Полный текст (23 804 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.
стр. 1786
ولذلك لما تحيروا من عظمة بلاغة القرآن وقوة بيانه لم يجدوا ما ينسبونه إليه إلا الشعر أو السحر فمرة قالوا: "هذا سحر"، ومرة قالوا: "هذا شعر".
وهذا منهم دليل على إعظامهم لشأن الشعر.. وقد رد الله عليهم بقوله: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ, وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ (١) .
إلا أن الشعر تميز بأن أساسه التأثير بواسطة التخييلات البيانية من تشبيه واستعارة وكناية ونحو ذلك.. ولما كان الخيال صورة من صور الكذب قيل إن أعذب الشعر أكذبه. ولكن ليس ذلك على إطلاقه، فإن العمدة في حسن الشعر وجودته على صدق الشعور وجمال التعبير.. وكم من أبيات اعتبرت من عيون الشعر بينما هي لا تعتمد على أي صورة كاذبة، وإنما تتجلى بلاغتها في حسن إصابتها للمعنى الصحيح وحسن صياغتها في تعبير جميل.. ولعل حسان ﵁ كان يعني هذا الميزان حينما قال:
بيت يقال إذا أنشدته صدقا
وإن أشعر بيت أنت قائله
إلا أن الذي غلب على الشعراء المبالغة في الصور البيانية إلى حد التخييل الكاذب الصريح.. وخاصة في مقاصد الوصف والمدح والهجاء، فتسابقوا إلى الإغراب في ذلك وإلى ابتداع المعاني الموغلة في الاستحالة، زاعمين أنه بذلك يحلو الشعر ويستعذب.. فمن قائل:
عقيقاً فصار الكل في جيدها عقدا
بكت لؤلؤاً رطباً فسالت مدامعي
وقائل:
وقدت لرجل البين نعلين من خدي
وجذت رقاب الوصل أسياف هجرها
وقائل:
منك يشكو ويصيح
بح صوت المال مما
وقائل:
صليل البيض تقرع بالذكور
فلولا الريح أسمع من بحجر
ولعمري لو كان هذا الميزان صحيحاً إذاً لكان أكثر حسناً وعذوبة في الشعر قول أبي نواس:
لتخافك النطف التي لم تخلق
وأخفت أهل الشرك حتى أنه
أو قول المتنبي:
من فيه أحلى من التوحيد
يترشفن من فمي رشفات
أو قول جرير:
على خبث الحديد إذا لذابا
ولو وضعت فقاح بني نمير
стр. 1787
والنقاد يجمعون على استهجان مثل هذا الشعر مع أنه أشد إغراقا في الكذب: فالنطف التي لم تخلق لا تخاف صاحب أبي نواس، وربما حتى لو خلقت، والرشفات من فم المتنبي حاشا أن تكون أحلى (من التوحيد) وفي بيته هذا قبح من وجهين: تغزله بنفسه، واعتداؤه القبيح على مثل هذا الجناب العظيم (١) .. وكذلك فقاح بن نمير لا يمكن في أي يوم من الأيام أن تذيب الحديد أو خبثه مهما كان شأن بني نمير مع صاحبهم.
فكل هذا مستقبح مستهجن مع أنه من أكذب ما قيل من الشعر.. بل قالوا في قول المهلهل: "فلولا الريح أسمع من بحجر". إنه أكذب بيت قالته العرب.
ولكن لعلك تستعذب معي مثل قول كثير:
أرى الأرض تطوى لي ويدنو بعيدها
وكنت إذا ما زرت سعدى بأرضها
إذا ما انقضت أحدوثة لو تعيدها
من الخفرات البيض ود جليسها
أو قول جرير في الفخر:
حسبت الناس كلهم غضاباً
إذا غضبت عليك بنو تميم
أو قول المتنبي في مطلع قصيدة:
وتأتي على قدر الكرم المكارم
على قدر أهل العزم تأتي العزائم
أو قول عنترة العبسي:
مني وبيض الهند تقطر من دمي
ولقد ذكرتك والرماح نواهل
لمعت كبارق ثغرك المتبسم
فوددت تقبيل السيوف لأنها
فهل تجد في هذه الأبيات شيئاً من الصور الكاذبة المستحيلة؟. ومع ذلك فهي من أعذب الشعر وأجوده حتى لقد قيل في قول كثير عزة:
من الخفرات البيض ود جليسها
.....................................
إنه أرق شعر قيل في النسيب.
ولو تأملت هذا المقام لوجدت أن حسن الشعر يتجلى في أمرين:
الأمر الأول: صدق المعنى الذي يذكره في البيت أو صدق الشعور الذي يعبر عنه.
والأمر الثاني: جمال الصورة التعبيرية التي يختارها لأداء ذلك المعنى وإبراز ذلك الشعور..
стр. 1788
فمثلاً أبيات كثير عزة: تصور لنا شعوراً يختلج في نفس كثير تجاه حبيبته، فهو يحبها حباً شديداً ويكاد يهلك شوقاً لمرآها.. فهو يصور كيف تكون نفسه في سعادة عندما يهم بزيارتها والرحيل إلى ديارها: كأن الأرض تطوى له من شدة رغبته في الوصول إليها.. حتى إذا اجتمع بها ودارت بينهما الأحاديث تلذذ بكل ما تقصه عليه، فما تنتهي من أحدوثة إلا تمنى لو تعيدها مرات ومرات.
ومثل هذه الإحساسات يعرفها ويشعر بها كل محب مع من يحب، وما في هذه الأبيات إذا معنى مستحيل.. بل صدق إحساس أحسن الشاعر التعبير عنه.
وقول الآخر:
حسبت الناس كلهم غضابا
إذا غضب عليك بنو تميم
هو كذلك في غاية الروعة في تصوير الحالة النفسية التي يغرق فيها من غضبت عليه بنو تميم، فإن الأرض تضيق به ووجوه الناس تتغير عليه، حتى يتخيل كل إنسان يمر به حانقاً عليه، وفيه تصوير بديع لسطوة هؤلاء القوم وعظم مكانتهم وامتداد نفوذهم، ولا يضاهيه في معناه إلا قول نابغة بني ذبيان لما غضب عليه النعمان ففر منه هائماً على وجهه:
وإن خلت أن المنتأى عنك واسع
فإنك كالليل الذي هو مدركي
ولعمري إن بيت النابغة أكثر نجاحاً في تصوير هذه الحالة النفسية من القلق والرهبة باختياره لكمتي (الليل) و (مدركي) فالليل لا يمكن الفرار منه فهو مدركه أنى ذهب..
وأما بيت المتنبي (علي قدر...) إذا جردت معناه من شعره فلا تكاد تجد أي صورة بيانية، بل هو مجرد تعبير قوي عن حقيقة واقعة من حقائق الحياة، والحسن كل الحسن فيه في الإطار الشعري الذي صاغ المعنى به، وغالب أبيات المتنبي من هذا القبيل.. وما أخالك إذا سمعت مثل قوله:
فمن العجز أن تموت جبانا
وإذا لم يكن من الموت بد
إلا هاتفا بملء فيك: صدق.
وأبيات عنترة كذلك: صورة ملخصها: معركة محتدمة ازدحمت فيها الخيول وبرقت الأسنة ولمعت السيوف حول الشاعر تتناهشه وتنهل من دمه.
стр. 1789
ومع عظم هذا المقام وشدة هوله يتذكر حبيبته، ويتخيل لمعان السيوف والأسنة كلمعان ثغرها عندما تبتسم، فيتفجر في نفسه الشوق إليها حتى يكاد يهجم على تلك السيوف لا باطشاً ولكن مقبلاً.
فهذه الصورة نجحت في التعبير عن: شجاعة الشاعر، وشدة محبته لصاحبته، وجمال ثغرها وحسنه.
وهكذا كلما تأملت شيئاً من عيون الشعر وجيده تجد أن حسنه وجودته في صدق المعاني وصدق التعبير وجماله.
وتجد الشعر كلما أغرق في الاستعارات البعيدة والصور المستحيلة ازداد قبحاً وصار مستهجناً.
وبذلك تعلم أن أعذب الشعر أصدقه! وأن هذا هو الميزان الصحيح كما قرره حسان بن ثابت ﵁.
موقف النبي ﷺ من الشعر:
النبي هو سيد العلماء، فهل كان يكره الشعر ويذمه؟
من المجمع عليه أنه ﷺ لم يكن شاعراً ولم ينظم الشعر، بل طبعه الله على خلاف سجية الشعراء ومنع عنه ملكة الشعر.. حتى ما كان يستقيم في لسانه في الغالب، وإن كان يجري على لسانه أحياناً، إلا أن المنفي عنه بالجملة أن يكون شاعراً، فإذا جرى على لسانه بيت أو بيتان مستقيمان فإن ذلك لا يعني أنه قال شعراً، لأن جريان كلام منظوم بغير قصد لنظمه وعنايته بإيجاده موزوناً، يجري على كل الألسنة ولا يعتبر شعراً..
قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾ (١) : أخرج ابن كثير عن الشعبي قال: "ما ولد عبد المطلب ذكراً ولا أنثى إلا يقول الشعر إلا رسول الله ﷺ ".
стр. 1790
أما قوله: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ أي ليس من طبعه فلا يحسنه ولا تقتضيه جبلته، ولعل الحكمة في ذلك (الإعجاز) بالقرآن فإنه أعظم من الشعر وليس بشعر، وإثبات أنه من عند الله وليس من تأليف الرسول.. فسد الله كل باب يمكن أن يتذرع به المشركون في دعواهم أن القرآن من كلامه ﷺ أو أنه من شعره، فجعل الرسول أميّاً لا يقرأ ولا يكتب، حتى لا يقال إنه ينقل من كتب اليهود والنصارى، ولم يجعله شاعراً حتى لا يقال إنه يؤلف شعراً.
وكون الرسول أمياً لم يعن مذمة الكتابة والقراءة.. وكذلك كونه ليس شاعراً لا يعني ذم الشعر.. فلا يفهم من قوله: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ إلا أن الشعر مع مقام الوحي لم يكن مناسباً، كما أن الأمية كانت مناسبة، والدليل على أن المقصود هو تأكيد أن القرآن ليس بشعر أن الآية جاءت في معرض هذا المعنى حيث يقول بعدها: ﴿إِنْ هُوَ إلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ فيكون المعنى وما ينبغي أن يكون القرآن شعراً؛ لأنه كتاب إرشاد وتعليم وموعظة للناس، والشعر ليس محلا للتفصيل والتبيين والإيضاح بل هو محل الإجمال والإشارة.. فهذا الكلام ليس من نوع الشعر ولكنه (قرآن مبين) ..
ثم قال: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيّاً وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ أي يحق عليهم بأن هذا الكلام المبين كلام الله وبذلك تنقطع حجة المشركين..
ومثل هذه الآيات قوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ، وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ، تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) .
وبذلك يتبين لك أن ليس في قوله: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ أي دليل على غضاضة في الشعر، وسيزيدك إيضاحاً لذلك ما سيأتي من استشهاد الرسول بالشعر واستنشاده له، ومناقشته لبعض معانيه وحثه عليه..
стр. 1791
وإن قال قائل: إن العلة في غضاضة الشعر كونه محلاً للأكاذيب وتلفيق المعاني وتغيير الحقائق فقد بينت لك آنفاً أن قولهم: أعذب الشعر أكذبه ميزان غير صحيح عن النقاد.
وقد يستدل بآيات الشعراء على ذم الشعر وهي قوله: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ, أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ, وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ﴾ (١) ولو لم يكن لذلك من جواب إلا الاستثناء الذي ختمت به هذه الآيات ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ لكفى..
لكن يحسن أن تذكر سبب نزول هذه الآيات لنتبين المقصود منها:
فسورة الشعراء مكية، وهذه الآيات الأربع في آخرها مدنية، ونزلت في شعراء المشركين من قريش الذين كانوا قد أشعلوا حرباً كلامياً ضد الرسول ﷺ بهجائهم له ولأصحابه ولدينه.. وهي دعاية تعتبر خطيرة في ذلك الوقت ضد الإسلام، لما علمت من مكانة الشعر في نفوس العرب وسرعة تأثيره فيها.. ولأجل خطورة هذه الحرب المناوئة التي شنها هؤلاء على الإسلام والمسلمين أهدر النبي دماءهم وقتل من قتل منهم وأسلم من أسلم.
ولأجل ذلك أيضاً نزلت الآيات تندد بهؤلاء الشعراء وتسفه من أمرهم فهم ﴿فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾ أي يحيدون عن طريق الحق ليضيعوا في أودية الباطل والكفر والضلال، فيقولون بغير بصيرة ولا تعقل، ويكذبون في اتهاماتهم وشتائمهم.. و ﴿يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ﴾ من تهديدهم للنبي والمسلمين..
ومثل هؤلاء الشعراء الذين كانوا يحاربون الإسلام بشعرهم كل شاعر يحارب الإسلام أو يدعوا إلى الرذائل أو يحسن الباطل.. فوجه الذم ليس في أصل الشعر ولكن في هذه الصفات التي علقت به..
стр. 1792
وهذا ما ذكره أكثر المفسرين.. أخرج بن كثير قال: قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: "يعني الكفار يتبعهم ضلال الإنس والجن.."وكذا قال مجاهد ﵀ وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهما.. اهـ.
وقال الخازن في تفسيره عند هذه الآية: قال أهل التفسير: "أراد شعراء الكفار الذين كانوا يهجون النبي ﷺ منهم: عبد الله بن الزبعري السهمي، وهبيرة بن أبي وهب المخزومي، ومانع بن عبد مناف، وأبو عمرو بن عبد الله الجمحي، وأمية بن أبي الصلت الثقفي.."اهـ.
وكانت بين هؤلاء، وبين حسان بن ثابت شاعر رسول النبي والإسلام معارك شعرية طاحنة ذكر ابن هشام طرفاً منها في السيرة.. وهي مذكورة في كتب السير والأدب فلما فتحت مكة هرب عبد الله بن الزبعري وهبيرة بن أبي وهب إلى نجران فرمى حسان ابن الزبعرى ببيت واحد ما زاد عليه:
نجران في عيش أجد لئيم
لا تعدمن رجلا أحلك بغضه
فأتى هذا البيت من الشعر بقياده إلى الرسول ﷺ فأسلم وحسن إسلامه، وقال معتذراً ومكفراً عن شعره بشعره:
والليل معتلج الرواق بهيم
منع الرقاد بلابل وهموم
فيه فبت كأنني محموم
وآتاني أن أحمد لامني
عيرانة سرح اليدين غشوم
يا خير من حملت على أوصالها
أسديت إذ أنا في الضلال أهيم
إني لمعتذر إليك من التي
سهم وتأمرني بها مخزوم
أيام تأمرني بأغوى خطة
أمر الغواة وأمرهم مشئوم
وأمد أسباب الهوى ويقودني
قلبي ومخطئ هذه محروم
فاليوم آمن بالنبي محمد
ودعت أواصر بيننا وحلوم
مضت العداوة وانقضت أسبابها
زللي فإنك راحم مرحوم
فاغفر فدى لك والداي كلاهما
стр. 1793
وذكر ابن كثير بعض الأخبار المرسلة: أنه لما نزلت آية الشعراء جاء حسان بن ثابت وكعب بن مالك وعبد الله بن رواحة إلى النبي ﷺ وهم يبكون قالوا: "قد علم الله حين أنزل هذه الآية أنا شعراء"، فتلا النبي: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ وقال: "أنتم.."ومهما يكن حال هذا الحديث فإن المعنى بالآية هم ﵃.
هل كان ﷺ ينهى عن الشعر؟
أما كونه ﷺ كان لا يحب الشعر فقد ورد في أثر ذكره ابن كثير عن قتادة أنه قيل لعائشة ﵂: هل كان رسول الله يتمثل بشيء من الشعر..؟
قالت: "كان أبغض الحديث إليه، غير أنه كان ﷺ يتمثل ببيت أخي بني قيس فيجعل أوله آخره وآخره أوله.."تعني قول طرفة: ويأتيك بالأخبار من لم تزود.. فإنه كان يقول ﷺ : فيأتيك من لم تزود بالأخبار..
ومما روي عن تغييره لوزن الشعر ما رواه البيهقي في الدلائل أنه ﷺ قال للعباس بن مرداس السلمي ﵁: أنت القائل: أتجعل نهبي ونهب العبيد بين الأقرع وعيينة فقال: إنما هو بين عيينة والأقرع.. فقال: "الكل سواء..".
وذكر ابن كثير أيضاً خبراً مرسلاً عن الحسن البصري: أن رسول الله ﷺ كان يتمثل بهذا البيت: كفى بالإسلام والشيب للمرء ناهياً..
فقال أبو بكر: "يا رسول الله، كفى الشيب والإسلام للمرء ناهياً".
والحاصل: أن كراهيته ﷺ كانت إما للإكثار من الشعر أو أنه كان يكره قرض الشعر لأنه لا يمكن أن يقال بكراهيته لمطلق الشعر، وقد كان يستشهد به ويسمعه ويجيز عليه ويحث شعراءه على نظمه.
стр. 1794
ومما يدل على أن هذه الكراهية خصوصية له ﷺ ، بسبب ما ذكرنا من سد الذريعة أن تتطرق إلى القرآن، ما ثبت من أنه ﷺ ما يستقيم على لسانه وزن الشعر في الغالب كما مثلت، وقد توسع ابن العربي في أحكام القرآن الكريم في هذه المسألة وادعى أنه ﷺ ما استقام بيت من الشعر على لسانه قط، وخرج كل ما روي عنه على ذلك وما أظن جميع الروايات تساعده كما سيأتي.
ومن أعظم ما يشكل في هذا المقام حديث في الصحيح: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لأن يمتلئ جوف الرجل قيحاً يريه خير من أن يمتلئ شعراً". وفي رواية عن مسلم عن أبي سعيد قال: "بينما نحن نسير مع رسول الله ﷺ بالعرج إذ عرض شاعر ينشد فقال رسول الله: "خذوا الشيطان أو أمسكوا الشيطان؛ لأن يمتلئ جوف رجل قيحاً خير من أن يمتلئ شعراً". فهذا الحديث في ظاهره يدل على التنفير من الشعر والحث على هجره واجتنابه.. بل على تحريم تعاطيه فهو كقوله ﷺ "من لعب بالنردشير فكأنما غمس يده في دم خنزير".
ولو كان ذلك كذلك: فما ورد من تمثله ﷺ بالشعر وإنشاده بين يديه واستنشاده له واتخاذه شعراء كحسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وعبد الله ابن رواحة.. يعارض هذا ويناقضه.. هذا مع أنه لا يعقل أن ينهى النبي ﷺ العرب عن الشعر وقد علم مكانته في نفوسهم.
وقد روي عن السائب المخزومي ﵁ أنه كان يقول: "أما والله لو كان الشعر محرماً لوردنا الرحبة كل يوم مراراً", (والرحبة الموضع الذي كانت تقام فيه الحدود) ولكن المعنى والله أعلم: هو النهي عن الاشتغال به عن القرآن، وعن ذكر الله، ويدل عليه لفظة "يمتلئ"فإن القلب إذا افتتن بالشعر فامتلأ منه لم يبق به موضع لذكر الله ودراسة القرآن والحديث..
стр. 1795
وهذا ما ذكره بعض المحققين منهم البخاري فقد أورد هذا الحديث في الأدب المفرد معنوناً له بقوله: (باب من كره الغالب عليه الشعر) .
وقال النووي في شرح هذا الحديث: "الصواب أن المراد أن يكون الشعر غالباً عليه مستوليا عليه بحيث يشغله عن القرآن لكريم وغيره من العلوم الشرعية". اهـ.
ومن أوضح الأدلة على هذا المعنى أن الله لما استثنى الشعراء وصفهم بقوله: ﴿آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ فإذا لم يشغل الشعر صاحبه عن الإيمان والعمل الصالح وذكر الله، وكان وسيلة لنصر المسلمين والذب عن الدين والدفاع عن المظلومين، فلا يتوجه إليه النهي والذم ولا غضاضة في تعاطيه، وقد يكون المقصود بالحديث أيضاً الشعر الذي يخالف آداب الإسلام، فإن الإسلام حرم عادات الجاهلية من تعاظمها بالآباء ومن النياحة والكذب وقذف الأعراف والتشبيب بالمحجبات.. وقد كانت هذه كلها عادات مستحكمة في الشعر عند العرب.. فشدد الرسول في القضاء عليها والنهي عنها.
أخرج البخاري (في الأدب) بسنده عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "إن أعظم الناس جرماً إنسان شاعر يهجو القبيلة من أسرها ورجل ينتفي من أبيه".. وأخرجه ابن ماجة بلفظ: "رجل هاجى رجلا فهجا القبيلة بأسرها" وصحح هذا الحديث ابن حبان.
ويؤيد هذا المعنى والذي قبله ما أخرجه أحمد والترمذي وصححه أن الصحابة ﵃ كانوا يتناشدون الأشعار في المسجد فلا ينهاهم النبي ﷺ وربما ابتسم معهم، وكذلك ما أخرجه مسلم من أن حسان كان ينشد في المسجد وفيه رسول الله ﷺ .
стр. 1796
وفي رواية عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال (١) : "لم يكن أصحاب رسول الله محتزقين ولا متماوتين، وكانوا يتناشدون الشعر في مجالسهم، ويذكرون أمر جاهليتهم، فإذا أريد أحد منهم على شيء من أمر الله دارت حماليق عينيه كأنه مجنون".
هذا مع ما روي من قوله: "إن من البيان لسحراً وإن من الشعر لحكمة". وفي رواية: "لحكما" (٢) .
وقد روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: "الشعر منه حسن ومنه قبيح، خذ بالحسن ودع القبيح، ولقد رويت من شعر كعب بن مالك أشعاراً منها القصيدة الأربعون بيتاً ودون ذلك" (٣) .
وروي عن أبي العالية قال: كنت أمشي مع ابن عباس وهو محرم وهو يرتجز بالإبل يقول:
إن تصدق الطير لميسا
وهن يمشين بنا هميسا
وذكر البخاري في الأدب قال: ثنا إبراهيم بن المنذر قال: ثنا معن قال: ثنا عمر بن سلام أن عبد الملك بن مروان دفع ولده إلى الشعبي يؤدبهم فقال: علمهم الشعر يمجدوا وينجدوا..
ولعل هذا المقصد وهو ألا يغلب الشعر أصحابه فيشغلهم عن القرآن.. قد تجلى في بعض الشعراء الذين انصرفوا عن الشعر إلى القرآن كلبيد بن ربيعة العامري.. فإنه عاش في الإسلام خمساً وخمسين سنة ولم يقل إلا أبياتاً أو بيتاً من الشعر..
قال الحافظ في ترجمته (٤) : لما كتب عمر إلى عامله بالكوفة: سل لبيداً والأغلب العجلي ما أحدثا من الشعر في الإسلام. قال لبيد: أبدلني الله بالشعر سورة البقرة وآل عمران، فزاد عمر في عطائه.
وفي رواية: ما قلت شعراً منذ سمعت الله يقول: ﴿ألم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيه﴾ .
ويقال إنه ما قال في الإسلام إلا بيتاً واحداً هو قوله:
حتى اكتسيت من الإسلام سربالا
الحمد لله إذ لم يأتني أجلي
ـ للبحث صلة ـ
---
(٥) العمدة: لابن رشيق.
(٦) الحاقة: ٤١، ٤٢.
(٧) قيل: إنه يريد بالتوحيد نوعاً من التمر معروفاً وهناك رواية (حلاوة) بدل (أحلى من) - المجلة -.
(٨) يس: ٦٩.
(٩) الحاقة: ٤١ ـ ٤٣.
стр. 1797
(١) الشعراء: ٢٢٤ ـ ٢٢٧.
(٢) الأدب المفرد.
(٣) البخاري عن أبي بن كعب والترمذي وأبو داود عن ابن عباس.
(٤) الأدب المفرد.
(٥) الإصابة: ج٣.
стр. 1798
(صدر حديثاً)
من مؤلفات بعض مشايخ الجامعة الإسلامية:
١-
أضواء البيان ـ الجزء الخامس ـ لفضيلة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي
٢-
همسات قلب ـ الديوان الثاني من شعر الشيخ محمد المجذوب.
٣-
مشكلات الجيل في ضوء الإسلام ـ بقلم الشيخ محمد المجذوب.
٤-
تأملات في المرأة والمجتمع ـ بقلم الشيخ محمد المجذوب.
٥-
مشاهد من حياة الصديق ـ بقلم الشيخ محمد المجذوب.
٦-
بطل إلى النار ـ طبعة ثانية ـ بقلم الشيخ محمد المجذوب.
٧-
قصص من سورية ـ طبعة ثانية ـ بقلم الشيخ محمد المجذوب.
٨-
قصص للشباب والطلاب ـ طبعة ثانية ـ بقلم الشيخ محمد المجذوب.
٩-
الأدب العربي ـ للسنة الثانية من الكليتين ـ بقلم الشيخ محمد المجذوب.
١٠-
منهاج المسلم ـ للسنة الثانية مزيدة ـ بقلم الشيخ أبي بكر جابر الجزائري.
١١-
فقه الدعوة ـ بقلم الشيخ أحمد حسن.
١٢-
عشرون حديثاً من صحيح البخاري ـ دراسة أسانيدها ومتونها للسنة الأولى من كلية الشريعة ـ بقلم الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد.
١٣-
عشرون حديثاً من صحيح مسلم ـ دراسة أسانيدها وشرح متونها للسنة الثانية من كلية الشريعة ـ بقلم الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد.
١٤-
حقوق المرأة في الإسلام ـ طبعة ثانية ـ بقلم الشيخ عبد القادر شيبة الحمد.
стр. 1799
في ظلال سورة الأنفال
بقلم الشيخ: أبي بكر جابر الجزائري
المدرس في الجامعة
وقال الله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ, وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ, إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ﴾ .
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله
وبعد، فهذه آيات ثلاث أخرى من سورة الأنفال نتفيؤ ظلالها مع الإخوة القراء، تقوية لإيماننا، وتنمية لمشاعر التقوى والإحسان في نفوسنا، ترقية للأرواح، وتهذيباً للوجدان.
صلة هذه الآيات بسابقاتها:
стр. 1800
ما هذه الآيات التي نتفيؤ الآن ظلالها إلا بمثابة جواهر ثلاث من عقد النعم الذي طوقه الله تعالى جيد أصحاب رسول الله ﷺ يوم بدر الانتصار، فهو يمنه عليهم ويذكرهم به، ليبين لهم أن الذي أولاهم تلك النعم، ووهبهم ذلك الإحسان والإفضال لم يكن في انتزاعه الغنائم منهم ساعة اختلفوا في قسمتها وتنازعوا فيها، ليجعلها له ولرسوله يحكم فيها تعالى بما يشاء، ويقسمها الرسول على ما يريد، لم يكن ذلك عن بغض لهم، ولا عن إرادة شر، أو سوء بهم، وإنما كان من باب مزيدهم إفضالاً فوق الإفضال وإنعاماً وإحساناً فوق الإنعام والإحسان، فهو تعالى يقول لهم: اذكروا الوقت الذي أحاطت بكم المخاوف من كل جانب، وانتابكم الفزع، واستبد بكم القلق ففزعتم إلى ربكم تستغيثون، فأمدكم بألف من الملائكة مردفين، فكانت تلامس أرواحكم فتقوى عزائمكم، وتخالط صفوفكم فيشتد بها أزركم، ويحمي ظهركم، واذكروا ليلة لقائكم عدوكم والخوف الشديد يساوركم فيطرد النوم من أعينكم، فما أنتم ساعتها إلا نفوس حائرة وأعصاب ثائرة مرتاعون ارتياع من طار قلبه وفارقه عزمه، وعيل صبره. كيف غشاكم ربكم برداء رحمته بنعاس خالط الأجفان، فكان الأمان، فبه زالت المخاوف، وذهب القلق، فسكنت لذلك القلوب وهدأت الأعصاب، وقضيتم ليلتكم نائمين إلا ما كان من نبيكم عليه صلوات وسلام ربكم فإنه قضى ليلته يناجي ربه، ويسأله إنجاز وعده.
واذكروا إذ سبقكم عدوكم إلى الماء فنزل عليه، وحال بينكم وبين الوصول إليه، فقبض بذلك على زمام المعركة، وعزم على أن يقودها نصراً له وهزيمة عليكم، وكيف أنزل عليكم ربكم من السماء ماءً فأزال به ظمأكم، وطهر به أحداثكم، وأبعد وسواس الشيطان من صدوركم، ربط به القلوب، وثبتت به الأقدام.
لعلك، أخي القارئ، قد أدركت بهذا وجه المناسبة والصلة بين الآيات السابقة وهذه اللاحقة، فنمضي معك الآن قدماً في تفيء ظلال هذه الآيات.
стр. 1801
إن الآية الأولى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ .
يخاطب فيها الرب ﵎ أصحاب رسول الله ﷺ مذكراً إياهم بنعمة استجابته دعاءهم يوم استغاثوه طالبين نصره فأغاثهم بأن أمدهم بألف من الملائكة مردفين (متتابعين) فكان في ذلك ما قوى عزائمهم، وحمى ظهورهم حتى انتصروا على عدوهم الذي يفوقهم عدداً، ويتفوق عليهم عدة.
أما الآية الثاني: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ .
فقد تضمنت إعلامه أصحاب رسول الله ﷺ بأن الإمداد بالملائكة لم يكن إلا من قبيل التبشير بالنصر، والتطمين للقلوب، أما نصر الله متى أراده فإنه لا يتوقف على شيء من ذلك أبداً.
كما تضمنت الآية الإخبار بأن أي نصر يكسبه الإنسان في هذه الحياة موضوع من الله، موهوب من لدنه ، فلا يتصور وجود نصر خارج عن عطاء الله وهبته ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ ومن هنا وجب أن يطلب النصر دائماً من الله تعالى إذ هو مالك النصر وواهبه، فليتوسل في الحصول على أي نصر بطاعة الله تعالى باتباع شرائعه والأخذ بسننه في خلقه، ومن أراد النصر من غير طريق الله العزيز الحكيم فإنه لا يظفر به ولا يحصل عليه مهما بذل من جهد، وأنفذ من طاقة؛ لأن الله عزيز غالب لا يمانع في شيء يريده، ولا يمتنع عنه شيء أراده، حكيم يهب النصر ويضعه في يد من يستحقه، فلا يعطي نصراً ولا يمنحه غير مستحقه، وهذا بعض ما يدل عليه قوله: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ .
стр. 1802
وأخيراً الآية الأخيرة: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ﴾ .
فإن معناها: التذكير بنعمتين أخريين هما: تغشيه تعالى لهم بنعاس كان أماناً لهم من المخاوف التي ما برحت تساورهم، ومن القلق الذي هيج أعصابهم، وأطار النوم عن أعينهم بحيث لو باتوا على تلك الحال من الهيجان والقلق والخوف لما أمكنهم غداً قتال عدوهم، ولما استطاعوا الوقوف أمامه، ولكن تداركهم الله برحمته فأغشاهم بذلك النعاس الذي ذهب به كل تعب جسماني وروحاني فأصبحوا وهم أقدر على خوض المعركة والاستبسال فيها والصبر على خوضها حتى تم لهم النصر بإذن الله.
والثانية: إنزال الله تعالى عليهم ماء من السماء والذي كان له أعظم الأثر وأطيبه في إصلاح حالهم، وإعدادهم لخوض المعركة والانتصار فيها، وذلك أن هذا الماء المنزل عليهم اشتمل على أربع فوائد عظيمة إليكها أخي القارئ واحدة بعد أخرى:
١- تطهيرهم به تطهيراً حسيا بالنظافة التي انشرحت بها الصدور، ونشطت بها الأعضاء، وتطهيراً شرعيا بإزالة الأحداث الكبرى والصغرى.
٢- إذهاب رجز الشيطان عنهم، وهو ما كان يلقيه في نفوسهم بالوسوسة كان يقول لهم: أتزعمون أنكم على الحق، وفيكم نبي الله، وقد غلبكم عدوكم على الماء فها أنتم ظامئون عطاشاً تصلون بغير طهارة، فكيف تنتصرون غداً إلى غير ذلك مما كان يؤلم به نفوسهم ويعذبهم به.
٣- الربط على القلوب وهو تثبيتها وتوطينها على الصبر بما حصل لهم من ارتياح كبير بحصولهم على الماء واستيلائهم عليه دون عدوهم.. إذ أنهم قاموا من آخر الليل وصنعوا الحياض للماء، ثم غوروا ما عدا حياضهم ونزلوا عليها وبنوا لنبيهم عريشاً فوقها ليدير المعركة غداً من هذا المركز الذي أرشد إليه الحباب ابن المنذر ﵁.
стр. 1803
٤- تثبيت الأقدام، إذ كانت الأرض رملية دهاسا تسوغ فيها الأقدام، فلما نزل بها الماء تماسكت واشتدت وأصبح المقاتل ثابت القدم عليها يمكنه أن يكر ويفر، ويجول في ساحة المعركة كما يشاء.
مباحث الألفاظ:
الاستغاثة: طلب الغوث والإنقاذ من الهلكة.
مردفين: متتابعين يردف بعضهم بعضاً، من أردفه على الدابة إذا أركبه وراءه على ردف الدابة وهو عجزها.
يغشيكم: يلقي النعاس عليكم كما يلقي الغشاء الغطاء على الشخص.
النعاس: أول النوم، وهو فتور في الحواس وأعصاب الرأس يعقبه النوم.
أمنة: أماناً أكسبهم طمأنينة في نفوسهم وسكوناً في قلوبهم.
رجز: عذاب، وهو ما تخلقه وسوسة الشيطان من آلام في النفس.
هداية الآيات:
من ضروب الهداية في هذه الآيات ما يلي:
أ - الاستغاثة من العبادة ولا تصلح لأحد غير الله تعالى، وقد ورد أنه قيل للرسول ﷺ يوماً: تعالوا نستغيث برسول الله من هذا المنافق (لمنافق كان يؤذيهم)
فقال لهم ﵊: "إنه لا يستغاث بِي، وإنما يستغاث بالله".
ومن هنا يتبين خطأ أولئك الذين يستغيثون بالأولياء والصالحين يا فلان، يا فلان مما هو صريح الشرك والعياذ بالله.
ولو كان يجوز الاستغاثة بغير الله تعالى لاستغاث رسول الله وأصحابه، وهم في أحلك الظروف وأشدها.. ولكن كانت استغاثة الصحابة: يا رب، يا رب انصرنا على عدوك، يارب أغثنا، يا غياث المستغيثين.. وكانت استغاثة رسول الله ﷺ : "اللهم أنجز لي ما وعدتني به اللهم آتني ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض" فلم يسألوا الله تعالى بحق أحد ولا بجاه آخر، ولو كان ذلك جائزاً لما تركوه وهم في أشد الحاجة إليه، وأمسها إلى مثله.
ألم يسع المسلمين اليوم ما وسع نبيهم وأصحابه، ألم يكفهم ما كفى سلفهم؟ أليس الله بكاف عبده؟
стр. 1804
ب - في استجابة الله تعالى لرسوله وأصحابه بإمدادهم بالملائكة وإنزال الماء عليهم ونصرهم على عدوهم الأكثر منهم عدداً وعدة كرامة واضحة من الله تعالى لهم، ولهذا كانت عقيدة السلف إثبات الكرامات لأولياء الله تعالى، وتضليل من ينفيها.
جـ - النصر لا يأتي من أحد غير الله تعالى، إذ الله وحده المالك له وهو الذي ينصر من يشاء ويخذل من يشاء، فلا ينبغي أن يطلب النصر إلا منه تعالى، وذلك بطاعته في شرعه وسننه، في شرعه بامتثال أمره واجتناب نهيه، وفي سننه في خلقه بجمع القلوب على القتال، والصبر فيه، وإعداد ما يلزمه من عدة وعتاد وطاعة القيادة، والأخذ بالحذر، وبذل ما في الوسع من طاقة وجهد.
وأخيراً إلى اللقاء أيها القارئ في ظلال آيات أخرى إن شاء الله تعالى.
стр. 1805
مع الصحافة
تحقيق صحفي مع فضيلة الأمين العام للجامعة الإسلامية
حول المؤتمر الإسلامي في أمريكا الجنوبية
نشرت صحيفة عكاظ في عددها ١٨١٥ تحقيقاً صحفيا مع فضيلة الشيخ محمد ناصر العبودي الأمين العام للجامعة الإسلامية بمناسبة عودته من البرازيل حيث حضر باسم المملكة العربية السعودية المؤتمر الإسلامي الأول للمؤسسات الإسلامية في أمريكا الجنوبية الذي عقد في مدينة سان باولو في البرازيل، إعداد الأستاذ محمد عبد الله الحصين، تحت عنوان:
مسلمو أمريكا اللاتينية يباركون جهود الفيصل.
رئيس وفد المملكة إلى مؤتمر المؤسسات الإسلامية في البرازيل يتحدث لصحيفة عكاظ.
المؤتمر يدعو إلى جمع التبرعات للمجاهدين في فلسطين.
في المهجر مجلة عربية تهتم بنشر أنباء تطور المملكة وخاصة في المجال الثقافي..
عقد مؤخراً في مدينة سان باولو في البرازيل مؤتمر للمؤسسات الإسلامية، وقد وجهت الدعوة إلى المملكة العربية السعودية لحضور هذا المؤتمر فبادرت كدأبها إلى الاستجابة إيماناً منها بفاعلية مثل هذه المؤتمرات التي تستهدف نشر الدين الإسلامي والدعوة إلى اعتناقه فأوفدت فضيلة الشيخ محمد ناصر العبودي الأمين العام للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وقد التقيت بفضيلته بعد عودته من حضور المؤتمر إلى المدينة المنورة وأجريت معه هذا الحديث:
قلت لفضيلته: ما هي أهداف المؤتمر؟
стр. 1806
فأجاب قائلاً: هو المؤتمر الأول أو كما أسماه المؤتمرون حرفياً (المؤتمر الإسلامي الأول للمؤسسات الإسلامية في أمريكا اللاتينية) والغرض منه مناقشة ودراسة الأمور التي تهدف إلى رفع شأن المسلمين في أمريكا اللاتينية وإيجاد التعاون بينهم وتأمين مستقبل أولادهم من الناحية الدينية وذلك مثل توفير التعليم الإسلامي وتعليم اللغة العربية لهم، كما تضمن جدول أعمال المؤتمر مسائل كثيرة كلها داخلة في موضوع العمل على رفع شأن المسلمين ومنها إبراز شخصية المسلمين في أقطار أميركا اللاتينية والاعتراف بهم كهيئة دينية لها مقامها المعتبر.
وقد استغرق المؤتمر خمسة أيام.
وإجابة على سؤال عن الدول التي اشتركت في المؤتمر قال فضيلته:
المؤتمر كما قلت هو للمؤسسات الإسلامية في أميركا اللاتينية وقد اشترك فيه ممثلون عن المسلمين في البرازيل والأرجنتين وفنزويلا وكولمبيا وأرغواي، هذا إلى جانب الوفود التي وجه لها المؤتمرون الدعوة لحضور المؤتمر من خارج قارة أميركا الجنوبية وقد حضره من الوفود وفد المملكة العربية السعودية ووفد من مصر كما مثلت بعض الدول الإسلامية كالباكستان وأندونيسيا بسفرائها في تلك البلاد.
وسألت فضيلته عن القرارات التي اتخذها المؤتمر فقال:
تضمنت قرارات المؤتمر أموراً كثيرة من أهمها:
١- إنشاء اتحاد للجمعيات الإسلامية في أميركا اللاتينية.
٢- تكوين صندوق يصرف منه على الدعوة الإسلامية وما يحتاجه المسلمون في أمور دينهم.
٣- الاتصال بالحكومات الإسلامية في الخارج بغية العمل على إرسال مدرسين ومرشدين للمسلمين في أميركا اللاتينية.
٤- حث جميع المسلمين في كل منطقة ولو كان عددهم قليلاً على أن يبنوا لهم مسجداً ولو كان صغيراً أو غير مستكمل البناء ليكون بمثابة النادي الذي يجتمعون به وعن طريقه يتعارفون وذلك بغية إيجاد الصلة والتعارف فيما بينهم وبالتالي إيجاد التعاون الوثيق بين أفرادهم.
стр. 1807
هذا وقد أعقب المؤتمر أن وجهت بعض الجمعيات الإسلامية في أنحاء البرازيل أي خارج المنطقة التي عقد فيها المؤتمر وهي مدينة سان باولو دعوات إلى ممثلي بعض الدول لزيارتها وقد قمنا بزيارة بعضها وتفقد أحوال المسلمين هناك واستغرق ذلك بضعة أيام.
وإجابة على سؤال عن نشاط الجمعيات الإسلامية هناك قال فضيلته:
نقول مع الأسف الشديد أن نشاط الجمعيات الإسلامية هناك محدود جداً بالنسبة إلى نشاط الجمعية الدينية غير الإسلامية كالجمعيات المسيحية وذلك راجع إلى أمرين أساسيين:
أولا: وهو الأهم وجود الدعم الخارجي مادياً ومعنويا وأهم مظاهر هذا الدعم إرسال رجال الدين من الخارج إلى البرازيل على حين أن الدعم للمسلمين من الخارج يكون معدوماً.
ثانياً: أن أكثرية المسلمين في أميركا اللاتينية هم من التجار الذين هجروا من سوريا ولبنان للرزق وليسوا على مقدار كبير من الثقافة الإسلامية وإن كان لا ينقصهم التحمس لدينهم ومحبة العمل فيما ينفع المسلمين هناك.
وسألت فضيلته عن العلاج الذي يراه فقال:
ـ أعتقد أن أهم شيء وألزمه للمسلمين في أميركا اللاتينية هو إرسال مرشدين يرشدونهم ومدرسين يدرسون أولادهم الدين الإسلامي وينشئونهم تنشئة إسلامية صالحة وهذا أمر إذا تحقق فإنه يحل كثيراً من المشكلات التي يعانيها المسلمون وأخطرها الذوبان في تلك المجتمعات الغريبة عن الإسلام لأن المسلم إذا كان هو في نفسه على درجة كبيرة من الجهل بأمور الدين ثم أرسل أولاده ليتعلموا في مدارس غير إسلامية فمن أين تأتيهم المعرفة بأمور الدين وكيف يحصلون على التربية الإسلامية الصحيحة المطلوبة؟
стр. 1808
وأعتقد أن واجب إرسال المرشدين والمدرسين للمسلمين هناك لا يقتصر على دولة إسلامية دون أخرى بل يجب أن يتضافر المسلمون على القيام بكل ما يجب نظراً لبعد المسافة من جهة ولشدة حاجة المسلمين وتفرقهم به لأن دولة واحدة لا تستطيع أن تقوم في أنحاء تلك القارة من جهة أخرى مما يستدعي معه الحاجة إلى إرسال عدد كبير من المرشدين والمدرسين الدينيين.
وسألت فضيلته هل طرحت قضية فلسطين في المؤتمر فقال:
طرحت في المؤتمر قضايا سياسية خارج قارة أميركا الجنوبية وكان الرأي السائد أن من الأفضل للمسلمين في هذه البلاد النائية أن يركزوا جهودهم على إصلاح أحوالهم لأن في ذلك تقوية للمسلمين في كل مكان على هذا لم يمنع من أن المؤتمر اتخذ قراراً بتأييد جمع التبرعات للمجاهدين في فلسطين ودعا إلى مزيد من التبرعات في هذا السبيل للمستقبل.
وإجابة على سؤال حول نظرة مسلمي أميركا إلى المملكة العربية السعودية قال فضيلته: إن المؤتمرين هم كغيرهم من المسلمين ينظرون إلى هذه البلاد على أنها الوطن الأم الذي شع منه نور الإسلام وهبط على ساحاته الوحي على نبينا محمد ﷺ وقد سروا كثيراً لوجود ممثل المملكة العربية السعودية بينهم ونوهوا بذلك في خطبهم وتوجهوا بالشكر إلى جلالة الملك فيصل بن عبد العزيز حفظ الله على إصدار أمره الكريم بإيفاد ممثل عن المملكة لحضور مؤتمرهم وقد تضمنت قرارات المؤتمر بندا بهذا الخصوص.
وقال فضيلته ردا على سؤال عن نشاط الوفد السعودي في المؤتمر:
الحقيقة أنه شارك في عدة لجان وتقدم باقتراحات مفيدة وقدم باسم المملكة ما يلي:
١- عدداً من المنح الدراسية للدراسة في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة مخصوصة لأبناء البرازيل الذين يحملون الجنسية البرازيلية ويقيمون هناك لأنهم هم الذين سيبقون في بلادهم البرازيل والمؤمل أن ينفعوها بعلمهم في المستقبل.
стр. 1809
٢- قدم كمية طيبة من المصاحف والكتب الإسلامية هدية من الجامعة الإسلامية.
٣- قدم وعداً للسعي في إرسال عدد من المدرسين والمرشدين الإسلاميين إلى هناك حالما تتوفر الظروف لإرسالهم.
وقال فضيلته عن نشاط الجمعيات هناك في بناء المسجد:
هنالك في بعض المدن الكبرى توجد جوامع وفي مدينة سان باولو في البرازيل بصفة خاصة مركز إسلامي أسمه (المركز الإسلامي البرازيلي) ويتكون المركز من مسجد جامع تقام فيه صلاة الجمعة وقاعة صغيرة جداً تلقى فيها المحاضرات وبيت لإمام الجامع ولكن المسلمين يشكون من ضيقه ويزمعون العمل على إنشاء مركز أكبر يلحق به ناد كبير يكون صالحاً لقضاء أوقات الفراغ لأبناء المسلمين تحت إشراف المرشدين المسلمين. كما أن المركز الإسلامي في سان باولو يصدر جريدة أسبوعية صغيرة باللغتين العربية والبرتغالية لغة البلاد.
وتحدث فضيلته عن الحركة الأدبية العربية في المهجر قائلاً: إنه يوجد في البرازيل حركة أدبية عربية مهجرية تقوم على إصدار عدد من المجلات والنشرات الأدبية باللغة العربية وأكثر الذين يقومون على هذه الحركة ويغذونها بإنتاجهم الأدبي وخاصة من إنتاجهم الشعري هم من المسيحيين العرب الذين نزحوا من لبنان وسوريا وذلك لأن عددهم أكثر وعهدهم بالبلاد أقدم، ولهم نشاط بارز في المحافظة على إبقاء اللغة العربية حية في أولادهم وإبقاء مكتباتهم الخاصة عامرة بالكتب العربية.
وأقرب مثال لذلك أن مدينة سان باولو التي عقد فيها المؤتمر الإسلامي تصدر فيها أكثر من ست صحف ما بين جريدة ومجلة باللغة العربية.
стр. 1810
ومن أرقى هذه الصحف مادة لغوية وأرقها إنتاجاً شعريا مجلة (المراحل) التي تقوم على إصدارها وإدارتها امرأة لبنانية في السبعين من عمرها اسمها (ماريانا فاخوري) وهذه المجلة بالذات تهتم بنشر أخبار المملكة العربية السعودية وتعريف العرب في المهجر بالنهضة الأدبية والثقافية في المملكة جرياً على عادتها في توسيع الحركة الثقافية والأدبية بين العرب في الوطن العربي والعرب في المهجر.
وسألت فضيلته عن أهم ما لفت نظره في البرازيل فقال:
أهم ما يلفت نظر السائح من الشرق الأوسط الذي يزور تلك البلاد من الناحية العمرانية والسكانية هو ما بلغته البرازيل من حضارة مادية ورقي عمراني لم نكن نظن أنه يوجد في غير أميركا الشمالية فمثلا ناطحات السحاب توجد بكثرة في سان باولو وفي مدينة ريودي جانيرو والجسور العظيمة تكاد تكون صفة مميزة لمدينة سان باولو التي يبلغ عدد سكانها أكثر من ستة ملايين نسمة وحركة سير السيارات فيها هائلة.
ثم إن المرء ليلاحظ بمزيد من الارتياح أن سكان البرازيل يمكن ملاحظة كونهم يتألفون من عناصر بشرية متعددة أو ربما يقال إنهم يمثلون جميع العناصر البشرية ويلاحظ ذلك بسهولة من تعدد ألوانهم ومع ذلك فإن التسامح العنصري موجود بل إن سياسة عدم التفرقة العنصرية هي السائدة هناك فلا تفريق بين أجناس الناس بسبب اللون أو الثقافة أو غيرهما.
ثم إن المرء إذا خرج إلى الريف البرازيلي وبخاصة إذا رأى مزارع البن فإنه يدهش إذا رأى المزارع الخضراء تغطي مساحات شاسعة ويمكن ملاحظة بعض مساحاته بالطائرة مما يجعل المرء يعتقد بأن دولة البرازيل سيكون لها مستقبل عظيم في السياسة الدولية في بحر عشرين سنة المقبلة لا سيما إذا لاحظنا أن عدد سكان البرازيل في الوقت الحاضر ٩١ مليون نسمة وأنهم يرحبون بالمهاجرين الجدد لأنهم يعتقدون أن بلادهم لا زالت في حاجة إلى أيد عاملة.
(درر)
стр. 1811
ما خاب تاجر صادق، ولا تلميذ مجتهد، ولا صانع ماهر، المعروف قروض، والأيام دول، ومن توانى عن حقه ضاع، ومن قاهر الحق قهر.
الإمام علي كرم الله وجهه.
стр. 1812
مكانة المسجد في الإسلام
بقلم الشيخ: محمد بن حمود الوائلي
المدرس بمعهد الجامعة
إن للمسجد في المجتمع الإسلامي دوره التاريخي يبقى بقاء العقيدة ويخلد خلود الإيمان ومن مناراته تعلو أصوات المؤذنين وتتكرر كلمات التوحيد التي توالت رسل الله تبينها لأممها واضحة المعالم نيرة السبل بينة المراسيم هذه العقيدة التي تجمع الشتيت وتلم الشعث وتربط الأفراد بعضهم ببعض دون نسب ولا صلة، فتذوب أمامها كل الفوارق، وتزول بها كل الحواجز..
بهذه العقيدة أصبح الحفاة العراة رعاة الشاة سادة وقادة..
وأصبحت الأمة الإسلامية مهيبة الجانب عزيزة السلطان موفورة الكرامة أقامت في إطار عقيدتها حضارة شامخة وحياة سعيدة.
ثم يلي ذلك النداء إلى الركن الثاني وهو إقامة الصلاة فتنعقد صلة العبد بربه بعد توحيده والإقرار له والإيمان به لتزاد عقيدته وتعلو ولتزداد تلك العقيدة سمواً ورفعة ويزداد صاحبها قرباً إلى الله.
فالصلاة عامل وقائي للفرد وللمجتمع من أن تتفشى فيه الفواحش أو المنكرات وهي وسيلة لمناجاة العبد لربه فتزكو نفسه وتنغرس فيها قوة قابلة للخير فتتكون بهذه النفس الطيبة أسرة صالحة تعمل لبناء المجتمع الناجح، فتكون الألفة شعارها والدين غايتها والمحبة ضالتها المنشودة فمتى تم هذا كما شرعه الله لا يكون بيننا جائع ولا عار ولن تسيل قطرة دمع لظلم ظالم أو طغيان جائر.
يلي هذا النداء مناجاة الله فتسعد بها النفوس.
إذن فالمسجد هو المركز الأول للإشعاع الروحي والعلمي لأنه مكان العبادة والتعلم وموطن التذكير والتفقيه والتوجيه.
فبيت الله الحرام قبلة المسلمين تتجه الوجوه شطره والأبصار نحوه تتحلق والجموع حوله، وهذا رسول الله ﷺ ينزل المدينة فيكون من أولى خطواته لبناء الدولة الإسلامية أن يقيم على هذه الأرض الطاهرة مسجده ليعلم الناس الخير ويجمعهم على عبادة الله.
стр. 1813
ولم تكن رسالة المسجد في الإسلام قاصرة على الصلاة وحدها بل كانت المساجد ولا تزال مفتحة الأبواب لا يرد عنها طالب علم أو قاصد ثقافة.
ففي مسجد الرسول ﷺ أقام فقراء المهاجرين وفي هذا المسجد استقبل الرسول ﷺ الوفود ومنه انطلقت البعوث وأرسلت الجيوش.
ولقد كان هذا المسجد الجامعة الأولى التي ربى فيها رسول الله ﷺ أصحابه على يديه خير تربية فقهوا في دين الله فكانوا إذا تعلموا من النبي ﷺ آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العمل.
فكان الصحابة رضوان الله عليهم يختلفون إلى هذه المدرسة فيصيبون فيها علماً وهدى وفضائل وأدباً وأحكاماً ما اتسعت لذلك أوقاتهم وساعدت عليه ظروفهم.
ولقد كانت التربية العملية في هذه المدرسة الأولى لها المقام الأول في العناية لأنها نتيجة العلم وثمرته.
فأصبحت إطاراً لكل فضيلة وسياجاً من كل ظلم، ومناجاة من كل رذيلة، وحماية من كل كبر.
فكانت أساليب رسول الله ﷺ في تربية أصحابه المثل الأعلى في تكوين الإنسانية بأسمى صفاتها.
فتخرج أصحاب رسول الله ﷺ من هذا المسجد بقيادة حميدة وتعاليم رشيدة يمضون في مسالك الأرض يقيمون الحق وينصرونه ويدعون الله فقادوا العالم إلى وجهه سليمة واتجهوا به إلى شاطئ السلام.
حملوا للعالم ديناً ينظم حياته، ويساير فطرته، ويسمو بإنسانيته، وأماطوا عنه حجب التشاغل وأزالوا عنه ركام المادة فاهتدت القلوب بعد الضلال، وسكنت النفوس بعد الاضطراب، فكان صحابة رسول الله ﷺ علماء أجلاء وقواداً عظماء تسير الفتوحات أين ساروا، ضربوا للعالم بعد رسول الله أروع مثل في الإخلاص لدين الله مع شجاعة فائقة، ونضوج عقل، فاستطاع المسلمون في مدة وجيزة أن يقضوا على الدولتين العظيمتين الروم وفارس رغم ما كان لهما من القوة وشدة البأس، وأن يقلبوا التاريخ رأساً على عقب.
стр. 1814
هذا كله من نتائج هذه البيوت التي أقيمت ليعلو فيها ذكر الله وتزدان بالتقوى وعبادة الله ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ, رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ﴾ .
إن المسجد حصن من حصون الإسلام كيف لا يكون ذلك وفيه قرآن يتلى وصلاة تقام وتسبيح لله يرتفع.
كيف لا يكون المسجد خير ما يبنى على الأرض والرسول ﷺ يقول: "من بنى مسجداً يبتغي به وجه الله بنى الله له بيتاً في الجنة".
ولهذا نرى أن المسلمين إذا نزلوا أرضاً أو فتحوا مصراً يكو عملهم الأول أن يبنوا مسجداً لله فهو موضع عبادتهم ومركز تجمعهم، ومجلس قضائهم علانية بأحكام الله، وما ذهبت دولة المسلمين وضاع سلطانهم واستهان بهم أعداؤهم إلا بانحرافهم عن عقيدتهم، وما زهد المسلمون في مساجدهم إلا يوم ضعف شأنهم وانحطت كرامتهم وتفرقت كلمتهم وتمزقت ديارهم.
وإننا لنرى اليوم الكثير من شباب المسلمين يبتعدون عن بيوت الله وهم يعلمون أنهم لن يقوم لهم مجد ولا عز ولن تصبح لهم كرامة وهيبة إلا بعودتهم إلى المساجد فتتعلق بها قلوبهم وتهوى إليها أفئدتهم فيعمرونها بالإيمان وإقام الصلاة ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلآَّ اللَّه﴾ الآية.
فالمساجد بيوت الله لا يعبد فيها غير الله ولا يدعى بها إلا الله: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ .
стр. 1815
لقد عرفنا ما للمسجد في الإسلام من مكانة عالية ومنزلة رفيعة، وأنه بموضع القلب النابض لدى المسلمين، ولهذا نرى أن أول كيد في الإسلام كان كيد الذين اتخذوا مسجداً ضراراً وكفراً وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادَاً لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ, لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيه, ِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ، أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ, وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، لا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ .
وإنه لا يخفى اليوم على كل مسلم ما تقوم به الصهيونية الخبيثة على سمع ومشهد من العالم من انتهاك لحرمات المسلمين، وتهديم لمعالم الهدى، وإطفاء لنور التقوى مع تقتيل الشيوخ والأطفال والنساء.
فأين نحن اليوم مما كان عليه أبطال بدر وأحد، وفرسان القادسية واليرموك؟ أين نحن من أولئك القوم الذين دافعوا عن رسالة الإسلام حتى أوصلوا أمانتها إلى من بعدهم سالمة كاملة فتناقلتها العصور حتى وصلت إلينا اليوم.
إنها رسالة الإنسانية الخالدة التي لا دواء لها من أوصابها إلا بها، وهي أمانة ثقيلة على من أثقل نفسه بالشهوات والأباطيل خفيفة على من عاد إلى فطرة الله وتحرى في أعماله سبيل الله، وقصد بجميع تصرفاته وجه الله.
стр. 1816
ألا ما أحوج المسلمين اليوم إلى شباب يهضمون رسالة الإسلام فتمتزج بها نفوسهم، وتنبض بها قلوبهم، وتراها الأمم في أخلاق حملة أمانتها وفي أعمالهم وتصرفاتهم فتنقاد من ورائهم إلى هذا الحق.
لقد أمعن اليهود في غرورهم وتمادوا في طغيانهم وازدادوا في عتوهم دون أن تفل له صفاة أو تقصف لهم قناة.
يا عجباً كل العجب من تمادي هؤلاء المعتدين في باطلهم وفشل المسلمين عن حقوقهم.
أين نريد، أفراراً من الزحف؟ والله يقول: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ أم خوفاً من الموت والله يدعونا إلى الجهاد في سبيله ويعدنا جنة عرضها السموات والأرض أكلها دائم وظلها ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ .
إن المسلمين اليوم في حاجة ملحة إلى تمزيق حجاب الجهل بالدين الصحيح وذلك بالالتفاف حول عقيدة الإسلام الخالدة فهي لب الإيمان وجوهر الإصلاح، والعودة إلى تعاليم الدين الحنيف فهو الدين الوافي بمطالب الإنسانية الصالح لها في كل جيل يسد عوزها، ويكفيها عن مورد آخر تستقي منه حاجتها فقد أغناها الله بالمنهل العذب والمعين الذي لا ينضب.
стр. 1817
وبذلك يكون المسلمون قد وضعوا أيديهم على مفاتيح العزة وأسباب السعادة فتزول الفرقة وتحل الألفة ثم تنطلق الجموع المؤمنة تقطع الفيافي وتتخطى المفاوز دون أن تتعثر خطاها أو تحيد عن غايتها فتدخل ساحة الوغى وميدان القتال لتحرر مساجد الله من عبث العابثين وظلم الظالمين، إذ أن أعظم بقعة يجب الدفاع عنها والقتال دونها بيوت الله التي ما أقيمت إلا ليعلو فيها ذكر الله.
وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ .
هذه هي مكانة المسجد في الإسلام استقيناها من نهج رسول الله ﷺ وأصحابه الكرام وهم القدوة الحسنة، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.
стр. 1818
من وحي السنة
بقلم الشيخ علي ناصر فقيهي
مدير المعهد الثانوي في الجامعة الإسلامية
عن النعمان بن بشير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى". رواه مسلم، وفي رواية له: "المسلمون كرجل واحد إن اشتكى عينه اشتكى كله".
هذا اللفظ الموجز البليغ الذي نطق به رسول الهدى ﷺ ورسم فيه ما ينبغي أن تكون عليه الأمة الإسلامية من التماسك والترابط وشد بعضهم بعضاً حيث شبهها بالجسد الواحد إذا أصاب المرض منه عضواً واحداً أصاب جميعه القلق والسهر وعدم الهدوء والراحة التي كان ينعم بها حينما كان صحيحاً، يا ترى هذه الأمة المسلمة المتصفة بهذا الوصف العظيم الذي يقوم فيه المسلم بحق أخيه المسلم في أي مكان وجد وبأي لون اتصف وبأي لغة تكلم، ما دام مسلماً ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ هل هي موجودة الآن، وهل وجد لها هذا الوصف في ماحي التاريخ؟
إذا رجعنا إلى العصر الأول عصر الترابط والتضحية والجهاد في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا وجدنا ذلك واضحاً وضوح الشمس في رابعة النهار.
نجد من يضحي بحياته فينام على السرير الذي يعلم يقيناً أن سيوف المشركين تترقب الانقضاض على صاحبه ويتغطى ببرده ﵊.
وذلك هو علي بن أبي طالب ﵁، ونجد آخر يجاهد بنفسه وماله - كما هو واضح من سيرة الصديق ﵁ ونرى عثمان ﵁ يجهز جيشاً كاملاً.
стр. 1819
ونجد مثالاً رائعاً في الإيثار والتضحية والتعاطف والتراحم ذلك هو ما وقع في معركة القادسية، إذ عرض الماء على جماعة كل واحد منهم في آخر رمق من حياته وهو بحاجة إلى جرعة ماء ليهون بها عن نفسه من سكرات الموت، فينظر إلى آخر فيراه ينظر إليه فيعلم أنه في حاجة إلى الماء، فيقول للساقي: قدمه إليه لعله أحوج مني، وهكذا إلى أن يصل إلى آخرهم وكل واحد منهم يؤثر أخاه على نفسه، ثم يرجع الساقي إلى الأول فيجده قد قضى نحبه، فإلى الثاني كذلك ويلقون ربهم جميعاً ويبقى الماء.
كما نجد في التاريخ أيضاً امرأة هتكت حرمتها فنادت: وا معتصماه! فجهز جيشاً كاملاً.. استجابة لدعوتها.
بعد هذه المقدمة القصيرة نلقي نظرة على واقع مسلمي اليوم ومدى ترابطهم وشد بعضهم بعضاً على ضوء هذا الحديث النبوي الكريم.
مع مقارنته بما عليه أعداء الله والذين هم على دين انتهت مهمته بالرسالة الشاملة الكاملة.
تعرف أيها القارئ الكريم ما حدث في فلسطين من قادة الكفر في أنحاء العالم ومدهم الشرذمة الذليلة المشردة المضروب عليها بالذلة والمسكنة إلى يوم القيامة بما يحتاجونه من سلاح وغيره إعداداً للنيل من الإسلام والمسلمين، وما حدث أثر ذلك من القتل الجماعي وتهديم المساكن والمساجد التي يذكر فيها اسم الله، وتشريد أهلها إلى مخيمات لاجئين يقاسون ما يقاسون من البرد القارس في الشتاء والحر المهلك في الصيف، ويعانون الأمراض التي تجتاحهم وأطفالهم ونساءهم.. كل ذلك يجري ويزداد يوماً بعد يوم بإجلاء العائلات ونسف مساكنها.
بل على العكس نسمع وكالة غوث اللاجئين تدعي عجزاً في ميزانيتها وتأتي بشتى الوسائل لإسقاط بعض ما تدفعه لهؤلاء المنكوبين، بدعوى أن أكثرهم ينتسبون لجهات تستطيع الوكالة بأسبابها إسقاط ما يستحقون ولا غرابة في ذلك فمن المشرف على هذه الوكالة؟
стр. 1820
وما ذلك إلا لأن ما وصف به الرسول ﷺ الأمة الإسلامية من التعاطف والتراحم وجعلها كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
ولا يوجد إلا قليلاً - ولا يمكن تحققه إلا إذا وجد من يتصف بتلك الصفات التي اتصف بها أسلافنا وأين ذلك في هذا العصر الذي تحقق فيه ما ثبت عنه ﷺ من حب الدنيا وكراهية الموت، ونعود لذكر ما أشرت إليه من المقارنة بين المسلمين على ضوء الحديث وبين أعداء الإسلام وشد بعضهم بعضاً.
سمعنا جميعاً ما حدث في نيجيريا من الحرب الأهلية التي استمرت أكثر من سنتين وانتصار الاتحاديين على البيفريين الانفصاليين.
فقد ضجت النصرانية والصهيونية في أقطار العالم من حكومات وجمعيات وكنائس وكل نصراني في العالم خوفاً على إخوانهم في بيفري أن يفتك بهم من قبل أعدائهم، كأنما يمثلون - ويا للأسف - ما قاله رسول الله ﷺ في الأمة المسلمة إذا اشتكى واحد منهم هب الجميع لنصرته وإغاثته.
ثم ما قدمته هذه الحكومات والجمعيات والكنائس من إعانات مالية تتمثل في ملايين النقود ومئات الآلاف من الأطنان الغذائية والكميات الهائلة من الأدوية والمستشفيات المتنقلة والأطباء والممرضين وغير ذلك.
كل هذا نقوله بأسف وأسى لما صار ويصير على المسلمين في فلسطين وروسيا وتنزانيا والهند وغيرها من البلدان الإسلامية التي يتعرض سكانها لكل كارثة من قتل ونسف وتشريد عوائل ولا معتصم يجيب، فهل ستعود الأمة الإسلامية كالجسد الواحد؟ ذلك ما نرجوه وما هو على الله بعزيز.
---
(١) تداعى: دعى بعضه بعضاً إلى المشاركة في ذلك.
стр. 1821
من.. ولماذا؟
- قصة -
بقلم الشيخ: محمد المجذوب
كان الرقيب برهان غارقا في نوم ثقيل، عندما انتقل جرس الهاتف الموضوع بحذاء رأسه يقرع سمعه برنين مزعج طويل، ويبدو أنه كان مستغرقاً في حلم غير سار سرعان ما اختلطت أحداثه بهذا الرنين، فإذا هو يهب مذعوراً، وفي غير وعي يجذب جهاز الهاتف ويقذف به بعيداً، فيكاد يصدم رأس زميله المساعد، لولا أن رده جانب الوسادة الذي كان مرتفعاً فوق ذراعه التي اعتادت أن تأخذ مكانها تحتها، كلما أخذ رأسه موضعه فوقها.. وفي هذه اللحظة أخذ الرقيب يسترد كامل يقظته، فاعتذر لرفيقه بأنه كان يحلم أنه في خط النار، وقد سقطت بجانبه قذيفة يدوية، فالتقطها ورمى بها ليتفادى انفجارها..
وكان جرس الهاتف مستمراً في رنينه، فرفع الرقيب السماعة..
- من هنا؟
- هنا مركز قطنا.
- هنا مركز الضابطة العامة في قوة اليرموك بدمشق.. الرقيب برهان يتكلم.
- شكراً.. هنا زميل لكم من ضابطة اليرموك في معسكر قطنا عثر به قتيلاً عند مدخل البلد.
- رقيب.. قتيل؟!.. أهكذا قلت؟!..
- نعم.. رقيب من ضابطة اليرموك الخاصة في قطنا.. وجدته جوالة للشرطة قتيلاً أو ميتاً..
- قتيل.. ميت!! .. أقتيل هو أم ميت؟؟
- المكان يوهم أن في الأمر جريمة.. ولكن لا يبدو في الجثمان ما يدل على ذلك.
- شكراً.. احرسوا الجثمان.. سنجري اللازم حالاً.
وأعاد الرقيب السماعة.. وأطرق يفكر، الساعة الآن الثانية، ومعنى ذلك أنه لم يمض على نومه سوى ساعة.. وقد قضى يومه في عمل متواصل يراقب المتطوعة، ويستمع إلى الشكاوي... وعشرات الأشياء الأخرى، وكان يمني نفسه بإغفاءة لا يقطعها إلا بالنهوض لصلاة الفجر.. وها هو ذا مضطر إلى مغادرة فراشه قبل الموعد بثلاث ساعات، ليبتدأ عملاً لا يعلم متى ينتهي.. ومن يدري فقد يكون الرجل ميتاً لا قتيلاً، ما دام الشرطة، وهم الذين شاهدوا جثمانه، لا يستطيعون القطع بأحد الأمرين، وفي هذه الحال سيكون مجهوده خالياً من كل معنى!..
стр. 1822
وتذكر برهان أن مثل هذا التفكير لا يحسن بالإنسان الذي وهب نفسه لواجب الجهاد، الذي لا يكون قتالاً للعدو فقط، بل قتالاً للأهواء، وقتالاً للكسل الذي يدفع صاحبه لإيثار النوم على التحقيق في قضية كهذه.. أياً كانت نتائجها!.
على أنه لم يخطر في ذهنه موضوع الجهاد حتى أحس بانقباض موجع، لقد انتظم في سلك المجاهدين في غمرة من الحماسة الروحية التي تجعل الاستشهاد أروع ما يتصوره القلب المؤمن، وهو الروح الذي كان يسيطر على معسكرات المجاهدين جميعا، وبه بدأت المعارك الأولى، فكان النصر، وكان القتل، وكان كلاهما شيئاً جميلاً في نظر هؤلاء الذين فارقوا أهليهم وأعمالهم ابتغاء رضوان الله، ولا يزال يذكر الساعة التي فقد فيها رفيقه ومواطنه اللاذقي (محمد الصباغ) .. ذلك الفتى الذي لم يستطع والداه صده عن خوض هذه الغمرة؛ لأنه كان شديد الرغبة في الشهادة، فأبى الله إلا أن يحقق له رغبته، وتم ذلك برصاصة يهودية حطمت فكه الأسفل، وحملت إليه المنية، إذ كان إلى جانبه يطلق نيران بندقيته على العدو، وتحول الإصابة بينه وبين الكلام، فيسلم الروح وعلى ثغره ابتسامة الرضا بما آتاه الله من فضله.. ولقد خاض برهان بعد معركة القدس تلك عدة ملاحم، ورأى العديد من رفاقه المؤمنين يسبقونه إلى الجنة، وفي كل مرة كان يتطلع إلى حظه من هذه النعمة، مزوداً نفسه لها بكل ما يسعه.. ولكن الله لم يقدر له هذا المصير، ومد بأجله حتى اليوم.. ليشهد التدهور المريع الذي بدأ يراود النفوس، فيطفئ شيئاً فشيئاً توهج الوقدة المقدسة التي ساقتها إلى هذه الساحات.. وها هو ذا يرى بعيني رأسه التطور الفاجع الذي أعقب الهدنة، فجعل يحول الطاقات التي كانت معبأة لدك معاقل اليهود، واستنقاذ الأرض المقدسة إلى تدمير نفسها بهذه الخلافات اليومية التي يثيرها المتطوعة فيما بينهم لأتفه الأسباب.. ثم وجدت في الجهاد من أجل فلسطين فرصة للتوبة والتطهر.. حتى إذا تسرب روح الوهن إلى جهاز
стр. 1823
النضال العام، استيقظت فيها عوامل الضعف القديمة، فتكاد اليوم تستأنف سيرتها الأولى، لا يمنعها من ذلك إلا هذه البقية من روح النظام الذي تكافح الضابطة من أجل صيانته في هذه المعسكرات.
ومما يساعد على مضاعفة هذا الانهيار المعنوي تلك الأنباء التي تأخذ طريقها بقوة إلى كل شقة ولسان بين المتطوعة.. إنها أنباء خيانات تنسب إلى طائفة من الكبار.. الذين تصدوا لقيادة الجهاد، فإذا هم فيما يقال يتواطأون مع العدو على تسليم الأرض المقدسة، لقد بدأت هذه الشوائع همسات في الخلوات، ثم انتهت إلى العلانية، يتداولها الجميع بين مصدق ومكذب.. وكفى بهذا وحده مثيراً للشكوك، مثبتاً للعزائم، مدمراً للحماسة، محطماً لكل تصميم روحي!..
وكانت هذه التصورات تتفاعل في صدر الرقيب برهان وخياله، وهو متجه في سيارة الجيب نحو منزل القائد.. ولما وقفت به السيارة أمام الباب انتزع نفسه من شروده، وأعلن مهمته لحرس المنزل.. ثم عاد إلى السيارة ليصحب الرئيس الذي كلف التحقيق في القضية.
وكانت الساعة لا تعدو الثالثة إلا قليلاً عندما وصل مكلفو التحقيق إلى حيث يستقر الجثمان تحت شجرة الجوز العجوز، التي تظلل أغصانها بعض الطريق الداخل إلى (قطنا) .. وترجل الرئيس وكاتبه، وتبعهما الرقيب برهان ليلقوا النظر الذي لا بد منه على الجسد الهامد.
كانت الظلمة طاغية.. والجو كشأنه في مثل هذه الليلة من آذار قارساً، ولكن مصباح الضغط الذي أحضره رجال الدرك لحراسة الجثمان بدد الكثير من تلك الظلمة، ونشر شيئاً غير قليل من الدفء..
ونظر المحقق ومن معه إلى ذلك الجسد المنبطح على صدره، وقد امتد كل من ذراعيه في شبه زاوية قائمة، وانفرجت ساقاه.. ولم يبد من وجهه سوى جانبيه.. لأن مقدمته لاصقة بالأرض.
وتراءى ذلك الهيكل العملاق تحت الضوء المشع مهيب النظر، يوحي بأن صاحبه كان على حظ من القوة الجسدية غير يسير.
стр. 1824
ولم يشأ المحقق أن يغير وضع الجثمان بانتظار الطبيب الشرعي.. ولكنه جعل يدقق النظر من أعلاه إلى أدناه، فلم يلمح أي أثر لجريمة.. اللهم إلا ذلك التماس الشديد الذي بدا بين وجهه والأرض، حتى لكأن أنفه قد كسر أو بسط تحت ضغط ثقيل غير أن مثل هذا قد يتأتى من أيد آثمة كما يحدث من سقطة فادحة..ومن يدري، فقد يكون الرجل مصاباً بالصرع، وقد فاجأه هنا، فأكبه على وجهه بهذه الصورة!.
وبدأ المحقق استيضاحه مع كبير الشرط:
- من الرجل.. اسمه.. ومن أي البلاد هو؟
- اسمه عبد الله خليل.. وهو أردني من إربد.. كان يتردد على مركزنا أثناء تجواله لمراقبة المتطوعين..
- إذن فأنتم تعرفون الكثير عن سلوكه الخلقي؟
- بالتأكيد.. إنه رجل شهم يتحلى بإخلاص كبير.. وكان صارماً في حماية النظام.. مما جعل الكثيرين غير راضين عنه..
وأمسك المحقق عن متابعة الأسئلة، لم يفكر بما يسمع، ولاح عليه أنه وجد في بعض هذا الوصف ما يستحق اهتمامه.. ثم طلب إلى الرجل أن يطلعه على التقرير الذي كتبوه عن مشاهداتهم.
وقرأ التقرير ووقف عند هذه الأسطر:.. وكان آخر عمل قام به في (قطنا) هو إخراجه بعض المتطوعة بالقوة من خماره (أبو جورج) .. وفي تمام الساعة الثانية عشرة من بنا في طريقه إلى المعسكر، ثم حوالي الساعة الواحدة والنصف شاهدته جوالتنا فاقد الروح تحت شجرة الجوز..)
وسأل الرجل مرة أخرى: (هل تعرفون أحداً من أولئك الذين كرههم على مغادرة الخمارة!؟.
وجاءه الجواب بالنفي.. فالتفت إلى الرقيب برهان: يحسن أن تحضر لي الخمارة، وسيرافقك أحد الشرطة ليرشدك إلى داره.. وستجدني بانتظاركم في مخفر الشرطة.
وترك المحقق الجثمان للطبيب الذي وصل آنئذ.. ومضى بسيارته إلى داخل البلد، ثم لم يكد يستقر إلا قليلاً حتى أقبلت سيارة الرقيب برهان بالخمارة.. الذي أوشك قلبه أن يقف من شدة الرعب، ولما رأى المحقق اضطرابه سكن روعه، وأشار إليه بالجلوس، ثم جعل يسأله في لهجه لا تبعث القلق:
стр. 1825
- الرقيب في الضابطة الخاصة لقوة اليرموك في قطنا عبد الله خليل الأردني، قد مر بحانتك مساء اليوم.. هل تذكر؟
- نعم أذكر جيداً..
- ماذا عمل عندك؟
- أخرج المتطوعة الذين كانوا يغربدون.. وعلى الفور أغلقت حانتي ودخلت الدار.. ثم لم أغادرها إلا الساعة.
- حسن.. تذكر.. هل تعرف هؤلاء المتطوعة؟
- إنهم من أقطار مختلفة: اليمن.. الحجاز.. العراق.. و.. لذلك من العسير أن أعرفهم جميعاً.
- إذن فأنت تعرف بعضهم؟
- طبعاً..
- أذكر لي اسم هذا البعض..
- سعيد حمدو الفلسطيني..
- وعبده الخالد من الأردن
- ثم من؟
- لا أعرف أسماء الآخرين.. ولكن أظنني أعرف وجوههم..
.. ولم يشأ المحقق أن يقطع تسلسل العمل فدعا بالرقيب برهان، وكلفه أن يحمل الخمار في سيارته.
وبعد مكالمة هاتفية قصيرة انطلقت السيارتان في الطريق إلى معسكر اليرموك خارج قطنا.
ودخل المحقق مع رئيس مثله من المعسكر، ووراءه كاتب التحقيق والرقيب برهان.. دخلوا جميعاً إحدى قاعات النوم، وكان نزلاؤها الثمانية يغطون في نوم عميق..
وطلب المحقق أن يؤتى بسعيد وعبده.. فأوقظا بصعوبة، وكلفا ارتداء ثيابهما، ثم أخرجا إلى غرفة مجاورة، حيث جهز للمحقق مكتب مرتجل..
ونظر المحقق إلى المتطوعين، قد أخذتهما رعشة ظاهرة.. وبدأ الجحوظ في عينيهما القلقتين، فلم يرد في ذلك ما يسترعي الاهتمام، بل وجد له ما يسوغه في برودة الجو، والنهوض المباغت من النوم، وأشار إلى أحد الاثنين بأن يدنو منه، ولكنه لم يفهم ما يريد، وجعل يدقق بصره بين رفيقه والمحقق في نظرات زائغة، فاضطر المحقق أن يشعره بقصده إليه، وقال له في لهجة الأمر: "أنت.. تعال" ...
ولكن الرجل غلبه الارتباك، فأخذ يجمجم، وهو يسارق رفيقه النظر: أنا!!. لا.. ما أنا.. هو.. هو!.
وبدا رفيقه فاغر الفم، كأنه عجز عن النطق، وقد بهتت عيناه، وانطفأ بريقهما، فكأنهما مصنوعتان من الزجاج، ولم يسطع ضبط ساقيه، فجعلتا تهتزان بصورة أفقدته التوازن..
следующие страницы →