← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

ما عدا جماعة الأحناف فإنهم لا يوترون مع الإمام بل ينفردون به بإمام منهم طيلة الشهر وذلك بعد فراغ الإمام الراتب أو نائبه من الوتر بعد التراويح ويوقعونه ثلاث مجتمعات كالمغرب، وسنلم بمبحث الوتر عند الأحناف في نهاية دعاء القنوت في التهجد ليلة الثلاثين من رمضان سنة ١٣٩٠هـ بعد الختم بليلة نقل من التسجيل. اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك اللهم لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت فإنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين من تهون به علينا مصائب الدنيا. اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يرحمنا. اللهم اجعل خير أعمالنا أواخرها وخير أعمارنا خواتمها، وخير أيامنا يوم نلقاك. اللهم إنا نسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والسلامة من كل إثم والغنيمة من كل بر والفوز بالجنة والنجاة من النار، ونسألك الجنة وما قرب منها من قول أو عمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل ونسألك أن تجعل كل قضاء قضيته لنا خيراً لنا يا رب العالمين. اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وزدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنا، وارزقنا وارض عنا. اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا.. اللم اجعل مجتمعنا هذا مجتمعاً مرحوماً واجعل تفرقنا بعده تفرقاً معصوماً ولا تجعل فينا ولا منا ولا معنا شقياً ولا محروماً. اللهم انصر دينك وكتابك وعبادك المؤمنين.

стр. 1892

اللهم إنا نعوذ برضاك من سخطك وبعفوك من عقوبتك وبك منك لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك. ربنا تقبل منا إنك أنت السمع العليم وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، وصل اللهم على سيدنا محمد وسلم. صلاة القيام آخر الليل: تقدم أن أهل المدينة منذ القرون المتقدمة من عهد أبي زرعة ﵀ كانوا إذا فرغوا منن التراويح يرجعون إلى المسجد في ثلث الليل الأخير لصلاة الست عشرية وذلك طيلة ليالي الشهر كله يصلون ست عشرة ركعة وكانوا ينادون لها على المنارة لاجتماع الناس إليها وكانت ست عشرة ركعة مع عشرين أول الليل تتمة ست وثلاثين كما تقدم، ولكن في هذا العهد لا يصلي من آخر الليل شيء في أول الشهر. فإذا كان العشر الأواخر ابتداء من ليلة عشرين فإن المصلين يعودون إلى المسجد بدون نداء على المنابر فإذا كان ثلث الليل الأخير حضر الإمام ونائبه وقد تجمع جم غفير من أنحاء المدينة رجالاً ونساء شيباً وشباباً ترى على الوجوه سمة الخير ووقار السكينة وإشراقة التهجد. فيقوم الإمام في الروضة الشريفة في مصلى رسول الله ﷺ ، فإذا بدأ الصلاة ساد شعور لا يمكن وصفه ولا تصويره، من جلال وإجلال ورغبة ورهبة، وتلاحق في الذهن الماضي المشرق للمسجد المبارك، والآثار العطرة للروضة المطهرة. وتراءت صور المصلين عبر القرون الماضية، وأحسست بخيوط من الأشعاع تربطك بالسلف وهبات من نسيم الرحمة تبلل جفاف القلوب وتحيي مواته وتمس شغافه فتزكي شعوره وتوقظ انتباهه وتملك زمامه.

стр. 1893

فإذا قرأ الإمام ورتل اجتذب المسامع واستصغى الأفئدة وهناك يمضي الوقت ولا يكاد يحسب من العمر أو يعد من الحياة لأنه أسمى ساعات العمر وفوق لحظات الحياة يصلي الإمام ركعتين ثم يصلي نائبه ركعتين وهكذا بالتناوب إلى أن تنتهي العشر ركعات بخمس تسليمات يبدأهن فضيلة الإمام ويختمهن أيضاً يقرأ في كل ليلة ثلاثة أجزاء ويوتر فضيلة الإمام بثلاث ركعات ويقنت كما تقدم ويطيل قنوته وهكذا الليالي التسع. فإذا كانت الليلة الأخيرة وهي ليلة تسع وعشرين والتي يقع فيها الختم فإن الصلاة تكون فيها كالتالي: أولاً: في التراويح تكون قراءة الختمة الأولى قد بلغت إلى جزء (عم) فيصلي الإمام التراويح كلها عشرين ركعة فإذا كان في الركعة الأخيرة وقرأ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ دعا بدعا ختم القرآن الكريم قبل أن يركع، وأطال في الدعاء واجتهد في الإنابة إلى الله والضراعة إليه والمصلون معه يؤمنون ويبتهلون وما أن يسترسل الإمام في دعائه وتظهر رقته في صوته إلا ويجهش الجميع بالبكاء ويضج المسجد بالدعاء إلى أن ينهي الإمام دعاءه ثم يركع ويكمل الركعة الأخيرة، ثم يترك الوتر للشيخ العلمي فإذا كان في القيام من آخر الليل عمر المسجد بالمصلين وأطلقت مباخر الطيب. وتكون القراءة في تلك الليلة قد وصلت جزء (قد سمع) فيبدأ الإمام الصلاة كالمعتاد ويتناوب معه نائبه وتكون الركعتان الأخيرتان للإمام كما تقدم فإذا كان في الركعة الأخيرة كما تقدم وقرأ سورة (الناس) رفع يديه وبدأ الختم المبارك على النحو المتقدم، فإذا فرغ منه أتم صلاته ثم أوتر وقنت. ولعظم شأن هذا الختم في المسجد النبوي المبارك وشدة روعته وكبير أثره فإني أورده بشيء من التفصيل في المبحث الآتي مبيناً أقوال العلماء في أصله ومستنده وكيفيته ومكانه من الصلاة وخاصة في المسجد النبوي. مبحث عمل الختم في المسجد النبوي في الوقت الحاضر سنة ١٣٩٠هـ.

стр. 1894

وبما أن العمل في المدينة وفي المسجد النبوي ومن الإمام الراتب له أهميته وقيمته في العالم الإسلامي كله. وقديماً كان علماء أهل المدينة حجة عند إمام دار الهجرة مالك بن أنس ﵀ بناء على أنهم توارثوه عن السلف وأنها منبع السنة. وهكذا اليوم منزلة المدينة في نفوس المسلمين وقداستها في قلوبهم وإمامتها في أنظارهم فهي دار الهجرة وموطن التشريع. وعمل الختم في نهاية التراويح والتهجد في رمضان بالمسجد النبوي في هذه الآونة طبقت أخباره الآفاق والأمصار، ويفد لحضوره عدد من جميع الأقطار، فلا بد وأن يكون موضع تساؤل عن أصل مشروعيته ولا سيما من الذين يتطلعون إلى أدلة كل عمل، وقد تساءل عبد الله بن أحمد بن حنبل مع أبيه حين سمعه يذكر عمل الختم فقال له: إلى أين تذهب في ذلك، أي ما هو دليلك فيه؟ فأجابه بما عنده فيه وسيأتي قريباً إن شاء الله. وقبل كتابة هذه الرسالة تساءل معي أحد الإخوان الذين لهم غيرة على السنة وشدة على البدعة وشبهته في ذلك من جهتين: الجهة الأولى: أن النبي ﷺ لم يفعله؛ لأنه ﷺ لم يصل التراويح كاملة في رمضان، ولم يقرأ القرآن كله في تراويح ولا في تهجد، وعليه فلم يدع بهذا الدعاء ولا محل له عنده؛ لأنه لم يوقع الختم الذي يدعو بعده فمن أين إذاً أصل المشروعية؟. والجهة الثانية: إن الناس في حالة سماع التلاوة طيلة الشهر يكونون في هدوء تام وحسن إصغاء وصمت، وعند دعاء الختم تعتريهم حالات الضراعة والبكاء والابتهال ويقول: إن الدعاء لا يكون أعظم تأثيراً من كلام الله تعالى. هكذا أورد لي وجهة نظره وربما كان لا يحضر ولا يشارك في هذا العمل فكان من المستحسن إيراد الجواب على وجهة النظر تلك وعرض ما أقف عليه من الأدلة عن السلف ﵏ سواء المرفوع منها أو الموقوف العام فيها أو الخاص مما تستأنس له النفس ويطمئن إليه القلب إن شاء الله. أما الأدلة:

стр. 1895

فقد وجدت في مجمع الزوائد ج١ ص١٧٢ حديث العرباض بن سارية ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من صلى صلاة فريضة فله دعوة مستجابة ومن ختم القرآن فله دعوة مستجابة"رواه الطبراني، وفيه عبد الحميد بن سليمان وهو ضعيف، وعن ثابت أن أنس بن مالك ﵁ كان إذا ختم القرآن جمع أهله وولده فدعا لهم. رواه الطبراني ورجاله ثقات. اهـ. فهنا حديث مرفوع بسند ضعيف وأثر موقوف على صحابي رجاله ثقات فيعضد أحدهما الآخر، وفي رسالة للشيخ حسين مخلوف ما نصه: (يسن الدعاء عقب الختم) وساق حديث العرباض المتقدم وقال: رواه الطبراني وغيره. وعن أنس مرفوعاً: "من قرأ القرآن وحمد الرب وصلى على النبي ﷺ واستغفر ربه، فقد طلب الخير مكانه" رواه البيهقي في الشعب. وكان عند ختم القرآن يجمع أهله ويدعو. فقد وجدنا حديث العرباض رواه الطبراني وغيره ووجدنا أثراً موقوفاً ومرفوعا عند البيهقي ومؤيداً بعمل الصحابي الذي رواه مرفوعاً. وعند المروزي في كتاب (قيام الليل) قال: "كان رجل يقرأ القرآن من أوله إلى آخره في مسجد رسول الله ﷺ وكان ابن عباس يجعل عليه رقيباً فإذا أراد أن يختم قال لجلسائه: قوموا حتى نحضر الخاتمة". وروي عن مجاهد أنه قال: "تنزل الرحمة عند ختم القرآن ويقولون الرحمة تنزل". فهذه نصوص عامة في الدعاء عقب ختم القرآن مطلقاً من غير قيد الصلاة أو غيرها. وقد وجدنا عند ابن قدامة تفصيلاً كاملاً في خصوص هذا العمل لأحمد ﵀.

стр. 1896

قال في المغني ج٢ ص١٧١ قال: "فصل في ختم القرآن. قال الفضل بن زياد: سألت أبا عبد الله فقلت: ختم القرآن أجعله في الوتر أو في التراويح قال: اجعله في التراويح حتى يكون لنا دعاءين اثنين، قلت كيف أصنع؟ قال: إذا فرغت من آخر القرآن فارفع يديك قبل أن تركع وادع لنا ونحن في الصلاة وأطل القيام، قلت: بم أدعو؟ قال: بما شئت، قال: ففعلت بما أمرني وهو خلفي يدعو قائماً ويرفع يديه". فقد فصل لنا هذا النص عن أحمد كيفية العمل في الختم وبين لنا محله وعموم الدعاء فيه. ونص عن حنبل قال: سمعت أحمد يقول في ختم القرآن: إذا فرغت من قراءة ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ فارفع يديك في الدعاء قبل الركوع، قلت: إل أي شيء تذهب في هذا؟ قال: "رأيت أهل مكة يفعلونه، وكان سفيان بن عيينة يفعله معهم بمكة". قال العباس بن عبد العظيم: "وكذلك أدركنا الناس بالبصرة وبمكة. ويروي أهل المدينة في هذا شيئاً وذكر عن عثمان بن عفان. ففي هذا نجد الفضل بن زياد يسأل أحمد لا عن مشروعية الدعاء عند الختم، بل عن موضعه من الصلاة وكيفية العمل فيه وأقره أحمد ﵀ وبين له الكيفية والموضع مما يدل على أن أصل المشروعية معلوم لهما. فلا غرو أن يقع التساؤل اليوم عن مشروعية هذا العمل، وقد وقع من قبل بين حنبل وأحمد رحمهما الله وقال له: إلى أين تذهب في ذلك، أي إلى دليل عليه. وأحاله أحمد ﵀ على ما عنده فيه مما رآه بالفعل من عمل أهل مكة، وفعل الإمام الجليل سفيان بن عيينة مع أهل مكة، وما يروى عن أهل المدينة، وما كان يفعل في الأمصار الثلاثة الرئيسية البصرة ومكة والمدينة مناطق العلم ومواطن الإقتداء آنذاك بالإضافة إلى ما عند أهل المدينة في ذلك عن عثمان ﵁، وكذلك ما رأينا عن ابن عباس ﵁، فظهر من هذا كله مستند مشروعية الدعاء عقب ختم القرآن سواء على الإطلاق أو في التراويح مع بيان الكيفية عن أحمد ﵀.

стр. 1897

وهي في مجموعها كافية لمثل هذا العمل بناء على أن ما كان مشروعاً بأصله فهو جائز بوصفه، فأصل الدعاء مشروع وكونه متصفاً بصورة الختم لا تنفي مشروعيته ومثله القنوت، دعاء في الصلاة. ومهما يكن من شيء فإن ما تقدم من عرض ما ورد عن السلف يكسب طمأنينة ويورث ارتياحاً لمشروعية هذا العمل، وأن فيه اقتداءً بسلف الأمصار الثلاثة البصرة ومكة والمدينة. أما التأثر بالدعاء أشد من التأثر بالتلاوة فهذه مقارنة بين حالتي المصلين في سماع التلاوة طيلة الشهر في هدوء وطمأنينة وسماع الدعاء عند الختم في ضراعة وبكاء وخشية وابتهال، وهما حالتان متغايرتان. إلا أنهما وإن اختلفتا في الشكل فهما متحدتان في المعنى والحقيقة لأن آداب التلاوة في حسن الاستماع والإنصات، وخصائص الدعاء الابتهال والخشوع. وللدعاء مكان لا تتأتى فيه التلاوة كالسجود أقرب ما يكون العبد فيه إلى الله تعالى، ومع هذا القرب لا تجوز التلاوة وينبغي الاجتهاد في الدعاء وكالحالات التي وردت فيها نصوص أدعية خاصة في الصباح وفي المساء ودخول المسجد وافتتاح الصلاة والقنوت. وكما أن للتلاوة آداباً فللقرآن مواضع تمر بالمستمع من مواعظ وأخبار وتشريع وحلال وحرام وغير ذلك مما ينقل ذهن السامع من معنى إلى معنى آخر. وأما الدعاء فإن المستمع والداعي تتركز أحاسيسهم وأفكارهم وشعورهم وقلوبهم إلى وجهة واحدة هي الضراعة والإنابة والابتهال إلى المولى . بل إن الفطرة نوجه القلب في حالة الاضطرار والفزع إلى خالص الدعاء وذل السؤال كما قال ﷺ : "الدعاء مخ العبادة". ومن الواضح البين ما كان منه ﷺ يوم بدر لما قام في العريش حين التقت قوى الحق على قلتها مع قوى الشر على كثرتها توجه إلى الله تعالى بالدعاء وألح على ربه في السؤال حتى أشفق عليه الصديق قائلاً: بعض مناشدتك ربك يا رسول الله.

стр. 1898

فقد اجتهد ﷺ في الدعاء ولم يلجأ إلى التلاوة، وكذلك ما جاء في الأحاديث الصحيحة عن يوم الفزع الأكبر حين يذهب ﷺ لطلب الشفاعة فإنه يسجد سجوداً طويلاً ويلهمه الله بمحامد لم يكن يعلمها من قبل، ولم يوجه ﷺ إلى التلاوة مما يبين أن للتلاوة مكاناً وحالات وآداباً وتأثيراً، وللدعاء مكان وحالات وتأثير، فهما متوافقان في الحقيقة وإن اختلفا في الصورة، وكلاهما متلائم في مكانه. أما عمل الختم بالمسجد النبوي اليوم فالواقع أن الحديث عنه شيق كيف لا والحديث في حد ذاته عن ختم القرآن في أي مكان حديث ممتع للروح منعش للنفس منبه للضمائر الإسلامية لارتباطه بالقرآن الكريم المنزل من رب العالمين. وإذا كان هذا الحديث يتعلق بالمسجد النبوي وفي الجوار الطاهر الكريم وفي شهر رمضان المعظم وفي آخر العشر الأواخر كان ذلك أعظم من أن يصور بحديث أو يقدم في موضوع، ولكن نسوق للقارئ الكريم وصفاً عملياً بقدر ما يمكن تصويره من وحي الشعور به فنقول وبالله التوفيق: يقع الختم في المسجد النبوي في شهر رمضان مرتين مرة في صلاة التراويح وأخرى في صلاة القيام آخر الليل وذلك في ليلة التاسع والعشرين من شهر رمضان في أول الليل وفي آخره. ولعل في ذلك ارتباط وإن كان من غير قصد بما جاء عنه ﷺ أن جبريل ﵇ كان يدارسه القرآن الكريم في رمضان كل سنة مرة وفي السنة التي قبض فيها ﷺ دارسه القرآن مرتين. وفي هذه الليلة يقع الدعاء في المسجد النبوي في صلاة الجماعة أربع مرات: مرتين في الختم ومرتين في الوتر مما يجعل تلك الليلة ليلة مشهودة عبادتها موصولة.

стр. 1899

أما ختم التراويح الذي يكون في أول الليل فإنه إذا جاءت ليلة التاسع والعشرين فيكون قد بقي من قراءة الختمة الأولى جزء (عم يتساءلون) ، وهو الجزء الأخير من المصحف الشريف وفي هذه الليلة يصلي فضيلة الإمام الشيخ عبد العزيز بن صالح التراويح كلها بدون تناوب فيها مع أحد وعند الفراغ من قراءة سورة ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ في آخر ركعة من التراويح وقبل أن يركع يبدأ الدعاء بالختم يفتتحه بقوله: صدق الله العظيم الذي لا إله إلا هو، المتوحد في الجلال بكمال الجمال تعظيماً وتكبيراً المنفرد بتصريف الأحوال على التفصيل والإجمال تقديراً وتدبيراً إلى آخر ما يدعو به، وسيأتي نص ما أمكن تدوينه في نهاية هذا البحث إن شاء الله. والجدير بالذكر هنا أنه حفظه الله يطيل القيام ويكثر السؤال ويجتهد في الابتهال ويظهر من الخشوع والخضوع إلى الله، ومن الإنابة والضراعة ما يحرك القلوب ويوقظ الشعور ويفتح الآفاق بالآمال ويطمع في رحمة الله وعظيم النوال لما يرد في الدعاء من نصوص مأثورة تجمع خيري الدنيا والآخرة. فإذا فرغ من الدعاء ركع وأكمل صلاة الركعة الأخيرة من التسليمة الأخيرة والتي هي تمام العشرين ركعة وسلم وهي نهياة التسليمة العاشرة. ويترك الوتر إلى الشيخ محمد العلمي فيوتر ويقنت في الوتر ويدعو هو أيضاً بدعاء القنوت المشهور الذي أوله: اللهم اهدنا فيمن هديت..الخ. ويحضر هذا الختم في أول الليل من المصلين رجالاً ونساءً شيباً وشباباً مما يماثل بهجة العيد. وتطلق مباخر العود وتنثر أنواع العطور ويتبادل المصلون الدعوات والتباريك ببهجة وفرحة وغبطة تفوق الوصف، ثم ينصرفون موفوري الرجاء والآمال في سعة فضل الله ورحمته.

стр. 1900

فإذا كان ثلث الأخير عاد إلى المسجد خلق وفير من أهل المدينة وممن يفدون إليها بغية المشاركة وحضور هذا الختم فيتكامل عدد كبير رجالاً ونساء صغاراً وكباراً.. ويفيض المسجد بالجلال والوقار والهيبة والإكبار ينتظرون الإمام والبعض لم يبرح مكانه خاصة من وجد مكاناً في الروضة فيأتي الإمام ويقوم في الروضة في مصلى رسول الله ﷺ ، ويكون قد بقي من الختمة الثانية ثلاثة أجزاء (قد سمع) و (تبارك) و (عم) ، فيصلي الإمام كالمعتاد بالتناوب مع مساعده يبدأ الإمام بالركعتين الأوليين ويختم بالركعتين الأخيرتين، وإذا فرغ من سورة ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ بدأ دعاء الختم ثم يكمل الركعتين ويسلم ثم يصلي هو الوتر حيث لم يوتر أول الليل ويقنت في الركعة الأخيرة منه، وإذا سلم من الوتر تسابق الناس إليه وإلى بعضهم البعض بأحر التهاني وخالص الدعاء وعظيم الرجاء في القبول وطلب العودة إلى تلك الفرصة الكريمة من كل عام. وهنا وقفة مع التاريخ الذي سردناه للتراويح في هذا المسجد المبارك فلئن سجل العلماء والمؤرخون وأصحاب الرحلات كالنابلسي وابن جبير وابن بطوطة والعياشي صور الختم في الحرمين من احتفال هائل بإيقاد الشموع والمشاعل ونثر الزهور والرياحين وضرب الفراقع والمقارع وإنشاء القصائد والابتهالات، وغير ذلك. فإنه في هذا الوقت وقد انقضى عهد الشموع بالكهرباء والثريات الكبريات فإن ليلة الختم في هذا العصر في المسجد النبوي أصبحت مقصد الكثيرين ومحط رحال المسافرين يفدون إليها من أطراف المملكة التماساً لبركاتها وتعرضنا لنفحاتها في هذا المسجد الكريم وفي هذا الجوار العظيم حيث يتوفر لها فضل الزمان من شهر رمضان وفضل المكان من تضاعف الأعمال.

стр. 1901

عوامل تجعل لختم القرآن بالحرم النبوي في شهر رمضان وفي الثلث الأخير من الليل تفيض عليه روحاً ويضفي الله عليه نوراً ويكسوه جمالاً ويكسبه حلاوة ويزيده معنوية تفيض كلها على المصلين وجميع الحاضرين والمستمعين رحمات ورضوانا يجل قدرها عن الوصف، ويقصر دونها البيان، ولا يقدر قدره إلا من حضره. وكيف يمكن وصف الحالات الروحية التي تشمل المكان كله وهي فوق حدود الوصف أو تقييم النفحات الربانية وهي أبعد من مقاييس التقييم حين تكتنف الحاضرين جميعاً. ومن يقدر على تصوير الأحاسيس النفسية والشعور العميق بالبهجة العظمى لختم القرآن في نهاية رمضان في روضة من الجنان، إنها حالة يغيب فيها الشعور عن الوصف وتفقد فيها القدرة على البيان، فلا يسمع إلا أنات القلوب وزفرات الصدور، ولا ترى إلا عبرات الباكين من أعين الخاشعين في أكف الضارعين. صور تجل عن الوصف ندركها ولا نقدرها ونلمسها ولا نصورها فتبقى في إطار الذكرى ماثلة وفي حلقات التاريخ نيرة عطرة. ولا ينتهي الإمام من دعائه ويفرغ من تضرعاته إلا وقد استشعر كل فرد في قرارة نفسه ببرد الطمأنينة، وذاق حلاوة المناجاة وغسلت دموعه آثاراً تامة، وأحس بالارتياح وزاد بهجة وغبطة واهتز في إطار ما يكتنفه من شعور بجلال المقام وشرف الجوار وفضل المكان واسترجع بذاكرته عجلة التاريخ أربعة عشر قرناً يستعرض الماضي بعزته وإشراقته ويدرك سر القوة ومصدر الإشعاع الروحي من هذا المكان ينزل به جبريل ﵇ كل ذلك في لمحات خاطفة وخطرات عابرة ثم يوتر الإمام ويقنت، ثم يكمل الوتر ويسلم فيقبل المصلون بعضهم على بعض بالتهاني وصالح الدعوات متمنين العودة ومؤملين القبول، نسأل الله تعالى أن يقبلنا معهم ويجعلنا وإياهم من عتقائه من النار. آمين.

стр. 1902

نص الدعاء عند ختم القرآن في المسجد النبوي في هذا الوقت الحاضر في التراويح من المعلوم أنه لا توجد نصوص خاصة بذلك ولا معينة له لأن النبي ﷺ لم يقرا القرآن كله في الليالي التي صلاها أول الأمر فلم يؤثر عنه دعاء في ذلك. ولكن كما قال ابن دقيق العيد: "ما كان مشروعاً بأصله فهو جائز بوصفه"أي أن الدعاء مشروع بأصله وهو مخ العبادة، وقال تعالى في أصل ذلك: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ، وحث ﷺ على الاجتهاد في الدعاء في السجود بدون تحديد لا في الآية ولا في الحديث ومن هنا كان الأصل في الدعاء الإطلاق والعموم إلا ما جاء منصوصاً عليه كالدعاء في القنوت أو في آخر التشهد أو في أول الافتتاح في الصلاة وكذلك عند دخول المسجد وخروجه وغير ذلك فمثل هذا تكون السنة فيه التقيد بما ورد، وما عداه فهو على عمومه يجتهد الداعي بما تيسر له كما فعل ﷺ في غزوة بدر. وهكذا في هذا العمل فهو موضع اجتهاد وقد تقدم عن أنس أنه كان يجمع أهله ويدعو ولم يعثر على نص معين، كما تقدم عموم لفظه فله دعوة مستجابة أي بعد ختم القرآن وصلاة فريضة على ما سبق بحثه. ومن هنا لم يتقيد أحد بنص معين بل يتخير من الدعاء ما تيسر له وما يحقق له رغباته ويعبر عن حاجاته ومتطلباته، سواء من الأدعية العامة المأثورة أو من غيرها، وتقدمت إجابة أحمد للسائل عن الدعاء في الختم فقال: أدع بما شئت. وقد نسب لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ نصوصاً للدعاء في هذا العمل وهو دعاء جامع شامل وليس بالطويل المسهب ولا بالقصير الموجز، ولم يتقيد الإمام بنص معين بل يدعو بما تيسر وجميع أدعيته من المأثور ولكنه يفتتح الدعاء بقوله:

стр. 1903

صدق الله العظيم الذي لا إله إلا الله، المتوحد في الجلال بكمال الجمال تعظيماً وتكبيراً، المنفرد بتصريف الأحوال على التفصيل والإجمال تقديراً وتدبيراً، المتعالي بعظمته ومجده الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً، وصدق رسوله ﷺ تسليماً كثيراً، الذي أرسله إلى جميع الثقلين الجن والإنس بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، اللهم لك الحمد على ما أنعمت به علينا من نعمك العظيمة وآلائك الجسيمة، حيث أنزلت علينا خير كتبك وأرسلت إلينا أفضل رسلك وشرعت لنا افضل شرائع دينك، وجعلتنا من خير أمة أخرجت للناس وهديتنا لعالم دينك الذي ارتضيته لنفسك وبنيته على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام. ولك الحمد على ما يسرته من صيام شهر رمضان وقيامه، وتلاوة كتابك العزيز الذي ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ . اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. اللهم إنا عبيدك بنو عبيدك بنو إمائك نواصينا بيدك ماض فينا حكمك عدل فينا قضاؤك. نسألك اللهم بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحداً من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عند أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا ونور صدورنا وجلاء أحزاننا وذهاب همومنا وغمومنا. اللهم ذكرنا منه ما نسينا وعلمنا منه ما جهلنا، وارزقنا تلاوته آناء الليل وأطراف النهار على الوجه الذي يرضيك عنا. اللهم اجعلنا ممن يحل حلاله ويحرم حرامه، ويعمل بمحكمه ويؤمن بمتشابهه ويتلوه حق تلاوته. اللهم اجعلنا ممن يقيم حدوده ولا تجعلنا ممن يقيم حروفه ويضيع حدوده.

стр. 1904

اللهم اجعلنا ممن اتبع القرآن فقاده إلى رضوانك والجنة ولا تجعلنا ممن اتبعه القرآن فزج في قفاه إلى النار، واجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهلك وخاصتك يا أرحم الراحمين. اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات وألف بين قلوبهم، وأصلح ذات بينهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم، واهدهم سبل السلام، وأخرجهم من الظلمات إلى النور، وبارك لهم في أسماعهم وأبصارهم وذرياتهم وأزواجهم أبداً ما أبقيتهم واجعلهم شاكرين لتعمك مثنين بها عليك، وأتمها عليهم برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم اغفر لجميع موتى المؤمنين الذين شهدوا لك بالوحدانية ولنبيك بالرسالة وماتوا على ذلك. اللهم اغفر لهم وارحمهم وعافهم واعف عنهم وأكرم نزلهم ووسع مدخلهم واغسلهم بالماء والثلج والبرد ونقهم من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ . اللهم إنا نسألك من الخير كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك ونسألك من خير ما سألك منه عبدك ورسولك محمد ﷺ وعبادك الصالحون. اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل ونسألك رضاك والجنة ونعوذ بك من سخطك ومن النار. اللهم لا تدع لنا ذنباً إلا غفرته ولا هما إلا فرجته ولا ديناً إلا قضيته، ولا مريضاً إلا شفيته وعافيته ولا حاجة هي لك رضاً ولنا فيها صلاح إلا قضيتها يا أرحم الراحمين. ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين. ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا.

стр. 1905

ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين وصلى الله على خير خلقه محمد وعلى آله وصحبه وسلم. اهـ. هذا نص الدعاء المنسوب لشيخ الإسلام ابن تيمية ولكن فضيلة الإمام الشيخ عبد العزيز بن صالح يزيد فيه جملاً مناسبة منها: اللهم لا تجعل فينا ولا منا ولا معنا شقياً ولا محروماً. اللهم إنك أمرتنا بالدعاء ووعدتنا بالإجابة فلا تردنا خائبين. اللهم اجعلنا من عتقائك من النار ومن المقبولين. اللهم إن رحمتك أوسع من ذنوبنا وعفوك أوسع من خطايانا. اللهم هب المسيئين منا للمحسنين. اللهم أنت الغني عنا ونحن الفقراء إليك.. إلى مثل ذلك من العبارات التي تحرك القلب وتزكي الروح. ثم يختم بنحو قوله: سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ثم يركع ويكمل الركعتين، ثم يأتي بركعتي الشفع ثم بركعة الوتر. ولا يقام عمل ختم آخر نظراً لعدم تقدم الإمامة في الصلاة وإنما يجري ذلك كله في جماعة واحدة وفي ليلة واحدة من إمام واحد وهو الإمام الراتب الشيخ عبد العزيز بن صالح.

стр. 1906

الشباب الضائع بقلم الطالب عبد الله العبادي إن الكثير من شبابنا اليوم يعيش في متاهة نائية، بعيد عن كل خلق كريم، وعن كل تعاليم سامية، شباب انحرف عن الجادة فتاه في ظلمات الجهل، والإلحاد، والإباحية، والدعايات الفارغة، شباب انخدع بالمظاهر البراقة، فصفق مع المصفقين، وهتف مع الهاتفين دون أن يعرف عن ذلك شيئاً، شباب غرق في بحر السفاسف والملذات، فلم يجد من ينير له الطريق، فيدعوه إلى ما فيه صلاحه وسلامته. ولكن على من تقع المسؤولية؟ تقع المسئولية على البيت، والمدرسة، والمجتمع، والحكومة، فكل من هذه العوامل لم تقم بواجبها خير قيام لتربية الجيل، وتركت الشباب في متاهته، وضلالاته. ففي البيت قد ترك الوالدان لولدهما الحرية في كل ما يفعل: يجالس من يشاء، ويمشي مع من يشاء، ويسهر مع من يشاء، ويسافر حيث يشاء، فيكتسب بذلك كل ما هب ودب من الأخلاق، والرذائل، والتقاليد البالية. بل إن الوالدين في كثير من البلدان قدوة سيئة لولدهما، فما دام الوالدان يجالسان المنحرفين، فما المانع أن يكون الولد كذلك؟ عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدي أما المدرسة، فإن فيها المعلم، وهو ذو تأثير فعال في التلميذ، وجل المعلمين في زماننا من المنحرفين، فما دام المعلم لا يعرف صلاة ولا صياماً، فاسد العقيدة، سيء الأخلاق فإن التلميذ - لا شك - سوف يحذو حذوه. أما المجتمع فلا يقل عن البيت والمدرسة في التأثير في الشباب، بل هو الذي عليه المدار في زرع الفساد، والانحلال الخلقي في نفوس الشباب، والتأثير فيهم. أما الحكومة فإن عليها القسط الأكبر من هذه المسئولية لأنها المسئول الأول عن خراب المجتمع، وعن ضلالاته، وانحرافاته "ولو صلح الراعي لصلحت الرعية"و "الناس على دين ملوكهم"كما ورد في الأثر.

стр. 1907

ولكن الحكومات نفسها قد ضلت الطريق، فأضلت التابع لها ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعاً قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ, وَقَالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ فإن سلم الشباب من تلك لم يسلم من هذه، وإن اجتمعت عليهم القوى فقد قضي عليهم، ولا فائدة حينئذ ترجى. وهذا هو الشيء المشاهد في كثير من البلدان الإسلامية فالسواد الأعظم من الشباب لا يعرف صلاة ولا صياماً، ولا أخلاقا فاضلة، يتردد على دور السينما والكبريهات ليل نهار، ويقضي كل وقته في لهو ولعب، وعبث ومجون، وخاصة إذا كان ذا ثروة، وفراغ، لا صلة له بالدين وأهله، يأكل ويشرب ويجيء ويذهب ﴿كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ . إن الشباب والفراغ والجدة مفسدة للمرء أي مفسدة فلنتذكر إذاً الحديث الشريف: "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته". ولنضعه أمام أعيننا فنحن مسئولون أمام الله يوم القيامة. من خلق الإيثار وتفضيل الغير على النفس روى الشيخان أنه نزل برسول الله ﷺ ضيف فلم يجد عند أهله شيئاً فدخل عليه رجل من الأنصار فذهب بالضيف إلى أهله ثم وضع بين يديه الطعام وأمر امرأته بإطفاء السراج، وجعل يمد يده إلى الطعام كأنه يأكل، ولا يأكل حتى أكل الضيف إيثاراً للضيف على نفسه وأهله فلما أصبح قال له رسول الله ﵊: "لقد عجب الله من صنيعكم الليلة بضيفكم", ونزلت آية: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ .

стр. 1908

العبرة في شهر الصوم بقلم الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد محاضرة ألقيت في مدرسة طيبة الثانوية ليلة الاثنين الموافق ١٦ شوال عام ١٣٩٠ هـ الدنيا دار ابتلاء وامتحان: خلق الله عباده ليعبدوه وحده لا شريك له، وقال في كتابه العزيز: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ ، وأرسل رسله الكرام ليرسموا لهم طريق العبادة، وقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ .. وجعل حياتهم الدنيوية موطناً لابتلائهم وامتحانهم أيهم أحسن عملاً، وقال: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ , ثم قال: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ مبيناً أن هؤلاء الممتحنين منهم من يحسن في عمله فيجازى بما يقتضيه اسمه الغفور ومنهم من يسيء فيكون مستحقاً للعقوبة بما يقتضيه اسمه العزيز, وذلك كقوله تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ, وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ﴾ . موسم من مواسم الآخرة: وكما فضل الله بعض البشر على بعض وبعض الأماكن على بعض فضل بعض الزمان على بعض، ومن ذلك تفضيل شهر رمضان المبارك وتمييزه على غيره واختياره ليكون محلاً لإيجاب الصوم على الناس ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ .. فلقد فضل الله هذا الشهر وجعله موسماً من مواسم الآخرة يتنافس فيه عباده المتنافسون ويتسابق فيه لتحصيل الفوز والزلفى عند الله المتسابقون، يتقربون فيه إلى ربهم بصيام النهار وقيام الليل وتلاوة كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، ويتقربون إلى الله بهذا وغيره من الطاعة مع الحذر والبعد عن المعصية يرجون تجارة لن تبور ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله إنه غفور شكور. زيادة في الخير:

стр. 1909

ولما فرض الله على العباد صيام شهر رمضان رغبهم رسول الله ﷺ بعد انتهائه بصيام ست من شوال ليعظم لهم الأجر وليكونوا كمن صام الدهر، فعن أبي أيوب الأنصاري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال كان كصيام الدهر". قال الحافظ المنذري: "رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والطبراني وزاد وقال: "قلت: بكل يوم عشرة، قال: نعم"، ورواته رواة الصحيح". انتهى. وذلك أن السنة أقصى حد لها ثلاثمائة وستون يوماً فإذا أضيف إلى شهر رمضان ستة أيام من شوال وصيام كل يوم بعشرة أيام لأن الحسنة بعشر أمثالها يكون المسلم كأنه صام السنة كلها، ولهذا قال ﷺ : "كان كصيام الدهر" وذلك فضل عظيم من الله فله الحمد والشكر على نعمه التي لا تحصى ولا تعد. من خير إلى خير:

стр. 1910

ومن فضل الله وإحسانه إلى عباده أن يسر لهم الأسباب التي ترفع في درجاتهم وتجعلهم على صلة وثيقة دائماً بعبادة ربهم فإذا مرت بهم أيام وليالي شهر رمضان التي يكفر الله فيها السيئات ويرفع الدرجات ويقيل العثرات تقربوا فيها إلى ربهم فإذا ما تصرمت أيامه وانتهت تلتها مباشرة أشهر الحج إلى بيت الله الحرام فإن يوم عيد الفطر الذي هو أول يوم من شهر شوال هو أول يوم في أشهر الحج التي قال الله تعالى فيها: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الأَلْبَاب﴾ نعم إذا انتهت أيام شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن الشهر المبارك الذي تفتح فيه أبواب الجنة وتغلق فيه أبواب النار وتصفد الشياطين أيام الصيام التي قال الله تعالى عنها في الحديث القدسي: "كل عمل ابن آدم له الحسنة بعشر أمثالها إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به"، إذا انتهت هذه الأيام جاءت أيام الحج الذي قال عنه الرسول ﷺ : "من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه" رواه البخاري ومسلم وغيرهما. وقال عنه ﷺ : "العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" رواه البخاري ومسلم وغيرهما، فلا يكاد المسلم يودع موسماً من مواسم الآخرة إلا استقبل موسماً آخر ليكون على صلة مستمرة بعبادة خالقه وبارئه الذي أوجده من العدم وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة. العبرة من شهر الصوم:

стр. 1911

وهذا الموسم المبارك من مواسم الآخرة قد ودعته الأمة الإسلامية منذ أيام فطوبى لمن وفقه الله فيه للأعمال الصالحة وتفضل عليه بقبولها ويا خسارة من مرت به أيامه دون أن يقدم فيها لنفسه صالحاً يلقاه إذا غادر هذه الدار وما أعظم مصيبته إن كان قد شغل أيامه بما يرضي الشيطان ويتفق مع ما تهواه النفس الأمارة بالسوء، والعياذ بالله. وهذا الموسم العظيم الذي مرت بنا أيامه يشتمل على فوائد جمة وعلى عبر وعظات تبعث في النفس محبة الخير ودوام التعلق بطاعة الله كما تكسب النفس بغض المعصية والبعد من الوقوع فيما يسخط الله . وسأحاول فذ هذه الكلمات تسجيل بعض تلك العبر والعظات التي يخرج بها المسلم معه من شهر الصيام والتي هي الحصيلة الطيبة له في تلك الأيام المباركة فأقول مستمداً من الله التوفيق والتسديد: أولا:

стр. 1912

إن أيام شهر رمضان إذا مرت بالمسلم فهي فرصة من فرص العمر قد تسنح له هذه الفرصة مرة أخرى أو أكثر وقد يوافيه الأجل المحتوم قبل بلوغ ذلك، والمهم في الأمر أن تكون هذه الفرصة قد انتهزت بشغلها في الطاعة والبعد من المعصية وأهم من ذلك أن تحصل المداومة على ذلك فإن من ثواب الحسنة الحسَنة بعدها كما أن من العقوبة على السيئة السيئَة بعدها وذلك أن المسلم الناصح لنفسه إذا وفق لبلوغ هذا الشهر المبارك وشغله في طاعة ربه الذي خلقه لعبادته وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة فارتاحت نفسه للأعمال الصالحة وتحرك قلبه للآخرة التي هي المستقر والمنتهى والتي لا ينفع الإنسان فيها إلا ما قدمت يداه يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، نعم إذا ألفت النفس الطاعة في تلك الأيام المباركة رغبة فيما عند الله وكفت عن المعصية خوفاً من عقاب الله فلفائدة التي يكسبها المسلم من ذلك والعبرة التي يجب أن تكون معه بعد ذلك أن يلازم فعل الطاعات واجتناب المنهيات؛ لأن الله تعبد عباده حتى الممات.. ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ فلا يليق بالمسلم وقد ذاق طعم الطاعة في شهر الصيام أن يحل محل تلك الحلاوة مرارة المعصية، ولا يسوغ له إذا أرغم عدوه في شهر الصيام أن يدخل عليه السرور في شهر شوال وما بعده من الشهور، وليس من صفات المسلم الناصح لنفسه أن يودع فعل الخيرات مع توديع شهر الصيام فيستبدل الزمن الذي هو أدنى بالذي هو خير فالمعبود في رمضان وغير رمضان حي لا يموت قيوم لا ينام يرفع إليه عمل النهار قبل عمل الليل وعمل الليل قبل عمل النهار لا يظلم مثقال ذرة ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً﴾ . ثانياً:

стр. 1913

الصيام سر بين العبد وبين ربه لا يطلع على حقيقته إلا هو ولهذا جاء في الحديث الصحيح يقول الله تعالى: "كل عمل ابن آدم له الحسنة بعشر أمثالها إلا الصوم فإنه لي وأنا اجزي به يدع شهوته وطعامه وشرابه من أجلي". وذلك أن بإمكان العبد أن يختفي عن الناس ويغلق على نفسه الأبواب ويأكل ويشرب ثم يخرج إلى الناس ويقول أنا صائم ولا يعلم ذلك إلا الله ﵎ ولكن يمنعه من ذلك اطلاع الله عليه ومراقبته له وهذا شيء يحمد عليه الإنسان والعبرة من ذلك أن يدرك أيضاً أن الذي يخشى إذا أخل الإنسان بصيامه هو الذي يخشى إذا أخل الإنسان بصلاته وزكاته وحجه وغير ذلك مما أوجبه الله فالذي فرض الصيام هو الذي فرض الصلاة والصلاة هي أعظم أركان الإسلام بعد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ولعظم شأنها وكونها هي الصلة المستمرة ليلا ونهاراً بين العبد وبين ربه افترضها الله على نبيه ليلة عرج به إلى السماء فإذا وجد المسلم أن إخلاله بالصيام كبير وعظيم فيجب أن يجد ويدرك أن حصول ذلك منه في الصلاة أكبر وأعظم وتلك من أجل الفوائد وأعظم العبر التي يستفيدها المسلم من شهر الصيام. ثالثاً: إن مما يشرح الصدر ويدخل السرور على النفوس الطيبة أن تكون المساجد عامرة بالمصلين في شهر رمضان ويكون انشراحها أعظم والسرور أكبر في المداومة على ذلك فالفائدة التي يليق بالمسلم بعد الذي شاهده في تلك الأيام من اكتظاظ المساجد بالمصلين أن يعقد العزم ويصمم على أن يكون ممن يداوم على هذا الخير ليكون من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله فإن من بينهم الرجل الذي يكون قلبه معلقا بالمساجد كما ثبت ذلك في الصحيح عن رسول الله ﷺ . رابعاً:

стр. 1914

وجوب الصيام عن الطعام والشراب وسائر المفطرات محله شهر رمضان أما الصيام عن الحرام فمحله طيلة عمر الإنسان فالمسلم يصوم في أيام شهر رمضان عن الحلال والحرام ويصوم طيلة حياته عن الحرام فالصيام عن الحلال والحرام معاً قد مرت أيامه أما الصيام عن الحرام فهو مستمر دائم وذلك أن الصوم في اللغة الإمساك عن الشيء، والصوم الشرعي هو الإمساك عن الأكل والشرب وسائر المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس والمعنى الشرعي جزء من جزئيات المعنى اللغوي فكما يطلق المعنى اللغوي على المعنى الشرعي فهو يشمله ويشمل غيره ومن ذلك الامتناع عن الحرام فامتناع العين واللسان والأذن واليد والرجل والفرج عما منعت منه هو صيام من حيث اللغة وذلك أن الله تفضل على العباد بهذه النعم التي لا غنى لهم عنها ولكن الله كما امتن عليهم بها أوجب عليهم استعمالها فيما يرضيه وحرم عليهم استعمالها فيما يسخطه ومن أعظم شكر الله على هذه النعم أن يكون المسلم مستعملاً لها حيث أمر أن يستعملها فيه ممتنعاً عن استعمالها في معصية من تفضل عليه بها وبكل نعمة ظاهرة وباطنة . فالعين شرع استعمالها في النظر إلى ما أحل الله ومنع من استعمالها في النظر إلى الحرام وامتناعها عن ذلك صيامها وحكمه مستمر دائم. والأذن شرع استعمالها في استماع ما أبيح لها وحرم على العبد استعمالها في سماع ما لا يجوز سماعه وامتناعها عن ذلك صيامه وحكمه مستمر دائم. واللسان شرع استعماله في كل معروف ومنع استعماله في كل ما هو منكر وامتناعه من ذلك صيامه وحكمه مستمر دائم. واليد شرع استعمالها في تعاطي ما هو مباح ومنع من استعمالها في كل حرام وامتناعها من ذلك صيامها وحكمه مستمر دائم. والرجل شرع استعمالها في المشي إلى كل خير ومنع من المشي فيها إلى الحرام وامتناعها عن ذلك صيامها وحكمه مستمر دائم.

стр. 1915

والفرج أبيح استعماله في الحلال ومنع من استعماله في الحرام وامتناعه من ذلك صيامه وحكمه مستمر دائم. وقد وعد الله من شكر هذه النعم واستعملها حيث أمر الله أن تستعمل وعده بالثواب الجزيل وتوعد من لم يحافظ عليها ولم يراع ما أريد استعمالها فيه بل طلقها فيما يسخط الله ولا يرضيه بل يرضي الشيطان الذي هو عدو الله وعدو المخلصين من عباد الله توعده بعقابه وأخبر أن هذه الجوارح مسؤولة يوم القيامة عنه وهو مسؤول عنها فقال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ , ﴿وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ , وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ, حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ, وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ . وقال ﷺ لمعاذ بن جبل ﵁ بعد أن أمره بحفظ اللسان، وقال له معاذ: "يا نبي الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال ﵊: "ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس في النار على وجوههم، أو قال: على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم" رواه الترمذي. وقال ﷺ : "من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة". رواه البخاري في صحيحه من حديث سهل بن سعد ﵁, ورواه الترمذي وحسنه من حديث أبي هريرة ﵁ ولفظه: "من وقاه الله شر ما بين لحييه وشر ما بين رجليه دخل الجنة".

стр. 1916

وقال ﷺ : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت". رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ وأخرجا من حديث أبي موسى ﵁ مرفوعاً: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده". وقال ﷺ : "المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي وقد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار" رواه مسلم. وقال ﷺ : "حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات" أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁. والحاصل أن الله أوجب على العبد أن يصون لسانه وفرجه وسمعه وبصره ويده ورجله عن الحرام وهو صيام من حيث اللغة وهذا الصيام لا يختص بوقت دون آخر بل يجب الاستمرار عليه حتى الممات طاعة لله تعالى ليفوز برضا الله ويسلم من سخطه وعقوبته، فإذا أدرك المسلم أنه في شهر الصيام امتنع عما أحل الله له؛ لأن الله حرم عليه تعاطي ذلك في أيام شهر رمضان فالعبرة من ذلك أن يدرك أن الله قد حرم عليه الحرام مدة حياته وعليه الكف عن ذلك والامتناع منه دائماً خوفاً من عقاب الله الذي أعده لمن خالف أمره وفعل ما نهى عنه. وقد أخبر ﵊ في الحديث القدسي عن ربه أن للصائم فرحتان فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه فالصائم يفرح عند فطره لأن النفس عند الفطر تتعاطى ما منعت منه وهو محبوب لها ولأنه قد وفق لإنهاء الصيام الذي جزاؤه عظيم عند الله ويفرح الفرحة الكبرى عند لقاء ربه حيث يجازيه على صيامه الجزاء الأوفى.

стр. 1917

ومن حفظ لسانه عن الفحش وقول الزور وفرجه عما حرم الله عليه ويده من تعاطي ما لا يحل تعاطيه وسمعه من سماع ما يحرم سماعه وبصره عما حرم الله النظر إليه واستعمل هذه الجوارح فيما أحل الله من حفظها وحافظ عليها حتى توفاه الله فإنه يفطر بعد صيامه هذا على ما أعده الله لمن أطاعه من النعيم وأول ما يلاقيه من ذلك ما بينه رسول الله ﷺ مما يجري للمؤمن عند الانتقال من هذه الدار إلى الدار الآخرة حيث يأتيه في آخر لحظات في الدنيا ملائكة كأن على وجوههم الشمس معهم كفن من الجنة وحنوط من الجنة يتقدمهم ملك الموت فيقول: يا أيتها النفس الطيبة أخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء إلى آخر ما بينه الرسول الكريم ﷺ مما يجري بعد ذلك وهذه هي البوادر الطيبة التي يجدها أمامه من حرص على سعادة نفسه وسعى في خلاصها مما يفضي بها إلى الهلاك والدمار، ولهذا أرشد طبيب القلوب صلوات الله وسلامه عليه الرجل الذي سأله عن قيام الساعة إلى ما هو أهم من قيامها وهو الاستعداد لها بالأعمال الصالحة فإنه ﷺ قال لمن سأله عن قيامها: "وماذا أعددت لها؟ " مبيناً أن الإنسان في حياته الدنيوية عليه الاستعداد لحياته الأخروية، وقد قال الله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الأَلْبَابِ﴾ وذلك أن كل سفر لا بد فيه من زاد يناسبه والسفر إلى الآخرة زاده تقوى الله والعمل بطاعته والسير على النهج القويم الذي جاء به رسوله الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم. كلمة ختامية: واختتم هذه المحاضرة بكلمة تخصنا معشر الذين امتن الله عليهم بسكنى طيبة الطيبة دار الهجرة والعاصمة الأولى للمسلمين فأقول:

стр. 1918

إن شهر رمضان المبارك شهر شرفه الله وخصه بخصائص لا توجد في غيره وقد ودعناه نحن وسائر الأمة الإسلامية منذ أيام ونرجو أن نكون جميعاً ممن فاز فيه برضا الرب ﷻ والذي أحب أن أذكره هنا هو أنه إذا كان هذا الوقت المفضل والزمن المقدس قد مضى وذهب عنا وعن سائر المسلمين في كل مكان فإن لدينا ولله الحمد والمنة المكان المقدس، فقد جمع الله لنا في شهر رمضان بين شرف الزمان وشرف المكان وإذا ذهب شرف الزمان فإن شرف المكان باق موجود فها هي بين أيدينا سوق من أسواق الآخرة مسجد النبي ﷺ فقد صح عن الذي لا ينطق عن الهوى ﷺ أنه قال: "صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام"، إنه الفضل العظيم من الله صلاة في هذا المسجد المبارك مسجد الرسول الكريم ﵊ تفوق ألف صلاة في سائر المساجد سوى المسجد الحرام، إن المشتغلين في التجارة الدنيوية يتحرون المواسم التي تنفق فيها السلع وتروج فيها التجارة فيتجشمون الأخطار ويقطعون الفيافي وينتقلون بتجارتهم من مكان إلى آخر إذا علموا أن السلعة التي تساوي ريالاً واحداً قد تباع بريالين اثنين، هذا أمر لا مرية فيه ولا شك ونحن في هذا البلد الطيب الصلاة الواحدة في مسجد سيد ولد آدم ﵊ لا تساوي صلاتين أو ثلاثاً أو عشراً أو مائة فحسب بل تفوق ألف صلاة في غيره سوى المسجد الحرام، سبحان الله ما أعظم فضله وأوسع جوده وإحسانه فله الحمد والشكر على نعمه.

стр. 1919

ولا يفوتني أن أقول: كما أن النعمة من الله علينا في سكنى طيبة الطيبة عظيمة والمنة جسيمة فإن علينا أن لا ننسى أنه على قدر النعمة تكون المسؤولية فكما أن الإحسان في هذا المكان المقدس أجره عظيم عند الله فإن الإساءة فيه ليست كالإساءة في الأمكنة الأخرى التي لا تفضيل فيها فمن يعصي الله بعيداً عن الحرم ليس كمن يعصيه في الحرم، وليس من يرتكب الحرام وهو في المشرق والمغرب كمن يقترف الذنوب في مكة المكرمة أو المدينة المنورة فإن البون شاسع بين هذا وذاك، فالمدينة المنورة أعز مكان وأقدس بقعة على وجه الأرض بعد مكة المكرمة فهي تلي مكة في الفضل ويليها المسجد الأقصى وهذه المدينة المباركة هي منطلق الرسالة ومنها شع النور إلى سائر أنحاء الأرض وهي المركز الرئيسي والعاصمة الأولى للمسلمين في زمن الرسول ﷺ منذ هاجر إليها وفي زمن أبي بكر وعمر وعثمان وبعض من عهد علي رضي الله عن الجميع، وفيها قبر رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان وكثير من الصحابة رضوان الله عليهم، وعلى هذه الأرض نزل جبريل ﵇ بالوحي من السماء إلى محمد ﵊ وهي الأرض المشتملة على أول جامعة إسلامية أبرز خريجيها أبو بكر الصديق وعمر الفاروق وعثمان ذو النورين وعلي أبو الحسنين ابن عم النبي ﷺ وصهره ورابع الخلفاء الراشدين ﵃ وعن سائر الصحابة أجمعين وهي الأرض التي مستها أقدام صفوة الصفوة وخلاصة الخلاصة من البشر بعد الأنبياء أصحاب رسول الله ﷺ ورضي الله عنهم أجمعين، فجدير بنا وقد أكرمنا الله بالبقاء فيها أن نتزود فيها من الأعمال الصالحة التي تنفعنا بعد الموت وأن نكون على حذر من الوقوع فيها بما يسخط الله .

стр. 1920

وأسال الله تعالى أن يجعلنا جميعاً ممن تقبل الله صيامه وقيامه وأن يرزقنا في هذا البلد الطيب طيب الإقامة وحسن الأدب وأن يحسن لنا الختام، كما أرجوه سبحانه أن يمن على المسلمين في سائر أنحاء الأرض بالرجوع إلى كتاب ربهم وسنة رسوله ﷺ ليفوزوا بسعادة الدنيا والآخرة إنه سميع مجيب وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله وخليله وخيرته من خلقه محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن سلك سبيله واهتدى بهديه إلى يوم الدين.

стр. 1921

القرآن الكريم.. دراسته وتعليمه في جميع بلاد الإسلام نص قرار المجلس لرابطة العالم الإسلامي نص قرار المجلس لرابطة العالم الإسلامي عن القرآن الكريم ووجوب تعليمه ودراسته في جميع بلاد الإسلام. بعث الله تعالى خاتم رسله (محمداً) ﷺ إلى الناس كافة بشيراً ونذيراً بكتاب عربي مبين، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حيكم خبير ليخرج الناس من الظلمات إلى النور ويهديهم إلى صراط مستقيم، فهو الحق القاطع والنور الساطع المستقيم، والمنهج القويم الذي فرض الله على العباد أن يؤمنوا به، ويهتدوا بهديه، وينتهجوا سبيله، ويلزموا طريقه في الأقوال والأعمال، وسائر الشؤون والأحوال، وحذرهم غاية التحذير من التفريط فيه والإعراض عنه وسلوك غير سبيله والعمل بغير تعاليمه. وأمر الله رسوله ﷺ أن يبلغه لعباده فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ وقال: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ﴾ . فبلغ ﷺ رسالة ربه فبشر وأنذر وحث وحذر وبين وأوضح وعلم وربى على نهج كتاب ربه أمة مؤمنة قوية عادلة لم تطلع الشمس على مثلها في العالم إيماناً، وطاعة وهدى وفضلاً وقوة في الدين وعدلاً. استظلت بالقرآن واعتصمت به في كل سبيل، وعاش في كنفه منها كل قبيل، وحرصت كل الحرص على استذكار آياته وتدبر معانيها، وتلاوتها مع فهم مقاصدها ومراميها، فكانت أعدل أمة بل أثمن درة في تاج تاريخ الأمم. ذلك شأن أصحاب رسول الله ﷺ ومن تبعهم بإحسان من أمة القرآن في عهد ازدهار الإسلام ونضارته وصولته وقوته وانفعال النفوس به والحفاظ على جدته.

стр. 1922

ثم خلت قرون، وتبدلت شؤون، وتتابعت أحداث، وخلف من بعدهم خلف قد استهواهم الشيطان فلم يسلكوا سبيل أسلافهم في القيام بحق القرآن حفظاً وتلاوة وتدبراً وفهماً فنالهم بشؤم ذلك كثير من الذل والهوان، أهملوا حفظ القرآن في مكاتب تحفيظه بل أهملوا بعد ذلك إنشاء هذه المكاتب نفسها فحرم الأبناء من حفظ القرآن في حداثة السن، وبداية التربية. ثم أهملوا حفظ القرآن وتدريسه في مراحل التعليم بعد المدارس، والمعاهد فتخرج الأبناء منها أخلياء من القرآن حفظاً ودراسة. وحينما قررت بعض البلدان حفظ قليل منه وتدريسه بمدارسها جعلوه مادة إضافية بين مواد التعليم لا يترتب على الرسوب فيها أثر فكان كأن لم يكن. وبذلك تقلص ظل القرآن في المدارس في هذه الأزمنة الأخيرة في معظم البلدان حفظاً، وتعليماً، وكل ذلك تنفيذ لمخطط إجرامي أثيم اصطنعه وأحكم تدبيره أعداء القرآن والإسلام من الأجانب المستعمرين الذين بأيديهم مقاليد التعليم في البلاد التي منيت بهم، وتبعهم، وتبعهم في ذلك بعض الضعفاء الإمعات، والمنافقين من أبناء البلاد ويمكننا أن نقول - في غير مغالاة - إن الشباب المسلم محروم الآن في أكثر بلاد الإسلام من حفظ القرآن، ودراسته في المرحلة الثانوية من مراحل التعليم، وفي الجامعات بأسرها، وهم في السن التي يحتاجون فيها أشد الاحتياج إلى ضبط النفوس، وقمع الشهوات، والتربية الدينية، والتهذيب والتوجيه إلى الخير والصلاح بوازع ديني محكم قويم وذلك بحفظ كثير من آيات الذكر الحكيم، ودراسة تفسيرها، وفهم معناها القويم. ولا شك أن ذلك خطر كبير على المجتمع الإسلامي، وسبب قوي لانحلاله وتمزقه يحمل تبعاته الجسام من لم يحسن الرعاية من المسؤولين عن التعليم في البلاد بل استهان بالأمر حتى استفحل الشر، وساءت العقبى وأصبح الإسلام غريباً كما بدأ. ولا سبيل للخلاص من هذا الخطر الداهم، والخروج من عهدة الإثم البالغ إلا بتنفيذ ما يأتي:

стр. 1923

١- الإكثار في البلاد الإسلامية من إنشاء مكاتب التحفيظ للقرآن يذهب إليها الأطفال في بدء نشأتهم ليحفظوا بعض أجزاء من القرآن عن ظهر قلب مع قليل من المعلومات الأولية على أن يكون التعليم فيها إجباريا. ٢- وجوب حفظ أجزاء من القرآن لا تقل عن ثلثه في المرحلة الابتدائية للتعليم موزعة في سنواته العديدة مع تفسير المحفوظ تفسيراً بسيطاً للمفردات والمقصود من الآيات. ٣- متابعة ذلك في المرحلة الثانوية مع قليل من التوسع في التفسير يناسب نمو المدارك في هذه السن. ٤- تكميل هذه المراحل في التعليم الجامعي حيث يكون الطالب قد كمل استعداده فيتم له حفظ أغلب القرآن، وفهم أكثر معانيه وحسن التوجيه إلى أحكامه ومراميه. ٥- وفي كل هذه المراحل يكون هذا التعليم مادة إجبارية أساسية في التعليم يترتب على الرسوب فيها عدم الانتقال إلى صف أعلى، وتوضع مناهج حفظ القرآن لكل مرحلة بل لكل سنة على غرار مناهج العلوم الأخرى في المدارس في جميع المراحل. ٦- يختار لتدريس مادة تفسير القرآن وتحفيظه للطلاب من يتوافر فيه الصلاح والتقى والغيرة الإسلامية والاحتفاء بالدعوة إلى الإسلام من المدرسين. ٧- تخصص مكافآت شهرية أو سنوية لمن يلبي أمر التحفيظ في مكاتب التحفيظ في سائر القرى، والمدن تشجعهم وترغيبهم في حسن القيام بمهمتهم الجليلة وتصرف المصاحف والاجزاء للتلاميذ مجاناً ويمنح كل من أتم جزءاً مكافأة مالية، وهكذا في سائر الأجزاء في هذه المرحلة تشجيعاً له. ٨- تخصص مكافآت مماثلة للحفاظ من التلاميذ لهذه المراحل التعليمية تشجعهم وتتفاوت بقدر اجتهادهم في الحفظ، والفهم. ٩- إنشاء معاهد في البلاد الإسلامية لتجويد القرآن - بعد حفظه - وتلقى الروايات السبع المعروفة وذلك لتخريج حفاظ ثقات يعرفون بإتقان علم الروايات، والقراءات، وبذلك تبقى سلسلة الرواة متصلة وذلك من الفرائض في حق القرآن.

стр. 1924

١٠- تعميم هذا النظام بأسره في الدول الإسلامية بحيث تشتمل قوانين التعليم في كل دولة عليه. ١١- يسمح لأي طالب أن ينتسب لأي معهد من هذه المعاهد مهما كانت جنسيته ما دام مسلماً حافظاً. ١٢- على المسلمين الذين يقيمون ببلاد غير إسلامية أن ينشئوا مكاتب لتحفيظ القرآن وتدريسه، ويمولوها يقدر الإمكان، وعليهم أن يتصلوا بالدول الإسلامية لمدهم بما في الإمكان من المساعدة. (تجارة رابحة) قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ, وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الصف) .

стр. 1925

المكتبات العامة وأثرها في تثقيف الأمة للدكتور محمود بابللى إن تيسير أسباب المطالعة من أهم عوامل الثقافة، ومهما أوتي المرء من قدرة على اقتناء الكتب فإنه أعجز من أن يظفر بمجموعة كبيرة منها تحتوي مختلف أنواع الكتب أو المجلات أو الصحف، كما أنه أكثر عجزاً من أن تكون لديه مكتبة تضم الآلاف أو عشرات الآلاف من الكتب. لهذا كانت المكتبات الكبرى من الأمور المتعذر تأمينها لدى الأفراد إلا ما ندر، وإذا ما وجدت لدى البعض مثل هذه المكتبة فإنها لا تتعدى أن تكون مكتبة خاصة ذات نطاق ضيق ومحصور من حيث نوع الكتب وكميتها واقتصارها على صاحبها. والتعطش إلى الثقافة غير محصور بنوع من المعرفة، وإنما هو عام ويشمل العديد من فروع العلم والمعرفة، ويتمشى انتشار الثقافة طرداً وعكساً مع تقدم الأمة أو تأخرها. والمثقف من أبناء الشعب هو الذي يجمع إلى معلوماته الخاصة بناحية معينة من المعلوم حصيلة اطلاعاته على كثير من الكتب في مختلف العلوم والفنون، مع ما اكتسبه من خبرات اجتماعية أو إنسانية في حسن معاشرته للآخرين أو تتبعه لأخبارهم أو أسلوب معيشتهم أو طراز حياتهم؛ لأن كل هذه الأمور تدخل في نطاق الثقافة، وترفع مستوى أصحابها. وليس أدل على حب العلم والازدياد منه في هذه البلاد وفي غيرها من البلدان العربية من كثرة هذه المدارس والجامعات، وحرص الموجهين فيها على استيعاب جميع أبناء الأمة، ومن يفد عليها من الأمم الأخرى، ضمن نطاق ما تتسع له. والعلم كما هو معروف لا يأتي إلا بالتعلم، والكتاب وسيلة لهذا العلم، والمدرسة مفتاح ومنطلق للتزود منه ومهما توسعت برامج التعليم فإنها قاصرة عن أن تشتمل على جميع عناصر المعرفة، ولا بد للمتعلم في سبيل توسيع معرفته من أن يعب من مناهل العرفان المبثوثة في بطون الكتب وما يلحق بها من وسائل الثقافة العامة، كالمجلات على اختلاف أنواعها والصحف والندوات العلمية.

стр. 1926

وإن حرص المملكة على بث البرامج الإذاعية عن طريق الراديو والتلفزيون وتوسيع هذه البرامج وتعميمها لأنحاء المملكة كافة ما هو إلا دليل على رغبة الدولة في نشر الثقافة والتوجيه العام؛ لينال كل فرد من أفراد هذه الأمة نصيبه من هذا الجهد المشكور. والبرامج الإذاعية - عن طريق الراديو والتلفزيون - ذات تأثير كبير على توجيه الشعب فيما إذا روعي فيها صدق هذا التوجيه وحسن الرقابة عليها؛ لأنها أصبحت تدخل إلى بيوت الناس، وتنقل إليهم ما تبثه الإذاعة والشاشة وتفرض نفسها عليهم بشكل يجعل لها تأثيراً على التربية الاجتماعية يعطي ثماره في مستقبل هذه الأمة، لذلك كانت خطورة التلفزيون ومحاربة البعض له باعتباره أداة قد يكون لها من التأثير ما ذكرنا أو أكثر، فيما لو تغافل عنه المسؤولون في انتقاء ما يعرض على المشاهدين من هذه البرامج المتنوعة من أجنبية أو عربية أو محلية. ولكن هل تغني هذه البرامج على اختلاف مواضيعها عن اقتناء الكتب أو الاطلاع على بعض ما فيها عن طريق المكتبات العامة، إن تعذر على البعض - أو على الكثير من أفراد الأمة - تأمين ذلك من مواردهم الخاصة؟ هذه البرامج التوجيهية نوع من أنواع الثقافة تقدمه الدولة إلى الشعب وتيسر له سبيله، ولكنه كما قلنا لا يكفي في تزويد أبناء الشعب مما ترجوه لهم - منهم - الدولة، والكتاب وحده هو الزاد الحقيقي الذي يتعطش إليه الراغب في العلم؛ لأنه أداة العلم ووسيلته. وتجدر رقابة الكتب والصحف والمجلات كرقابة الإذاعة والبرامج التلفزيونية أو أشد؛ لأن للكتب وغيرها من المطبوعات تأثيراً كبيراً في وعي الأمة وعقليتها وسلوكها، لذلك كانت الرقابة وحسن التوجيه مطلوبين أيضاً على هذه الوسائل التثقيفية، بما يتفق وعقيدة هذه الأمة ورايتها التي تحمل شعار التوحيد وما يستلزم هذا الشعار من عمل واعتقاد.

стр. 1927

والإسلام - كشأنه في شتى أموره - أسبق من غيره في تقديم هذا الزاد إلى أتباعه خاصة وإلى الناس كافة، وقد أنزل عليهم رب العالمين كتابه لينهلوا من زاده الذي لا ينضب له معين، وصدق الله العظيم: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الأَلْبَابِ﴾ والتزود من هذه الدنيا بخير زاد بالنسبة للمفهوم الإسلامي يدخل في شموله التزود من العلم حيث قال موجهاً رسوله الكريم أن يسأله الزيادة فيه: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ والعلم يبقى أجره لصاحبه بعد وفاته إلى يوم القيامة. ويحدثنا القرآن العظيم في قصة ملكة سبأ مع سليمان ﵇، أن قدرة العفريت في جلب عرش بلقيس كانت دون قدرة صاحب العلم الذي أخذ علمه من الكتاب، فتمكن من أن يأتي لسليمان بالعرش المطلوب قبل أن يرتد إليه طرفه. فالسر في هذه القدرة الخارقة كامن في هاتين الكلمتين اللتين نوه عنهما رب العالمين: ﴿عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ أي العلم ووسيلته التي هي الكتاب. فهلا عملنا على توفير الكتاب للشعب وتيسير الحصول عليه وتمكين أفراده من التزود منه علماً ومعرفة وتقوى بأيسر السبل وأقربها تناولاً؟ ومن جملة العوامل التي تساعد على اقتناء الكتب وتشكيل مكتبات خاصة، عدم ارتفاع أسعار هذه الكتب وإسهام الدولة في تخفيض هذه الأسعار، وفي طباعة الكتب المخطوطة أو تجديد طبع ما نفد من أمهات الكتب، ومساعدة المؤلفين على طباعة إنتاجهم، وتقديم الجوائز التقديرية لهم، وإيجاد متفرغين منهم لينكبوا على إخراج بعض الموسوعات أو المعاجم التي نشهدها، وإيجاد مجامع علمية، وغير ذلك مما يساعد على تدعيم هذه النهضة والارتفاع بها إلى المستوى اللائق بأمة قال عنها رب العالمين: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ .

стр. 1928

وإن النهضة التي نلمس أثرها في شعب المملكة بشكل خاص لم تترك مجالاً من مجالات التقدم والرقي إلا شاركت فيه، وهذا شيء تحمد عليه، وسوف يذكر لها التاريخ هذه النهضة ولا يبخس حق العاملين في سبيلها. وتدشين المكتبة العامة في مدينة الرياض من سنتين خلتا والإعلان عن تعميم المكتبات في جميع مدن المملكة مثل حي وبارز من الأمثلة العديدة لآثار هذه النهضة، ودليل عملي على الاتجاه الذي تسير فيه الدولة وبشرى للشعب في تعميم هذا الخير على جميع أبنائه في مختلف أطراف المملكة، مدنها وقراها. ولهذا نستطيع أن نطمئن ذاك الرجل الذي تمنى أن تكون في جدة، هذه المدينة الرئيسية من مدن المملكة، والتي هي من دلائل نهضة هذه المملكة مكتبة عامة كبرى أو مكتبات تفي بحاجة الشعب للتزود من هذا الزاد المشروع المندوب، نطمئنه بأنه ستكون هنالك مكتبة عامة كبرى بإذن الله. وفي هذه المدينة بالذات يوجد رجل من أبنائها، صاحب مكتبة خاصة تعتبر من أغنى المكتبات بالكتب العلمية، ينبئك عن أمثاله من أبناء جدة في حرصهم على اقتناء الكتب والتزود منها علماً ومعرفة وديناً، وهو الشيخ محمد نصيف، أمد الله في عمره ونفع به وبآثاره ومخلفاته، وقد بلغنا أنه أهدى مكتبته (هذه) القيمة إلى مدينة جدة لتكون نواة لمكتبة عامة، فجزاه الله عن بلده وأمته خير الجزاء وأكثر من أمثاله.

стр. 1929

ولما كان التسابق العلمي في عصرنا هذا بلغ شأواً بعيداً جداً، لم يكن ليدرك أو يتوصل إليه لولا تسهيل أسباب العلم والمعرفة لأبنائه وإذ كانت الأندية الثقافية والجمعيات العلمية، وقاعات المحاضرات العامة والمراكز الثقافية، والمكتبات العامة الكبرى، والمكتبات الخاصة بالمراكز العلمية والجامعات والمدارس والمعاهد، ومكتبات البلديات، والمكتبات العامة المتنقلة بين القرى، مع وسائل التثقيف الأخرى التي تشارك في تعميم الثقافة وتيسير إيصالها إلى أبناء الشعب في مختلف مدنه وقراه، من أكبر العوامل المشاركة في هذه النهضة العلمية المعاصرة. لذلك فإن الإكثار منها معناه المساهمة في الأخذ بأسباب هذه النهضة وتبويئها المكانة اللائقة بها. ولما كانت الغاية من هذا البحث هي (تسيلط الأضواء) إن صح هذا التعبير على المكتبات العامة وعلى أثرها في تثقيف الأمة، لهذا يجدر بنا أن نضرب مثلاً على ذلك ما كانت عليه دورنا العميلة وما كانت تحتويه من كتب، في وقت لم تتوفر فيه أسباب الطباعة كما هي عليه الآن إذ كانت الكتب تكتب باليد، ويستنسخ منها المئات لتعميمها ونشرها بين الناس، وكثرة الكتب المخطوطة التي تطبع في وقتنا الحاضر والموجود منها في مكتبات العالم الكبرى لأكبر دليل على مدى ما توصلت إليه حضارتنا في العصور الماضية. وينقل لنا (آدم متز) في كتابه (الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري) عن بعض المراجع الإسلامية أنه كان في كل جامع كبير مكتبة؛ لأنه كان من عادة العلماء أن يوقفوا كتبهم على الجامع، ويقال إن خزانة الكتب بمرو كانت تحتوي كتب يزدجرد لأنه حملها إليها وتركها، ص ٣٢٢.

стр. 1930

وفي هامش هذه الصفحة يقول: "وقد ترنم ياقوت بذكر مكاتب مرو مع تأخر الزمن به، وكان قد أمضى بمرو ثلاث سنين، فتغنى بأيامه فيها شعراً جميلاً، وكان بها على عهده اثنتا عشرة خزانة بأحدها نحو من اثني عشر ألف مجلد"، يقول ياقوت: "وكانت (الخزائن) سهلة التناول لا يفارق منزلي منها مائتا مجلد وأكثر بغير رهن تكون قيمتها مائتي دينار، فكنت أرتع فيها وأقتبس من فوائدها وأنساني حبها كل بلد، وألهاني عن الأهل والولد" (معجم البلدان ج٤ ص ٥٠٩-٥١٠) من الطبعة الأوروبية. ويقول في الصفحة ٣٢٥: "وقد عمل علي بن يحيى وكان ممن جالس الخلفاء، حوالي منصف القرن الثالث الهجري خزانة كتب عظيمة في ضيعته وسماها خزانة الحكمة، وكان يقصدها الناس من كل بلد، فيقيمون فيها ويتعلمون منها صنوف العلم، والكتب مبذولة لهم والصيانة مشتملة عليهم، والنفقة في ذلك من مال علي بن يحيى". ويقول أيضاً في الصفحة ٣٢٩: "على أنه قد ظهرت إلى جانب دور الكتب مؤسسات علمية أخرى تزيد على دور الكتب بالتعليم أو على الأقل بإجراء الأرزاق على من يلازمها، فيحكي عن أبي القاسم جعفر بن محمد بن حمدان الموصلي الفقيه الشافعي المتوفى عام ٣٢٣هـ، أنه أسس داراً للعلم في بلده، وجعل فيها خزانة كتب من جميع العلوم وقفاً على كل طالب علم، لا يمنع أحد من دخولها، وإذا جاءها غريب يطلب الأدب، وكان معسراً أعطاه ورقاً وورقاً (أي الفضة) ". وقد حدثتنا كتب التاريخ أن بغداد كان فيها من المكتبات ما لا يحصى عدده، حتى جاءها الغزو الوحشي فقضى على معالمها، وقد تغير لوم مياه دجلة من مداد الكتب التي ألقيت فيها. وأثر هذه النهضة العلمية الإسلامية بارز وناطق في مكتبات العالم الكبرى حيث حرصت هذه المكتبات على جمع الكتب والمخطوطات الإسلامية، وإن كل زائر لهذه المكتبات ليدهش مما تحتويه من آثارنا الخالدة التي تهيب بأبناء الأمة الإسلامية أن يعيدوا هذا الماضي المجيد في مستقبل مشرق رائد.
следующие страницы →