← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

أما طريق النور، طريق الخير والحق والفضيلة والسعادة فإنه طريق المثل العليا في الأخلاق والمثل العليا في القدوة الحسنة فإنها ترسم أمام الشباب صورة عظيمة من المجد العلمي والمجد الخلقي ترسم أمام الشباب الكمالات في كل صورها في وضوح واشراق ونور فيسير الشباب نحو المجد وقد ترسم أمامه الطريق واضحا، محفوفا بالأمل الحلو الباسم مزينا بالورود والرياحين والزهور ورود الحياة الكريمة وزهور السمو والنبل بالمثل العليا من مكارم الأخلاق وتاريخ الأبطال من الرجال الذين تمثلت فيهم صور العظمة الحقة يسير الشباب نحو المستقبل الزاهر الناجح المستقبل المثمر المشرف ومن الحكمة أن نردد أمام الشباب هذه الحكمة الغالية: إذا أردت أن تكون عظيما فاقرأ في سير عظماء الرجال واعمل بحكمهم: وتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم إن التشبه بالرجال فلاح ومن هنا تسعد الأمة، فالشباب هو عماد الوطن وذخيرة المستقبل وحياة الشعوب. إن عنف التيارات المنحلة يدعونا إلى مضاعفة الحرص على تربية الشباب تربية مثالية ولا نجد هذه التربية المثالية إلا في ظلال المثل العليا فالشاب حينما يقرأ كثيرا في تاريخ علماء الإسلام بعد قراءته عن أصحاب رسول الله ﷺ وعلى سبيل المثال نذكر سيدنا عمر بن عبد العزيز والأئمة الأربعة الإمام أبا حنيفة والإمام مالكا والإمام الشافعي والإمام أحمد بن حنبل ﵃ ثم أهل الحديث وفي مقدمتهم الإمام البخاري والإمام مسلم ثم من أبطال الإسلام صلاح الدين الأيوبي. رجال لهم تاريخ في صفحات من نور مثلهم كمثل كواكب السماء يهتدي بهم في ظلمات الحياة سيرة عطرة شذية تملأ صدر الإنسان إيمان بالأخلاق العالية العظيمة. وإنما تربى كل هؤلاء الأبطال على هدي كتاب الله وهدي المصطفى ﷺ وما كان عليه السلف الصالح رضوان الله عليهم أجمعين.

стр. 2172

وإذا كان المصطفى ﷺ المثل الأعلى للأخلاق العظيمة إذا كان المصطفى صلوات الله وسلامه عليه الصورة العملية لأخلاق القرآن ينبغي أن نحرص ما حيينا على قراءة حديثه المبارك صلوات الله وسلامه عليه وكتب الحديث كروضة من رياض الجنة إنها رياض العلم والنور من توجيهات المبعوث رحمة للعالمين. ومن هذه الكتب التي ينتفع بها المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها كتاب رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين المصطفى ﷺ جمعه الإمام المحدث الحافظ الشيخ المبارك والعالم الجليل الفاضل الشيخ النووي ﵁ وأرضاه. وكتب في مقدمة رياض الصالحين خطبة للكتاب تعتبر منهجا كريما لمكارم الأخلاق يقول فيها بعد أن ذكر أن الله خلق الناس لعبادته وذكر بفناء الدنيا ونبه على وجوب الاستعداد للدار الآخرة وأن الطريق للهداية هو هدي رسول الله ﷺ , قال ﵀ ونفعنا بعلمه: "فرأيت أن أجمع مختصرا من الأحاديث الصحيحة مشتملا على ما يكون طريقا لصاحبه إلى الآخرة ومحصلا لآدابه الباطنة والظاهرة جامعا للترغيب والترهيب وسائر أنواع آداب السالكين من أحاديث الزهد ورياضات النفوس وتهذيب الأخلاق وطهارة القلوب وعلاجها وصيانة الجوارح وإزالة اعوجاجها وغير ذلك من مقاصد العارفين "وهذا الكتاب ينبغي أن يقرأه كل مسلم وأن يكون في كل بيت وأن يحرص أهل العلم على تعريف الناس به عملا بقول المصطفى ﷺ : "من دل على خير فله مثل أجر فاعله".

стр. 2173

على أن الشيخ النووي ﵁ وأرضاه كان مثالا طيبا للعلماء العارفين بجلال الله فقد عاش ﵀ للعلم ومن أجل العلم وأخذ عنه الكثير من العلماء الأعلام وترك ميراثا عظيما في العلم والتأليف ومن ذلك الكتب الآتية: شرح صحيح مسلم ورياض الصالحين والأذكار والأربعين والتبيان والمنهاج والروضة والفتاوى والإيضاح والإيجاز وتحرير ألفاظ التنبيه وطبقات الفقهاء وتهذيب الأسماء واللغات ومختصر أسد الغابة وكتب كثيرة موجودة في مقدمة كتاب رياض الصالحين، وعاش ﵀ ورعا زاهدا مع التقوى والقناعة والورع والمراقبة لله تعالى في السر والعلانية. وكان يواجه الملوك والأمراء بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويكتب إليهم الرسائل ناصحا بالعدل في الرعية ومنع الظلم ورد الحقوق إلى أربابها. قال أبو العباس بن فرج: "كان الشيخ النووي قد صارت إليه ثلاث مراتب كل مرتبة منها لو كانت لشخص شدت إليه الرحال: المرتبة الأولى: العلم والثانية: الزهد والثالثة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر". هذه لمحات عن كتاب رياض الصالحين وهو منبع صاف جميل المكارم والأخلاق التي تصور المثل العليا في أكمل صورها، ثم تعرضنا لقبس من سيرة هذا الإمام المبارك الشيخ النووي ﵁ وأرضاه رجاء أن ننتفع بسيرته ونقتدي به، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه.

стр. 2174

المسئولية في الإسلام (٢) بقلم الشيخ عبد الله قادري المدرس بالمعهد الثانوي بالجامعة .. ومما يجب التنبه عليه بهذه المناسبة أمران هامان: الأول: تباين مناهج التعليم في معظم الشعوب الإسلامية – وإن شئت فقل الاختلاف الشديد بينها – حيث تدرس في بعض هذه المؤسسات مواد دينية ولا تعطى العلوم الأخرى فيها حظا كالحساب والهندسة والجغرافية ومبادئ الطب وأشباهها، من العلوم التي يسمونها بالعلوم العصرية، وهي في الواقع علوم قديمة، وطلاب هذه المؤسسة في حاجة إلى تلك العلوم في الوقت الذي تدرس العلوم العصرية في مؤسسة أخرى، وليس للعلوم الدينية فيها نصيب فيظهر طلابها طلاب مادة لا قيمة للغذاء الروحي عندهم، وتدرس في مؤسسة ثالثة العلوم العسكرية دون سواها فيظهر طلابها بمظهر الوحوش الضارية ليس لهم هم سوى الفتك والبطش، وعندئذ يحصل التصادم بين هذه الفرق فتصير كل فرقة حزبا له مبادئ خاصة، يناضل عنها ويحاول تحطيم مبادئ الآخرين و ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ إذ ليس لهم غاية مشتركة ولا هدف موحد يجمع نشاطهم ويوحد سلوكهم. ولا أريد من هذا أن أدعو إلى إلغاء تخصص كل طائفة في علم خاص.

стр. 2175

الأمر الثاني: بعث طلاب من أبناء الشعوب الإسلامية إلى البلدان الأجنبية الكافرة، شرقية كانت أم غربية، وهم حدثاء الأسنان غير فاهمين دينهم فهما جيدا، ولم تتمكن العقيدة من قلوبهم تمكنا يؤمن معه ضلالهم، بل الكثير منهم لا يؤدي شعائر العبادة الظاهرة، وهو في بلاده بين آبائه وأجداده كالصلاة والصيام والحج، هؤلاء الأحداث - وللحداثة أهميتها في تلقي أي مبدأ - الجهال بدينهم - وللجهل أهميته كذلك في الانصياع السريع إلى أي فكر هدام، أقول هؤلاء الأحداث يرسلون إلى البلدان الأجنبية لأخذ حظ وافر من العلوم المفيدة لشعوبهم كالطب والهندسة وعلم طبقات الأرض والتدريبات الحربية والعسكرية والاقتصاد وغيرها إذ هي من الأمور المطلوبة لأن خلو الشعوب الإسلامية من هذه العلوم معناه الاستسلام للأعداء حيث يتقدمون في كل مجالات الحياة ونحن باقون على ضعفنا، وجهلنا بما يهمنا معرفته، وهذا أمر مذموم لا يقره الاسلام بل يأمر بالقوة والأخذ بأسباب العزة من علوم الدين والدنيا جميعا، وحسبنا أن أول آية نزلت على رسول الله بأكبر مفتاح للمعرفة والسعادة في الدارين وهي (القراءة) في قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ثم امتن بعد ذلك على الإنسان بأعظم وسيلة لحفظ ما يقرأ لجميع الأجيال ماضيها وحاضرها ومستقبلها، وهي (الكتابة) كما قال تعالى: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ, الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ كما أشار إلى نعمة تعليم الإنسان ما يجهل على وجه العموم فقال: ﴿عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ وفي ذلك ما فيه من حفظ هذا الإنسان في التطلع إلى المعرفة وعلم ما يجهل وأولى بذلك (المسلم) لأن كتابه أمره بذلك في شخص نبيه ﷺ في أول آية نزلت منه.

стр. 2176

ومن أعظم الآيات الدالة على ذلك - أي حث المسلم على القوة- آية الحديد التي ذكر الله فيها أنه أرسل رسله إلى الناس بالكتب والبينات، وأنزل بجانبها الحديد، الذي وصفه بوصفين عظيمين. وهل هناك دين من الأديان أشار هذه الإشارة الموجزة الجامعة كما أشارت إليه هذه الآية؟ ما أظن ذلك ومن عنده علم بالإيجاب فليتفضل علينا بعلمه. ومن الآيات الدالة على أنه يجب على المسلم أن يكون قويا قوة تقف في وجه عدوه وتخضعه حتى يخشى أن يمس الاسلام بسوء، قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ والآيات كثيرة جدا في هذا المعنى وفي ما ذكر كفاية. وكذلك الأحاديث النبوية الصحيحة تحث المؤمن على القوة وتكره منه الضعف والخنوع، كما قال ﷺ : "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير, أحرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا، ولكن قل قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان" رواه مسلم.

стр. 2177

فالمؤمنون وإن كانوا مشتركين في الخير بسبب الإيمان فإنهم يتفاضلون بالقوة، فمن كان أكثر قوة في إيمانه وفي الأسباب المؤدية إلى حماية الدين ونصره فهو خير وأحب إلى الله تعالى، فالطبيب المسلم الذي يؤدي شعائر دينه ويقوم بمداوة المسلمين من الأمراض العادية أو الجروح الناجمة عن المعارك الواقعة بينهم وبين أعدائهم أفضل من غيره في ذلك، والمسلم القوي في بدنه الذي يبذل نفسه للجهاد في سبيل الله خير من ضعيف البدن الذي لا يستطيع ذلك، وإن كتب الله له أجر نيته الحسنة، والمسلم الغني الذي يبذل ماله في مصالح المسلمين من بناء مساجد وتأسيس مدارس وإنشاء مستشفيات وتجهيز الغزاة في سبيل الله خير من الفقير الذي لا يستطيع ذلك، والتفاضل قد يكون نسبيا، كما ذكرت بأن يكون هذا أفضل من جهة وذلك أفضل من جهة أخرى كالطبيب غير المجاهد، والمجاهد غير الطبيب، وقد يكون مطلقا كالتفاضل بين مؤمنين، أحدهما ضعيف البدن ليس عنده مال يتصدق منه، بل هو في حاجة إلى الصدقة، ولا خبرة له بشيء من الأمور التي تعود على الإسلام بخير، وثانيهما قوي البدن يجالد الأعداء في الغزوات الإسلامية خبير بالطب يداوي جرحى المسلمين ومرضاهم، غني يتصدق ويجهز الغزاة في سبيل الله، وينفق في كثير من طرق البر والإحسان، فهذان المسلمان يشتركان في الإيمان ولكن أحدهما خير من الآخر لقيامه بكثير من مصالح المسلمين العامة. والسبب في ذلك القوة وقد حث النبي ﷺ المؤمنين على الرمي وأشار إلى أنه هو القوة، وقد ذم من رمى ونسي الرمي وأن معرفة الرمي نعمة من الله تعالى، ففي صحيح مسلم قال ﷺ : " ألا إن القوة الرمي, ألا إن القوة الرمي, ألا إن القوة الرمي", وفي صحيح البخاري: "ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميا" وفي صحيح مسلم أيضا: "ارموا واركبوا وإن ترموا أحب إلي من أن تركبوا، ومن تعلم الرمي ثم نسيه فليس منا" وفي رواية: "فهي نعمة جحدها".

стр. 2178

ومن حرص الاسلام على قوة المسلم ولا سيما في السلاح المتخذ ضد العدو جعل الرسول ﷺ صانع السلاح في سبيل الله ومن جهز به غازيا مثل الرامي به، فقال: "إن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة، صانعه يحتسب في صنعته الخير، والرامي به، والممد به"، رواه أهل السنن. كما حث الرسول ﷺ على علم الطب وبين قبل أربعة عشر قرنا أن لا يوجد مرض في الأرض إلا أوجد الله له دواء معينا علمه من علمه، وجهله من جهله، ولا تزال الاكتشافات الطبية تظهر معجزة الرسول ﷺ في هذا الموضوع، حيث يجمع كبار أطباء العالم اليوم أن مرضا ما لا دواء له، ثم يظهر غدا على يد بعضهم دواء يستأصل ذلك المرض. فسبحان خالق هذا الكون، وصلى الله على من أرسله رحمة للعالمين. ومن أوضح الأمثلة على أن الدين الإسلامي دين قوة وعمل، وأنه يحث المسلم أن يعمل عملا يعود نفعه إليه في حياته ويبقى يدر عليه الحسنات بعد مماته، قوله ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في صحيحه: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو ولد صالح يدعو له، أو علم ينتفع به" ومن تأمل هذه الأمور الثلاثة حق التأمل علم، علم اليقين أن ديننا ليس دين كسل، وخمول، ولكنه دين حركة ونشاط، وحيوية وعمل، فهو صلاة في المسجد وتعليم وتعلم في المدرسة، وجهاد ومجالدة في المعركة، وبيع وشراء في السوق، وصناعة في المصنع، بل إن النوم الذي يأخذ الإنسان به راحته يعتبر دينا عند خلص المؤمنين، كما قال بعض الصحابة: "والله إني لأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي", ولننظر الآن في كل من الأمور الثلاثة التي نص عليها الحديث الشريف:

стр. 2179

١ – "صدقة جارية" والمراد بها ما يوقفه الإنسان من الأموال لصرفها في بعض أوجه البر؛ كأن يبني مسجدا للصلاة أو مدرسة للتعليم النافع أو مستشفى لمعالجة المرضى أو بيتا يأوي إليه من لا مسكن له من المحتاجين كالطلاب والمهاجرين والفقراء، أو تمهيد طريق عام يسلكه الناس، أو حبس أرض تصرف غلتها في سبل نافعة كتجهيز الغزاة، وما أعظم شخصا رزقه الله مالا فجمع بين هذه الأمور وأشباهها، فإنه يتسبب في كثرة سبل الخير النافعة لإخوانه المسلمين، وفي الوقت نفسه يتسبب في كثرة الحسنات التي يضاعفها الله له. نعم الاسلام يحث المسلم أن يكون من عمله صدقة جارية وأحب الأعمال إلى الله أدومها، فكل ما كانت الصدقة أدوم وأكثر، كانت أحب إلى الله وأعظم أجرا، وهل يستطيع المسلم أن يخلف صدقة جارية بدون عمل منه وكدح في سبيل جمع المال؟ إن الفقير لا يستطيع ذلك، وإنما الغني هو الذي يستطيع، فالاسلام إذن يحث المسلمين أن يكونوا أغنياء، لينفقوا من أموالهم في السبل النافعة، والمؤمن الغني أقوى من المؤمن الفقير، والمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف. ٢ – "أو ولد صالح يدعو له" والولد الصالح لا يأتي بدون سبب بل لا بد من بذل جهود كثيرة لإيجاده, وقد حث الرسول ﷺ المسلمين أن يتزوجوا الودود الولود ليتكاثر المسلمون، حتى يكونوا قوة جبارة ضد أعدائهم وهذا ما دعا الأعداء إلى أن ينادوا بتحديد النسل متذرعين بالخوف من عدم كفاية الأرزاق في المستقبل، وهم في الحقيقة يخططون مخططات بعيدة المدى يهدفون من ورائها إلى إضعاف المسلمين في عددهم ومعنوياتهم حتى تتسنى لهم السيطرة التامة عليهم ولا يخشوا منهم غزوا ولا دفاعا عن أنفسهم، فوجود الولد من حيث هو متوقف على الزواج، وصلاح الولد يتطلب أمورا كثيرة، منها:

стр. 2180

الأول: أن تكون أمه صالحة وصلاحها يقتضى تعليمها كل ما تحتاج إليه للقيام بمهام بيتها وزوجها وأولادها تنظيفا وتنظيما، وتهذيبا وتوجيها وتربية وتمريضا. الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعبا طيب الأعراق ولقد عرف أعداء الإسلام أهمية المرأة في البيت، وأنها إذا أعدت إعدادا حسنا، وبقيت في بيتها أعدت جيلا يعجز الأعداء أن يصرفوه عن دينه أو أن يقوموا في وجهه، فأخذوا يصرخون وينوحون على تلك المرأة، ويدعون أنها مظلومة يجب نصرها، بإخراجها من البيت إلى المصنع والسوق والمكتب والمسرح، والمدرسة المشتركة وغيرها لتختلط بالرجال ويختلطوا بها، في خلواتهم وجولاتهم. واستجاب لهم أعداء الدين المتسترون من أبنائه فكتبوا وأذاعوا منادين في شعوبهم بما نادى به الأعداء الصرحاء، وحصل ما أرادوا، فصارت المرأة مبتذلة تتخطفها الأيدي وقت طرواتها وشبابها فإذا ذهبت الطراوة لفظوها كما تلفظ نواة التمرة، هكذا فعلوا بالمرأة، وهكذا أرادوا لها خشية أن تربي أجيالا لا يصلون إلى مصالحهم الاستعمارية مع وجودهم، ألا فلينتبه المسلمون. الثاني: أن يكون أفراد البيت صالحين حتى يكتسب الولد الجديد منهم الصلاح وهذا يقتضي جهدا في تعليم كل أهل البيت وتأديبهم وتمرينهم على أفعال الخير، وتنفيرهم من أفعال الشر. الثالث: عناية الأب بالولد خارج البيت، وذلك يقتضي منه مراقبته بأن يكون اختلاطه بأهل الخير والصلاح وأن يختار له معلما، يكون له قدوة في سلوكه وعبادته ومعاملته، وأن يختار له المدرسة التي يغلب على ظنه خيريتها بالنسبة للمدارس الأخرى وهذه أمور شاقة على الأب مما يدل أن الإسلام يحض على التربية والتعليم وإعداد الصالحين من الأولاد، حتى يتسلموا من آبائهم زمام الحياة فيقودوها قيادة حكيمة ناجحة.

стр. 2181

٣- "أو علم ينتفع به"، والمقصود من العلم قد يتبادر إلى الأذهان أن المراد تعليم القرآن أو الحديث أو الفقه، وما شابه ذلك من علوم الدين، ولا شك أن هذه العلوم داخلة في العلم الذي ينتفع به دخولا أوليا ولكن العلم المنتفع به غير مقصور على ذلك، بل هو عام يشمل كل علم ينفع المسلمين في دينهم ودنياهم، فيدخل في ذلك ما يأتي: ١ – تعليم الناس علوم الدين على اختلاف طبقاتهم تدريسا ووعظا ورشادا. ٢ – تأليف الكتب النافعة في ذلك وفي غيره من العلوم التي لها صلة بالدين كعلوم العربية والتاريخ وغيرها. ٣ – تعليم المسلمين الصناعات النافعة، على اختلاف أنواعها، وكذا طرق الكسب والتجارة وعلوم الطب والعلوم العسكرية والخطط الحربية التي تفيدهم ضد عدوهم في داخل البلاد وخارجها، كل هذه الأمور إذا بذلها العالم لإخوانه المسلمين وبقيت متوارثة بينهم فإنها تبقى بعده تدر عليه الخير والحسنات، وكلما كثر المستفيدون منها ولو بالواسطة تضاعفت تلك الحسنات، وذلك يتطلب من المسلمين أن يلموا بكل العلوم النافعة في دينهم ودنياهم وأن يعلم بعضهم بعضا، وهو دليل قاطع على أن الاسلام يدعو المسلمين إلى العلم النافع مطلقا وإلى نشره بينهم ليبقى إلى يوم القيامة.

стр. 2182

ولا أريد أن أطيل بكثرة الأمثلة من الوحيين للحث على قوة المسلمين في كل المجالات وإنما أريد أن أشير فقط إلى ذلك، ومن أراد الوقوف على صحة ما قلت، فليتجرد من الهوى وليدرس كتاب الله وسنة رسوله ﷺ بتعمق وتمحيص ليجد أن الأمر أعظم مما ذكرت، وذلك يقتضي منا أن نتعلم من غيرنا ما نجهله، ولا يعارض الدين الإسلامي ذلك إذا لم يوجد من المسلمين من يغنينا عنهم، ولكن لا يجوز أن نجعل تعلمنا منهم سببا لترك ديننا والتنكر له، وهذا ما أردت بيانه بالنسبة إلى ابتعاث أحداث الأسنان الذين يجهلون دينهم إلى البلدان الأجنبية، فإن المفاسد التي تنالها بلدانهم، من ابتعاثهم من الخروج على تعاليم الإسلام والعداء له ولأهله ولو كانوا آباءهم، أعظم من المصالح التي تحصل من ذلك بكثير، وما قيمة طبيب أو عسكري أو اقتصادي تعلم في الخارج ورجع ملحدا؟ ولذلك كانت المضار التي تحصل بسبب الابتعاث المذكور لا تحصى كثرة، ولا يعلم خطرها في مستقبل أمة الشعوب الإسلامية إلا الله، وإن كنا قد علمنا بعض تلك المضار وهي قسمان: مضار تلحق المبتعث في البلاد الأجنبية قبل أن يرجع إلى بلاده، وأخرى تلحقه وتلحق مجتمعه وأهله ودينه، بعد رجوعه إلى بلاده، والأولى أساس الثانية. وسنتحدث عن ذلك كله في فرصة أخرى إن شاء الله.

стр. 2183

العدد ١٣ فهرس المحتويات ١- أخبار الجامعة- نتيجة اختبار الشهادة العالية (الليسانس) في كلية الشريعة وكلية الدعوة وأصول الدين في عام ١٣٩٠/١٣٩١هـ ٢- أضواء من التفسير: للشيخ عبد القادر شيبة الحمد ٣- الإسلام والحياة- فريضة التفكير في الإسلام: بقلم الشيخ: أحمد عبد الرحيم السايح من علماء الأزهر ٤- الإمام أحمد ودفاعه عن السنة: بقلم الشيخ عبد القادر بن حبيب الله السندي ٥- الحج فضله وفوائده: بقلم الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد ٦- الكيد اللئيم: بقلم الدكتور رانا إحسان الهي ٧- الملكية الفردية في الإسلام: بقلم الشيخ محمد أمان صديق ٨- النادي عند العرب: لفضيلة الشيخ محمد المنتصر الكتاني ٩- النّداء الخالد - عن كتاب نظرية الإسلام وهديه في السياسة والدستور والقانون للشيخ أبي الأعلى المودودي ١٠- الهزيمة عقوبة: للسيد حسن توهامي ١١- دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب: لفضيلة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ١٢- رحلة أدبية في ثنايا الأحلام: بقلم عبد الرحمن محمد الأنصاري ١٣- صلاة الليل برمضان: للشيخ محمد الطاهر النيفر ١٤- فضل رمضان وفوائد الصيام: عبد العزيز بن عبد الله بن باز رئيس الجامعة الإسلامية ١٥- من أعلام النّحاة - ابن هشام: بقلم الشيخ يوسف عبد الرحمن الضبع ١٦- ندوة الطلبة- وادعوا إلى الله كي تحظوا بجنته *** وطبقوا سنة المختار في البشر بقلم: محمد عبد الرحمن شميلة الأهدل ١٧- نوادر المخطوطات مصحف الأمير أقبغا الأوجذي: بقلم الدكتور طه الزيني ١٨- هل التمسك بالحجاب الإسلامي غلو وانحراف?: بقلم الشيخ محمد أبو الفتح البيانوني ١٩- ﴿وَذَكِّر فَإنّ الذِكرَى تَنْفَعُ المُؤمِنِين﴾ : للشيخ حسن السيد متولي ٢٠- يستفتونك: يتولى الرد على أسئلة القراء سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رئيس الجامعة الإسلامية عمادة البحث العلمي - جميع الحقوق محفوظة ١٤٢٣ هـ / ٢٠٠٢ م

стр. 2184

أخبار الجامعة نتيجة اختبار الشهادة العالية (الليسانس) في كلية الشريعة بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة في عام ١٣٩٠/١٣٩١هـ تقدم لاختبار هذه الشهادة في الدور الثاني للعام الدراسي ٩٠ -٩١هـ (٣٣) طالباً نجح من بينهم (٢٢) وقد بلغ عدد الحاصلين على الشهادة العالية (الليسانس) من كلية الشريعة في الدورين الأول والثاني هذا العام (٨٥) جامعياً وبإضافة هذه الدفعة من المتخرجين إلى جملة المتخرجين في الأعوام الستة الماضية وعددهم (٤٢٣) يكون المجموع (٥٠٨) جامعياً وفيما يلي أسماء وجنسيات المتخرجين في الدور الثاني هذا العام وتقديرات نجاحهم: نتيجة امتحان الشهادة العالية (الليسانس) بكلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة عام ١٣٩٠/١٣٩١هـ تقدم للامتحان في هذه الشهادة في الدور الثاني (١٥) طالباً نجح من بينهم (١٢) وقد بلغ عدد الحاصلين على الشهادة العالية الليسانس من كلية الدعوة وأصول الدين في الدورين الأول والثاني هذا العام (٤٩) جامعياً وبإضافة هذه الدفعة من المتخرجين إلى جملة المتخرجين في العام الماضي يكون المجموع (٨٦) جامعياً وفيما يلي أسماء وجنسيات المتخرجين في الدور الثاني هذا العام. وبإضافة هذا العدد إلى الناجحين في الدور الأول هذا العام وعددهم (٧٥) يكون عدد الحاصلين على الشهادة الثانوية في العام الدراسي ٩٠ -١٣٩١هـ (٩٥) طالباً وبإضافتهم إلى عدد المتخرجين في الأعوام السبعة الماضية وعددهم (٦١٢) يكون جملة الحاصلين على الشهادة الثانوية من المعهد الثانوي التابع للجامعة الإسلامية (٧٠٧) طلاب.

стр. 2185

بإضافة هذا العدد إلى جملة الناجحين في الدور الأول وعددهم (٣٧) طالباً يكون عدد الحاصلين على الشهادة المتوسطة للعام الدراسي ٩٠ – ١٣٩١هـ (٥٢) طالباً وبإضافتهم إلى المتخرجين في الأعوام الأربعة الماضية وعددهم (٧٤) طالباً يكون عدد الحاصلين على شهادة إتمام الدراسة المتوسطة (١٢٦) طالباً.

стр. 2186

الهزيمة عقوبة للسيد حسين التهامي قال السيد حسن التهامي مستشار الرئيس أنور السادات ورئيس بعثة الحج المصرية لهذا العام: إن جميع القوى العالمية -بلا استثناء- تجتمع اليوم ضد المسلمين وتتكتل لتقويض صرح الإسلام. ويقول مراسل وكالة الأنباء السعودية: بأن السيد التهامي تحدث عما أسماه عار يونيو (١٩٦٧) م؛ فقال: إنه كان نتيجة طبيعية للتخلي عن الإسلام وللزيف والزيغ العقائدي الذي اجتاح عالمنا العربي عشرين سنة. ودعا السيد حسن التهامي إلى التمسك بالدعوة الإسلامية وإلى أن ينهض القادة جميعاً بهذا العبء وأن ينحازوا كلياً إلى الإسلام. فبغير الإسلام لن يستعيد العرب الأراضي وبغير الإسلام لن تقوم لهم قائمة. وقال: إن التخطيط للجهاد ثم الجهاد هو طريقنا وإن كل ما سوى ذلك ليس إلاّ ألاعيب وأباطيل. وأكّد على أنه ليس يكفي المسلمين المؤتمرات الإسلامية ولا الأمانة الإسلامية. حتى ولا الحج إلى بيت الله الحرام..

стр. 2187

دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب لفضيلة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي المدرس بالجامعة سورة " قد أفلح المؤمنون" قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ : لا يخفى ما يسبق إلى الذهن فيه من رجوع الضمير إلى الرب والضمير بصيغة الجمع والرب جلّ وعلا واحد. والجواب من ثلاثة أوجه: الأول: وهو أظهرها أن الواو لتعظيم المخاطب وهو الله تعالى كما في قول الشاعر. ألا فارحموني يا إله محمد فإن لم أكن أهلاً فأنت له أهل وقول الآخر: وإن شئت حرمت النساء سواكم وإن شئت لم أطعم نقاخاً ولا برداً الوجه الثاني: إن قوله ربّ استغاثة به تعالى وقوله ارجعون خطاب للملائكة ويستأنس لهذا الوجه بما ذكره ابن جرير عن ابن جريح قال: قال رسول الله ﷺ لعائشة "إذا عاين المؤمن الملائكة قالوا نرجعك إلى دار الدنيا؟ فيقول إلى دار الهموم والأحزان؟ فيقول بل قدموني إلى الله، وأما الكافر فيقولون له: نرجعك فيقول: رب ارجعون" الوجه الثالث: وهو قول المازني أنه جمع الضمير ليدل على التكرار فكأنه قال: رب ارجعني ارجعني ارجعني. ولا يخلو هذا القول عندي من بُعدٍ والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ هذه الآية الكريمة تدل على أنهم لا أنساب بينهم يومئذ، وأنهم لا يتساءلون يوم القيامة؛ وقد جاءت آيات أُخر تدل على ثبوت الأنساب بينهم كقوله ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾ الآية ... وآيات أُخر تدل على أنهم يتساءلون كقوله تعالى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ .

стр. 2188

والجواب عن الأول: أن المراد بنفي الأنساب انقطاع فوائدها وآثارها التي كانت مترتبة عليها في الدنيا من العواطف والنفع والصلات والتفاخر بالآباء لا نفي حقيقتها. والجواب عن الثاني من ثلاثة أوجه: الأول: أن نفي السؤال بعد النفخة الأولى وقبل الثانية وإثباته بعدهما معاً. الثاني: أن نفي السؤال عند اشتغالهم بالصعق والمحاسبة والجواز على الصراط وإثباته فيما عدا ذلك. وهو عن السدى من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. الثالث: أن السؤال المنفى سؤال خاص وهو سؤال بعضهم العفو من بعض فيما بينهم من الحقوق لقنوطهم من الإعطاء ولو كان المسؤول أباً أو ابناً أو أمًّا أو زوجة. ذكر هذه الأوجه الثلاثة أيضاً صاحب الإتقان. قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ . هذه الآية الكريمة تدل على أن الكفار يزعمون يوم القيامة أنهم ما لبثوا إلاّ يوماً أو بعض يوم وقد جاءت آيات أُخر يفهم منها خلاف ذلك كقوله تعالى: ﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا عَشْراً﴾ وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ ._ والجواب عن هذا بما دل عليه القرآن؛ وذلك أن بعضهم يقول: لبثنا يوماً أو بعض يوم، وبعضهم يقول: لبثنا ساعة، وبعضهم يقول: لبثنا عشرا. ووجه دلالة القرآن على هذا أنه بَيَّن أن أقواهم إدراكاً وأرجحهم عقلاً وأمثلهم طريقة هو من يقول أن مدة لبثهم يوماً وذلك قوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا يَوْماً﴾ فدل ذلك على اختلاف أقوالهم في مدة لبثهم والعلم عند الله. سورة النور قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ .

стр. 2189

هذه الآية الكريمة تدل على تحريم نكاح الزواني والزناة على الإعفاء والعفائف ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾ ... الآية، وقوله: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ الآية وقد جاءت آيات أُخر تدل بعمومها على خلاف ذلك؛ كقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ الآية وقوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ . والجواب على هذا مختلف فيه اختلافاً مَبْنِياً على الاختلاف في حكم تزوج العفيف للزانية أو العفيفة للزاني؛ فمن يقول (هو حرام) يقول: هذه الآية مخصصة لعموم وأنكحوا الأيامى منكم وعموم وأحل لكم ما وراء ذلكم. والذين يقولون بـ (عدم المنع) وهم الأكثر أجابوا بأجوبة: منها أنها منسوخة بقوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ ، واقتصر صاحب الإتقان على النسخ، وممن قال بالنسخ سعيد بن المسيب والشافعي. ومنها أن النكاح في هذه الآية: (الوطء) وعليه فالمراد بالآية أن الزاني لا يطاوعه على فعله ويشاركه في مراده إلاّ زانية مثله أو مشركة لا ترى حرمة الزنا. ومنها أن هذا خاص؛ لأنه كان في نسوة بغايا كان الرجل يتزوج إحداهن على أن تنفق عليه مما كسبته من الزنا؛ لأن ذلك هو سبب نزول الآية. فزعم بعضهم أنها مختصة بذلك السبب بدليل قوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ﴾ ... الآية، وقوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى﴾ ... الآية، وهذا أضعفها والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَات﴾ .

стр. 2190

هذه الآية الكريمة نزلت في براءة أم المؤمنين عائشة ﵂ مما رميت به، وذلك يؤيد ما قاله عبد الرحمن ابن زيد بن أسلم من أن معناها: الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء والطيبات من النساء للطيبين من الرجال والطيبون من الرجال للطيبات من النساء؛ أي فلو كانت عائشة ﵂ غير طيبة لما جعلها الله زوجة لأطيب الطيبين صلوات الله وسلامه وعلى هذا فالآية الكريمة يظهر تعارضها مع قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ﴾ إلى قوله ﴿مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ ، وقوله أيضاً ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْن﴾ ... الآية؛ إذ الآية الأولى دلت على خبث الزوجتين الكافرتين مع أن زوجيهما من أطيب الطيبين وهما: نوح ولوط -عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام-، والآية الثانية دلت على طيب امرأة فرعون مع خبث زوجها. والجواب أن في معنى الآية وجهين للعلماء: الأول: -وبه قال ابن عباس وروى عن مجاهد وعطاء وسعيد بن جبير والشعبي والحسن البصري وحبيب بن أبي ثابت والضحاك، كما نقله عنهم ابن كثير واختاره ابن جرير- أن معناها الخبيثات من القول للخبيثين من الرجال والخبيثون من الرجال للخبيثات من القول والطيبات من القول للطيبين من الرجال والطيبون من الرجال للطيبات من القول؛ أي فما نسبة أهل النفاق إلى عائشة من كلام خبيث هم أوْلى به وهي أوْلى بالبراءة والنَّزاهة منهم؛ ولذا قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّأُونَ مِمَّا يَقُولُون﴾ وعلى هذا الوجه فلا تعارض أصلاً بين الآيات.

стр. 2191

الوجه الثاني: هو ما قدمنا عن عبد الرحمن بن زيد، وعليه فالإشكال ظاهر بين الآيات. والذي يظهر لمقيده -عفا الله عنه- أن قوله الخبيثاث للخبيثين إلى آخره على هذا القول من العام المخصوص بدليل امرأة نوح ولوط وامرأة فرعون وعليه فالغالب تقييض كل من الطيبات والطيبين والخبيثات والخبيثين لجنسه وشكله الملائم له في الخبث أو الطيب مع أنه تعالى ربما قيض خبيثة لطيب كامرأة نوح ولوط أو طيبة لخبيث كامرأة فرعون لحكمة بالغة كما دل عليه قوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وقوله ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ مع قوله ﴿وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ﴾ فدل ذلك على أن تقييض الخبيثة للطيب أو الطيبة للخبيث فيه حكمة لا يعقلها إلا العلماء؛ وهي: في تقييض الخبيثة للطيب أن يُبَيِّن للناس أن القرابة من الصالحين لا تنفع الإنسان وإنما ينفعه عمله ألا ترى أن أعظم ما يدافع عنه الإنسان زوجته وأكرم الخلق على الله رسله فدخول امرأة نوح وامرأة لوط النار كما قال تعالى: ﴿فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ . فيه أكبر واعظ وأعظم زاجر عن الاغترار بالقرابة من الصالحين والإعلام بأن الإنسان إنما ينفعه عمله ليس ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾ ... الآية كما أن دخول امرأة فرعون الجنة يعلم منه الإنسان إذا دعته الضرورة لمخالطة الكفار من غير اختياره وأحسن عمله وصبر على القيام بدينه أنه يدخل الجنة ولا يضره خبث الذين يخالطهم ويعاشرهم فالخبيث خبيث وإن خالط الصالحين كامرأة نوح ولوط والطيب طيب وإن خالط الأشرار كامرأة فرعون، ولكن مخالطة الأشرار لا تجوز اختياراً كما دلت عليه أدلة أخر.

стр. 2192

قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئا﴾ لا يخفى ما يسبق إلى الذهن فيه من أن الضمير في قوله جاءه يدل على شيء موجود واقع عليه المجيء؛ لأن وقوع المجيء على العدم لا يعقل، ومعلوم أن الصفة الإضافية لا تتقوم إلا بين متضائفين فلا تدرك إلا بادراكهما، فلا يعقل وقوع المجيء بالفعل إلا بإدراك فاعل واقع منه المجيء ومفعول به واقع عليه المجيء وقوله تعالى ﴿لَمْ يَجِدْهُ شَيْئا﴾ يدل على عدم وجود شيء يقع عليه المجيء في قوله تعالى: ﴿جَاءَهُ﴾ والجواب عن هذا من وجهين ذكرهما ابن جرير في تفسير هذه الآية؛ قال: فإن قال قائل: وكيف قيل ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئا﴾ فإن لم يكن السراب شيئاً فعلام دخلت الهاء في قوله ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ؟.﴾ قيل إنه شيء يُرى من بعيد كالضباب الذي يرى كثيفاً من بعيد والهباء، فإذا قرب منه دق وصار كالهواء وقد يحتمل أن يكون معناه حتى إذا جاء موضع السراب لم يجد السراب شيئاً فاكتفى بذكر السراب عن ذكر موضعه انتهى منه بلفظه. والوجه الأول أظهر عندي وعنده بدليل قوله: وقد يحتمل أن يكون معناه الخ ... قوله تعالى: ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ . هذه الآية الكريمة تدل على أنه ﷺ له الإذن لمن شاء وقوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ الآية يوهم خلاف ذلك.

стр. 2193

والجواب الظاهر وهو أنه ﷺ له الإذن لمن شاء من أصحابه الذين كانوا معه على أمر جامع كصلاة جمعة أو عيد أو جماعة أو اجتماع في مشورة ونحو ذلك كما بينه تعالى بقوله: ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُم﴾ . وأما الإذن في خصوص التخلف عن الجهاد فهو الذي بَيَّن اللهُ لرسوله أن الأوْلى فيه ألا يبادر بالإذن حتى يتبين له الصادق في عذره من الكاذب وذلك في قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ . فظهر أن لا منافاة بين الآيات والعلم عند الله. سورة الفرقان قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً﴾ .

стр. 2194

هذه الآية الكريمة تدل على انقضاء الحساب في نصف نهار؛ لأن المقيل: القيلولة أو مكانها؛ وهي: الاستراحة نصف النهار في الحر، وممن قال بانقضاء الحساب في نصف نهار: ابن عباس وابن مسعود وعكرمة وابن جبير؛ لدلالة هذه الآية على ذلك كما نقله عنهم ابن كثير وغيره، وفي تفسير الجلالين ما نصه: وأخذ من ذلك انقضاء الحساب في نصف نهار كما ورد في حديث انتهى منه مع أنه تعالى ذكر أن مقدار يوم القيامة خمسون ألف سنة في قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ والظاهر في الجواب أن يوم القيامة يطول على الكفار ويقصر على المؤمنين ويشير لهذا قوله تعالى بعد هذا بقليل: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْماً عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيراً﴾ فتخصيصه عسر ذلك اليوم بالكافرين يدل على أن المؤمنين ليسوا كذلك وقوله تعالى: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ يدل بمفهومه أيضاً على أنه يسير على المؤمنين غير عسير كما دل عليه قوله تعالى: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ وقال ابن جرير: حدثني يونس أنبأنا ابن وهب أنبأنا عمرو بن الحارث أن سعيداً الصواف حدثه أنه بلغه أن يوم القيامة يقصر على المؤمنين حتى يكون كما بين العصر إلى غروب الشمس وأنهم يتقلبون في رياض الجنة حتى يفرغ من الناس وذلك قوله: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً﴾ ونقله عنه ابن كثير في تفسيره، ومن المعلوم أن السرور يقصر به الزمن، والكروب والهموم سبب لطوله كما قال أبو سفيان بن الحارث يرثي النبي ﷺ : أرقت فبات ليلي لا يزول وليل أخي المصيبة فيه طول وقال الآخر: فقصارهن مع الهموم طويلة وطوالهن مع السرور قصار ولقد أجاد من قال:

стр. 2195

ليلي وليلي نفى نومي اختلافهما في الطول والطول، طوبى لي لو اعتدلا يجود بالطول ليلي كلما بخلت بالطول ليلي وإن جادت به بخلا ومثل هذا كثير في كلام العرب جداً. وأما على قول من فسر المقيل بأنه المأوى والمنزل كقتادة ﵀ فلا تعارض بين الآيتين أصلاً؛ لأن المعنى على هذا القول أصحاب الجنة يومئذ خير مستقراً وأحسن مأوى ومنزلاً والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾ ... الآية. هذه الآية الكريمة تدل على أنهم يجزون غرفة واحدة وقد جاءت آيات أُخر تدل على خلاف ذلك كقوله تعالى: ﴿لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ وكقوله: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ . والجواب: - أن الغرفة هنا بمعنى الغرف كما تقدم مستوفي بشواهده في الكلام على قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُن﴾ ... الآية. - وقيل إن المراد بالغرفة: الدرجة العليا في الجنة وعليه فلا إشكال. - وقيل الغرفة الجنة سميت غرفة لارتفاعها. سورة الشعراء قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ . هذه الآية تدل على أن قوم نوح كذبوا جماعة من المرسلين؛ بدليل صيغة الجمع في قوله المرسلين، ثم بين ذلك بما يدل على خلاف ذلك وأنهم إنما كذبوا رسولاً واحداً وهو نوح -عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام- بقوله: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ﴾ ... إلى قوله ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ .

стр. 2196

والجواب عن هذا: أن الرسل -عليهم صلوات الله وسلامه- لما كانت دعوتهم واحدة وهي: (لا إله إلا الله) صار مكذب واحد منهم مكذباً لجميعهم؛ كما يدل لذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ وقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ . وقد بين تعالى أن مكذب بعضهم مكذب للجميع بقوله: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً﴾ . ويأتي مثل هذا الإشكال والجواب في قوله: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ﴾ إلى أخره. وقوله: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِح﴾ . وكذلك في قصة لوط، وشعيب على الجميع وعلى نبينا الصلاة والسلام. سورة النمل قوله تعالى أخباراً عن بلقيس: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ ، يدل على تعدد رسلها إلى سليمان وقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَان﴾ بإفراد فاعل جاء، وقوله تعالى أخباراً عن سليمان أنه قال: ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ﴾ الآية يدل على أن الرسول واحد. والظاهر في الجواب: هو ما ذكره غير واحد من أن الرسل جماعة وعليهم رئيس منهم فالجمع نظراً إلى الكل والإفراد نظراً إلى الرئيس؛ لأن من معه تبع له والعلم عند الله تعالى

стр. 2197

وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنَا﴾ الآية. هذه الآية يدل ظاهرها على أن الحشر خاص بهؤلاء الأفواج المكذبة، وقوله -بعد هذا بقليل-: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ . يدل على أن الحشر عام كما صرحت به الآيات القرآنية عن كثرة. والجواب عن هذا: هو ما بينه الألوسي في تفسيره من أن قوله: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ يراد به الحشر العام، وقوله ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجا﴾ أي بعد الحشر العام يجمع الله المكذبين للرسل من كل أمة لأجل التوبيخ المنصوص عليه بقوله: ﴿قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْماً أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ، فالمراد بالفوج من كل أمة: الفوج المكذب للرسل يحشر للتوبيخ حشراً خاصاً فلا ينافي حشر الكل لفصل القضاء. وهذا الوجه أحسن من تخصيص الفوج بالرؤساء كما ذهب إليه بعضهم. قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَاب﴾ الآية. هذه الآية تدل بظاهرها على أن الجبال يظنها الرائي ساكنة وهي تسير، وقد جاءت آيات أخر تدل على أن الجبال راسية، والراسي هو: (الثابت في محل) كقوله تعالى: ﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾ . وقوله: ﴿وَأَلْقَى فِي الأرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ وقوله: ﴿وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ . وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ﴾ .

стр. 2198

ووجه الجمع ظاهر وهو أن قوله ﴿أَرْسَاهَا﴾ ونحوه يعني في الدنيا، وقوله وهي تمر مر السحاب يعني في الآخرة بدليل قوله: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَات﴾ ثم عطف على ذلك قوله ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ﴾ ... الآية. ومما يدل على ذلك النصوص القرآنية على أن سير الجبال في يوم القيامة كقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَة﴾ وقوله: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً﴾ . سورة القصص قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ﴾ ... الآية. الخطاب في قوله: ﴿وَلَكَ﴾ يدل على أن المخاطب واحد وفي قوله: ﴿لا تَقْتُلُوهُ﴾ يدل على أنه جماعة. والجواب عن هذا من ثلاثة أوجه. الأول: أن صيغة الجمع للتعظيم. الثاني: أنها تعني فرعون وأعوانه الذين هموا معه بقتل موسى فأفردت الضمير في قولها (لك) ؛ لأن كونه قرة عين في زعمها يختص بفرعون دونهم وجمعته في قولها (لا تقتلوه) ؛ لأنهم شركاء معه في الهمّ بقتله. الثالث: أنها لما استعطفت فرعون على موسى التفت إلى المأمورين بقتل الصبيان قائلة لا تقتلوه معللة ذلك بقولها: ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً﴾ . قوله تعالى: ﴿فَقَالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا﴾ . الآية. ﴿لأهْلِهِ﴾ : زوجته بدليل قوله: ﴿وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾ لأن المعروف أنه سار من عند شعيب بزوجته (ابنة شعيب) ، أو غير شعيب على القول بذلك. وقوله: ﴿امْكُثُوا﴾ خطاب جماعة الذكور فما وجه خطاب المرأة بخطاب جماعة الذكور. والجواب عن هذا من ثلاثة أوجه: الأول: أن الإنسان يخاطب المرأة بخطابة الجماعة تعظيماً لها ونظيره قول الشاعر: فإن شئت حرمت النساء سواكم وإن شئت لم أطعم نقاخاً ولا برداً الثاني: أن معها خادماً والعرب ربما خاطبت الاثنين خطاب الجماعة.

стр. 2199

الثالث: أنه كان له مع زوجته ولدان له، اسم الأكبر منهما: (جيرشوم) واسم الأصغر (اليعازر) . والجواب الأول ظاهر والثاني والثالث محتملان؛ لأنهما من الإسرائيليات والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ قد قدمنا أن وجه الجمع بينه وبين قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أن الهدى المنفي عنه ﷺ هو: منح التوفيق، والهدى المثبت له هو: إبانة الطريق. سورة العنكبوت قوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ لا يعارضه قوله تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ كما تقدم بيانه مستوفى في سورة النحل. (فأثقالهم) : أوزار ضلالهم و (الأثقال التي معها) أوزار إضلالهم ولا ينقص ذلك شيئاً من أوزار أتباعهم الضالين. قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ . هذه الآية الكريمة تدل على أن النبوة والكتاب في خصوص ذرية إبراهيم، وقد ذكر في سورة الحديد ما يدل على اشتراك نوح معه في ذلك في قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ . والجواب: أن وجه الاقتصار على إبراهيم أن جميع الرسل بعده من ذريته وذكر نوح معه لأمرين: أحدهما: أن كل من كان من ذرية إبراهيم فهو من ذرية نوح. والثاني: أن بعض الأنبياء من ذرية نوح ولم يكن من ذرية إبراهيم؛ كهود وصالح ولوط ويونس على خلاف فيه، ولا ينافي ذلك الاقتصار على إبراهيم؛ لأن المراد من كان بعد إبراهيم لا من كان قبله أو في عصره كلوط عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام. سورة الروم

стр. 2200

قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفا﴾ ... الآية. هذا خطاب خاص بالنبي ﷺ وقد قال تعالى: بعده ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ﴾ فقوله: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ حال من ضمير الفاعل المستتر في قوله ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾ الواقع على النبي ﷺ فتقرير المعنى: فاقم وجهك يا نبي الله ﷺ في حال كونكم منيبين إليه. وقد تقرر عند علماء العربية أن الحال إن لم تكن سببية لا بد أن تكون مطابقة لصاحبها إفراداً وثنية وجمعاً وتذكيراً وتأنيثاً فما وجه الجمع بين هذه الحال وصاحبها؟ فالحال جمع وصاحبها مفرد. والجواب أن الخطاب الخاص بالنبي ﷺ يعمُّ حكمُه جميعَ الأمة؛ فالأمة تدخل تحت خطابه ﷺ فتكون الحال من الجميع الداخل تحت خطابه ﷺ . ونظير هذه الآية في دخول الأمة تحت الخطاب الخاص به ﷺ قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ الآية. فقوله ﴿طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ بعد يا أيها النبي دليل على دخول الأمة تحت لفظ النبي. وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾ ثم قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ . وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّه﴾ ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ الآية. وقوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا﴾ ثم قال: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ﴾ الآية. وقوله: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْن﴾ ثم قال: ﴿وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ﴾ . ودخول الأمة في الخطاب الخاص بالنبي ﷺ هو مذهب الجمهور وعليه مالك وأبو حنيفة وأحمد رحمهم الله تعالى خلافاً للشافعي ﵀.

стр. 2201

رحلة أدبية في ثنايا الأحلام بقلم عبد الرحمن محمد الأنصاري الطالب بالسنة الثالثة بكلية الدعوة وأصول الدين في الجامعة كنت في ليلة من ليالي الصيف أقرأ كتاباً من كتب الأدب القديم، فكلما وفد النوم علي رددته بفصل من فصول الكتاب الممتعة، حتى استسلمت في النهاية لسلطان النوم، والكتاب على صدري وهنا ذهبت في رحلة مع الأحلام، وكانت رحلة أدبية ممتعة، لم يذهب بصفائها إلا قصر الليل الذي تعود القصر في مثل هذه المناسبات.. وكان بدء الرحلة المنامية أن ذهبت برفقة صفيّ لي تعودت وإياه عدم المفارقة. ذهبت برفقته إلى شيخ من شيوخ الأدب القدامى، وكان زميلي على سابق معرفة به، وكان بدء الرحلة: أن قصدناه فوجدناه جالساً في دكة جميلة بمنزله، فتأملته فإذا هو طويل القامة، واسع الجبهة كأن عينيه من بروزهما قد ملّتا موضعهما من جبهته الواسعة مع طول السنين فبرزتا لشم النسيم.. عليه وقار العلماء، وفطنة الحكماء، يقول عن نفسه: إنه أمضى من سنين عمره ثمانين عاماً ولكن حواسه السليمة كلها تقريباً من سطوات الأيام لا تدل على ذلك. والبسمة لا تفارق محياه رغم جحوظ عينيه وبروزهما.. رحب بنا وأدنى مجلسنا وفوراً قام زميلي بتقديمي له وتعريفه بي وزعم له أنني من هواة الأدب قديمه وحديثه.. وهنا تبسم بسمة الساخر الذي يمنعه كرمه وحفاوته من الجهر بالسخرية والازدراء.. ولاحظت بادئ ذي بدء أن ثمة وحشة قائمة بيننا وبينه بعامل السن. ولم نستطع مبادئته الحديث، فكأنه وجس ما هجس – كما يقول الحريري – وبخفة روح منه بالغة وبسمة مشرقة استنار منها محياه، وكأنه مصباح منير اتجه إلينا بكليته وجعل يلاطفنا بكلمات أرق من النسيم العليل. وكان أن سأل زميلي عن صلتي به فكان جوابه له: أن نفترق نسباً يؤلف بيننا أدب أقمناه مقام الوالد أو نفترق فالوصل منا عذب

стр. 2202

مائة تحدر من غمام واحد وهنا أدركنا سرور الشيخ بوجودنا عنده من خلال أسطر البشر التي قرأناها على جبينه الناصع.. وقال: اعلموا أن الأدب لا يعترف بشيء اسمه "سن"وإنكم على ما ترون من كبر سني لربما كنت أشب منكما نفساً..؟ وكانت كلماته هذه قد أزالت بيننا وبينه كل حواجز التحفظ وقلت له: ولكن نفراً ممن ينتمون إلى الأدب في زماننا قسموا الأدباء إلى قسمين: أ – أدباء شيوخ. ب – أدباء شبان. وهنا اعتدل في جلسته وقال: اعلموا بنيّ أن هذا التقسيم غير علمي، ومبني على مغالطة لا تليق بمن ينتسب إلى هذه النسبة الشريفة "الأدب". قلنا: كيف؟ قال: إن الأدب منحة إلهية يمنحها من عباده أولي النفوس الشفاقة، والذوق السليم والحس المرهف، والنفس العطوفة التي تتأثر بكل شيء. ترى الجمال فتصفه وصف الشاكر وترى الجرح فتأسوه بيد الرحمة.. الأديب مصباح مضيء بالليل، هو جميل في نفسه بما فيه من الضياء الساطع، وفتيلته المحترقة: قلبه؛ لأنه يعيش لغيره قبل نفسه.. وشاعر بالنهار بمشاكل جيله فيضع لها الحلول المناسبة من واقع تجربته الذاتية.. هؤلاء هم الأدباء سواء كانوا شيوخاً أربوا على المائة أم شباناً لا يزالون في عمر الزهور والرياحين.. والمغالطة المبينة على تقسيمهم الذي ذكرت هي: أن هذا الأديب "الشيخ.."يفكر تفكير الشيوخ المحالين على التقاعد.. وأفكارهم ينبغي لها أن تحال على التقاعد أيضاً.! وهذا الأديب "الشاب.."يفكر تفكير الشباب الناضج المتفتح على الحياة والمثقف ثقافة خاصة، وهذا هو مفهوم المخالفة – كما يقول علماء الأصول -.

стр. 2203

وسألناه: ما رأيك في الأدب الغربي، والمحاولات التي تستهدف صبغة الأدب "العربي"بالصبغة الغربية..؟ فأجاب: الأدب في كل أمة من الأمم شيء ضروري يعد من مستلزمات الحياة الإنسانية فلا يمكن لأية أمة من الأمم أن تستغني عنه إلا إذا أمكنها الاستغناء عن الغداء. ذلك أن الطعام والشراب هما قِوام الأبدان، وهما الطاقة التي تبعث الدفء والحركة في أجسام الناس، والأدب في نفس المستوى إلا أن مهمته أنبل وأسمى لأنه غذاء "الروح"وتأتي أفضليته من جهة: أن باقي الكائنات الحية تشارك بني الإنسان في الاستمتاع بالأطعمة والأشربة، وينفرد بنو الإنسان عنها "بالأدب". أنا لا أنفي ما يجوزه العقل، ولا أثبت شيئاً لم يثبت حتى الآن بالنقل.. والأدب الغربي أدب غربي لأهله الأوروبيين يلامس وجدانهم، وبالتالي هو جزء لا يتجزأ من بيئتهم يتذوقونه ويرتاحون له كما يرتاحون لموسيقاهم التي هي في آذان بعضنا: صواعق منذرة بالويل والثبور وعظائم الأمور.. فكذلك الأدب العربي، أدب عربي من صميم بيئة العرب وواقعهم ومثلهم العليا، وتقاليدهم المثلى. أما محاولة صبغ الأدب العربي بصبغة غربية فهي محاولة فاشلة؛ لأنها مجرد معاينة العربي لنوع أدبي من هذا القبيل فإن نفسه الصافية، وفطرته السليمة تنفر من ذلك غاية النفور فيكون ذلك بمثابة وأد لهذه الفكرة وهي بعد في مهدها.. قلنا: إذن أنت تعارض التجديد وهي سنة من السنن الكونية التي تتم عن طريق تلاقي الأفكار، واتصال الأمم بعضها ببعض؟ فقال: أنا لا أعارض التجديد في أي شيء وخاصة في الأدب.. إنّ التجديد كما تفضّلتُما سنة من السنن الكونية التي ترافق بني الإنسان في سيرهم الطويل، والتطور والتجديد يكونان في كل شيء: في العمران، وفي المواصلات، وفي المعيشة، وفي وسائل الثقافة والترفيه إلى آخر ما هنالك..

стр. 2204

والأدب وصف وتعبير للأشياء المذكورة.. فكيف تتطور هي ويبقى هو جامداً؟. ولكن بالله عليكما أخبرني وأصدقاني القول: هل الأدب العربي لا يتطور إلا من خلال ترجمة الأدب الغربي بكلمات عربية؟. هل هكذا طور العرب الأندلسيون "الأدب"من خلال احتكاكهم بغيرهم من الأمم؟. أم بكذلك تطور الأدب العربي في العصر العباسي نتيجة للاحتكاك بالفرس وغيرهم من الشعوب؟. أم بهكذا طور الأوروبيون أنفسهم ثقافتهم في عصور تَخَلُفهم – من جراء التقائهم بالثقافة العربية التي تعتبر أصولاً لكثير مما يتبجحون به علينا اليوم؟. ولما وصل الشيخ من الحديث هذه النقطة دخل علينا غلامه قائلاً: بالباب رجل قال لي: "قل لسيدك عمرو بن بحر الجاحظ.."فلما سمعت اسم عمرو بن بحر ذهلت، قفلت لصاحبي: محدثنا الجاحظ.. صاحب البيان والتبيين..؟ قال: نعم!! وهنا أيقظني صوت المؤذن: حي على الصلاة، حي على الفلاح فقمت بعد الصلاة طبعاً بتسجيل ما دار بيننا وبين الجاحظ. وإلى اللقاء ...

стр. 2205

صلاة الليل برمضان للشيخ محمد الطاهر النيفر الأستاذ في كلية الشريعة وأصول الدين بتونس لم يكن النبي ﷺ يصلي بالليل أكثر من إحدى عشرة ركعة في رمضان ولا في غيره كما صرحت به عائشة ﵂ لما سئلت عن ذلك. ففي البخاري حدثنا عبد الله بن يوسف قال أخبرنا مالك عن سعيد العقبري أبي مسلمة بن عبد الرحمن أنه أخبره أنه سأل عائشة ﵂ كيف كانت صلاة رسول الله ﷺ في رمضان فقالت: "ما كان رسول ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي ثلاثاً. قالت عائشة فقلت يا رسول الله أتنام قبل أن توتر فقال يا عائشة إن عيناي تنامان ولا ينام قلبي". وفي رواية مسروق ﵁ أنه سألها عن صلاة رسول الله ﷺ فقالت: "سبع وتسع وإحدى عشرة سوى ركعتي الفجر". وروى الفجاج والنسائي وابن ماجة عن طريق إبراهيم بن الأسود عن عائشة أيضاً أنه كان يصلي بالليل تسع ركعات وفي رواية أخرى عنها من طريق هشام بن عروة أنها ثلاث عشرة ركعة. والذي نجزم به للتوفيق بين هاته الروايات عنها أنها أدخلت ركعتي الفجر كما أخبرت بقولها ثلاث عشرة ركعة. ويرشد لهذا ما صرح به في رواية القاسم عنها من أن رسول الله ﷺ كانت صلاته بالليل عشر ركعات ثم يوتر بسجدة ويركع ركعتي الفجر فتلك ثلاث عشرة ركعة. وأما ما روي عنها من سبع وتسع فالجمع بينه وبين الروايات الأخرى أن ذلك كان في حالة كِبَرِهِ، وقد اختلفت الروايات من غير طريق عائشة ولا نرى في ذلك فائدة تذكر.

стр. 2206

فالمقطوع به أن صلاة النبي ﷺ بالليل حسب ما نقل عن عائشة وهي أعرف الناس به كانت إحدى عشرة ركعة داخل في ذلك الوتر، ثم يأتي بركعتي الفجر بعد ذلك وأما مقدار ما يجمعه بتسليمة واحدة فاختلفت الروايات في ذلك أيضاً ففي رواية كان يسلم من كل اثنتين وفي رواية عائشة المتقدمة من كل أربع، وهناك روايات أخرى والمهم أنه كان لا يصليها في فور واحد بل ينام بعد كل تسليمة. ولا يعيد الوضوء عندما يقوم للمرة الموالية وكان ﷺ يطيل القراءة والركوع والسجود أخذاً من قول عائشة السالف (فلا تسأل عن حسنهن وطولهن) .

стр. 2207

وقد رغب النبي ﷺ في قيام الليل برمضان من ذلك قوله: من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه. إلا أنه لم يأمر بعزيمة في ذلك كما نقله ابن حبيب في النوادر وإنما كان الصحابة يقومون على الصفة التي رأوا النبي ﷺ يقوم بها ولم يجمع النبي ﷺ لها الناس فقد روى الأفقسي أن رسول الله ﷺ خرج فصلى بالناس ثلاث ليال ولم يخرج في الرابعة، وتفصيل هذا في حديث البخاري الذي رواه في باب فصل من قام رمضان فقد روى عن عروة عن عائشة ﵂ أخبرته أن رسول الله ﷺ خرج ليلة من جوف الليل وصلى بالمسجد فصلى الناس بصلاته فأصبح الناس يتحدثون فاجتمع أكثر منهم فصلوا معه فأصبح الناس يتحدثون فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة فخرج رسول الله ﷺ فصلى فصلوا بصلاته فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله حتى خرج لصلاة الصبح فلما قضى الفجر أقبل على الناس فتشهد، ثم قال: أما بعد فإنه لم يخف علي مكانكم ولكن خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها. واختلف العلماء في تفسير (خشيت أن تفرض عليكم) وأظهر الوجوه ما ذكره العيني من أنه جرت العادة أن ما واظب عليه من القرب يفرض على أمته أو أن يقال إنه يخاف ﷺ أن يظن أحد من أمته بعد انتقاله للرفيق الأعلى فرضية ذلك. ويؤخذ من هذا أن الجمع في النوافل مشروع، كما يؤخذ من هذا أن النافلة تكون بالمسجد. وروى عن ابن القاسم أنه قال أحب إليّ أن يُتَنَفل نهاراً بالمسجد وليلاً بالبيت لاشتغاله في النهار، ولذا لو فقد ذلك كان بالبيت. ونقل عنه أيضاً أحب إليّ أن يتنفل الغريب بمسجد النبي ﷺ وغيره ببيته. قال ابن رشد لأن الغريب لا يعرف وغيره يعرف وعمل السر أفضل.

стр. 2208

وفي رواية أخرى عنه أكره سجود النفل بالمسجد خوف الشهرة. ومشهور مذهب المالكية أن الجماعة لا تطلب في النفل لنهيه ﷺ عن أن يتخذ الإنسان بيته كالقبر لا يغشاه إلا وقت النوم ويستثني من ذلك رمضان فقد اتفق الفقهاء على استحباب الجمع إلا ما كان مظنة للرياء وكلامنا في غير السنن كالعيدين وأما هي فتسن الجماعة فيها. واستمر الصحابة على ما كانوا عليه قبل أن يخرج لهم النبي ﷺ فكان منهم من يقوم بالمسجد ومنهم من يقوم بالبيت وكانوا يطيلون القراءة اقتداء بالرسول الأعظم حتى قال بعضهم كنا نقرأ في الركعة بالمئين أي من الآيات. ويظهر أن هذا هو مأخذ الفقهاء في القول باستحباب القراءة بجميع القرآن لإمام التراويح في كامل الشهر واستمر عملهم بذلك بعد انتقال النبي ﷺ إلى الرفيق الأعلى في خلافة أبي بكر وردح من خلافة عمر قدره بعضهم بنحو السنتين وبعد ذلك رأى عمر أن يجمع الناس في نفل رمضان أي التراويح لما أُمِن فرضية ذلك. ففي صحيح البخاري عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنه قال: خرجت مع عمر بن الخطاب ﵁ في رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل. ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب. ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم، فقال عمر: نعمة البدعة هاته، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون. يريد آخر الليل وكان الناس يقومون أوله.

стр. 2209

قال الجوهري وأوزاع من الناس معناه: جماعة قلل، قال الخطابي: ولا واحدة من لفظه وهذا الاجتهاد من عمر يمكن أن يكون مأخذه من فعل النبي ﷺ في الليالي الثلاث التي خرج فيها لما فيه من النشاط كما قاله ابن التين، ويستفاد من قوله ثم خرجت معه ليلة أخرى أن عمر كان لا يواظب عليها بالمسجد، ومذهب مالك أن صلاة التراويح يندب أداؤها بالبيت بشروط ثلاثة: ألا تعطل المساجد، وألا يخاف عدم النشاط، وألا يكون آفاقيا بالحرم وإلا فأداؤها بالمسجد أفضل وثبت أن مالكاً كان يصليها بالمسجد ثم عدل عن ذلك فرجع لصلاتها بالبيت وأخذ بعضهم من عمله هذا أن له قولين في الموضوع ويدل لمذهب مالك الذي رجع إليه قول النبي ﷺ أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة. وهذا أخذ به أبو يوسف والشافعي أيضاً. وقال الليث لو قام الناس في البيوت وعطلوا المساجد منه (أي التراويح) أجبروا على الخروج لأن قيام رمضان من الأمور التي لا ينبغي تركها. وقريب من هذا ما نقل عن الطحاوي من قوله بوجوبها على الكفاية وقال ابن بطال بالسنية لأن عمر أخذها من فعل النبي ﷺ وتركها منه ﵇ كان لخوف الافتراض وللشافعية في ذلك خلاف لا نطيل به وقيل جمع عمر الرجال على أبي بن كعب والنساء على تميم الداري وفي رواية أخرى جمع النساء على سليمان بن أبي جثمة ولعل ذلك تكرر من عمر. واختلف في عدد الركعات التي جمع الناس عليها عمر وفي الموطأ أنها إحدى عشرة ركعة وروى هذا من وجوه أخرى. وروي عن زيد أن عمر جمع الناس على إحدى وعشرين ركعة يقومون بالمئين وينصرفون في بزوغ الشمس ( [١] ) وفي رواية أخرى عنه ثلاث وعشرون ركعة ولا خلاف في الواقع بين هاتين الروايتين كما هو ظاهر.

стр. 2210

ورأيت لبعض المحققين كلاماً يحصل به الجمع بين الروايتين المذكورين قال ﵀: دخل عمر المسجد فوجد الناس يصلون أفذاذاً فجمع الرجال على أبي بن كعب والنساء على تميم الداري وأمرهما أن يصلى بالناس إحدى عشرة ركعة بالوتر وكانوا يطيلون القراءة فثقل ذلك على الناس فخفف عمر ﵁ في القراءة، وزاد في عدد الركعات، فبلغت ثلاثاً وعشرين بالوتر فكان يقرأ بالبقرة في ثمان ركعات وربما قرءوا بها في اثنتي عشرة ركعة. هذا وقد اختار ما جرى عليه العمل في زمان عمر بعد التخفيف مالك وأبو حنيفة وأحمد واستمر عليه عمل المسلمين وتناقلوه خلفاً عن سلف إلى يومنا هذا. ولم يخالف ذلك إلا في زمان عمر بن عبد العزيز ﵁ فقد أمر بجعلها ستا وثلاثين ركعة يضاف فيها ثلاثة للوتر، وذلك لما رأى الناس يطيلون القراءة وهو موجب للضرر والسآمة فأمرهم بتقصير القراءة وتعويض ذلك بالزيادة في عدد الركعات واختار هذا مالك في رواية المدونة ولنا بحث في هذا الموضوع يحسن التعرض إليه وهو أن الحديث المذكور عن عائشة يحسن أن يكون دليلاً لأبي حنيفة الذي يرى أن نافلة الليل الأفضل فيها أن تكون بأربع من غير فصل بسلام، كما تكون حجة للحنفية الذين يرون أن الوتر ثلاثة ركعات بتسليمة واحدة، قالوا لأن الظاهر من قول عائشة ﵂ (صلى أربعاً فلا تسأل عن حسنهن الخ..) ثم صلى ثلاثاً الخ.. إنها متصلة من غير فصل بثلاث، ولا يعدل عن الظاهر إلا بدليل ثم قال ابن بطال بعد هذا وفي ذلك أيضاً رد على مالك ﵁.
следующие страницы →