Полный текст (23 804 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.
стр. 1926
وإن حرص المملكة على بث البرامج الإذاعية عن طريق الراديو والتلفزيون وتوسيع هذه البرامج وتعميمها لأنحاء المملكة كافة ما هو إلا دليل على رغبة الدولة في نشر الثقافة والتوجيه العام؛ لينال كل فرد من أفراد هذه الأمة نصيبه من هذا الجهد المشكور.
والبرامج الإذاعية - عن طريق الراديو والتلفزيون - ذات تأثير كبير على توجيه الشعب فيما إذا روعي فيها صدق هذا التوجيه وحسن الرقابة عليها؛ لأنها أصبحت تدخل إلى بيوت الناس، وتنقل إليهم ما تبثه الإذاعة والشاشة وتفرض نفسها عليهم بشكل يجعل لها تأثيراً على التربية الاجتماعية يعطي ثماره في مستقبل هذه الأمة، لذلك كانت خطورة التلفزيون ومحاربة البعض له باعتباره أداة قد يكون لها من التأثير ما ذكرنا أو أكثر، فيما لو تغافل عنه المسؤولون في انتقاء ما يعرض على المشاهدين من هذه البرامج المتنوعة من أجنبية أو عربية أو محلية.
ولكن هل تغني هذه البرامج على اختلاف مواضيعها عن اقتناء الكتب أو الاطلاع على بعض ما فيها عن طريق المكتبات العامة، إن تعذر على البعض - أو على الكثير من أفراد الأمة - تأمين ذلك من مواردهم الخاصة؟
هذه البرامج التوجيهية نوع من أنواع الثقافة تقدمه الدولة إلى الشعب وتيسر له سبيله، ولكنه كما قلنا لا يكفي في تزويد أبناء الشعب مما ترجوه لهم - منهم - الدولة، والكتاب وحده هو الزاد الحقيقي الذي يتعطش إليه الراغب في العلم؛ لأنه أداة العلم ووسيلته.
وتجدر رقابة الكتب والصحف والمجلات كرقابة الإذاعة والبرامج التلفزيونية أو أشد؛ لأن للكتب وغيرها من المطبوعات تأثيراً كبيراً في وعي الأمة وعقليتها وسلوكها، لذلك كانت الرقابة وحسن التوجيه مطلوبين أيضاً على هذه الوسائل التثقيفية، بما يتفق وعقيدة هذه الأمة ورايتها التي تحمل شعار التوحيد وما يستلزم هذا الشعار من عمل واعتقاد.
стр. 1927
والإسلام - كشأنه في شتى أموره - أسبق من غيره في تقديم هذا الزاد إلى أتباعه خاصة وإلى الناس كافة، وقد أنزل عليهم رب العالمين كتابه لينهلوا من زاده الذي لا ينضب له معين، وصدق الله العظيم: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الأَلْبَابِ﴾
والتزود من هذه الدنيا بخير زاد بالنسبة للمفهوم الإسلامي يدخل في شموله التزود من العلم حيث قال موجهاً رسوله الكريم أن يسأله الزيادة فيه: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ والعلم يبقى أجره لصاحبه بعد وفاته إلى يوم القيامة.
ويحدثنا القرآن العظيم في قصة ملكة سبأ مع سليمان ﵇، أن قدرة العفريت في جلب عرش بلقيس كانت دون قدرة صاحب العلم الذي أخذ علمه من الكتاب، فتمكن من أن يأتي لسليمان بالعرش المطلوب قبل أن يرتد إليه طرفه.
فالسر في هذه القدرة الخارقة كامن في هاتين الكلمتين اللتين نوه عنهما رب العالمين: ﴿عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ أي العلم ووسيلته التي هي الكتاب.
فهلا عملنا على توفير الكتاب للشعب وتيسير الحصول عليه وتمكين أفراده من التزود منه علماً ومعرفة وتقوى بأيسر السبل وأقربها تناولاً؟
ومن جملة العوامل التي تساعد على اقتناء الكتب وتشكيل مكتبات خاصة، عدم ارتفاع أسعار هذه الكتب وإسهام الدولة في تخفيض هذه الأسعار، وفي طباعة الكتب المخطوطة أو تجديد طبع ما نفد من أمهات الكتب، ومساعدة المؤلفين على طباعة إنتاجهم، وتقديم الجوائز التقديرية لهم، وإيجاد متفرغين منهم لينكبوا على إخراج بعض الموسوعات أو المعاجم التي نشهدها، وإيجاد مجامع علمية، وغير ذلك مما يساعد على تدعيم هذه النهضة والارتفاع بها إلى المستوى اللائق بأمة قال عنها رب العالمين: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ .
стр. 1928
وإن النهضة التي نلمس أثرها في شعب المملكة بشكل خاص لم تترك مجالاً من مجالات التقدم والرقي إلا شاركت فيه، وهذا شيء تحمد عليه، وسوف يذكر لها التاريخ هذه النهضة ولا يبخس حق العاملين في سبيلها.
وتدشين المكتبة العامة في مدينة الرياض من سنتين خلتا والإعلان عن تعميم المكتبات في جميع مدن المملكة مثل حي وبارز من الأمثلة العديدة لآثار هذه النهضة، ودليل عملي على الاتجاه الذي تسير فيه الدولة وبشرى للشعب في تعميم هذا الخير على جميع أبنائه في مختلف أطراف المملكة، مدنها وقراها.
ولهذا نستطيع أن نطمئن ذاك الرجل الذي تمنى أن تكون في جدة، هذه المدينة الرئيسية من مدن المملكة، والتي هي من دلائل نهضة هذه المملكة مكتبة عامة كبرى أو مكتبات تفي بحاجة الشعب للتزود من هذا الزاد المشروع المندوب، نطمئنه بأنه ستكون هنالك مكتبة عامة كبرى بإذن الله.
وفي هذه المدينة بالذات يوجد رجل من أبنائها، صاحب مكتبة خاصة تعتبر من أغنى المكتبات بالكتب العلمية، ينبئك عن أمثاله من أبناء جدة في حرصهم على اقتناء الكتب والتزود منها علماً ومعرفة وديناً، وهو الشيخ محمد نصيف، أمد الله في عمره ونفع به وبآثاره ومخلفاته، وقد بلغنا أنه أهدى مكتبته (هذه) القيمة إلى مدينة جدة لتكون نواة لمكتبة عامة، فجزاه الله عن بلده وأمته خير الجزاء وأكثر من أمثاله.
стр. 1929
ولما كان التسابق العلمي في عصرنا هذا بلغ شأواً بعيداً جداً، لم يكن ليدرك أو يتوصل إليه لولا تسهيل أسباب العلم والمعرفة لأبنائه وإذ كانت الأندية الثقافية والجمعيات العلمية، وقاعات المحاضرات العامة والمراكز الثقافية، والمكتبات العامة الكبرى، والمكتبات الخاصة بالمراكز العلمية والجامعات والمدارس والمعاهد، ومكتبات البلديات، والمكتبات العامة المتنقلة بين القرى، مع وسائل التثقيف الأخرى التي تشارك في تعميم الثقافة وتيسير إيصالها إلى أبناء الشعب في مختلف مدنه وقراه، من أكبر العوامل المشاركة في هذه النهضة العلمية المعاصرة.
لذلك فإن الإكثار منها معناه المساهمة في الأخذ بأسباب هذه النهضة وتبويئها المكانة اللائقة بها.
ولما كانت الغاية من هذا البحث هي (تسيلط الأضواء) إن صح هذا التعبير على المكتبات العامة وعلى أثرها في تثقيف الأمة، لهذا يجدر بنا أن نضرب مثلاً على ذلك ما كانت عليه دورنا العميلة وما كانت تحتويه من كتب، في وقت لم تتوفر فيه أسباب الطباعة كما هي عليه الآن إذ كانت الكتب تكتب باليد، ويستنسخ منها المئات لتعميمها ونشرها بين الناس، وكثرة الكتب المخطوطة التي تطبع في وقتنا الحاضر والموجود منها في مكتبات العالم الكبرى لأكبر دليل على مدى ما توصلت إليه حضارتنا في العصور الماضية.
وينقل لنا (آدم متز) في كتابه (الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري) عن بعض المراجع الإسلامية أنه كان في كل جامع كبير مكتبة؛ لأنه كان من عادة العلماء أن يوقفوا كتبهم على الجامع، ويقال إن خزانة الكتب بمرو كانت تحتوي كتب يزدجرد لأنه حملها إليها وتركها، ص ٣٢٢.
стр. 1930
وفي هامش هذه الصفحة يقول: "وقد ترنم ياقوت بذكر مكاتب مرو مع تأخر الزمن به، وكان قد أمضى بمرو ثلاث سنين، فتغنى بأيامه فيها شعراً جميلاً، وكان بها على عهده اثنتا عشرة خزانة بأحدها نحو من اثني عشر ألف مجلد"، يقول ياقوت: "وكانت (الخزائن) سهلة التناول لا يفارق منزلي منها مائتا مجلد وأكثر بغير رهن تكون قيمتها مائتي دينار، فكنت أرتع فيها وأقتبس من فوائدها وأنساني حبها كل بلد، وألهاني عن الأهل والولد" (معجم البلدان ج٤ ص ٥٠٩-٥١٠) من الطبعة الأوروبية.
ويقول في الصفحة ٣٢٥: "وقد عمل علي بن يحيى وكان ممن جالس الخلفاء، حوالي منصف القرن الثالث الهجري خزانة كتب عظيمة في ضيعته وسماها خزانة الحكمة، وكان يقصدها الناس من كل بلد، فيقيمون فيها ويتعلمون منها صنوف العلم، والكتب مبذولة لهم والصيانة مشتملة عليهم، والنفقة في ذلك من مال علي بن يحيى".
ويقول أيضاً في الصفحة ٣٢٩: "على أنه قد ظهرت إلى جانب دور الكتب مؤسسات علمية أخرى تزيد على دور الكتب بالتعليم أو على الأقل بإجراء الأرزاق على من يلازمها، فيحكي عن أبي القاسم جعفر بن محمد بن حمدان الموصلي الفقيه الشافعي المتوفى عام ٣٢٣هـ، أنه أسس داراً للعلم في بلده، وجعل فيها خزانة كتب من جميع العلوم وقفاً على كل طالب علم، لا يمنع أحد من دخولها، وإذا جاءها غريب يطلب الأدب، وكان معسراً أعطاه ورقاً وورقاً (أي الفضة) ".
وقد حدثتنا كتب التاريخ أن بغداد كان فيها من المكتبات ما لا يحصى عدده، حتى جاءها الغزو الوحشي فقضى على معالمها، وقد تغير لوم مياه دجلة من مداد الكتب التي ألقيت فيها.
وأثر هذه النهضة العلمية الإسلامية بارز وناطق في مكتبات العالم الكبرى حيث حرصت هذه المكتبات على جمع الكتب والمخطوطات الإسلامية، وإن كل زائر لهذه المكتبات ليدهش مما تحتويه من آثارنا الخالدة التي تهيب بأبناء الأمة الإسلامية أن يعيدوا هذا الماضي المجيد في مستقبل مشرق رائد.
стр. 1931
وبالإضافة إلى هذه المكتبات العامة الكبرى - في عواصم العالم - فإن إلى جانبها مكتبات عامة أخرى على نطاق أضيق، منها ما هو مستقل بذاته، ومنها ما هو مرتبط بالمعاهد والكليات.
وجميع هذه المكتبات تيسر لروادها المراجعة، حتى إنها تفتح أبوابها في الوقت الذي يسهل على راغب المطالعة الحضور إلى هذه المكتبات في غير أوقات الدوام الرسمي للموظفين أو المعاهد العلمية، أي أنها لا تقتصر على دوام واحد لمدة ثماني ساعات فقط، وإنما تمتد إلى ضعف هذه المدة، فيتمكن بذلك الموظف والعامل والطالب وغيرهم من الاستفادة من هذه المكتبات بالحضور إليها خارج أوقات عمله.
وهناك في بعض المدن الكبرى مكتبات عامة تعرف باسم (المكتبات البلدية) وهي منتشرة هناك بكثرة، وتابعة لكل قسم من أقسام المدينة، وهي تسهل على أبناء هذا القسم أو المنطقة التزود من الكتب والإطلاع عليها في المكتبة، واستعارتها بإخراجها من المكتبة وفقاً للشروط التي يلتزم بها المستعير، ولا يدفع المستعير أي ضمان لقاء استعارته الكتب من المكتبة، وإنما يملي استمارة باسمه ومحل إقامته واسم الكتاب الذي يريده ورقمه، والمدة التي سيبقى الكتاب عنده فيها.
كما أن تيسير إعارة الكتب يحقق وجود أكثر من نسخة لكل كتاب، ومن هذه الاستعارة أو من المطالعة بشكل عام تتمكن الدولة من معرفة أي اتجاه يتجه إليه أبناؤها في مطالعتهم لهذه الكتب، وأي عنصر من عناصر الثقافة يقبلون عليه، وعلى ضوء ذلك تعمل الدولة على توجيه أبنائها الوجهة التي تراها أصلح لهم في دعم هذا الاتجاه أو تحويله، بأساليبها الخاصة إلى الوجهة الأخرى.
стр. 1932
وهناك مثل آخر على تيسير سبل الثقافة لغالبية أبناء الشعب ممن يسكن بعيداً عن المدن، كسكان الأرياف والمناطق الزراعية البعيدة، فإن الدولة تؤمن لهم مكتبات عامة متنقلة تيسر على سكان تلك المناطق النائية استعارة الكتب في فترات محددة، حيث تطوف عليهم هذه المكتبات المتنقلة في كل أسبوعين مرة أو في كل شهر على أبعد تقدير.
ولا أريد أن أتوسع في هذه الاستشهادات ولكني أردت أن أضرب المثل على اعتناء بعض الأمم بأبنائها من هذه الناحية العلمية الهامة بتيسير أسباب العلم والثقافة لهم بشتى الطرق والوسائل.
والإسلام الذي تقوم رسالته على العلم والتزود من العلم إلى جانب الأسس الأخرى التي يدعو إليها، لم يسبقه أحد، في هذه الناحية، حتى إن أول آية أنزلت على محمد ﷺ تتضمن الأمر بالقراءة وتكرار الأمر بالقراءة وربط القراءة بالقلم الذي هو ربط وسيلة الكتابة، والكتاب الذي هو مصدر القراءة.
يقول تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ, خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ, اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ, الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ, عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ فهي دعوة صريحة إليه، ورأس الكتب جميعاً هو كتاب الله سبحانه الذي يدعونا إلى قراءته وتدبره والعمل بأحكامه.
يقول : ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (القمر ١٧) .
ويقول سبحانه: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (محمد ٢٤) .
ويقول أيضاً: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ (ص ٢٩) .
стр. 1933
وعلى هذا تكون المكتبات العامة ذات أثر كبير على تثقيف أبناء الأمة، ويكون إيجادها والإكثار منها، وتيسير أسباب المطالعة فيها من الأمور التي يدعو إليها الإسلام ويرغب فيها؛ لأنه دين العلم والإشادة بالعلم والعلماء، والعلم - كما قلنا في مطلع هذا البحث - لا يأتي إلا بالتعلم، والكتاب هو الوسيلة الأولى لهذا العلم، وتوفير هذا الكتاب وتيسير الوصول إليه وتعميمه على أبناء الأمة هو من مقتضيا المصلحة الكبرى التي يقوم على تحقيقها الحكم الصالح في كل زمان ومكان.
آداب المجالس
إذا جلست فأقبل على جلسائك بالبشر والطلاقة، وليكن مجلسك هادئاً، وحديثك مرتباً واحفظ لسانك من خطئه، وهذب ألفاظك، والتزم ترك الغيبة، ومجانبة الكذب والعبث بأصبعك في أنفك، وكثرة البصاق والتمطي والتثاؤب والتشاؤم، ولا تكثر الإشارة بيدك، واحذر الإيماء بطرفك إلى غيرك، ولا تلتفت إلى من وراءك، فمن حسنت مجالسته ثبتت في الأفئدة مودته، وحسنت عشرته، وكملت مروءته.
стр. 1934
العدد ١١
فهرس المحتويات
١- أخلاق الرسول ﷺ (٢) : بقلم الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد
٢- أضواء من التفسير: للشيخ عبد القادر شيبة الحمد
٣- الخير في الاجتماع: بقلم الشيخ عبد الله بن صالح المحسن
٤- الدّيانة البوذية: بقلم الشيخ محمد ضياء الرحمن الأعظمي
٥- القيم الإنسانية في الصوم: بقلم الشيخ محمد وفا هاشم
٦-ذلك الكتاب لا ريب فيه: بقلم الشيخ محمود عبد الوهاب فايد
٧- دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب: لفضيلة الشيخ محمد الأمين الشنقيطى
٨- شعر أهل الحديث (٢) : بقلم الأستاذ عبد العزيز القارئ
٩- فضل الجهاد والمجاهدين: عبد العزيز بن عبد الله بن باز رئيس الجامعة الإسلامية
١٠ -في ظلال سورة الأنفال: بقلم الشيخ أبي بكر جابر الجزائري
١١- قبل فوات الأوان: للطالب عارف عبد الله الحسن
١٢- كلمة وفد الجامعة الإسلامية في مؤتمر جمعية الجامعات الإسلامية المنعقد في مدينة تونس
ألقاها فضيلة الأمين العام للجامعة الإسلامية الشيخ محمد بن ناصر العبودي
١٣- لمحة عن مرض التدرن الرئوي ((السل)) : بقلم الدكتور محمد محسن خان مدير مستوصف الجامعة
١٤- ما وقع في القرآن بغير لغة العرب: بقلم الدكتور محمد تقي الدين الهلالي
١٥- من الصحف والمجلات - العسل علاج لا يقدّر بثمن! : ترجمة الطبيب محمد نزار الدقر
١٦- من تاريخ الدعوة السلفية: الشيخ عبد الحميد بن باديس
١٧- منطق ومناطقة: بقلم الشيخ رمضان أبو العز
١٨- يستفتونك: يتولى الرد على أسئلة القراء فضيلة الشيخ عبد العزيز بن باز رئيس الجامعةالإسلامية
عمادة البحث العلمي - جميع الحقوق محفوظة ١٤٢٣ هـ / ٢٠٠٢ م
стр. 1935
أخلاق الرسول ﷺ
بقلم الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد
المدرس بكلية الشريعة بالجامعة
٢ـ تواضعه ﷺ وقربه من الناس:
ولم يحصل لأحد من البشر ما حصل لرسول الله ﷺ من توفر صفات الكمال وبلوغ الحد الأعلى والغاية القصوى التي يمكن أن يبلغها إنسان فكان ﵊ مضرب المثل في الكمال الإنساني والسمو الخلقي قبل البعثة وبعدها وقد خصه الله بخصائص وميزه بميزات امتاز بها على البشر في الدنيا والآخرة فجعله أفضل المرسلين الذين هم خير البشر وجعله خاتمهم وسيدهم وإمامهم وأولهم خروجا من القبر وأولهم تقدما للشفاعة وأولهم مشفعا وقال ﷺ متحدثا بنعمة الله عليه ومبينا للأمة منزلته عند الله ليعتقدوا ذلك ولينزلوه المنزلة اللائقة به ﷺ من الإجلال والتعظيم والمحبة والمتابعة قال: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة وأول من ينشق عنه القبر وأول شافع وأول مشفع". رواه مسلم وأبو داود عن أبي هريرة ﵁.
ومع هذه الخصائص والميزات التي سما بها إلى منزلة لا يساويه فيها غيره من أولى العزم من الرسل فضلا عمن سواهم كان ﷺ أشد الناس تواضعا وأقربهم إلى الضعيف والمسكين وأبعدهم من الكبر والترفع.
ولما بين ﷺ لأمته بعض ما خصه الله به بقوله: "أنا سيد ولد آدم.." أضاف إلى ذلك ما يبريء ساحته من الفخر- وحاشاه من كل نقص- فقال: "ولا فخر"أخرجه الترمذي وابن ماجة والإمام أحمد من حديث أبي سعيد ﵁. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وإنما أخبر صلى الله عليه مسلم بمنزلته عند الله لأنه لا سبيل للأمة إلى معرفة ذلك إلا بواسطته والتلقي عنه ﷺ إذ لا نبي بعده يخبر عن عظم منزلته عند الله كما أخبر هو أمته بفضائل الأنبياء قبله صلوات الله وسلامه وبركاته عليهم أجمعين.
стр. 1936
ولما خير ﷺ بين أن يكون عبدا رسولا أو نبيا ملكا اختار مقام العبودية والرسالة على مقام النبوة والملك, أخرجه الإمام أحمد في المسند, وروى البيهقي عن أنس قال: "دخل رسول الله ﷺ مكة يوم الفتح وذقنه إلى راحلته متخشعا"، وروى ابن إسحاق في السيرة "أن رسول الله ﷺ ليضع رأسه تواضعا حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح حتى أن عثنونه ليكاد يمس واسطة الرحل". قال ابن كثير: "وهذا التواضع في هذا الموطن عند دخوله ﷺ مكة في مثل هذا الجيش العرمرم بخلاف ما اعتمده سفهاء بني إسرائيل حين أمروا أن يدخلوا باب بيت المقدس وهم سجود ـ أي ركع ـ يقولون حطة فدخلوا يزحفون على أستاههم وهم يقولون حنطة في شعرة) . وروى البخاري في صحيحه عن أنس ﵁ قال:"كانت الأمة من إماء أهل المدينة لتأخذ بيد رسول الله صلى عليه وسلم فتنطلق به حيث شاءت"، وروى مسلم في صحيحه عن أنس "أن امرأة كان في عقلها شيء فقالت: يا رسول الله إن لي إليك حاجة، فقال: "يا أم فلان أنظري أي السكك شئت حتى أقضي لك حاجتك فخلا معها في بعض الطرق حتى فرغت من حاجتها"، وفي صحيح البخاري عن الأسود قال: سألت عائشة ما كان النبي ﷺ يصنع في أهله؟ قالت: "كان في مهنة أهله فإذا حضرت الصلاة قام إلى الصلاة". وروى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال:"لو دعيت إلى ذراع أو كراع لقبلت"، وكان صلى الله علنه وسلم إذا مر بالصبين سلم عليهم. روى مسلم في صحيحه عن شعبة عن سيار قال:"كنت أمشى مع ثابت البناني فمر بصبيان فسلم عليهم وحدث ثابت أنه كان يمشي مع أنس فمر بصبيان فسلم عليهم وحدث أنس أنه كان يمشي مع رسول الله ﷺ ، فمر بصبيان سلم عليهم"وكان ﷺ يخالط أصحابه ويداعب الصبي الصغير يقول أنس ﵁ فيما رواه عنه البخاري في
стр. 1937
الصحيح: "إن كان النبي ﷺ ليخالطنا حتى يقول لأخ لي صغير: يا أبا عمير ما فعل النغير؟ ", وفي رواية عنه قال: كان النبي ﷺ أحسن الناس خلقا وكان لي أخ يقال له أبوعمير, قال: أحسبه فطيما. وكان إذا جاء قال:"يا أبا عمير ما فعل النغير، نغير كان يلعب به".
وفي الصحيحين عن أنس ﵁ قال: "خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين فما قال لي: أف ولا لم صنعت؟ ولا ألا صنعت؟ ".
وكان ﷺ يركب الدواب ويردف بعض أصحابه وراءه عليها، وكان صلى الله علنه وسلم يرشد أمته إلى التحلي بصفة التواضع ويرغبهم في التخلق بها، ومما قاله صلى الله علنه وسلم في ذلك:"وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله". رواه مسلم، وهو ﷺ سيد المتواضعين وأسوتهم وقد رفعه الله إلى أعلى الدرجات رفع قدره وأعلى منزلته وخلد ذكره.
ومع هذا التواضع والخلق العظيم الذي تفضل الله به على عبده ورسوله وخليله محمد ﷺ كان أصحابه ﵃ لا يملئون أعينهم بالنظر إليه ﷺ إجلالا واحتراما له ﷺ .
يقول عمرو بن العاص ﵁ في حديث له أخرجه مسلم في صحيحه: "وما كان أحد أحب إليّ من رسول الله ﷺ ولا أجل في عيني منه وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالا له ولو سئلت أن أصفه ما أطقت لأني لم أكن أملأ عيني منه"
٣ـ رحمته ﷺ بأمته ورفقه بها وشفقته عليها:
وبفضل الله ورحمته عليه ﷺ كان رحيما رفيقا كما قال الله تعالى مخاطبا إياه: ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾ فلم يحصل لأحدمن البشر ما حصل لرسول الله ﷺ من الاتصاف بالرحمة والرفق لا يقاربه في ذلك أحد ولا يدانيه.
стр. 1938
فعن أبي هريرة ﵁ أن أعربيا بال في طائفة المسجد فثار إليه الناس ليقعوا فيه فقال لهم رسول الله ﷺ : "دعوه واهر يقوا على بوله ذنوبا من ماء أو سجلا من ماء فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين". أخرجه البخاري وغيره.
وفي صحيح البخاري عن ابن مسعود ﵁ قال: أتى رجل النبي ﷺ فقال: إني لأتأخر عن صلاة الغداة من أجل فلان مما يطيل بنا قال فما رأيت النبي ﷺ قط أشد غضبا في موعظة منه يومئذ. قال: فقال: "يا أيها الناس إن فيكم منفرين فأيكم ما صلى بالناس فليتجوز فإن فيهم الكبير والمريض وذا الحاجة."
وعن أبي هريرة ﵁ إن رسول الله ﷺ قال: "إذا صلى أحدكم للناس فليخفف فإن فيهم الضعيف والسقيم والكبير وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ماشاء".
وعن أبي قتادة ﵁ عن النبي صلى الله عليه سلم قال: "إني لأقوم في الصلاة أريد أن أطول فيها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي كراهية أن أشق على أمه".
وعن أنس ﵁ قال: "ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة ولا أتم من النبي ﷺ وإن كان ليسمع بكاء الصبي فيخفف مخافة أن تفتن أمه". وعن أبي قتادة قال: خرج علينا النبي ﷺ وأمامة بنت العاص على عاتقه فصلى فإذا ركع وضعها وإذا رفع رفعها"، وقال ﷺ :"لولا أن أشق الى أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة".
стр. 1939
وهذه الأحاديث كلها في صحيح البخاري، ولما قام ﷺ بأصحابه ليلا يصلي بهم في رمضان خشي أن يفرض عليهم فترك الصلاة بهم، ففي الصحيحين عن عائشة ﵂ "أن النبي ﷺ صلى في المسجد فصلى بصلاته الناس ثم صلى الثانية فكثر الناس ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة فلم يخرج إليهم رسول الله فلما أصبح قال: رأيت الذي صنعتم فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفترض عليكم وذلك في رمضان".
стр. 1940
وفي الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: "إن كان النبي ﷺ ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم"، ولما واصل ﷺ في صيامه وعلم الصحابة رضوان الله عليهم ذلك واصلو معه فنهاهم عن الوصال إشفاقا عليهم قالوا فإنك تواصل, قال اني لست كهيئتكم, ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله قال: "نهى رسول الله ﷺ عن الوصال في الصوم فقال له رجل من المسلمين: إنك تواصل يا رسول الله قال وأيكم مثلي إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني فلما أبو أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يوما ثم يوما ثم رأوا الهلال فقال: لو تأخر لزدتكم كالتنكيل لهم حين أبوا أن ينتهوا". فإنه ﷺ نهاهم عن الوصال رحمة بهم وشفقة عليهم فلما راجعوه في ذلك رغبة منهم في موافقته واصل بهم وكان ذلك آخر الشهر يوما ثم يوما ثم رأوا الهلال وقال: "لو تأخر لزدتكم", كالتنكيل لهم حين أبوا أن ينتهوا وهذا منه ﷺ إرشاد عملي وتأديب نبوي للصحابة الكرام ﵃ ليوقفهم على ضعفهم وأن الوصال يشق عليهم فيبتعدوا عنه من تلقاء أنفسهم وهذا التأديب النبوي يشبهه ما لو رأى والد ولده يحاول العبث بالنار فيعمل على تجنيبه ضررها بأن يأخذ بيده ويضع أصبعه برفق على طرف جمرة منها ليدرك مدى ضررها فيكون حذرا منها ويبتعد عن الوقوع فيها لأن والده قد أوقفه على مدى ضررها.
стр. 1941
وفي صحيح مسلم من حديث معاوية بن الحكم السلمي ﵁ لما شمت وهو في الصلاة رجلا عطس ووجد من الصحابة إنكار عليه قال: فلما صلى رسول الله ﷺ فبأبي هو وأمي ما رأيت معلما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه فوالله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني قال: "إن الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن" أو كما قال ﷺ . وكان ﷺ إذا بلغه عن أحد من أصحابه ما يحتاج إلى تنبيهه عليه قال في خطبة:"ما بال قوم يفعلون كذا ما بال رجال من أمتي يقولون كذا", وما أشبه ذلك, وذلك ليعدل عنه من صدر منه وليحذر الوقوع فيه من لم يباشره.
٤ـ عفوه وحلمه ﷺ :
стр. 1942
وكما كان ﷺ غاية في الرحمة والشفقة فهو غاية في العفو والحلم والصفح والصبر والتحمل، وسيرته العطرة حافلة بالوقائع الدالة على ذلك. ففي الصحيحين عن جابر ﵁، قال: "غزونا مع الرسول الله ﷺ غزوة قبل نجد فأدركنا رسول الله ﷺ في واد كثير العضاة, فنزل رسول الله ﷺ تحت شجرة فعلق سيفه بغصن من أغصانها, قال: فقال رسول الله ﷺ : "إن رجلا أتاني وأنا نائم فأخذ السيف فاستيقظت وهو قائم على رأسي فلم أشعر إلا والسيف صلتا في يده فقال لي: من يمنعك مني، قال: قلت الله، ثم قال في الثانية: من يمنعك مني، قال: قلت الله، قال: فشام السيف فها هو ذا جالس ثم لم يعرض له رسول الله ﷺ ". وهذا لفظ مسلم. وعند البخاري: "ولم يعاقبه وجلس". وفي الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: "دخل رهط من اليهود على رسول الله ﷺ فقالوا: السام عليكم, قالت عائشة ففهمتها فقلت: وعليكم السام واللعنة قالت: فقال رسول الله ﷺ : "مهلا يا عائشة إن الله يحب الرفق في الأمر كله فقلت يا رسول الله ألم تسمع ما قالوا؟ قال رسول الله ﷺ قد قلت: وعليكم.."
стр. 1943
وفي الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت:"ماخير رسول الله ﷺ بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما فإن كان إثما كان أبعد الناس منه وما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله بها"، وروى البخاري ومسلم في صحيحهما عن أنس ﵁ قال:"كنت أمشي مع رسول الله ﷺ وعليه برد نجراني غليظ الحاشية فأدركه أعرابي فجبذ بردائه جبذة شديدة, قال أنس: فنظرت إلى صفحة عاتق النبي ﷺ وقد أثرت بها حاشية الرداء من شدة جبذته ثم قال: يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك فالتفت إليه فضحك ثم أمر له بعطاء."
–البقية في العدد القادم -
стр. 1944
في ظلال سورة الأنفال
بقلم الشيخ: أبي بكر جابر الجزائري
المدرس في كلية الشريعة بالجامعة
وقال الله :
﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ. ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ. ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ﴾ .
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ
وبعد:
أخانا القارئ الكريم، هذه ثلاث آيات أخرى من سورة الأنفال ندعوك لتتفيأ ظلالها الوارفة الندية معنا. فدونك أيها الأخ خطاب الله العلي العظيم فاستمع إليه وهو يوجه إلى الرسول ﷺ في جلال وجمال: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ .
وترجمة هذا الخطاب الذي استمعت إليه وتفسيره الذي يقربه من ذهنك وفهمك هو: أذكر أيها الرسول لأولئك الذين تنازعوا في الأنفال ـ غنائم بدر ـ وساءهم أن تكون لهم وحدهم دون سواهم، أذكر لهم مذكرا إياهم بأن النصر الذي كانت الأنفال به، ووجدت بسببه ليس هو من صنع أيديهم ولا هم الذين أوجدوه حتى يكونوا أحق بالغنائم وأولى بالأنفال إنما صنع النصر وأوجده من أوحى إلى ملائكته: ﴿أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وامتثلت الملائكة أمره فألمت بقلوبكم ـ أيها المؤمنون ـ ونفخت فيها روح الشجاعة والثبات والاستبسال، ولا مستها فألهمتكم الصبر وبشرتكم بالنصر، فبذلك ثبتم وانتصرتم.
стр. 1945
أذكر لهم أيها الرسول أن صانع النصر وموجده من وصل بحفنة التراب التي ألقاها عبده ورسوله محمد ﷺ في وجه أعدائه فوصل بها إلى كل وجه وأدخلها في كل عين فمرج أمر المشركين المقاتلين، وتقطع سلك نظامهم فتهيئوا للهزيمة واستهدفوا للانكسار ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ .
أذكر لهم وذكرهم أن النصر الذي كان لهم على عدوا الله وعدوهم لم يكن من عند غير الله الذي ألقى بالرعب في قلوب مقاتليكم فخارت لذلك قواهم، وفقدوا في الانتصار عليكم كل أملهم ومناهم، أمكنكم منهم وسلطكم عليهم فقطعتم دابرهم وحطمتم أولهم وآخرهم، وكنتم كما قيل لكم: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ .
وشيء آخر ضمن هذا التذكير عليهم أن يفهموه ويفقهوه وهو أن ما أصاب الله به أعداءهم من الهزيمة والانكسار لم يكن إلا نتيجة مشاقة هذا العدو لله ولرسول الله ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ .
وها أنتم أيها المنتصرون كدتم تنزلقون باختلافكم وتنازعكم من أجل الغنيمة والمادة المرذولة، فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين. احذروا الوقوع في المشاقة فإن سنة الله فيمن شاق الله ورسوله واحدة لا تتبدل وهي الحرمان والخذلان. واعلموا أن ما قيل لأعدائكم يوم مضت سنة الله فيهم بالهزيمة النكراء والعقاب الصارم الأليم ﴿ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ﴾ سيقال لكل من سلك سبيلهم في مشاقة الله ورسوله، وتمضي فيه سنة الله بالعذاب والعقاب لأن سنة الله واحدة لا تختلف ولا تتخلف والجزاء أثر طبيعي للأعمال.
стр. 1946
والآن وأنا أحسبك أخي القارئ قد فهمت مدلول هذه الآيات وأدركت مغزاها، وعرفت صلتها بالآيات السابقة لها أريد قبل أن أنتقل معك إلى جانب آخر من البحث أمر بك مرة أخرى في ظلال هذه الآيات مستعرضين معانيها، واقفين على بعض الجوانب من أسرارها وهدايتها، قوله تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيات.
المعنى: أذكر أيها الرسول للذين شق عليهم أن لا يستأثروا بالغنيمة الوقت الضيق الحرج الذي واجهوا فيه قوة قريش الحربية تلك القوة التي لا قبل لهم بها ولا قدرة لهم عليها بحيث لو وكلوا فيها ٍٍِإلى أنفسهم لم يكونوا ليخرجوا منها سالمين فضلا عن أن يخرجوا منها ظافرين منتصرين، حيث أوحى الله إلى الملائكة أن ثبتوا الذين آمنوا ثبتوا قلوبهم حتى لا تفزع من الهول، ولاتنخلع من الرعب والخوف، ثبتوا الأقدام حتى لا تزول ولا تتزلزل، وباشرت الملائكة مهمتها على الفور فألمت بالقلوب تلهمها الصبر وتبشرها بالنصر.
وسرعان، بعد أن ألقى الله الرعب في قلوب الكافرين ما انقلبت المعركة إلى صالح المؤمنين فدارت رحى الحرب تطحن أعداء الله طحنا، ولم تلبث حتى تكشفت عن هزيمة كبرى أصيب بها المشركون، وعن نصر حاسم فاز به الموحدون.
ولكل من النصر والهزيمة علة ظاهر وسر غير خاف، فعلة النصر الإيمان بالله ورسوله، وسره طاعة الله ورسوله، وعلة الهزيمة الكفر بالله ورسوله, وسرها المشاقة لله ولرسوله ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ .
ووراء ذلك حكمة عظيمة: التعليم بأن النصر في المعارك وفي كل زمان ومكان لا يتوقف الحصول عليه ولا الفوز به على كثرة العدد، ولا على قوة العدد، وإنما يتوقف على الإيمان الصادق، وطاعة الله في شرعه وسننه والرسول في محبته وصدق متابعته.
كما هي التنبيه إلى عوقب الكفر الوخيمة، ونتائج المشاقة لله ورسوله وما يترتب عليها من الخزي والهزائم والخذلان:
стр. 1947
﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ، ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ﴾ .
هداية الآيات:
من هداية هذه الآيات الثلاث ما يلي:
١ـ تقوية إيمان المؤمنين بصدق وعد الله تعالى بالدفاع عنهم في قوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وبنصرتهم في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ .
٢ـ الإعلام بأن نصر الله وتأييده يمنحهما المؤمنون به القائمون على حدوده الملتزمون للسير على منهاجه، والعاملون بسننه في خلقه.
٣ـ بيان أسباب الهزائم وعوامل الخذلان في حروب الناس، وأنها المشاقة لله ورسوله بمعاداتهما ومخالفة أمرهما ونهيهما، والبعد عن طاعتهما.
٤ـ بيان أن شقاء هذه الأمة في الدنيا وحيرتها وسوء حالها فيها مرده إلى خروجها عن الإسلام وتركها لشرائعه وأحكامه ووإهمالها لآدابه وأخلاقه.
٥ـ بيان أن عذاب الآخرة منوط بالكفر المانع للمرء من تطهير نفسه وتزكينها بالإيمان الصحيح والعمل الصلح مع البعد بها عما يدنسها من الشرك والمعاصي.
لفت نظر إلى خلاف لا يضر:
اختلف في مباشرة الملائكة يوم بدر للقتال فمن قائل إن الملائكة قد باشرت القتال بالفعل، وقتلت العديد من المشركين، واليهم كان الأمر في قوله تعالى: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ﴾ الآية.ومن قائل إن الملائكة لم تباشر القتال، والأمر الأول فاضربوا فوق الأعناق كان للمؤمنين، وإنما مهمة الملائكة كانت الإلمام بالقلوب، وملامسة الأرواح للإلهام والتقوية والتبشير.
هذا هو القدر المختلف فيه بين أهل العلم. أما نزول الملائكة وكونهم ألفا، ومخالطتهم للصفوف المقاتلين، وتأثيرهم في المعركة حتى أصبحت في صالح المؤمنين فهذا محط إجماع المسلمين وذلك لدلالة النصوص القرآنية وصحة الأخبار النبوية عليه.
стр. 1948
مع العلم أن الملائكة إن باشرت القتال فإنها لم تكن على هيأتها الأصلية التي خلقها الله تعالى عليها حتى يقال: ما هناك حاجة إلى ألف من الملائكة أن الملك الواحد يكفي لا هلاك كل المشركين، كما فعل بقرى لوط وجعل عاليها سافلها وإنما باشرتها وهي في صورة بشر عليها حتى عمائم البشر كما ورد في الأثر، وحينئذ فلا محل للتعجب ولا للاستغراب فضلا عن النفي والإنكار.
مباحث الألفاظ:
١ـ ((إذ)) ظرف يفسر بوقت وهو متعلق بفعل: أذكر.
٢ـ الوحي: الإعلام الخفي السريع وهو سبيل المعرفة إلى ما في عالم الغيب من أسماء الله وصفاته وشرائعه وأحكامه، ووعده ووعيده، ومحابه ومسا خطه، وما أعد لأوليائه وأعدائه.
٣ـ الملائكة: خلق من خلق الله خلقهم من نور، وطبعهم على طاعته, وكرمهم بعبادته, يسبحون الليل والنهار لا يفترون، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.
٤- الرعب: انزعاج النفس بتوقع المكروه.
٥ـ المشاقة كالمحادة والمخالفة لله والرسول وذلك بالكفر بهما ومعصيتهما ومعاداتهما.
стр. 1949
قبل فوات الأوان
للطالب عارف عبد الله الحسن
هل تفكرت أيها الإنسان؟
برهة قبل أن يفوت الأوان
إن دنياك ساعة سوف تفنى
وديار الأخرى هي الحيوان
ليس يبقى ثوب البقاء لباسا
أبدا إنه له............... إبان
فتيقن أن المنية.. تأتى
قبل أن ينتهي بك البنيان
واغتنم فرصة الحياة وإن طا
لت عليك الأيام والأزمان
أين من كان يحكم الروم يوما؟
أين كسرى وهل له إيوان؟
أين أجدادنا الأولى أنجبونا؟
عجبا بل وأين ذاك الزمان
فني الكل والمهيمن٠٠ باق
فاذكر الله انه المستعان
الجهل نسيت ذا أم لماذا؟
حذرا لا يغرك الشيطان
هو شر لأهله يا أصيحا
ب الحجا حيث حظه الحرمان
جنة الخلد للمطيعين فيها
كل ما يشتهي وحور حسان
جد في نيلها فان سواها
في زوال نعيمه خسران
ودع الكبر واتق الله ربا
يكرم المرء عنده أويهان
يوم لا تنفع البنون ولا الما
ل سوى ما يرضى به الرحمن
ذاك يوم ما أعظم الهول فيه
فانتبه سوف يوضع الميزان
فترى الناس أجمعين حيارى
كل فرد كأنه سكران
من سعيد يرجو عظيم ثواب
وشقي أذله الطغيان
يوم هم بارزون قال الهي
لمن الملك حيث لا سلطان؟
فإلى من مآبنا وإلى من؟
هل تفكرت أيها الإنسان؟
стр. 1950
كلمة وفد الجامعة الإسلامية في مؤتمر جمعية الجامعات الإسلامية
المنعقد في مدينة تونس
ألقاها فضيلة الأمين العام للجامعة الإسلامية الشيخ محمد بن ناصر العبودي
عقد بمدينة تونس في ٢٥يناير عام ١٩٧١م الموافق ٢٧ القعدة عام ١٣٩٠هـ مؤتمر جمعية الجامعات الإسلامية. وقد حضر المؤتمر وفود يمثلون بعض الجامعات الإسلامية.هذا وقد مثل الجامعة الإسلامية في المدينة في هذا المؤتمر:
١:فضيلة الشيخ محمد بن ناصر العبودي الأمين العام للجامعةـ رئيسا للوفد.
٢ـ فضيلة الشيخ محمد بن صالح المرشد عميد كلية الشريعةـ عضوا.
٣ـ فضيلة الشيخ عبد العزيز محمد القويقلى عميد كلية الدعوة وأصول الدين ـ عضوا.
وقد ألقى فضيلة رئيس الوفد كلمة جامعة المدينة المنورة ونصها:
سماحة الرئيس، أصحاب الفضيلة الأعضاء:
إن الحمد لله، وصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وبعد، نحييكم بتحية الإسلام، تحية من عند الله مباركة طيبة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
إنها تحية الإسلام من منبع الإسلام، ومهبط الوحي، ومهوى القلوب المسلمين، من المدينة المنورة مهاجر رسول الله موطن المهاجرين، والأنصار.
أيها الإخوة الكرام من الأساتذة والمشايخ:
انه ليسرنا أن نحضر اجتماعكم هذا الم بارك أصالة عن أنفسنا، ونيابة عن سماحة رئيس الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة ,وعن جميع الأساتذة, والمدرسين في الجامعة، وعن طلابها الذين جاءوا إليها من سائر أقطار العالم.
وان الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة إذ تشارك في هذا الاجتماع للمرة الأولى لترجو أن يستمر الاتصال، والاجتماع بأعضاء جمعيتكم الموقرة، وأن يكون منه كما هو مأمول الفائدة المرجوة لنا جميعا التي هي في صالح الإسلام والمسلمين.
أيها الإخوة:
стр. 1951
إن الجامعة الإسلامية بالمدينة قد أسست عام ١٣٧١هـ الموافق لعام١٩٦١ م أي لم تستكمل السنوات العشر بعد وان الغرض من إنشائها كان توفير التعليم الإسلامي الصحيح لأبناء المسلمين من كل بقاع العالم، وهي منذ أن أنشئت وجلالة الملك المعظم خادم الحرمين الشريفين جلالة الملك فيصل بن عبد العزيزـ حفظه الله ـ لا يبخل بجهد يبذل، ولا بمال ينفق في سبيل تدعيمها، وتمكينها من القيام بمهمتها على خير وجه، حتى أصبحت الآن تظم طلابا ينتمون إلى ٧٤الدولة، وما زالت تستقبل الطلاب الوافدين، وقد جرت عادة الجامعة على أن لا تزيد نسبة الطلاب السعوديين فيها ٢٠% وان تكون بقية المقاعد مخصصة كلها لأبناء المسلمين من خارج المملكة توزع بينهم حسب الحاجة، وتقوم الجامعة باستقدام الطلاب على نفقتها، ثم إسكانهم ودفع نفقات معيشتهم حتى ينهوا دراستهم، وهي تشعر أن هذا جزء من واجب هذه البلاد المقدسة نحو المسلمين.
أيها الإخوة:
стр. 1952
إن الواجب الملقى على عواتقنا جميعا واجب عظيم، ألا وهو واجب التبليغ، والتبيين، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ ، وقال النبي ﷺ : "بلغوا عني ولو آية"، الحديث، وتوعد من لم يقم بهذا الواجب، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ ، وفي هذه المرحلة بالذات التي تتداعى فيها الأمم الأجنبية على الأمة الإسلامية بأجزائها، وجماعاتها، وعقائدها الغريبة عن الإسلام، كل حزب، وطائفة فرحة بما لديها، داعية إليه تحاول أن تجتذب ناشئة المسلمين إلي جانبها فتبعدها عن دينها، وتعزلها عن ثقافتها الإسلامية الصحيحة.هذه المرحلة التي نرى فيها أصحاب الأديان المخالفة يبذلون الجهود العظيمة، والأموال الطائلة، ويجندون الرجال ذوى الخبرات الطويلة في نشر دينهم، وتثبيت مبادئهم.
لاشك أننا نحن المشتغلين بالعلوم الإسلامية، وأصحاب التوجيه الديني أولى من غيرنا بذلك، وأحرى أن نقوم لله، وندعو الخلق إلى الدين الإسلامي الحنيف لأنه هو دين القوة، والعزة.
أيها الإخوة:
إننا نعتقد أن الدين الإسلامي بصفائه، ونقائه، وسماحته هو الدين الصالح الملائم لكل عصر، ومصر، وأن من واجب العلماء، والدعاة أن يعرضوه للناس بهذه الطريقة، وعلى طبيعته الصافية النقية الخالية من شوائب الشرك والبدع مما أحدثه الجاهلون، وابتدعه المبتدعون مما يخالف حقيقته، ويتباين مع قواعده.
стр. 1953
إننا يجب علينا أن نرجع إلى مصادر الإسلام الأولى، إلى كتاب الله تعالى نتدبر آياته، ونتفقه في أحكامه، ونستنبط الحلول لمشكلاتنا المعاصرة من نصوصه.
ويجب علينا الرجوع إلى سنة رسول الله ﷺ نهتدي بهداها، ونطبق ما صح عنه ﵊ من الحديث مستعينين في ذلك كله بما خلفه علماء الأمة من التراث الإسلامي الصالح، ثم نعرض هذا الإسلام النقي من هذين المصدرين الأساسيين على الناس جميعا مسلمهم وكافرهم، لأن فيهما بيان كل ما تحتاج إليه الأمة قال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ ، وقال النبي ﷺ : "ما بعث الله من نبي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شرما يعلمه لهم" أخرجه مسلم في صحيحه، أما المسلم فلتبصيره وإرشاده حتى يصلح أمره، وتستقيم حاله، وأما غير المسلم فلهدايته إلى سبيل الرشاد، وإخراجه من الظلمات إلى النور.
ولاشك في أننا سنكون الناجحين في الحالتين كلتيهما إذا أخلصن وصدقنا، ويكون الإسلام هو الرابح المتنصر المنتشر إن شاء الله.
إننا نعلم جميعا أن كثيرا من الناس قد ملوا مادية المدنية الحديثة، وطغيان الجسد على الروح فيها وهم يبحثون الآن عن دين جديد، ومبادئ غير مبادئ تلك المدنية، ترتاح له القلوب، وتطمئن له الضمائر، وإنهم سوف يجدون في الإسلام النقي الخالص ما يشبع جوعهم، ويروي ظمأهم، ولكن العقبة الكأداء وهي البلية العظمى أن كثيرا من المسلمين أو المنتسبين إلى الإسلام لا يعرفون من الإسلام إلا اسمه، ولا من القرآن إلا رسمه، وهم بواقعهم، وبأقوالهم، وأفعالهم أعظم منفر لغير المسلمين عن الإسلام، وأعظم سبب يصد من يريدون الدخول إلى الإسلام عن الدخول فيه.
стр. 1954
لذلك فان واجبنا -كما قلت ـ سيكون واجب المحارب في جبهتين: الجبهة الداخلية نحارب فيها ما طرأ على أفكار المسلمين من انحراف، وما علق بأعمالهم من شوائب تخالف الإسلام، ونحارب في الجبهة الخارجية نحارب التيارات المعادية للإسلام من تيارات إلحادية مادية، ومبادئ مخالفة مخاصمة.
أيها الزملاء الكرام:
إننا في هذه اللحظات السعيدة الني نجتمع فيها على صعيد الإخوة الإسلامية وفي الطريق إلى العمل الإسلامي المشترك يجب علينا أن نذكر إخوانا لنا من المسلمين يقيمون في بلاد يمسك بمقاليد الأمور فيها أناس ليسوا من المسلمين أو أناس معادون للإسلام فيضيقون عليهم الخناق، ويكتمون منهم الأنفاس محاولين أن يطفئوا جذوة الإسلام في نفوسهم، ويخنقوا روحه من قلوبهم، وإذا لم يستطيعوا ذلك ركزوا على ناشئة المسلمين ليحولوا بينهم، وبين دينهم يبعدونهم عنه، ويمنعون دخوله إلى قلوبهم.
إن واجبنا أن نولي أولئك الإخوان من المسلمين العناية كل العناية، وأن نهتم بشأنهم، وأن نبذل جهودنا للمحافظة على مكانة الإسلام في نفوسهم، كل المحافظة.
إن بعض أولئك الذين يمكن أن يسموا بالأقليات الإسلامية يعيشون في ظروف دينية صعبة حتى يعز على بعضهم أن يجد من يحسن قراءة الفاتحة ليؤم قومه للصلاة، وبعضهم لا يجد من يستطيع أن يجهز الميت من المسلمين، كما يجهز غيره في بلاد المسلمين.
وهؤلاء الإخوة متفرقون في بلاد كثيرة، وموجودون في قارات متعددة، ولا يمكن لأي جامعة إسلامية أو أي جهة تعمل في التعليم الإسلام أن تقوم بأمر كله القيام الواجب جميعه منفردة لأن الأمر أكبر من ذلك، إذا لامناص من تعاون الجامعات، والمعاهد الإسلامية، وأن تعمل مجتمعة في هذا السبيل، وإننا نرى أن تتخذ الخطة اللازمة لهذا الغرض في اجتماعكم هذا ـ إذا رأيتم ذلك ـ.
стр. 1955
وكلمة أخيرة في هذه الكلمة القصيرة، وهي أن وفد الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة سوف يبذل جهده في كل عمل ترونه مثمراً سواء منه ما كان داخلا في جدول الأعمال المكتوب، وما كان خارجا عنه.
نسأل الله أن يجعل اجتماعنا هذا اجتماعا مباركا، وأن يكلل جهود الجميع بالتوفيق، والنجاح، وأن يصلح أحوال المسلين جميعا، ويولي عليهم خيارهم، وأن ينصر دينه، ويعلي كلمته انه سميع قريب، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.
стр. 1956
لمحة عن مرض التدرن الرئوي (السل)
بقلم الدكتور محمد محسن خان مدير مستوصف الجامعة
يعتبر مرض التدرن الرئوي من المشاكل التي تعانيها كثير من البلدان ومن أهم الأسباب التي يعزى إليها انتشار هذا المرض بين أهالي أي بلد هي كالآتي:
١ـ انتشار الجهل وقلة التعليم.
٢ـ الاعتقاد السائد بأن هذا المرض لا يمكن الفرارمنه.
٣ ـ عدم توفر الوعي الصحي والجهل بالمستويات الصحية.
٤ـ عدم توفر عوامل نشر التثقيف الصحي بين المواطنين.
٥ـ نزح كثير من أهل البادية الذين لا تتوفر لديهم المناعة ضد المرض إلى المدن حيث تتوفر الكثير من عوامل انتشار المرض.
٦ـ قلة تناول الأغذية الطازجة.
٧ـ طريقة تناول الغذاء والشراب التي تتنافى ومبادئ الصحة العامة والسائدة بين بعض المواطنين.
٨ـ تعدد مرات الحمل والولادة بين النساء مع عدم توفر الغداء والراحة الضرورية لهن.
كل هذه العوامل مضاف إليها مشكلة التجمهر والاختلاط القريب بين السليم منهم والمصاب بمرض السل لمدة طويلة تحت ظروف صحية عامة وغذائية سيئة للغاية، كل هذه العوامل أسباب قوية تؤدي إلى كثرة انتشار المرض.
هذا علاوة على أن هناك بعض عوامل تؤدي في كثير من الأحيان إلى استمرار وجود المرض وتساعد على انتشاره وهروب كثير من الحالات من التشخيص. وهذه العوامل مثل:
١ـ عدم توفر التعاون الصادق من قبل المرضى تجاه العلاج.
٢ـ النقص في إمكانيات تشخيص المرض في مراحله الأولى وهذا يكون بتأخر المريض في استشارة الطبيب وبالعجز السائد في عدد أخصائي الأمراض الصدرية أو ذوي الخبرات من الأطباء العموميون في مرض السل.
ومن المشاهد أن معظم حالات مرض السل في المملكة العربية السعودية تكون بين متوسطي العمر من المواطنين ودائما ما تكون عبارة عن تدرن رئوي متكهف مزدوج يتجاوب تجاوبا مرضيا مع علاجات مرض السل المعروفة.
ومن مشاهداتي الخاصة خلال مدة ثمان عشرة سنة بالمملكة أنه:
стр. 1957
أولاـ عدد المرضى من النساء أكثر بقليل من عدد المرضى من الرجال.
ثانيا ـ انخفاض نسبة حالات السل المنتشر.
وسل الجهاز البولي التناسلي يقل في الوقت الذي تزيد نسبة حالات سل العظام والغدد زيادة ملموسة.
... وعلاجات السل المعروفة هي:
الخط العلاجي الأول:
أمبول استربتوميسين١/جرام يوميا (من ٦٠ألى٩٠ حقنة) .
أقراص ويميفون (أيزونيكوتينيك أسيد هيدرازيد) ٣٠٠ مجم يوميا.
أقراص باس من ١٢إلى١٥جم (جرام) يوميا.
الخط العلاجي الثاني: للحالات التي يستعصي فيها ميكروب السل على علاج الخط الأول:
أمبول فيومايسين٢/١إلى١جم يوميا.
أقراص ايثنامايد٢/١إلى١جم يوميا.
أقراص بايرازيناميد٢/١إلى٢جم يوميا.
أقراص ثيوسميكابازون ١٥٠مجم يوميا.
أقراص سيكلوسيرين ٢٥٠مجمإلى٧٥٠مجم يوميا.
وبديهي أن هذه الأدوية ينبغي أن توصف من قبل الطبيب وتعطى تحت إشرافه.
وقد يظن البعض أن إنشاء وحدة أو أكثر من مصحات الدرن الكبيرة قد يكون فيه حلا للمشكلة.ولكني أرى أن العمل لن يكون إلا إذا اتخذت إجراءات من شأنها القضاء على انتشار العدوى الذي يتزايد يوما بعد يوم ولن يتحقق هذا إلا بتوفر الآتي:
١-تشخيص وعلاج المرض في مراحله الأولى.
٢ـ الكشف على المخالطين للحالات التي يثبت إصابتها بالمرض.
٣-التثقيف الصحي العام.
٤-العمل على رفع المقاومة ضد المرض في أجسام من هم أكثر تعرضا لخطر العدوى وذلك بتعميم التطعيم بلقاح الـ بي. سى. جى (B C G) يرفع مستواهم الاقتصادي الاجتماعي والعمل على رفاهيتهم بفتح مراكز الرعاية والشؤون الاجتماعية تحت إشراف عيادات الأمراض الصدرية.
стр. 1958
٥-إنشاء عيادات الأمراض الصدرية في جميع أنحاء البلاد على أن تكون هذه العيادات مزودة بالمختبرات التي تتوفر لديها جميع الإمكانيات لعمل الفحوص المخبرية الحديثة مثل طرق الفحص المباشر التقدمية ومزارع مكروب السل المؤكدة النتائج وكذلك إمكانيات عمل اختبارات التيبوبركلين والتحصين بلقاء الـ بى. سى. جي. (b c g) كما تزود هذه العيادات بوحدات الأشعة الصغيرة الجماعية.
٦-اجراء اختبار التيوبركلين الجماعي والتطعيم بلقاح الـ بى. سى. جى. على جميع الأطفال.
ويمكن تلخيص القواعد الأساسية لمقاومة السل والقضاء عليه في النقاط الآتية:
١ـ منع انتشار العدوى.
٢ـ التشخيص المبكر للمرض في مراحله الأولى.
٣ـ العلاج المناسب والكامل.
٤ـ التخلص من العوامل الاقتصادية والاجتماعية السيئة.
стр. 1959
ما وقع في القرآن بغير لغة العرب
بقلم الدكتور محمد تقي الدين الهلالي
المدرس بكلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة
اعلم أن علماء اللغة اتفقوا على أن كل لغة عظيمة تنسب إلى أمة عظيمة لابد أن توجد في مفرداتها كلمات وردت عليها من أمة أخرى، لأن الأمة العظيمة لا بد أن تخالط غيرها من الأمم، وتتبادل معها المنافع من أغذية، وأدوية ومصنوعات، وتعلم وتعليم، فلا بد حينئذ من تداخل اللغات، ولا يمكن أن تستقل وتستغني عن جميع الأمم، فلا تستورد منها شيئا ولا تورد عليها شيئا، والقرآن نفسه يثبت هذا، قال تعالى في سورة إبراهيم ٣٧ ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ . ذكر إبراهيم في دعائه انه أسكن ذريته يعنى إسماعيل وآله بواد غير ذي زرع وهو وادي مكة وإذا لم يكن فيه زرع لم تكن فيه ثمرات، وذكر في أثناء دعائه ومناجاته لربه، أنه أسكن ذريته بذلك الوادي المقفر ليقيموا الصلاة أي يؤدوها قائمة كاملة عند بيت الله، ويعبدوه, فسأل الله أن يجعل قلوب الناس تهوي إلى ذريته، أي تسرع إليهم شوقا ومحبة، وتمدهم بما يحتاجون إليه وأن يرزقهم من الثمرات التي تجلب إليهم من الآفاق والأقطار المختلفة ليشكروا الله على ذلك فيزيدهم، وقد استجاب الله دعوته فصارت أنواع الحبوب والثمرات والتوابل والأدوات والثياب والتحف، والطرائف تجلب إلى مكة من جميع أنحاء المعمور.
стр. 1960
وهذه الأمور التي تجلب إليها كثير منها وضعت أسماؤها في البلدان التي تصدر منه، فإذا جاءت إلى أهل مكة يسمونها بالاسم الذي جاءت به فتندمج في لغتهم وتصير جزءاً منها, والأصل في اللغات أن الأشياء العامة توجد لها أسماء في كل لغة، أما الأشياء الخاصة التي خص الله بها قطرا بعينه فإن الاسم الذي سماها به أهل ذلك القطر الذي خلقت فيه يبقى في الغالب ملازما ولنضرب لذلك مثلا، الجوز الهندي والنخيل الذي يثمره وهو ((نارجيل)) ويسمى بالهندية ((ناريل)) فهو يجلب إلى غير الهند، دون أن يبدل اسمه، وثمر ((الأمبة)) وهو أحسن الفواكه في الهند وقد يكون أحسن الفواكه مطلقا، يوجد دائما في مكة شرفها الله في أحقاق، إذا أكلته تظن أنك أكلته تحت شجرته وهذه الفاكهة موجودة في مصر وتسمى ((مانكة)) وتنقل إلى بلدان أخرى ويبقى اسمها ملازما لها.
وكذلك ثمر ((أناناس)) يجلب من أندونيسيا ويبقى اسمه ملازما له وقس على ذلك.
стр. 1961
وقد قال أحد علماء الفيلولوجيين أي علماء اللغات: إن لغة سكان أستراليا الأصليين لا تزيد مفرداتها على مائة لأنهم أبعد الناس على المدنية التي تستلزم مخالطة الأمم الأخرى وتبادل المنافع معها، فكلما عظمت اللغة دلت عظمتها وثروتها ووفرة ألفاظها على مخالفة أهلها لشعوب أخرى واقتباسها منهم فهي تعطي وتأخذ.. وقد أخبرنا القرآن أن قريشا كانت لهم رحلتان رحلة في الشتاء إلى جنوب الجزيرة العربية اليمن، ورحلة في الصيف إلى الشام وكانوا تجارا ينقلون البضائع من بلد إلى بلد، وكانت مكة شرفها الله تعالى مركزا عظيما للتجارة قبل الإسلام فكانت تنقل إليها البضائع من الشرق والغرب والجنوب والشمال فكيف يتصور أن لغة العرب تبقى مغلقة مختوما عليها لا تخرج منها كلمة ولا تدخلها كلمة. والأئمة الذين أنكروا وجود كلمات غير عربية في القرآن تمسكوا بظاهر قوله تعالى في صورة يوسف: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ وقوله تعالى في سورة النحل١.٣: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ ، وما أشبه ذلك وهم على حق فيما قالوا ,فليس في القرآن كلمة أعجمية باقية على عجمتها البتة، فكل ما في القرآن من الكلمات كانت تنطق به العرب وتفهمه وهو جار على سنن كلامها لا خلاف في ذلك نعلمه، إنما الخلاف في المعرب هل هو موجود في القرآن أم لا؟
стр. 1962
قال السيوطي في الإتقان: " قد أفردت في هذا النوع كتابا سميته (المهذب فيما وقع في القرآن من المعرب) وأنا ألخص هنا فوائد فأقول: اختلف الأئمة في وقوع المعرب في القرآن فالأكثرون ومنهم الإمام الشافعي وابن جرير وأبو عبيدة والقاضي أبو بكر وابن فارس على عدم وقوعه فيه لقوله تعالى: ﴿قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾ , وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أَعْجَمِيّاً لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ وقد شدد الشافعي النكير على القائل بذلك.
وقال أبو عبيدة: "إنما أنزل القرآن بلسان عربي مبين فمن زعم أن فيه غير العربية فقد أعظم القول ومن زعم أن ﴿لدا﴾ بالنبطية فقد أكبر القول"، وقال ابن فارس:"لو كان فيه من لغة غير العرب شيء لتوهم متوهم أن العرب إنما عجزت عن الإتيان بمثله لأنه أتى بلغات لا يعرفونها".اهـ.
стр. 1963
قال محمد تقي الدين: "إنما يمكن أن يقال ذلك إذا كان في القرآن تراكيب أعجمية، أو كلمات باقية على عجمتها، أما وجود كلمات قد صقلتها العرب بألسنتها ونحت بها مناحي كلماتها ودخلت في أوزانها فلا يمكن أحدا أن يدعي ذلك فيها، وقد رد القرآن نفسه على من زعم ذلك من أعداء الإسلام الأولين، فقال تعالى: في سورة النحل ١٠٣: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ وتحداهم أن يأتوا بسورة مثله بأشد أساليب التحدي، فقال تعالى في سورة البقرة ٢٣ـ ٣٤: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ وقال تعالى في سورة الإسراء ٨٨: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ فأي عدو يسمع مثل هذا التحدي لا يبذل قصارى جهده في معارضة عدوه وإبطال تحديه ولو أن إحدى الدولتين لمتعارضتين اليوم وهما الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي صنعت إحداهما سفينة فضائية مثلا وقالت للأخرى: انك لن تستطيعي أن تصنعي مثلها لغضبت الدولة المتحداة ولم يقر لها قرار، حتى تصنع سفينة مماثلة أو فائقة لما صنعته الدولة المتحدية.
стр. 1964
وها نحن اليوم نرى الصين الشيوعية لما رأت عدوتها الولايات المتحدة متفوقة في صنع القنابل الذرية والهيدروجينية فقدت عقلها حنقا وغيظا وهي جادة في صنع هاتين القنبلتين، وزادها غيظا أن أختها في الشيوعية دولة الاتحاد السوفياتي ضنت عليها بالمساعدة على التوصل إلى هذا الغرض مع أن الولايات المتحدة لم تتحد الصين إلا بلسان الحال، بل هذه فرنسا قلبت ظهر المجن لحليفتها الولايات المتحدة وبريطانيا لأنهما لم يشركاها فيما وصلتا إليه من صنع القنبلتين المذكورتين إلا بقدر ضئيل لا يشبع نهمتها. ولم يقل أحد من العرب المعادين للإسلام إن الذي منعهم من معارضة القرآن هو وجود كلمات فيه غير عربية بل سلموا أنه كله عربي.
أما كتاب السيوطي الذي سماه (المهذب فيما وقع في القرآن من المعرب) فلا نعلم أنه موجود في هذا الزمان، لكن الملخص الذي نقله منه مؤلفه في كتاب الإتقان لا يدل على أن المؤلف - مع غزارة علمه - كان أهلا أن يؤلف في هذا الباب لأنه فيما يظهر لم يكن يعرف إلا اللغة العربية والمؤلف في هذا الموضوع يحتاج إلى إلمام باللغات التي قيل أن بعض مفرداتها قد عرب ودخل في القرآن، فإن لم يعلم بها كلها فلا أقل من الإلمام ببعضها، وأكثر علماء العرب مقصرون في علم اللغات, والذين يعرفون شيئاً من اللغات الأخرى منهم قليل. وقد كان عمر ﵁ يعرف اللغة العبرانية ويقرأ التوراة ويفهمها.
وقال الترمذي في جامعه (باب تعليم السريانية) ثم روى بسنده إلى زيد بن ثابت قال:"أمرني رسول الله ﷺ أن أتعلم كلمات من كتاب يهود وقال إني والله ما آمن يهود على كتابي، قال فما مر بي نصف شهر حتى تعلمته له، قال فلما تعلمته كان إذا كتب إلى يهود كتبت إليهم وإذا كتبوا إليه قرأت له كتابهم". هذا حديث حسن صحيح.
стр. 1965
قال العالم الرباني أستاذي عبد الرحمن بن عبد الرحيم المبار كفوري الهندي ﵀ رحمة واسعة في شرح هذا الحديث من كتابه (تحفة الأحوذي في شرح جامع الترمذي ج ٣ ص٣٩٢) ما نصه: "قال القاري: قيل فيه دليل على جواز تعلم ما هو حرام في شرعنا للتوقي والحذر عن الوقوع في الشر كذا، ذكره الطيبي في ذيل كلام مظهري وهو غير ظاهر إذ لا يعرف في الشرع تحريم تعلم من اللغات سريانية أو عبرانية هندية أو تركية أو فارسية وقد قال تعالى سورة الروم الآية ٢٢: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ﴾ أي لغاتكم بل هو من جملة المباحات. اهـ.
وهذا الحديث رواه أيضا أحمد وأبو داود والبخاري في تاريخه وذكره في صحيحه تعليقا، ومعنى الحديث أن النبي ﷺ أمر الصحابي الجليل كاتب الوحي زيد بن ثابت أن يتعلم كتابة اليهود وفي رواية "أمره أن يتعلم السريانية"وعلل ذلك بأنه ﵊ لا يأمن اليهود أن يقرءوا له كتابا يأتيه منهم لئلا يزيدوا فيه وينقصوا أو يبدلوا ويغيروا، فتعلم زيد ما أمره به النبي ﷺ في نصف شهر.وقد يشكل فهم هذا من وجهين:
الأول: أن المعهود من اليهود أن يتكلموا ويكتبوا بالعبرانية لا بالسريانية.
следующие страницы →