مقام الرسول ﷺ .
وهذا القول يشبه قول الملاحدة الذين نسبوا الرسل عليهم الصلاة والسلام إلى التخييل والتلبيس لمصلحة الجمهور وأنهم ما أرادوا مما قالوه الحقيقة وقد رد عليهم أهل العلم والإيمان وأبطلوا مقالتهم بواضح الحجة وساطع البرهان. فنعوذ بالله من زيغ القلوب والتباس الأمور ومضلات الفتن ونزغات الشيطان، ونسأله أن يعصمنا والمسلمين من طاعة الهوى والشيطان إنه على كل شيء قدير ولا حول ولا قوة إلا بالله ونرجو أن يكون فيما ذكرناه مقنع للسائل وإيضاح للحق.
ورد سؤال من بعض الإخوة بمدينة (كتان كدى) الواقعة بجنوب سيلان يذكرون فيه أن سكان هذه المدينة البالغ عددهم (٢٠٠٠٠) نسمة قد حدث بينهم خلاف حول جواز ترجمة خطبة الجمعة والعيدين بلغتهم الوطنية ورغبتهم في إبانة الصواب في هذه المسألة حسب ما تقتضيه قواعد الشرع المطهر والمصلحة العامة للمخاطبين بالخطبة؟
الجواب:
قد تنازع العلماء رحمة الله عليهم في جواز ترجمة الخطب المنبرية في يوم الجمعة والعيدين باللغات الأعجمية فمنع ذلك جمع من أهل العلم رغبة منهم ﵃ في بقاء اللغة العربية والمحافظة عليها والسير على طريقة الرسول ﷺ وأصحابه ﵃ في إلقاء الخطب باللغة العربية في بلاد العجم وغيرها وتشجيعاً للناس على تعلم اللغة العربية والعناية بها.
стр. 1644
وذهب آخرون من أهل العم إلى جواز ترجمة الخطب باللغة الأعجمية إذا كان المخاطبون أو أكثرهم لا يعرفون اللغة العربية نظراً للمعنى الذي من أجله شرع الله الخطبة وهو تفهيم الناس ما شرعه الله لهم من الأحكام وما نهاهم عنه من المعاصي والآثام وإرشادهم إلى الأخلاق الكريمة والصفات الحميدة وتحذيرهم من خلافها. ولا شك أن مراعاة المعاني والمقاصد أولى وأوجب من مراعاة الألفاظ والرسوم ولا سيما إذا كان المخاطبون لا يهتمون باللغة العربية ولا يؤثر فيهم خطبة الخطيب بها تسابقا إلى تعلمها وحرصا عليها. فالمقصود حينئذ لم يحصل والمطلوب بالبقاء على اللغة العربية لم يتحقق. وبذلك يظهر للمتأمل أن القول بجواز ترجمة الخطب باللغات السائدة بين المخاطبين التي يعقلون بها الكلام ويفهمون بها المراد أولى وأحق بالاتباع ولا سيما إذا كان عدم الترجمة يفضي إلى النزاع والخصام، فلا شك أن الترجمة والحالة هذه متعينة لحصول المصلحة بها وزوال المفسدة. وإذا كان في المخاطبين من يعرف اللغة العربية فالمشروع للخطيب أن يجمع بين اللغتين فيخطب باللغة العربية ثم يعيدها باللغة الأخرى التي يفهمها الآخرون، وبذلك يجمع بين اللغتين، وبذلك يجمع بين المصلحتين وتنتفي المضرة كلها وينقطع النزاع بين المخاطبين.
стр. 1645
ويدل على ذلك من الشرع المطهر أدلة كثيرة منها ما تقدم وهو أن المقصود من الخطبة نفع المخاطبين وتذكيرهم بحق الله ودعوتهم إليه وتحذيرهم مما نهى الله عنه ولا يحصل ذلك إلا بلغتهم ومنها أن الله سبحانه إنما أرسل الرسل ﵈ بألسنة قومهم ليفهموهم مراد الله سبحانه بلغاتهم كما قال : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ وقال : ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ وكيف يمكن إخراجهم به من الظلمات إلى النور وهم لا يعرفون معناه ولا يفهمون مراد الله منه. فعلم أنه لا بد من ترجمة تبين المراد وتوضح لهم حق الله سبحانه إذا لم يتيسر لهم تعلم لغته والعناية بها. ومن ذلك أن الرسول ﷺ أمر زيد بن ثابت أن يتعلم لغة اليهود ليكاتبهم بها ويقيم عليهم الحجة، كما يقرأ كتبهم إذا وردت ويوضح للنبي ﷺ مرادهم. ومن ذلك أن الصحابة ﵃ لما غزوا بلاد العجم من فارس والروم لم يقاتلوهم حتى دعوهم إلى الإسلام بواسطة المترجمين. ولما فتحوا البلاد الأعجمية دعوا الناس إلى الله سبحانه باللغة العربية وأمروا الناس بتعلمها ومن جهلها منهم دعوه بلغته وأفهموه المراد باللغة التي يفهمها فقامت بذلك الحجة وانقطعت المعذرة. ولا شك أن هذا السبيل لا بد منه ولا سيما في آخر الزمان وعند غربة الإسلام وتمسك كل قبيل بلغته. فإن الحاجة للترجمة ضرورية ولا يتم للداعي دعوة إلا بذلك. وصلى الله على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
رئيس الجامعة الإسلامية
نصيحة
(من رسالة لإمام علي كرم الله وجهه)
стр. 1646
دع الإسراف مقتصداً، واذكر في اليوم غداً، وامسك من المال بقدر ضرورتك، وقدم الفضل ليوم حاجتك، أترجو أن يعطيك الله أجر المتواضعين وأنت عنده من المتكبيرن؟ أو تطمع وأنت متمرغ في نعيم تمنعه الضعيف والأرملة، أن يوجب لك ثواب المتصدقين؟ وإنما المرء مجزي بما أسلف وقادم علة ما قدم، والسلام.
(جواهر الأدب)
стр. 1647
ندوة الطلبة
الحركة الإسلامية في الهند
بقلم الطالب: عبد الرحمن تروائي المليباري
الإسلام دين إلهي ومنهج رباني يشمل جميع جوانب الحياة البشرية وليس مجرد تصور أو عقيدة أو طريق منعزل عن واقع حياة الأمة. وليس الإسلام مجرد اسم لعلاقة سرية بين العبد وربه وليس الإسلام مجرد نظام خاص وجد لإنهاء بعض الخصومات القبلية التي وجدت في فترة من الفترات كما يريد أن يظهره خصومه، ولكن الإسلام عقائد وعبادات ومعاملات وأخلاق وجهاد ودولة، وهو الدين الوحيد الضامن لحامله السعادة في العاجلة والآجلة مهما تغيرت الأزمان وتطورت الآراء أما مسؤولية إقامة هذا الدين الحنيف على الوجه الأكمل فإنها ملقاة على كواهل هذه الأمة بعد وفاة رسولها وقائدها محمد ﷺ والخلفاء الراشدين الذين تحملوا أعباء هذه المسؤولية بعده قد أدوا دورهم وأقاموا الخلافة الإسلامية الراشدة على أتم صورة، وبعد وفاة الرسول ﷺ بسنوات قلائل أزيلت وحطمت الإمبراطوريتان العظيمتان الرومية والفارسية المحيطتان بالجزيرة العربية الإسلامية من الوجود، فأصبحوا سادة العالم وقادة البشر أكثر من ألف سنة، وحطموا خلالها الصليبين وقضوا على التتار، وغزو شرق أوربا وجنوبها وغربها، وأقاموا فيها حكم الله مئات السنين، حتى أن الخليفة العباسي هارون الرشيد ﵁ يقول للسحابة: "أمطري حيث شئت فسيأتيني خراجك ".
стр. 1648
ولا يعتبر الإنسان مسلما حقيقيا حتى يحكم الإسلام في شؤونه كلها دقيقها وجليلها صغيرها وكبيرها عظيمها وحقيرها وهذا مصداق قوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ المائدة:٤٩, ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ النساء:١٠٥، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ المائدة:٤٥، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ المائدة:٤٧، ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ النساء:٦٥.
وإن هذه الآيات القرآنية لتضع الإنسان أمام طريقين لا ثالث لهما أحدهما الاستجابة لله وللرسول واتباع ما جاء به الرسول ﷺ ، والثاني اتباع الهوى والشيطان وهذا صريح قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ القصص:٥٠.
стр. 1649
فهذه مصر الإسلامية في سنة ١٨٨٤م تخلت عن الشريعة الإسلامية وصبغت نظامها طبقا للقوانين الفرنسية، وهكذا فعلت الدولة التركية، والألبانية المسلمة أزاحت القوانين الإسلامية حتى قانون الأحوال الشخصية الإسلامية وجعلت نظام إيطاليا وسويسرا نظاما لها. وتاريخ الإسلام في الهند ليس ببعيد عنا، فقد ضلت الدولة الإسلامية فيها مستمرة مدة ثمانية قرون إلى زمن الاستعمار البريطاني، ومنذ أن وطئت أقدام المستعمر أرضها بدؤوا يبطلون الشريعة الإسلامية القائمة آنذاك شيئا فشيئا، فكنا نحن المسلمين في الهند نرزح تحت نير الاستعمار المجرم ووطأته وضغطه مدة ١٩٠ عاما ثم أخذت الهند استقلالها بعد ذلك، ولكن لم تنتهي محاولة محو الإسلام من نفوس أتباعه، فما زالت تقوم محاولات سرية لإزالة ما بقي من شعائر الدين على يد الحكومة الحالية التي ركزها الاستعمار عندما خرج من الهند، فكأن الهند لم تأخذ استقلالها بعد.
وهذه الحالة المؤلمة ما ألمت بالمسلمين على نتيجة لتخليهم عن الشريعة الإسلامية وتحولهم عنها وإعراضهم عن القرآن الكريم وفهمهم الخاطئ للإسلام، حيث فصلوا بين الدين والدولة، فاصبح الدين عبارة عن مفهوم ضيق لا هيمنة له على واقع حياة الأمة، وأصبح المسلمون عبيدا وأذلاء في وجه الأعداء، ومن الواضح جدا أن المسلمين إذا طبَّقوا القرآن تطبيقا كاملا في جميع مرافق حياتهم فلن يقدر أي عدو محليا كان أو خارجيا أن يتغلب عليهم، ومنذ أن حدث هذا الفصام النكد بين الدين والدولة أصبح المسلمون قطيعا من الغنم في وجه الأسود المفترسة تكالبت عليهم الأمم من كل جانب، ولعل هذا ما قصد إليه الوزير الإنجليزي جلادستون حين وقف في مجلس العموم قبل سنين كثيرة يقول: " إن قدم الإمبراطورية الإنجليزية لن ترسخ في بلاد الإسلام ما دام القرآن موجودا ".
стр. 1650
والقرن الرابع عشر طلع علينا بامتيازات غير معروفة من قبل من البلايا والرزايا والنكبات والنكسات التي تبلبل العقول وتهز الاتجاهات الإنسانية، ومن أكبرها خطرا استيراد الحضارة الغربية القتالة التي أثرت في حياة الأمة الإسلامية أيما تأثير، فصرفت الشباب المؤمن عن الجادة الصحيحة المستقيمة، فانطفأ النور وعم الظلام وكثر الناعقون خلال هذا الظلام الدامس، فقسمت الناس إلى معسكرين بارزين شرقي وغربي، بعدما قسمهم الإسلام إلى معسكرين الإيمان والكفر أو الهداية والظلال، وإن هؤلاء الناعقين الغاشمين لبسوا كل ثوب حتى يصلوا إلى مهمتهم، فكان منهم المستشرقون الذين عُنُوا بدراسة العلوم الشرقية والمعارف الإسلامية للكيد للإسلام، والدس والافتراء عليه وعلى نبيه محمد ﷺ ، راغبين في إلباس الإسلام أثوابا مستوردة مشوهة، وكان منهم الكتاب في الداخل الذين اشتراهم المبشرون والاستعمار بثمن بخس يستخدمونهم في مهاجمة الدين لفصل الدين عن الدولة، مقلدين حملة الاستشراق البشع تقليد الأعمى، ولاشك أن الاستشراق متولد من أبوين غير شرعيين: التبشير الذي خططه والاستعمار الذي غذَّاه، وجميع هذه الأفكار والتنظيمات والمؤامرات المضادة للإسلام متفقة على نقطة واحدة وهي تقويض دعائم العقيدة الإسلامية الغراء ليغرسوا مكانها بعض التصورات والمفاهيم الجهنمية، ليصبح أبناء الإسلام حيارى لا يعرفون عنوان الإسلام فضلا عن مبادئه وتعاليمه.
следующие страницы →