← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

من أصعب المواضيع على الكتاب هو الموضوع الذي لم يسبق إليه، حيث لا مثال يحتذي ولا مصدر يستقى منه، وسيكون الكاتب، وإن قيل أن له قصب السبق إلا أنه سيكون موضع التجربة، ومحل النقد، لأنه سيتصيده من بحار الكتب ثم يجمع ما تصيده في سلك التأليف. فإذا لم يكن له وجود في الكتب، ولم يقيد قط، ولم يكن الكاتب يعاصره كان ذلك أصعب عليه، لأنه لا مرجع يؤخذ منه، ولا مشاهدة يستقي منها، بل سيتصيد ذلك من أقوال الرجال، وإذا كان العهد بعيدا كانت الصعوبة أشد لما يعرض للناس من آفة النسيان، وسيجد اختلافات عديدة وأقوال متنوعة، وعليه هو أن يستخلص منها ما يوصله إلى مطلوبه، وفي مثل هذه الحالة لن يسلم من الخطأ بزيادة أو نقص. ومبحث التراويح في العهد السعودي وفي أوائله بالذات من هذا القبيل، فلا هو مدوَّن في كتب التاريخ، فيرجع إليها، ولا هو مشاهد فيستقى من الواقع. وقد اتصلت بالكثيرين ممن شاهدوا أواخر العهد السابق وأوائل هذا العهد فكان كل يدلي بما حفظته الذاكرة ولم تضيعه عليه الأيام، وما نقص من عند هذا يكمل من عند ذاك، وكانت في مجموعها متفقة في أصولها وإنما الخلاف في صورها وأشكالها فاستخلصت منها ما سنقدمه للقراء الكرام ليأخذوا ولو صورة مجملة. وإني لأجدد الذكرى بما أسلفت من رجاء من حضرات القراء أن من اطلع على شيء يتعلق بهذا الموضوع فإنه يتفضل بتقديمه إلينا تتمة للبحث وتوفية للموضوع وخدمة للمعرفة، وتأييدا للحق. بدء العهد السعودي بالحجاز: بدأ العهد السعودي قبيل منتصف هذا القرن وبدأ في المدينة المنورة بالذات سنة ١٣٤٤هـ، وقد كانت التراويح من قبله تصلى جماعات متعددة بأئمة متعددين في وقت واحد وكانوا جميعا يصلون عشرين ركعة في أول الليل، والبعض منهم وخاصة المالكية يرجعون آخر الليل إلى المسجد النبوي يصلون ست عشرة ركعة المتقدم ذكرها وقد زال هذا التعدد من أوائل العهد السعودي.

стр. 1752

أما وجوده فكان طارئا على المدينة لم يحدث إلا بعد القرن السابع وكانت المدينة سبعة قرون تصلي الصلوات كلها بإمام واحد ولا تتعدد فيها الجماعة لفريضة واحدة بل إن مالكا ﵀ وهو إمام دار الهجرة ممن يكره تعدد الجماعة في المسجد الواحد للفريضة الواحدة. وقد مرَّت بالمدينة قبل هذا العهد أطوار مذهبية ساد أولا فيها مذهب مالك ثم ساد بعده مذهب الشافعي، ثم بعده مذهب أبي حنيفة ﵏ جميعا، وذلك بدون تعدد في وقت واحد ثم تعدد المذاهب في المدينة بعد أن ظهرت الدراسات المذهبية وتميز طلاب كل مذهب، وبدأت المنافسة ثم تحولت إلى مناقشة, ثم انتهت إلى تعصب، وأخيرا تعدد الأئمة في الصلوات الخمس، ثم جاء العهد السعودي فتوحدت فيه الجماعة في المسجد النبوي وفي المسجد الحرام للصلوات الخمس وللتراويح. أما عدد الركعات وكيفية الصلاة فكانت عشرين ركعة بعد العشاء وثلاثا وترا، وذلك طيلة الشهر فإذا دخل العشر الأواخر زيدت عشر ركعات في آخر الليل باسم القيام، ومعها ثلاث وترا. فيكون مجموع الركعات في العشر الأواخر ستا وثلاثين ركعة إذا أضفنا الوتر أول الليل وآخره فيتفق العدد مع ما كانت عليه من قبل، ولكن هل كان ذلك مقصودا أم جاء عفوا واتفاقا يغلب على الظن أنه جاء عفوا وإن الزيادة قصد بها الاجتهاد في العشر الأواخر كما جاء عن عائشة ﵂ أنه ﷺ كان يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيرها. وعنها أيضا أنه ﷺ كان إذا دخل العشر طوى فراشه وشد مئزره وأيقظ أهله.. إلى غير ذلك. ولا سيما شدَّة التحري لليلة القدر التي تضافرت النصوص أنها في العشر الأواخر، وقد كان ﷺ يعتكف في العشر الأواخر دون غيرها. وعليه فتكون التراويح قد استقرت على عشرين ركعة على ما عليه العمل في جميع البلاد وعليه المذاهب الثلاثة. وخصت ليالي العشر الأواخر بعشر ركعات تهجدا وقياما.

стр. 1753

الجديد في هذا العهد فيكون الجديد في التراويح في هذا العهد بالنسبة لما قبله هو: توحيدها في الجماعة الأولى، وإبطال التعدد الذي كان يشوش بعضهم على بعض. وقد سمعت من الشيخ محمد مظهر أن جده كان يخرج إلى بيته يصلي التراويح فرار عن التشويش في المسجد. والجدير بالذكر أن من أعظم نعم الله على الأمة أن تتوحد في الصلوات كلها في جماعة واحدة، وعلى إمام واحد أيا كان مذهبه من المذاهب الأربعة التي لم تخرج عن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . ولسنا في معرض مناقشة تعدد الأئمة والجماعة في الصلاة الواحدة في المسجد الواحد لا لشيء إلا لاختلاف مذهب هذا عن مذهب ذاك مع اتفاق أئمة المذاهب أنفسهم ﵏ على جواز صلاة كل منهم خلف الآخر. ولسنا كذلك في معرض المقارنة بين مذهب ومذهب فكلهم يرجعون إلى أصل واحد هو الكتاب والسنة. فلسنا في معرض هذا أو ذاك ولكن يهمنا وحدة الأمة، وبالأخص في عمل هو شعار الوحدة، ويكفي في ذلك الإشارة إلى ما سلف ذكره عن عمر ﵁ لما دخل المسجد ووجد تعدد الجماعات فساءه ذلك فجمعهم على إمام واحد كراهية تفرقتهم أوزاعا، ولما رآهم من الغد ورأى اجتماعهم بعد الفرقة أعجبه ذلك وقال: "نعمت البدعة تلك".

стр. 1754

أما العدد والاقتصار منه على عشرين ركعة فإنه العدد المعمول به عند الأئمة الثلاثة أبي حنيفة والشافعي وأحمد في غير المدينة وأخذا برواية ((يزيد بن رومان)) في نفس المدينة وعدم الأخذ بالزيادة في مقابل طواف بعض أهل مكة الذي تقدم الكلام عليه. وهذا العدد هو ما كان العمل عليه في المائة الرابعة وما بعدها إلى عهد أبي زرعة ﵀ وتقدم أنه لما أراد بإعادة الست والثلاثين ركعة لم يعدها مجتمعة بل راعى خلاف الأئمة فصلى عشرين ركعة بعد العشاء عملا بما عليه الاتفاق، وأتى بالست عشرة ركعة آخر الليل مراعاة لعمل أهل المدينة، وقد كان يختم القرآن مرتين إحداهما في العشرين ركعة أول الليل، والأخرى في الست عشرة ركعة التي يصليها في آخر الليل. وهذا الختم موجود كذلك في هذا العهد حيث يختم الإمام في التراويح أول الليل ثم يختم مرة أخرى في العشر ركعات في آخر الليل من العشر الأواخر. فالتقى هذا العهد مع الذي قبله تقريبا في النتيجة، وهي ختم القرآن الكريم مرتين وإن اختلف عنه في عدد الركعات وفي كيفية توزيع الصلاة، وانفرد هذا العهد بتوحيد الجماعة وإن وجد عدة أئمة يتناوبون الصلوات الخمس دون أن تتعدد الجماعة للصلاة الواحدة. وكان أول من تولى الإمامة في العهد السعودي من السعوديين هو الشيخ الحميدي بردعان من أهالي حائل. وتولاها معه ومن بعده عدة أئمة كانوا من أئمة سابقين يصلون بأتباع المذاهب الثلاثة على الوضع الأول فكانوا يتناوبون جميعا للصلوات الخمس يصلي كل واحد منهم بالجميع فريضة دون تعدد الجماعات. فكان الشيخ محمد خليل من أئمة الشافعية سابقا أسندت إليه صلاة الظهر للجميع. وكان الشيخ مولود من أئمة المالكية سابقا أسندت إليه صلاة العصر. وكان الشيخ أسعد توفيق من أئمة الأحناف أسندت إليه صلاة العشاء. وأسندت صلاتي المغرب والفجر إلى الشيخ عبد الرزاق حمزة.

стр. 1755

وكان ينوب عنه الشيخ تقي الدين الهلالي. كما كان يصلي أيضا الشيخ محمد عبد الله التنبكتي. ثم كان من بعدهم جميعا لجميع الصلوات الخمس وللتراويح فضيلة المرحوم الشيخ صالح الزغيبي تولى الإمامة حوالي ربع قرن ظل فيها إلى أخريات حياته. ولما كبر كان يساعده فضيلة الشيخ عبد العزيز بن صالح ابتدأ من شعبان سنة ١٣٦٧هـ ثم انفرد بالإمامة فضيلة الشيخ عبد العزيز بعد وفاة الشيخ صالح الزغيبي ﵀ سنة ١٣٧٦هـ تقريبا. وفي سنة ١٣٧٦هـ عيِّن فضيلة الشيخ عبد المجيد بن حسن مساعدا لفضيلة الشيخ عبد العزيز بن صالح. ولا تزال إمامة المسجد النبوي الرسمية لفضيلة الشيخ عبد العزيز بن صالح ونائبه فضيلة الشيخ عبد المجيد بن حسن إلى تاريخ كتابة ذلك. وكنَّا نود أن نقدم الكثير عن أصحاب الفضيلة أئمة المسجد النبوي في هذا العهد وخاصة الذين صلوا التراويح ولكن ذلك يطول ذكره ويبعدنا عن الموضوع. ولكن لا يسعنا إلا أن نورد عبارات موجزة ولمحات خاطفة إلى أن يقيض الله من يترجم لهم جميعا تراجم وافية في رسالة مستقلة خدمة للمسجد ووفاء بحق أئمته. وقد ترجم ابن فرحون للعديدين من أئمة المسجد النبوي في عصره وساق طرفا عنهم ﵏. ثم أعقبهم بتراجم للمؤذنين ثم للخدام وذكر الكثير من ذلك في عصره ﵀. مما يلفت النظر إلى أسبقية هذا العمل وأنه محل عناية المؤرخين والكتاب والمؤلفين. ولا سيما إذا تناول البحث جانبا علميا وحُكْماً فقهيا لنوع الإمامة وكيفية القراءة وهيئات الصلاة.. إلخ.. لما لهذا المسجد الشريف من مكانة في النفوس ومنزلة في القلوب جعلته المثل الذي يحتذى والقدوة التي به يقتدى.

стр. 1756

ولئن عني بالإمامة في هذا المسجد في السابق فلهي اليوم أولى بالعناية وألزم حيث تزايد عدد المصلين وتضاعف عدد الوافدين وتطلعت الأنظار إلى بلوغ الكمال، وما يتناسب ومقام المسجد من تعظيم وإجلال ولا سيما وقد كان ذلك مقام الرسول ﷺ ثم خلفائه من بعده. وإنها لنعمة يسوقها الله لمن أسعدهم من خلقه يشرفون بها ويؤدون حقها. ومن ثم عظم حق الأئمة في هذا المسجد الشريف على سائر الناس وعظم الواجب في حقهم أقل ما يكون هو ترجمة شخصياتهم وبيان مزاياهم ليقتدي بهم أئمة مساجد الدنيا في الحفاظ على الأوقات وإتمام العمل في الصلوات وما إلى ذلك. إذا كنا لا نستطيع إيفاء الواجب كما ينبغي فلا أقل من نبذة موجزة للتعريف لا للتأليف، ونقول بإيجاز: أئمة المسجد. أما الشيخ الحميدي واسمه الشيخ الحميدي بردعان تقدم أنه كان من أهالي حائل وهو أول من تولى الإمامة في المسجد النبوي في أول العهد السعودي مكث لمدة سنتين ثم طلب من الملك عبد العزيز ﵀ أن يسمح له بالعودة إلى بلده تلبية لرغبة جماعته ليعلمهم ويصلي بهم فامتنع عليه أولا ثم سمح له أخيرا. وبعد مدة رغب العودة إلى المدينة فلم يتيسر له. أما الشيخ مولود فكان من أهالي المغرب وكان قد هاجر إلى المدينة قبل العهد السعودي وتوفي بالمدينة ولم أعلم أنه صلى التراويح. وأما الشيخ محمد خليل والشيخ أسعد فمن أهالي المدينة والشيخ أسعد هو الذي تولى صلاة التراويح وتوفي كل منهما بالمدينة وعقبا أبناء كراما. وكان الثلاثة ﵏ من أئمة المذاهب الثلاثة في المسجد النبوي قبل هذا العهد.

стр. 1757

أما الشيخ عبد الرزاق حمزة فقد هاجر من مصر إلى المدينة في أوائل هذا العهد وتولى الإمامة للمغرب والفجر لمدة فوق السنتين ثم نقل إلى مكة المكرمة، ولم يعد إلى المدينة المنورة وظل بين مكة والطائف. وفي سنة ٧٢ـ ١٣٧٣هـ انتدب لتدريس المصطلح والحديث في المعهد العلمي بالرياض وانتهى به المطاف الآن إلى الطائف لكبر سنه، نسأل الله لنا وله العافية. والشيخ تقي الدين الهلالي هو: هاجر من المغرب في سنة ١٣٤٠-١٣٤١هـ إلى مصر ومكث بها سنة واحدة لقي فيها السيد رشيد رضا وتنقل بين قبلي وبحري والإسكندرية في دعوة سلفية. ثم سافر إلى الحج تلك السنة ومكث ثلاثة أشهر طرف الشيخ محمد نصيف وكان حفظه الله مركزا لكل سلفي يقدم جدة. ثم سافر إلى الهند للدراسة والاطلاع على المكتبات وألقى دروسا في مدرسة علي جان من مدارس أهل الحديث في دلهي ثم تنقل في أرجاء الهند، ولقي شارح الترمذي صاحب التحفة أثناء كتابته للشرح المذكور وقد قرظه بقصيدة يهيب فيها بطلاب العلم إلى التمسك بالحديث والاستفادة من الشرح المذكور وقد طبعت تلك القصيدة في الجزء الرابع من الطبعة الهندية. ثم سافر إلى العراق لمقابلة الشيخ الألوسي فلم يدركه ومكث بها ثلاث سنوات وتزوج بها وأنجب. ثم جاء إلى الحجاز سنة ١٣٤٥هـ مرة أخرى ومر بالشيخ رشيد رضا بمصر فكتب معه كتابا للملك عبد العزيز يشير عليه بإقامة الشيخ تقي الدين لديه. فأراد الملك ﵀ أن يوليه الإمامة في المسجد النبوي ولكنه اشترط أن يؤدي الصلاة على نحو عشر تسبيحات في الركوع والسجود فاعتبر ذلك تطويلا فعين مراقبا للدروس في الحرم النبوي وعين زميله الشيخ عبد الرزاق حمزة إماما ولكن الشيخ عبد الرزاق كان ينيبه عنه في بعض الصلوات خاصة في صلاة الصبح.

стр. 1758

ومكث سنتين بالمدينة المنورة ثم وقع نزاع بينه وبين أمير المدينة آنذاك فسافر إلى مكة مدرسا في المعهد السعودي وهو معهد ثانوي ديني وقد سمعت من فضيلته أن سبب هذا النزاع هو الاختلاف في أسلوب الدعوة وتغيير المنكر بين الشدة واللين وقد هجا بعض الأشخاص المسؤولين آنذاك لتراخيه في أمر العقيدة وقد أملى علي أبياته في هجائه غير أني لم أرد ذكره لما فيه من التصريح باسمه، وقد توفي قريبا ﵀ فلا حاجة لذكرها بعد وفاته. والجدير بالذكر أن زميله الشيخ عبد الرزاق كان سفره إلى مكة لنفس السبب، ثم سافر حفظه الله إلى الهند بدعوة السيد الندوي ومكث ثلاث سنوات ثم رجع إلى العراق ومن ثم سافر إلى أوربا لتحصيل شهادة رسمية عالية بجانب شهادته القروية من جامعة القيروان. فسافر إلى جنيف ولقي الأمير شكيب أرسلان فتوصل إلى التدريس في جامعة ((بون)) محاضرات في اللغة العربية ودرس حتى نال الدكتوراه سنة ١٩٤٠م. ثم سافر إلى المغرب ومكث حتى انتهت الحرب فرجع إلى العراق وعمل أستاذا في جامعة بغداد إلى قيام ثورة عبد الكريم قاسم فهرب إلى ألمانيا ومنها إلى المغرب فعين مدرسا في جامعة الملك محمد الخامس. ومن ثم دعي إلى المدينة المنورة للتدريس في الجامعة الإسلامية ابتداء من سنة ١٣٨٨هـ ولم يزل بها حتى الآن مدرسا وعضو المجلس الإداري. هذه خلاصة ما سمعته مشافهة من فضيلته، وقد سجلته نظرا إلى أنه يعتبر من أسبق المعاصرين لأوائل هذا العهد. أما الشيخ عبد الله التنبكتي فهو من بلاد مالي من إقليم تنبكتو وهي العاصمة العلمية والسياسية لتلك البلاد وقد كان من علماء العربية والفقه.

стр. 1759

وكان له نشاط حميد في الدعوة بالمدينة ولظروف ما عاد إلى بلاده حوالي سنة ١٣٤٤هـ وزاول نشاطه منقطع النظير في الدعوة إلى الله بفتح المدارس وتعليم عقيدة السلف، وكانت له جولات مع أعدائه على أيدي المستعمرين الفرنسيين آنذاك ولكن الرجل في نصرة دين الله فكان الله ناصر له كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ ولم يستطع الأعداء هناك النيل منه وبقي على عمله حتى توفاه الله. ولعلي آتي بتفاصيل أوفى عنه وعن نشاطه في رسالة التراويح هذه التي ستطبع إن شاء الله تعالى قريبا في كتيب مستقل. أما الشيخ صالح ﵀ فقد آلت إليه الإمامة بعد هؤلاء جميعا وقام بها وحده منفردا بها منقطعا إليها ومكث بها مدة خمس وعشرين سنة تقريبا. وتوفي ﵀ عن عمر يناهز الثمانين. وكان من أهل القصيم وكتب عنه الشيخ محمد سعيد دفتر دار كتابة وافية في كتابه المخطوط أعلام المدينة. ولكن الذي يهمنا هو جانب الإمامة وما له فيه من غرائب ونوادر لم تنقل عن غيره منها ما سمعته من فضيلة الشيخ عبد العزيز بن صالح عنه أنه كان ﵀ إذا أتى المسجد لصلاة العصر لم يخرج حتى يصلي العشاء، وإذا أتى لصلاة الفجر لا يخرج حتى تطلع الشمس. ومنها ما سمعته من الشيخ عبد الرحمن الحصين أنه لم يؤخذ عليه سهو في الصلاة إلا النادر كما سمعت من فضيلة الشيخ عبد المجيد أنه دخل في الصلاة مرة ثم التفت وأشار إليهم مكانكم وذهب فتطهر وعاد للصلاة ولم يستخلف لأنه كان حريصا ألا تفوته صلاة وهو بالمدينة. ولذا فالمشهور أنه لم يتخلف عن صلاة قط مدة وجوده بالمدينة إلا لمرض ولم يخرج من المدينة إلا إلى الحج وحج مرة واحدة.

стр. 1760

ومن الطريف أن إمام الحرم المكي في وقته كان ربما أطلق على نفسه إمام الحرمين فجاء إلى المدينة وأراد أن يصلي بالمسجد النبوي ولو فريضة واحدة كي يبرر هذا الإطلاق فلم يمكنه الشيخ صالح من ذلك أبدا. ومن العجائب ما حدثني به ﵀ أنه في بعض الأيام استيقظ لصلاة الفجر وكان من عادته أن يبكر قبل الوقت بساعة تقريبا يتوضأ ويوتر ثم ينزل إلى الحرم وبعد أن أتم وضوءه وأراد لبس حذائه فإذا بعقرب فلدغته في قدمه، ولم يجد من يسعفه في ذلك الوقت ولم يستطع إخبار نائبه ليصلي عنه فصبر وتجلد ونزل إلى الحرم كعادته، وانتظر الموعد المحدد الذي ألف الناس إقامة الصلاة فيه وهو بعد الأذان بثلث ساعة ثم صلى بالناس، ولم يقدم الصلاة عن الموعد المحدد حرصا على إدراك الناس للجماعة، وكل ذلك لم يعلم بحالته أحد حتى انتهى من صلاته وعندئذ نفد صبره وانهارت قواه فلم يستطع النهوض وأخبر بعض الحاضرين فقرأ عليه بعضهم ثم نقل إلى بيته وأسعف هناك بمصل ضد العقرب. وكان في أخريات حياته ينوب عنه فضيلة الشيخ عبد العزيز بن صالح ثم لما ثقلت عليه القراءة صار ينوب عنه في الجهرية وفي خطبة الجمعة وهكذا في التراويح وفي العشر الأواخر. أما فضيلة الشيخ عبد العزيز بن صالح إمام وخطيب المسجد النبوي الآن ومساعده فضيلة الشيخ عبد المجيد المعاصران فإن معاصرتهما وإمامتهما تغني عن التحدث عنها، ومعرفة الجميع لها تكفي عن التعريف بهما وما يعرفه المعاصرون عنهما أكثر مما سيكتب بخصوصهما. ولكن ما لابد منه لهذا العرض وما له صلة بصلاة التراويح، وما يقتضيه المقام من الإشارة بإيجاز فإني أوجزه في الآتي:

стр. 1761

أولا: فضيلة الشيخ عبد العزيز بن صالح آل صالح ولد بالمجمعة ونشأ في أسرة كريمة عرف جميع أفرادها بالفضل وتحتل مكانتها في البلدة المذكورة بأصالة الرأي وحسن القدوة في أعيانها، فنشأ حفظه الله على أسس كريمة فاضلة ومحبة للخير فحفظ القرآن الكريم في صغره قبل البلوغ. ودرس على المشايخ الأوائل، وأكثر من أخذ عنه العلامة الفاضل الشيخ عبد الله ابن عبد العزيز العنقري من كبار علماء عصره وصاحب الحاشية المعروفة بحاشية العنقري على الروض المربع في ثلاث مجلدات. ثم أنهى دراسة التجويد على الشيخ القراء في المسجد النبوي وإمام عصره في القراءات فضيلة الشيخ حسن الشاعر سنة ١٣٧٠هـ على قراءة حفص. ومنذ بدء دراسته حفظه الله وهو دائب الجد والتحصيل وكانت دراستهم مناقشة ومنافسة على نظام الحلق والمراجع بدون تقيد بوقت ولا اختيار في مقرر وهي الطريقة التي كانت سائدة في عامة البلاد قبل الدراسات النظامية. فكانت مجالا واسعا للتحصيل والنبوغ. وقد ظهرت مخايل نبوغه في صغره فاختير لمساعدة إمام مسجدهم لصلاة التراويح وعمره ١٦ سنة ثم عين إماما في المجمعة ثم رئيسا لهيئة الآمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالمجمعة مع مواصلة الدراسة، ثم عين في سلك القضاء فعين في الرياض مع فضيلة الشيخ عبد الله بن زاحم ﵀ فاتصل في تلك المدة بأصحاب الفضيلة من المشايخ بالرياض وخاصة آل الشيخ وسماحة المفتي ﵀، وفي سنة ١٣٦٣هـ اختار الملك عبد العزيز ﵀ فضيلة الشيخ عبد الله بن زاحم وكان من خواص رجالاته المقربين ذوي المكانة الخاصة لدى جلالته اختاره لرئاسة محكمة المدينة المنورة، فاختار هو أيضا فضيلة الشيخ عبد العزيز بن صالح ليكون معه بمحكمة المدينة. وفي شعبان سنة ١٣٦٧هـ بدأ فضيلته الإمامة في المسجد النبوي مساعدا لفضيلة الشيخ صالح الزغيبي ﵀ وكان يساعده في الصلوات الجهرية خاصة ثم عموم الصلوات والجمعة.

стр. 1762

وفي سنة ١٣٧٠هـ توفي الشيخ صالح ﵀ فأسندت الإمامة والخطابة إلى فضيلة الشيخ عبد العزيز حفظه الله وبجانب عمله الرسمي بالمحكمة الكبرى وكان آنذاك مساعد الرئيس مع دروس في الفقه والفرائض بالمسجد ثم بالبيت. وفي ١٢ رجب سنة ١٣٧٤هـ توفي فضيلة الشيخ عبد الله رئيس المحكمة فأسندت الرئاسة إلى الشيخ عبد العزيز بن صالح، وفضيلته من ذاك التاريخ هو الإمام والخطيب ورئيس المدرسين بالمسجد النبوي بجانب رئاسة المحاكم والدوائر الدينية بمنطقة المدينة. وبعد نظام كادر القضاة عين فضيلته على رتبة قاضي تمييز واختير عضوا في المجلس الأعلى للقضاء وهو المجلس الذي يشرف على سير القضاء كله في المملكة كلها. وكل ذلك معلوم للجميع الذين عرفوا فضيلته وما ذكرنا ذلك إلا بيانا لمقدار الإمامة بالمسجد النبوي وأنها لأعظم منصب وأكبر خطرا من ذلك كله. ومما هو غني عن الذكر في هذا أن فضيلته وجه الخطابة إلى المشاكل والقضايا الاجتماعية درسا وتحليلا وعلاجا وتوجيها، فنقلها عن الدواوين المسطورة إلى الوقائع المشهورة. أما التراويح موضوع الرسالة والكتابة فهي في صورتها وكيفية أدائها تلاوة وطمأنينة فهي في الواقع تعتبر الوسط الفاضل، فلا هي طويلة على ذوي الحاجات ولا هي قصيرة عند ذوي الرغبة في العادات، بل هي ترتيل من غير تطويل، وتخفيف من غير تحريف سواء من فضيلته أو من فضيلة مساعده عبد المجيد بن حسن. تلك نبذة يسيرة لعمل تاريخي من زاوية محدودة لا ترجمة ولا تعريفا إذ التراجم دراسات من مقدمات ونتائج وليس هذا مجالها والتعريف بمن يكون مجهولا ولا محل للجهالة مع عظمة هذا المنصب الذي يعرف بصاحبه لدى القاصي والداني حفظه الله وأمد في عمره لخدمة هذا المنصب الجليل.

стр. 1763

أما فضيلة الشيخ عبد المجيد بن حسن فقد بدأ دراسته أولا في بلاده ثم واصل دراسته في مدرسة دار العلوم الشرعية بالمدينة إبان حدتها وقوة دراستها حين كان بها القسم العالي للعلوم الدينية والعربية وواصل دراسته أيضا الدينية والعربية في المسجد النبوية على عدة مشائخ منهم الشيخ الطيب ﵀. وقد اختير للتعليم فالتحق بمديرية التعليم آنذاك وكان أول مؤسس لمدرسة شقراء سنة ١٣٦٠هـ فقام بها خير قيام وكان لفضيلته أكبر الأثر في جميع أبنائها خاصة في أهالي البلدة عامة. وفي سنة ١٣٦٦هـ التحق بسلك القضاء فعين بمحكمة رابغ وعمل بها لمدة ست سنوات إلى نهاية عام ١٣٧١هـ. وفي عام ١٣٧١٤هـ نقل إلى محكمة المدينة ثم كان المساعد الثاني لفضيلة الرئيس الشيخ عبد الله ابن زاحم ﵀، وكان المساعد الأول فضيلة الشيخ عبد العزيز بن صالح. وفي سنة ١٣٧٣هـ بدأ الصلاة بالمسجد النبوي مساعدا لفضيلة الإمام عبد العزيز بن صالح وفضيلته الآن المساعد الأول لفضيلة الإمام يعاونه في الصلوات الخمس وينوب عنه في جميعها وفي الخطبة عند غيابه. ويشترك معه في صلاتي التراويح والقيام على النحو الآتي بيانه إن شاء الله تعالى. وفي عام التسعين والثلاثمائة والألف عند كتابة هذه الأحرف عين فضيلته عضوا في محكمة التمييز بالمنطقة الغربية وانتدب إلى الهيئة العلمية. وكما أسلفت فلست في معرض الترجمة ولا بيان المزايا الشخصية والخصائص الفردية لكل من الشيخين فضيلة الإمام ونائبه، فهناك الشيء الكثير سواء ما عرفته من كل منهما، أو عرفه بعض خواصهما أو عرفه كل منهما عن الآخر بحكم ما بينهما حفظهما الله من قوة الصلة وروابط الإخاء والصداقة الشخصية فوق حدود الزمالة والعمل من أول ارتباطهما معا في عمل واحد.

стр. 1764

فلسنا في معرض بيان كل ذلك فكما أسلفنا معاصرة فضيلتهما أغنت عن تفصيل الحديث عنهما، وما يعرفه الناس عنهما أكثر مما يمكن أن يقال فيهما. أمد الله في حياتهما وبارك فيهما أمين. هذه لك عندي، فما لي عندك؟ طلب بعض الملوك كاتبا لخدمته، فقال للملك: أصحبك على ثلاث: فقال ما هي؟ قال: لا تهتك سترا، ولا تمنع عذرا، ولا تقبل فيَّ قول قائل. فقال: هذه لك عندي، فما لي عندك؟ قال: لا أفشي لك سرا، ولا أؤخر عنك نصيحة، ولا أؤثر عليك أحدا.

стр. 1765

دراسات أدبية كتاب في أفريقية الخضراء بقلم الأستاذ محمد المجذوب المدرس في الجامعة كثيرون الذين كتبوا في ميدان الرحلات فسجلوا مشاهداتهم، وصوروا انطباعاتهم، وقد اشتهر من هؤلاء رحالون من العرب في القديم والحديث، كان لرحلاتهم العالمية أثرها العميق في قلوبهم وعقولهم، وكان لمؤلفاتهم عنها فوائد جليلة لا نزال نقتطفها وننعم بثمراتها. وما أحسبني مغاليا إذا صنفت كتاب (في أفريقية الخضراء) ضمن هذه المؤلفات الدسمة المفيدة. إن للأدب الخاص بالرحلات عناصر لابد من توفرها في الكتاب، على رأسها دقة الملاحظة، وحرارة الانفعال، وصحة الحكم، وأخيرا براعة التحليل الذي يربط بين الوقائع والدوافع، على أن يسكب ذلك كله في أسلوب عفوي يحمل طابع السهولة والامتناع معا. وقد توفر للأستاذ محمد العبودي كل هذه العناصر مجتمعة، سواء في كتابه هذا أو فيما سبقه من بحوث ضمها كتاب أو نشرت في مجلة. فهو في كتابه (الأمثال العامية في نجد) لغوي مدقق، وباحث متتبع، يتقصى الأسباب الجامعة بين المثل الدارج وأصله الفصيح، ولا يفوته إدراك الصلة الاجتاعية بين الوسط والكلمة. وفي كتابه المُعَد للطبع (الثقلاء) ظرف وطرافة، الحافز إليها بالدرجة الأولى ملاحظته العميقة للفروق الدقيقة بين أصناف الطبائع.. هذا إلى ما أوتيه من ثقافة أدبية تجعله مرجعا يعاد إليه في ما غمض من أخبار الأدب والأدباء، إلى مطالعات متجددة لا يكاد يند عنها أي جانب من أنباء العصر. وطبيعي أن مثل هذه المميزات العقلية من شأنها أن تنفخ في مذكراته - عن جولتيه في أفريقية - روحا ترتفع بها عن مستوى الكتابات العادية التي تكتفي بالوقوف عند السطوح.

стр. 1766

وقد آثرت لكتابه هذا صفة المذكرات أخذا بما ذهب إليه هو في تعريفها، وجريا مع الطريقة التي سلكها في تسجيل مشاهداته وانطباعاته مقترنة على الغالب بتعيين الأمكنة والأيام. يصدِّر الأستاذ العبودي كتابه - بعد المقدمة الوجيزة - ببيان واف عن البواعث الأساسية لرحلتيه، فهما مرتبطتان بالمهمة الكبرى التي أسست من أجلها الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وذلك أنها تخصص كل عام منحا دراسية توزعها على أقطار المسلمين.. ولكنها ترى أن يكون هذا التوزيع على أساس الحاجة دون الحجم، ومن أجل ذلك قررت في عامها الثالث إيفاد بعثة إلى بعض الأقطار الإفريقية للاطلاع على واقع المسلمين فيها، وتحديد حاجة كل منها إلى التعليم الإسلامي، وإلى المطبوعات الإسلامية، ودراسة ألوان النشاط الإسلامي والمعادي له، ومدى الحاجة إلى المدرسين من المملكة.

стр. 1767

وقد بدأت الرحلة الأولى يوم الثلاثاء السادس والعشرين من ربيع الآخر عام ١٣٨٤هـ، وشملت زيارات الوفد أثناءها السودان وأرتيرية والحبشة والصومال وكينية وأوغندة وبورندي وتنجانيقة وروديسية الشمالية. وقد استغرقت هذه الرحلة قرابة أربعة أشهر، رفع الوفد بنهايتها تقارير وافية عن مشاهداته وانطباعاته، كانت موضع اهتمام بالغ من رئاسة الجامعة ورابطة العالم الإسلامي والوزارات المختصة بالمملكة، وكان من آثارها الطيبة أن رصدت حكومة المملكة مبالغ سخية، وأحدثت مبدئيا قرابة خمسين وظيفة لمدرسين ومرشدين يوفدون لبعض الأقطار الإفريقية ويرتب لهم نظام خاص يحصر نشاطهم ضمن حدود التنوير الديني المحض، ومن ثم تقرر إيفاد المؤلف في رحلة ثانية إلى تلك الأقطار لتعيين أماكن هؤلاء المدرسين والمرشدين وتأمين إقامتهم. وقد زود الوفد بمبالغ كريمة لتوزيعها على الهيئات والمؤسسات والدعاة هناك.. وفوض إليه تقديم منح دراسية واختيار الطلاب الصالحين لها. وقد بدأت هذه الرحلة الثانية بعد سنتين من تلك.. وتجاوزت المناطق الأولى إلى ملاوي وجوهانسبرغ - جنوب أفريقية - والكنغو كنشاسا. ونظرة فاحصة إلى الفهرس الذي يستغرق ثلاث عشرة صفحة - توضح قيمة الكتاب، إذ يتعرف القارئ من خلال هذا الفهرس ميزة الشمول التي اتصفت بها هذه المذكرات، وأهمية الشؤون التي عالجتها أو عرضت لها. فكما عنيت بالمشاهدة العابرة - لطرافتها - عنيت بالأوضاع الاجتماعية والجوانب السياسية، والمظاهر الدينية، بما فيها من حقائق وما يعتريها من أوهام وخرافات.. فكان فيها ما يضحك ويعجب ويبكي.. وهنا يكمن السر الذي يشد القارئ إلى متابعة هذه اليوميات بشغف واهتمام.

стр. 1768

ولقد رأيتني أقف مترددا أمام ضخامة الكتاب عندما أردت التعريف به، إذ لم يكن من اليسير عليَّ قراءة سبعمائة وثلاث وستين صفحة في وقت لا أكاد أجد فيه متسعا للتنفس. ولكن سرعان ما وجدتني أتابع موضوعاته بمجرد أن وقع بصري عليها، ثم لا أستطيع بتر أي فصل دون استيفائه، حتى أتيت على الكثير منه في الأيام القليلة.. ومرد ذلك إلى الحيوية التي غمرت جوانبه، والطرافة التي جللته.. هذا إلى أن مضمون الكتاب كله ينبثق من القارة التي تهم كل مفكر مسلم. إنها أفريقية التي نريدها منطلق الإسلام الجديد، وتريدها الصليبية والشيوعية معترك الصراع الذي قد تختلفان فيه على كل شيء إلا القضاء على الإسلام. فأنت لا تدرك السبب الذي من أجله اختار المؤلف لأفريقية صفة الخضراء، الكثير مما هو في حاجة إليه، إذ يفتح بصره - أثناء تَيْنِك الجولتين - على (بلاد تكاد تكون مجهولة لديه، ومعلومات وملاحظات عن الأوضاع الإسلامية وأحوال المسلمين لا يحسن بالباحثين الذين يهمهم هذا الأمر أن يجهلوها..) . فأنت لا تدرك السبب الذي من أجله اختار المؤلف لإفريقية صفة الخضراء، ولكن لا تكاد تمضي معه في أنحاء تلك الأقطار حتى تؤيد ما ذهب إليه، إذ ترى الخضرة تغمر كل بقعة هناك، فتعلم من خلال ذلك السر الذي هاج كلب الاستعمار الغربي للانقضاض على تلك القارة التي منحها الله الكثير من الخصب والخير، وأودعها الكثير من الطاقات التي من شأنها - لو أحسن تنظيمها واستثمارها لمصلحة أهلها - أن تكون أنموذجا للعمران والتقدم، بدلا من التخلف الذي أسلمها الاستعمار إليه، حتى أصبحت نهبة لكل طامع من المستبدين والهدامين.

стр. 1769

وفي أثناء تجوالك مع المؤلف بين مسلمي تلك الأقطار ستضع يدك على الكثير من مواطن الأمل والألم.. إذ تطل على المعارك الرهيبة التي يخوضها الإسلام للدفاع عن بقائه ومعظمها من مخلفات الصليبية التي غادرت أفريقية من باب الجيوش لتدخلها من نوافذ التبشير والصهيونية ووليدتها الشيوعية، العدو الجهنمي الجديد. وسيدهشك من واقع هذه المعارك صمود الإسلام على امتداد هذه الجبهات كلها، وهو الأعزل من كل سلاح سوى الحق الذي يسلك طريقه إلى القلوب عن طريق الفطرة، فيمتزج معها إلى الحد الذي يعجز أعداء في أيديهم مقاليد العلوم والحضارة والفنون وسائر وسائل الإغراء والاستهواء. وفي الوقت نفسه سيؤلمك أن ترى الضعف الذي يعتري وجود المسلمين في كل مكان من هذه الأقطار الإفريقية.. ذلك الضعف الذي يكاد يكون شاملا لمختلف جوانب الحياة، وبخاصة في ناحية الثقافة الإسلامية، حيث معظم المسلمين لا يفقهون من العربية ما يمكِّنهم من الاتصال بمنابع الوحي، وليس لديهم من الترجمات لهذه المعاني ما يفي بغرض التوعية، ناهيك بالخرافات والبدع التي تفسد على العامة تصورهم وتفكيرهم، ثم يأتي وراء ذلك التمزق الذي يفتت قوة المسلمين، فيجعل منهم في بعض المناطق شيعا متنافسة يقاتل بعضهم بعضا حتى في الجمعية الواحدة - كما هو الحال في كينية حيث يرتفع عدد الجمعيات الإسلامية إلى ٤٢٠ دونما جدوى - ثم تخرج من ذلك كله بهذه النتيجة المؤثرة، وهي أن الطاقة الإسلامية العاملة هناك إنما هي طاقة أفراد وهبوا أنفسهم لله، فهم جنوده المجهولون، هالهم ما يتعرض له دين الله من أخطار، فتقدموا لحمل لواء الدعوة يجمعون تحته القوى، ويبصِّرون المسلمين بواقعهم وواجبهم ومصائرهم، ليتعاونوا معهم على صد الأرزاء وتثبيت العقيدة العاصمة في صدور الأبناء، الذين أصبحوا بتأثير الثقافة الغربية المسمومة صيدا قريب المنال لسهام الأعداء.

стр. 1770

في هذه المناطق التي نجوبها مع المؤلف ركائز بعيدة الغور للوجود الإسلامي، تتجلى في ميادين عديدة.. لعل أهمها إطلاقا ذلك الارتباط الروحي بالقرآن العظيم. فأنت أنى سرت خلال هذه المذكِّرات تجد إقبالا عليه، واهتماما بتلاوته، وإن وقف ذلك غالبا عند حدود التبرك والتعبد المجرد عن الفهم.. ذلك لأن القوم، سواء منهم الأفارقة الأصليون، أو الأعاجم المهاجرون، ولا يكادون يفقهون - كما أسلفنا - حرفا من العربية، التي هي المدخل الأول إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ثم لا يقل في ذلك عن الأهمية إقبال هؤلاء على العبادات الإسلامية من صلاة وصيام ونوافل.. تلك العبادات التي لا نظير لها في تحصين القلوب وتفتيت الفوارق. وإمداد المجتمع الإسلامي بكل عوامل الاستمرار ثم يلي هذا وذاك بعض الجمعيات والمؤسسات والمدارس والكتاتيب التي تقوم هنا وهناك من تلك الأقطار، فتأتي كتعبير عملي عن تنبه الجماعات الإسلامية إلى حاجتها للتنظيم الذي يساعدها على التقدم، ويمكنها من مواجهة التحديات الهائلة التي تنصب عليها من مختلف التيارات الغازية.. أجل.. إن القارئ ليطل من خلال هذه المذكرات على تلك الركائز التي من حقها أن تشدد الأمل بمستقبل الإسلام في تلك القارة، ولكنه لا يستطيع أن يتساءل: أين هم البناة الذين يحسنون استخدامها لتشييد الصرح الإسلامي الجديد في أفريقية الغد! .. إن التعلق بكتاب الله لا يؤتي ثمرته إلا بالنفاذ إلى معانيه، ولا سبيل إلى ذلك إلا بالتمكين للعربية من ألسنة القوم وعقولهم، بحيث لا يقل اهتمامهم بها عن اهتمامهم بلغتهم القومية، ولا أمل في هذا الخير إلا بتوفير المدرسين لهذه اللغة في المدارس التي تعدُّهم للحياة.. ومن غير العرب يحمل مسئولية هذا العمل أمام الله وأمام الأجيال القادمة من أبناء هذه الأمة في أفريقية ... وفي غير أفريقية من أرض الله! ...

стр. 1771

ولكن.. متى كان العربي مَعْنِيًّا بأمر هذه اللغة والتمكين لها بين غير أهلها إذا فرَّغ قلبه من الإيمان برسالة الإسلام؟ ... وإذا كان الأمر كذلك فطبيعي أن تكون الدولة التي تضم الحرمين وترفع راية التضامن الإسلامي في العالم، هي الأَوْلَى بالاستجابة إلى هذا الواجب، والأجدر بحمل العبء الأكبر من هذه المسئولية. وهذا هو الأمر الذي استهدفت هاتان الرحلتان المباركتان تحقيقه.. فكانتا الخطوة الأولى في طريق طويل من العمل الإسلامي الذي وطنت المملكة العربية العزم على النهوض به بكل ما وسعها من جهد.. لقد قام مؤلف هذه المذكرات مع إخوانه الموفدين لتلك المهمة بواجبهم كاملا، فاطَّلعوا على أحوال المسلمين في تلك الأقطار عن كثب، وتعرفوا مدى حاجة كل منها إلى العون الأخوي فقدموا للعاملين في خدمة الإسلام ما حملوه إليهم من عون كريم مشجع، ورفعوا إلى المسئولين في المملكة اقتراحاتهم البنَّاءة التي لم تلبث أن تحولت إلى أعمال، فانتشرت بعثات الوعظ والإرشاد والتدريس في تلك المناطق بأسرها، ووزعت منح الدراسة على العديد من أبنائها.. ثم تم إنشاء أول معهد سعودي لتدريس الإسلام والعربية في الصومال الشقيق، وأول الغيث قَطر ثم ينهمر. وإلى جانب هذه التقريرات الحيَّة المؤثرة يطالعنا الطابع العلمي في الكتاب مطلا من منافذَ عدة وجوانب مختلفة. فهناك نَقْدُه الاجتماعي الذي يتناول بعض الأوضاع غير المرضية، ثم نَقْدُه للخرافات التي تتخذ لَبُوسَ الدِّين في بعض المناطق الإسلامية، كحديثه عن المتاجرين بالقبور، وأخبار من يسمونهم بالأولياء.. وهناك النظرات التاريخية كحديثه عن وصول الإسلام إلى سواحل كينية وملاوي، وعن بناء العُمَانِيينَ مدينة دار السلام - عاصمة تنزانية -.

стр. 1772

ونخص بالذكر تحليله الدقيق لمأساة العرب في زنجبار ثم تنزانية، ومقدماتها البعيدة، وتحديده المنصف لتبعة العرب في تلك الفواجع الدامية، ثم علاقة ذلك كله بالدعايات الغربية واللإيحاء الصهيوني، وبردود الفعل العِرْقِي ضد الجنس الأبيض في بعض المناطق، وضد الأجناس غير السوداء مطلقا في بعض المناطق الأخرى.. وما رافق ذلك من أحقاد أدَّت - في الكنغو - إلى أكل لحوم بعض الإيطاليين على مسمع ومرأى من شهود عيان!. ومع تقديرنا لموضوعية هذه الأحكام نرى أن يضاف إلى عوامل المأساة في زنجبار مساعي اليسارية العربية، التي تولت تدريب القتلة في ظل بعض الأنظمة الاشتراكية.. الأمر الذي أعلنه أصحابه مع قيام الثورة نفسها.. ثم ما أشار إليه المؤلف من دسائس بعض السفارات العربية ضد الحكم القائم في ملاوي - وغيرها - مما أدى إلى زيادة التغلغل اليهودي في تلك الأقطار على حساب مصلحة العرب! وقد تتبع المؤلف أثر الاستعمار في تأخر المسلمين، وتعمُّد المستعمر إقصاءهم عن الحياة العامة، وتركيزه على إضعاف اللغة العربية، وتحويل الشعوب الأفريقية عنها وعن الكتابة بحروفها إلى لغاته وحروفه، فجمَّد بذلك حركة المد الإسلامي إلى حد بعيد. واستعان بالتبشير لضرب الإسلام في عقر داره، ولانتزاع أبناء المسلمين من دين آبائهم، حتى أصبح هناك أسر تحتوي بين أفرادها المسلمين والمسيحيين!. ولا ننسى أن نشير هنا إلى ملاحظته الدقيقة للصلات اللغوية بين العربية ولغات السواحل الشرقية من أفريقية، حيث تكوِّن من امتزاجها لغة خاصة هي السواحلية. وقد أحسن صنعا بما قدمه على ذلك من شواهد في جدول مقارن استغرق ثماني صفحات.

стр. 1773

ومن الجوانب العلمية الأخرى في الكتاب تلك المحاورة التي عقدها المؤلف مع طيَّار من جنوب إفريقية يعمل في الكنغو وقد جمعته به الطائرة على غير ميعاد فكانت فرصة سانحة للحديث عن السياسة العنصرية وموقف الإسلام منها. وقد حاول ذلك الأوربي تسويغ التمييز الذي تمارسه بلاده بكل ما أوتي من منطق، ومن ذلك احتجاجه بمنع الإسلام غير المسلمين دخول مكة المكرمة. فكان رد المؤلف على غاية من الإحكام، إذ أوضح لذلك العنصري سمو نظرة الإسلام إلى الإنسان، وتقرير مكانته على أساس الكسب الشخصي الذي يتساوى في مسئوليته الناس جميعا، دون الجانب الطبيعي الذي لا بد لصاحبه في تكوينه، ولا قدرة له على تبديله. ومن طرائف هذه المحاورة تلك العبارة التي كشف بها ذلك العنصري المتعصب على لعبة الأوربيين والأمريكيين في موقفهم من أنظمة التمييز في جنوب أفريقية وروديسية، إذ يملئون ردهة المجالس العالمية ببكاء الحريات والتظاهر باستنكار تلك الجرائم العنصرية، ولكنهم يرفضون استعمال القوة لوقفها! فقد سأله المؤلف عن رأيه في المسألة الروديسية، وعما إذا كان يتوقع زوال الوضع الشاذ الذي فرضته جماعة سميث عليها. فأجاب: ((نحن لا نخشى شيئا، لأن من بأيديهم القوة لا يمكن أن يستعملوها ضدنا أو ضد روديسة.. أما من يرغبون في تدميرنا حقا فإننا أقوى منهم..)) . والكتاب إلى هذا غني بالمشاهد العاطفية، فهي تطالع القارئ بنفحاتها اللاذة بين الحين والحين، وقد هزتني منها بخاصة ثلاثة مشاهد لا أزال أحس آثارها في أعماق نفسي.

стр. 1774

أما الأول فهي زامبية حيث يلتقي الوفد بشيخ باكستاني في بيت قريب له من كبار المسلمين الهنود، فما أن يعلم هذا الشيخ هوية الزائرين حتى يطلق لشجونه العنان، وجعل يقول والدمع ينساب من عينيه: "إنني شاهدت منذ أيام بعض أبناء المسلمين وهم لا يعرفون حتى أنهم مسلمونأنهم مسلمون، لأنهم لم يجدوا من يشرح لهم الإسلام، أنهم أنهم مسلمون، لأنهم لم يجدوا من يشرح لهم الإسلام، ولم يجدوا مدارس إسلامية فدخلوا مدارس المبشرين صغارا فنصروهم.. تصوروا كيف يكون حزنكم إذا علمتم اسم أحدهم (هنري محمد) أو (جيمس علي) . ومن أجل ذلك يرى هذا الشيخ أن الاتصال بالمسلمين في أفريقية، ومساعدتهم على الاحتفاظ بدينهم ولا سيما بين الناشئة منهم، واجب يخص كل مسلم.. ويقع العبء الأكبر منه على المملكة العربية السعودية بصفتها مهبط الوحي ومنبع الدين الإسلامي.. ثم يأتي المشهد الثاني في جامع بلانتير - من ملاوي - حيث نرى الأطفال الهنود يستعدون لصلاة المغرب مع الشيوخ والشبان والكهول، فما أن بصروا بالمؤلف ورفيقه حتى أحاطوا بهما، ولما علم القوم أنهما من المدينة المنورة أخذهم العجب والفرح.. وتجلى ذلك على أَشُدِّه في المؤذن الإفريقي الذي هزته روعة المفاجأة فلم يستطع التعبير وأخذ يردد كلمات: "المدينة المنورة.. الرسول ﷺ ". أما المشهد الثالث ففي المسجد الجامع بسالزبوري - روديسية الجنوبية - أثناء رمضان، حيث نستمتع مع المؤلف بمنظر المسلمين مكبين على تلاوة القرآن منذ انقضاء صلاة العصر حتى موعد الإفطار، فيقبلون عليه في مشاركة روحية رائعة، حتى إذا حانت صلاة العشاء غص المسجد بالمصلين كبارا وصغارا، ثم لا يغادره أحد منهم إلا بعد أن يؤدي صلاة التراويح..

стр. 1775

وكم في دمعة ذلك الشيخ الباكستاني الخائف على دينه.. وكم في مشهد الأطفال والمؤذن، وقد غمرتهم نشوة الحب لطيبة وساكنها الحبيب.. وكم في منظر أولئك الصائمين والقارئين المصلين المتحابين في الله الملازمين حتى للتراويح.. كم في هذا وذاك وذلك من معان يستشرفها الشعور، وتضيق عن استيعابها السطور!.. وأخيرا.. إن أقل ما توصف به هذه المذكرات هو أنها ليست عرضا جامدا أو سردا ميتا.. وإنما هي نتاج تفكير، وملاحظة وشعور، فهي بهذا كله تعتبر عملا أدبيا حيا.. وطبيعي أن كتابا ينطوي على كل هذه الجوانب من الشطط الإدعاء بأن صفحات يسيرة كهذه يمكن أن تستوعب خلاصته، أو تقدم صورة كاملة عنه. ولكن حسبها من الخير أن تؤكد للقارئ أن في هذا المؤلف خيرا كثيرا لا سبيل إلى الاستمتاع به كله إلا بمطالعته كله.

стр. 1776

العدد ١٠ فهرس المحتويات ١- أثر القرآن في تنمية القوى الإنسانية: بقلم الشيخ: أحمد عبد الرحيم السائح - من علماء الأزهر ٢- أخبار الجامعة ٣- في مناسبات الآيات والسور (٣) - آراء العلماء في المناسبات: للشيخ أحمد حسن ٤- الإسلام والمذاهب الاشتراكية: بقلم فضيلة الدكتور محمد تقي الدين الهلالي ٥- التراويح أكثر من ألف عام في المسجد النبوي: بقلم الشيخ عطية محمد سالم ٦- الشباب الضائع: بقلم الطالب عبد الله العبادي ٧- العبرة في شهر الصوم: بقلم الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد ٨- القرآن الكريم.. دراسته وتعليمه في جميع بلاد الإسلام: نص قرار المجلس لرابطة العالم الإسلامي ٩- المكتبات العامة وأثرها في تثقيف الأمة: للدكتور محمود بابللى ١٠- ثقافة... ودين: نقلا عن مجلة دعوة الحق ١١- سلام على المنابر: شعر الطالب: عبد الشكور محمد أمان الأثيوبي ١٢- شعر أهل الحديث: بقلم الأستاذ: عبد العزيز القارئ ١٣- صدر حديثاً: ١٤- في ظلال سورة الأنفال: بقلم الشيخ: أبي بكر جابر الجزائري ١٥- مع الصحافة - حول المؤتمر الإسلامي في أمريكا الجنوبية: تحقيق صحفي مع فضيلة الأمين العام للجامعة الإسلامية ١٦- مكانة المسجد في الإسلام: بقلم الشيخ: محمد بن حمود الوائلي ١٧- من وحي السنة: بقلم الشيخ علي ناصر فقيهي ١٨- من.. ولماذا؟ (قصة) : بقلم الشيخ: محمد المجذوب ١٩- ندوة الطلبة - دراسات في الديانات الهندية - الديانة الجينية - الجينية (جين دهرم) بقلم الطالب: محمد ضياء الرحمن الأعظمي ٢٠- نظرات في حديث أصحابي كالنجوم: بقلم الطالب: صالح بن سعيد بن هلابي ٢١- يستفتونك: يتولى الرد على أسئلة القراء سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز - رئيس الجامعة الإسلامية عمادة البحث العلمي - جميع الحقوق محفوظة ١٤٢٣ هـ / ٢٠٠٢ م

стр. 1777

أثر القرآن في تنمية القوى الإنسانية بقلم الشيخ: أحمد عبد الرحيم السائح - من علماء الأزهر هذا الإتجاه الواضح الذي أخذ فيه القرآن الكريم بيد الإنسان، وطاف به في أعماق هذا الكون، هداه إلى أسراره، وأوحى إليه أن يتأمل فيه ويتدبر، ويتعلم وليسخره لمنفعته، ويستخدم عقله في سبيل ذلك إلى حدود لم تحدد. هذا الإيحاء هو الذي دفع بالمسلمين إلى الخوض في بحار العلوم المختلفة، وأدركوا مبلغ الحاجة إليه في بناء مجتمعاتهم، ودعم سلطانهم، وعرفوا أن العلم: هو الذي يوضح لهم معالم السير على النهج القويم، ويفتح لهم آفاق الحياة والقوة، ويكشف لهم عن أسرار العوالم الكونية ونواميسها، ويقيم لهم وسائل الحياة، والسؤدد ويبني لهم قواعد المجد والعزة. عرفوا كل هذا، فوجهوا عزائمهم إلى طلب العلوم على اختلاف أنواعها ولم يشغلهم عن طلبها ترف الحضارة، ولا ثنت عزائمهم عنها بأساء الحياة وضراؤها، وبحثوا عنها في آيات الله التشريعية، وآياته الكونية وأقاموا لها في كل قطر إسلامي مناراً عالياً، وحملوا مشاعلها إلى مشارق الأرض ومغاربها، ولم يقفوا بجهودهم عند نتاج عقولهم وأفهامهم بل اتجهوا بها أيضاً إلى علوم السابقين فاستخرجوها من زوايا النسيان والإهمال. وأخذوا إبريزها بعد أن زادوه نقاء وصفاء، وردوا زائفها بعد أن بينوا زيفه وفساده؛ لأنهم كانوا يطلبون العلوم طلب الناقد البصير. واكتمل لهم من ملكات العلوم والفنون في جيل واحد، ما لم يكتمل لأمة من الأمم الناهضة، في عدة أجيال وفي ذلك يقول بعض المؤرخين من علماء الغرب: (إن ملكة الفنون لم يتم تكوينها في أمة من الأمم الناهضة إلا في ثلاثة أجيال: جيل التقليد، وجيل الخضرمة، وجيل الاستقلال والاجتهاد، إلا العرب وحدهم، فقد استحكمت لهم ملكة الفنون في الجيل الأول الذي بدأوا فيه بمزاولتها) .

стр. 1778

نهضة علمية جبارة، قام بها المسلمون على رغم الأحداث العاتية التي حملوا أعباءها، والحروب الطاحنة التي خاضوا غمارها. لأن الأحداث والخطوب، وإن بلغت من العنف ما بلغت، لا تستطيع أن تقف في طريق العقائد التي انطوت عليها القلوب، وانفعلت بها النفوس، ولا أن تمنع العزائم القوية من الوصول إلى أغراضها وأهدافها. وبهذه النهضة العلمية الجبارة، استطاع المسلمون أن يعملوا عمل الأقوياء لأن العمل لبناء المجتمعات في دينها ودنياها لا يصدر إلا عن إرادة قوية دافعة، والإدارة القوية الدافعة لا تصدر إلا عن العلم. وبهذه النهضة العلمية، استطاع المسلمون في سرعة لم يعهد لها مثيل في تاريخ النهوض أن ينتقلوا من أمة الأمية، والانطواء على النفس إلى أمة العلم والقيادة الفكرية العالمية، وأن يصبحوا أساتذة العالم، وقادة الفكر، ورواد العلوم والفنون، يدرسونها للأجيال المعاصرة كأحسن ما يكون الدرس والتعليم، ويدونونها للأجيال المقبلة كأحسن ما يكون التأليف والتدوين، وينشرونها في شعوب كانت تائهة في عماء الجهل وظلمته. فقد كانت بعوث الأمم، تفد على العواصم الإسلامية من كل ناحية، فيأخذون من علمائها ما شاءوا من أفانين العلوم وألوان المعرفة، ثم يعودون إلى بلادهم حاملين إليها مشاعل هذه العلوم التي أخرجتهم من ظلمات الجهل إلى نور المعرفة ونفحت فيهم روح الحياة، وفتحت لهم طريق الانتفاع بأصلين عظيمين من أصول الإصلاح الإسلامي، وهما حرية الفكر، واستقلال الإرادة. كما شهد بذلك المنصفون من علماء الغرب، فيما كتبوه لمرضاة العلم في ذاته.

стр. 1779

قال أحدهم: "إن المسلمين كانوا منفردين بالعلم في تلك القرون المظلمة وإن الفضل في إخراج أوروبا من ظلمة الجهل إلى ضياء العلم، وفي تعلمها كيف تنظر، وكيف تفكر، راجع إلى المسلمين وآدابهم ومعارفهم التي حملوها إليهم عن طريق أسبانيا وإيطاليا وفرنسا، وإن العرب هم أول من علم العالم كيف تتفق حرية الفكر مع استقامة الدين والعقيدة، وإن نشأة المدنية في أوروبا قامت على أصلين عظيمين وهما: حرية الفكر، واستقلال الإرادة، فلم تنهض العقول للبحث، ولم تتحرك النفوس للعمل إلا بعد أن عرفت أن لها حقا في طلب الحقائق بعقولهم وأفهامهم، وفي تصريف شئونهم بإرادتهم واختيارهم. ولم يصل إليهم هذا النوع من العرفان إلا في الجيل السادس من ميلاد المسيح، حينما سطع عليهم شعاع من آداب الإسلام ومعارف المسلمين". تقدم المسلمون في كل ميادين الفكر الإنساني عندما عملوا عقولهم في البحث والدراسة وانتهجوا نهج القرآن العقلي الذي وضح لهم. وهذا الاتجاه من القرآن الكريم لاستعمال العقل هو الذي هدى المسلمين في المقام الأول للعمل على تنمية القوى العقلية، حتى كانت لهم حضارات رائعة، وما زالت تتحدى الحضارات الإنسانية عراقة وأصالة. كما أن المسلمين استفادوا من ثقافات الأمم التي انتشر بينها الإسلام، والتي لم ينتشر فيها الإسلام. ولم يكن المسلمون مجرد نقلة، ولكنهم كانوا مفكرين ناقدين مجددين فشرعوا في الفقه والقانون ومناهج البحث، ودونوا التاريخ، ووضعوا نظريات الاجتماع وأحدثوا أسساً عظيمة للفلك، والجغرافيا، والطب، والكيمياء، والطبيعة، والفلسفة، والرياضة، والهندسة. وفوق هذا وذاك، كانوا واضعي طريق البحث التجريبي الذي كان أساساً للحضارة الأوروبية الحديثة. ويكفي أن نستشهد في هذا باعترف (بريفولت) BRIFFAULT في كتابه: MAKINJ OF HUMANITY "إن الأوروبيين درسوا عن العرب طرق البحث العلمي التجريبي، وأنه لم يسبقهم إليها باحث أو مفكر".

стр. 1780

ويؤكد (بريفولت) BRIFFAULT "أن نفي هذا عن المسلمين، هو نوع من التضليل في فهم المصدر الحقيقي للحضارة الأوروبية" (١) . ولقد خلف المسلمون ميراثاً، كان لأوروبا نبراساً، اعتدت به في عصورها المظلمة الحالكة الظلام. وكانت مؤلفات العلماء المسلمين تدرس في جامعات أوروبا، وكان الأساتذة المسلمون يمدون أبناء أوروبا بما وهبهم الله من معرفة. ولئن أفلتت القيادة الفكرية والسياسة من أيدي المسلمين حيناً من الدهر فقد استيقظ المسلمون على دوي المدافع، وضجيج الآلات، وأزيز الطائرات وسباق الفضاء. والإسلام قادر بطبيعته الذاتية على مواجهة متطلبات كل زمان ومكان؛ لأنه الدين الذي ارتضاه رب العزة للإنسانية في مسيرتها عبر الزمان. وما على المسلمين إلا أن يعودوا إلى الاغتراف من المنابع الإسلامية الأصيلة وينهلوا من المنهل الحق، ويتمسكوا بقيم الإسلام وتعاليمه وفي ذلك الشفاء، وإلى اللقاء. --- (٢) انظر: مجلة رسالة الإسلام العدد ٥ ـ ٥٦ ص ٣٢٣ الزمالك. (٣) المصدر السابق ص ٣٢٦. (٤) مجلة الدراسات الإسلامية المجلد الثاني عدد ٥ ص ٥١ باكستان ـ إسلام آباد.

стр. 1781

ثقافة ... ودين نقلا عن مجلة دعوة الحق نشرت مجلة دعوة الحق في عددها الأول من السنة الرابعة عشرة افتتاحية تحت عنوان: (ثقافة.. ودين) جاء فيها: سئل أحد الرجال الذين هداهم الله أخيراً إلى اعتناق دين الإسلام بعد بحث واستقراء لما عرف في هذا الكون من ديانات وثقافات.. عن السبب الذي حدا به إلى الإقدام على هذا العمل، فأجاب على الفور: إنني كنت أبحث عن عقيدة ذات ثقافة.. وفي الوقت نفسه كنت أبحث عن ثقافة ذات عقيدة.. فكانت رحلتي شاقة.. وأتعابي مضنية.. فكم وجدت من ثقافات لا تربطها بالعقائد رابطة.. ولا تجمعها بها جامعة.. وكم وجدت من عقائد لا تصلها بالثقافات صلة تذكر.. فهي في واد.. وثقافة أهلها في واد آخر. وقد علمتنا التجربة التاريخية أن كل حضارة لم تعمق جذورها في ثقافة ذات عقيدة.. وعقيدة ذات ثقافة.. فإنها تكون في مهب الرياح.. ولا يعنينا هنا أن يكون هذا الجواب معبراً صادقاً عن واقع هذا الرجل.. ولا يعنينا أيضاً أن يكون هذا الجواب صحيحاً أو غير صحيح.. وإنما يعنينا أولا وقبل كل شيء أن نعرف أصل الفكرة التي يشير إليها ومقدار عمقها أو سطحيتها... فالباحث الدارس الذي يستهدف في بحثه النزيه الصلة الوثقى بين الإسلام وثقافة معتنقيه.. يجد أن الإسلام من حيث هو يتلخص في شيئين اثنين: دين.. وثقافة.. وكل منهما يعمق في الآخر معاني الخير والطمأنينة من جهة.. ومعاني البحث والفهم والمعرفة من جهة أخرى.. وبذلك تمتد خيوط الصلة بين الدين والمجتمع.. وتقاس أعمال الخير والصلاح والفساد والنفع والضر.. بمقياس دقيقة تجعل الناس على بينة من أمرهم في كل عمل يربطهم بالآخرين.. كما تجعل الإنسان يسمو في مطامحه الشخصية والاجتماعية عن الأنانية والوصولية والغش والخداع.. لأن عليه رقابة من ضمير شريف..

стр. 1782

وإذا كانت نوازع الإنسان متعددة.. يملي بعضها العقل..بينما يملي بعضها الآخر القلب والوجدان.. فإن من السخافة والجهل بطبيعة الأشياء.. أن يحاول دين ما.. أو ثقافة ما أن تجعل من الإنسان ذا نوازع عقلية صرفة، أو ذا نوازع وجدانية صرفة.. في حين أن الإنسان عقل ووجدان.. وهذا ما يشير إليه الجواب الذي قدمناه آنفاً.. حيث إن هذا الرجل الذي هداه الله إلى الدين الحق.. كان يبحث عما يروي ظمأه العقلي.. وظمأه الوجداني في وقت واحد.. ولا شك أن ذلك هو الخط المستقيم الذي يمر عليه كل تفكير مستقيم.. وأخطاء العصر.. ومآسيه.. ومشكلاته.. التي يتخبط فيها الأقوياء والضعفاء.. والمنتصرون والمنهزمون والأثرياء.. والبؤساء.. هي نتائج وليست مقدمات.. هي نتائج التنكر لطبيعة الإنسان مفرداً.. ومجتمعاً.. والتذكر لطبيعة الأشياء في الحسيات والمعنويات.. وحفر هوة عميقة بين عنصري الحيوانية.. والإنسانية.. في بني الإنسان.. فبقدر ما يحقق الإنسان انتصارات علمية.. واختراعات بشرية.. وتقدم يسير.. ويطير بقدر ما يسجل على نفسه في عصر الذرة والصاروخ سخافات وتفاهات وحماقات.. أفقدت السعداء سعادتهم.. وضاعفت في الأشقياء شقاوتهم.. ولو كان الإنسان يحقق انتصارات أخرى في الميدان الذي تهيم فيه الأرواح والقلوب.. وتتلوث الأخلاق.. والضمائر.. وتنتهك فيه الحرمات الإنسانية.. لكان بذلك يحفظ توازن الحضارات والثقافات ويضمن استمرار المجتمعات وتسلسل حلقات الحياة.. عبر الزمان والمكان. ولقد أخطأ الإنسان في ماضيه يوم كان يخرج من وثنية إلى أخرى.. عبد الشمس.. والنار.. والكواكب.. والأشجار.. والحيوانات.. وقدس الأزمنة والأمكنة.. وهام بعدد من المخلوقات هياماً شبيهاً بالعبادة.. إن لم يكن عينها..

стр. 1783

ثم كفر بمعبوداته ونبذها وانقلب عليها وآمن بالله.. لأنه أدرك أنه المعبود الحق الذي توحد عبادته بين القلوب.. وتؤلف بين الشعوب.. وتسمو بالإنسانية إلى درجة السمو الممكنة في إطار هذه الحياة.. واليوم يعيد الإنسان سيرته الأول.. فيعمد إلى المادة.. وإلى المادة وحدها.. ليجعلها علماً وعملاً.. وثقافة.. وقيمة.. ومقياساً.. وبذلك يجدد عهد الوثنية البغيض.. وعلى العادة.. فيسكفر الإنسان بالمادة.. وسيتنكر لها وسينبذها.. لأننا ألفنا منه ذلك في تاريخه الطويل.. وسيدرك الإنسان أنه بنى قصوراً على الرمال.. وشاد صروحاً على الفضاء.. يوم اعتمد على المادة وحدها وجعلها فلكاً يدور فيه في كل حركاته وسكناته.. وتنظيماته واستعداداته لأنه بعمله ذاك زرع الخوف.. كما زرع الألم.. وزرع الحقد كما زرع الانحلال.. وإذا صح ما يتنبأ به مفكرو عصرنا فإن مصير الإنسانية بعد عصر الذرة والصاروخ لن يكون إلا إلى الإيمان..! (مؤمن)

стр. 1784

سلام على المنابر شعر الطالب: عبد الشكور محمد أمان الأثيوبي ما لإخواننا سبتهم رعاء بعد مجد له الملوك فداء بعد عز هوى له ملك كسرى وتهاوت أمامه العظماء ولآبائهم منابر عز عجزت عن صعودها الخطباء ولهم في العلى مبوأ صدق لم تنله الملوك والأمراء ولكسرى عن مرتقاهم كسور وقصور لقيصر وانحناء خدمتهم ملوك فارس والرو م وهم بعد ملكهم خدماء لم يكن من شعارهم (وطني) بل صلوات شعارهم ودعاء فعليهم مدى الزمان رضي الله ومنـ ـه مثوبة وجزاء اعجز الغرب غزونا بسلاح وثناه القنوط والإعياء فمضى يركب الأضاليل والمكر فيعنو لأمره السفهاء اقتدوا بالعدو في كل شر ولبئس التقليد والاقتداء ويقولون بالسياسة نبني ولكم هد بالنفاق البناء كم تغنوا بالدين والقلب عار وتنادوا والدين منهم براء صدفوا عن صراطه فأضاعوا مجد آبائهم فخاب الرجاء هجروا نهجه القويم فضلوا وهدى الله ليس فيه التواء يدعون النهى وقد خسروها أمن العقل أن يجافى الدواء؟ كيف يرجى الخلاص والبحر طام وتوالى (١) العواصف الهوجاء؟ وسلام على المنابر من بعـ ـد أناس هم للمعالي سماء ملكوا العز بالنفوس الأبيا ت فنعم الهدى ونعم الإباء سأبكي ما عشت تلك المعالي وأنادي إن كان يغني النداء أسفا بعد عزة خسروها وبكاء لو كان يجدي البكاء --- الفعل مضارع حذفت إحدى تاءيه.

стр. 1785

شعر أهل الحديث بقلم الأستاذ: عبد العزيز القارئ المدرس بمعهد الجامعة ـ ١ ـ مما جرى على الألسنة واشتهر ما نسب إلى الإمام الشافعي ﵀، وهو قوله: لكنت اليوم أشعر من لبيد ولولا الشعر بالعلماء يزري فما نصيب العلماء من الشعر؟ وما نصيب المحدثين منهم؟ وهم في الخاطر أجدر بأن يكونوا أبعد الناس وأقلهم فيه. لم أشأ أن أوسع بحثي لأتناول العلماء على اختلاف اختصاصاتهم وقد أكتب في الموضوع بتوسع في بعض المناسبات.. لكني اخترت أهل الحديث من العلماء لأدرس شعرهم وموقفهم من الشعر والشعراء. وفي النفس أمل يراودها بأن أكتب فيما بعد (أدب العلماء) في مصنفاتهم سواء منها العلمية أو الأدبية، فهو موضوع مهم يحتاج إلى دراسة واسعة.. قبل الشروع في شعر أهل الحديث.. يحسن أن أقدم له بالكلام عن الشعر وميزان الجمال فيه ثم موقف النبي ﷺ من الشعر والشعراء.. مع بحث بعض الآيات والآثار التي ظاهرها ذم الشعر والحث على هجره. الشعر وديوان العرب: قيل لسعيد بن المسيب: إ ن قوماً بالعراق يكرهون الشعر، فقال: "نسكوا نسكاً عجيباً". ذلك لأن الشعر من أعظم ما جادت به ألسنة العرب، وهو عنوان لغتها وبلاغتها وسجل حوادثها وتاريخها، وترجمان أخلاقها وعاداتها، وكان أحب إليهم من غيره وأرفع قدراً وأعظم شأناً، فهي أكثر اشتغالاً به وأكثر حفظاً ورواية له، وأعظم حرصاً عليه ولذلك فقد نقل إلينا من أشعارهم أكثر مما نقل من منثورهم. وقد قيل: إن ما وصل إلينا من منثورهم عشره، وما ضاع من منظومهم عشره (١) ومن إعظامهم لشأن الشعر قرنوه بالكهانة والسحر؛ لأن كلا منهما يغير الأشياء في مرأى الإنسان ومخيلته بأساليب تأثيرية نافذة، فتأثير الشعر في نفوسهم أشبه تأثير السحر حتى قال قائلهم: رواية مرا ومرا شاعرا لقد خشيت أن تكون ساحراً

стр. 1786

ولذلك لما تحيروا من عظمة بلاغة القرآن وقوة بيانه لم يجدوا ما ينسبونه إليه إلا الشعر أو السحر فمرة قالوا: "هذا سحر"، ومرة قالوا: "هذا شعر". وهذا منهم دليل على إعظامهم لشأن الشعر.. وقد رد الله عليهم بقوله: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ, وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ (١) . إلا أن الشعر تميز بأن أساسه التأثير بواسطة التخييلات البيانية من تشبيه واستعارة وكناية ونحو ذلك.. ولما كان الخيال صورة من صور الكذب قيل إن أعذب الشعر أكذبه. ولكن ليس ذلك على إطلاقه، فإن العمدة في حسن الشعر وجودته على صدق الشعور وجمال التعبير.. وكم من أبيات اعتبرت من عيون الشعر بينما هي لا تعتمد على أي صورة كاذبة، وإنما تتجلى بلاغتها في حسن إصابتها للمعنى الصحيح وحسن صياغتها في تعبير جميل.. ولعل حسان ﵁ كان يعني هذا الميزان حينما قال: بيت يقال إذا أنشدته صدقا وإن أشعر بيت أنت قائله إلا أن الذي غلب على الشعراء المبالغة في الصور البيانية إلى حد التخييل الكاذب الصريح.. وخاصة في مقاصد الوصف والمدح والهجاء، فتسابقوا إلى الإغراب في ذلك وإلى ابتداع المعاني الموغلة في الاستحالة، زاعمين أنه بذلك يحلو الشعر ويستعذب.. فمن قائل: عقيقاً فصار الكل في جيدها عقدا بكت لؤلؤاً رطباً فسالت مدامعي وقائل: وقدت لرجل البين نعلين من خدي وجذت رقاب الوصل أسياف هجرها وقائل: منك يشكو ويصيح بح صوت المال مما وقائل: صليل البيض تقرع بالذكور فلولا الريح أسمع من بحجر ولعمري لو كان هذا الميزان صحيحاً إذاً لكان أكثر حسناً وعذوبة في الشعر قول أبي نواس: لتخافك النطف التي لم تخلق وأخفت أهل الشرك حتى أنه أو قول المتنبي: من فيه أحلى من التوحيد يترشفن من فمي رشفات أو قول جرير: على خبث الحديد إذا لذابا ولو وضعت فقاح بني نمير

стр. 1787

والنقاد يجمعون على استهجان مثل هذا الشعر مع أنه أشد إغراقا في الكذب: فالنطف التي لم تخلق لا تخاف صاحب أبي نواس، وربما حتى لو خلقت، والرشفات من فم المتنبي حاشا أن تكون أحلى (من التوحيد) وفي بيته هذا قبح من وجهين: تغزله بنفسه، واعتداؤه القبيح على مثل هذا الجناب العظيم (١) .. وكذلك فقاح بن نمير لا يمكن في أي يوم من الأيام أن تذيب الحديد أو خبثه مهما كان شأن بني نمير مع صاحبهم. فكل هذا مستقبح مستهجن مع أنه من أكذب ما قيل من الشعر.. بل قالوا في قول المهلهل: "فلولا الريح أسمع من بحجر". إنه أكذب بيت قالته العرب. ولكن لعلك تستعذب معي مثل قول كثير: أرى الأرض تطوى لي ويدنو بعيدها وكنت إذا ما زرت سعدى بأرضها إذا ما انقضت أحدوثة لو تعيدها من الخفرات البيض ود جليسها أو قول جرير في الفخر: حسبت الناس كلهم غضاباً إذا غضبت عليك بنو تميم أو قول المتنبي في مطلع قصيدة: وتأتي على قدر الكرم المكارم على قدر أهل العزم تأتي العزائم أو قول عنترة العبسي: مني وبيض الهند تقطر من دمي ولقد ذكرتك والرماح نواهل لمعت كبارق ثغرك المتبسم فوددت تقبيل السيوف لأنها فهل تجد في هذه الأبيات شيئاً من الصور الكاذبة المستحيلة؟. ومع ذلك فهي من أعذب الشعر وأجوده حتى لقد قيل في قول كثير عزة: من الخفرات البيض ود جليسها ..................................... إنه أرق شعر قيل في النسيب. ولو تأملت هذا المقام لوجدت أن حسن الشعر يتجلى في أمرين: الأمر الأول: صدق المعنى الذي يذكره في البيت أو صدق الشعور الذي يعبر عنه. والأمر الثاني: جمال الصورة التعبيرية التي يختارها لأداء ذلك المعنى وإبراز ذلك الشعور..

стр. 1788

فمثلاً أبيات كثير عزة: تصور لنا شعوراً يختلج في نفس كثير تجاه حبيبته، فهو يحبها حباً شديداً ويكاد يهلك شوقاً لمرآها.. فهو يصور كيف تكون نفسه في سعادة عندما يهم بزيارتها والرحيل إلى ديارها: كأن الأرض تطوى له من شدة رغبته في الوصول إليها.. حتى إذا اجتمع بها ودارت بينهما الأحاديث تلذذ بكل ما تقصه عليه، فما تنتهي من أحدوثة إلا تمنى لو تعيدها مرات ومرات. ومثل هذه الإحساسات يعرفها ويشعر بها كل محب مع من يحب، وما في هذه الأبيات إذا معنى مستحيل.. بل صدق إحساس أحسن الشاعر التعبير عنه. وقول الآخر: حسبت الناس كلهم غضابا إذا غضب عليك بنو تميم هو كذلك في غاية الروعة في تصوير الحالة النفسية التي يغرق فيها من غضبت عليه بنو تميم، فإن الأرض تضيق به ووجوه الناس تتغير عليه، حتى يتخيل كل إنسان يمر به حانقاً عليه، وفيه تصوير بديع لسطوة هؤلاء القوم وعظم مكانتهم وامتداد نفوذهم، ولا يضاهيه في معناه إلا قول نابغة بني ذبيان لما غضب عليه النعمان ففر منه هائماً على وجهه: وإن خلت أن المنتأى عنك واسع فإنك كالليل الذي هو مدركي ولعمري إن بيت النابغة أكثر نجاحاً في تصوير هذه الحالة النفسية من القلق والرهبة باختياره لكمتي (الليل) و (مدركي) فالليل لا يمكن الفرار منه فهو مدركه أنى ذهب.. وأما بيت المتنبي (علي قدر...) إذا جردت معناه من شعره فلا تكاد تجد أي صورة بيانية، بل هو مجرد تعبير قوي عن حقيقة واقعة من حقائق الحياة، والحسن كل الحسن فيه في الإطار الشعري الذي صاغ المعنى به، وغالب أبيات المتنبي من هذا القبيل.. وما أخالك إذا سمعت مثل قوله: فمن العجز أن تموت جبانا وإذا لم يكن من الموت بد إلا هاتفا بملء فيك: صدق. وأبيات عنترة كذلك: صورة ملخصها: معركة محتدمة ازدحمت فيها الخيول وبرقت الأسنة ولمعت السيوف حول الشاعر تتناهشه وتنهل من دمه.

стр. 1789

ومع عظم هذا المقام وشدة هوله يتذكر حبيبته، ويتخيل لمعان السيوف والأسنة كلمعان ثغرها عندما تبتسم، فيتفجر في نفسه الشوق إليها حتى يكاد يهجم على تلك السيوف لا باطشاً ولكن مقبلاً. فهذه الصورة نجحت في التعبير عن: شجاعة الشاعر، وشدة محبته لصاحبته، وجمال ثغرها وحسنه. وهكذا كلما تأملت شيئاً من عيون الشعر وجيده تجد أن حسنه وجودته في صدق المعاني وصدق التعبير وجماله. وتجد الشعر كلما أغرق في الاستعارات البعيدة والصور المستحيلة ازداد قبحاً وصار مستهجناً. وبذلك تعلم أن أعذب الشعر أصدقه! وأن هذا هو الميزان الصحيح كما قرره حسان بن ثابت ﵁. موقف النبي ﷺ من الشعر: النبي هو سيد العلماء، فهل كان يكره الشعر ويذمه؟ من المجمع عليه أنه ﷺ لم يكن شاعراً ولم ينظم الشعر، بل طبعه الله على خلاف سجية الشعراء ومنع عنه ملكة الشعر.. حتى ما كان يستقيم في لسانه في الغالب، وإن كان يجري على لسانه أحياناً، إلا أن المنفي عنه بالجملة أن يكون شاعراً، فإذا جرى على لسانه بيت أو بيتان مستقيمان فإن ذلك لا يعني أنه قال شعراً، لأن جريان كلام منظوم بغير قصد لنظمه وعنايته بإيجاده موزوناً، يجري على كل الألسنة ولا يعتبر شعراً.. قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾ (١) : أخرج ابن كثير عن الشعبي قال: "ما ولد عبد المطلب ذكراً ولا أنثى إلا يقول الشعر إلا رسول الله ﷺ ".

стр. 1790

أما قوله: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ أي ليس من طبعه فلا يحسنه ولا تقتضيه جبلته، ولعل الحكمة في ذلك (الإعجاز) بالقرآن فإنه أعظم من الشعر وليس بشعر، وإثبات أنه من عند الله وليس من تأليف الرسول.. فسد الله كل باب يمكن أن يتذرع به المشركون في دعواهم أن القرآن من كلامه ﷺ أو أنه من شعره، فجعل الرسول أميّاً لا يقرأ ولا يكتب، حتى لا يقال إنه ينقل من كتب اليهود والنصارى، ولم يجعله شاعراً حتى لا يقال إنه يؤلف شعراً. وكون الرسول أمياً لم يعن مذمة الكتابة والقراءة.. وكذلك كونه ليس شاعراً لا يعني ذم الشعر.. فلا يفهم من قوله: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ إلا أن الشعر مع مقام الوحي لم يكن مناسباً، كما أن الأمية كانت مناسبة، والدليل على أن المقصود هو تأكيد أن القرآن ليس بشعر أن الآية جاءت في معرض هذا المعنى حيث يقول بعدها: ﴿إِنْ هُوَ إلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ فيكون المعنى وما ينبغي أن يكون القرآن شعراً؛ لأنه كتاب إرشاد وتعليم وموعظة للناس، والشعر ليس محلا للتفصيل والتبيين والإيضاح بل هو محل الإجمال والإشارة.. فهذا الكلام ليس من نوع الشعر ولكنه (قرآن مبين) .. ثم قال: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيّاً وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ أي يحق عليهم بأن هذا الكلام المبين كلام الله وبذلك تنقطع حجة المشركين.. ومثل هذه الآيات قوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ، وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ، تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) . وبذلك يتبين لك أن ليس في قوله: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ أي دليل على غضاضة في الشعر، وسيزيدك إيضاحاً لذلك ما سيأتي من استشهاد الرسول بالشعر واستنشاده له، ومناقشته لبعض معانيه وحثه عليه..
следующие страницы →