Полный текст (23 804 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.
стр. 2311
قوله تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُم﴾ هذه الآية الكريمة تدل بدلالة الالتزام على أنه ﷺ أب لهم لأن أمومة أزواجه لهم تستلزم أبوَّته ﷺ لهم وهذا المدلول عليه بدلالة الالتزام مصرح به في قراءة أُبَيّ بن كعب ﵁ لأنه يقرأها: (وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم) وهذه القراءة مروية أيضا عن ابن عباس وقد جاءت آية أخرى تصرح بخلاف هذا المدلول عليه بدلالة الالتزام والقراءة الشاذة وهي قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ . الآية..والجواب ظاهر وهو أن الأبوَّة المثبتة دينية والأبوة المنفية طينية وبهذا يرتفع الإشكال في قوله: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُم﴾ مع قوله: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ . إذ يقال كيف يلزم الإنسان أن يسأل أمه من وراء حجاب؟. والجواب ما ذكرناه الآن فهنَّ أمهات في الحرمة والاحترام والتوقير والإكرام لا في الخلوة بهنَّ ولا في حرمة بناتهنَّ ونحو ذلك والعلم عند الله تعالى.
стр. 2312
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَك﴾ الآية. يظهر تعارضه مع قوله: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ الآية. والجواب أن قوله: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ﴾ منسوخ بقوله: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَك﴾ وقد قدمنا في سورة البقرة أنه أحد الموضعين اللّذين في المصحف ناسخهما قبل منسوخهما لتقدمه في ترتيب المصحف مع تأخره في النزول على القول بذلك. وقيل أن الآية الناسخة لها هي قوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ . الآية. وقال بعض العلماء هي محكمة وعليه فالمعنى ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ﴾ أي من بعد النساء التي أحلهن الله لك في قوله: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَك﴾ الآية. فتكون آية ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ﴾ محرمة ما لم يدخل في آية ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَك﴾ كالكتابيات والمشركات والبدويات على القول بذلك فيهن وبنات العم والعمات وبنات الخال والخالات اللاتي لم يهاجرن معه على القول بذلك فيهن أيضاً والقول بعدم النسخ قال به أُبَيّ بن كعب ومجاهد في رواية عنه وعكرمة والضحاك في رواية وأبو رزين في رواية عنه وأبو صالح والحسن وقتادة في رواية والسدي وغيرهم كما نقله عنهم ابن كثير وغيره واختار عدم النسخ ابن جرير وأبو حيان.
стр. 2313
والذي يظهر لنا أن القول بالنسخ أرجح وليس المرجح لذلك عندنا أنه قول جماعة من الصحابة ومن بعدهم منهم علي وابن عباس وأنس وغيرهم ولكن المرجح له عندنا أنه قول أعلم الناس بالمسألة أعني أزواجه ﷺ لأن حليَّة غيرهن من الضرات وعدمها لا يوجد من هو أشد اهتماما بهما منهن فهن صواحبات القصة وقد تقرر في علم الأصول أن صاحب القصة يقدم على غيره ولعل هناك تفريق بين ما إذا كان صاحب القصة راويا وبين كونه مستنبطا كقصة فاطمة بنت قيس في إسقاط النفقة والسكنى فالحجة معها والحديث يؤيدها ومع ذلك فعمر يرد قولها. ولذلك قدم العلماء رواية ميمونة وأبي رافع أنه ﷺ تزوجها وهو حلال على رواية ابن عباس المتفق عليها أنه تزوجها محرما لأن ميمونة صاحبة القصة وأبا رافع سفير فيها فإذا علمت ذلك فاعلم أن ممن قال بالنسخ أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: "ما مات ﷺ حتى أحل الله له النساء". وأم المؤمنين أم سلمة ﵂ قالت: "لم يمت ﷺ حتى أحل الله له أن يتزوج من النساء ما شاء إلا ذات محرم". أما عائشة فقد روى عنها ذلك الإمام أحمد والترمذي وصححه النسائي في سننيهما والحاكم وصححه وأبو داود في ناسخه وابن المنذر وغيرهم. وأما أم سلمة فقد رواه عنها ابن أبي حاتم كما نقله عنه ابن كثير وغيره ويشهد لذلك ما رواه جماعة عن عبد الله بن شداد ﵁ أن النبي ﷺ تزوج أم حبيبة وجويرية ﵄ بعد نزول ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاء﴾ . قال الألوسي في تفسيره أن ذلك أخرجه عنه ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم والعلم عند الله تعالى.
سورة سبأ
стр. 2314
قوله تعالى: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلا الْكَفُورَ﴾ . هذه الآية الكريمة على كلتا القراءتين قراءة ضم الياء مع فتح الزاي مبنيا للمفعول مع رفع ﴿الْكَفُورُ﴾ على أنه نائب فاعل وقراءة ﴿نُجَازِي﴾ بضم النون وكسر الزاي مبنياًًًًً للفاعل مع نصب ﴿الْكَفُورَ﴾ على أنه مفعول به تدل على خصوص الجزاء بالمبالغين بالكفر. وقد جاءت آيات أخر تدل على عموم الجزاء كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾ الآية.
والجواب عن هذا من ثلاثة أوجه:
الأول: أن المعنى ما نجازي هذا الجزاء الشديد المستأصل إلا المبالغ في الكفران.
الثاني: أن ما يفعل بغير الكافر من الجزاء ليس عقابا في الحقيقة لأنه تطهير وتمحيص.
الثالث: أنه لا يجازى جميع الأعمال مع المناقشة التامة إلا الكافر ويدل لهذا قول النبي ﷺ : "من نوقش الحساب فقد هلك". وأنه لما سألت عائشة ﵂ عن قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً﴾ قال لها ذلك العرض. وبيَّن لها أن من نوقش الحساب لابد أن يهلك.
стр. 2315
قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى اللَّهِ﴾ الآية. هذه الآية الكريمة تدل على أنه ﷺ لا يسأل أمته أجرا على تبليغ ما جاءهم به من خير الدنيا والآخرة. ونظيرها قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ . وقوله تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ في سورة الطور والقلم. وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ وقوله: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ . وعدم طلب الأجرة على التبليغ هو شأن الرسل كلِّهم عليهم صلوات الله وسلامه كما قال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْراً﴾ وقال تعالى في سورة الشعراء: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ في قصة نوح وهود وصالح ولوط وشعيب عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام وقال في سورة هود عن نوح: ﴿وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية. وقال فيها أيضا عن هود: ﴿يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي﴾ الآية. وقد جاء في آية أخرى ما يوهم خلاف ذلك وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ .
اعلم أولا أن في قوله تعالى: ﴿إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ أربعة أقوال.
стр. 2316
الأول: ورواه الشعبي وغيره عن ابن عباس وبه قال مجاهد وقتادة وعكرمة وأبو مالك والسدي والضحاك وابن زيد وغيرهم كما نقله عنهم ابن جرير وغيره أن معنى الآية ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ أي إلا أن تودوني في قرابتي التي بيني وبينكم فتكفوا عني أذاكم وتمنعوني من أذي الناس كما تمنعون كل من بينكم وبينه مثل قرابتي منكم. وكان ﷺ له في كل بطن من قريش رحم فهذا الذي سألهم ليس بأجر على التبليغ لأنه مبذول لكل أحد لأن كل أحد يوده أهل قرابته وينتصرون له من أذى الناس وقد فعل له ذلك أبو طالب ولم يكن أجرا على التبليغ لأنه لم يؤمن وإذا كان لا يسأل أجرا إلا هذا الذي ليس بأجر تحقق أنه لا يسأل أجرا كقول النابغة:
بهن فلول من قراع الكتائب
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم
ومثل هذا يسميه البلاغيون تأكيد المدح بما يشبه الذم وهذا القول هو الصحيح في الآية واختاره ابن جرير وعليه فلا إشكال.
стр. 2317
الثاني: أن معنى الآية ﴿إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ أي لا تؤذوا قرابتي وعترتي واحفظوني فيهم ويروى هذا القول عن سعيد بن جبير وعمرو بن شعيب وعلي بن الحسن وعليه فلا إشكال أيضا لأن المودة بين المسلمين واجبة فيما بينهم وأحرى قرابة النبي ﷺ قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ وفي الحديث: "مثل المؤمنين في تراحمهم وتوادهم كالجسد الواحد إذا أصيب منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى". وقال ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه". والأحاديث في مثل هذا كثيرة جدا. وإذا كان نفس الدين يوجب هذا بين المسلمين تبين أنه غير عوض عن التبليغ وقال بعض العلماء: الاستثناء منقطع على كلا القولين، وعليه فلا إشكال. فمعناه على القول الأول لا أسألكم عليه أجرا لكن أذكركم قرابتي فيكم وعلى الثاني لكن أذكركم الله في قرابتي فاحفظوني فيهم.
الثالث: وبه قال الحسن: ﴿إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ أي ألا تتوددوا إلى الله وتتقربوا إليه إلا بالطاعة والعمل الصالح وعليه فلا إشكال لأن التقرب إلى الله ليس أجر على التبليغ.
الرابع: ﴿إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ أي ألا تتوددوا إلى قراباتكم وتصلوا أرحامكم. ذكر ابن جرير هذا القول عن عبد الله بن القاسم وعليه فلا إشكال لأن صلة الإنسان رحمه ليست أجرا على التبليغ فقد علمت الصحيح في تفسير الآية وظهر لك رفع الإشكال على جميع الأقوال. وأما القول بأن قوله تعالى: ﴿إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ منسوخ بقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾ فهو ضعيف والعلم عند الله تعالى.
سورة فاطر
стр. 2318
قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلا فِي كِتَابٍ﴾ الضمير في قوله: ﴿عُمُرِهِ﴾ يظهر رجوعه إلى المعمَّر فيشكل معنى الآية لأن المعمَّر والمنقوص من عمره ضدان فيظهر تنافي الضمير ومفسره.
الجواب: أن المراد بالعمَّر هنا جنس المعمَّر الذي هو مطلق الشخص فيصدق بالذي لم ينقص من عمره وبالذي نقص من عمره فصار المعنى: لا يزاد في عمر شخص ولا ينقص من عمر شخص إلا في كتاب الله وهذه المسألة هي المعروفة عند العلماء العربية بمسألة عندي درهم ونصفه أي نصف درهم آخر.
قال ابن كثير في تفسيره: "الضمير عائد على الجنس لا على العين لأن طويل العمر في الكتاب وفي علم الله لا ينقص من عمره إنما عاد الضمير على الجنس".انتهى منه.
قوله تعالى: ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئ﴾ يدل على أن المكر هنا شيء غير السيئ أضيف إلى السيئ للزوم المغايرة بين المضاف والمضاف إليه. وقوله تعالى: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلا بِأَهْلِهِ﴾ يدل على أن المراد بالمكر هنا هو السيئ بعينه لا شيء آخر فالتنافي بين التركيب الإضافي والتركيب التقييدي ظاهر. والذي يظهر والله تعالى أعلم أن التحقيق جواز إضافة الشيء إلى نفسه إذا اختلفت الألفاظ لأن المغايرة بين الألفاظ ربما كفت في المغايرة بين المضاف والمضاف إليه كما جزم به ابن جرير في تفسيره في غير هذا الموضع ويشير إليه ابن مالك في الخلاصة بقوله:
حتما وإلا أتبع الذي ردف
وإن يكونا مفردين فأضف
وأما قوله:
معنى وأوِّل مُوِهماً إذا ورد
ولا يضاف اسم لما به اتحد
стр. 2319
فالذي يظهر فيه بعد البحث أنه لا حاجة إلى تأويله مع كثرته في القرآن واللغة العربية فالظاهر أنه أسلوب من أساليب العربية بدليل كثرة وروده كقولنا هنا: ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئ﴾ والمكر هو السيئ بدليل قوله: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ﴾ الآية. وكقوله: ﴿وَالدَّارُ الآخِرَةُ﴾ والدار هي الآخرة وكقوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ والشهر هو رمضان على التحقيق. وكقوله: ﴿مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ والحبل هو الوريد ونظيره من كلام العرب قول عنترة في معلقته:
بالسيف عن حامي الحقيقة معلم
ومشك سابغة هتكت فروجها
فأصل المشك بالكسر السير الذي تشد به الدرع ولكن عنترة هنا أراد به نفس الدرع وأضافه إليها كما هو واضح من كلامه لأن الحكم بهتك الفروج واقع على الدرع لا على السير الذي تشد به كما جزم به بعض المحققين وهو ظاهر خلافا لظاهر كلام صاحب تاج العروس فإنه أورد بيت عنترة شاهدا لأن المشك السير الذي تشد به الدرع بل المشك في بيت عنترة هذا على التحقيق هو السابغة وأضيف إليها على ما ذكرنا. وقول امرئ القيس:
غذاؤها نمير الماء غير المحلل
كبكر المقاناة البياض بصفرة
فالبكر هي المقاناة على التحقيق وأما على ما ذهب إليه ابن مالك فالجواب تأويل المضاف بأن المراد به مسمى المضاف إليه.
стр. 2320
رجل عرف الحق ببصيرته
للدكتور طه الزيني
المدرس في كلية الدعوة وأصول الدين في الجامعة
لقد درج في مدارج السالكين إلى الحق، حتى استقر أمره على الإسلام. كان مجوسيا، ثم مسيحيا، ثم مسلما من أكابر المسلمين، وناصرا من أعظم أنصار الإسلام ذلكم هو سلمان الفارسي ﵁، الصحابي الجليل وصاحب فكرة حفر الخندق حول المدينة يوم غزوة الأحزاب، وكان الخندق سببا في هزيمة المشركين وفشل خطتهم في غزو المدينة.
كان أبوه دهقان قريته (جي) من أعمال أصبهان ببلاد الفرس، وكان هو أحب خلق الله إلى أبيه، وكان أبوه يتمنى أن يشب حفيّاً بالنار عاكفا عليها، حتى يخلفه في وظيفته فكان يحبسه في بيت النار حتى لا يخرج، وحتى يعتادها ويألف الجلوس بجوارها ومناجاتها ولكن طبيعة الفتى أنفت من عبادة النار، وقال في نفسه: "لابد أن تكون هناك عبادة خير من هذه العبادة".
وفي يوم اضطر والده إلى إرساله إلى ضيعته لينوب عنه في بعض شأنه، فمر بكنيسة من كنائس النصارى فسمع أصواتهم وهم يصلون، فدخل عليهم ينظر ما يصنعون، فأعجبته صلاتهم وأحب عبادتهم وقال: "هذا والله خير مما نحن عليه"، فلم يتركهم حتى غربت الشمس، وأهمل ضيعة أبيه فلم يذهب إليها وقال لهم: "أين أجد أصل هذا الدين؟ قالوا: "بالشام".
فلما رجع إلى أبيه سأله أين كان وكيف أهمل ما أرسله من أجله؟ فقال له: "يا أبت مررت بالناس يصلون في كنيسة لهم فأعجبني ما رأيت من دينهم فبقيت عندهم حتى غربت الشمس". فقال له أبوه: "يا بني ليس لك في ذلك خير، دينك ودين آبائك خير منه".
فقال له سلمان: "كلا والله إنه لخير من ديننا"، فخاف عليه أبوه من النصرانية فجعل في رجليه قيدا وحبسه في البيت.
стр. 2321
فلما خرج والده، أرسل سلمان إلى النصارى الذين في الكنيسة يرجوهم أن يخبروه إذا قدم عليهم وفد من الشام. فقدم عليهم تجار من النصارى فأخبروه فأعد عدته للسفر وقال لهم: "إذا أردتم العودة مروا على بيت كذا". فمروا عليه وفكوا قيده ثم حملوه معهم إلى الشام.
فلما وصل إليها سأل: "من أعلم الناس بهذا الدين؟ " فقيل له: "هو الأسقف بالكنيسة"فجاءه وأخبره بأنه أحب النصرانية، وأنه يريد أن يكون خادما له في كنيسته، ويتعلم من علمه، ويصلي معه، فأذن له بذلك.
стр. 2322
ولكن هذا الأسقف كما يقول سلمان الفارسي رجل سوء، يأمر الناس بالصدقة ويحثهم عليها فإذا جمعوا إليه شيئا اكتنزه لنفسه ولم يعط منه المساكين، حتى جمع سبع قلال من المال، فكرهه سلمان كرها شديدا وأراد فراقه، ولكن الله عجل له بالمنية فبعد وفاته دل سلمان الناس على كنزه وأخبرهم بحاله، وجاء بعده أسقف فاضل زاهد في الدنيا وراغب في الآخرة فأحبه سلمان وأنس به، وظلت حال سلمان رحلة واغترابا بين بلاد النصرانية يأخذ عن أساقفتها ويعمل في خدمتهم ويتعلم الدين منهم فانتقل في ذلك إلى الشام ثم إلى الموصل ثم إلى نصيبين ثم إلى عمورية من أرض الروم وكان كلما أراد ترك بلد من هذه البلاد سأل عن أعلم الناس بأفضل الأديان في شتى بقاع الأرض، يريد الوصول إليها مهما قاسى من المتاعب، ومهما لاقى من الصعاب، لأن الحق رائده، والدين الأعلى غايته، وفي عمورية لقي أسقفا صالحا عاش معه مغتبطا راضيا، وعمل وكسب حتى صارت له بقرات وغنمات، فلما حضرت الوفاة هذا الأسقف سأله سلمان عن رجل مثله فأخبره بأنه لا يعلم أحدا على مثل حاله ولكنه أظل زمان نبي مبعوث بدين إبراهيم يخرج بأرض العرب مهاجره إلى أرض بين حرتين بينهما نخل به علامات لا تخفى، يأكل الهبة ولا يأكل الصدقة، فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل، فمكث سلمان بعمورية بعد موت صاحبه ما شاء الله أن يمكث ثم مر به نفر من التجار من قبيلة كلب فسألهم أن يحملوه معهم إلى أرض العرب على أن يعطيهم بقراته وغنماته فقبلوا وحملوه معهم، حتى إذا بلغوا وادي القرى باعوه إلى رجل يهودي فبقي عنده حتى رأى النخل فأمّل أن تكون هذه البلاد بلاد النبي المبعوث ثم قدم على هذا اليهودي ابن عم له من بني قريظة من المدينة فاشتراه منه، وحمله معه إليها، فلما رآها سلمان عرفها بالعلامات التي ذكرها له صاحبه أسقف عمورية وعلم سلمان بأن النبي سيكون في المساء مع أصحابه بقباء وكان عند سلمان بعض الطعام فجمعه، وذهب به إلى
стр. 2323
رسول الله ﷺ فقال له سلمان: إنه قد بلغني أنك رجل صالح ومعك أصحاب لك غرباء ذوو حاجة وهذا شيء كان عندي للصدقة فرأيتكم أحق به من غيركم، فقرَّب سلمان الطعام إلى النبي فقال لأصحابه: "كلوا منه". وأمسك هو فلم يأكل، فقال سلمان في نفسه: هذه واحدة من العلامات التي ذكرها أسقف عمورية، ثم عاد سلمان إلى بيته وجمع طعاما آخر وأتى به النبي ﷺ وقال له: رأيتك لا تأكل الصدقة وهذه هدية أكرمتك بها فأكل رسول الله ﷺ وأمر أصحابه فأكلوا معه. فقال في نفسه: وهذه علامة أخرى.
ثم قابل سلمان ﵁ بعد ذلك رسول الله ﷺ ببقيع الغرقد -مقبرة المدينة - فقص عليه قصته فقال الرسول ﷺ : "كاتب يا سلمان"، فكاتب سيده على إحياء ثلثماية نخلة بأرض الفقير وعلى أربعين أوقية.
ثم قال رسول الله ﷺ لأصحابه: "أعينوا أخاكم"، فأعانوه، فكان الرجل يأتي بثلاثين والآخر بعشرين وبعضهم بخمس عشرة أو بعشرة إلى أن تم العدد المطلوب، وقال رسول الله ﷺ : "اذهب يا سلمان ففقر لها ثم ائتني فأضعها بيدي"فذهب سلمان ففقر لها وأعانه أصحابه، فلما فرغوا حضر سلمان وأخبر النبي ﷺ فخرج رسول الله معه، فجعل سلمان وأصحابه يقربون النخل من الرسول، وهو يضعه بيده، حتى فرغ منها، وقد حيت جميعها ولم تمت منها واحدة وبقي المال على سلمان، فأتاه رسول الله ﷺ بمثل بيضة الدجاج من ذهب فقال له: "خذ هذه فأدها مما عليك" فأوفى سلمان ما عليه لسيده وأصبح حرا مسلما. وشهد مع رسول الله غزوة الأحزاب التي أشار فيها بحفر الخندق، ولم يفته مشهد بعد ذلك من المشاهد الإسلامية.
وفي هذه القصة عبر ينبغي ألا تفوتنا ملاحظتها:
١- أن الرغبة الصادقة في الوصول إلى المطلوب مع الصبر والجلَد توصل إليه.
стр. 2324
٢- أن الإنسان لا ينبغي أن يقعد عن البحث في دينه مستسلما لما عليه آباؤه وأجداده فقد يكونون على غير الحق.
٣- أن الذي يعشق الحق يهون عليه في سبيله الأهل والمال والأنس وجميع متع الحياة، فقد ترك سلمان ﵁ أهله ووطنه، واشتغل أجيرا، واغترب وسافر حتى صار عبدا يباع ويشترى ولكن الله كافأه بما قدم في سبيله.
٤- الصورة الحية النابضة من تعاون المسلمين بأموالهم وأنفسهم بما فيهم الرسول ﷺ .
٥- شدة تواضعه ﷺ الذي كان يمتاز به حيث وضع النخل بيده الكريمة وصبر حتى أتم ثلث مائة نخلة وهو راض مغتبط.
٦- وضوح سماحة الإسلام وحبه للوئام والسلام حيث طلب الرسول من سلمان أن يكاتب سيده، ولم يأمر أصحابه بخطفه، أو يأمره باللجوء إلى المسلمين ليحموه من سيده ولكن اتبع طريق الرضا والمسالمة وشارك بماله وجهده في استخلاص هذا العبد المؤمن من الشرك.
٧- أن الزعيم أو الرئيس أو الحاكم ينبغي له أن يأمر القادرين من أتباعه بمعاونة غيرهم في حل مشكلاتهم فهذه سنة الإسلام.
أسأل الله أن يوفق المسلمين للبحث دائما عن الحق وللتعاون فيما بينهم.
стр. 2325
رسالة المرأة في ظلال السعادة
بقلم الشيخ محمد المهدي محمود على
المدرس في دار الحديث بالمدينة التابعة للجامعة
اختار الله أن تكون المرأة سكناً للرجل، ومكملة لسعادته، ومساعدة له على أداء عمله، وآداب الإسلام بصفة عامة يظهر منها بوضوح وجلاء. أن للمرأة رسالة هامة في ثلاثة ميادين من أخطر العوامل في حياة المجتمع، واستقراره، وسعادته، وتتجلى هذه الميادين الهامة في النواحي الآتية:
١- رسالة المرأة بالنسبة لزوجها.
٢- رسالة المرأة بالنسبة لبيتها.
٣- رسالة المرأة بالنسبة لطفلها.
فأما رسالة المرأة بالنسبة لزوجها فإن كتاب الله الذي هو نور الله لأهل الدنيا- عبَّر عن ذلك أجمل تعبير وأكمله راسماً الحياة السعيدة الهانئة فقال ﵎: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (سورة الروم) فالله جل شأنه جعل المرأة سكناً وأمناً وطمأنينة للرجل.
وإن موقف السيدة خديجة من رسول الله ﷺ أعلى مثل للمحبة الزوجية المثمرة. أعلى مثل للمودة والرحمة التي هي من صنع الله الحكيم. على أن سيرة أمهات المؤمنين وكرام المؤمنات في صدر الإسلام صورة مثالية لما ينبغي أن تكون عليه الزوجة المؤمنة التقيَّة من بر لزوجها وعطف عليه ومحبة له، وإزاء ذلك أوصى الإسلام بالمرأة كثيراً في الآداب الإسلامية عامة، فالرسول ﷺ يقول: "خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي".
وأما رسالة المرأة في البيت:
стр. 2326
فالمنزل هو عش السعادة، والمرأة هي التي ترعاه بعطفها وحنانها. تصيِّره جنة وارفة الظلال طيبة الثمار. دانية القطاف. تجعله جنَّة من جنَّات الدنيا.
إن المنزل مهد راحة زوجها وعش أطفالها، فيه قوام الحياة من مأكل وملبس ومأوى، وإن اليد الحانية التي تمتد إلى كل تلك النواحي في رفق ومحبة، وطهر وإخلاص، وصفاء وعطف، فتعدُّ من المأكل ما لذَّ وطاب، ومن الملبس ما حسن وكمل، تجعله مهد راحة وأنس للنفس. وبذلك ترفرف السعادة على الأسرة وتصبح الأسرة نواة لمجتمع سعيد يؤدي كل فرد فيه واجبه على أتمِّ ما يكون.
وأما رسالة المرأة مع أطفالها:
فأطفال اليوم هم سباب المستقبل هم رجال الغد، وإن السيِّدة الفاضلة الحكيمة العاقلة المهذبة الرشيدة. هي التي ترعى أولادها تُنَشِئُهم على الفضيلة، ومكارم الأخلاق، وتربيهم على الصفات الحسنة الجميلة. تغرس فيهم معاني البطولة بما تقص عليهم من قصص الأنبياء والرسل، وأهل الحكمة الإسلامية، وعظماء التاريخ وأبطال الإسلام، إن السيِّدة التي تجعل من المنزل داراً للحكمة، ومدرسة للتفقه في كتاب الله، وهدي الصادق الأمين ﷺ ، وسير السلف الصالح المبارك. إنما تجعل من منزلها مركز إشعاعٍ يوجِّه الخير للمجتمع بما يخرجه من أفراد ممتازين علماً وخلقاً، ويصبح المنزل متعاوناً مع المدرسة. فتعاليم المدرسة متممِّة لبناء المنزل، وتربية المنزل مكمِّلة لرسالة المدرسة وأمام هذه الرسالة في هاتيك الميادين الهامة.
أمام رسالة المرأة المقدسة أمام رسالة المرأة الخطيرة. أمام رسالة المرأة التي تتناسب مع طبيعتها وتكوينها، مع عاطفتها وغريزتها مع ميولها ووجدانها مع أنوثتها وأمومتها مع فطرتها التي فطرها الله عليها.
أمام هذه الرسالة العظيمة التي عبر عنها الشاعر بقوله:
الأم مدرسة إذا أعددتها
أعددت شعباً طيب الأعراق
стр. 2327
أمام هذه الرسالة يتضح جليّاً أن أيّ انحراف للمرأة عن أداء رسالتها وأيّ شاغل يعوقها عن عملها الطبيعي الذي يتفق مع فطرتها وطبيعتها وتكوينها هو جناية كبرى:
أ - جناية على الحياة الزوجية.
ب- جناية على البيت.
ج- جناية على الطفل.
د- جناية كبرى على الأسرة والمجتمع.
فتفقد الحياة الزوجية سعادتها ويحرم البيت من الهدوء والاستقرار، ويتربى الطفل في أحضان الخدم، وتتفرق الأسرة وتحل الكوارث الهدَّامة بالمجتمع المفكَّك غير المترابط.
وما نراه اليوم من تمرد المرأة عن أداء رسالتها التي فطرها الله عليها والتي تتناسب مع طبيعتها وتكوينها. إنما هو تقليد أعمى للمدنية الغربية.
إن المرأة التي تتنكر لرسالتها وتحاول أن تهرب من سياج عِزِّها ومجدها وكرامتها تحاول أن تفر إلى تقاليد الغرب التي جعلت من المرأة سلعة للجمال الرخيص المدنس.
لقد أصبحت المرأة في بعض بلاد الكفار وفي إغرائها وإغوائها التردي إلى مهاوي الردى والفساد. ما أسعد المرأة في ظلال الإسلام وما أسعد الرجل بالمرأة الصالحة التقيَّة النقيَّة الطاهرة العفيفة وما أسعد المجتمع بالنساء المؤمنات الفاضلات اللاتي يوجِّهن النشء إلى الآداب الإسلامية المباركة، ويربين الجيل على الفضيلة، ومكارم الأخلاق. لأنَّهنَّ مصدر خير، ومنبع فضل ومشرق نور وهداية، والإسلام المبارك. الإسلام العظيم غني بالمثل العليا للسيدات المسلمات اللاتي تَرَبَيْن على مأدبة القرآن ونشأن في ظلاله وفي مقدمتهن أم المؤمنين الأولى السيدة خديجة التي حباها الله عقلاً راجحاً وحكمة بالغة فسعدت برسول الله وسعد بها الصادق الأمين ﷺ . حفظ الله المسلمين والمسلمات من التردي في مهاوي الهلاك، وظلمات الضلال، وكتب الله لأمة الإسلام عودة كريمة إلى كتاب الله الكريم مصدر النور، والخير، والهدى والفلاح، والسعادة التامَّة في الدنيا والآخرة.
стр. 2328
والله الهادي إلى سواء السبيل وصلى الله وسلم وبارك على من اصطفاه الله رحمة للعالمين سيدنا محمد النبي الكريم وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 2329
رسالة مفتوحة
رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة
الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فقد اطلعت على كلمة منسوبة إلى الشيخ أحمد خادم الحرم النبوي الشريف بعنوان: (هذه وصية من المدينة المنورة عن الشيخ أحمد خادم الحرم النبوي الشريف) . قال فيها: كنت ساهرا ليلة الجمعة أتلو القرآن الكريم، وبعد قراءة تلاوة أسماء الله الحسنى فلما فرغت من ذلك تهيأت للنوم فرأيت صاحب الطلعة البهية رسول الله ﷺ الذي أتى بالآيات القرآنية والأحكام الشريفة رحمة بالعالمين سيدنا محمد ﷺ فقال: يا شيخ، قلت: لبيك يا رسول الله يا أكرم خلق الله، فقال لي: أنا خجلان من أفعال الناس القبيحة ولم أقدر أن أقابل ربي، ولا الملائكة لأن من الجمعة إلى الجمعة مات مائة وستون ألفا على غير دين الإسلام، ثم ذكر بعض ما وقع فيه الناس من المعاصي، ثم قال: فهذه الوصية رحمة بهم من العزيز الجبار، ثم ذكر بعض أشراط الساعة إلى أن قال: فأخبرهم يا شيخ أحمد بهذه الوصية لأنها منقولة بقلم القدر المحفوظ، ومن يكتبها ويرسلها من بلد إلى بلد، ومن محل إلى محل بني له قصر في الجنة، ومن لم يكتبها ويرسلها حرمت عليه شفاعتي يوم القيامة، ومن كتبها وكان فقيرا أغناه الله أو كان مديوناًًًًً قضى الله دينه أو عليه ذنب غفر الله له ولوالديه ببركة هذه الوصية، ومن لم يكتبها من عباد الله اسود وجهه في الدنيا والآخرة، وقال: والله العظيم ثلاثا هذه حقيقة وإن كنت كاذبا أخرج من الدنيا على غير الإسلام، ومن يصدق بها ينجو من عذاب النار، ومن كذب بها كفر".
стр. 2330
هذه خلاصة ما في هذه الوصية المكذوبة على رسول الله ﷺ ، ولقد سمعنا هذه الوصية المكذوبة مرات كثيرة منذ سنوات متعددة تنشر فيما بين الناس فيما بين وقت وآخر، وتروج بين الكثير من العامة، وفي ألفاظها اختلاف، وكاذبها يقول: إنه رأى النبي- ﷺ في النوم فحمّله هذه الوصية، وفي هذه النشرة الأخيرة التي ذكرناها لك أيها القارئ زعم المفتري فيها أنه رأى النبي- ﷺ حين تهيأ للنوم لا في النوم، فالمعنى أنه رآه يقظة، زعم هذا المفتري في هذه الوصية أشياء كثيرة هي من أوضح الكذب وأبين الباطل سأنبهك عليها قريبا في هذه الكلمة إن شاء الله، ولقد نبهت عليها في السنوات الماضية وبينت للناس أنها من أوضح الكذب وأبين الباطل، فلما اطلعت على هذه النشرة الأخيرة ترددت في الكتابة عنها لظهور بطلانها وعظم جراءة مفتريها على الكذب، وما كنت أظن أن بطلانها يروج على من له أدنى بصيرة أو فطرة سليمة، ولكن أخبرني كثير من الإخوان أنها راجت على كثير من الناس وتداولوها بينهم وصدَّقها بعضهم فمن أجل ذلك رأيت أنه يتعين على أمثالي الكتابة عنها لبيان بطلانها وأنها مفتراة على رسول الله ﷺ حتى لا يغتر بها أحد، ومن تأملها من ذوي العلم والإيمان أو ذوي الفطرة السليمة والعقل الصحيح عرف أنها كذب وافتراء من وجوه كثيرة، ولقد سألت بعض أقارب الشيخ أحمد المنسوبة إليه هذه الفرية عن هذه الوصية، فأجابني بأنها مكذوبة على الشيخ أحمد وأنه لم يقلها أصلا، والشيخ أحمد المذكور قد مات منذ مدة، ولو فرضنا أن الشيخ المذكور أو من هو أكبر منه زعم أنه رأى النبي- ﷺ في النوم أو اليقظة وأوصاه هذه الوصية لعلمنا يقينا أنه كاذب أو أن الذي قال له ذلك هو شيطان وليس هو الرسول- ﷺ لوجوه كثيرة، منها أن الرسول- ﷺ لا يرى في اليقظة بعد وفاته - صلى
стр. 2331
الله عليه وسلم -، ومن زعم من جهلة الصوفية أنه يرى النبي- ﷺ في اليقظة أو أنه يحضر المولد أو ما أشبه ذلك فإنه غلط أقبح الغلط ولبس عليه غاية التلبيس ووقع في خطأ عظيم وخالف الكتاب والسنة وإجماع أهل العلم لأن الموتى إنما يخرجون من قبورهم يوم القيامة لا في الدنيا، ومن قال خلاف ذلك فإنه كاذب كذبا بيِّناً أو غالط ملبَّس عليه لم يعرف الحق الذي عرفه السلف الصالح ودرج عليه أصحاب الرسول- ﷺ وأتباعهم بإحسان، كما قال الله تعالى في صفة المؤمنين: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ فأخبر سبحانه أن بعث الأموات يكون يوم القيامة لا في الدنيا.
стр. 2332
الوجه الثاني: أن الرسول- ﷺ لا يقول خلاف الحق لا في حياته ولا في وفاته وهذه الوصية تخالف شريعته مخالفة ظاهرة من وجوه كثيرة - كما يأتي - وهو- ﷺ قد يُرى في النوم، ومن رآه في المنام على صورته الشريفة فقد رآه لأن الشيطان لا يتمثل في صورته كما جاء بذلك الحديث الصحيح الشريف، ولكن الشأن كل الشأن في إيمان الرائي وصدقه وعدالته وضبطه وديانته وأمانته، وهل رأى النبي- ﷺ في صورته أو غيرها، ولو جاء عن النبي- صلى اله عليه وسلم - حديث قاله في حياته من غير طريق الثقاة العدول الضابطين لم يعتمد عليه أو يحتج به أو جاء من طريق الثقاة الضابطين ولكنه يخالف رواية من هو أحفظ منهم وأوثق مخالفة لا يمكن معها الجمع بين الروايتين لكان أحدهما منسوخاً لا يعمل به، والثاني ناسخ يعمل به حيث أمكن ذلك بشروطه، وإذا لم يمكن ذلك ولم يمكن الجمع وجب أن تطرح رواية من هو أقل حفظ وأدنى عدالة والحكم عليها بأنها شاذة لا يعمل بها فكيف بوصية لا يعرف صاحبها الذي نقلها عن رسول الله ﷺ ولا تعرف عدالته وأمانته فهي والحالة هذه حقيقة بأن تطرح ولا يلتفت إليها وإن لم يكن فيها شيء يخالف الشرع فكيف إذا كانت الوصية مشتملة على أمور كثيرة تدل على بطلانها وأنها مكذوبة على رسول الله ﷺ ومتضمنة لدين لم يأذن به الله، وقد قال النبي- ﷺ : "من قال عليَّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار"، وقد قال مفتري هذه الوصية على رسول الله ﷺ ما لم يقل، وكذب عليه كذبا صريحاً خطيرا فما أحراه بهذا الوعيد العظيم وما أحقه به إن لم يبادر بالتوبة وينشر للناس أنه قد كذب هذه الوصية على رسول الله- صلى اله عليه وسلم - لأن من نشر باطلا بين الناس ونسبه إلى الدين لم تصح توبته منه إلا بإعلانها وإظهارها حتى يعلم الناس رجوعه عن كذبه
стр. 2333
وتكذيبه لنفسه لقول الله لقول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ إِلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ فأوضح الله في هذه الآية الكريمة أن من كتم شيئا من الحق لم تصح توبته من ذلك إلا بعد الإصلاح والتبيين، والله سبحانه قد أكمل لعباده الدين وأتم عليهم النعمة ببعثه رسوله محمد ﷺ وما أوحى الله إليه من الشرع الكامل ولم يقبضه إليه إلا بعد الإكمال والتبيين كما قال : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ الآية.
стр. 2334
ومفتري هذه الوصية قد جاء في القرن الرابع عشر يريد أن يلبس على الناس دينهم ويشرع لهم دينا جديدا يترتب عليه دخول الجنة، ومن لم يكتبها ويرسلها حرمت عليه شفاعة النبي ﷺ يوم القيامة، وهذا من أقبح الكذب ومن أوضح الدلائل على كذب هذه الوصية وقلة حياء مفتريها وعظم جرأته على الكذب لأن من كتب القرآن الكريم وأرسله من بلد إلى بلد أو من محل إلى محل لم يحصل له هذا الفضل إذا لم يعمل بالقرآن الكريم، فكيف يحصل لكاتب هذه الفرية وناقلها من بلد إلى بلد، ومن لم يكتب القرآن ولم يرسله من بلد إلى بلد لم يحرم شفاعة النبي- ﷺ إذا كان مؤمنا به تابعا لشريعته، وهذه الفرية الواحدة في هذه الوصية تكفي وحدها للدلالة على بطلانها وكذب ناشرها ووقاحته وغباوته وبعده عن معرفة ما جاء به الرسول- ﷺ من الهدى، وفي هذه الوصية سوى ما ذكر أمور أخرى كلها تدل على بطلانها وكذبها ولو أقسم مفتريها ألف قسم أو أكثر على صحتها، ولو دعا على نفسه بأعظم العذاب وأشد الأنكال على أنه صادق لم يكن صادقاً ولم تكن صحيحة بل هي والله ثم والله من أعظم الكذب وأقبح الباطل ونحن نُشهد الله سبحانه ومن حضرنا من الملائكة، ومن اطلع على هذه الكتابة من المسلمين شهادة نلقى بها ربنا أن هذه الوصية كذب وافتراء على رسول الله ﷺ أخزى الله من كذبها وعامله بما يستحق، ويدل على كذبها وبطلانها سوى ما تقدم أمور كثيرة، الأول منها قوله فيها: "لأن من الجمعة إلى الجمعة مات مائة وستون ألفا على غير دين الإسلام"لأن هذا من علم الغيب والرسول- ﷺ قد انقطع عنه الوحي بعد وفاته، وهو في حياته لا يعلم الغيب فكيف بعد وفاته لقول الله سبحانه: ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْب﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ
стр. 2335
وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ﴾ ، وفي الحديث الصحيح عن النبي- ﷺ أنه قال: "يذاد رجال عن حوضي يوم القيامة فأقول يا رب أصحابي أصحابي فيقال لي: إنك لا تدري ما أحدثوا من بعدك فأقول كما قال العبد الصالح: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ".
الثاني من أمور الدلالة على بطلان هذه الوصية وأنها كذب قوله فيها: "من كتبها وكان فقيرا أغناه الله أو مديونا قضى الله دينه أو عليه ذنب غفر الله له ولوالديه ببركة هذه الوصية" إلى آخره وهذا من أعظم الكذب وأوضح الدلائل على كذب مفتريها وقلة حيائه من الله ومن عباده لأن هذه الأمور الثلاثة لا تحصل بمجرد كتب القرآن الكريم فكيف تحصل لمن كتب هذه الوصية الباطلة وإنما يريد هذا الخبيث التلبيس على الناس وتعليقهم بهذه الوصية حتى يكتبوها ويتعلقوا بهذا الفضل المزعوم ويَدَعُوا الأسباب التي شرعها الله لعباده وجعلها موصلة إلى الغنى وقضاء الدين ومغفرة الذنوب فنعوذ بالله من أسباب الخذلان وطاعة الهوى والشيطان.
стр. 2336
الأمر الثالث من الأمور الدالة على بطلان هذه الوصية قوله فيها: "ومن لم يكتبها من عباد الله اسود وجهه في الدنيا والآخرة"وهذا أيضا من أقبح الكذب وأبين الأدلة على بطلان هذه الوصية وكذب مفتريها كيف يجوز في عقل عاقل أن من لم يكتب هذه الوصية التي جاء بها رجل مجهول في القرن الرابع عشر يفتريها على رسول الله ﷺ ويزعم أن من لم يكتبها يسود وجهه في الدنيا والآخرة، ومن كتبها كان غنيا بعد الفقر وسليما من الدَيْنِ بعد تراكمه عليه، ومغفورا له ما جناه من الذنوب سبحانك هذا بهتان عظيم، وأن الأدلة والواقع يشهدان بكذب هذا المفتري وعظم جرأته على الله، وقلة حيائه من الله ولا من الناس فهؤلاء أمم كثيرة لم يكتبوها فلم تسوَّد وجوههم، وههنا جم غفير لا يحصيهم إلا الله قد كتبوها مرات كثيرة فلم يقض دينهم ولم يَزُلْ فقرهم فنعوذ بالله من زيغ القلوب، ورين الذنوب، وهذه صفات وجزاءات لم يأت بها الشرع الشريف لمن كتب أفضل كتاب وأعظمه وهو القرآن الكريم فكيف تحصل لمن كتب وصية مكذوبة مشتملة على أنواع من الباطل وجمل كثيرة من أنواع الكفر سبحان الله ما أحلمه على من اجترأ عليه بالكذب.
стр. 2337
الأمر الرابع من الأمور الدالة على أن هذه الوصية من أبطل الباطل وأوضح الكذب قوله فيها: "ومن يصدق بها ينجو من عذاب النار ومن كذّب بها فقد كفر"وهذا أيضا من أعظم الجرأة على الكذب ومن أقبح الباطل يدعو هذا المفتري جميع الناس إلى أن يصدقوا بفريته، ويزعم أنهم بذلك ينجون من عذاب النار وأن من كذَّب بها يكفر، لقد أعظم والله هذا الكذاب على الله الفرية وقال والله غير الحق أن من صدَّق بها هو الذي يستحق أن يكون كافرا لا من كذَّب بها لأنها فرية وباطل وكذب لا أساس له من الصحة، ونحن نشهد الله على أنها كذب وأن مفتريها كذَّاب يريد أن يشرع للناس ما لم يأذن به الله، ويُدخل في دينهم ما ليس منه والله قد أكمل الدين وأتمه لهذه الأمة من قبل الفرية بأربعة عشر قرنا فانتبهوا أيها القراء والإخوان، وإياكم والتصديق بأمثال هذه المفتريات وأن يكون لها رواج فيما بينكم فإن الحق عليه نور لا يلتبس على طالبه فاطلبوا الحق بدليله واسألوا أهل العلم عما أشكل عليكم ولا تغتروا بحلف الكذابين فقد حلف إبليس اللعين لأبويكم على أنه لهما من الناصحين وهو أعظم الخائنين وأكذب الكذابين كما حكى الله عنه ذلك في سورة الأعراف حيث قال سبحانه: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ فاحذروه واحذروا أتباعه من المفترين فكم له ولهم من الأيمان الكاذبة والعهود الغادرة والأقوال المزخرفة للإغواء والتضليل، عصمني الله إياكم منها وسائر المسلمين من شر الشياطين وفتن المضلين وزيغ الزائغين وتلبيس أعداء الله المبطلين الذين يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم، ويلبسوا على الناس دينهم والله متم نوره وناصر دينه ولو كره أعداء الله من الشياطين وأتباعهم من الكفار والملحدين.
стр. 2338
وأما ما ذكره هذا المفتري من ظهور المنكرات فهو أمر واقع، والقرآن الكريم والسنة المطهرة قد حذرا منها غاية التحذير وفيهما الهداية والكفاية، ونسأل الله أن يصلح أحوال المسلمين وأن يمن عليهم باتباع الحق والاستقامة عليه، والتوبة إلى الله سبحانه من سائر الذنوب فإنه التواب الرحيم والقادر على كل شيء.
وأما ما ذكر عن شروط الساعة فقد أوضحت الأحاديث النبوية ما يكون من أشراط الساعة، وأشار القرآن الكريم إلى بعض ذلك، فمن أراد أن يعلم ذلك وجده في محله من كتب السنة، ومؤلفات أهل العلم والإيمان، وليس بالناس حاجة إلى بيان مثل هذا المفتري وتلبيسه ومزجه الحق بالباطل وحسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله الصادق الأمين، وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.
стр. 2339
شعر أهل الحديث
(تابع لما أنشد بين يدي النبي ﷺ
بقلم الأستاذ عبد العزيز القارئ
المدرس بالمعهد الثانوي بالجامعة
روى القاضي ابن العربي بسنده عن طريق زكريا بن يحيى قال: "ثنا عمر بن زحر بن حصن عن حميد بن منهب قال: سمعت جدي خريم بن أوس بن حارثة يقول: "هاجرت إلى رسول الله ﷺ بالمدينة مُنْصَرَفَهُ من تبوك فسمعت العباس قال: يا رسول الله إني أريد أن أمتدحك. قال: "قل لا يفضض الله فاك". فقال العباس:
مستودع حيث يخصف الورق
من قبلها طبت في الظلال وفي
أنت ولا مضغة ولا علق
ثم هبطت البلاد لا بشر
ـجم نسراً وأهله الغرق
بل نطفة تركب السفين وقد ألـ
إذا مضى عالم بدا طبق
تنقل من صالب إلى رحم
خندف علياء تحتها النطق
حتى استوى بيتك المهيمن من
ض وضاءت بنورك الأفق
وأنت لما بعثت أشرقت الأر
ر وسبل الرشاد نخترق
فنحن في ذلك الضياء وفي النو
فقال له النبي:"لا يفضض الله فاك.." [١]
ومنه ما روى الترمذي وصححه عن أنس أن النبي ﷺ دخل مكة في عمرة القضاء وعبد الله بن رواحة يمشي بين يديه يقول:
اليوم نضربكم على تنزيله
خلوا بني الكفار عن سبيله
ويذهل الخليل عن خليله
ضرباً يزيل الهام عن مقيله
وفي رواية:
قد أنزل الرحمن في تنزيله
خلوا بني الكفار عن سبيله
يا رب إني مؤمن بقيله
في صحف تتلى على رسوله
اليوم نضربكم على تأويله
إني رأيت الحق في قبوله
ويذهل الخليل عن خليله
ضرباً يزيل الهام عن مقيله
وفي رواية البزار:
بأن خير القتل في سبيله
قد أنزل الرحمن في تنزيله
стр. 2340
فقال عمر: "يا ابن رواحة؟ في حرم الله وبين يدي رسول الله تقول الشعر؟ "
فقال النبي ﷺ : "خلِّ عنه يا عمر فإنه أسرع فيهم من نضح النبل" [٢]
ومنه ما أخرج ابن سعد [٣] عن أبي سلمة ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قالا: "لما كان يوم فتح مكة كان عبد الله بن أم مكتوم بين يدي رسول الله ﷺ وبين الصفا والمروة وهو يقول:
أرض بها أهلي وعوّادي
يا حبذا مكة من وادي
أرض بها ترسخ أوتادي
أرض بها أمشي بلا هادي
ومما ذكره ابن سيد الناس عن ابن إسحاق في سبب فتح مكة قال: "لما تظاهر بنو بكر وقريش على خزاعة ونقضوا ما كان بينهم وبين رسول الله ﷺ من العهد والميثاق خرج عمرو بن سالم الخزاعي، قال ابن سعد:"في أربعين راكباً حتى قدم على رسول الله ﷺ المدينة وكان ذلك ما هاج فتح مكة فوقف عليه وهو جالس في المسجد بين ظهراني الناس فقال:
حلف أبينا وأبيه الأتلدا
يا رب إني ناشد محمداً
ثمت أسلمنا فلم ننزع يدا
قد كنتم ولدا وكنا والدا
وادع عباد الله يأتوك مددا
فانصر هداك الله نصراً أعتدا
إن سيم خسفاً وجهه تربدا
فيهم رسول الله قد تجردا
إن قريشاً أخلفوك الموعدا
في فَيْلَقٍ كالبحر يجري مزبدا
وجعلوا لي في كداء رصدا
ونقضوا ميثاقك المؤكدا
وهم أذل وأقل عددا
وزعموا أن لست أدعوا أحدا
وقتلونا ركّعاً وسجّدا
هم بيّتونا بالوتير هجّدا
يقول: "قتلنا وقد أسلمنا. فقال رسول الله ﷺ : "نصرت يا عمرو بن سالم". [٤] وسار بجيوشه ففتح مكة.
وذكر هذا الحديث الهيثمي في مجمع الزوائد وقال: "رواه البزار ورجاله رجال الصحيح إلا محمد بن عمرو وحديثه حسن" [٥] .
стр. 2341
ومما أخرجه ابن سيد الناس بسنده من طريق أبي عمرو بن طارق قال: "سمعت أبا جرول زهير بن صرد الجشمي يقول: "لما أسرنا رسول الله صلى الله عيه وسلم يوم حنين يوم هوازن وذهب يفرق السبي والشاء أتيته وأنشأت أقول:
فإنك المرء نرجوه وننتظر أمنن علينا رسول الله في كرم
مشتت شملها في دهرها غير أمنن على بيضة قد عاقها قدر
على قلوبهمُ الغمّاد والغمر أبقت لنا الدهر هتافاً على حزن
يا أرجح الناس حلماً حين يُختبر إن لم تداركهمُ نعماء تنشرها
إذ فوك تملؤها من مخضها الدّرر أمنن على نسوة كنت ترضعها
وإذ يزينك ما تأتي وما تذر إذ أنت طفل صغير كنت ترضعها
واستبق منا فإنا معشر زهر لا تجعلنا كمن شالت نعامته
وعندنا بعد هذا اليوم مدخر إنّا لنشكر للنعماء إذ كفرت
من أمهاتك إن العفو مشتهر فألبس العفو من قد كنت ترضعه
عند الهياج إذا ما استوقد الشرر يا خير من مرجت كمت الجياد به
هذي البرية إذ تعفو وتنتصر إنا نؤمل عفواً منك تلبسه
يوم القيامة إذ يهدي لك الظفر فاعفو عفا الله عما أنت راهبه
قال فلما سمع النبي ﷺ هذا الشعر قال: "ما لي ولبني عبد المطلب فهو لكم"، وقالت قريش: "ما كان لنا فهو لله ولرسوله". وقالت الأنصار: "ما كان لنا فهو لله ولرسوله". قال الطبراني:"لا يروى عن زهير بن صرد بهذا التمام إلا بهذا الإسناد تفرد به عبيد الله بن رماحس" [٦] .
قلت: وأخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد [٧] عن عبد الله بن عمرو وقال: "رواه الطبراني وفيه ابن اسحق مدلس ولكنه ثقة وبقية رجاله ثقات..". وذكره الحافظ ابن كثير في تاريخه عن ابن اسحق قال: "حدثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وفي رواية يونس بن بكير عنه.."
نظراته ﷺ في الشعر ونقده له:
стр. 2342
في الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أصدق كلمة
قالها شاعر كلمة لبيد:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل [٨]
وهذا شطر بيت للبيد وهو ابن ربيعة العامري صاحب المعلقة. ذكر صاحب الشعر والشعراء هذا البيت في قصيدة للبيد كما يلي:
وكل نعيم لا محالة زائل
ألا كل شيء ما خلا الله باطل
قضى عمراً والمرء ما عاش آمل
إذا المرء أسرى ليلة ظن أنه
ويفنى إذا ما أخطأته الحبائل
حبائله مبثوثة بسبيله
ألما يعظك الدهر أمك هابل
فقولا له إن كان يقسم أمره
لعلك تهديك القرون الأوائل
فإن أنت لم تصدق نفسك فانتسب
ودون معد فلتزعك العواذل
فإن لم تجد من دون عدنان والداً
إذا كشفت عند الإله المحاصل [٩]
وكل امرئ يوماً سيعلم سعيه
وهذا الذي سبق من النبي ﷺ إشادة بهذا الشطر من البيت لاحتوائه على هذا المعنى الموجز العظيم وسكوته ﷺ عن الشطر الآخر كان عدم رضا به وهو قوله: "وكل نعيم لا محالة زائل"
فإن العموم هنا ليس مقبولاً ولذلك فقد انتقد عثمان بن مظعون ﵁ هذا الشطر لما أنشد لبيد القصيدة فلما قال: "وكل نعيم لامحالة زائل"قال: "كذبت إلا الجنة". ذكره ابن حجر في الإصابة وابن هشام [١٠] .
ومن نقده ﷺ لمعاني الشعر استدراكه على النابغة الجعدي لما قال:
وإنا لنرجو فوق ذلك مظهراً
فقال له: "أين المظهر يا أبا ليلى"، وفي رواية أنه غضب ﷺ وذلك أن ظاهر البيت فيه مبالغة عظيمة فإنه لا يرجى اعتلاء فوق السماء لمخلوق فهو معنى مردود.. لولا ذكاء الشاعر ﵁ وسرعة بديهته وتأويله لمراده بأنه الجنة.
ومن هذا الباب أيضاً إعجابه ﷺ بقول الأعشى المازني:
وهن شر غالب لمن غلب
فجعل يكرر هذا الشطر..
стр. 2343
وذلك أنه معنى واقع محسوس يصدقه كل سامع، وأول ما يصدقه واقعة الشاعر نفسه فطابقت هذه الكلمة حاله مطابقة جيدة.
ومنه أيضاً دعاؤه للنابغة لما أنشد قوله:
بوادر تحمي صفوه أن يكدرا
ولا خير في حلم إذا لم يكن له
حليم إذا أورد الأمر أصدرا
ولا خير في جهل إذا لم يكن له
قال: "أحسنت لا يفضض الله فاك"، على حين أنه ﷺ استنكر قبل ذلك بقليل أبياتاً من القصيدة كما سبق، فذلك منه ﷺ دقة في النظر في الشعر والتفريق بين معانيه وعباراته وتحريض في نفس الوقت للشعراء أن يحرصوا على اختيار المعاني الجيِّدة السامية الصادقة في شعرهم، وأن يحترسوا من التورط في المعاني المردودة الفاسدة أو المبالغات القبيحة.. ومواقفه ﷺ كلها من الشعر والشعراء تدل على تذوقه لمعانيه وفهمه العميق لمراميه، فهو يقبل بعضاً ويرد بعضاً ويؤثر فيه الشعر حتى يشفعه ويرق لصاحبه ويقبل عليه، بل ويكافئه كما فعل بكعب بن زهير..
هذا مع أنه ﷺ يدرك بنظره الثاقب مدى خطورة دَوْر الشعر وأهميته في ميدان دعوته ورسالته فالعرب أمة شاعرة تعظم الشعر.
ولذلك اتخذ ﷺ الشعر سلاحاً يرد به خطر الحرب الكلامية التي أعلنها عليه شعراء قريش وفطاحل البيان فيها. فكان من شعرائه الذين ينافحون عنه حسان بن ثابت ﵁ الذي لا يخفى بلاؤه في هذه الحرب على أحد وكيف كانت أبياته تقض مضجع القريشيين.. وقد سبق في هذا البحث أن عبد الله بن الزبعرى لما هرب من رسول الله ﷺ إلى نجران قال فيه حسان:
نجران في عيش أجذ لئيم
لا تعدمن رجلاً أحلك بغضه
فما كاد هذا البيت يبلغ ابن الزبعرى ﵁ حتى فعل فعله بنفسه فجاء يسعى إلى رسول الله ويعتذر له عما سلف ثم أسلم ...
стр. 2344
ومنهم كذلك كعب بن مالك وعبد الله بن رواحة ﵄..
قال عبد الله: "بينما أنا أجتاز في المسجد ورسول الله في ناس من أصحابه إذ قال القوم: "يا عبد الله بن رواحة". فظننت أن رسول الله يدعوني فجئت، فقال: "اجلس يا عبد الله بن رواحة كيف تقول الشعر إذا أردت أن تقول؟ "؛ فقلت: "أنظر ثم أقول". قال: "عليك بالمشركين". ولم أكن أعددت شيئاً لذلك فقلت:
متى كنتم مطاريق أو دانت لكم مضر
فخبروني أثمان العباء متى
فنظرت الكراهية في وجه رسول الله أن جعلت قومه أثمان العباء فنظرت ثم قلت:
على البرية فضلاً ما له غِيرُ
يا هاشم الخير إن الله فضلكم
فراسة خالفتهم في الذي نظروا
إني تفرَّست فيك الخير أعرفه
في جل أمرك ما آووا ولا نصروا
ولو سألْتَ أو استنصرت بعضَهم
تثبيت موسى ونصراً كالذي نصروا
فثبت الله ما آتاك من حسن
قال: "وأنت فثبتك الله يا ابن رواحة" [١١] .
قلت: وهذا الذي وقع فيه ابن رواحة في البيت الأول قد احترس منه حسان وهو أذكى في الشعر وأطول باعاً، فقال للنبي ﷺ : "والله لأسُلنّك منهم كما تسلُّ الشعرة من العجين".. وقد فعل..إلا أن ابن رواحة ﵁ أحسن استدراك خطئه فأزال ما كان وقع في نفس النبي ﷺ من كراهية لما قال.
ما نسب من الشعر إلى الخلفاء الراشدين:
ذكر أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني في كتابه عن الشعر طرفاً من هذا النوع وأفرد له باباً.. وجاء بشعر للخلفاء الأربعة يحتاج إلى النظر في ثبوته فإن ابن رشيق ليس ممن يؤخذ عنه مثل ذلك.
стр. 2345
أما خليفة رسول أبو بكر الصديق ﵁ فنسب إليه الأبيات الآتية وذكرها أيضاً ابن هشام في كلامه عن سرية عبيدة بن الحارث وهي أول راية عقدها رسول الله ﷺ . وكان أبو بكر ﵁ حسب زعم الراوي قال هذه القصيدة في هذه الغزوة.. وأشار إليها ابن عبد البر في الاستيعاب كما سيأتي قال ابن هشام: "قال ابن إسحاق: فقال أبو بكر ﵁ في غزوة عبيدة بن الحارث:
أرقت أو أمر في العشيرة حادث
أمن طيف سلمى بالبطاح الدمائث
عن الكفر تذكير ولا بعث باعث
ترى من لؤي فرقة لا يصدها
عليه وقالوا لست فينا بماكث
رسول أتاهم صادق فتكذبوا
وهرُّوا هرير المحجرات اللواهث
إذا ما دعوناهم إلى الحق أدبروا
وترك التقى شيء لهم غير كارث
فكم قد منينا فيهم بقرابة
فما طيبات الحل مثل الخبائث
فإن يرجعوا عن كفرهم وعقوقهم
فليس عذاب الله عنهم بلابث
وإن يركبوا طغيانهم وضلالهم
لنا العز منها في الفروع والأثائث
ونحن أناس من ذؤابة غالب
حراجيج تخدى في السريح الرثائث
فأولى بربِّ الراقصات عشية
يردن حياض البئر ذات البنائث
كأدم ظباء حول مكة عكف
وليس إذا آليت قولاً بحانث
لئن لم يفيقوا عاجلاً من ضلالهم
تحرم أطهار النساء الطوامث
لتبتدرنهم غارة ذات مصدق
ولا ترأف الكفار رأف ابن حارث
تغادر قتلى تعصب الطير حولهم
وكل كفور يبتغي الشر باحث
فأبلغ بني سهم لديك رسالة
فأن من أعراضكم غير شاعث
فإن تشعثوا عرضي على سوء رأيكم
قال:"فأجابه عبد الله بن الزبعرى السهمي فقال:
بكيت بعين دمعها غير لابث
أمن رسم دار أقفرت بالعثاعث
وفيها يقول:
فما أنت عن أعراض فهر بماكث
فأبلغ أبا بكر لديك رسالة
стр. 2346
قال ابن هشام: "وأكثر أهل العلم ينكر هذه القصيدة لابن الزبعرى". وقال السهيلي: "ويشهد لصحة من أنكر أن تكون له - أي قصيدة أبي بكر - ما روى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: "كذب من أخبركم أن أبا بكر قال بيت شعر في الإسلام". رواه محمد البخاري عن أبي المتوكل عن عبد الرزاق".
قلت: وهذا حديث صحيح وقد رواه ابن عبد البر في الاستيعاب أيضاً فقال: "روى سفيان بن حسين عن الزهري قال: "سألني عبد الملك بن مروان فقال: "أرأيت هذه الأبيات التي تروى عن أبي بكر". فقلت له: "إنه لم يقلها، حدثني عروة عن عائشة أن أبا بكر لم يقل بيت شعر في الإسلام حتى مات". [١٢]
قلت: رواية ابن عبد البر هذه وإن كان فيها سفيان وقد ضعفوه في الزهري إلا أنه تابعه معمر كما سبق..
стр. 2347
والحق يقال أنه لا ينبغي التردد في تكذيب نسبة هذه القصيدة إلى أبي بكر وأنه قال شعراً في الإسلام حتى مات تصديقاً للصديقة ﵂ وهي أعلم بحال أبيها. وإن كان قال شعراً أو لم يقل. مع أنه لو قال شيئاً من الشعر فلا أشك أنه لا يخفى عليها لما علم من حفظها للشعر وروايتها له. أخرج ابن عبد البر في الاستيعاب عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال: "ما رأيت أحداً أروى للشعر من عروة فقيل له ما أرواك يا أبا عبد الله؟ قال: "وما روايتي من رواية عائشة ما كان ينزل بها شيء إلا أنشدت فيه شعراً". هذا مع أن القصيدة نفسها تكاد تنطق بالتكذيب لما هو واضح عليها من الصناعة والتكلُّف حتى إنني لأكاد أقول إن منتحلها وضع القاموس أمامه لو كان وجد في زمنه فنقب فيه عن (الأثائث) و (الرثائث) و (البنائث) وغير ذلك من الكلمات الثقيلة. والقصيدة كلها في ثقل هذه الكلمات ولو قارنت بينها وبين ما صحت نسبته من الشعر للصحابة لرأيت بوناً شاسعاً فشعر الصحابة خفيف سلس رقيق لا تعمُّق فيه ولا تصنُّع ولا تكلُّّف... في الغالب الكثير، لأنهم لا يشتغلون بالشعر صناعة وهواية إنما ينطقون به على سجيَّتهم من غير تفرُّغ له.. اللهم إلا ما يكون من حسان ﵁ فإنه شاعر مشهور في الجاهلية والإسلام.
وقد عجبت للشعبي فيما نقله عنه ابن عبد البر كيف يقول: "كان أبو بكر شاعراً وكان عمر شاعراً وكان علي أشعر الثلاثة" [١٣] .
أكان ﵀ يرد كلام عائشة في أبيها أم لم يسمع هذا الحديث منها ولم يبلغه عنها.. أم تراه فهم من كلام عائشة أنه كان شاعراً ولم يقل بيت شعر بعد أن أسلم؟ قال ابن عبد البر: "وذكر الأموي عن أبيه عن ابن إسحاق قال: "قال أبو بكر ﵁ في مسطح:
من الكلام ولم تتبع بها طمعا
يا عوف ويحك هلا قلت عارفة
ولم تكن قاطعاً يا عوف منقطعا
وأدركتك حياء معشر أنف
ولا تقول ولو عاينته قذعا
стр. 2348
أما حزنت من الأقوام إذا حسدوا
أمينة الجيب لم تعلم لها خضعا
لما رميت حَصاناً غير مقرفة
في سيِّء القول من لفظ الخنا شرعا
فيمن رماها وكنتم معشراً إفكا
وبين عوف وبين الله ما صنعا
فأنزل الله وحياً في براءتها
شر الجزاء إذا ألفيته هجعا
فإن أعش أجز عوفاً من مقالته
ومن العجب أن تكون هذه الأبيات حسب زعم ابن اسحق في قصة الإفك التي تورط فيها مسطح وتكون عائشة موضع القصيدة ثم تخفى عليها..
لا أظن أن كل هذا يقوى على مقاومة ما صح عنها وقد حكمت به حكماً صارماً يدل على يقينها في هذا الأمر: "كذب من أخبركم أنّ أبا بكر قال بيت شعر في الإسلام" ...
أما عن عمر بن الخطاب ﵁ فنسبوا إليه أبياتاً منها:
يبقى الإله ويفنى المال والولد
لاشيء مما ترى تبقى بشاشته
والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا
لم تغن عن هرمز يوماً خزائنه
والجن والإنس فيما بينها ترد
ولا سليمان إذ تجري الرياح له
لا بدّ من ورده يوماً كما وردو
حوض هنالك مورود بلا كذب
ذكر ذلك ابن رشيق وإنما هي لورقة بن نوفل نسبها إليه صاحب الأغاني وذكر قبلها هذه الأبيات [١٤] :
أنا النذير فلا يغرركموا أحد
لقد نصحت لأقوام وقلت لهم
فإن دعوكم فقولوا بيننا جدد
لا تعبُدُنّ إلهاً غير خالقكم
وقبل قد سبّح الجودي والجمد
سبحان ذي العرش سبحاناً نعوذ به
لا ينبغي أن يناوي ملكه أحد
مسخَّر كل ما تحت السماء له
وقد ذكرها صاحب زهر الآداب فقال [١٥] :
стр. 2349
وروي أن عمر بن الخطاب ﵁ حج فلما كان بضَجْنان قال: "لا إله إلا الله العلي العظيم المعطي من شاء ما شاء، كنت في هذا الوادي في مدرعة صوف أرعى إبل الخطاب وكان فظاً يتعبني إذا عملت ويضربني إذا قصرت وقد أمسيت الليلة ليس بيني وبين الله أحد"ثم تمثل:
لا شيء مما ترى يبقى بشاشته ... الأبيات.
وذكر الألوسي في كتابه بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب [١٦] هذه الأبيات لورقة ابن نوفل وأنه مر ببلال وهو يعذَّب ويقول: "أحد أحد" فوقف عليه وقال: "أحد أحد والله يا بلال"ونهاهم عنه فلم ينتهوا. فقال والله لئن قتلتموه لأتخذن قبره حناناً وقال:
أنا النذير فلا يغرركموا أحد
لقد نصحت لأقوام وقلت لهم
إلى آخر الأبيات المذكورة.. وقد ذكر ابن هشام وقوف ورقة على بلال ونهيه لهم عن تعذيبه ولم يذكر أنه قال هذه الأبيات حينئذ فلا أدري من أين أخذ ذلك الألوسي ﵀ [١٧] !
ونسبوا إليه أيضاً أنه قال:
على كل دين قبل ذلك حائد
ألم ترى أن الله أظهر دينه
تداعَوْا إلى أمر من الغي فاسد
وأمكنه من أهل مكة بعدما
مسوقة بين الزبير وخالد
غداة أجال الخيل في عرصاتها
وأمسى عداه من قتيل وشارد
فأمسى رسول الله قد عز نصره
ذكر ذلك صاحب زهر الآداب وذكره ابن رشيق في العمدة ومن العجب أن يزعم في زهر الآداب أن عمر قال هذه الأبيات يوم فتح مكة..
стр. 2350
وهو الذي زجر عبد الله بن رواحة وأنكر عليه إنشاده الشعر عند دخول مكة في عمرة القضاء قائلاً: "أفي حرم الله وبين يدي رسول الله؟؟.."ثم سبق لك في عدد من الأحاديث تشديده ﵁ على الشعراء وموقفه الحازم من الشعر، ففي حديث الأسود بن سريع وصفه النبي ﷺ فقال: "هذا الرجل لا يحب الباطل" [١٨] . وأراد الشعر ويكفي هذا دلالة على أن عمر كان أشدَّ من النبي ﷺ في موقفه من الشعراء وليس ذلك كراهية منه لذلك وإنما هي سياسة إسلامية لتصفية معاني الشعر ومقاصده من شوائب الجاهلية ومحاولة للحدِّ من اشتغال العرب به خشية أن يلهيهم عن القرآن وسنة الرسول ﷺ ، وهو غرض مستقى من سياسة النبي ﷺ نفسه إذ سبق شرح سياسته ﷺ في الشعر إلا أن عمر يتميز بالشدة والصرامة والنبي ﷺ رؤوف رحيم.
هذا مع أن عمر ﵁ كان من اعرف الفصحاء بمعاني الشعر وأنقدهم له وكان يحفظه ويرويه والأخبار بذلك كثيرة لو أردت أن أسوقها لطال البحث وتوسع [١٩] إلا أنني أذكر طرفاً من ذلك يدل على أمرين:
قال ابن حجر في الإصابة في ترجمة تميم بن مقبل: "وله خبر مع عمر بن الخطاب حين استعداه على النجاشي الشاعر لأنهما كانا يتهاجيان والقصة مشهورة رويناها في كتاب المجالس وذكرها ثعلب في فوائده من رواية أبي الحسن بن مقسم عنه قال: قال أصحابنا: استعدى تميم بن مقبل عمر بن الخطاب على النجاشي فقال:"يا أمير المؤمنين هجاني فأعدني عليه. قال: "يا نجاشي ما قلت؟ "قال: "يا أمير المؤمنين قلت ما لا أرى عليه إثماً"وأنشد:
فجازى بني العجلان رهط ابن مقبل
إذا الله جازى أهل لؤم بذمة
ولا يظلمون الناس حبة خردل
قُبَيِّلَة لا يغدرون بذمة
فقال عمر: "ليتني من هؤلاء. فقال:
إذا صدر الوارد عن كل منهل
ولا يردون الماء إلا عشيَّة
следующие страницы →