Полный текст (23 804 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.
стр. 2206
فالمقطوع به أن صلاة النبي ﷺ بالليل حسب ما نقل عن عائشة وهي أعرف الناس به كانت إحدى عشرة ركعة داخل في ذلك الوتر، ثم يأتي بركعتي الفجر بعد ذلك وأما مقدار ما يجمعه بتسليمة واحدة فاختلفت الروايات في ذلك أيضاً ففي رواية كان يسلم من كل اثنتين وفي رواية عائشة المتقدمة من كل أربع، وهناك روايات أخرى والمهم أنه كان لا يصليها في فور واحد بل ينام بعد كل تسليمة. ولا يعيد الوضوء عندما يقوم للمرة الموالية وكان ﷺ يطيل القراءة والركوع والسجود أخذاً من قول عائشة السالف (فلا تسأل عن حسنهن وطولهن) .
стр. 2207
وقد رغب النبي ﷺ في قيام الليل برمضان من ذلك قوله: من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه. إلا أنه لم يأمر بعزيمة في ذلك كما نقله ابن حبيب في النوادر وإنما كان الصحابة يقومون على الصفة التي رأوا النبي ﷺ يقوم بها ولم يجمع النبي ﷺ لها الناس فقد روى الأفقسي أن رسول الله ﷺ خرج فصلى بالناس ثلاث ليال ولم يخرج في الرابعة، وتفصيل هذا في حديث البخاري الذي رواه في باب فصل من قام رمضان فقد روى عن عروة عن عائشة ﵂ أخبرته أن رسول الله ﷺ خرج ليلة من جوف الليل وصلى بالمسجد فصلى الناس بصلاته فأصبح الناس يتحدثون فاجتمع أكثر منهم فصلوا معه فأصبح الناس يتحدثون فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة فخرج رسول الله ﷺ فصلى فصلوا بصلاته فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله حتى خرج لصلاة الصبح فلما قضى الفجر أقبل على الناس فتشهد، ثم قال: أما بعد فإنه لم يخف علي مكانكم ولكن خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها. واختلف العلماء في تفسير (خشيت أن تفرض عليكم) وأظهر الوجوه ما ذكره العيني من أنه جرت العادة أن ما واظب عليه من القرب يفرض على أمته أو أن يقال إنه يخاف ﷺ أن يظن أحد من أمته بعد انتقاله للرفيق الأعلى فرضية ذلك.
ويؤخذ من هذا أن الجمع في النوافل مشروع، كما يؤخذ من هذا أن النافلة تكون بالمسجد. وروى عن ابن القاسم أنه قال أحب إليّ أن يُتَنَفل نهاراً بالمسجد وليلاً بالبيت لاشتغاله في النهار، ولذا لو فقد ذلك كان بالبيت. ونقل عنه أيضاً أحب إليّ أن يتنفل الغريب بمسجد النبي ﷺ وغيره ببيته. قال ابن رشد لأن الغريب لا يعرف وغيره يعرف وعمل السر أفضل.
стр. 2208
وفي رواية أخرى عنه أكره سجود النفل بالمسجد خوف الشهرة. ومشهور مذهب المالكية أن الجماعة لا تطلب في النفل لنهيه ﷺ عن أن يتخذ الإنسان بيته كالقبر لا يغشاه إلا وقت النوم ويستثني من ذلك رمضان فقد اتفق الفقهاء على استحباب الجمع إلا ما كان مظنة للرياء وكلامنا في غير السنن كالعيدين وأما هي فتسن الجماعة فيها.
واستمر الصحابة على ما كانوا عليه قبل أن يخرج لهم النبي ﷺ فكان منهم من يقوم بالمسجد ومنهم من يقوم بالبيت وكانوا يطيلون القراءة اقتداء بالرسول الأعظم حتى قال بعضهم كنا نقرأ في الركعة بالمئين أي من الآيات.
ويظهر أن هذا هو مأخذ الفقهاء في القول باستحباب القراءة بجميع القرآن لإمام التراويح في كامل الشهر واستمر عملهم بذلك بعد انتقال النبي ﷺ إلى الرفيق الأعلى في خلافة أبي بكر وردح من خلافة عمر قدره بعضهم بنحو السنتين وبعد ذلك رأى عمر أن يجمع الناس في نفل رمضان أي التراويح لما أُمِن فرضية ذلك. ففي صحيح البخاري عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنه قال: خرجت مع عمر بن الخطاب ﵁ في رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل. ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب. ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم، فقال عمر: نعمة البدعة هاته، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون. يريد آخر الليل وكان الناس يقومون أوله.
стр. 2209
قال الجوهري وأوزاع من الناس معناه: جماعة قلل، قال الخطابي: ولا واحدة من لفظه وهذا الاجتهاد من عمر يمكن أن يكون مأخذه من فعل النبي ﷺ في الليالي الثلاث التي خرج فيها لما فيه من النشاط كما قاله ابن التين، ويستفاد من قوله ثم خرجت معه ليلة أخرى أن عمر كان لا يواظب عليها بالمسجد، ومذهب مالك أن صلاة التراويح يندب أداؤها بالبيت بشروط ثلاثة: ألا تعطل المساجد، وألا يخاف عدم النشاط، وألا يكون آفاقيا بالحرم وإلا فأداؤها بالمسجد أفضل وثبت أن مالكاً كان يصليها بالمسجد ثم عدل عن ذلك فرجع لصلاتها بالبيت وأخذ بعضهم من عمله هذا أن له قولين في الموضوع ويدل لمذهب مالك الذي رجع إليه قول النبي ﷺ أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة. وهذا أخذ به أبو يوسف والشافعي أيضاً.
وقال الليث لو قام الناس في البيوت وعطلوا المساجد منه (أي التراويح) أجبروا على الخروج لأن قيام رمضان من الأمور التي لا ينبغي تركها.
وقريب من هذا ما نقل عن الطحاوي من قوله بوجوبها على الكفاية وقال ابن بطال بالسنية لأن عمر أخذها من فعل النبي ﷺ وتركها منه ﵇ كان لخوف الافتراض وللشافعية في ذلك خلاف لا نطيل به وقيل جمع عمر الرجال على أبي بن كعب والنساء على تميم الداري وفي رواية أخرى جمع النساء على سليمان بن أبي جثمة ولعل ذلك تكرر من عمر.
واختلف في عدد الركعات التي جمع الناس عليها عمر وفي الموطأ أنها إحدى عشرة ركعة وروى هذا من وجوه أخرى. وروي عن زيد أن عمر جمع الناس على إحدى وعشرين ركعة يقومون بالمئين وينصرفون في بزوغ الشمس ( [١] ) وفي رواية أخرى عنه ثلاث وعشرون ركعة ولا خلاف في الواقع بين هاتين الروايتين كما هو ظاهر.
стр. 2210
ورأيت لبعض المحققين كلاماً يحصل به الجمع بين الروايتين المذكورين قال ﵀: دخل عمر المسجد فوجد الناس يصلون أفذاذاً فجمع الرجال على أبي بن كعب والنساء على تميم الداري وأمرهما أن يصلى بالناس إحدى عشرة ركعة بالوتر وكانوا يطيلون القراءة فثقل ذلك على الناس فخفف عمر ﵁ في القراءة، وزاد في عدد الركعات، فبلغت ثلاثاً وعشرين بالوتر فكان يقرأ بالبقرة في ثمان ركعات وربما قرءوا بها في اثنتي عشرة ركعة.
هذا وقد اختار ما جرى عليه العمل في زمان عمر بعد التخفيف مالك وأبو حنيفة وأحمد واستمر عليه عمل المسلمين وتناقلوه خلفاً عن سلف إلى يومنا هذا. ولم يخالف ذلك إلا في زمان عمر بن عبد العزيز ﵁ فقد أمر بجعلها ستا وثلاثين ركعة يضاف فيها ثلاثة للوتر، وذلك لما رأى الناس يطيلون القراءة وهو موجب للضرر والسآمة فأمرهم بتقصير القراءة وتعويض ذلك بالزيادة في عدد الركعات واختار هذا مالك في رواية المدونة ولنا بحث في هذا الموضوع يحسن التعرض إليه وهو أن الحديث المذكور عن عائشة يحسن أن يكون دليلاً لأبي حنيفة الذي يرى أن نافلة الليل الأفضل فيها أن تكون بأربع من غير فصل بسلام، كما تكون حجة للحنفية الذين يرون أن الوتر ثلاثة ركعات بتسليمة واحدة، قالوا لأن الظاهر من قول عائشة ﵂ (صلى أربعاً فلا تسأل عن حسنهن الخ..) ثم صلى ثلاثاً الخ.. إنها متصلة من غير فصل بثلاث، ولا يعدل عن الظاهر إلا بدليل ثم قال ابن بطال بعد هذا وفي ذلك أيضاً رد على مالك ﵁.
стр. 2211
ويظهر أن هذا الحديث لا يقوم حجة على مالك لا في المسألة الأولى ولا في الثانية لأن مسلماً رواه عن عائشة ﵂ عن طريق يحي ابن يحي بلفظ أن رسول الله ﷺ كان يصلي بالليل إحدى عشرة ركعة يوتر فيها بواحدة، وروى مسلم أيضاً عن عائشة من طريق حرملة أنها قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء وهي التي يدعوها الناس العتمة إلى الفجر إحدى عشرة ركعة يسلم من كل ركعتين ويوتر بواحدة، ولا شك أن روايات الحديث يفسر بعضها بعضاً فرواية البخاري فيها إجمال؛ لأنه قال: يصلي أربعة ثم يصلي ثلاثاً يحتمل أنها من غير فصل ويحتمل أنها مع الفصل، ولا نسلم أنه أظهر من الأول لأنا نقول أن عائشة إنما خصصت الأربع والثلاث بالذكر لأنه هو المقدار الذي كان النبي ﷺ ينام بعد أدائه.
وإذا كان الحديث مجملاً فيتعين حمله على المبين كما هي القاعدة وليس في ذلك دليل لغير مالك ولا حجة عليه ويبقى حديث مسلم المذكور دليلاً لمالك فيما ذهب إليه. ومما يشهد له ما روي عن عمر من قوله: صلاة الليل مثنى فإذا رأيت أن الصبح يدركك فأوتر بواحدة الحديث. ولابن رشد في بداية المجتهد كلام حسن جميل ينبغي مراجعته.
--------------------------------------------------------------------------------
( [١] ) المشهور "الفجر"مكان الشمس انظر رواية الموطأ عن السائب بن يزيد رقم ٢٤٨ "المجلة".
стр. 2212
فضل رمضان وفوائد الصيام
عبد العزيز بن عبد الله بن باز رئيس الجامعة الإسلامية
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فيا أيها المسلمون إنكم في مستقبل شهر عظيم مبارك ألا وهو شهر رمضان..شهر الصيام والقيام وتلاوة القرآن..شهر العتق والغفران..شهر الصدقات والإحسان، شهر تفتح فيه أبواب الجنان، وتضاعف فيه الحسنات، وتقال فيه العثرات، شهر تجاب فيه الدعوات، وترفع الدرجات، وتغفر فيه السيئات، شهر يجود الله فيه لأوليائه العطيات، شهر جعل الله صيامه أحد أركان الإسلام فصامه المصطفى ﷺ وأمر الناس بصيامه وأخبر ﷺ أن من صامه إيماناً واحتساباً غفر الله له ما تقدم من ذنبه، ومن قامه إيماناً واحتساباً غفر الله له ما تقدم من ذنبه، شهر فيه ليلة خير من ألف شهر من حرم خيرها فقد حرم، فاستقبلوه رحمكم الله بالفرح والسرور والعزيمة الصادقة على صيامه وقيامه والمسابقة فيه إلى الخيرات، والمبادرة فيه إلى التوبة النصوح من سائر الذنوب والسيئات، والتناصح والتعاون على البر والتقوى والتواصي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى كل خير لتفوزوا بالكرامة والأجر العظيم. وفي الصيام فوائد كثيرة، وحكم عظيمة منها: تطهير النفس وتهذيبها وتزكيتها من الأخلاق السيئة كالأشر والبطر والبخل، وتعويدها الأخلاق الكريمة كالصبر والحلم والجود والكرم، ومجاهدة النفس فيما يرضي الله ويقرب لديه، ومن فوائد الصوم أنه يعرف العبد نفسه، وحاجته وضعفه وفقره لربه، ويذكره بعظيم نعم الله عليه، ويذكره أيضاً بحاجة إخوانه الفقراء فيوجب له ذلك شكر الله سبحانه، والاستعانة بنعمه على طاعته ومواساة إخوانه الفقراء والإحسان إليهم، وقد أشار الله إلى هذه الفوائد في قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ
стр. 2213
عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ فأوضح سبحانه أنه كتب علينا الصيام لنتقيه فدل ذلك على أن الصيام وسيلة للتقوى، والتقوى هي طاعة الله ورسوله بفعل ما أمر به وترك ما نهى عنه عن إخلاص له ومحبة ورغبة ورهبة وبذلك يتقي العبد عذاب الله وغضبه، فالصيام شعبة عظيمة من شعب التقوى، ووسيلة قوية إلى التقوى في بقية شؤون الدين، والدنيا، وقد أشار النبي ﷺ إلى بعض فوائد الصوم في قوله ﷺ "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء" فبين النبي ﷺ أن الصوم وجاء للصائم أي وسيلة لطهارته، وعفافه وما ذاك إلاَّ لأن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، والصوم يضيق تلك المجاري ويذكر بالله وعظمته فيضعف سلطان الشيطان، ويقوي سلطان الإيمان، وتكثر بسببه الطاعات من المؤمن، وتقل به المعاصي، ومن فوائد الصوم أيضاً أنه يطهر البدن من الأخلاط الرديئة ويكسبه صحة وقوة، وقد اعترف بذلك كثير من الأطباء، وعالجوا به كثيراً من الأمراض، وقد ورد في فضله وفرضيته آيات وأحاديث كثيرة؛ قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ إلى أن قال : ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ، وفي الصحيحين
стр. 2214
عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت" وثبت عنه ﷺ أنه قال: "كل عمل ابن آدم له الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف يقول الله : إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به إنه ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي، للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فمّ الصائم أطيب عند الله من ريح المسك"، وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة، وأغلقت أبواب النار، وسلسلت الشياطين"، وأخرج الترمذي وابن ماجة عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا كان أول ليلة من رمضان صفدت الشياطين، ومردة الجن، وفتحت أبواب الجنة ولم يغلق منها باب، وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، وينادي منادي يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشرِّ أقصر ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة"، وجاء عن النبي ﷺ أنه كان يبشر أصحابه بقدوم شهر رمضان، ويقول لهم: "جاء شهر رمضان بالبركات فمرحباً به من زائر وآت". وأخرج ابن خزيمة عن سلمان الفارسي عن النبي ﷺ : أنه خطب الناس في آخر يوم من شعبان فقال: "أيها الناس إنه قد أظلكم شهر عظيم مبارك، شهر فيه ليلة خير من ألف شهر، شهر جعل الله صيامه فريضة وقيام ليله تطوعاً من تقرب فيه بخصلة من خصال الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه، وهو شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة، وشهر المواساة، وشهر يزيد فيه في رزق المؤمن، ... -إلى أن قال:- فاستكثروا فيه من أربع خصال: خصلتين ترضون بهما ربكم، وخصلتين لا غنى بكم عنهما، فأما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم فشهادة أن لا إله إلا الله، والاستغفار، وأما الخصلتان اللتان لا غنى بكم عنهما فتسألون الله الجنة، وتعوذون به من
стр. 2215
النار"، وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه"، وثبت عنه ﷺ أنه كان في الغالب لا يزيد في رمضان ولا في غيره على أحد عشرة ركعة يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثاً، وثبت عنه ﷺ أنه في بعض الليالي يصلي ثلاث عشرة ركعة، وفي بعضها أقل من ذلك، وليس في قيام رمضان حد محدود لقول النبي ﷺ لما سئل عن قيام الليل قال:"مثنى مثنى فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى"، ولم يحدد ﷺ للناس في قيام الليل ركعات معدودة بل أطلق لهم ذلك فمن أحبَّ أن يصلي إحدى عشرة ركعة أو ثلاث عشرة ركعة أو ثلاث وعشرين ركعة أو أكثر من ذلك أو أقل فلا حرج عليه، ولكن الأفضل هو ما فعله النبي ﷺ وداوم عليه في أغلب الليالي وهو إحدى عشرة ركعة مع الطمأنينة في القيام، والقعود، والركوع، والسجود، وترتيل التلاوة، وعدم العجلة؛ لأن روح الصلاة هو الإقبال عليه بالقلب، والخشوع فيها، وأداؤها كما شرع الله بإخلاص وصدق، ورغبة ورهبة وحضور قلب، كما قال : ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ ، وقال النبي ﷺ : "وجعلت قرت عيني في الصلاة"، وقال للذي أساء في صلاته: "إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة، ثم كبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تعتدل قائما، ً ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ً ثم ارفع حتى تطمئن جالساً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها" وكثير من الناس يصلي في قيام رمضان صلاة لا يعقلها ولا يطمئن فيها
стр. 2216
بل ينقرها نقراً وذلك لا يجوز بل هو منكر لا تصح معه الصلاة، فالواجب الحذر من ذلك، وفي الحديث عنه ﷺ أنه قال: "أسْوأ الناس سرقة الذي يسرق صلاته، قالوا: يا رسول الله كيف يسرق صلاته؟ قال: لا يتم ركوعها ولا سجودها"، وثبت عنه ﷺ أنه أمر الذي نقر صلاته أن يعيدها.
فيا معشر المسلمين اغتنموا هذا الشهر العظيم وعظِّموه -رحمكم الله- بأنواع العبادة، والقربات، وسارعوا فيه إلى الطاعات؛ فهو شهر عظيم جعله الله ميداناً لعباده يتسابقون إليه فيه بالطاعات، ويتنافسون في أنواع الخيرات، فأكثروا فيه -رحمكم الله- من الصلوات والصدقات، وقراءة القرآن الكريم، والإحسان إلى الفقراء، والمساكين، والأيتام، وأنواع الذكر، والاستغفار، وسؤال الله الجنة، والاستعاذة به من النار؛ وقد كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، فتأسوا بِنَبِيِّكم ﷺ واقتدوا به في مضاعفة الجود والإحسان في شهر رمضان، وأعينوا إخوانكم الفقراء على الصيام والقيام، واحتسبوا أجر ذلك عند الملك العلاّم، واحفظوا صيامكم عماَّ حرمه الله عليكم من الأوزار، والآثام فقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه"، وقال ﵊: "الصيام جنة فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث، ولا يفسق، فإن امرؤ سابه أحد فليقل إني امرؤ صائم"، وجاء عنه ﷺ أنه قال: "ليس الصيام عن الطعام والشراب، وإنما الصيام من اللغو والرفث"، وقال جابر بن عبد الله الأنصاري _ ﵁ _ إذا صمت فليصم سمعك، وبصرك، ولسانك عن الكذب والمحارم، ودع أذى الجار، وليكن عليك وقار وسكينة، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء. واحذروا -رحمكم الله- كلَّ ما ينقص الصوم ويضْعف الأجر، ويغضب الرب من سائر المعاصي؛
стр. 2217
كالتهاون بالصلاة، والبخل بالزكاة، وأكل الربا، وأكل أموال اليتامى، وأنواع الظلم، وعقوق الوالدين، وقطيعة الرحم، والغيبة، والنميمة، والكذب، وشهادة الزور، والدعاوى الباطلة، والأَيْمان الكاذبة، وحلق اللحا أو تقصيرها، وإطالة الشوارب، والتكبر، وإسبال الثياب وشرب المسكرات، والتدخين، وتبرج النساء وتشبههن بنساء الكفار في أزيائهن، وغير ذلك مما نهى الله عنه ورسوله. وهذه المعاصي التي ذكرنا محرمة في كل زمان ومكان ولكنها في رمضان أشد تحريماً، وأعظم إثماً لفضل الزمان وحرمته، ومن أقبح هذه المعاصي وأخطرها على المسلمين ما ابتلي به الكثير من الناس من التكاسل عن الصلوات، والتهاون بأدائها في الجماعة في المساجد ولا شك أن هذا من أقبح خصال أهل النفاق، ومن أسباب الزيغ والهلاك، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ ، وقال النبي ﷺ : "من سمع النداء فلم يأت فلا صلاة له إلاّ من عذر" وقال له ﷺ رجل أعمى: يا رسول الله إني بعيد الدار عن المسجد وليس لي قائد يلائمني فهل لي من رخصة أن أصلي في بيتي؟ فقال له النبي ﷺ : "هل تسمع النداء بالصلاة"، فقال: نعم. قال: فأجب، وقال عبد الله ابن مسعود ﵁: لقد رأيتنا وما يتخلف عن الصلاة في الجماعة إلاّ منافق معلوم النفاق أو مريض، وقال ﵁: لو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم. ومن أخطر المعاصي أيضاً ما بُليَ به الكثير من الناس من استماع الأغاني، وآلات الطرب، وإعلان ذلك في الأسواق وغيرها، ولا ريب أن هذا من أعظم الأسباب في مرض القلوب وصدها عن ذكر الله، وعن الصلاة، وعن استماع القرآن الكريم والانتفاع به، ومن أعظم الأسباب أيضاً في عقوبة صاحبه بمرض
стр. 2218
النفاق، والضلال عن الهدى، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ ، وقد فسرّ أهل العلم (لَهْوَ) الحديث بأنه الغناء، وآلات اللهو، وكل كلام يصدّ عن الحق، وقال النبي ﷺ : "ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحِرّ، والحرير، والخمر، والمعازف"، و (الحِرُ) هو: الفرج الحرام، و (الحرير) معروف، و (الخمر) هو: كلّ مسكر، و (المعازف) هي: الغناء، وآلات الملاهي كالعود والكمان وسائر آلات الطرب، والمعنى: أنه يكون في آخر الزمان قوم يستحلون الزنا، ولباس الحرير، وشرب المسكرات، واستعمال الغناء، وآلات الملاهي، وقد وقع ذلك كما أخبر به النبي ﷺ وهذا من علامات نبوته ودلائل رسالته ﵊، وقال عبد الله بن مسعود ﵁: إن الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء الزرع. فاتقوا الله أيها المسلمون واحذروا ما نهاكم الله عنه، ورسوله واستقيموا على طاعته في رمضان وغيره، وتواصَوْا بذلك وتعاونوا عليه لتفوزوا بالكرامة والسعادة، والعزّة والنجاة في الدنيا والآخرة.
والله المسؤول أن يُعيذَنا وجميعَ المسلمين من أسباب غضبه وأن يتقبل منا –جميعاً- صيامنا، وقيامنا، وأن يصلح ولاة أمر المسلمين، وأن ينصر بهم دينه ويخذل بهم أعداءه، وأن يوفق الجميع للفقه في الدين والثبات عليه، والحكم به، والتحاكم إليه في كل شيء إنه على كل شيء قدير، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه.
стр. 2219
من أعلام النّحاة - ابن هشام
بقلم الشيخ يوسف عبد الرحمن الضبع
المدرس في كلية الشريعة بالجامعة
وفاء بما سلف الوعد به في كلمة سابقة من إماطة اللثام عمن يتحلى بكنية (ابن هشام) ودفعاً لما يتبادر إلى بعض الأذهان من لبس في هذا المشترك اللفظي على حد تعبير علماء النحو في الأعلام وقد يدعو اشتراك إمامين أو أكثر في عَلَم إلى نسبة تراث علمي إلى غير المنسوب إليه فيما يكاد الإجماع ينعقد عليه. كما يتوهم بعض الناشئين تجاه سيرة ابن هشام.
حيث يزعمون أنها لعباب النحو (جمال الدين) صاحب مغنى اللبيب على حين ينسبها لفيف من المؤرخين لطليعة الغر الميامين من النفر النابهين الذين محت آياتهم معالم جماعة كثيرة يطلق على كل منها (ابن هشام) لمع من بينه عشرة كرام بررة بشّر بهم العلامة السيوطي وأودعهم (بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة) .
أولهم عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري المعافري وقيل الذهلي وهو اللبنة الأولى في هذا البناء أو الألف من حروف الهجاء لهذا الرعيل الذي نقدمه لشباب الجيل من مشكاة الجامعة الإسلامية في مصباحها الجديد وثوب مجلتها القشيب.
стр. 2220
وكنية هذا العَلَم أبو محمد وقد حمدت في النحو سيرته وطابت سريرته. دلف من البصرة معقل النحاة السابقين الأولين وهبط مصر مع اللائذين الآمنين. تقرن السيرة النبوية الشهيرة باسمه ويضيفها كثير من الكرام الكاتبين إليه، بيد أن التاريخ المحقق لا ينكر فضله في تهذيب حواشيها وتنقيحها وحذف طائفة من أشعارها وهي في الواقع من صنع المؤرخ ابن إسحاق خطها بيمينه ورواها عنه ونقلها منه زياد البكائي لرفيقه وصديقه ابن هشام فلا نكران لفضله ولا كفران لسعيه وله إلى متصله السيرة شرح ما وقع في أشعار السير من الغريب. وله معها أنساب حمير وملوكها وقد وثقه أبو سعيد بن يونس. وكان براً كريماً بالإمام الشافعي ﵁ وبحسبه منه كلمته الباقية (الشافعي حجة في اللغة) جاور ربه سنة ثماني عشرة وقيل ثلاث عشرة ومائتين من الهجرة.
ثانيهم محمد بن يحي بن هشام الخضراوي. أبو عبد الله الأنصاري الخزرجي الأندلسي. ينسب إلى الجزيرة الخضراء ويدعى بابن البردغي قال عنه الإمام السيوطي وهو يترجم له ويترجم عليه:
كان العلامة الخضراوي رأساً في العربية عاكفاً على التعليم تلقى العربية عن ابن خروف ومصعب والرندي وأخذ القراءات عن أبيه. وكفاه فضلاً أن يكون الشلوبين من بين بنيه النحويين. وينوه به وينقل عنه ابن هشام الأنصاري والصبان.
стр. 2221
ومن مؤلفاته: (فصل المقال في أبنية الأفعال) و (المسائل النجب) و (الإفصاح بفوائد الإيضاح) . و (الاقتراح في تلخيص الإيضاح وشرحه) . و (غرر الأصباح في شرح أبيات الإيضاح) . وله (النقض على الممتع لابن عصفور) . وله تصرف في الأدب يشهد بذلك ما دبجه من المنثور والمنظوم. ولد سنة ٥٧٥هـ خمس وسبعين وخمسمائة. ومات بتونس الخضراء ليلة الأحد رابع عشر جمادى الآخرة سنة ٦٤٦هـ ست وأربعين وستمائة هجرية ويشبهه (والتشبه بالرجال فلاح) إلى حد كبير سميه الأستاذ محمد الخضراوي الأجهوري المصري أستاذ الفقه والأصول بكلية الدعوة في الجامعة الإسلامية أدام الله النفع به وأقر بموفور علمه عيون بنيه ومقدريه وهم كثير والحمد لله.
ثالثهم محمد أبو عبد الله بن أحمد بن هشام بن إبراهيم بن خلف اللخمي السبتي كما ذكره النجيبي في رحلة كان من المتعمقين في اللغة الراسخين في النحو ومن مؤلفاته (المدخل إلى تقويم اللسان وتعليم البيان) قال عنه ابن الأبار إنه أدب بالعربية وكان قائماً عليها وعلى اللغات والآداب مع حفظ من النظم ضعيف ومن تأليفه المفيدة التي انتفع الناس بها كتاب (الفصول والمجمل في شرح أبيات الجمل) . و (نكت على شرح كتاب سيبويه للأعلم الشنتمري) و (لحن العامة) . و (شرح الفصيح) و (شرح مقصورة ابن دريد) .
روى عنه عبد الله بن الفار تأليفه وكانت حياته سنة ٥٥٧هـ.
قال ابن دحية في (المطرب من أشعار أهل المغرب) : قال اللغويون (الخال) يأتي على اثني عشر معنى: أخو الأم. موضع الخال من الزمان الماضي. اللواء. الخيلاء. الشامة. الغرب. المنفرد. قاطع الخلا. الجبان. ضرب من البرود. السحاب. سيف خال قاطع.
وقد نظمها الفقيه الأستاذ النحوي الكبير المترجم له فقال:
أقوم لخالي وهو يوماً بذي خال
نروح ونغدو في برود من الخال
تمر كمر الخال يرتج ردفها
إلى منزل خلو من الخال
أقامت لأهل الخال خالاً فكلهم
стр. 2222
يؤم إليها من صحيح ومن خال
الرابع: جاء عنه في هامش الطبعة الأولى لكتاب (بغية الوعاة) بياض في الأصل الأمر الذي اقتضاني استقراء الكتاب جملة وتفصيلاً لعلي أجد على النار والنور هدى فأسلمني طول المراس إلى العثور على إمام يرتدي برود التواضع من أئمة النحو واللغة كأنه هو الحلقة المفقودة والضالة المنشودة في شخصي. محمد بن أحمد بن عبد الله بن هشام أبو عبد الله الفهري الذهبي ويعرف باسم الشواش.
قرر الآبار أنه أخذ النحو عن الإمام الجزولي وسمع من أبي عبد الله العرشي وغيره وجلس للإقراء والتحديث ودرس النحو واللغة وحمل الناس عنه. وكان كما شهد له العلامة السيوطي إماماً متواضعاً بارع الخط اختاره الله لجواره سنة ٦١٩هـ.
خامسهم: محمد بن عبيد الله بن أحمد بن محمد بن هشام بن عبد الرحمن بن غالب بن نصر الخشتي المالقي أبو عبد الله يعرف بابن العويص قال ابن الزبير: كان أستاذاً مقرئاً نحوياً فاضلاً، روى عن أبي عبد الله النضري وابن الطراوة، وأخذ عنه وعن أبي الحسن الصفار وجماعة. وروى عنه ابنا حوط الله وابن يربوع ومات يوم السبت تاسع عشر شوال سنة ٥٧٦هـ.
стр. 2223
ندوة الطلبة
وادعوا إلى الله كي تحظوا بجنته
وطبقوا سنة المختار في البشر
بقلم: محمد عبد الرحمن شميلة الأهدل
الطالب بكلية الشريعة بالجامعة
عرّج فديت بذات النخل والحجر
وأربع على منزل الأحباب في السحر
وحي من فيه من شيخٍ يشع سناً
تخال ألفاظه صيغت من الدرر
محي لسنة خير الخلق مجتهدِ
موفقٍ لسديد القول والنظر
لم يثنه الغمز عن حق أراد ولا
يغتر قطعاً بقول الماذق الأشر
وطالبٍ دائبٍ في نيل مأربه
مدرعٍ بجميل الصبر ذي سهر
بشرى لكم معشر الطلاب إن لكم
عناية سبقت في مثبت القدر
لأنتم في بني العصر الذين هووا
في وهدة الجهل مثل الأنجم الزهر
فاسعوا إلى المجد لا تلووا على كَسلٍ
مضيع وقتَه في اللغو والهذر
وادعوا إلى الله كي تحظوا بجنّته
وطبّقوا سنة المختار في البشر
فيم السكوت وهذا الخطب فادحنا
وهذه شرعة المختار في خطر
فيم السكوت وأعداؤنا قد اتحدوا
مصوبين سهام الخبث والدّعر
ونحن في غفلة عما يُراد بنا
كأنّنا لم نصب في الدين بالغِيَرِ
أبعد أن أكمل الرّحمن منهجناً
وأوضح الحق بالقرآن والأثر
نُغزى من الخلف هل متيقظ فطن
يزيل عن ديننا ما كان منه بري
تالله لو أنّنا سرنا على سنن الأسلاف ما كان من ضعف ولا خور
стр. 2224
نوادر المخطوطات:
مصحف الأمير أقبغا الأوجدي
بقلم الدكتور طه الزيني
المدرس في كلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة
الأمير أقبغا هو علاء الدين أقبغا عبد الواحد، كان "استادار"الملك الناصر محمد بن قلاوون ومعنى "استادار"ناظر الخاصة الملكية، وهو الذي أنشأ المدرسة الأقبغاوية الموجودة على يسار الداخل إلى الجامع الأزهر، وبها مكتبة الأزهر الآن.
стр. 2225
وقد تم بناء القبة سنة ٧٤٠هـ الموافق ١٣٤٠م، وقد جعلت مكتبة للأزهر منذ سنة ١٣١٤هـ الموافق ١٨٩٧م وعهد أقبغا بإنشائها إلى ابن السيوفي رئيس المهندسين في أيام الناصر محمد بن قلاوون، فجاءت آية في الفن المعماري المملوكي، والباقي منها الآن مدخلها وواجهة القبة ومحرابها ومحراب المدرسة والمنارة وقد أكملت قمتها أخيراً مصلحة الآثار. وهذا المصحف مكتوب على ورق الكتان الثقيل بخط علي بن أير حاجب سنة ٧٣٢هـ الموافق ١٣٣٣م وكل صفحة من صفحاته تضم أحد عشر سطراً بخط النسخ الكبير، وبأوله أوراق تشتمل على فوائد كثيرة، ففي الورقتين الأوليين من هذه الأوراق جداول مذهبة مبين فيها عدد جلالات القرآن، وهي ألف وستمائة وأربعة وتسعون، وعدد آياته وهي ستة آلاف ومائتان وست وثلاثون آية، وعدد سور القرآن وهي مائة وأربع عشرة سورة، وعدد كلمات القرآن وهي سبعون ألفاً وأربعمائة وستة وثلاثون كلمة، وعدد حروف القرآن وهي ثلثمائة ألف وعشرون ألفاً ومائتان وأحد عشر حرفاً، وعدد نقط القرآن وهي مائة ألف وخمسون ألفاً وإحدى وثمانون نقطة، وعدد الألفات والباءات والتاءات وغيرها إلى آخر الحروف الهجائية. وعدد سجدات القرآن وهي أربع عشرة سجدة على خلاف بين الفقهاء فيها. وفي الورقتين الرابعة والخامسة بيان السور التي فيها الناسخ وليس فيها المنسوخ وهي ست سور ذكرت أسماؤها، والتي فيها المنسوخ وليس فيها الناسخ وهي أربعون سورة مذكورة أسماؤها، والتي فيها الناسخ والمنسوخ معاً وهي خمس وعشرون سورة، مذكورة أسماؤها، والتي ليس فيها ناسخ ولا منسوخ وهي ثلاث وأربعون سورة مذكورة أسماؤها أيضاً، ومن الورقة السادسة إلى الحادية عشرة بيان كيفية نزول القرآن وسبب جمعه والمكي والمدني، وفي الصفحتين الثانية والأولى من الورقتين ١١، ١٢ جداول مذهبة بها بيان ما وضع في القرآن من مصطلحات القراء السبعة، وبهامشها دوائر ذهبية، وفي الصفحة الأولى من الورقة الثالثة عشرة ما يأتي
стр. 2226
(وقف هذا المصحف من المقر الأشرف العالي المولوي أقبغا الأوحدي سنة ٧٤٠هـ) ويلاحظ أن سنة وقف المصحف هي السنة التي تم فيها بناء المدرسة الأقبغاوية كما سبق ذلك، وقد كان لاقتران وقف المصحف بانتهاء بناء القبة أثر واضح في الإسراع بكتابة المصحف حتى يوضع فيها يوم تمام بنائها، إذ حبس كاتبه نفسه في بيته ستة أشهر متوالية لا يخرج منه حتى أتم كتابته، وهو زمن قليل جداً إذا قيس بما في المصحف من إتقانٍ وتذهيب ومعلومات قرآنية وتفسير.
وفي الصفحة الثانية من الورقة الثالثة عشرة والأولى من الرابعة عشرة زخارف ذهبية بأعلاها، وأسفلها مستطيل به هذه الآية ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ .
وبهامش المصحف وبين سطوره بعض التفسيرات وأحكام القراءات، وأسباب النزول مكتوبة بالمداد الأحمر ويقع المصحف في ٤٣٥ ورقة كتانية حجم كل ورقة نصف متر.
стр. 2227
هل التمسك بالحجاب الإسلامي غلو وانحراف ?
بقلم الشيخ: محمد أبو الفتح البيانوني
المدرس في كلية الشريعة بالرياض
ليس غريباً أن يتعرض الحجاب الإسلامي لهجوم عنيف من قبل مجتمعاتنا الحديثة التي أعرضت عن الإسلام، واستبدلت مظاهر المدنية الجاهلية بكمالاته وهديه ... ولكن الغريب أن يجد هذا الهجوم المركز على الحجاب سبيلاً إلى عقول بعض المسلمين فيضعفوا أمامه، ويتأثروا به ويرددوا مقالات الأعداء الآثمة دون وعي لدوافعها وآثارها ...
لقد كان فرض الحجاب على المرأة حفظاً لكرامتها خاصة، ورعاية لكيان المجتمع عامة كغيره من الفرائض والهدى الذي جاء به هذا الدين فأنقذ الناس من الظلمات إلى النور، ومهد لهم سبل السعادة في الدنيا والآخرة. فعرف أسلافنا حقيقة هذه الأوامر وتمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ ... فكانت سبب سعادتهم وسيادتهم، وجهل حقيقتهما أكثر الناس اليوم فأعرضوا عنها واستثقلوها فكان ذلك الإعراض سبب شقائهم وهوانهم ... ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ .
ولهذا، لم يكن فرض الحجاب غريباً على المرأة المسلمة في الصدر الأول ولا مفاجئاً لها، بل اهتدت إليه بعض الفطر السليمة في الجاهلية، وتمسكت به بعض النسوة حتى كاد يصل ببعضهن إلى الحجاب الكامل الذي دعا إليه الإسلام، وذلك في الوقت الذي انتشر فيه التبرج والسفور أيضاً ... فهذا هو الربيع بن زياد العبسي يرثي مالك بن زهير في الجاهلية فيقول من قصيدة:
من مثله تمسي النساء حواسراً وتقوم معولة مع الأسحار
قد كُنّ يخبأن الوجوه تستراً فاليوم حينَ بَدَون للنظار
يلطمن حُرّ وجوههن على فتى
стр. 2228
عفِّ الشمائل طيب الأخبار
ولقد تطلع بعض المسلمين في الصدر الأول إلى فرضية الحجاب، وتوقعوا صدوره عن الشارع تبعاً لما عرفوه عن طبيعة هذا الدين، ومن هنا كانت استجابة النساء المسلمات لآيات الحجاب استجابة سريعة رائعة. فما أن نزل قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ حتى استجبن لهذا الهدي القرآني الاستجابة الكاملة فأسرعن إلى الحجاب، وأدنين عليهن من جلابيبهن حتى لا يكاد يُرى منهن إلاّ مكان عين واحدة.
فعن أم سلمة ﵂ قالت: "لما نزلت آية الحجاب، خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من السكينة، وعليهن أكسية سود يلبسنها".
وعن ابن عباس ﵄ قال: "أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عيناً واحدة".
ولم تكتف النساء المؤمنات بمطلق الحجاب، وبقيت أنفسهن المؤمنة تتطلع إلى الكمال فيه، فهذه أسماء بنت مرثد ﵂ يتردد إليها النساء تبدو منهن الزينة والخلاخل، والصدور والذوائب، فيسيئها ذلك وتقول: ما أقبح هذا!؟ فينزل قول الله : ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ... الآية﴾ .
стр. 2229
وهكذا عاشت المرأة المسلمة في ظل الحجاب الإسلامي الكامل عزيزة الجانب محفوظة الحقوق في مجتمع تمسك بالإسلام، وسار على نهجه وهديه، وما كانت إحداهن لتشعر بثقل هذا الحجاب وتفكر بالتخلص منه أو بتطويره على الأقل كما هو شأن كثير من النساء اليوم ... وما كان ليخطر في بال أحد أن هذا الحجاب كان يوماً ما سبباً في ذلة، أو إضاعة حق، أو إضعاف عقل كما يتوهم الواهمون ...
ولكن أتى على الناس حين من الدهر، بعدوا فيه عن الإسلام الصحيح وساءت فيه مفاهيمهم، فتغيرت نظرتهم إلى الإسلام عامة وإلى بعض أحكامه وهديه خاصة، تبعاً للضغط الجاهلي على النفوس، وتسرب الأفكار المعادية إلى العقول ... فنظروا إلى الحجاب الكامل نظرتهم لعبء ثقيل، وحاجب كثيف يحجب المرأة عن حقها، ويضيع لها كرامتها، ولا ينسجم مع الأوضاع الحاضرة، والمجالات العامة التي فتحها الجاهلية الحديثة لأبنائها وبناتها على السواء ... فوقفوا منه مواقف مختلفة بين مزدرٍ له متهجم عليه، وبين مستثقل يحاول تطويره والتخلص منه ... وبين مُبْعدٍ عنه صفة الشرعية، ومعتبر الحجاب الكامل - في زعمه – من بقايا العقليات المتخلفة، ومظاهر المفاهيم الخاطئة ...
يُقضى على المرءِ في أيام محنته
حتى يرى حسناً ما ليس بالحسن
وسأتعرض لنماذج من مواقف بعض الكتاب المسلمين الذين تأثروا بتلك الدعوات المغرضة والحملات المعادية؛ فسايروا في مقالاتهم تلك المواقف الشاذة المختلفة، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، ليكون القراء الكرام على بصيرة من أمرهم، وينتبهوا إلى الأفكار الدخيلة عليهم، ويحذروا الانسياق وراء الادعاءات والوشايات ...
فهذا هو الأستاذ "بهي الخولي"صاحب كتاب "الإسلام والمرأة المعاصرة"يتحدث في الطبعة الثالثة عن الحجاب فيقول في ص ١٥٩:
стр. 2230
"الحجاب كلمة عاشت بمدلولٍ خطير خاطئ دهوراً طويلة في المجتمعات الإسلامية على مختلف بيئاتها، فقد فهمه الكثيرون على أنه استقرار المرأة في البيت لا تبرحه إلى أي مكان آخر ... "إلى أن قال معدداً بعض المظاهر الخطيرة التي عاش فيها الحجاب:
"وكانت خلال إقامتها في البيت لا ترى أجنبياً ولا يراها أجنبي، حتى كانت إحداهن تمرض المرض الخطير فلا يستجيبون أن يدخل الطبيب ليكشف عن مرضها لأنه أجنبي. وأما شأنها مع غير الأجانب – أي الأقارب – فإنه لم يكن يؤذن في رؤيتها إلاّ لأبيها وأبي زوجها وإخوتها. أما غير هؤلاء من نحو أبناء عمها، أو أخوة زوجها فلا". ثم ختم حديثه عن هذه المظاهر الخاطئة – في زعمه – بقوله:
"ولما قام قاسم أمين ينادي بتحرير المرأة شنع بهذا الحجاب، وأبان عدم شرعيته، وأفاض في ذكر مساوئه وأثره في إضعاف شخصية المرأة وعقلها، وأقرّه على دعوته ذووا الرأي والاستنارة من علماء المسلمين"١٠هـ.
فأي خطأ يا ترى في حجب المرأة عن الأجانب عامة حيث لا ترى أجنبياً ولا يراها أجنبي!؟ وأي شرٍّ يترتب على حجب المرأة عن ابن عمها وأخوة زوجها!؟ وهل هذه التصرفات وأمثالها من التقاليد الخاطئة الدخيلة على الحجاب، أم أنها حقيقة الحجاب الإسلامي!؟
ماذا يقول كاتبنا في قول رسول الله ﷺ حينما يُسأل عن الحَمْوِ – وهو قريب الزوج – فيجيب محذراً: الحَمْوُ الموت!!
ومن هم أولئك المستنيرون ولعقلاء من ذوي الرأي الذين أقروا "قاسم أمين"على دعوته في "تحرير المرأة "؟! اللهم إلا إذا كانوا من المستنيرين بنور الغرب، وفكر الجاهلية التي ترى في الحجاب الإسلامي الكامل إضعافاً لشخصية المرأة وعقلها. فهل أضعف الحجاب الكامل من عقول وشخصيات نساء رسول الله ﷺ ، والفضليات من نساء المؤمنين يوم تمسكن به التمسك الكامل؟! سبحانك هذا بهتان عظيم.
стр. 2231
وهذا هو الأستاذ الدكتور "تقي الدين الهلالي "يطالعنا في مقاله: " تعليم الإناث وتربيتهن"الذي نشر في العدد الرابع من مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة – بترديد مقالات أولئك، وبالتسليم لبعض آرائهم وهجومهم على الحجاب ... فيقول في ص ٢٣ من العدد المذكور:
"وأما آباؤنا المتأخرون فقد انحرفوا عن الجادة في الدين والدنيا وعلومهما، فلما عجزوا عن إقامة صروح العفاف والأخلاق الكريمة وتنفيذ حدود الشرع المحمدي العظيم، لجأوا إلى الاختفاء والفرار والاختباء، فغلوا في الحجاب حتى دفنوا النساء كما قلتم، ومنعوهن من الخروج، وإذا خرجن يفرضون عليهن ستر وجوههن إلا عيناً واحدة أو نصف عين، وجعلوا صوتهن عورة وحديثهن مع الرجال وإن كانوا صالحين وبحضرة محارمهن أو أزواجهن وقاحة ... ".
فهل هذه المظاهر في الحقيقة من الغلو في الدين! ومن آثار آبائنا وأجدادنا المتأخرين المتخلفين الذين انحرفوا عن الجادة في الدين!؟.
وهل هذا هو الحجاب الكامل الذي وصفه الكاتب في حقيقته تعبير عن العجز والضعف، ولجوء إلى الاختباء والفرار!؟ وهل أن ستر المرأة لوجهها كله مظهر من مظاهر الخطأ والانحراف!؟
وقد يكون الكاتب الكريم يميل إلى جواز كشف وجه المرأة، فلا مجال في هذا المقال للدخول في نقاش معه حول هذا الموضوع، ولا للتعرض لأولئك الذين تحمسوا لهذا الرأي فدعوا المرأة إلى سفور الوجه في عصر الانحلال والفساد ... فلقد كُتِبَ عن هذا الكثير، وتبين لنا في كثير من المجتمعات الإسلامية أن كشف الوجه كان سبيلاً إلى السفور الكامل، وخطوة عاجلة إلى التبرج والفساد، ولطالما اتخذ الأعداء أقوال هؤلاء وسيلة ناجحة إلى ما يريدون ...
стр. 2232
ولكنني أكتفي هنا أن أتساءل: هل قال أحد من السلف أو الخلف إن ستر الوجه غلو في الدين وانحراف عن الجادة المستقيمة، وأثر من آثار التخلف والانحطاط؟ كلا، إن العلماء جميعاً متفقون على أن ستر الوجه كمال وفضيلة، ولم يكن خلافهم إلا في وجوب الستر وعدم وجوبه. فكيف يجرؤ مسلم على أن يحكم على الكمال المتفق عليه بأنه غلو وانحراف؟
ماذا يقول كاتبنا في قول ابن عباس ﵄: "أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب، ويبدين عيناً واحدة "!!
وبماذا يجيب عن قول محمد بن سيرين حيث يقول: سألت عبيدة السلماني عن قول الله ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنّ﴾ فغطى وجهه ورأسه وأبرز عينه اليسرى."؟
ثم إن كان هذا غلواً في الدين، فماذا يقول بأمر الرسول ﷺ نساءه بالحجاب من الأجانب حتى العميان منهم..! فهذه أم سلمة ﵂ تقول: " كنت عند الرسول ﷺ وعنده ميمونة، فأقبل ابن أم مكتوم، وذلك بعد أن أمرنا بالحجاب، فدخل علينا فقال رسول الله ﷺ : احتجبا منه، فقلنا: أليس هو أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا!؟ قال: أفعمياوان أنتما لستما تبصرانه!؟ ".
ثم نجد الكاتب المذكور يقول مناقشاً أولئك الذين منعوا المرأة حق تعلم الكتابة وذلك في ص ٢٠ من هذا المقال:
стр. 2233
"وأما قولكم: إن القلم أحد اللسانين، وإن المرأة لجهلها بهذا اللسان وضرب الحجاب الشديد تأمن شر اللسانين ... فقد أخطأتم في ذلك خطأ فاحشاً، ألم تعلموا أن الفتاة التي ربيت على العفاف والتحصن لا يصل إليها سوء ولو كانت بين الرجال في غير ريبة، وقد كانت النساء يرافقن رجالهن في الغزوات، وكان النبي ﷺ يصحب معه نساءه في الغزو والحج، وكانت نساء الصحابة غير قابعاتٍ في بيوتهن، بل يخرجن لأشغالهن إن كانت، ويعلفن الخيل ويكدحن في أموالهن. وكان النساء يغزون بعد النبي ﷺ ... وذلك مسطور في كتب الحديث لا نطيل بذكره، فلم يضرهن ذلك لقوة إيمانهن وكمال عفافهن ... ".
لا أريد هنا أن أخالف الكاتب الكريم في رأيه في أولئك الذين منعوا المرأة حق التعلم والكتابة، ولا في حكمه الذي يقول فيه: إن الفتاة إذا أسيئت تربيتها لا يمكن صيانتها ... فإن هذا مما تتفق عليه العقول. ولكنني أريد أن أشير إلى أن تلك الأوصاف التي أسهب في ذكرها عن المرأة المسلمة في الصدر الأول لا تنطبق عليها كل الانطباق، ولا يمكن أن يُؤخَذَ منها حكم عام يعم النساء في ذلك العصر ... فلم يكن نساء ذلك العصر خارجاتٍ ضارباتٍ في الأرض كادحاتٍ في أموالهن كما يكدح الرجال، وإنما كُنّ في معظم أحوالهن عاملات في ميدان عملهن الأول المناسب لطبيعتهن ألا: وهو البيت، حيث ترعى المرأة فيه أمور البيت والزوج، وتسهر على تربية الأولاد وتنشئتهم التنشئة الصالحة، فتتفرغ بذلك لأعمالها وتقوم بوظيفتها حق القيام ... ولولا أن القرار في البيوت هو الأصل المنسجم مع طبيعة المرأة لما أمرها الله بذلك في صريح كتابه ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأولَى..﴾ ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ !!
стр. 2234
وفي تفسير هذه الآية يقول الإمام القرطبي: "معنى هذه الآية: الأمر بلزوم البيت، ثم يقول: كيف والشريعة طافحة بلزوم النساء بيوتهن، والانكفاف عن الخروج منها إلا لضرورة ... ".
ثم نرى الكاتب المذكور يختم حديثه عن هؤلاء وأولئك بقوله في ص ٢٤:
"ولو قام رجال عقلاء صالحون بتغيير هذه العادة ورد النساء إلى ما كن عليه في زمان النبي ﷺ – وهو: ما عليه نساء القرى والبوادي في البلاد الإسلامية بأسرها من أول ظهور الإسلام إلى اليوم – مع أدب غض البصر ونحوه، لوجب أن يُصغي لإصلاحهم، وأن يعانوا عليه ... ".
فهل يعجب الكاتب الكريم أن تسفر نساء المدن اليوم سفور أهل القرى زاعمات مع ذلك الاقتداء بسلفهن!؟
وكيف يجرؤ على أن يحكم على النساء في زمن النبي ﷺ أنهن كن سافرات الوجوه سفور أهل القرى والبوادي!؟ _ حاشاهن من ذلك – فإن النصوص الكثيرة المتوافرة تؤكد لنا بأن ستر الوجه أمر مألوف معروف في القرون الأولى، وأن النساء المؤمنات كن يسترن وجوههن حتى في حالة الإحرام إذا ما مرّ أمامهن الرجال ... ولا عجب فلقد كانت المرأة المسلمة تعتبر كشف الوجه كشفاً للحياء ومصيبة من المصائب ...
فهذه أم خلاّدٍ ﵂ – كما يروي أبو داود – تأتي إلى رسول الله ﷺ "متنقبة" وهي تسأل عن ابنها المقتول ... فيستغرب أحد الحاضرين نقابها ووقارها وهي على ما عليه من مصيبة، فتجيبه معبرة عن مفهوم المرأة المسلمة عن الحجاب: "إن أرزأُ ابني فلن أرزأ حيائي".
стр. 2235
ويذكر لنا عاصم الحول: أنهم كانوا يدخلون على حفصة بنت سيرين – رحمهما الله – وهي امرأة عجوز فتستتر بجلبابها وتغطي وجهها، فيقولون لها مداعبين: رحمك الله، قال الله تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ فتقول لهم: أي شيء بعد ذلك؟ فيقولون: ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُن ... ﴾ فتقول: هو إثبات الحجاب.
وما كانت أولئك الفضليات من النساء المؤمنات ضائعات الحقوق، ولا ضعيفات الشخصية وهن على ما عليه من حجاب كامل وتعفف صادق وإنما كن المؤمنات العزيزات، القانتات الصالحات، الهاديات المهديات المستجيبات لأمر الله، والمتأسيات بسيرة أمهات المؤمنين ﵅ أجمعين.
أسأل الله لنا جميعاً الرشاد والسداد في القول والعمل، والحمد لله رب العالمين ...
стр. 2236
﴿وَذَكِّر فَإنّ الذِكرَى تَنْفَعُ المُؤمِنِين﴾
للشيخ حسن السيد متولي
المدرس بكلية الدعوة وأصول الدين في الجامعة
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ .
стр. 2237
وسبب نزول هذه الآيات أن نفراً من الأوس والخزرج كانوا جلوساً يتحدثون فمر بهم شاس بن قيس اليهودي فغاظه ما رآه من ألفتهم بعد ما كانوا عليه من العداوة في الجاهلية. وقال والله ما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم من قرار. فأمر شاباً من اليهود أن يجلس معهم ويذكرهم يوم (بُعَاث) وينشدهم بعض ما قيل فيه. وكان الظفر في ذلك اليوم للأوس. ففعل. فتنازع القوم وتفاخروا وتغاضبوا وقالوا. السلاح. السلاح، فاجتمع من القبيلتين خلق عظيم. فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين والأنصار من أصحابه حتى جاءهم. فقال: "يا معشر المسلمين ألله ألله. أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن أكرمكم الله بالإسلام وقطع به عنكم أمر الجاهلية وألف بين قلوبكم". فعلموا أنها نزغة من الشيطان وكيد من أعدائهم فألقوا السلاح واستغفروا وعانق بعضهم بعضاً وانصرفوا مع رسول الله ﷺ .
والسبب خاص. ولكن الخطاب عام لجميع المؤمنين في جميع العصور. وقد خاطبهم الله تعالى لإشعارهم بأنهم الجديرون بمخاطبة الله وتكريمه.
والآية الأولى تكشف للمؤمنين عن أعدائهم وتحذرهم من خطرهم مبينة لهم أن طاعتهم لفريق من أهل الكتاب تفضي بهم إلى الكفر وقد حدث لهم من اليهود ما أثار الفتنة بينهم ولولا أن رسول الله حضر وذكرهم بنعمة الإسلام التي ألفت بين قلوبهم لعادوا إلى ما كانوا عليه في الجاهلية وقد حذر الرسول من تنازع المسلمين في حجة الوداع فقال: "لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض" والآية الثانية ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُون﴾ إنكار وتعجب لحدوث طاعة منهم لأهل الكتاب تجرهم إلى الكفر وتنحرف بهم عن دينهم والحال أن آيات الله تتلى عليهم والرسول ﷺ بين ظهرانيهم يرشدهم ويهديهم إلى طريق العزيز الحميد ثم بين لهم أن من اعتصم بالله وتمسك بدينه كان في غنى عن غيره وفاز بالاهتداء إلى الصراط المستقيم.
стр. 2238
أما الآية الثالثة: فإن الله ينادي المؤمنين آمراً لهم بأن يتقوه حق تقواه بحيث لا يتركون شيئاً مما يلزم فعله ولا يفعلون شيئاً مما يلزم تركه وعليهم أن يبذلوا في ذلك جهدهم واستطاعتهم طائعين لله غير عاصين متذكرين له غير ناسين شاكرين له دون كفر.
وأن يداوموا على تقواه فلا يلقون الله إلا وهم مسلمون.
ثم يأمرهم الله في الآية الرابعة بأن يعتصموا بحبل الله. و (العصمة) : المنعة؛ أي يمتنعون به عن كل ما يضرهم. وحبل الله هو القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه لأنه تنزيل من حكيم حميد وقد روي عن الرسول: "إن هذا القرآن حبل الله".
و (الحبل) : لفظ مشترك بين معان متعددة المناسب منها للآية ما ذكرناه وأصله في اللغة. السبب الذي يوصل إلى البغية والحاجة وينهاهم عن التفرق الذي يشتت شملهم ويمزقهم كل ممزق بقوله ﴿وَلا تَفَرَّقُوا﴾ كما يأمرهم في هذه الآية بتذكر نعمة الله الكبرى عليهم وهي الإسلام ليشكروها بالمحافظة عليها حيث قضت على ما كان عليه الأوس والخزرج قبل الإسلام من نزاع اصطلوا بناره عشرات من السنين فألف الله بين قلوبهم بالإسلام وصاروا بنعمته إخواناً ونجاهم الله وهم مشرفون على الهلاك بهدايتهم ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ والشفا: الحرف. ومثل ذلك البيان العظيم بين الله لكم آياته لعلكم تهتدون.
وقد بين في هذه الآيات أسساً ثلاثاً تقوم عليها بناء الأمة الإسلامية وتحيا بها في عزة ومنعة تؤدي رسالة الله في أرضه.
الأساس الأول:
التحذير من متابعة أعداء الأمة الإسلامية وهم أهل الكتاب فلا يأخذوا منهم شيئاً يعتقدونه ولا تشريعاً يعملون به ولا يقلدونهم في أخلاقهم وعاداتهم؛ لأنهم في غنى عن ذلك كله بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
стр. 2239
لكن الإسلام لا يمنع أن يأخذ المسلمون منهم ما وصلوا إليه من اكتشافات واختراعات ما داموا قد تخلفوا بسبب إهمالهم النظر في ملكوت الله والبحث عن الخصائص التي أودعها في كونه.
وكيان الأمة الإسلامية مرهون بمعرفة أعدائها ومعاملته على هذا الأساس؛ لأنهم لا يريدون للمسلمين إلا الدمار والهلاك. وكم حذر الله المؤمنين في كتابه فهو سبحانه يقول لهم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ويقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ وقال لرسوله ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ .
إذاً فيستحيل زوال عداوة أهل الكتاب للمؤمنين إلاً إذا تهودوا أو تنصروا كما أخبر الله ونعوذ بالله من الردة والكفر.
ولهذا ينكر الله على المؤمنين متابعة أهل الكتاب ومصادقتهم وينبههم إلى ألد أعدائهم بقوله سبحانه: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ .
﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ . وقد اكتوت الجماعة المؤمنة بنار الحقد اليهودي منذ نشأتها حتى وقتنا هذا وسيظل هذا شأنهم ما دامت الحياة الدنيا. والتاريخ الإسلامي مليء بما فعله أعداء المسلمين بهم.
والأساس الثاني:
стр. 2240
الإيمان بالله مصحوباً بتقوى الله حق تقاته بحيث يظل المسلمون مدى حياتهم في كنف هذه التقوى حتى يلقوا الله مسلمين.
أما الأساس الثالث:
وهو التمسك بدين الله وكتابه والاجتماع حوله متآخين متحابين يستمدون منه عقائدهم وشريعتهم ودستورهم فهو الكافي للأمة الحامي لها من الانحراف والعاصم لها من الكفر يجمع بين قلوبها ويوحد صفوفها لتكون كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً تحتكم إليه عند الاختلاف كما أمر الله صوناً لوحدتها فهو سبحانه يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ فإذا ما استجابت الأمة الإسلامية لنداء ربها فآمنت وتمسكت بكتاب الله وسنة رسوله كانت خير أمة أُخرجت للناس وقادت هذا العالم إلى ما فيه خيره في معاشه ومعاده.
وقد أنزل الله هذه الآيات منهجاً يسير عليه المؤمنون في حياتهم بعد أن بدأ اليهود ينفذون خطة عدائهم ضد الأمة الناشئة ليكون حصناً منيعاً لجماعة المؤمنين أمام مؤامرات أعدائهم وكيدهم.
وإنا بإزاء هذا المنهاج القويم نعرض صورتين للأمة الإسلامية صورة للسابقين الذين اعتنقوه وعملوا به وأخرى للأمة الإسلامية في عصرنا الحاضر وقد أهملت هذه الأسس لنرى الآثار التي انعكست عليها في كلتا الحالتين.
الحالة الأولى:
стр. 2241
سار الرسول ﵊ والمؤمنون معه مستمسكين بهذه الأسس مطبقين لمنهج الله الذي شرعه لهم مستجيبين لندائه فأيدهم بنصره وفشلت جميع الدسائس والمؤامرات التي حاكها اليهود ضدهم لأنهم اعتصموا بحبل الله وعاشوا حياتهم متحدين في أخوة إسلامية عقدها الرسول بين صحابته من المهاجرين والأنصار أُخوة فاقت أُخوة النسب وفي ظل هذا الإيمان وتلك الأخوة نمت الدولة الإسلامية ورفعت لواءها في هذا العالم عزيزة قوية عادلة رحيمة وباء أعداؤها بالخيبة والهزيمة؛ لأن حزب الله هم الغالبون المفلحون.
ألم ترَ إلى حيي بن أخطب وجماعته من اليهود حينما ألبوا مشركي الجزيرة العربية وتعاهدوا معهم على حرب الرسول وأصحابه في المدينة. المشركون من خارجها واليهود من داخلها حتى يتمكنوا من إبادة محمد والمؤمنين معه وهم قلة قليلة بالنسبة إليهم واستعد المسلمون لمواجهة أعدائهم وحفروا خندقاً حول المدينة وكان موقفاً عصيباً على المؤمنين لكن النصر حالفهم ولم تُجْدِ قوة الأعداء المادية أمام عون الله لعباده المؤمنين فقد صدق الله وعده ونصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده.
واقرأ أو استمع لبيان الله تعالى في هذا الموقف تذكرة للمؤمنين بنصر الله لهم آيات تتلى عظة وعبرة لأولي الألباب.
يقول جلى شأنه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً﴾ .
стр. 2242
وكان موقف المنافقين ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاّ غُرُوراً وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً﴾ .
أما المؤمنون فقالوا ﴿وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً﴾ .
فتولى الله الدفاع عنهم ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَأُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً﴾ . وصدق الله العظيم ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ .
стр. 2243
وقد فتحت هذه الجماعة المؤمنة البلاد شرقاً وغرباً بعد أن انتقل الرسول إلى الرفيق الأعلى وانهارت أمامها عروش القياصرة والأكاسرة؛ لأنها آمنت بالله واعتصمت بكتابه وسنة رسوله ودعت إلى دينه ودافعت عن مبادئها لتكون كلمة الله هي العليا ووضعت نصب أعينها لحماية دينها. قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ .
فكان لها بعون الله ما أرادت.
أما أمة الإسلام في عصرنا الحاضر فعددها مئات الملايين وكيانها دول ودويلات متناثرة ضعيفة متخاذلة يحيط بها أعداؤها كما تحيط الأكلة الجياع بقصعتها ولكنهم مع هذه الكثرة كما قال الرسول "غثاء كغثاء السيل" لا قوة ولا منعة ونحن نحس هذا ونشاهده ونحترق بناره.
стр. 2244
وسبب هذا أنهم لم يستجيبوا لنداء الله تعالى فلم يعاملوا أهل الكتاب والمشركين على أنهم أعداء لهم بل صادقوهم وأطاعوهم، ولم يتمسكوا بكتاب الله عقيدة وعملاً كما أُمرُوا بل حكم معظمهم بغير ما أنزل الله، وأوقع الكفار بينهم العداوة والبغضاء حتى ضرب بعضهم رقاب بعض، والآن تُشَنُ الحرب على المسلمين من كل جانب من اليهود وغيرهم مؤامرة مدبرة من أعداء الله ضد الأمة الإسلامية وليس لها من دون الله كاشفة ولا نجاة للمسلمين إلاّ أن يرجعوا إلى دينهم متمسكين بحبل الله متحدين متآخين في الله متعاونين متناصرين فيبدل الله ضعفنا قوة وذلنا عزاً ويمكننا في أرضه ويمدنا بعونه كما قال سبحانه ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾ .
ولن تصلح هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾
стр. 2245
أضواء من التفسير
للشيخ عبد القادر شيبة الحمد: المدرس بكلية الشريعة
قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الأَوْتَادِ. وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ لأَيْكَةِ أُولَئِكَ الأَحْزَابُ. إِنْ كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ. وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ. وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ .
المناسبة:
لما ذكر أنه أهلك قبل قريش قروناً كثيرة لما كذبوا رسلهم، وهدد قريشاً وتوعدهم سرد هنا على سبيل الاستئناف بعض هؤلاء الهالكين، تقريراً لمضمون ما قبله وزيادة في تخويف الكفار وتهديدهم.
القراءة:
قرئ "فواق"بفتح الفاء وبضمها.
المفردات:
следующие страницы →