← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

من.. ولماذا؟ - قصة - بقلم الشيخ: محمد المجذوب كان الرقيب برهان غارقا في نوم ثقيل، عندما انتقل جرس الهاتف الموضوع بحذاء رأسه يقرع سمعه برنين مزعج طويل، ويبدو أنه كان مستغرقاً في حلم غير سار سرعان ما اختلطت أحداثه بهذا الرنين، فإذا هو يهب مذعوراً، وفي غير وعي يجذب جهاز الهاتف ويقذف به بعيداً، فيكاد يصدم رأس زميله المساعد، لولا أن رده جانب الوسادة الذي كان مرتفعاً فوق ذراعه التي اعتادت أن تأخذ مكانها تحتها، كلما أخذ رأسه موضعه فوقها.. وفي هذه اللحظة أخذ الرقيب يسترد كامل يقظته، فاعتذر لرفيقه بأنه كان يحلم أنه في خط النار، وقد سقطت بجانبه قذيفة يدوية، فالتقطها ورمى بها ليتفادى انفجارها.. وكان جرس الهاتف مستمراً في رنينه، فرفع الرقيب السماعة.. - من هنا؟ - هنا مركز قطنا. - هنا مركز الضابطة العامة في قوة اليرموك بدمشق.. الرقيب برهان يتكلم. - شكراً.. هنا زميل لكم من ضابطة اليرموك في معسكر قطنا عثر به قتيلاً عند مدخل البلد. - رقيب.. قتيل؟!.. أهكذا قلت؟!.. - نعم.. رقيب من ضابطة اليرموك الخاصة في قطنا.. وجدته جوالة للشرطة قتيلاً أو ميتاً.. - قتيل.. ميت!! .. أقتيل هو أم ميت؟؟ - المكان يوهم أن في الأمر جريمة.. ولكن لا يبدو في الجثمان ما يدل على ذلك. - شكراً.. احرسوا الجثمان.. سنجري اللازم حالاً. وأعاد الرقيب السماعة.. وأطرق يفكر، الساعة الآن الثانية، ومعنى ذلك أنه لم يمض على نومه سوى ساعة.. وقد قضى يومه في عمل متواصل يراقب المتطوعة، ويستمع إلى الشكاوي... وعشرات الأشياء الأخرى، وكان يمني نفسه بإغفاءة لا يقطعها إلا بالنهوض لصلاة الفجر.. وها هو ذا مضطر إلى مغادرة فراشه قبل الموعد بثلاث ساعات، ليبتدأ عملاً لا يعلم متى ينتهي.. ومن يدري فقد يكون الرجل ميتاً لا قتيلاً، ما دام الشرطة، وهم الذين شاهدوا جثمانه، لا يستطيعون القطع بأحد الأمرين، وفي هذه الحال سيكون مجهوده خالياً من كل معنى!..

стр. 1822

وتذكر برهان أن مثل هذا التفكير لا يحسن بالإنسان الذي وهب نفسه لواجب الجهاد، الذي لا يكون قتالاً للعدو فقط، بل قتالاً للأهواء، وقتالاً للكسل الذي يدفع صاحبه لإيثار النوم على التحقيق في قضية كهذه.. أياً كانت نتائجها!. على أنه لم يخطر في ذهنه موضوع الجهاد حتى أحس بانقباض موجع، لقد انتظم في سلك المجاهدين في غمرة من الحماسة الروحية التي تجعل الاستشهاد أروع ما يتصوره القلب المؤمن، وهو الروح الذي كان يسيطر على معسكرات المجاهدين جميعا، وبه بدأت المعارك الأولى، فكان النصر، وكان القتل، وكان كلاهما شيئاً جميلاً في نظر هؤلاء الذين فارقوا أهليهم وأعمالهم ابتغاء رضوان الله، ولا يزال يذكر الساعة التي فقد فيها رفيقه ومواطنه اللاذقي (محمد الصباغ) .. ذلك الفتى الذي لم يستطع والداه صده عن خوض هذه الغمرة؛ لأنه كان شديد الرغبة في الشهادة، فأبى الله إلا أن يحقق له رغبته، وتم ذلك برصاصة يهودية حطمت فكه الأسفل، وحملت إليه المنية، إذ كان إلى جانبه يطلق نيران بندقيته على العدو، وتحول الإصابة بينه وبين الكلام، فيسلم الروح وعلى ثغره ابتسامة الرضا بما آتاه الله من فضله.. ولقد خاض برهان بعد معركة القدس تلك عدة ملاحم، ورأى العديد من رفاقه المؤمنين يسبقونه إلى الجنة، وفي كل مرة كان يتطلع إلى حظه من هذه النعمة، مزوداً نفسه لها بكل ما يسعه.. ولكن الله لم يقدر له هذا المصير، ومد بأجله حتى اليوم.. ليشهد التدهور المريع الذي بدأ يراود النفوس، فيطفئ شيئاً فشيئاً توهج الوقدة المقدسة التي ساقتها إلى هذه الساحات.. وها هو ذا يرى بعيني رأسه التطور الفاجع الذي أعقب الهدنة، فجعل يحول الطاقات التي كانت معبأة لدك معاقل اليهود، واستنقاذ الأرض المقدسة إلى تدمير نفسها بهذه الخلافات اليومية التي يثيرها المتطوعة فيما بينهم لأتفه الأسباب.. ثم وجدت في الجهاد من أجل فلسطين فرصة للتوبة والتطهر.. حتى إذا تسرب روح الوهن إلى جهاز

стр. 1823

النضال العام، استيقظت فيها عوامل الضعف القديمة، فتكاد اليوم تستأنف سيرتها الأولى، لا يمنعها من ذلك إلا هذه البقية من روح النظام الذي تكافح الضابطة من أجل صيانته في هذه المعسكرات. ومما يساعد على مضاعفة هذا الانهيار المعنوي تلك الأنباء التي تأخذ طريقها بقوة إلى كل شقة ولسان بين المتطوعة.. إنها أنباء خيانات تنسب إلى طائفة من الكبار.. الذين تصدوا لقيادة الجهاد، فإذا هم فيما يقال يتواطأون مع العدو على تسليم الأرض المقدسة، لقد بدأت هذه الشوائع همسات في الخلوات، ثم انتهت إلى العلانية، يتداولها الجميع بين مصدق ومكذب.. وكفى بهذا وحده مثيراً للشكوك، مثبتاً للعزائم، مدمراً للحماسة، محطماً لكل تصميم روحي!.. وكانت هذه التصورات تتفاعل في صدر الرقيب برهان وخياله، وهو متجه في سيارة الجيب نحو منزل القائد.. ولما وقفت به السيارة أمام الباب انتزع نفسه من شروده، وأعلن مهمته لحرس المنزل.. ثم عاد إلى السيارة ليصحب الرئيس الذي كلف التحقيق في القضية. وكانت الساعة لا تعدو الثالثة إلا قليلاً عندما وصل مكلفو التحقيق إلى حيث يستقر الجثمان تحت شجرة الجوز العجوز، التي تظلل أغصانها بعض الطريق الداخل إلى (قطنا) .. وترجل الرئيس وكاتبه، وتبعهما الرقيب برهان ليلقوا النظر الذي لا بد منه على الجسد الهامد. كانت الظلمة طاغية.. والجو كشأنه في مثل هذه الليلة من آذار قارساً، ولكن مصباح الضغط الذي أحضره رجال الدرك لحراسة الجثمان بدد الكثير من تلك الظلمة، ونشر شيئاً غير قليل من الدفء.. ونظر المحقق ومن معه إلى ذلك الجسد المنبطح على صدره، وقد امتد كل من ذراعيه في شبه زاوية قائمة، وانفرجت ساقاه.. ولم يبد من وجهه سوى جانبيه.. لأن مقدمته لاصقة بالأرض. وتراءى ذلك الهيكل العملاق تحت الضوء المشع مهيب النظر، يوحي بأن صاحبه كان على حظ من القوة الجسدية غير يسير.

стр. 1824

ولم يشأ المحقق أن يغير وضع الجثمان بانتظار الطبيب الشرعي.. ولكنه جعل يدقق النظر من أعلاه إلى أدناه، فلم يلمح أي أثر لجريمة.. اللهم إلا ذلك التماس الشديد الذي بدا بين وجهه والأرض، حتى لكأن أنفه قد كسر أو بسط تحت ضغط ثقيل غير أن مثل هذا قد يتأتى من أيد آثمة كما يحدث من سقطة فادحة..ومن يدري، فقد يكون الرجل مصاباً بالصرع، وقد فاجأه هنا، فأكبه على وجهه بهذه الصورة!. وبدأ المحقق استيضاحه مع كبير الشرط: - من الرجل.. اسمه.. ومن أي البلاد هو؟ - اسمه عبد الله خليل.. وهو أردني من إربد.. كان يتردد على مركزنا أثناء تجواله لمراقبة المتطوعين.. - إذن فأنتم تعرفون الكثير عن سلوكه الخلقي؟ - بالتأكيد.. إنه رجل شهم يتحلى بإخلاص كبير.. وكان صارماً في حماية النظام.. مما جعل الكثيرين غير راضين عنه.. وأمسك المحقق عن متابعة الأسئلة، لم يفكر بما يسمع، ولاح عليه أنه وجد في بعض هذا الوصف ما يستحق اهتمامه.. ثم طلب إلى الرجل أن يطلعه على التقرير الذي كتبوه عن مشاهداتهم. وقرأ التقرير ووقف عند هذه الأسطر:.. وكان آخر عمل قام به في (قطنا) هو إخراجه بعض المتطوعة بالقوة من خماره (أبو جورج) .. وفي تمام الساعة الثانية عشرة من بنا في طريقه إلى المعسكر، ثم حوالي الساعة الواحدة والنصف شاهدته جوالتنا فاقد الروح تحت شجرة الجوز..) وسأل الرجل مرة أخرى: (هل تعرفون أحداً من أولئك الذين كرههم على مغادرة الخمارة!؟. وجاءه الجواب بالنفي.. فالتفت إلى الرقيب برهان: يحسن أن تحضر لي الخمارة، وسيرافقك أحد الشرطة ليرشدك إلى داره.. وستجدني بانتظاركم في مخفر الشرطة. وترك المحقق الجثمان للطبيب الذي وصل آنئذ.. ومضى بسيارته إلى داخل البلد، ثم لم يكد يستقر إلا قليلاً حتى أقبلت سيارة الرقيب برهان بالخمارة.. الذي أوشك قلبه أن يقف من شدة الرعب، ولما رأى المحقق اضطرابه سكن روعه، وأشار إليه بالجلوس، ثم جعل يسأله في لهجه لا تبعث القلق:

стр. 1825

- الرقيب في الضابطة الخاصة لقوة اليرموك في قطنا عبد الله خليل الأردني، قد مر بحانتك مساء اليوم.. هل تذكر؟ - نعم أذكر جيداً.. - ماذا عمل عندك؟ - أخرج المتطوعة الذين كانوا يغربدون.. وعلى الفور أغلقت حانتي ودخلت الدار.. ثم لم أغادرها إلا الساعة. - حسن.. تذكر.. هل تعرف هؤلاء المتطوعة؟ - إنهم من أقطار مختلفة: اليمن.. الحجاز.. العراق.. و.. لذلك من العسير أن أعرفهم جميعاً. - إذن فأنت تعرف بعضهم؟ - طبعاً.. - أذكر لي اسم هذا البعض.. - سعيد حمدو الفلسطيني.. - وعبده الخالد من الأردن - ثم من؟ - لا أعرف أسماء الآخرين.. ولكن أظنني أعرف وجوههم.. .. ولم يشأ المحقق أن يقطع تسلسل العمل فدعا بالرقيب برهان، وكلفه أن يحمل الخمار في سيارته. وبعد مكالمة هاتفية قصيرة انطلقت السيارتان في الطريق إلى معسكر اليرموك خارج قطنا. ودخل المحقق مع رئيس مثله من المعسكر، ووراءه كاتب التحقيق والرقيب برهان.. دخلوا جميعاً إحدى قاعات النوم، وكان نزلاؤها الثمانية يغطون في نوم عميق.. وطلب المحقق أن يؤتى بسعيد وعبده.. فأوقظا بصعوبة، وكلفا ارتداء ثيابهما، ثم أخرجا إلى غرفة مجاورة، حيث جهز للمحقق مكتب مرتجل.. ونظر المحقق إلى المتطوعين، قد أخذتهما رعشة ظاهرة.. وبدأ الجحوظ في عينيهما القلقتين، فلم يرد في ذلك ما يسترعي الاهتمام، بل وجد له ما يسوغه في برودة الجو، والنهوض المباغت من النوم، وأشار إلى أحد الاثنين بأن يدنو منه، ولكنه لم يفهم ما يريد، وجعل يدقق بصره بين رفيقه والمحقق في نظرات زائغة، فاضطر المحقق أن يشعره بقصده إليه، وقال له في لهجة الأمر: "أنت.. تعال" ... ولكن الرجل غلبه الارتباك، فأخذ يجمجم، وهو يسارق رفيقه النظر: أنا!!. لا.. ما أنا.. هو.. هو!. وبدا رفيقه فاغر الفم، كأنه عجز عن النطق، وقد بهتت عيناه، وانطفأ بريقهما، فكأنهما مصنوعتان من الزجاج، ولم يسطع ضبط ساقيه، فجعلتا تهتزان بصورة أفقدته التوازن..

стр. 1826

وهنا أمر المحقق بإخراج هذا إلى مكان آخر، ودفع الأول نحو مكتبه مكرها.. - لم يبق مجال للكتمان.. خير لك أن تعترف.. وإلا فقدت كل حق بالعطف.. - أقسم لك.. أني.. أني.. لم أشترك بالقتل.. واهتزت أعصاب المحقق وهو يسمع لفظة القتل، الذي لم يذكر أنه رأى في هيئة القتيل أي دليل على حدوثه.. وثارت رغبته في معرفة التفاصيل التي بدأت تتدفق في جهد.. - لكن دورك بارز في الجريمة.. قلت لك تكلم بصراحة وصدق لتستحق العطف.. وسترى أن كل شيء معروف.. ولا سبيل إلى الإنكار. وبلغت أعصاب المتهم نهاية الانهيار، ولم يبق له من سلطان على نفسه، فأخذ يتكلم ويسجل الكاتب كل حرف من كلامه، حتى إذا استنفد التحقيق غرضه أمره المحقق بالجلوس.. وحذره أن يتكلم إلا بإذنه.. ثم دعا بالمتهم الثاني.. - أي عبده.. لقد اتضح كل شيء.. فعليك بالصدق إذا شئت أن يكون لك حظ في الرحمة.. وحدق في وجه رفيقه سعيد قبل أية كلمة.. ورآه يحرك كتفيه ويقلب كفيه إشعاراً باعترافه.. فلم يدر بأية كلمة يجب أن يبدأ، وجعل يتمتم: الشيطان.. الشيطان.. له.. وشد على أسنانه يريد إتمام كلمته، ولكنه عجز عن ذلك.. ثم لم يستطع كلاماً إلا بعد أن نضح وجهه بالماء ومص بعض قطرات منه.. ثم راح يفضي بمكنوناته في حال من الإعياء الإرادي التام. وتوالى الأفراد باعترافهم واحداً تلو الآخر.. وكان في إقرر كل منهم ضرب من الإيحاء القاهر، يجر الآخر مكرها إلى الإفضاء بكل ما في نفسه.. وكانت الساعة قد قاربت السادسة.. وأطلت تباشير من النهار، فلم يبق من مانع دون تمثيل وقائع الجريمة في مكانها.. وعند شجرة الجوز توزع الثمانية مهامهم وأمكنتهم.. فتسلق عبده وآخر معه الفرع الممتد فوق الطريق، وكمن اثنان في الخندق الأيمن من الطريق واحتل آخران خندقه الأيسر.. ثم تولى الباقيان مراقبة الطريق.. قال شحادة:

стр. 1827

".. وكان لا بد للرقيب من المرور بهذا المكان.. فلما ألقى مبروك حصاته على الشجرة تأهبنا للعمل، وانتظرنا حتى كان الرقيب تحتنا، فقذفنا بأنفسنا عليه وكاد يتغلب علينا رغم المفاجأة.. لولا أن أدركنا الرفاق من الخندقين، فأخذ بعضهم بيديه وبعضهم برجليه، وتمكنا بذلك من دفعه على وجهه.. وكان علي أن أتولى عرك أخدعه الأيمن، وعلى عبده عرك الأيسر، فما زلنا بهما حتى خمدت حركته تماماً.. وهنا جاء دور سعيد فغرس دبوساً في النقرة الخلفية من عنقه حتى مزق الحبل الشوكي.. وبذلك تمت الخطة، ونهضنا عن جسده..". وكان (شحادة) يسرد هذه المعلومات وهو يتبع كلا منها بتمثيل عملي ويستشهد كلا من رفاقه على دوره في ذلك، فيأتي الإقرار مؤكداً لا خلاف فيه ولا غموض.. واستغرقت محاكمة القتلة قرابة الثلاثة الأشهر.. وصدر الحكم بإعدام ثلاثة منهم.. وتفاوت نصيب الباقين من السجن بين الخمس والخمس عشرة من السنين. وكان الرقيب برهان واقفاً خارج قوس المحكمة يستمع إلى قرارها، فلم يستطيع أن يتمالك دمعتين كبيرتين تدحرجتا على وجنتيه.. إنه لا يشك في عدالة الحكم.. ولكنه يتساءل في حيرة وحرقة: لقد جاء هؤلاء ليظفروا بالشهادة في فلسطين، أو يهموا في إنقاذها، فلماذا حرموا إحدى الحسنيين؟.. ومن المسئول عن تحولهم إلى هذا المصير الحقير؟!!

стр. 1828

ندوة الطلبة دراسات في الديانات الهندية الديانة الجينية - الجينية (جين دهرم) بقلم الطالب: محمد ضياء الرحمن الأعظمي لا بد لأي باحث في الديانات الهندية من أن يذكر شيئاً عن (جين دهرم) مع قلة أتباعه لما له من تأثير كبير في الديانات الأخرى. موجز تاريخها: يدعي أتباع الجينية أن دينهم قديم كقدم العالم والمصلح الأخير الذي جدد أصوله ونشر عقيدته هم (مها بيرسوامي) كان معاصراً (لبوذا) فحصل بينهما معارك كثيرة ونقد عليه (بوذا) في بعض خطبه ومواعظه، وقد تقدم (مها بيرسوامي) ثلاث وعشرون (تيرشنكر) (الرسل الذين يعتقد فيهم الجينيون الألوهية) والزمان الذي بين كل اثنين منهم يستغرق ملايين السنين، بل قد عجز الرياضي عن ضبطه، يقول: (لالا ديوان جند) في كتابه (هل جين دهرم أزلي) – "إن هذه الدنيا قديمة أزلية لا بداية لها ولا نهاية فكذلك (جين دهرم) ". الفرق والمذهب: افترقت الجينية إلى فرقتين كبيرتين: ١- الفرقة الدكمبرية. ٢- الفرقة السوبنامبرية. ثم كل منهما انقسمت قسمين: قسم يعبد الأصنام، وقسم يحرمها. فالقسم الذي يحرم عبادة الأصنام من الدكمبرية يسمى (تارن بنتهي) Taran Panthi ومن السونبامبرية (داس) Das. ترتيب تعليمات مها بيرسوامي: توفي (مها بيرسوامي) سنة ٥٢٧ ق. م.

стр. 1829

تقول الفرقة الدكمبرية: إن حفاظ الجينيين كانوا يعلمون الناس (دواو شانك) من محفوظاتهم بعد وفاة (مها بيرسوامي) كانت لهم حافظة قوية يحفطون جميع التعلميات، ولكن بعد سبعة قرون على وفاة مها بيرسوامي مضى الحفاظ الكاملون ولم يبق فيهم إلا من يحفظ بعض الأجزاء، فلما رأى (كند كندسوامي) هذا الضعف توجه إلى ترتيب ما بقي في الحافظة فكتب كتباً كثيرة ثم تلاه تلميذه (أوماسوامي) فصنف كتاباً نال مرتبة (التوراة) و (الإنجيل) عند الجينيين وهو المعروف إلى يومنا هذا باسم (تتورات سوتر) Tatuarth Sutra والآن يعتبر هذا الكتاب مصدراً وحيداً لتعليمات (جين دهرم) : (هذه هي رواية الفرقة الدكمبرية) . أما رواية الفرقة السونبامبرية فكما يقول مصنف كتاب (جين مت سار) : (إن ديو آردي جمع خمسمائة من علماء الجينيين في بلده (بلبهي) سنة ٤٥٣م أي بعد عشرة قرون تقريباً وأمرهم أن يرتبوا ما بقي من حافظتهم في كتاب. النقد التاريخي: بعد إيرادنا هذه الرواية يسهل علينا أن نقول إن تعليمات (مها بيرسوامي) لم تصل إلينا كما هي بل ضاع منها جزء كبير عبر الزمن، والذي بقي لا نثق بصحته التاريخية لأن ديو آردي لم يتأكد من صدق هؤلاء الحفاظ الذين جاءوا من أنحاء البلاد؛ لأن (ديو آردي) كان كلما سمع كلمة من فمهم أمر الكتاب بكتابتها، والأهم من هذا هو كيف يثق أحد بسند هذا الكتاب إلى ديو آردي مع أنه خال من أي وثيقة ومستند، فالعجب ممن يؤمن بهذه القصص والأساطير والحكايات. الاختلاف الأساسي بين الفرقة الدكمبرية السونبابرية: الاختلاف بين هاتين الفرقتين في أربع وثمانين مسألة ولكن أكثرها جزئي لا نهتم به، أما الاختلاف الأساسي فهو في ثلاث: الأولى:

стр. 1830

أنه لا تحصل المعرفة الكاملة والنجاة الدائمة عن الفرقة الدكمبرية بأن يقطع الإنسان علاقته الدنيوية تماماً بحيث يجتنب اللباس وستر العورات لأجل هذا نجد نساك الفرقة الدكمبرية يعيشون عراة، وأما نساك الفرقة السونبامبرية فلا يقطعون عن الحوائج الضرورية من اللباس والفراش والعصا وغيرها، ونساك الدكمبرية يكتفون بأشياء ثلاثة: ١- شاشر (الكتاب المقدس) . ٢- ومراوح من ريش الطاووس لتكنيس الأرض وطهارتها. ٣- وإبريق للاستنجاء. فما نرى من الصور العارية في الكتب الدينية والمراكز الثقافية كلها متعلقة بالفرقة الدكمبرية، نساك الفرقة السونبامبرية يرخون على وجوههم ثوباً عند السفر والكلام، ونساك الفرقة الدكمبرية يجتنبون الثياب كليا. نساك الفرقة الدكمبرية يأكلون مرة واحدة في اليوم والليلة ولا يستعملون الأواني بل يصنعون الطعام في أيديهم ثم يأكلون. ونساك الفرقة السونبامبرية ياكلون مرتين في الأواني. الثانية: الفرقة السونبامبرية ترى أن المرأة تحصل النجاة في قالبها النسائي بينما الفرقة الدكمبرية ترى أن المرأة لا تحصل النجاة لأن في إبطها جرثومة صغيرة تموت بحركتها فتلزم عليها ولادتها بقالب الرجل في الحياة الأخرى (جولان الروح) وكذلك لأنها تتنجس في كل شهر بحيض فلا تقدر على المراقبة التامة وكذلك لا تقدر على التخلص من اللباس كلياً، وهكذا. الثالثة: إن الفرقة الدكمبرية ترى أن العارف الكامل لا يلحقه الجوع والعطش والمرض في حياته الدنيوية بصورته الإنسانية خلافاً للفرقة السونبامبرية. هذه هي الفروق الأساسية بين هاتين الفرقتين أما الجزئيات والفرعيات فكثيرة نتركها إيثاراً للإيجاز. العقائد الجينية: ١- الدنيا ثمرات الروح والمادة وليس لها خالق ومدبر خارج عنها. ٢- أن العلاقة التي نجدها بين الروح والمادة هي نتيجة الأعمال (كرما) لأن الأعمال تعيد الروح إلى الدنيا مرة بعد مرة.

стр. 1831

٣- لا تتخلص الروح من العودة إلا بالإيمان الصحيح والعلم الصحيح والسيرة الحسنة ويسمى هذا التخلص (مكتي) (النجاة) . ٤- الروح الناجية هي (برماتما) (إله) وتتردد وبعد النجاة لإضاءة السبيل للسائرين، فالواجب على الإنسان أن يجتهد في تخليص روحه من العودة. ٥- الدنيا مركز الأرواح ومستقرها وتسلسل الأرواح في الدنيا غير متناه. ٦- أهنسا برمو دهرما (أفضل الدين هو ترك القتل والإيذاء) . الألوهية عند الجينيين: إذا فكرنا في العقيدة الأولى وجدنا أن الجينيين لا يعتقدون بوجود خالق الكون ومدبره بل يقولون إن الدنيا نتيجة للعلاقة التي بين الروح والمادة فهي قديمة كالروح والمادة لأنها لم تكن معدومة فأوجدها موجد بل كانت موجودة من الأزل بشكل آخر فشكلت بهذا الشكل لأجل العلاقة الجديدة. ولكن الجينيين ينكرون ذلك ويقولون نحن لا ننكر وجود الخالق بل ننكر صفته الخالقة والمدبرة، لأن وجوده ليس خارجاً عن الدنيا. يقول العالم الجيني بي - آر - جين: "إن الجينيين لا يعتقدون بمعبود أزلي قديم وموجود في كل زمان ومكان عالم لكل صغير وكبير قادر على كل شيء خالق الكون والحياة، بل يعتقدون بالأرواح الناجية التي بلغت درجة الإله". معنى هذا الكلام أن آلهة جينيين كعدد الأرواح الناجية (والعياذ بالله) فروا من إله واحد فوقعوا في آلهة لا تحصى. طبقات الرجال: إن الجينيين يقسمون رجالهم إلى خمس طبقات: ١- أرهت: الأرواح الناجية في الأجسام التي حصل لها علم كامل ومعرفة تامة فوصلت إلى درجة المعبود في الحياة الدنيا وهم أربع وعشرون تيرشنكر قبل الموت. ٢- سدها: الأرواح التي نجت من تكرر العودة في الدنيا ووصلت إلى مقام النجاة هم أربع وعشرون تيرشنكر بعد الموت. ٣- آجاريه: رئيس الرهبان. ٤- أبا دهياء: الرهبان المرشدون. ٥- سادهو: الرهبان والنساك. فلسفة عبادة الأصنام:

стр. 1832

إن المبتدئين الذين بدأوا حياتهم الرهبانية لا يقدرون على استقرار الفكر ودوام الفكر لعدم قدرتهم على تركيز القلوب في تصور المعبود فاحتاج هؤلاء إلى إله مكشوف بالأعين الظاهرة فلما عرف علماء الجينيين هذه الحقيقة أذنوا لهم في بناء الأصنام التي تحمل الأوصاف المطلوبة فتوجهت كل فرقة إلى بناء المعبود وفق اعتقادهم. فالفرقة الدكمبرية مثلا تبني معبوداتها عراة لتصور تخليهم عن الضروريات الدنيوية والفرقة السوبنامبرية تبنيها وفق اعتقادها. فهذه هي بداية عبادة الأصنام في الديانات الهندية لأننا نجد ذكر الأصنام وبناء المعابد في ويدك دهرم وبدها دهرم كما أثبتنا في موضعه فكلا المذهبين تأثرا من (جين دهرم) . عبادة الأصنام أمر مستحسن عند الجينيين فهم يتأسفون الآن على الأجيال الجديدة التي تركت عبادة الأصنام وينقدون الإسلام لأنه هو الذي حرم بناء الأصنام وعبادتها أول مرة في تاريخ الديانة الهندية. هنا يسأل السائل: عن الجينيين لا يعتقدون بصفة من صفات الله فعلى أي صورة يصنعون أصنامهم؟ يجاب: هم لا يصنعون صورة الإله الذي ينكرون وجوده بل يصورون حياة (تيرشنكر) الذين نجت أرواحهم من عودتها إلى الدنيا، ممثلاً ديوجي وبارش بات جي ومها بيرجي، وشومنات جي وغيرهم. أثر جين دهرم على ويدك دهرم وبدها درهم: ١- عبادة الأصنام وبناء المعابد: إن الهندوسيين ما كانوا يعرفون عبادة الأصنام وبناء المعابد في عصر ويدك دهرم وكذلك البوذيون بل تأثروا كلهم بجين درهم وحذروا حذوه. ٢- أهنسا: إن ويدك دهرم قد صرح بتضحيته الأنعام من الخيل والجاموس حتى البقرة، فجاء جين دهرم وحرم الأضحية حتى قتل الجراثيم التي تطير في الهواء، فتأثر به ويدك دهرم وحرم على أهله تضحية الحيوان عامة وخاصة البقرة بغضاً للمسلمين، وأما بدها دهرم فكيف يريب العاقل بجوار الأضحية رغم أن بدها لم يمت إلا بعد أن أكل لحم الخنزير، والآن هم كذلك يفتخرون بقولهم: (أهنسا برمو دهرما) .

стр. 1833

٣- مسألة التناسخ أو جولان الأرواح: لقد أثبتنا أن ويد قد صرح بوجود الجنة والنار وإثبات الحياتين، فجاء جين دهرم وأثر على ويدك دهرم حتى على بدها، فصار ويدك دهرم ملتزما بالتناسخ. ٤- الرهبانية: تقدم بحث أعمار الإنسان في ويدك دهرم، فالقسمان الأولان متعلقان بالحياة الأهلية، أما جين دهرم فيبحث عن بداية الحياة وفي ترك العلاقة الدنيوية والتمسك بالحياة الرهبانية. نعم، أن بدها يحرض على ترك اللذات والشهوات، ولكن الغاية العظمى عنده هي النجاة، لا كالجينيين، فإن الغاية عندهم قطع العلائق الدنيوية كلية في جميع مجالات الحياة من الطعام والشراب واللباس فتأثر نساك الهندوسيين من جين دهرم وتركوا العلائق الدنيوية كلية وسكنوا في رأس جبل (هملايا) . ٥- العري: لا نجد فكرة العري في ويدك دهرم ولا في بدها دهرم بل جاءت هذه الفكرة من حين دهرم وأخذها نساك الهندوسيين، والآن هم الذين يحتفلون كل سنة ويجولون في الشوارع عراة ولكن الحكومة الهندية منعتهم وسمحت لهم أن يقيموا احتفالاتهم هذه في الصحاري والغابات. وأخيراً: هذه هي الديانة الجينية أوجزناها قدر المستطاع مع أن تفصيلها يستغرق آلاف الصفحات، ويجعل هذه المباحث السهلة تعود غامضة يتعب العقل من إدراكها ويصعب على القراء فهمها. فسبحان الذي أنزل آيات بينات في كتابه المبين يستوي معه في فهمها الحضري والبدوي، ويستفيد منها حسب حاجته العالم والجاهل، فنشكر الله على ما من علينا بالتوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. بقلم الطالب: محمد ضياء الرحمن الأعظمي. --- (١) يبلغ عددهم في إحصائيات سنة عام ١٩٥١م ١,٦١٨,٤٠٥

стр. 1834

(١) شبو ديوجي - اجت نات جي -شبوانات جي - نفدن جي - سمت نات جي - يدم جي - سياثيوجي جندرجي - سبدي نات جي - شنيل نات جي - شريانسي - شرى اسوويوجي - شري بمل ناشاجي - آره ناتجي - ملى نات جي - مني سوامي - اننت نات جي - شرى دهرم نات جي - شانتى نات جي - كنت نات جي - نمى نات جي - نسيم نات جي - بارش نات جي - شرى مها بيرسوامي جي - هؤلاء كلهم في فترة واحدة من الزمان وبين كا اثنين ملايين السنوات فإذا انتهت هذه الفترة تبدأ فترة ثانية وهكذا تعيد الدنيا فتراتها مرة بعد مرة. (٢) في المطارات والمعابد والاحتفالات. (٣) هذا هو الصنم الذي هدمه محمد غزنوي حينما قام بغزو الهند سنة ١٠١٨م.

стр. 1835

أخبار الجامعة وجه سماحة رئيس الجامعة الإسلامية أمراً لمدرسي الجامعة الإسلامية بأن يختاروا نخبة من طلاب الجامعة من مختلف الجنسيات ليقوموا بالمساهمة في تثقيف الحجاج وتذكيرهم بما قد يخفى على كثير منهم في مسائل الحج والعمرة، كما يوضحون لهم العقيدة الصحيحة ويحذرونهم مما قد ألصق بها من أنواع الخرافات وما فشا في الكثير من البلاد الإسلامية من البدع والضلالات ويشرحون لهم محاسن الإسلام كل ذلك بلغتهم التي يفهمونها وذلك في المسجد النبوي والمسجد الحرام ومواضع الاجتماعات؛ لأن الكثير من الحجاج في أشد الحاجة إلى مثل هذه التوجيهات وقيد شجع هذه الحركة المباركة فضيلة الشيخ عبد العزيز بن صالح رئيس المحاكم الشرعية بالمدينة المنورة وهيأ للدعاة ما يعينهم على أداء مهمتهم على الوجه المطلوب، كما اهتم فضيلته بإعداد مكبر للصوت بعد العصر وبعد المغرب في المسجد النبوي ليتناوب المرشدون والمدرسون على توجيه الحجاج إلى ما يهمهم نحو دينهم وحجهم. نسأل الله أن ينفع بالجهود المبذولة ويوفق المسئولين لكل ما فيه الخير للمسلمين عامة، إنه ولي التوفيق. إجتماع مجلس الجامعة . انعقد مجلس الجامعة الإسلامية وذلك بناءً على دعوة من سماحة رئيسه الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رئيس الجامعة الإسلامية. وقد عقدت الجلسة بعد صلاة العشاء واستمرت مدة ثلاث ساعات، وكانت برئاسة سماحة الرئيس. وقد بحث المجلس موضوع الدعوة التي تلقتها الجامعة الإسلامية من رئاسة جمعية الجامعات الإسلامية لإرسال وفد يمثل الجامعة الإسلامية في اجتماع المؤتمر التأسيسي للجمعية الذي سينعقد في تونس ابتداء من يوم ٢٥يناير ١٩٧١م. ورأى المجلس أن تشترك الجامعة في الاجتماع المذكور، ثم بحث تعيين أسماء الأشخاص الذين يمثلون الجامعة في ذلك الاجتماع فقرر أن يكون الوفد مؤلفاً من ثلاثة أشخاص هم: الشيخ محمد ناصر العبودي ـ الأمين العام للجامعة.

стр. 1836

الشيخ محمد بن صالح المرشد عميد كلية الشريعة. الشيخ عبد العزيز بن محمد القويفلي عميد كلية الدعوة وأصول الدين. ثم انتقل المجلس إلى بحث موضوع إدخال مادة جديدة على مناهج الكليتين في الجامعة باسم: البحث العلمي، وهو الموضوع الذي كان قد نظره المجلس في جلسة سابقة وألف لجنة ثلاثية من أعضائه لوضع مشروع منهج تفصيلي له، وقد قدمت اللجنة الثلاثية المنهج المطلوب، فناقشه المجلس وأقره بالصيغة التالية: البحث العلمي: تمهيد: من مهام الدراسة الجامعية إعداد الخريج للبحث، والمناقشة، والتأليف، والانتفاع بالمراجع العلمية المتعلقة باختصاصه، لذلك درج الكثير من الجامعات على إلزام الطالب في المرحلة النهائية تقديم بحث في إحدى المواد التي يدخل ضمن منهاج الكلية. وقد قررت الجامعة الإسلامية اعتبار تأليف البحث المنشود مادة إلزامية مستقلة في السنة النهائية لها درجتا نجاح: الصغرى، وهو عشرون، والكبرى وهي أربعون، ويجري تطبيقها على الأسس التالية: ١- يكون البحث في إحدى مواد المنهج المقرر في الكلية. ٢- على الطالب أن يختار الموضوع الذي يريد الكتابة فيه، ويقدم بذلك خطاباً إلى عميد كليته خلال شهرين اعتباراً من بدء الدراسة، وليس له العدول عنه إلى سواه بعد تقديم الخطاب، والموافقة عليه من قبل مجلس الكلية. ٣- يكون الموضوع المختار - مهما يحمل طابع الجدة ما أمكن - ولا يكتب فيه أكثر من طالب واحد في العام الواحد. ٤- لا تقل صفحات البحث عن الثلاثين من حجم ورق الآلة الناسخة، ولا تزيد عن الخمسين ولا أسطر الصفحة عن العشرين بالخط العادي. ٥- على الطالب أن يقدم بحثه إلى عميد الكلية قبل شهر من بدء امتحان الدور الأول مكتوباً بخط واضح، وعلى ثلاث نسخ مع أصلها، مذيلا كل صفحة اشتملت على ذكر مرجع ما بذكر المرجع، والجزء، ورقم الصفحة التي استمد منها.

стр. 1837

٦- يتولى مدرس المادة في السنة النهائية، مع أستاذ يختاره مجلس الكلية لمراجعة البحث ثم مناقشته مع الطالب للتيقن من كونه هو المنشئ له وكونه على فهم سليم له، ثم يقدران الدرجة التي يستحقها على ضوء ذلك، مع ملاحظة الأفكار، والترتيب وسلامة الأسلوب، وصحة التعبير. ٧- على الطالب أن يلحق بالبحث فهرساً تفصيلياً لنقاط البحث، وجريدة بذكر المراجع التي اعتمدها، مع تعيين أرقام الصفحات التي احتوت ذكرها.

стр. 1838

نظرات في حديث أصحابي كالنجوم بقلم الطالب: صالح بن سعيد بن هلابي كم من حديث اشتهر في بطون الكتب واستخرجت منه أحكام وقواعد عامة وأصلت منه أصول وقد يكون ضعيفاً بل موضوعاً بل ربما لا أصل له، ويلاحظ هذا كثيراً ما يقع في كتب الرقائق والزهد والوعظ والإرشاد والفضائل. وموضوع حديثنا اليوم هو حديث أو يقال إنه حديث "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" وقد انتشر هذا الحديث في كثير من كتب أصول الفقه في باب الإجماع وخاصة إجماع الصحابة هل هو حجة أم لا؟ وربما سكت عنه الكثيرون بعد إيرادهم له ولست آتي بحكم جديد وإنما أنا ناقل وجامع لبعض ما قيل فيه. وردت هذه الرواية بست روايات مختلفة متقاربة في اللفظ والمعنى، وسأسردها كلها إن شاء الله ونناقشها نقاشاً علمياً من حيث السند حتى نعرف مدى ما تقوم عليه هذه الروايات من حيث الصحة والضعف أو الوضع: ١- الرواية الأولى: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" قال الحافظ أبو عمر يوسف بن عبد البر النمري القرطبي المتوفى سنة ٤٦٣هـ في كتابه (جامع بيان العلم وفضله) (١) قال أخبرنا محمد بن إبراهيم بن سعد قراءة مني عليه أن محمد بن أحمد بن يحيى حدثهم قال: حدثنا أبو الحسن محمد بن أيوب الرقي قال لنا أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار سألتهم عما يروى عن النبي ﷺ مما في أيدي العامة يروونه عن النبي ﷺ أنه قال: "إنما مثل أصحابي كمثل النجوم أو أصحابي كالنجوم فبأيها اقتدوا اهتدوا". قال ابن عبد البر: "وهذا الكلام لا يصح عن النبي ﷺ رواه عبد الرحيم بن زيد العمي عن أبيه عن سعيد بن المسيب عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: وربما رواه عبد الرحيم عن أبيه عن ابن عمر وإنما أتى ضعف هذا الحديث من قبل عبد الرحيم بن زيد لأن أهل العلم قد سكتوا عن الرواية لحديثه، والكلام أيضاً منكر عن النبي ﷺ ". اهـ.

стр. 1839

وسنعرف حالة عبد الرحيم بن زيد هذا بعرضه على كتب أئمة الجرح والتعديل كيف تناولوه وشرحوه هذا التشريح، قال الحافظ ابن حجر: "عبد الرحيم بن زيد بن الحواري العمي بفتح المهملة وتشديد الميم البصري أبو زيد كذبه ابن معين من الثامنة مات سنة أربع وثمانين". اهـ. وقال الحافظ ابن حجر أيضاً في تهذيب التهذيب: "عبد الرحيم بن زيد بن الحواري العمي البصري أبو زيد روى عن أبيه ومالك بن دينار وعنه أحمد بن محمد بن الوليد الأزرقي وأبو إبراهيم الترجماني وغيرهم"، قال الدوري عن ابن معين: "إنه ليس بشيء"، وقال الجوزجاني: "غير ثقة"، وقال أبو زرعة: "واه ضعيف الحديث"، وقال أبو حاتم: "يترك حديثه منكر الحديث كان يفسد أباه يحدث عنه بالطامات"، وقال الإمام البخاري: "تركوه"، وقال أبو داود: "ضعيف"،وقال النسائي: "متروك الحديث"، وقال مرة: "ليس بثقة ولا مأمون ولا يكتب حديثه"، وقال ابن عدي: "يروي عن أبيه عن شقيق عن عبد الله غير حديث منكر وله أحاديث لا يتابعه عليها الثقات"، وقال العقيلي: قال ابن معين: "كذاب خبيث"، وقال عبد الله بن علي بن المديني عن أبيه: "ضعيف"، وقال الساجي: "عنده مناكير". اهـ. من تهذيب التهذيب، وذكره الحافظ الذهبي في كتابه (ميزان الاعتدال في نقد الرجال) ج٢ ص٦٠٥ وذكر بعض أقوال العلماء التي ذكرا الحافظ ثم ذكر بعضاً من رواياته الموضوعة ثم قال ومن مروياته حديث: "أصحابي بمنزلة النجوم فبأيهم اقتديتم اهتديتم". ٢- الرواية الثانية:

стр. 1840

وبإسناد آخر روى ابن عبد البر النمري القرطبي في كتابه جامع بيان العلم وفضله (١) من طريق سلام بن سليم قال حدثنا الحارث بن غصين عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر مرفوعاً: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" قال ابن عبد البر: "هذا إسناد لا تقوم به حجة لأن الحارث بن غصين مجهول"، قال الحافظ ابن حزم الأندلسي في كتابه (الإحكام في أصول الأحكام) قال: "هذه رواية ساقطة أبو سفيان ضعيف والحارث ابن غصين هذا هو أبو وهب الثقفي، وسلام بن سليمان يروي الأحاديث الموضوعة وهذا منها بلا شك". اهـ. ولنأخذ رجلاً واحداً من السند هو سلام بن سليمان قال الحافظ ابن حجر العسقلاني قال: "سلام بن سليم أو ابن سلم أو ابن سليمان والصواب أبو سليمان ويقال أبو عبد الله وهو سلام الطويل خراساني الأصل، روى عن حميد الطويل، وثور ابن يزيد الرجي وجعفر بن محمد الصادق وغيرهم وعنه - أي وروى عنه - عبد الرحمن ابن ثابت بن ثوبان وعبد الرحم بن محمد المحاربي وقبيصة بن عقبة وعلي بن الجعد وغيرهم"، قال فيه الإمام أحمد: "روى أحاديث منكرة"،وقال ابن أبي مريم عن ابن معين: "له أحاديث منكرة"، وقال الدوري وغيره عن ابن معين: "ليس بشيء"، وقال ابن المديني: "ضعيف"، وقال ابن عمار: "ليس بحجة"، وقال الجوزجاني: "ليس بثقة"، وقال البخاري: "تركوه"، وقال مرة: "يتكلمون فيه"، وقال أبو حاتم: "ضعيف الحديث تركوه"، وقال أبو زرعة: "ضعيف"، وقال النسائي: "متروك"، وقال مرة: "ليس بثقة ولا يكتب حديثه"، وقال ابن خراش: "كذاب"، وقال ابن حبان: "روى عن الثقات الموضوعات كأنه كان المعتمد لها وهو الذي روى عن النبي ﷺ عن أنس: "وقت للنفساء أربعين يوماً". اهـ.

стр. 1841

هذا خلاصة ما قيل فيه من أقوال أئمة الجرح والتعديل عن كتاب تهذيب التهذيب وعرفنا الرجل الآخر في السند هو الحارث بن غصين وهو أبو وهب الثقفي وهو مجهول ولا يحتج بالمجاهيل فضلا عن الضعفاء والكذابين والمتروكين. ٣- الرواية الثالثة: من طريق سليمان بن أبي كريمة عن جويبر عن الضحاك عن ابن عباس مرفوعاً: "مهما أوتيتم من كتاب الله فالعمل به لا عذر لأحدكم في تركه فإن لم يكن في كتاب الله فسنة مني ماضية فإن لم يكن سنة مني ماضية فمما قال أصحابي إن أصحابي بمنزلة النجوم في السماء فأيها أخذتم به اهتديتم واختلاف أصحابي لكم رحمة". الحديث أورده السيوطي في رسالة (جزيل المواهب في اختلاف المذاهب) وأورد الجملة الأخيرة منه الإمام الغزالي في الإحياء ج١ ص٢٥ قال الحافظ العراقي في تخريجه للإحياء: "إسناده ضعيف، ومعروفة بضاعة الغزالي في الحديث". قلت: ليس هو ضعيفاً فقط بل هو موضوع لأن رواته كلهم متروكون، الأول فيه سليمان بن أبي كريمة قال الحافظ الذهبي قال: "سليمان بن أبي كريمة شامي روى عن هشام ابن عروة وهشام بن حسان وأبي قرة وخالد بن ميمون وعنه صدقة بن عبد الله وعمرو ابن هشام البيروني قال: ضعفه أبو حاتم، وقال ابن عدي: عامة أحاديثه مناكير". وقال ابن أبي حاتم: "ضعيف جداً"، ثم قال الذهبي: "ولم أر للمتقدمين فيه كلاماً".

стр. 1842

ومن مناكيره حديث: "لكل أمة يهود ويهود أمتي المرجئة"اهـ. ملخصاً من ميزان الاعتدال، والرجل الثاني في السند هو جويبر بن سعد الأزدي قال الذهبي: "جويبر بن سعيد أبو القاسم الأزدي البلخي المفسر صاحب الضحاك قال فيه ابن معين: "ليس بشيء"، وقال الجوزجاني: لا يشتغل به، وقال النسائي والدارقطني وغيرهما: "متروك الحديث"، وقال أبو قدامة السرخسي: قال يحيى القطان: "تساهلوا في أخذ التفسير عن القوم لا تولعوهم في الحديث ثم ذكر ليث بن أبي سليم وجويبر هذا والضحاك ومحمد بن السائب وقال هؤلاء لا يحمد حديثهم ويكتب التفسير عنهم". اهـ. والضحاك هو ابن مزاحم الهلالي لم يلق ابن عباس، بعد هذا العرض السريع لرجال هذا السند تبين لنا أن الرواية ساقطة لا تقوم بها حجة في ميزان العلم الصحيح والنقد النزيه. ٤- الرواية الرابعة: روى ابن عساكر في تاريخه من طريق نعيم بن حماد، حدثنا عبد الرحيم بن زيد العمي عن أبيه عن سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب مرفوعاً قوله: "سألت ربي فيما اختلف فيه أصحابي من بعدي فأوحى الله إلي يا محمد إن أصحابك عندي بمنزلة النجوم في السماء بعضها أضوأ من بعض فمن أخذ بشيء مما هم عليه من اختلافهم فهو عندي على هدى". الحديث أورده الإمام السيوطي في الجامع الصغير برواية السجزي في الإبانة وابن عساكر عن عمر ﵁، ورمز إليه السيوطي بالضعف، قال الشيخ عبد الرؤوف المناوي صاحب كتاب فيض القدير شرح الجامع الصغير حول الحديث عن السجزي في كتاب الإبانة عن أصول الديانة وابن عساكر في التاريخ في ترجمة زيد الحواري وكذا البيهقي وابن عدي كلهم عن عمر بن الخطاب. قال ابن الجوزي في العلل: "هذا لا يصح نعيم مجروح وعبد الرحيم قال ابن معين إنه كذاب وفي الميزان هذا الحديث باطل"، وقال ابن معين وابن حجر في تخريج المختصر حديث غريب سئل عنه البزار فقال: "لا يصح هذا الكلام عن النبي ﷺ ". اهـ. ملخصاً.

стр. 1843

وقد تقدم الكلام في الرواية الأولى حول عبد الرحيم بن زيد هذا وأقوال العلماء فيه فلا نعيده هنا، ونعيم بن حماد الخزاعي هو أبو عبد الله المروزي نزيل مصر، وقد تكلم حوله الحافظ الذهبي في الميزان كلاماً طويلاً، فمنهم المادح له ومنهم القادح فيه والذام له، وخلاصة القول فيه أنه كان ثقة وكان يروي المناكير قال محمد بن علي المروزي: سألت يحيى بن معين عن بعض أحاديث رواها نعيم بن حماد قال: "ليس لها أصل"، قلت: فنعيم قال: ثقة، قلت: كيف يحدث الثقة بباطل، قال شبه له"، قال أبو داود: "كان عند نعيم ابن حماد نحو من عشرين حديثاً عن النبي ﷺ ليس لها أصل"، وقال النسائي: "هو ضعيف ومن مناكيره القبيحة المروية عنه حديث: "رأيت ربي في أحسن صورة شاباً موقراً رجلاه في خضر عليه نعلان من ذهب". اهـ. وقال الحافظ ابن حجر: "كان يخطئ كثيراً فقيه عارف بالفرائض". اهـ. وإذا رجعنا إلى القاعدة الأصولية في مصطلح الحديث فيما اختلف العلماء في توثيقه أو ضعفه فإن القاعدة تقول إن الجرح مقدم على التعديل وخاصة إذا بين الجارح سبب الجرح في الراوي، ولأن الجارح يطلع على أحوال الراوي ما لم يطلع عليه غيره، بهذا نعرف منزلة الراوية أنها ضعيفة بل موضوعة بسبب هذا الكذاب فيها هو عبد الرحيم بن زيد. ٥- الرواية الخامسة:

стр. 1844

"أهل بيتي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم"الحديث أورده ابن عراق في كتابه العظيم تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة، وكذلك السيوطي في اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة ص ٢٠١، وأورده الشوكاني في الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة ص ٣٩٧، قال الشوكاني قال في المختصر: "هو من نسخة نبيط المكذوبة"قال الأستاذين المعلقين على كتاب الشوكاني ما يأتي: "في الأصلين الكذاب وهو وهم نبيط صحابي وإنما جاء الكذب من بعض ذريته وهو أحمد بن إسحاق بن إبراهيم بن نبيط لفق نسخة رواها عن أبيه عن جده عن نبيط وقد ذكرها السيوطي في أواخر الذيل". اهـ. وأورد الشيخ الفاضل ناصر الدين الألباني الحديث في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة كما أورد كل هذه الروايات المتقدمة إنما أحببت أن أعيد القارئ الكريم إلى أصل مرجع أئمة الجرح والتعديل في مثل هذه الأحوال وأشار الشيخ الألباني في هذه الرواية إلى الفرق بين نبيط الصحابي ونبيط الكذاب، وقال: "وقد وقفت على نسخة أحمد بن نبيط الكذاب وهي من رواية أبي نعيم الأصبهاني قال: حدثنا أبو الحسن أحمد بن القاسم بن الريان المصري المعروف بـ (اللكي) بالبصرة في نهر دبيس قراءة عليه في صفر سنة سبع وخمسين وثلاثمائة فأقر به قال: أنبأنا أحمد بن إبراهيم بن نبيط بن شريط أبو جعر الأشجعي بمصر سنة اثنتين وسبعين ومائتين قال: حدثني أبي إسحاق بن إبراهيم بن نبيط قال: حدثني أبي إبراهيم بن نبيط عن جده نبيط بن شرط مرفوعاً فذكر أحاديث كثيرة هذا منها" اهـ. قال الذهبي: "في نسخة أحمد بن نبيط هذا فيها بلايا وأحمد بن إسحاق لا يحل الاحتجاج به فإنه كذاب وأقره الحافظ في اللسان، والراوي أحمد بن القاسم ضعيف"، وأحمد ابن القاسم هذا قال عنه الذهبي في الميزان أحمد بن القاسم بن الريان (اللكي) له جزء عال رواه عنه أبو نعيم الحافظ لينه الأمير ابن ماكولا.

стр. 1845

وقال الحسن بن علي بن عمرو الزهري: "ليس بالمرضي وضعفه الدارقطني في المؤتلف والمختلف". اهـ. ٦- الرواية السادسة: "إنما أصحابي مثل النجوم فأيهم أخذتم بقوله اهتديتم" الحديث رواه ابن عبد البر في كتابه (جامع بيان العلم وفضله) من طريق أبي شهاب الحناط عن حمزة الجزري عن نافع عن ابن عمر مرفوعاً ثم قال ابن عبد البر: "وهذا إسناد لا يصح ولا يرويه عن نافع من يحتج به"، قلت وآفة هذه الرواية حمزة بن أبي حمزة الجزري النصيبي، قال الذهبي في الميزان قال ابن معين: "لا يساوي فلساً". وقال الإمام البخاري: "منكر الحديث"، وقال الدارقطني: "متروك"، وقال ابن عدي: "عامة ما يرويه موضوع"، ثم سرد الذهبي بعضاً من مروياته الموضوعة منها هذه الرواية: "أصحابي كالنجوم...". وقال الحافظ في التقريب: "حمزة بن أبي جعفر الجعفي متروك متهم بالوضع"، وقال ابن حبان: "ينفرد عن الثقات بالموضوعات حتى كأنه المعتمد لها ولا تحل الرواية عنه".اهـ. قال الحافظ ابن حزم الأندلسي وكتب إلي أبو عمر يوسف بن عبد البر النمري إن هذا الحديث روي أيضاً من طريق عبد الرحيم بن زيد العمي ومن طريق حمزة الجزري قال: "وعبد الرحيم بن زيد وأبوه متروكان وحمزة الجزري مجهول"، وقد عرفنا حالة كل واحد منهم. قال ابن حزم: "فقد ظهر أن هذه الرواية لا تثبت أصلاً بل لا شك أنها مكذوبة لأن الله تعالى يقول في صفة نبيه ﷺ : ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى, إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ فإذا كان كلامه ﵇ في الشريعة حقا كله ووحياً فهو من الله تعالى بلا شك، وما كان من الله تعالى فلا اختلاف فيه بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ ".

стр. 1846

إلى أن قال: "فمن المحال أن يأمر رسول الله ﷺ باتباع كل قائل من الصحابة رضي الله تعالى عنهم وفيهم من يحلل الشيء وغيره يحرمه ولو كان ذلك لكان بيع الخمر حلالاً اقتداء بسمرة بن جندب ﵁، ولكان أكل البرد للصائم حلالاً بأبي طلحة وحراماً بغير منهم، ولكان ترك الغسل من الإكسال جائزاً اقتداء بعلي وعثمان وطلحة وأبي أيوب وأبي بن كعب وحراماً اقتداء بعائشة وابن عمر ولكان بيع التمر قبل ظهور الطيب فيها حلالاً اقتداء بعمر حراماً اقتداء بغيره منهم، ثم استطرد ابن حزم في ضرب الأمثلة، وقال: وكل هذا مروي عندنا بالأسانيد الصحيحة تركناها خوف التطويل وقد كان الصحابة يقولون بآرائهم في عصره ﵊ فيبلغه ذلك فيصوب المصيب ويخطئ المخطئ، فذلك بعد موته ﵇ أفشى وأكره."اهـ ملخصاً من كلام ابن حزم ﵀ ومن أراد التفصيل فعليه بالكتاب المشار إليه. بعد هذا ليس على الباحث المنصف وطالب الحق إذا قال بعد اطلاعه على هذه الأحاديث الموضوعة المكذوبة ليس عليه شيء إذا قال: لا يصح في هذا الباب حديث واحد بهذه الروايات، وبهذا نتبين أن الله حفظ هذه الشريعة الغراء من كيد الدساسين الوضاعين والكذابين الآثمين، وإن الله قيض لهذا الدين جهابذة يدافعون في سبيله وينافحون عما علق به من الكذب والأباطيل ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ . والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل. إلى الإسلام

стр. 1847

أعتقد أنه لا خير لنا في واحد من هذه النظم جميعاً، فلكل منها عيوبه الفاحشة، كما له حسناته البادية، وهي نظم نبتت في غير أرضنا لأوضاع غير أوضاعنا ومجتمعات فيها غير ما في مجتمعنا.. فضلاً عن أن بين أيدينا النظام الكامل الذي يؤدي إلى الإصلاح الشامل في توجيهات الإسلام الحنيف، وما وضع للاقتصاد القومي كلية أساسية لو علمناها وطبقناها تطبيقاً سليماً، لانحلت مشكلاتنا، ولظفرنا بكل ما في هذه النظم من حسنات، وتجنبنا كل ما فيها من سيئات، وعرفنا كيف يرتفع مستوى المعيشة وتستريح كل الطبقات، ووجدنا أقرب الطرق إلى الحياة الطيبة. (من مجموعة رسائل البنا) --- (١) ج٢ص٩٠ المكتبة العلمية بالمدينة المنورة. (٢) في تقريب التهذيب ج١ ص٥٠٤. (٣) ج٦ ص٣٠٥. (٤) ج٢ ص٩١. (٥) ج٦ ص٨١٠ بتعليق الشيخ أحمد شاكر. (٦) تهذيب التهذيب ج٤ ص٢٨١. (٧) في ميزان الاعتدال ج٢ ص٢٢١ من الطبعة الجديدة بتحقيق الشيخ علي محمد البجاوي. (٨) ميزان الاعتدال ج١ ص٤٢٧. (٩) انظر: فيض القدير ج٤ ص٧٦. (١٠) ج٤ ص٢٦٧. (١١) التقريب ج٢ ص٣٠٥. (١٢) ج١ ص٤١٩. (١٣) ج١ ص١٢٨. (١٤) ج١ ص٩٠. (١٥) ج١ ص٦٠٦. (١٦) الإحكام في أصول الأحكام ج٦ ص٨١٠. (١٧) ولا يغتر القارئ بتعدد روايات هذا الحديث لأن المتعدد لا يجدي نفعاً إذا كان مدار كل رواية على كذاب أو متهم أو فاحش الغلط فمثل هذا النوع لا يقوي بعضه بعضاً لأنه يكون من (مثقل استعان بذقنه) .

стр. 1848

يستفتونك يتولى الرد على أسئلة القراء سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رئيس الجامعة الإسلامية وردت إلينا أسئلة من بعض مناطق اليمن، وفيما يلي نص الأسئلة والإجابة عليها: س١- ما حكم الأذان والإقامة في قبر الميت عند وضعه فيه؟ ج - لا ريب أن ذلك بدعة ما أنزل الله بها من سلطان؛ لأن ذلك لم ينقل عن رسول الله ﷺ ولا عن أصحابه ﵃، والخير كله في اتباعهم، وسلوك سبيلهم قال الله سبحانه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ الآية. وقال النبي ﷺ : "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" متفق على صحته، وفي لفظ آخر قال ﵊: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد". وكان ﷺ يقول في خطبة الجمعة: "أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة " خرجه مسلم في حديث جابر ﵁. س٢- ما حكم التلفظ بالنية جهراً في الصلاة؟ ج - التلفظ بالنية بدعة، والجهر بذلك أشد في الإثم، وإنما السنة النية بالقلب لأن الله سبحانه يعلم السر وأخفى، وهو القائل : ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ ولم يثبت عن النبي ﷺ ، ولا عن أحد من أصحابه، ولا عن الأئمة المتبوعين التلفظ بالنية، فعلم بذلك أنه غير مشروع، بل من البدع المحدثة، وسبق في جواب السؤال الأول بيان الأدلة الدالة على إنكار البدع، والله ولي التوفيق. س٣- ما حكم رفع الصوت بالصلاة على النبي ﷺ والترضي عن الخلفاء الراشدين بين ركعات التراويح؟

стр. 1849

ج - لا أصل لذلك - فيما نعلم - من الشرع المطهر، بل هو من البدع المحدثة، فالواجب تركه، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها وهو اتباع الكتاب والسنة، وماسار عليه سلف الأمة، والحذر مما خالف ذلك. س٤- ما حكم الجهر بالبسملة في الصلاة عند قراءة الفاتحة وغيرها من السور؟ ج - اختلف العلماء في ذلك، فبعضهم استحب الجهر بها، وبعضهم كره ذلك وأحب الإسرار بها وهذا هو الأرجح والأفضل لما ثبت في الحديث الصحيح عن أنس ﵁ قال: "كان النبي ﷺ وأبو بكر وعمر لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم" وجاء في معناه أحاديث، وورد في بعض الأحاديث ما يدل على استحباب الجهر ولكنها أحاديث ضعيفة، ولا نعلم في الجهر بالبسملة حديثاً صحيحاً صريحاً يدل على ذلك، ولكن الأمر في ذلك واسع وسهل ولا ينبغي فيه النزاع، وإذا جهر الإمام بعض الأحيان بالبسملة ليعلم المأمومون أنه يقرأها فلا بأس، ولكن الأفضل أن يكون الغالب الإسرار بها عملاً بالأحاديث الصحيحة. س٥- ما حكم ما جرت به عادة بعض الناس من ذبح الإبل، والغنم، وإقامة وليمة عند موت الميت يجتمع فيها المعزون وغيرهم ويقرا فيها القرآن؟

стр. 1850

ج - هذا كله بدعة لم يفعله رسول الله ﷺ ولا أصحابه ﵃، وقد ثبت عن جرير بن عبد الله البجلي الصحابي الشهير ﵁، قال: "كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام بعد الدفن من النياحة". أخرجه الإمام أحمد، وابن ماجة بسند صحيح، وإنما المشروع أن يصنع الطعام لأهل الميت، ويبعث به إليهم من أقاربهم أو جيرانهم أو غيرهم لكونهم قد شغلوا بالمصيبة عن إعداد الطعام لأنفسهم لما ثبت في الحديث الصحيح عن عبد الله بن جعفر ﵁، قال: لما أتى نعي جعفر بن أبي طالب ﵁، قال النبي ﷺ : "اصنعوا لآل جعفر طعاماً فقد أتاهم ما يشغلهم"، أخرجه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجة بإسناد صحيح، وهذا العمل - مع كونه بدعة - فيه أيضاً تكليف أهل الميت وإتعابهم مع مصيبتهم، وإضاعة أموالهم في غير حق، والله المستعان. س٦- هل على السيارات التجارية التي تسافر وتجلب الحبوب، وغيرها زكاة، وهكذا ما أشبهها من الجمال؟ ج - ليس على السيارات والجمال المعدة لنقل الحبوب، والأمتعة، وغيرها من بلاد إلى بلاد زكاة لكونها لم تعد للبيع وإنما أعدت للنقل والاستعمال، أما إن كانت السيارات معدة للبيع، وهكذا غيرها من الجمال، والحمير، والبغال، وسائر الحيوانات التي يجوز بيعها إذا كانت معه للبيع فإنها تجب فيها الزكاة لأنها صارت بذلك من عروض التجارة فوجبت فيها الزكاة لما روى أبو داود، وغيره عن سمرة بن جندب، ﵁ قال: كان النبي ﷺ يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي نعده للبيع، وإلى هذا ذهب جماهير أهل العلم، وحكاه الإمام أبو بكر بن المنذر ﵀ إجماع أهل العلم.

стр. 1851

س٧- بلادنا تنتج الحب، والعملة عندنا بالحبوب لقلة النقود، فإذا جاء وقت البذر اشترينا من التجار الصاع بريال، فإذا جاء وقت الحصاد وصفيت الحبوب سلمنا للتجار عن كل ريال صاعين مثلاً لأن السعر في وقت الحصاد أرخص منه في وقت البذر، فهل يجوز هذه المعاملة؟ ج - هذه المعاملة فيها خلاف بين العلماء، وقد رأى كثير منهم أنها لا تجوز لأنها وسيلة إلى بيع الحنطة ونحوها بجنسها متفاضلاً ونسيئة، وذلك عين الربا من جهتين: جهة التفاضل، وجهة التأجيل، وذهب جماعة آخرون من أهل العلم إلى أن ذلك جائز إذا كان البائع والمشتري لم يتواطأ على تسليم الحنطة بدل النقود، ولم يشترطا ذلك عند العقد، هذا هو كلام أهل العلم في هذه المسألة، ومعاملتكم هذه يظهر منها التواطؤ على تسليم حب أكثر بدل حب أقل لأن النقود قليلة وذلك لا يجوز، فالواجب على الزارع في مثل هذه الحالة أن يبيعوا الحبوب على غير التجار الذين اشتروا منهم البذر، ثم يوفوهم حقهم نقداً، هذا هو طريق السلامة والاحتياط والبعد عن الربا، فإن وقع البيع بين التجار وبين الزراع بالنقود، ثم حصل الوفاء من الزراع بالحبوب من غير تواطئ، ولا شرط فالأقرب صحة ذلك كما قاله جماعة من العلماء، ولا سيما إذا كان الزارع فقيراً ويخشى التاجر أنه إن لم يأخذ منه حباً بالسعر بدل النقود التي في ذمته فات حقه ولم يحصل له شيء لأن الزارع سوف يوفي به غيره ويتركه أو يصرفه - أي الحب - في حاجات أخرى، وهذا يقع كثيراً من الزراع الفقراء، ويضيع حق التجار، أما إذا كان التجار والزراع قد تواطأوا على تسليم الحب بعد الحصاد بدلاً من النقود فإن البيع الأول لا يصح من أجل التواطئ المذكور، وليس للتاجر إلا مثل الحب الذي سلم للزارع من غير زيادة تنزيلا له منزلة القرض لعدم صحة البيع مع التواطئ على أخذ حب أكثر. س٨- لمس المرأة بشهوة أو بدون شهوة سواء كانت امرأته أو غيرها هل ينقض الوضوء؟

стр. 1852

ج - هذه المسالة فيها خلاف بين العلماء، والصواب أنه لا ينقض الوضوء سواء كان بشهوة أو بدونها، وسواء كان اللمس لامرأته أو غيرها إذا لم يخرج منه مذي أو غيره؛ لأن النبي ﷺ كان يقبل بعض نسائه ثم يصلي ولا يتوضأ، ولأن الأصل صحة الطهارة وسلامتها فلا يجوز إبطالها إلا بناقض ثابت في الشرع، وليس في الشرع المطهر ما يدل على النقض بمجرد اللمس، أما قوله سبحانه: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ فالمراد به الجماع في أصح قولي العلماء كما قاله ابن عباس، وجماعة من العلماء، وليس المراد به مجرد اللمس، ولو كان المراد به مجرد المس لبينه النبي ﷺ للأمة، لأن الله سبحانه بعثه مبلغاً ومعلماً، وقد ثبت عنه ﵊ أنه كان يقبل بعض نسائه ثم يصلي ولا يتوضأ، وذلك يبين معنى الآية الكريمة، والله أعلم. س٩- هل التسبيح برفع الصوت يوم الجمعة قبل الصلاة بساعة أو أكثر سنة أم بدعة؟ ج - لا شك أن هذا العمل بدعة، لأنه لم يبلغنا عن النبي ﷺ ، ولا عن أصحابه أنهم فعلوا ذلك، والخير كله في اتباعهم، أما من سبح بينه وبين نفسه فلا بأس بذلك بل فيه خير عظيم، وثواب جزيل لما صح عن النبي ﷺ أنه قال: " أحب الكلام إلى الله أربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر"، وقال ﵊: "كلمتان خفيفتان على اللسان حبيبتان إلى الرحمن ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم"، والأحاديث في فضل أنواع الذكر كثيرة. س١٠- يكثر بين الناس عندنا الحلف بالطلاق، والحرام، فما حكم ذلك؟

стр. 1853

ج - أما الحلف بالطلاق فهو مكروه لا ينبغي فعله لأنه وسيلة إلى فراق الأهل - عند بعض أهل العلم - ولأن الطلاق أبغض الحلال إلى الله، فينبغي للمسلم حفظ لسانه من ذلك إلا عند الحاجة إلى الطلاق، والعزم عليه في غير حال الغضب، والأولى الاكتفاء باليمين بالله سبحانه إذا أحب الإنسان أن يؤكد على أحد من أصحابه أو ضيوفه للنزول عنده للضيافة أو غيرها، أما في حال الغضب فينبغي له أن يتعوذ بالله من الشيطان، وأن يحفظ لسانه وجوارحه عما لا ينبغي، أما التحريم فلا يجوز سواء كان بصيغة اليمين أو غيرها؛ لقول الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ الآية. ولأدلة أخرى معروفة، ولأنه ليس للمسلم أن يحرم ما أحل الله له، أعاذ الله الجميع من نزغات الشيطان. س١١- إذا تخاصم قبيلتان أو شخصان حكم شيخ القبيلة على المدعى عليه بعقائر من الإبل أو الغنم تعقر وتذبح عند من له الحق إلى آخره؟ ج - الذي يظهر لنا من الشرع المطهر أن هذه العقائر لا تجوز لوجوه، أولها: أن هذا من سنة الجاهلية، وقد قال النبي ﷺ : "لا عقر في الإسلام". والثاني: أن هذا العمل يقصد منه تعظيم صاحب الحق، والتقرب إليه بالعقيرة، وهذا من جنس ما يفعله المشركون من الذبح لغير الله، ومن جنس ما يفعله بعض الناس من الذبح عند قدوم بعض العظماء، وقد قال جماعة من العلماء: إن هذا يعتبر من الذبح لغير الله، وذلك لا يجوز بل هو في الجملة من الشرك، كما قال الله سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ, لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ .

стр. 1854

والنسك هو الذبح، قرنه الله بالصلاة لعظم شأنه فدل ذلك على أن الذبح يجب أن يكون لله وحده، كما أن الصلاة لله وحده، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ، فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ . وقال النبي ﷺ : "لعن الله من ذبح لغير الله". الوجه الثالث: أن هذا العمل من حكم الجاهلية، وقد قال الله سبحانه: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ . وفيه مشابهة لأعمال عباد الأموات، والأشجار، والأحجار كما تقدم، فالواجب تركه وفيما شرع الله من الأحكام، ووجوه الإصلاح ما يغني ويكفي عن هذا الحكم، والله ولي التوفيق. س١٢- قد اشتهر عندنا أن الرجل إذا غاب عن بلاده ثم قدم أن النساء من جماعته يأتين إليه ويسلمن عليه ويقبلنه، وهكذا في الأعياد، عيد الفطر، وعيد الأضحى، فهل هذا مباح؟

стр. 1855

ج - قد علم بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة أن المرأة ليس لها أن تصافح أو تقبل غير محرمها من الرجال سواء كان ذلك في الأعياد أو عند القدوم من السفر أو لغير ذلك من الأسباب، لأن المرأة عورة، وفتنة، فليس لها أن تمس الرجل الذي ليس محرماً لها سواء كان ابن عمها أو بعيداً منها، وليس لها أن تقبله أو يقبلها، لا نعلم بين أهل العلم ﵏ خلافاً في تحريم هذا الأمر وإنكاره، لكونه من أسباب الفتن، ومن وسائل ما حرم الله من الفاحشة، والعادات المخالفة للشرع لا يجوز للمسلمين البقاء عليها، ولا التعلق بها بل يجب عليهم أن يتركوها، ويحاربوها ويشكروا الله سبحانه الذي من عليهم بمعرفة حكمه ووفقهم لترك ما يغضبه، والله سبحانه بعث الرسل عليهم الصلاة والسلام وعلى رأسهم سيدهم وخاتمتهم نبينا محمد ﷺ لدعوة الناس إلى توحيده سبحانه، وطاعة أوامره، وترك نواهيه، ومحاربة العادات السيئة التي تضر المجتمع في دينه، ودنياه، ولا شك أن هذه العادة من العادات السيئة، فالواجب تركها، ويكفي السلام بالكلام من غير مس، ولا تقبيل، وفيما شرع الله وأباح غنية عما حرم وكره، وكذلك يجب أن يكون السلام مع التحجب ولا سيما من الشابات لأن كشف الوجه لا يجوز لكونه من أعظم الزينة التي نهى عن إبدائها، قال الله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنّ﴾ إلى آخر الآية الكريمة، وقال تعالى في سورة الأحزاب: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنّ﴾ الآية. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً﴾ وقال تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ

стр. 1856

مِنَ النِّسَاءِ اللاَّتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ . والقواعد من العجائز، بين الله سبحانه أن لا حرج عليهن في وضع ثيابهن عن الوجه ونحوه إذا كن غير متبرجات بزينة، وأن التستر والتحجب خير لهن لما في ذلك من البعد عن الفتنة، أما مع التبرج بالزينة فليس لهن وضع الثياب بل يجب عليهن التحجب والتستر وإن كن عجائز، فعلم بذلك كله أن الشابات يجب عليهن التحجب عن الرجال في جميع الأحوال سواء كن متبرجات بالزينة أم غير متبرجات لأن الفتنة بهن أكبر، والخطر في سفورهن أعظم، وإذا حرم سفورهن فتحريم الملامسة، والتقبيل من باب أولى لأن الملامسة والتقبيل أشد من السفور، وهما من نتائجه السيئة وثمراته المنكرة، فالواجب ترك ذلك كله، والحذر منه، والتواصي بتركه وفق الله الجميع لما فيه رضاه، والسلامة من أسباب غضبه إنه جواد كريم، والذي أوصي به الجميع هو تقوى الله سبحانه، والمحافظة على دينه، ومن أهم ذلك وأعظمه المحافظة على الصلوات الخمس في أوقاتها، وأداؤها بالخشوع والطمأنينة، والمسارعة من الرجال إلى أدائها في الجماعة في مساجد الله التي أذن أن ترفع ويذكر فيها اسمه كما قال الله سبحانه: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ .

стр. 1857

ومن الأمور المهمة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والتعاون على البر والتقوى، والتواصي بالحق، والصبر عليه، وهذه هي أخلاق المؤمنين والمؤمنات، وصفاتهم كما بين الله ذلك في قوله : ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ . وأسأل الله أن يوفقنا وإياكم لما يرضيه وأن يهدينا جميعاً صراطه المستقيم إنه سميع قريب، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 1858

في مناسبات الآيات والسور (٣) آراء العلماء في المناسبات للشيخ أحمد حسن إذا تأملنا ما كتبه العلماء حول المناسبات أمكننا أن نميز فيه اتجاهات أربعة، وسنعرض أولاً آراء هذه الاتجاهات ثم مناقشتها ونرجح ما نراه أولى وأقرب إلى الصواب. الإتجاه الأول: يقول بعدم المناسبة أصلاً ونمثل له بالشوكاني حيث تعرض لهذا الموضوع في تفسيره المسمى (فتح القدير) ص ٧٢ من المجلد الأول وأنحى باللائمة على المفسرين الذين يقولون بالمناسبة، يقول الشوكاني: "اعلم أن كثيراً من المفسرين جاءوا بعلم متكلف وخاضوا في بحر لم يكلفوا سباحته واستغرقوا أوقاتهم في فن لا يعود عليهم بفائدة بل أوقعوا أنفسهم في التكلم بمحض الرأي المنهي عنه في الأمور المتعلقة بكتاب الله سبحانه وذلك أنهم أرادوا أن يذكروا المناسبة بين الآيات القرآنية المسرودة على هذا الترتيب الموجود في المصاحف، فجاءوا بتكلفات وتعسفات يبرأ منها الإنصاف، ويتنزه عنها كلام البلغاء فضلاً عن كلام الرب سبحانه وحتى أفردوا ذلك بالتصنيف وجعلوه المقصد الأهم من التأليف، كما فعله البقاعي في تفسيره ومن تقدمه حسبما ذكر في خطبته وإن هذا لمن أعجب ما يسمعه من يعرف أن هذا القرآن ما زال مفرقاً ينزل حسب الحوادث المقتضية لنزوله منذ نزول الوحي على رسول الله ﷺ وإلى أن قبضه الله ، وكل عاقل فضلاً عن عالم لا يشك أن هذه الحوادث المقتضية نزول القرآن متخالفة باعتبار نفسها بل وقد تكون متناقضة كتحريم أمر كان حلالاً وتحليل أمر كان حراماً، وإثبات أمر لشخص أو أشخاص يناقض ما كان قد ثبت لهم قبله.

стр. 1859

وتارة يكون الكلام مع المسلمين وتارة مع الكافرين وتارة مع من مضى وتارة مع من حضر وحيناً في عبادة وحيناً في معاملة ووقتاً في ترغيب ووقتاً في ترهيب وآونة في بشارة وآونة في نذارة وطوراً في أمر دنيا وطوراً في أمر آخرة ومرة في تكاليف آتية ومرة في أقاصيص ماضية، وإذا كانت أسباب النزول مختلفة هذا الاختلاف ومتباينة هذا التباين الذي لا يسير معه الأئتلاف، فالقرآن النازل فيها هو باعتبار نفسه مختلف كاختلافها، فكيف يطلب العاقل المناسبة بين الضب والنون والماء والنار والملاح والملاح والحادي وهل هذا إلا من فتح أبواب الشك وتوسيع دائرة الريب على من في قلبه مرض أو كان مرضه مجرد الجهل والقصور فإنه إذا وجد أهل العلم يتكلمون في التناسب بين جميع آي القرآن بليغاً معجزاً إلا إذا ظهر الوجه المقتضي للمناسبة وتبين الأمر الموجب للارتباط فإن وجد الاختلاف بين الآيات فرجع إلى ما قاله المتكلمون في ذلك فوجده تكلفاً محضاً وتعسفاً بيناً انقدح في قلبه ما كان عنه في عافية وسلامة.

стр. 1860

هذا على فرض أن نزول القرآن الكريم كان مرتباً على هذا الترتيب الكائن في المصحف وكل من له أدنى علم بالكتاب وأيسر حظ من معرفته يعلم علماً يقيناً أنه لم يكن كذلك، ومن شك في هذا وإن لم يكن مما يشك فيه أهل العلم رجع إلى كلام أهل العلم العارفين بأسباب النزول المطلعين على حوادث النبوة فإنه ينثلج صدره ويزول عنه الريب بالنظر في سورة من السور المتوسطة فضلاً عن المطولة لأنه لا محالة يجدها مشتملة على آيات نزلت في حوادث مختلفة وأوقات متباينة لا مطابقة بين أسبابها وما نزلت فيها في الترتيب بل يكفي المقصر أن يعلم أن أول ما نزل: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ وبعده ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ وينظر أين موضع هذه الآيات والسور في ترتيب المصحف؟ وإذا كان الأمر هكذا فأي معنى لطلب المناسبة بين آيات نعلم قطعاً أنه قد تقدم في ترتيب المصحف ما أنزله الله متأخراً وتأخر ما أنزله الله متقدماً فإن هذا العمل لا يرجع إلى ترتيب نزول القرآن بل إلى ما وقع من الترتيب عند جمعه ممن تصدى لذلك من الصحابة وما أقل نفع مثل هذا وأنزر ثمره وأحقر فائدته بل هو عند من يفهم ما يقول وما يقال له من تضييع الأوقات وإنفاق الساعات في أمر لا يعود بنفع على فاعله ولا على من يقف عليه من الناس وأنت تعلم أنه لو تصدى رجل من أهل العلم للمناسبة بين ما قاله رجل من البلغاء من خطبه ورسائله وإنشاءاته أو إلى ما قاله شاعر من الشعراء من القصائد التي تكون تارة مدحاً وأخرى هجاء وحيناً نديباً وحيناً رثاء وغير ذلك من الأنواع المتخالفة فعمد هذا المتصدي إلى ذلك المجموع فناسب بين فقره ومقاطعه ثم تكلف تكلفاً آخر فناسب بين الخطبة التي خطبها في النكاح ونحو ذلك وناسب بين الإنشاء الكائن في العزاء والإنشاء الكائن في الهناء وما يشابه ذلك لعد هذا المتصدي لمثل هذا مصاباً في عقله متلاعباً بأوقاته عابثاً بعمره الذي هو رأس
следующие страницы →