Полный текст (23 804 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.
стр. 2241
سار الرسول ﵊ والمؤمنون معه مستمسكين بهذه الأسس مطبقين لمنهج الله الذي شرعه لهم مستجيبين لندائه فأيدهم بنصره وفشلت جميع الدسائس والمؤامرات التي حاكها اليهود ضدهم لأنهم اعتصموا بحبل الله وعاشوا حياتهم متحدين في أخوة إسلامية عقدها الرسول بين صحابته من المهاجرين والأنصار أُخوة فاقت أُخوة النسب وفي ظل هذا الإيمان وتلك الأخوة نمت الدولة الإسلامية ورفعت لواءها في هذا العالم عزيزة قوية عادلة رحيمة وباء أعداؤها بالخيبة والهزيمة؛ لأن حزب الله هم الغالبون المفلحون.
ألم ترَ إلى حيي بن أخطب وجماعته من اليهود حينما ألبوا مشركي الجزيرة العربية وتعاهدوا معهم على حرب الرسول وأصحابه في المدينة. المشركون من خارجها واليهود من داخلها حتى يتمكنوا من إبادة محمد والمؤمنين معه وهم قلة قليلة بالنسبة إليهم واستعد المسلمون لمواجهة أعدائهم وحفروا خندقاً حول المدينة وكان موقفاً عصيباً على المؤمنين لكن النصر حالفهم ولم تُجْدِ قوة الأعداء المادية أمام عون الله لعباده المؤمنين فقد صدق الله وعده ونصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده.
واقرأ أو استمع لبيان الله تعالى في هذا الموقف تذكرة للمؤمنين بنصر الله لهم آيات تتلى عظة وعبرة لأولي الألباب.
يقول جلى شأنه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً﴾ .
стр. 2242
وكان موقف المنافقين ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاّ غُرُوراً وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً﴾ .
أما المؤمنون فقالوا ﴿وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً﴾ .
فتولى الله الدفاع عنهم ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَأُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً﴾ . وصدق الله العظيم ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ .
стр. 2243
وقد فتحت هذه الجماعة المؤمنة البلاد شرقاً وغرباً بعد أن انتقل الرسول إلى الرفيق الأعلى وانهارت أمامها عروش القياصرة والأكاسرة؛ لأنها آمنت بالله واعتصمت بكتابه وسنة رسوله ودعت إلى دينه ودافعت عن مبادئها لتكون كلمة الله هي العليا ووضعت نصب أعينها لحماية دينها. قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ .
فكان لها بعون الله ما أرادت.
أما أمة الإسلام في عصرنا الحاضر فعددها مئات الملايين وكيانها دول ودويلات متناثرة ضعيفة متخاذلة يحيط بها أعداؤها كما تحيط الأكلة الجياع بقصعتها ولكنهم مع هذه الكثرة كما قال الرسول "غثاء كغثاء السيل" لا قوة ولا منعة ونحن نحس هذا ونشاهده ونحترق بناره.
стр. 2244
وسبب هذا أنهم لم يستجيبوا لنداء الله تعالى فلم يعاملوا أهل الكتاب والمشركين على أنهم أعداء لهم بل صادقوهم وأطاعوهم، ولم يتمسكوا بكتاب الله عقيدة وعملاً كما أُمرُوا بل حكم معظمهم بغير ما أنزل الله، وأوقع الكفار بينهم العداوة والبغضاء حتى ضرب بعضهم رقاب بعض، والآن تُشَنُ الحرب على المسلمين من كل جانب من اليهود وغيرهم مؤامرة مدبرة من أعداء الله ضد الأمة الإسلامية وليس لها من دون الله كاشفة ولا نجاة للمسلمين إلاّ أن يرجعوا إلى دينهم متمسكين بحبل الله متحدين متآخين في الله متعاونين متناصرين فيبدل الله ضعفنا قوة وذلنا عزاً ويمكننا في أرضه ويمدنا بعونه كما قال سبحانه ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾ .
ولن تصلح هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾
стр. 2245
أضواء من التفسير
للشيخ عبد القادر شيبة الحمد: المدرس بكلية الشريعة
قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الأَوْتَادِ. وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ لأَيْكَةِ أُولَئِكَ الأَحْزَابُ. إِنْ كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ. وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ. وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ .
المناسبة:
لما ذكر أنه أهلك قبل قريش قروناً كثيرة لما كذبوا رسلهم، وهدد قريشاً وتوعدهم سرد هنا على سبيل الاستئناف بعض هؤلاء الهالكين، تقريراً لمضمون ما قبله وزيادة في تخويف الكفار وتهديدهم.
القراءة:
قرئ "فواق"بفتح الفاء وبضمها.
المفردات:
стр. 2246
"عاد"قوم هود وكانوا يسكنون الأحقاف جنوبي الجزيرة العربية. "الأوتاد"جمع وتد بكسر التاء وفتحها؛ وهو: ما رز في الأرض أو الحائط من خشب. "ثمود"قوم صالح وكانوا يسكنون الحجر. "قوم لوط"أهل سادوم وعامورة من دائرة الأردن. "الأيكة"الغيضة وهي الأشجار الملتفة المجتمعة. وهم قوم شعيب ﵇ وكانوا يسكنون قرية مدين. "إن"بمعنى ما. "فحق"فثبت ووجب. "عقاب"الأصل عقابي أي عذابي. "ينظر"ينتظر. "هؤلاء"الإشارة لأهل مكة. "صيحة"أصل الصيحة الصوت بأقصى الطاقة والمراد هنا النفخة الثانية. "فواق"بفتح الفاء وضمها قيل هما لغتان بمعنى واحد وهو الزمان الذي بين حلبتي الحالب ورضعتي الراضع كقوله تعالى: ﴿لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً﴾ وقيل من فواق يعني: من رجوع، من أفاق المريض: إذا رجع إلى صحته، وأفاقت الناقة تفيق إفاقة: إذا رجعت واجتمعت الفيقة في ضرعها، والفيقة: اللبن الذي يجتمع بين الحلبتين. وقال الفراء: فواق بالفتح: الأفاقة والاستراحة كالجواب من أجاب، وأما المضموم فاسم لا مصدر. والمشهور الأول أنها بمعنى واحد. "قطنا"أي نصيبنا؛ فالقط: الحظ والنصيب كما قال الفراء. وأصل القط: القطعة من الشيء من قطَّه إذا قطعه، ويطلق على الصحيفة بالجائزة؛ لأنها قطعة من القرطاس ومنه قول الشاعر:
ولا الملك النعمان يوم لقيته
بنعمته يعطي القطوط ويطلق
التراكيب:
قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ استئناف مقرر لمضمون ما قبله، وتأنيث قوم باعتبار معناه وهو: أنهم أمة وطائفة وجماعة، وقوله: ﴿ذُو الأَْوْتَادِ﴾ أي صاحب الأوتاد. قيل: المراد أنه اتخذ أربعة أوتاد يشد إليها يدي ورجلي من يريد تعذيبه، وقيل معناه: ذو الملك الثابت، شبَّهَ ثبوت الملك بثبوت البيت المطنب بأوتاده ومنه قول الأفوه العوذي:
والبيت لا يبتن إلاّ على عمد
ولا عماد إذا لم ترس أوتاد
وكما قال الأسود بن يعفر:
стр. 2247
ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة
في ظل ملك ثابت الأوتاد
وقال ابن مسعود وابن عباس في رواية عطية: الأوتاد: الجنود يقوون ملكه كما يقوي الوتد الشيء. وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الأحْزَابُ﴾ الظاهر أن الإشارة فيه راجعة إلى أقرب مذكور وهم قوم نوح ومن عطف عليهم، وفيه تفخيم لشأنهم، وإعلاء لهم على من تحزب على رسول الله ﷺ ومعناه: هؤلاء الأقوياء لما كذبوا الرسل عوقبوا، وأنتم كذبتم كتكذيبهم مع أنكم أضعف منهم. ويجوز أن يكون (أولئك) مبتدأ والأحزاب خبره، والجملة بدل من الطوائف المذكورة. ويجوز أن تكون (أولئك) مبتدأ والخبر إن كل إلاّ كذب الرسل مع حذف العائد والتقدير أي: كلهم أو كل منهم والجملة مستأنفة لتقرير مضمون ما قبلها. وقوله: ﴿إِنْ كُلٌّ إِلا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ يجوز أن تكون الجملة خبراً كما مرّ ويجوز أن تكون استئنافية لتقرير تكذيبهم على أبلغ وجه، وتمهيد ما عقب به، و (كل) مبتدأ و (إلاّ) استثناء مفرغ، وجملة (كذب) الخبر؛ أي: ما كل واحد منهم محكوماً عليه بحكم أو مخبراً عنه بخبر إلاّ بأنه كذب الرسل، لأن الرسل يصدق بعضهم بعضاً وكلهم متفقون على الحق، فتكذيب كل واحد منهم تكذيب لهم جميعاً، ويجوز أن يكون من مقابلة الجمع بالجمع فيقتضي القسمة آحاداً، وعليه فالمعنى ما كل واحد منهم محكوماً عليه بحكم أو مخبراً عنه بخبر إلا بأنه كذب رسوله. والحصر -هنا- عل سبيل المبالغة؛ كأن سائر أوصافهم بالنظر إلى ما أثبت لهم بمنزلة العدم، فيدل على أنهم غالون في التكذيب. ويدل على ذلك أيضاً تكرير
стр. 2248
التكذيب وإيضاحه بعد إبهامه، وتنويع تكريره بالجملة الفعلية ألا وهي كذبت وبالاسمية الاستئنافية ثانياً؛ وهي: إن كل إلا كذب الرسل، وما في الاستثنائية من الوضع على وجه التخصيص والتأكيد، فكل هذا يفيد أنواعاً من المبالغة المسجلة عليهم باستحقاق أشد العذاب وأبلغه ولذلك رتب عليه قوله تعالى: ﴿فَحَقَّ عِقَابِ﴾ وقد وقع عليهم عقاب الله تعالى الذي أوجبته جناياتهم مع تنويع أصناف العقوبات فأغرق قوم نوح بالطوفان، وغشى فرعون وقومه من اليم ما غشيهم، وأهلكت عاد بالدبور، وثمود بالصيحة، وقوم لوط بالخسف وأصحاب الأيكة بعذاب يوم الظلة.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلاء﴾ شروع في بيان عقاب كفار مكة بعد بيان عقاب أضرابهم من الأحزاب، فالمشار إليه بهؤلاء أهل مكة، والإشارة به لتحقير شأنهم وتهوين أمرهم، وقوله تعالى: ﴿مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ (ما) نافية ولها خبر مقدم و (من) حرف جرّ جيء به لاستغراق النفي، و (فواق) مبتدأ والجملة في محل نصب صفة لصيحة.
وقوله: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ استئناف لبيان استهزائهم بالوعيد، وسخريتهم من التهديد، ولتقرير مضمون ما تقدم من وصف استكبارهم وعنادهم.
المعنى الإجمالي:
стр. 2249
ليس تكذيب قريش لك غريباً في بابه، فريداً من نوعه، ولست أول من كذبه قومه، لقد جحدت أمة نوح ﵇ رسالته، ومن بعدها عاد كذبوا هوداً، وثمود كذبوا صالحاً، وفرعون الجبار الشديد الأذى كذب موسى، وأهل سادوم وعمورة من دائرة الأردن كذبوا لوطاً، وأصحاب الغيضة أهل مدين كذبوا شعيباً، أولئك المتحزبون المتعصبون حقاً، ما وصفوا بغير تكذيب رسلهم وجحد رسالات ربهم، فأنزلت بهم عقابي، وأحللت عليهم غضبي، وهم أشد من أهل مكة قوة، وأكثر منهم جمعاً، فأغرقت قوم نوح بالطوفان، ودمرت فرعون غرقاً في اليم، وأرسلت على عاد ريحاً صرصراً في يوم نحس مستمر، وأخذت ثمود صاعقة العذاب الهون، وجعلت عالي أرض سادوم وعمورة سافلها، وأرسلت عليهم حجارة من طين، وأخذ أصحاب يوم الأيكة عذاب يوم الظلة.
وما أنتم يا أهل مكة بخير من هؤلاء وليس لكم براءة من الزبر، وما تنظرون إلا نفخة القيامة، تؤمنون لديها، وتحاسبون عندها، وتعاقبون فيها، العقاب الشديد الذي لا يخطر لكم على بال، ولا يمر منكم على خيال.
ولقد سخر هؤلاء الفجرة من هذا الوعيد الشديد، واستهزءوا بهذا التهديد، وقالوا: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ .
ما ترشد إليه الآيات:
١- تسلية النبي ﷺ .
٢- كانت الأمم السابقة أقوى من أهل مكة.
٣- طغيان فرعون وشدة إيذائه للمؤمنين.
٤- أن تحزب السابقين هو التحزب.
٥- أخص صفات الكفار التكذيب.
٦- عقاب المكذبين في العاجلة.
٧- الإشارة بعدم استئصال أهل مكة.
٨- سهولة إحياء الموتى.
٩- الوعيد الشديد لأهل مكة.
١٠- سخريتهم واستهزاؤهم بالوعيد.
стр. 2250
قال تعالى: ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الأيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالأشْرَاقِ. وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ .
المناسبة:
لما ذكر الله تعالى في الآية السابقة استخفاف أهل مكة بالوعيد وما تلفظوا به من قول ينم عن خبث طوية، مع تهديدهم رسول الله ﷺ بالقتل كما روي في بعض روايات أسباب النزول، أمر الله نبيه في هذه الآية بالصبر على أذاهم.
القراءة:
والجمهور ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾ بنصبها، وقرئ برفعهما.
المفردات:
﴿اصْبِرْ﴾ احبس نفسك عن الجزع ﴿دَاوُدَ﴾ من مشاهير أنبياء بني إسرائيل وممن أوتوا الملك منهم. ﴿الأيْدِ﴾ مصدر آد الرجل يئيد وإياداً بكسر الهمزة إذا قوي واشتد ومنه قولهم: أيدك الله تأييداً. ﴿أَوَّابٌ﴾ رجاع يعني لمرضاة الله تعالى. ﴿سَخَّرْنَا﴾ أتبعنا.
﴿يُسَبِّحْنَ﴾ ينزهن الله تعالى ويقدسنه بصوت يتمثل لداود ﵇ فكان إذا سبح جاوبته الجبال بالتسبيح كما روي عن ابن عباس. ﴿بِالْعَشِيِّ﴾ قال الراغب: من زوال الشمس إلى الصباح. وقيل المراد هنا وقت العشاء الأولى يعني المغرب. ﴿وَالأشْرَاقِ﴾ وقت إضاءة الشمس وصفاء نورها، يقال: شرقت الشمس إذا طلعت، وأشرقت إذا أضاءت وصفت. ﴿مَحْشُورَةً﴾ مجموعة إليه. ﴿شَدَدْنَا﴾ قوينا. ﴿آتَيْنَاهُ﴾ أعطيناه ومنحناه.
﴿الْحِكْمَةَ﴾ النبوة وكمال العلم والإصابة في الأمور. ﴿فَصْلَ الْخِطَابِ﴾ البيان الشافي في كل قصد. وقيل: البينة على المدعي واليمين على من أنكر. وقيل: القضاء بين الناس بالحق وقيل كلمة أما بعد.
التراكيب:
стр. 2251
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ تعليل لكونه ذا اليد، ودليل على أن المراد به القوة في الدين. وقوله: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ﴾ استئناف مسوق لتعليل قوته في الدين، ويجوز أن يكون استئنافاً لبيان القصة أو التمهيد لها. وقوله: ﴿مَعَهُ﴾ متعلق بسخرنا وجوز أن يتعلق بقوله يسبحن. وإنما قال: (معه) ولم يقل: (له) كما قال: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ﴾ ؛ لأن تسخير الجبال له ﵇ لم يكن بطريق تفويض التصرف الكلي فيها إليه كتسخير الريح لسليمان بل بطريق الإقتداء به والمشاركة في العبادة معه. وقوله ﴿يُسَبِّحْنَ﴾ في موضع نصب على الحال من الجبال، وقد وضع موضع مسبحات لإفادة الاستمرار التجددي وأنها يحصل منها التسبيح حالاً بعد حال. وقيل إن جملة يسبحن مستأنفة لبيان التسخير كأن سائلاً سأل: كيف كان تسخيرها؟ فقيل يسبحن. وقوله ﴿وَالطَّيْرَ﴾ على قراءة النصب معطوفة على الجبال و ﴿مَحْشُورَةً﴾ حال من الطير والعامل سخرنا وإنما لم يؤت بالحال فعلاً مضارعاً كالحال السابقة أعني (يسبحن) ؛ لأنه لم يُرد أنها تحشر شيئاً فشيئاً إذ حاشرها هو الله تعالى فحشرها جملة أدل على القدرة. وأما على قراءة الرفع فيهما فالطير مبتدأ ومحشوره خبره. وقوله: ﴿كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ استئناف مقرر لمضمون ما قبله. وإنما وضع الأواب موضع المسبح لأن الأواب هو التواب وهو الكثير في الرجوع إلى الله، ومن دأبه إدامة التسبيح والضمير في قوله: ﴿لَهُ﴾ قيل لله تعالى ومعناه: وكل من داود والجبال والطير لله تعالى كثير الرجوع مديم التسبيح. وقيل الضمير لداود؛ أي: كل واحد من الجبال والطير لأجل تسبيح داود أواب والأول أظهر. وقوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ مفيد أن الله تعالى جمع لداود ﵇ بين كمال الفهم وكمال النطق.
المعنى الإجمالي:
стр. 2252
لا تفزع يا محمد بسبب هذه المقالات المؤذية، ولا تجزع لما يتجدد من أمثالها، وتذكر قصة عبدنا الصالح التقي صاحب القوة في الدين الأواب إلى الله تعالى، لقد اتبعنا الجبال معه حال كونها تقدس الله تعالى بتقديسه وتجاوبه في تسبيحه، في طرفي نهاره، وكذلك أتبعنا الطير حال كونها مجموعة إليه، كل واحد من الجبال والطير لأجل تسبيح داود مسبح، وقد قوينا سلطانه، وأعطيناه النبوة. ومنحناه كمال العلم، وتمام الفهم، وملكناه زمام الفصاحة.
ما ترشد إليه الآيات:
١- الصبر على الأذى.
٢- التأسي بالصالحين.
٣- قوة داود في دينه ودنياه.
٤- كثرة رجوعه إلى الله.
٥- اتباع الجبال والطير له.
٦- كمال قدرة الله تعالى.
٧- تسبيح الجبال والطير بحمد ربها.
٨- قوة سلطان داود.
٩- نبوته وكمال علمه وثقوب فهمه.
١٠- فصاحته ﵇.
стр. 2253
يستفتونك
يتولى الرد على أسئلة القراء سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز
رئيس الجامعة الإسلامية
س – نطلب الإفادة عن رجل تزوج بنت مطلقته هل يجوز ذلك؟
الجواب: لا يجوز للرجل أن يتزوج بنت مطلقته إذا كان قد دخل بها؛ لأنها ربيبه وقد حرم الله الربائب على عباده كما قال تعالى في بيان المحرمات من النساء: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِن﴾ الآية.. والدخول هو الجماع، أما إن كانت لم يدخل بأمها بل عقد عليها ثم طلقها فلا حرج عليه في تزوج بنتها لقول الله : ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ .
س – قدّمنا الوداع على رمي الجمار في اليوم الثالث عشر بموجب فتوى من شخص يدعي أنه صاحب علم ونرغب الفتوى.
الجواب: لا يجوز الوداع قبل الانتهاء من أعمال الحج كلها ولذا فإن وداعكم قبل الانتهاء من رمي الجمار في أجزائه نظر والأحوط لكم أن تريقوا عن ذلك دماً بمكة يوزع على فقراء الحرم؛ لقول النبي ﷺ : "لا ينفر أحد منكم حتى يكون آخر عهده بالبيت" أخرجه مسلم في صحيحه وينبغي أن لا يغتر الإنسان بفتوى كثير ممن ينتسب إلى العلم بل الواجب عليه أن يتحرى في ذلك سؤال أهل العلم المشهورين بالعلم والفضل والورع وتحري الحق.
س – قال تعالى: ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُن﴾ . هل هي خاصة بالمتوفي عنها زوجها وعن المطلقة إذا وضعت حملها هل عليها عدة أم انتهت وعن المتوفي عنها زوجها وهي حامل هل لها مصرف حتى تضع الحمل أم ليس لها إلاّ ما خصها من الإرث؟.
стр. 2254
الجواب: إن الآية عامة تعم المتوفي عنها والمطلقة والمخلوعة والمفسوخة من جهة الحاكم بمسوغ شرعي كل واحدة منهن إذا كانت حاملاً تخرج من العدة بوضع الحمل للآية المذكورة. وهي قوله سبحانه: ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُن﴾ ولما ثبت في الصحيحين أن سبيعة الأسلمية ﵂ وضعت حملها بعد وفاة زوجها بليال فاستفتت النبي ﷺ في ذلك فأفتاها بأنها قد خرجت من العدة من حين وضعت حملها وأذن لها في الزواج متى بدا لها ذلك. وهذا قول أهل العلم جميعهم إلا خلافاً شاذاً يروى عن بعض السلف أن المتوفي عنها زوجها تعتد بأطول الأجلين وهو قول لا يعول عليه؛ لكونه مخالفاً للآية الكريمة والحديث الشريف.
أما نفقة المتوفي عنها إذا كانت حاملاً فهي عليها وليس على التركة من ذلك شيء في أصح أقوال العلماء.
وفق الله الجميع للفقه في دينه والثبات عليه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
стр. 2255
الإسلام والحياة:
فريضة التفكير في الإسلام
بقلم الشيخ: أحمد عبد الرحيم السايح من علماء الأزهر
من أوضح سمات القرآن الكريم التي لفتت نظر الباحثين في القرآن من المسلمين وغير المسلمين إشادة القرآن بالعقل وتوجيه النظر إلى استخدامه إلى "الحقيقة "فقد دعا القرآن بطريق مباشر وغير مباشر إلى تعظيم العقل والرجوع إليه.
ويحرص القرآن على تأكيد هذا المعنى حتى إنه ليكرر هذه الدعوة بشكل يلفت النظر ويثير الاهتمام، ويشير القرآن إلى العقل ومعانيه المختلفة ومشتقاته ومرادفاته في نحو ثلاثمائة وخمسين آية مستخدماً لذلك كل الألفاظ التي تدل عليه أو تشير إليه من قريب أو بعيد من:
"التفكير"و "القلب"و "الفؤاد" و "اللب"و "النظر"و "العلم"و "التذكر"و "الرشد"و "الحكمة"و "الرأي"و "الفقه"إلى غير ذلك من الألفاظ التي تدور حول الوظائف العقلية على اختلاف معانيها وخصائصها وظلالها مما يعتبر إيحاءات قوية بدور العقل وأهميته بالنسبة للإنسان.
стр. 2256
قال ابن عباس محمود العقاد في كتابه "التفكير فريضة إسلامية "ففي كتب الأديان الكبرى إشارات صريحة أو مضمونة إلى التمييز، ولكنها تأتي عرضاً غير مقصودة وقد يلمح فيها القارئ - بعض الأحايين شيئاً - من الزراية بالعقل أو التحذير منه؛ لأنه مزلة العقائد وباب من أبواب الدعوى والإنكار. ولكن القرآن الكريم لا يذكر العقل إلاّ في مقام التعظيم والتنبيه إلى وجوب العمل به والرجوع إليه ولا تأتي الإشارة إليه عارضة ولا مقتضبة في سياق الآية، بل هي تأتي في كل موضع من مواضعها مؤكدة جازمة باللفظ والدلالة وتتكرر في كل معرض من معارض الأمر والنهي التي يحث فيها المؤمن على تحكيم عقله أو يلام فيها المنكر على إهمال عقله وقبول الحجر عليه. ولا يأتي تكرار الإشارة إلى العقل بمعنى واحد من معانيه التي يشرحها النفسانيون من أصحاب العلوم الحديثة، بل هي تشمل وظائف الإنسان العقلية على اختلاف أعمالها وخصائصها وتتعمد التفرقة بين هذه الوظائف والخصائص مواطن الخطاب ومناسباته، فلا ينحصر خطاب العقل في العقل الوازع ولا في العقل المدرك ولا في العقل الذي يناط به التأمل الصادق والحكم الصحيح، بل يعم الخطاب في الآيات القرآنية كل ما يتسع له الذهن الإنساني من خاصة أو وظيفة، وهي كثيرة لا موجب لتفصيلها في هذا المقام المجمل، إذ هي جميعاً مما يمكن أن يحيط به العقل الوازع والعقل المدرك والعقل المفكر الذي يتولى الموازنة والحكم على المعاني والأشياء.
стр. 2257
فالعقل في مدلول لفظه العام ملكة يناط بها الوازع الأخلاقي أو المنع عن المحظور والمنكر ومن هنا كان اشتقاقه من مادة "عقل"التي يؤخذ منها العقل، وتكاد شهرة العقال بهذه التسمية أن تتوارد في اللغات الإنسانية الكبرى التي يتكلم بها مئات الملايين من البشر. فإن كلمة "مايند"وما خرج من مادتها في اللغات الجرمانية تفيد معنى الاحتراس والمبالاة وينادى بها على الغافل الذي يحتاج إلى التنبيه. ونحسب أن اللغات في فروعها الأخرى لا تخلو من كلمة في معنى العقل لها دلالة على الوازع أو على التنبيه والاحتراس.
ومن خصائص العقل ملكة الإدراك التي يُناط بها الفهم والتصور وهي على كونها لازمة لإدراك الوازع الأخلاقي وإدراك أسبابه وعواقبه تستقل أحياناً بإدراك الأمور فيما ليس له علاقة بالأوامر والنواهي أو بالحسنات والسيئات.
ومن خصائص العقل أنه يتأمل فيما يدركه ويقلبه على وجوهه ويستخرج منها بواطنه وأسراره. ويبني عليها نتائجه وأحكامه وهذه الخصائص في جملتها تجمعها ملكة "الحكم "وتتصل بها ملكة الحكمة، وتتصل كذلك بالعقل الوازع إذا انتهت حكمة الحكيم به إلى العلم بما يحسن وما يقبح وما ينبغي له أن يطلبه وما ينبغي له أن يأباه.
ومن أعلى خصائص العقل الإنساني "الرشد"وهو مقابل لتمام التكوين في العقل الرشيد، ووظيفة الرشد فوق وظيفة العقل الوازع والعقل المدرك والعقل الحكيم؛ لأنها استيفاء لجميع هذه الوظائف وعليها مزيد من النضج والتمام والتمييز بميزة الرشاد حيث لا نقص ولا اختلال. وقد يؤتى الحكيم من نقص في الإدراك، وقد يؤتى العقل الوازع من نقص في الحكمة، ولكن العقل الرشيد ينجو به الرشاد من هذا وذاك.
стр. 2258
وفريضة التفكير في القرآن الكريم تشمل العقل الإنساني بكل ما احتواه من هذه الوظائف بجميع خصائصها ومدلولاتها. فهو يخاطب العقل الوازع والعقل المدرك والعقل الحكيم والعقل الرشيد، ولا يذكر العقل عرضاً مقتضياً بل يذكره مقصوداً مفصلاً على نحو لا نظير له في كتاب من كتب الأديان. فمن خطابه إلى العقل عامة – ومنه ما ينطوي على العقل الوازع – قوله تعالى في سورة البقرة ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضِ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ .
ومنه في سورة المؤمنون.. ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ .
ومنه في سورة الروم ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الأعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ .
стр. 2259
ومنه في سورة العنكبوت: ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ﴾ ومنه ما يخاطب العقل وينطوي على العقل الوازع كقوله تعالى في سورة الملك: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ .
وفي سورة الأنعام: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ .
ومنه بعد بيان حق المطلقات في سورة البقرة: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ .
ومنه في سورة يوسف: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ .
ومنه في سورة الحشر بياناًَ لأسباب الشقاق والتدابر بين الأمم: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ .
وهذا عدا الآيات الكثيرة التي تبتدئ بالزجر وتنتهي إلى التذكير بالعقل؛ لأنه خير مرجع للهداية في ضمير الإنسان كقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ .
وكقوله في سورة آل عمران: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالإنْجِيلُ إِلاَّ مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ .
وكقوله تعالى في سورة المائدة: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ .
стр. 2260
وفي سورة الأنعام: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ .
وفي سورة هود: ﴿يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ .
وفي سورة الأنبياء: ﴿أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ .
وفي غير هذه السور الكريمة تنبيه إلى العقل في مثل هذا السياق يدل عليه ما تقدم في هذه الآيات.
إن هذا الخطاب المتكرر إلى العقل الوازع يضارعه في القرآن الكريم خطاب متكرر مثله إلى العقل المدرك أو العقل الذي يقوم به الفهم والوعي وهما: أعم وأعمق من مجرد الإدراك وكل خطاب إلى ذوي الألباب في القرآن الكريم فهو خطاب إلى اللب، هذا العقل المدرك الفاهم لأنه معدن الإدراك والفهم في ذهن الإنسان، كما يدل عليه اسمه باللغة العربية.
﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاّ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ .
﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ .
﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ .
﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأولِي الأَلْبَابِ﴾ .
﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاّ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ .
﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الأَلْبَابِ﴾ .
стр. 2261
﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ .
ومن هذه الآيات نتبين أن اللب الذي يخاطبه القرآن الكريم وظيفته عقلية تحيط بالعقل الوازع والعقل المدرك والعقل الذي يتلقى الحكمة ويتعظ بالذكر والذكرى وخطابه خطاب لأناس من العقلاء لهم نصيب من الفهم والوعي أوفر من نصيب العقل الذي يكف صاحبه عن السوء ولا يرتقي إلى منزلة الرسوخ في العلم. والتمييز بين الطيب والخبيث والتمييز بين الحسن والأحسن في القول.
أما العقل الذي يفكر ويستخلص من تفكيره زبدة الرأي والروية فالقرآن الكريم يعبر عنه بكلمات متعددة تشترك في المعنى أحياناً وينفرد بعضها بمعناه، على حسب السياق في أحيان أخرى، فهو الفكر والنظر والبصر والتدبر والاعتبار والذكر والعلم وسائر هذه الملكات الذهنية التي تتفق أحياناً في المدلول – كما قدمنا – ولكنها لا تستفاد من كلمة واحدة تغني عن سائر الكلمات الأُخرى.
﴿وَيَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الأَياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ .
﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ .
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ﴾ .
﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ .
﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ .
﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ .
﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ .
стр. 2262
﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ .
﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ .
﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ .
﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ .
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ﴾ .
﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأولِي الْأَبْصَارِ﴾ .
﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الأَوَّلِينَ﴾ .
﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ .
﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ .
﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأبْصَارِ﴾ .
﴿وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ .
﴿وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً قَدْ فَصَّلْنَا الآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ .
﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ .
﴿أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ .
﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُون﴾ .
стр. 2263
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ .
﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ .
﴿قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ .
﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ .
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ .
﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ .
﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ .
﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً﴾ .
﴿خَلَقَ الإِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ .
﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ .
﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ .
стр. 2264
بهذه الآيات وما جرى مجراها، تقررت فريضة التفكير في الإسلام، وتبين منها أن العقل الذي يخاطبه الإسلام هو العقل الذي يعصم الضمير، ويدرك الحقائق، ويميز بين الأمور، ويوازن بين الأضداد، ويتبصر ويتدبر ويحسن الادكار والرواية، وأنه هو العقل الذي يقابله الجمود والعنت والضلال، وليس بالعقل الذي قصاراه من الإدراك أنه يقابل الجنون، فإن الجنون يسقط التكليف في جميع الأديان والشرائع وفي كل عرف وسنة، ولكن الجمود والعنت الضلال، غير مسقطة للتكليف في الإسلام وليس لأحد أن يعتذر بها كما يعتذر للمجنون بجنونه فإنها لا تدفع الملامة ولا تمنع المؤاخذة بالتقصير.
ويندب الإسلام من يدين به، إلى مرتبة في التفكير أعلى من هذه المرتبة التي تدفع عنه الملامة أو تمنع عنه المؤاخذة فيستوجب له أن يبلغه بحكمته ورشده، ويبدو فضل الحكمة والرشد على مجرد التعقل والفهم من آيات متعددة في الكتاب الكريم يدل عليها أن الأنبياء يطلبون الرشد ويبتغون علماً به من عباد الله الصالحين. كما جاء في قصة موسى والخضر ﵉.
стр. 2265
الإمام أحمد ودفاعه عن السنة
بقلم الشيخ عبد القادر بن حبيب الله السندي
محنة الإمام أحمد:
قال الإمام ابن كثير (١٠: ٣٣٤) : فلما لم يقم لهم معه حجة عدلوا إلى استعمال جاه الخليفة فقالوا: يا أمير المؤمنين ليس من تدبير الخلافة أن تخلي سبيله ويغلب خليفتين. فعند ذلك حمي واشتد غضبه وكان ألينهم عريكة وهو يظن أنهم على شيء. قال أحمد: "فعند ذلك قال لي لعنك الله ".
стр. 2266
ثم قال المعتصم: طمعت فيك أن تجيبني ثم قال: خذوه واخلعوه واسحبوه. قال أحمد: فأخذت وسحبت وخلعت وجيء بالعاقبين والسياط وأنا أنظر وكان معي شعرات من شعر رسول الله ﷺ مصرورة في ثوبي فجردوني منه وصرت بين العقابين فقلت يا أمير المؤمنين الله الله أن رسول الله ﷺ قال: "لا يحل دم امرءٍ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله إلاّ بإحدى ثلاث". وتلوت الحديث وأن رسول الله ﷺ قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاّ الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم" فبمَ تستحل دمي ولم آت شيئاً من هذا؟. يا أمير المؤمنين أذكر وقوفك بين يدي الله كوقوفي بين يديك. ولم تؤثر هذه النصوص الصحيحة الثابتة في المعتصم بل زادته طغياناً وعلواً وفساداً. قال الإمام أحمد: فأمر بي فقمت بين العقابين وجيء بكرسي فأقمت عليه وأمرني بعضهم أن آخذ بيدي بأي الخشبتين فلم أفهم فتخلعت يداي وجيء بالضرابين ومعهم السياط فجعل أحدهم يضربني سوطين، ويقول له المعتصم: شد قطع الله يديك ويجيء الآخر فيضربني سوطين ثم الآخر كذلك فضربوني أسواطاً فأغمي عليّ، وذهب عقلي مراراً فإذا سكن الضرب يعود عليّ عقلي، وقام المعتصم إليّ يدعوني إلى قولهم فلم أجبه، وجعلوا يقولون: ويحك الخليفة على رأسك فلم أقبل، وأعادوا الضرب ثم عاد إليّ فلم أجبه فأعادوا الضرب ثم جاء إليّ الثالثة فدعاني فلم أعقل ما قال من شدة الضرب، ثم أعادوا الضرب فذهب عقلي فلم أحس بالضرب، وأرعبه ذلك من أمري، وأمر بي فأطلقت ولم أشعر إلاّ وأنا في حجرة من بيت، وقد أطلقت الأقياد من رجلي وكان ذلك في اليوم الخامس والعشرين من رمضان من سنة إحدى وعشرين ومائتين.
стр. 2267
قال الإمام ابن كثير: "ثم أمر الخليفة بإطلاقه إلى أهله وكان جملة ما ضرب نيفا وثلاثين سوطاً وقيل ثمانين سوطاً ولكن كان ضرباً مبرحاً شديداً جداً، وقد كان الإمام أحمد رجلاً طوالا رقيقاً أسمر اللون كثيراً التواضع رحمه الله تعالى ".
قلت: لولا الله ثم الإمام أحمد ووقوفه أمام تلك القوة الباغية الطاغية بذلك الإيمان الراسخ وتضحيته وفداؤه لما كان لنا هذا القرآن وهذه السنة ولاندثرت معالم الحق وينابيع الخير وطمست عقيدة السلف، ولما كان للإمام ابن تيميه عليه الرحمة ذلك الجهاد القوي المتين الذي يضرب به المثل أمام الخلائق، ولما كان لمجدد القرن الثاني عشر شيخ الإسلام محمد ابن عبد الوهاب رحمه الله تعالى ذلك النصيب الأوفر من الدعوة المحمدية التي أقام بها الدولة المحمدية في شبه الجزيرة العربية ولا تزال قائمة حتى الآن، فالفضل لله كله ثم للإمام أحمد رحمه الله تعالى.
قال الحافظ ابن حجر في (التهذيب: ١: ٧٥) نقلاً عن ابن حبان في كتابه (الثقات) مشيراً إلى الإمام: أحمد كان حافظاً متقناً فقيهاً ملازماً للورع الخفي مواظباً على العبادة الدائمة أغاث الله به أمة محمد ﷺ وذاك أنه ثبت في المحنة وبذل نفسه لله حتى ضرب بالسياط للقتل فعصمه الله تعالى عن الكفر وجعله علماً يقتدى به، وملجأ يلجأ إليه. وقال أبو الحسن ابن الزاغوني: كشف قبر أحمد حين دفن الشريف أبو جعفر بن أبي موسى إلى جانبه فوجد كفنه صحيحاً لم يَبْلَ وجنبه لم يتغير وذلك بعد موته بمائتين وثلاثين سنة) انتهى.
قلت: ليس هذا بغريب في الإسلام فقد وردت في الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله تعالى قصة مماثلة وقعت لصحابي جليل استشهد في غزوة أحد ثم أخرجه ابنه بعد ستة أشهر فوجده كما كان ﵁ [١] .
стр. 2268
قلت: ترجم للإمام أحمد السيد صديق حسن خان القنوجي البخاري المتوفي سنة ١٢٤٨هـ. العالم السلفي الجليل صاحب تفسير فتح البيان في التاج المكلل ص ٢٤ – ٢٨ فأجاد وأفاد مع الاختصار، وكانت وفاته رضي الله تعالى عنه في مائتين وإحدى وأربعين. وسوف أتعرض لترجمته -إن شاء الله تعالى- في بحث مستقل بالتفصيل. وأما الآن فأضع أمامكم مخطوطاً مصوراً عظيماً يوجد في مكتبة الحرم المكي في علل الحديث ومعرفة الرجال، فهو كتاب لصاحب هذه الترجمة العاطرة، الذي يعتبر أول كتاب في الإسلام في علل الحديث فيما أظن، ومن العجيب أنه لم يرد له ذكر في الفهارس الموجودة لدينا ككشف الظنون وذيوله وفي الرسالة المستطرفة للكتاني. وكذا في كتب أصول الحديث التي توجد الآن في مكتبتنا الإسلامية على ما أظن والله أعلم. وهذا أمر يستغرب منه أشد الاستغراب وكيف لا؟ وقد ذكرت كتب علل الحديث للمؤلفين الذين لا وزن لهم بالنسبة لهذا الرجل العظيم الذي أنقذ الله به أمة محمد ﷺ ورفع به شأن السنة المحمدية وكل ما كتب في حق الإمام أحمد ﵀ فهو قليل جداً من كثير فكتابة الذي أنا بصدده فهو (علل الحديث ومعرفة الرجال) الذي طبع منه الجزء الأول في أنقرة بتركيا نشره الدكتوران المسلمان طلعت وإسماعيل جراح أوغلي عام (١٩٦٣) م نشراه عن النسخة الفريدة الموجودة بمكتبة آياصوفيا تحت رقم (٣٣٨٠) عورضت على أبي علي بن الصواف (٣٥٩ – ٩٧٠) في سنة ٣٤٣ وقوبلت بنسخة عبد الله بن الإمام أحمد بن محمد ابن حنبل مع تعليقات وحواش. وكان هذا المجهود العلمي الكبير من كلية الإلهيات بجامعة أنقرة.
قلت: إن كتاب الجرح والتعديل للإمام عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي فرع لهذا الكتاب، إن قارنت بين عبارتيهما يظهر لك كل شيء مما يدل على أن كتاب علل الحديث للإمام أحمد أصل أصيل في علل الحديث والله أعلم.
стр. 2269
والجزء الأول المطبوع في تركيا قد خدم خدمة جبارة ممتازة من قبل الدكتورين المذكورين، وقد وعدا بأن يخرجا الجزء الثاني للكتاب إلاّ أن هذا الوعد الكريم قد مضى عليه أكثر من تسع سنوات ولم أدر ماذا جرى لها، والنسخ التي وردت في هذه البلاد المقدسة كانت محدودة جداً على ما أظن من تركيا الإسلامية.
يقع هذا الجزء الأول من الكتاب مع التحقيق في خمسمائة صفحة واليأس مسيطر على ذوي الحاجة من طلاب الحديث بأن حصل مانع للأخوين الكريمين من إخراج بقية الكتاب أو جاء على أحدهما أو على كليهما نداء رباني فلباه أو هناك أمور أخرى لا نعلمها والله أعلم بهما وبما فعلا.
وأما المخطوط الذي أنا بصدد تعريفه فهو مصور بصورة فوتوغرافية مأخوذة من مكتبة أياصوفيا بتركيا ورقم الكتاب هناك بتلك المكتبة هو (٣٣٨٠) وهو واقع في ١٧٨ ورقة والمطبوع منه إلى ٩٧ ورقة والباقي الذي لم يطبع حسب ما بلغ علمي إحدى وثمانون ورقة. وقد ذكرت من قبل أن المطبوع هو الجزء الأول فأحب أن أوضح هذا الأمر لئلا يشكل على أهل العلم. إن الجزء الأول المطبوع مشتمل على أربعة أجزاء حقيقية حسب ترتيب المؤلف رحمه الله تعالى، وأما تسمية المطبوع بالجزء الأول فهو من اصطلاح الناشرين فالكتاب كله واقع في ستة عشر جزءاً. والأجزاء الأربعة الأول المطبوعة أكبر حجماً من الأجزاء الثمانية الباقية التي لم تطبع حسب ما بلغ علمي والتي تقع في إحدى وثمانين ورقة في مخطوطنا هذا والله تعالى أعلم.
وأما آخر عبارة المطبوع من الأجزاء الأربعة فهي كالآتي:
قلت: قال عبد الله بن أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى قرأت على أبي أبو بدر قال: صليت على جنازة ابن أبجر أنا وسفيان الثوري فتقدم عليه أخ له [٢] وفي رأيه شيء فصلى عليه وكان في رواية شيء فكبر عليه خمساً فلما فرغ من الرابعة سلم سفيان فأقبل عليّ ثم قال ما يريدون إلى هذا انتهى.
стр. 2270
وأما آخر العبارة من الأجزاء الثمانية الباقية غير المطبوعة فهي كالآتي: حدثني أبي قال سمعت سفيان يقول قال لي عمر بن وهب يعني سنداً أنه لا يحدثك به أنه لا يذكره، قال سفيان فقلت لعبد الرحمن سمعت أباك فحدث عن عائشة فسكت ساعة ثم قال: نعم.
آخر الجزء السادس عشر من أجزاء عبد الله بن أحمد وهو آخر الكتاب (والحمد لله وحده وصلى الله وملائكته على محمد النبي وآله وسلم تسليماً) .
قلت: ويقع هذا الكتاب المبارك العظيم النفع في ستة عشر جزءاً وقد كتب على غلافه الكلمات التالية: الجزء الأول من كتاب العلل ومعرفة الرجال عن أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل رحمه الله تعالى رواية أبي علي محمد أحمد بن الحسن الصواف عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه أبي عبد الله سماع عبيد الله بن أحمد لأبي الحسن علي ابن الحسن بن أحمد المقري. وسمعه قراءة على الشيخ أبي الفتح محمد أحمد أبي الفوارس علي بن أبي علي بن الصواف وذلك في محرم سنة ثنتي عشرة وأربعمائة وسمع جميعه -أيضاً- محمد بن ضران بن الحسين المزارع وعبد الواحد ... الخ. وقد كتبت عبارة أخرى على الغلاف أيضا
وهي كالآتي: (وقف هذه النسخة الجليلة سلطاننا الأعظم وخاقان المعظم السلطان ابن السلطان محمود خان وقفاً صحيحاً رضا لمن طالع وتبصر) .
قلت: هناك عبارة واقعة على الغلاف وهي تدل على أن هذه النسخة كانت في الحرمين في عصر من العصور ثم ذهب بها إلى تركيا ومن العجيب العجاب كيف كانت تنقل هذه النسخ الثمينة بعد وقف صاحبها على مكتبات الحرمين!
стр. 2271
قلت: هذه النسخة -والله تعالى أعلم- فريدة في العالم كما ذكر الدكتوران الكريمان في تحقيقهما على الكتاب المذكور، فهذه النسخة التي أمامي في مكتبة الحرم المكي مأخوذة من مكتبة أياصوفيا وهي التي أشار إليها الأخوة، وزد على ذلك ما ذكره كارل بروكلمان في تاريخ الأدب العربي -الذي نقله إلى العربية الدكتور عبد الحليم النجار (ج ٣: ٣١٢) -يقول: المذكور ٨ كتاب العلل والرجال لأبي عبد الله أحمد ابن حنبل الشيباني الذهلي أياصوفيا ٣٣٨٠ (انظر ٢٤٩، ١٧ الفهرست) ، قلت: يوجد الجزء الثاني عشر من الكتاب في معهد المخطوطات العربية راجع الفهرست ج ٢: ١١٠ وقد صور هذا الجزء من مكتبة الظاهرية بدمشق الذي سجل هناك برقم ٥٤٤ – ف٤٦ راجع نفس المرجع وكتب هذا الجزء بخط قديم في سنة ٣٤١ في عشر ورقات.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] بل حدث أن كشفت أجسام بعض شهداء أحد بعد عشرات السنين فظهرت حديثه العهد كأنما دفنت ليومها.
[٢] هكذا في أصل المقال "المجلة".
стр. 2272
الحج فضله وفوائده
بقلم الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد
المدرس في كلية الشريعة بالجامعة
الحج عبادة من العبادات افترضها الله وجعلها إحدى الدعامات الخمس التي يرتكز عليها الدين الإسلامي والتي بينها الرسول ﷺ بقوله في الحديث الصحيح: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج بيت الله الحرام) .
стр. 2273
وقد حج بالناس رسول الله ﷺ في السنة العاشرة من الهجرة حجته التي رسم لأمته فيها عملياً كيفية أداء هذه الفريضة وحث على تلقي ما يصدر منه قول وفعل فقال ﷺ : "خذوا عني مناسككم فلعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا". فسميت حجته ﷺ (حجة الوداع) وقد رغّب ﷺ أمته في الحج وبَيَّن فضله وما أعد الله لمن حج وأحسن حجه من الثواب الجزيل فقال ﷺ : "من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه" رواه البخاري ومسلم، وقال ﷺ : "العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلاّ الجنة" متفق عليه من حديث أبي هريرة ﵁. وفي الصحيحين -أيضاً- عنه ﵁. قال سئل رسول الله ﷺ أي العمل أفضل؟ قال: "إيمان بالله ورسوله، قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قيل ثم ماذا؟ قال: حج مبرور". وفي صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال لعمرو بن العاص ﵁ عند إسلامه: "أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها وأن الحج يهدم ما كان قبله ... ". وروى البخاري في صحيحه عن عائشة ﵂ أنها قالت: "يا رسول الله نرى الجهاد أفضل العمل أفلا نجاهد؟ قال لا ولكن أفضل الجهاد حج مبرور". ويتضح من هذه الأحاديث وغيرها فضل الحج وعظم الأجر الذي أعده الله للحجاج ويتضح أن هذا الثواب العظيم إنما هو لمن كان حجه مبروراً. فما هو بر الحج الذي رتب الله عليه ذلك الثواب العظيم؟.
стр. 2274
إن برّ الحج أن يأتي المسلم بحجه على التمام والكمال خالصاً لوجه الله وعلى وفق سنة رسوله ﷺ . وأن يحافظ فيه على امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه، وامتثال الأوامر واجتناب النواهي لازم للمسلم. دائماً وأبداً ولكنه يتأكد في الأزمنة والأمكنة الفاضلة؛ لأن الله خلق الخلق لعبادته؛ وهي: طاعته بامتثال أوامره واجتناب نواهيه. قال الله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً..﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ .
فيكون المسلم ملازماً للطاعة وبعيداً عن المعصية حين حجه وقبله وبعده؛ ليوافيه الأجل المحتوم وهو على حالة حسنة؛ فتكون نهايته طيبةً وعاقبته حميدةً كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ وقال ﷺ : "وإنما الأعمال بالخواتيم".
ومن البر في الحج أن يحرص أثناءه على التأمل في أسراره وعبره، والوقوف على ما فيه من فوائد عاجلة وآجلة، وهي كثيرة أجملها الله تعالى في قوله: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ وفيما يلي إشارة إلى بعض هذه الفوائد والأسرار التي تضمنتها هذه الجملة من الآية:
стр. 2275
أولاً: إن صلة المسلم ببيت الله الحرام صلة وثيقة تنشأ هذه الصلة منذ بدء انتمائه لدين الإسلام وتستمر معه ما بقيت روحه في جسده. فالصبي الذي يولد في الإسلام أول ما يطرق سمعه من فرائض الإسلام أركانه الخمسة التي أحدها حج بيت الله الحرام. والكافر إذا شهد شهادة الحق لله بالوحدانية ولنبيه محمد ﷺ بالرسالة الشهادة التي كان بها من عداد المسلمين، أول ما يوجه إليه من فرائض الإسلام بقية أركانه بعد الشهادتين وهي إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج بيت الله الحرام. وأول أركان الإسلام بعد الشهادتين الصلوات الخمس التي افترضها الله على المسلمين في كل يوم وليلة وجعل استقبال بيت الله الحرام شرطاً من شروطها، فصلة المسلم ببيت الله الحرام مستمرة في كل يوم وليلة يستقبله مع القدرة في كل صلاة يصليها فريضة كانت أو نافلة. كما يستقبله في الدعاء.
وهذه الصلة الوثيقة التي حصل بها الارتباط بين قلب المسلم وبيت ربه بصفة مستمرة تدفع بالمسلم -ولا بد- إلى الرغبة الملحة في التوجه إلى ذلك البيت العتيق ليتمتع بصره بالنظر إليه ولأداء الحج الذي افترضه الله على من استطاع السبيل إليه. فالمسلم متى استطاع الحج بادر إليه؛ أداء للفريضة ورغبة في مشاهدة البيت الذي يستقبله في جميع صلواته وليشهد المنافع التي نوه الله بشأنها في قوله: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ . فإذا وصل المسلم إلى بيت ربه رأى بعيني رأسه أشرف بيت وأقدس بقعة على وجه الأرض الكعبة المشرفة ملتقى وجهات المسلمين في صلاتهم في مشارق الأرض ومغاربها ورأى المسلمين مستديرين حول هذا البيت في صلواتهم وأصغر دائرة هي التي تلي الكعبة ثم التي تليها وهكذا حتى تكون أكبر دائرة في أطراف الأرض فالمسلمون في صلواتهم مستقبلين بيت ربهم يشكلون نقاط محيطات لدوائر صغيرة وكبيرة مركزها جميعاً الكعبة المشرفة.
стр. 2276
ثانياً: إذا يسر الله للمسلم التوجه إلى بيت ربه ووصل إلى الميقات الذي وقته -رسول الله ﷺ للإحرام تجرد من ثيابه ولبس أزاراً على نصفه الأسفل ورداء على نصفه الأعلى مما دون رأسه وفي هذه الهيئة من اللباس يستوي الحجاج لا فرق بين الغني والفقير والرئيس والمرؤوس وتساويهم في ذلك يذكر بتساويهم في لباس الأكفان بعد الموت. فإن الكل يجردون من ملابسهم ويلفون بلفائف لا فرق فيها بين الغني والفقير. فإذا تجرد الحاج من لباسه ولبس الإحرام تذكر الموت الذي به تنتهي الحياة الدنيوية وتبتدئ الحياة الأخروية فاستعد لما بعده بالأعمال الصالحة والابتعاد عن المعاصي وهذا الاستعداد هو الزاد الذي لا بد منه في سفره إلى الآخرة وهو الزاد الذي نوه الله بذكره في قوله: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ ؛ ولهذا لما سأل رجل النبي ﷺ قائلاً متى الساعة؟ قال ﷺ له: "وماذا أعددت لها؟ ... " منبهاً بذلك -صلوات الله وسلامه عليه- إلى أن أهم شيء للمسلم أن يكون معيناً بما بعد الموت مستعداً له في جميع أحواله بفعل المأمورات واجتناب المنهيات..
стр. 2277
ثالثاً: إذا دخل المسلم في النسك لَبَّى بالتوحيد قائلاً - كما قال ﷺ في تلبيته -: "لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك". يقولها وهو مستشعر لما دلت عليه من إفراد الله بالعبادة وأنه وحده الذي يخص بها دون ما سواه، فكما أنه المتفرد بالخلق والإيجاد فهو الذي يجب أن تفرد له العبادة دون غيره كائناً من كان، وصرف شيء منها لغير الله هو أظلم الظلم وأبطل الباطل. وهذه الكلمة يقولها المسلم إجابة لدعوة الله عباده لحج بيته الحرام.. فيستشعر المسلم عظمة الداعي، وعظم أهمية المدعو إليه فيسعى في الإتيان بما دعى إليه على الوجه الذي يرضي ربه تعالى مع استيقانه بأن المدار في هذه العبادة وغيرها من العبادات على الإخلاص لله كما دلت عليه كلمة التوحيد التي تضمنتها هذه التلبية وعلى المتابعة لرسول الله ﷺ كما أرشد إلى ذلك ﷺ في حجته حيث قال: "خذوا عني مناسككم".
رابعاً: وإذا وصل المسلم إلى الكعبة المشرفة يشاهد عبادة الطواف حولها وهي عبادة لا تجوز في الشريعة الإسلامية إلا في المكان، وكل طواف في غير ذلك المكان إنما هو من تشريع الشيطان ويدخل فاعله في جملة من عناهم الله بقوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ .
ويشاهد أيضاً تقبيل الحجر الأسود واستلامه واستلام الركن اليماني، ولم تأت الشريعة بتقبيل أو استلام شيء من الأحجار والبنيان إلاّ في هذين الموضعين، ولما قبل عمر بن الخطاب ﵁ الحجر الأسود بيّن أنه فعل ذلك متبعاً للرسول ﷺ في تقبيله إياه وقال: "ولولا أني رأيت النبي ﷺ يقبلك ما قبلتك".
стр. 2278
خامساً: ويشهد الحاج في حجه أعظم تجمع إسلامي وذلك في يوم عرفة، في عرفة إذ يقف الحجاج جميعاً فيها ملبين مبتهلين إلى الله يسألونه من خير الدنيا والآخرة.
وهذا الاجتماع الكبير يذكر المسلم بالموقف الأكبر يوم القيامة الذي يلتقي فيه الأولون والآخرون ينتظرون فصل القضاء؛ ليصيروا إلى منازلهم حسب أعمالهم، إن خيراً فخير وإن شراً فشر. فيشفع لهم جميعاً إلى الله عبده ورسوله محمد ﷺ ليقضي بينهم فيشفعه الله. وذلك هو المقام المحمود الذي يحمده عليه الأولون والآخرون، وهي الشفاعة العظمى التي يختص بها رسول الله ﷺ لا يشاركه فيها ملك مقرب ولا نبي مرسل.
وفي هذا التجمع الإسلامي الكبير في عرفة -وكذا في بقية المشاعر- يلتقي المسلمون في مشارق الأرض بالمسلمين في مغاربها؛ فيتعارفون ويتناصحون، ويتعرف بعضهم على أحوال بعض؛ فيتشاركون في الأفراح والمسرات كما يشارك بعضهم بعضاً في آلامه ويرشده إلى ما ينبغي له فعله ويتعاونون جميعاً على البر والتقوى كما أمرهم الله سبحانه بذلك..
سادساً: ويشهد الحاج مظهراً عجيباً من مظاهر التعاون؛ إذ يرى أرض منى كلها مغطاة بالخيام فلا يكاد يمضي يوم النفر الأول إلا وقد عادت كما كانت تقريبا، ً وذلك لقيام كل بما يخصه فإذا أقام كل مسلم بما يقدر عليه في خدمة الإسلام وتعاونوا على ذلك فإن المجهودات الفردية وإن قلت تكون كثيرة بضم بعضها إلى بعض.
وهذه الفوائد القليلة التي أشرت إليها إشارة هي من جملة المنافع الكثيرة التي أجمل ذكرها في قوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ . وإن أعظم فائدة للمسلم بعد إنهاء حجه أن يكون حجه مقبولاً وأن يكون بعده خيراً منه قبله وأن يحدث ذلك تحولاً في سلوكه وأعماله فيتحول من السيئ إلى الحسن ومن الحسن إلى الأحسن.
стр. 2279
والله المسؤول أن يوفق المسلمين جميعاً للفقه في دينه والثبات عليه وأن يمكن لهم في الأرض وينصرهم على عدوه وعدوهم إنه ولي ذلك والقادر عليه وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
стр. 2280
الكيد اللئيم
بقلم الدكتور رانا إحسان الهي
عميد كلية العلوم الشرقية بجامعة البنجاب
كلمة ألقاها على طلبة الشهادة العالية في
كليتي الشريعة والدعوة وأصول الدين بالجامعة الإسلامية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم النبيين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أيها الإخوة في الإسلام، أيها الإخوة في العقيدة!
أحيّيكم بتحية الإسلام الخالد الغالب، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
قلبي يحدثني أنكم تريدون أن أحدثكم عن المعركة الضارية التي خاضها إخوانكم في الدين على أرض باكستان الشرقية والغربية ضد الهندوس وأوليائهم كما أنتم تعلمون.
أيها الإخوة! من يتولى قوماً فهو منهم فإن الله تعالى يقول:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ . المائدة: ٥١
إن هذه المعركة هي حلقة من سلسلة الكيد الذي جعل يكيده الكفار على اختلاف مللهم للإسلام وأهله منذ صدع النبي ﷺ بكلمة التوحيد والحق – "لا إله إلاّ الله محمد رسول الله "في بطن مكة المكرمة.
إن هذه المعركة هي حلقة في سلسلة أُحد والخندق والحروب الصليبية، وإنّها حلقة في سلسلة الإجهاز على مسلمي الأندلس وأُختها فلسطين.
следующие страницы →