Полный текст (23 804 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.
стр. 2346
قال ابن هشام: "وأكثر أهل العلم ينكر هذه القصيدة لابن الزبعرى". وقال السهيلي: "ويشهد لصحة من أنكر أن تكون له - أي قصيدة أبي بكر - ما روى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: "كذب من أخبركم أن أبا بكر قال بيت شعر في الإسلام". رواه محمد البخاري عن أبي المتوكل عن عبد الرزاق".
قلت: وهذا حديث صحيح وقد رواه ابن عبد البر في الاستيعاب أيضاً فقال: "روى سفيان بن حسين عن الزهري قال: "سألني عبد الملك بن مروان فقال: "أرأيت هذه الأبيات التي تروى عن أبي بكر". فقلت له: "إنه لم يقلها، حدثني عروة عن عائشة أن أبا بكر لم يقل بيت شعر في الإسلام حتى مات". [١٢]
قلت: رواية ابن عبد البر هذه وإن كان فيها سفيان وقد ضعفوه في الزهري إلا أنه تابعه معمر كما سبق..
стр. 2347
والحق يقال أنه لا ينبغي التردد في تكذيب نسبة هذه القصيدة إلى أبي بكر وأنه قال شعراً في الإسلام حتى مات تصديقاً للصديقة ﵂ وهي أعلم بحال أبيها. وإن كان قال شعراً أو لم يقل. مع أنه لو قال شيئاً من الشعر فلا أشك أنه لا يخفى عليها لما علم من حفظها للشعر وروايتها له. أخرج ابن عبد البر في الاستيعاب عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال: "ما رأيت أحداً أروى للشعر من عروة فقيل له ما أرواك يا أبا عبد الله؟ قال: "وما روايتي من رواية عائشة ما كان ينزل بها شيء إلا أنشدت فيه شعراً". هذا مع أن القصيدة نفسها تكاد تنطق بالتكذيب لما هو واضح عليها من الصناعة والتكلُّف حتى إنني لأكاد أقول إن منتحلها وضع القاموس أمامه لو كان وجد في زمنه فنقب فيه عن (الأثائث) و (الرثائث) و (البنائث) وغير ذلك من الكلمات الثقيلة. والقصيدة كلها في ثقل هذه الكلمات ولو قارنت بينها وبين ما صحت نسبته من الشعر للصحابة لرأيت بوناً شاسعاً فشعر الصحابة خفيف سلس رقيق لا تعمُّق فيه ولا تصنُّع ولا تكلُّّف... في الغالب الكثير، لأنهم لا يشتغلون بالشعر صناعة وهواية إنما ينطقون به على سجيَّتهم من غير تفرُّغ له.. اللهم إلا ما يكون من حسان ﵁ فإنه شاعر مشهور في الجاهلية والإسلام.
وقد عجبت للشعبي فيما نقله عنه ابن عبد البر كيف يقول: "كان أبو بكر شاعراً وكان عمر شاعراً وكان علي أشعر الثلاثة" [١٣] .
أكان ﵀ يرد كلام عائشة في أبيها أم لم يسمع هذا الحديث منها ولم يبلغه عنها.. أم تراه فهم من كلام عائشة أنه كان شاعراً ولم يقل بيت شعر بعد أن أسلم؟ قال ابن عبد البر: "وذكر الأموي عن أبيه عن ابن إسحاق قال: "قال أبو بكر ﵁ في مسطح:
من الكلام ولم تتبع بها طمعا
يا عوف ويحك هلا قلت عارفة
ولم تكن قاطعاً يا عوف منقطعا
وأدركتك حياء معشر أنف
ولا تقول ولو عاينته قذعا
стр. 2348
أما حزنت من الأقوام إذا حسدوا
أمينة الجيب لم تعلم لها خضعا
لما رميت حَصاناً غير مقرفة
في سيِّء القول من لفظ الخنا شرعا
فيمن رماها وكنتم معشراً إفكا
وبين عوف وبين الله ما صنعا
فأنزل الله وحياً في براءتها
شر الجزاء إذا ألفيته هجعا
فإن أعش أجز عوفاً من مقالته
ومن العجب أن تكون هذه الأبيات حسب زعم ابن اسحق في قصة الإفك التي تورط فيها مسطح وتكون عائشة موضع القصيدة ثم تخفى عليها..
لا أظن أن كل هذا يقوى على مقاومة ما صح عنها وقد حكمت به حكماً صارماً يدل على يقينها في هذا الأمر: "كذب من أخبركم أنّ أبا بكر قال بيت شعر في الإسلام" ...
أما عن عمر بن الخطاب ﵁ فنسبوا إليه أبياتاً منها:
يبقى الإله ويفنى المال والولد
لاشيء مما ترى تبقى بشاشته
والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا
لم تغن عن هرمز يوماً خزائنه
والجن والإنس فيما بينها ترد
ولا سليمان إذ تجري الرياح له
لا بدّ من ورده يوماً كما وردو
حوض هنالك مورود بلا كذب
ذكر ذلك ابن رشيق وإنما هي لورقة بن نوفل نسبها إليه صاحب الأغاني وذكر قبلها هذه الأبيات [١٤] :
أنا النذير فلا يغرركموا أحد
لقد نصحت لأقوام وقلت لهم
فإن دعوكم فقولوا بيننا جدد
لا تعبُدُنّ إلهاً غير خالقكم
وقبل قد سبّح الجودي والجمد
سبحان ذي العرش سبحاناً نعوذ به
لا ينبغي أن يناوي ملكه أحد
مسخَّر كل ما تحت السماء له
وقد ذكرها صاحب زهر الآداب فقال [١٥] :
стр. 2349
وروي أن عمر بن الخطاب ﵁ حج فلما كان بضَجْنان قال: "لا إله إلا الله العلي العظيم المعطي من شاء ما شاء، كنت في هذا الوادي في مدرعة صوف أرعى إبل الخطاب وكان فظاً يتعبني إذا عملت ويضربني إذا قصرت وقد أمسيت الليلة ليس بيني وبين الله أحد"ثم تمثل:
لا شيء مما ترى يبقى بشاشته ... الأبيات.
وذكر الألوسي في كتابه بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب [١٦] هذه الأبيات لورقة ابن نوفل وأنه مر ببلال وهو يعذَّب ويقول: "أحد أحد" فوقف عليه وقال: "أحد أحد والله يا بلال"ونهاهم عنه فلم ينتهوا. فقال والله لئن قتلتموه لأتخذن قبره حناناً وقال:
أنا النذير فلا يغرركموا أحد
لقد نصحت لأقوام وقلت لهم
إلى آخر الأبيات المذكورة.. وقد ذكر ابن هشام وقوف ورقة على بلال ونهيه لهم عن تعذيبه ولم يذكر أنه قال هذه الأبيات حينئذ فلا أدري من أين أخذ ذلك الألوسي ﵀ [١٧] !
ونسبوا إليه أيضاً أنه قال:
على كل دين قبل ذلك حائد
ألم ترى أن الله أظهر دينه
تداعَوْا إلى أمر من الغي فاسد
وأمكنه من أهل مكة بعدما
مسوقة بين الزبير وخالد
غداة أجال الخيل في عرصاتها
وأمسى عداه من قتيل وشارد
فأمسى رسول الله قد عز نصره
ذكر ذلك صاحب زهر الآداب وذكره ابن رشيق في العمدة ومن العجب أن يزعم في زهر الآداب أن عمر قال هذه الأبيات يوم فتح مكة..
стр. 2350
وهو الذي زجر عبد الله بن رواحة وأنكر عليه إنشاده الشعر عند دخول مكة في عمرة القضاء قائلاً: "أفي حرم الله وبين يدي رسول الله؟؟.."ثم سبق لك في عدد من الأحاديث تشديده ﵁ على الشعراء وموقفه الحازم من الشعر، ففي حديث الأسود بن سريع وصفه النبي ﷺ فقال: "هذا الرجل لا يحب الباطل" [١٨] . وأراد الشعر ويكفي هذا دلالة على أن عمر كان أشدَّ من النبي ﷺ في موقفه من الشعراء وليس ذلك كراهية منه لذلك وإنما هي سياسة إسلامية لتصفية معاني الشعر ومقاصده من شوائب الجاهلية ومحاولة للحدِّ من اشتغال العرب به خشية أن يلهيهم عن القرآن وسنة الرسول ﷺ ، وهو غرض مستقى من سياسة النبي ﷺ نفسه إذ سبق شرح سياسته ﷺ في الشعر إلا أن عمر يتميز بالشدة والصرامة والنبي ﷺ رؤوف رحيم.
هذا مع أن عمر ﵁ كان من اعرف الفصحاء بمعاني الشعر وأنقدهم له وكان يحفظه ويرويه والأخبار بذلك كثيرة لو أردت أن أسوقها لطال البحث وتوسع [١٩] إلا أنني أذكر طرفاً من ذلك يدل على أمرين:
قال ابن حجر في الإصابة في ترجمة تميم بن مقبل: "وله خبر مع عمر بن الخطاب حين استعداه على النجاشي الشاعر لأنهما كانا يتهاجيان والقصة مشهورة رويناها في كتاب المجالس وذكرها ثعلب في فوائده من رواية أبي الحسن بن مقسم عنه قال: قال أصحابنا: استعدى تميم بن مقبل عمر بن الخطاب على النجاشي فقال:"يا أمير المؤمنين هجاني فأعدني عليه. قال: "يا نجاشي ما قلت؟ "قال: "يا أمير المؤمنين قلت ما لا أرى عليه إثماً"وأنشد:
فجازى بني العجلان رهط ابن مقبل
إذا الله جازى أهل لؤم بذمة
ولا يظلمون الناس حبة خردل
قُبَيِّلَة لا يغدرون بذمة
فقال عمر: "ليتني من هؤلاء. فقال:
إذا صدر الوارد عن كل منهل
ولا يردون الماء إلا عشيَّة
стр. 2351
فقال عمر: "ما على هؤلاء متى وردوا". فقال:
خذ العقب واحلب أيها العبد واعجل
وما سمي العجلان إلا لقوله
فقال عمر: "خير القوم أنفعهم لأهله". فقال تميم: "فسله عن قوله:
ـئيم ورهط العاجز المتذلل
أولئك أولاد الهجين وأسرة اللـ
فقال عمر: "أما هذا فلا أعذرك عليه فحبسه وضربه".
وذكر أيضاً في ترجمة لبيد بن ربيعة أنه أمر عامله على الكوفة أن يسأله عمَّا أحدث من الشعر بعد الإسلام فقال لبيد: "أبدلني الله خيراً من ذلك سورة البقرة وآل عمران". فزاد عمر في عطائه..
وذكر صاحب الأغاني القصة وزاد أنه أنقص من عطاء الأغلب العِجْلي لما قال جواباً على ذلك:
لقد طلبت هيناً موجوداً
أرجزاً تريد أم قصيداً
فهذان الخبران يدلان على أنه ﵁ لم يكن يرضى من الشعراء الاشتغال بما كانوا يشتغلون به من مقاصد الهجاء واللهو واللغو.. وأنه كان يحرِّضهم على الاشتغال بالقرآن فهو أبلغ بيان وأعظم منهل وتلاحظ في نفس الوقت أنه ﵁ تجاهل في بادئ الأمر ما هو مضمَّن من الهجاء في أبيات النجاشي ولا يقولن قال أن ذلك كان عدم معرفة بالشعر فإن قوله:
إذا الله جازى أهل لؤم بذمة
يكاد يكون صريحاً في قصد الذم والهجاء، إلا أن عمر لم يرد إذكاء النار بينهما أو بين القبيلتين وحاول أن يدرأ الحد بالشبهة وأن يلطِّف الجو. وأنت تعلم أثر الهجاء في العرب.. حتى إذا انكشف الهجاء صريحاً في البيت الأخير عاقبه وضربه وحبسه.. ومثل هذا ما يروى عن حبسه للحطيئة لما استعداه عليه الزبرقان ابن بدر فقد حاول ﵁ في البداية أن يصلح بينهما ويتجاهل قصد الهجاء في قول الحطيئة:
واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
دع المكارم لا ترحل لبغيتها
ثم حكم فيه حسان بن ثابت ﵁ فحكم عليه حسان..
стр. 2352
فكل هذا وما أشبهه مما يروى عن عمر لا يدل على أنه ﵁ كان قصير النظر في الشعر.. فإنه من أفصح العرب لكنه يدل على أنه ﵁ كان يلتزم موقف القاضي: والقاضي لا يتسرع في الحكم..
ونسبوا إليه ﵁ كذلك أنه قال:
بكفِّ الإله مقاديرها
هوِّن عليك فإن الأمور
ولا قاصر عنك مأمورها
فليس بآتيك منهيُّها
وفي منتخب كنز العمال [٢٠] قال: "عن أبي خالد الغساني قال ثني مشيخة من أهل الشام أدركوا عمر قالوا: "لما استخلف عمر صعد المنبر فلما رأى الناس أسفل منه حمد الله ثم كان أول كلام تكلم به بعد الثناء على الله ورسوله:
بكف الإله مقاديرها
هون عليك فإن الأمور
ولا قاصر عنك مأمورها
فليس يؤاتيك منهيها
ولا يخفى أن هذا الأثر لا يعول عليه.
وقد بحثت عن قائل هذين البيتين فلم أكد أعثر عليه وقد ذكرهما ابن عبد ربه في العقد الفريد وأبو عبيد البكري في فصل المقال شرح كتاب الأمثال وابن رشيق في العمدة كل ذلك من غير نسبة إلى أحد [٢١] إلا أن ابن رشيق قال: "ويروى للأعور الشني.."فرجعت إلى ترجمته في الشعر والشعراء لابن قتيبة وفي المؤتلف والمختلف فلم يذكروهما فيما ذكرا من أشعاره.
ونسبوا إلى عثمان بن عفان ﵁ أنه قال:
وإن عضها حتى يضربها الفقر
غني النفس يغني النفس حتى يكفها
بكائنة إلا سيتبعها يسر
وما عسرة - فاصبر لها إن لقيتها -
ذكر ذلك ابن رشيق في العمدة وصاحب زهر الآداب ولا يُحتجُّ بقولهم ولم أرهم نسبوا إليه غير ذلك.
стр. 2353
أما رابع الخلفاء الراشدين علي ابن أبي طالب ﵁ فقد نسب إليه شعر كثير ولا يصح منه إلا شيء يسير، وفيما نسب إليه تفصيل ويحتاج إلى تحقيق ودليل فإن الشيعة جزاهم الله بما يستحقون افتروا عليه ﵁ من النثر والشعر ما لا يحصى، وتفرغ لذلك منهم الشريف الرضي لا أرضاه الله.. فتجد في كتابه (نهج البلاغة) كلاماً منسوباً إلى علي ﵁ وحاشا له أن يقوله بل هو أليق بواضعه لما فيه من تكلُّف وتبذًّل وإسفاف. ولعل هذا (الشريف الرضي) انتحل كثيراً من الشعر أيضا ونسبه إلى علي فإنه شاعر مُجيد وإني لأجد كثيراً مما يُنسب إلى أمير المؤمنين هو أشبه بشعره.. وأبعد عن نكهة الصحابة ونورهم..
ويتداول الجهال ديواناً له ﵁ لا يستحق أن يُلتفت إليه ويتعب في تحقيقه.. بل التشمير لما في الكتب المعتمدة من مصادر التاريخ والأدب والأثر.. وإن كنت لم أستقص ما ورد من ذلك فيها وأستقرئه إلا أنني ذكرت زبدته وأهم ما فيه.. وسوف أشرع في بيانه في الفصل القادم إن شاء الله ثم أتبع ذلك بالشروع في صميم المقصود الذي هو ما روى من شعر المحدّثين.. مقدّماً له بتفصيل موجز عن خصائص هذا الشعر..
وإنما أفردت ما سبق من الفصول وتوسعت فيها.. لمعرفة موقف صاحب الحديث ﷺ من الشعر..
للبحث صلة
--------------------------------------------------------------------------------
[١]- أحكام القرآن: ١٤٢٧، وذكر الحافظ ابن كثير في تاريخه أن البيهقي أخرجه كذلك بسند عن زكريا بن يحيى، وزكريا هو ابن يحيى بن عمر بن حصن بن حميد بن منهب الطائي قال ابن حجر: "صدوق له أوهام"، وذكر الحديث أيضاً الذهبي في سير أعلام النبلاء وقال: قال الحاكم: "رواته أعراب ومثلهم لا يضعفون". قال الذهبي: "قلت ولكنهم لا يعرفون" (٧٥:٢) .
стр. 2354
[٢]- الترمذي في كتاب الأدب.
[٣]- الطبقات الكبرى ١٤١:٢ وهو خبر مرسل فإن أبا سلمة ويحيى تابعيان، وأبو سلمة هو ابن عبد الرحمن بن عوف، ويحيى هو ابن عبد الرحمن بن حاطب بن بلتعة وهما ثقتان.
[٤]- عيون الأثر ١٦٥:٢
[٥]- مجمع الزوائد ١٦١:٦
[٦]- عيون الأثر ١٩٦:٢
[٧]- مجمع الزوائد ١٨٧:٦
[٨]- البخاري ٥٣:٥
[٩]- الشعر والشعراء لابن قتيبة ط دار الثقافة ببيروت:١٩٩.
[١٠]- السيرة النبوية ٣٧:١
[١١]- رواه الطبراني وابن سعد قال الهيثمي رجال الطبراني ثقات إلا أن معدل بن عمارة لم يدرك ابن رواحة كذا من مجمع الزوائد ١٢٥:٤
[١٢]-الاستيعاب ٢٤٨:٢
[١٣]- الاستيعاب في ترجمة عوف بن أثاثة المعروف بمسطح
[١٤]- الأغاني ط: التقدم بمصر ١٥:٣
[١٥]- زهر الآداب ٤١:١
[١٦]- بلوغ الأرب ٢٧١:٢
[١٧]- لعله أخذها عن أصل السيرة لابن إسحاق، إذ المعروف أن ابن هشام قد حذف منها غير قليل من الشعر (المجلة) .
[١٨]- أخرجه البخاري في الأدب المفرد عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن الأسود والنسائي عن الحسن البصري عن الأسود وكلاهما لم يسمع من الأسود وسمع عبد الرحمن من عبد الله بن عمرو الأسود فهما طريقان مرسلان وأخرجه كذلك أحمد في مسنده والحاكم وابن حبان في صحيحه.
[١٩]- وقد أفرد الشيخ الأديب علي الطنطاوي بابين في كتابه (أخبار عمر) ذكر شيئاً كثير من ذلك فيهما (٣٠٨-٣٣١) .
- ٣٠٥:٦
[٢٠]
[٢١]- العقد الفريد ١٤١:٣، فصل المقال: ٢٣٢، العمدة ٣٣:١
стр. 2355
عقيدة أهل السنة والأثر في الصحابة الكرام ﵃ وأرضاهم
بقلم الشيخ عبد المحسن العباد
المدرس في كلية الشريعة بالجامعة
من رحمة الله بعباده وإحسانه إليهم وفضله عليهم أن بعث فيهم رسولاً من أنفسهم ليبلغهم رسالة ربهم ويرشدهم إلى كل ما ينفعهم ويحذرهم كل ما يضرهم وقد قام ﷺ بما أرسل به على التمام والكمال فدل أمته على كل خير وحذرها من كل شر ونصح غاية النصح وقد اختار الله لصحبته وتلقي الشريعة عنه قوما هم أفضل هذه الأمة التي هي خير الأمم فشرَّفهم بصحبة نبيه ﷺ وخصَّهم في الحياة الدنيوية بالنظر إليه وسماع حديثه من فمه الشريف وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
стр. 2356
وقد بلَّغوا عن رسول الله ﷺ ما بعثه الله به من النور والهدى على أكمل الوجوه وأتمها فكان لهم الأجر العظيم لصحبتهم رسول الله ﷺ والجهاد معه في سبيل الله وأعمالهم الجليلة في نشر الإسلام ولهم مثل أجور من بعدهم لأنهم الواسطة بينهم وبين رسول الله ﷺ ومن دعا إلى الهدى كان له من الأجر مثل أجر من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا كما ثبت ذلك عن رسول الله ﷺ في الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه وقد أثنى الله عليهم في كتابه العزيز وأثنى عليهم رسول الله ﷺ في سنته المطهرة وحسبهم ذلك فضلا وشرفا قال الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ . وقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الأِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ . وقال الله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ وقال
стр. 2357
تعالى في بيان مصارف الفيء: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ والَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ والَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ..هذه ثلاث آيات من سورة الحشر الأولى منها في المهاجرين والثانية في الأنصار والثالثة في الذين يجيئون بعد المهاجرين والأنصار مستغفرين لهم سائلين الله تعالى أن لا يجعل في قلوبهم غلا لهم وليس وراء هذه الأصناف الثلاثة إلا الخذلان والوقوع في حبائل الشيطان ولهذا قالت عائشة ﵂ لعروة بن الزبير بشأن بعض هؤلاء المخذولين: "أمروا أن يستغفروا لأصحاب الرسول ﷺ فسبُّوهم"أخرجه مسلم في أواخر صحيحه وقال النووي في شرحه بعد ذكر آية الحشر: "وبهذا احتج مالك في أنه لا حق في الفيء لمن سب الصحابة ﵃ لأن الله إنما جعله لمن جاء من بعدهم يستغفر لهم"، وقال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية: "وما أحسن ما استنبط الإمام مالك من هذه الآية الكريمة أن الرافضي الذي يسب الصحابة ليس له في مال الفيء نصيب لعدم اتصافه بما مدح الله به هؤلاء في قولهم: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا
стр. 2358
إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ . وقال ﷺ : "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما من حديث عمران بن حصين وعبد الله بن مسعود ﵄ وأخرجه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ بلفظ: "خير أمتي القرن الذي بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" والله أعلم ذكر الثالث أم لا. وأخرجه مسلم من حديث عائشة ﵂ قالت: "سأل رجل النبي ﷺ أي الناس خير؟ قال: "القرن الذي أنا فيه ثم الثاني ثم الثالث" وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "قال رسول الله ﷺ : "يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس فيقال: هل فيكم من صاحب رسول الله ﷺ ؟ فيقولون نعم فيفتح لهم ثم يأتي على الناس زمان فيغزوا فئام من الناس فيقال هل فيكم من صاحب أصحاب رسول الله ﷺ فيقولون نعم فيفتح لهم ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس فيقال هل فيكم من صاحب من صاحب أصحاب رسول الله ﷺ فيقولون نعم فيفتح لهم"، وروى ابن بطة بإسناد صحيح - كما في منهاج السنة لابن تيمية - عن ابن عباس أنه قال: "لا تسبوا أصحاب محمد ﷺ فلمقام أحدهم ساعة يعني مع رسول الله ﷺ خير من عمل أحدكم أربعين سنة "وفي رواية وكيع: "خير من عمل أحدكم عمره". ولما ذكر سعيد بن زيد ﵁ العشرة المبشرين بالجنة قال: "والله لمشهد رجل منهم مع رسول الله ﷺ يغبر فيه وجهه خير من عمل أحدكم ولو عمِّر عُمْر نوح"أخرجه أبو داود والترمذي، وعن جابر ﵁ قال: "قيل لعائشة أن أناسا يتناولون أصحاب النبي ﷺ حتى أبا بكر وعمر فقالت: وما تعجبون من هذا انقطع عنهم العمل فأحب الله أن لا ينقطع عنهم الأجر"أخرجه رزين كما في جامع الأصول لابن الأثير ويشهد لذلك قوله
стр. 2359
صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: "إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فَنِيَت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار". وروى البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه" وأخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تسبوا أصحابي لا تسبوا أصحابي فو الذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما أدرك مُدَّ أحدهم ولا نصيفه" وأخرج من حديث أبي سعيد ﵁ ولفظه: "كان بين خالد بن الوليد وعبد الرحمن بن عوف شيء فسبه خالد فقال رسول الله ﷺ : "لا تسبوا أحدا من أصحابي فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مُدَّ أحدهم ولا نصيفه"، فإذا كان سيف الله خالد بن الوليد وغيره ممن أسلم بعد الحديبية لا يساوي العمل الكثير منهم القليل من عبد الرحمن بن عوف وغيره ممن تقدم إسلامه مع أن الكل تشرف بصحبته ﷺ فكيف بمن لم يحصل له شرف الصحبة بالنسبة إلى أولئك الأخيار، إن البون لشاسع وإن الشقة لبعيدة فما أبعد الثرى عن الثريا بل وما أبعد الأرض السابعة عن السماء السابعة ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
هذه بعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الدالة على فضل أولئك الأخيار الذين ما كانوا ولا يكونون ﵃.
стр. 2360
وصحابة رسول الله ﷺ كلهم عدول بتعديل الله تعالى لهم وثنائه عليهم وثناء رسوله ﷺ . قال النووي في التقريب الذي شرحه السيوطي في تدريب الراوي: "الصحابة كلهم عدول من لابس الفتن وغيرهم بإجماع من يعتد به"انتهى. وقال الحافظ ابن حجر في الإصابة: "اتفق أهل السنة على أن الجميع عدول ولم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة"انتهى. ولهذا لا تضر جهالة الصحابي فإذا قال التابعي: "عن رجل صحب النبي ﷺ "لم يؤثر ذلك في المروي لأن الجهالة في الصحابة لا تضر لأنهم كلهم عدول قال الخطيب البغدادي في كتاب الكفاية: "كل حديث اتصل إسناده بين من رواه وبين النبي ﷺ لم يلزم العمل به إلا بعد ثبوت عدالة رجاله ويجب النظر في أحوالهم سوى الصحابي الذي رفعه إلى رسول الله ﷺ لأن عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم وإخباره عن طهارتهم واختياره في نص القرآن". ثم ساق بعض الآيات والأحاديث في فضلهم ثم قال: "على أنه لو لم يرد من الله ورسوله ﷺ فيهم شيء مما ذكرناه لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة والجهاد والنصرة وبذل المهج والأموال وقتل الآباء والأولاد والمناصحة في الدين وقوة الإيمان واليقين القطع على عدالتهم والاعتقاد لنزاهتهم وأنهم أفضل من جميع المعدلين والمزكين الذين يجيئون بعدهم أبد الآبدين"وروى بإسناده عن أبي زرعة قال: "إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول الله فاعلم أنه زنديق وذلك أن رسول الله ﷺ عندنا حق والقرآن حق وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله ﷺ ، وإنما يريدوا أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة والجرح بهم أولى وهم زنادقة". ومذهب أهل السنة والجماعة فيهم وسط بين طرفيها الإفراط والتفريط وسط بين المفرطين الغالين الذين يرفعون من يعظمون منهم إلى ما لا
стр. 2361
يليق إلا بالله أو برسله وبين المفرِّطين الجافين الذين ينقصونهم ويسبونهم فهم وسط بين الغلاة والجفاة يحبونهم جميعا وينزلونهم منازلهم التي يستحقونها بالعدل والإنصاف فلا يرفعونهم إلى ما لا يستحقون ولا يقصرون بهم عما يليق بهم فألسنتهم رطبة بذكرهم بالجميل اللائق بهم وقلوبهم عامرة بحبهم وما صح فيما جرى بينهم من خلاف فهم فيه مجتهدون إما مصيبون فلهم أجر الاجتهاد والإصابة وإما مخطئون ولهم أجر الاجتهاد وخطؤهم مغفور، وليسوا معصومين بل هم بشر يصيبون ويخطئون ولكن ما أكثر صوابهم بالنسبة لصواب غيرهم وما أقل خطأهم إذا نسب إلى خطأ غيرهم ولهم من الله المغفرة والرضوان، وكتب أهل السنة مملوء ببيان هذه العقيدة الصافية النقية في حق هؤلاء الصفوة المختارة من البشر لصحبة خير البشر ﷺ ورضي الله عنهم أجمعين ومن ذلك قول الطحاوي في عقيدة أهل السنة: "ونحب أصحاب رسول الله ﷺ ولا نفرط في حب أحد منهم ولا نتبرأ من أحد منهم ونبغض من يبغضهم وبغير الخير يذكرهم ولا نذكرهم إلا بخير وحبهم دين وإيمان وإحسان وبغضهم كفر ونفاق وطغيان"وقال ابن أبي زيد القيرواني المالكي في مقدمة رسالته المشهورة: "وأن خير القرون الذين رأوا رسول الله ﷺ وأفضل الصحابة الخلفاء الراشدون المهديون أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ﵃ أجمعين وأن لا يذكر أحد من صحابة الرسول ﷺ إلا بأحسن ذكر والإمساك عما شجر بينهم وأنهم أحق الناس أن يلتمس لهم أحسن المخارج ويظن بهم أحسن المذاهب. وقال الإمام أحمد بن حنبل في كتاب السنة: "ومن السنة ذكر محاسن أصحاب رسول الله ﷺ كلهم أجمعين والكف عن الذي جرى بينهم فمن سب أصحاب رسول الله ﷺ أو واحدا منهم فهو مبتدع رافضي، حبهم سنة والدعاء لهم قربة والاقتداء بهم وسيلة والأخذ بآثارهم فضيلة".وقال: "لا يجوز لأحد أن يذكر
стр. 2362
شيئا من مساويهم ولا يطعن على أحد منهم فمن فعل ذلك فقد وجب على السلطان تأديبه وعقوبته ليس له أن يعفو عنه بل يعاقبه ثم يستتيبه فإن تاب قبل منه وإن لم يتب أعاد عليه العقوبة وخلَّده في الحبس حتى يتوب ويرجع".وقال الإمام أبو عثمان الصابوني في كتاب عقيدة السلف وأصحاب الحديث: "ويرون الكفّ عمّا شجر بين أصحاب رسول الله ﷺ وتطهير الألسنة عن ذكر ما يتضمن عيبا أو نقصا فيهم ويرون الترحم على جميعهم والموالاة لكافَّتهم". وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه العقيدة الواسطية: "ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم ألسنتهم لأصحاب رسول الله ﷺ كما وصفهم الله في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ وطاعة للنبي ﷺ في قوله: "لا تسبوا أصحابي فو الذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه" ويقبلون ما جاء به الكتاب والسنة والإجماع من فضائلهم ومراتبهم ويفضِّلون من أنفق من قبل الفتح وهو صلح الحديبية وقاتل على من أنفق من بعد وقاتل ويقدمون المهاجرين على الأنصار ويؤمنون بأن الله قال لأهل بدر وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا: "اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" وبأنه لا يدخل النار رجل بايع تحت الشجرة كما أخبر به النبي ﷺ بل لقد رضي الله عنهم ورضوا عنه وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة ويشهدون بالجنَّة لمن شهد له رسول الله ﷺ كالعشرة وثابت بن قيس بن شماس وغيرهم ويقرون بما تواتر به النقل عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ وغيره من أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ثم يثلثون بعثمان ويربعون بعلي رضي الله عنهم
стр. 2363
كما دلت عليه الآثار وكما أجمع على تقديم عثمان في البيعة مع أن بعض أهل السنة كانوا قد اختلفوا في عثمان وعلي ﵄ بعد اتفاقهم على تقديم أبي بكر وعمر - أيهما أفضل فقدَّم قوم عثمان وسكتوا وربعوا بعلي وقدَّم قوم عليّاً وقوم توقفوا لكن استقر أمر أهل السنة على تقديم عثمان ثم علي وإن كانت هذه المسألة - مسألة عثمان وعلي - ليست من الأصول التي يضلَّلُ المخالف فيها عند جمهور أهل السنة لكن التي يضلل فيها مسألة الخلافة وذلك أنهم يؤمنون أن الخليفة بعد رسول الله ﷺ أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ومن طعن في خلافة أحد من هؤلاء فهو أضل من حمار أهله". ثم ذكر محبتهم لأهل بيت رسول الله ﷺ وتوليهم لهم وحفظهم فيهم وصية رسول الله صلى الله عليه وتولِّيهم أزواج رسول الله ﷺ أمهات المؤمنين وإيمانهم بأنهنَّ أزواجه في الآخرة ثم قال: "ويتبرءون من طريقة الروافض الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم وطريقة النواصب الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل، ويمسكون عما جرى بين الصحابة ويقولون أن هذه الآثار المروية في مساويهم منها ما هو كاذب ومنها ما قد زيد فيه ونقص وغيّر عن وجهه الصحيح منه هم فيه معذورون إما مجتهدون مصيبون وإما مجتهدون مخطئون وهم مع ذلك لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم عن كبائر الإثم وصغائره بل يجوز عليهم الذنوب في الجملة ولهم من السوابق ومن الفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر حتى أنه يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم لأن لهم من الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لمن بعدهم وقد ثبت بقول رسول الله ﷺ أنهم خير القرون وإن المد من أحدهم إذا تصدق به كان أفضل من جبل أحد ذهبا ممن بعدهم ثم إذا كان قد صدر من أحدهم ذنب فيكون قد تاب منه أو أتى بحسنات تمحوه أو غفر له بفضل سابقته أو بشفاعة محمد ﷺ الذي هم أحق
стр. 2364
الناس بشفاعته أو ابتلي ببلاء في الدنيا كفَّر به عنه فإذا كان هذا في الذنوب المحققة فكيف الأمور التي كانوا فيها مجتهدين إن أصابوا فلهم أجران وإن أخطئوا فلهم أجر واحد والخطأ مغفور ثم إن القدر الذي ينكر من فعل بعضهم قليل نزر مغفور في جنب فضائل القوم ومحاسنهم من الإيمان بالله ورسوله والجهاد في سبيله والهجرة والنصرة والعلم النافع والعمل الصالح ومن نظر في سيرة القوم بعلم وبصيرة وما منَّ الله عليهم به من الفضائل علم يقينا أنهم خير الخلق بعد الأنبياء لا كان ولا يكون مثلهم وأنهم الصفوة من قرون هذه الأمة التي هي خير الأمم وأكرمها على الله".
هذه خمسة نماذج من أقوال السلف الصالح فيما يجب اعتقاده في حق خيار الخلق بعد الأنبياء والمرسلين صلوات الله عليهم وسلامه ورضي الله عن الصحابة أجمعين. ومما ينبغي التفطن له أن القدح في هؤلاء الصفوة المختارة ﵃ قدح في الدين لأنه لم يصل إلى من بعدهم إلا بواسطتهم وتقدم في كلام أبي زرعة قوله: "وإنما أدَّى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله ﷺ وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة والجرح بهم أولى وهم زنادقة"يعني الذين ينتقَّصون أحدا من الصحابة، وأن القدح فيهم لا يضرهم شيئا بل يفيدهم كما في حديث المفلس ولا يضر القادح إلا نفسه فمن وجد في قلبه محبة لهم وسلامة من الغل لهم وصان لسانه عن التعرض لهم إلا بخير فليحمد الله على هذه النعمة وليسأل الله الثبات على هذا الهدى ومن كان في قلبه غلٌّ لهم وأطلق لسانه بذكرهم بما لا يليق بهم فليتق الله في نفسه وليقلع عن هذه الجرائم وليتب إلى الله ما دام باب التوبة مفتوحا أمامه قبل أن يندم حيث لا ينفعه الندم. ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم.
стр. 2365
من الصحف والمجلات
إعداد العلاقات العامة
نشرت مجلة المجتمع الكويتية في عددها ٩١ ما يلي:
تدل الإحصاءات التي قام بها أطباء وزارة الصحة في جمهورية ألمانيا الاتحادية أن عشرين ألفاً من المدخنين يموتون سنوياً بسبب إصابتهم بالسرطان وهذا ما حدا بالوزارة إلى تنظيم حملات ضد التدخين في السينما والتلفزيون وبالاعتماد على كافة الوسائل الإعلامية الأخرى.
وقد بادرت بعض المصانع إلى منع العمَّال من التدخين خلال ساعات الدوام وتلتها في ذلك الدوائر الحكومية والمؤسسات الأهلية مما أدى أخيراً إلى تلاشي الرغبة في التدخين لدى ٨١ في المائة من العمَّال والموظفين وفي بلادنا لا تكاد تقرأ صحيفة إلا وتجدها قد أفردت صفحاتها لهذه السموم التي تفتك بعشرات الآلاف كل عام.
والأدهى من هذا أنك لا تمر في شارع إلا وتقع عينك على دعاية لها فهل نقتدي بألمانيا ونقوم بحملات توعية ضد التدخين في كل وسائل إعلامنا ونمنعه على الأقل خلال ساعات الدوام.
стр. 2366
من تاريخنا في الأندلس
إعداد العلاقات العامة
حدَّث الحافظ أبو محمد بن حزم عن تليد صاحب خزانة الحكم المستنصر العلمية: إن عدة الفهارس التي تسمية الكتب أربع وأربعون في كل فهرسة عشرون ورقة ليس فيها إلا ذكر الدواوين فقط.
قال بعض المؤرخين: "إنه كان حسن السيرة مُكْرِماً للقادمين عليه، جمع من الكتب ما لا يُحد ولا يوصف كثرة ونفاسة، حتى قيل إنها كانت أربعمائة ألف مجلد، وأنهم أقاموا ستة أشهر في نقلها، وكان عالما نبيها صافي السريرة، وسمع من قاسم بن أصبغ، وأحمد بن دحيم، ومحمد بن عبد السلام الخشتي، وزكريا بن الخطاب وأكثر عنه. وأجاز له ثابت بن قاسم، وكتب عن خلق كثير سوى هؤلاء. وكان يستجلب المصنفات من الأقاليم والنواحي باذلاً فيها ما أمكن من الأموال حتى ضاقت عنها خزائنه. وكان ذا غرام بها، قد آثر ذلك على لذات الملوك، فاستوسع علمه، ودق نظره، وجمَّت استفادته، وكان في المعرفة بالرجال والأخبار والأنساب أحوذيّاً نسيج وحده، وكان ثقة فيما ينقله.. وقلَّما يوجد كتاب في خزائنه إلا وله فيه قراءة أو نظر في أي فن كان ويكتب فيه نسب المؤلف ومولده ووفاته، ويأتي من بعد ذلك غرائب لا تكاد توجد إلا عنده لعنايته بهذا الشأن..
وتوفي بقصر قرطبة ثاني صفر سنة ست وستين وثلاثمائة. لست عشرة من خلافته، وكان أصابه الفالج فلزم الفراش إلى أن هلك. وكان قد شدَّد في إبطال الخمر في مملكته تشديدا عظيما ﵀.
نفح الطيب ج ١
стр. 2367
الإسلام دين التكافل الاجتماعي
للشيخ علي بن ناصر فقيهي
مدير شئون الطلبة بالجامعة
الإسلام دين الإخاء والمحبة والتعاون والتكافل، لذلك حرص أن يكون مجتمعه قوياً مادياً ومعنوياً مترابطاً يشدُّ بعضه بعضا. ومن أجل الحفاظ على هذا الإخاء وتلك المحبة شرع الأمور التي تحفظ لهذا المجتمع كرامته وإنسانيته بفرض ما يمكن به سدُّ حاجة المحتاج من دون أن يحدث ذلك حزازة أو يثير مشكلة أو يزرع أحقاداً. وإذا كنَّا نشاهد في الواقع الملموس ما قد يخالف عنوان هذا البحث فسيتبن من عرض الموضوع أن العيب كامن في التطبيق لا في ما شرعه الإسلام.
وذلك التطبيق يرجع إلى جهتين:
الأولى: مَن وجب عليه ذلك الحق المفروض هل أدَّاه كاملاً كما فرضه الله عليه.
الجهة الثانية: الآخذة هل لها الحق في أخذ ما تناولته على الوجه المشروع؟
أهم المشاكل العالمية مشكلة الفقر، وهو عكاز الشيوعية العالمية الذي تتكئ عليه لتضرب به المجتمعات الإسلامية للقضاء على الإسلام والمسلمين والمشكلة قديمة، والصراع الذي يدور في العالم اليوم هو لحل هذه المشكلة، والطريقة التي يمكن أن تسلك لمعالجتها:
стр. 2368
فالنُّظم الاشتراكية وأعني بالاشتراكية المرحلة الأولى من برنامج - ماركس - لأن الشيوعية الدولية حتى الآن لم تتجاوز هذه المرحلة تذهب إلى وجوب مصادرة أموال الأغنياء لحساب الدولة، لتقوم هي في زعمها بحل المشكلة والقضاء عليها، ولم يشاهد العالم من أثر المساواة التي يزعمون اللهم إلا في الفقر، وما هذا الذي يريده الفقراء ويبحثون عنه، وإنما يطالبون برفع مستواهم المعيشي لترتفع معنوياتهم وكرامتهم ويشعروا بوجودهم في المجتمع كلبنة منه لا أنهم يطالبون بزيادة فقراء ينضمون إلى صفوفهم، فألئك الذين ينادون بالاشتراكية، على أنها نظام اجتماعي يمكن أن يحقق للمجتمع عزته وكرامته.. هم إما أنهم مخدوعون أرادوا أن يبينوا للشباب المثقف أن الإسلام هو دين العدالة والمساواة ولكن أصبح عملهم هذا سُلّماً للضالين المضلين فاستغلوه لصالح مذهبهم الهدام.
أو أنهم لا يؤمنون بأن الاشتراكية تحقق لأحد هدفه في الحياة، ولكنهم مأجورون باعوا ضمائرهم بثمن بخس فأوقعوا المجتمع في أساليبهم الماكرة.
أو أنهم ملحدون كائدين أسسوا هذا النظام الإلحادي الهدام يقصدون من ورائه تحطيم الإسلام والمسلمين بل والإنسانية جمعاء ما عدا الشعب المختار.. إذ أن مؤسس المذهب –ماركس - يهودي يمشي على مخططات صهيونية المعدة لتدمير العالم.
وقد حدثني شخص من إحدى البلدان التي أعلنت الاشتراكية من عهد قريب وليس لديها من الموارد ما تؤممه اللهم إلا شركة الكهرباء، ويكفي كونها شركة بمعنى أنه يملكها عدد كبير من أفراد الشعب، وليست في ملك إقطاعي واحد حسب تعبيراتهم المألوفة، ولكن الطريقة المتبعة في برنامج الشيوعية أن طغمة من الذين يتربعون على كراسي الحكم يصادرون أملاك الشعب بل وحريته وإنسانيته لحسابهم:
стр. 2369
قال في صبيحة إعلان الاشتراكية في الحفل الذي أقيم لتلك المناسبة: "إن بعض السذج لا يعرفون من الاشتراكية إلا أخذ أموال الناس – وذلك لجهلهم بأحكام الإسلام - يقول بعضهم أنا أريد ذاك البيت وآخر سوف آخذ الحانوت الفلاني"
وكادت أن تحدث فوضى، فطلب من المسئول أن يرجع مرة أخرى ليفسر لهم معنى الاشتراكية بما يضمن الاستقرار وعدم الفوضى.
وأشد ما كانت خيبتهم عندما فسّر لهم الاشتراكية بأنها اشتراك عدد من الناس في إقامة مزرعة مثلاً وحاصلها يكونون فيه شركاء.
من هذا يتبين لنا أن الاشتراكية ليست نظرية اقتصادية، إذ لو كانت كذلك لتُركت من زمن بعيد، وذلك لفشلها المحقَّق في مجال الاقتصاد، وإنما هي مذهب عقائدي إلحادي يراد نشره في البلدان الإسلامية لتحطيمها وربطها بجهة معيَّنة، ولو لم يكن هناك ما يدعو للتأميم، وذلك لأن اعتمادها على فكرة الصراع الطبقي والقتال الدموي بين أفراد الشعب الواحد، وقد ساعد في نشر مبادئها جهل الشعوب الإسلامية بمبادئ دينهم ونظمه الاجتماعية والاقتصادية.
ولذلك فقد اتهم مُؤلّفُ داعية إسلامي كبير ألّف كتابه قبل إعلان الاشتراكية في ذلك البلد، وتكلم فيه على الاستعمار بأنواعه الشرقي والغربي، وقد هاجم ماركس ولينين اللذين أسسا مذهبهما على إنكار الخالق.
فماذا قال أولئك المسلمون عن الكتاب هذا؟ قالوا لا تجوز قراءته لأنه يسيء إلى أصدقائهم!.
أما النظم الرأسمالية وهي تجمع الأموال بشتى الوسائل المشروعة والمحرَّمة وأن الحلال هو ما حل باليد، فتذهب لمعالجة هذه المشكلة إلى طريقة الإحسان الفردي وهو ما يدفعه الغني عن اختياره مساعدة منه للفقراء، وقليل من الناس الذين يعملون ذلك لأن طبيعة النفس جبلت على حب المال والشُّح به.
ولم تكن الدولة لتستطيع التدخل في مثل هذا لأنه قائم على اختيار الشخص وهو محسن وما على المحسنين من سبيل، ولم يكن في هذه الفكرة حل للمشكلة.
стр. 2370
أما الإسلام فقد جاء بحل المشكلة حلاًّ عمليّاً يقوم على العدل والمحبة والإخاء. فقد فرض الإسلام على الغنيِّ حصة في ماله يؤديها لأخيه المحتاج طيبة بها نفسه لا منة ولا تفضلا، بل ركن من أركان إسلامه يؤديه كما يؤدي الصلاة والحج (تلك هي الزكاة) الركن الثالث من أركان الإسلام.
فما الزكاة، وهل من الممكن أن تسد حاجة الفقراء؟
الزكاة جزء معلوم يؤدِّيه صاحب المال ليطهِّر نفسه من شُّح البخل، ويزكي ماله وينميه بما يُخلف الله عليه من بركة في ماله وطيب في كسبه ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ .
وفي الحديث:"ما نقص مال من صدقة".
ويختلف مقدارها باختلاف المال فقد تكون عشر المال، أو نصف العشر كما في الحبوب والثمار تبعاًً للمؤنة.
وقد تكون ربعه كما في زكاة النقد؛ النقدين وعروض التجارة، كما أنها تكون بخلاف ذلك كما في زكوات المواشي. وكل هذا مفصَّل في مظانِّه.
وإنما الغرض إيراد بعض الأحاديث الواردة في هذا الباب الدالة على تأكيده وأحاديث الوعيد الشديد لمن تحايل في أداء زكاة ماله. بل والحكم بالكفر على من أنكر وجوبها كما حدث لأصحاب الردة وإجماع الصحابة على قتالهم.
فعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: "إنك ستأتي قوماً أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم" الحديث. متفق عليه.
стр. 2371
فرسول الله ﷺ بيَّن في هذا الحديث العظيم الذي هو أصل من أصول الإسلام أن الله قد افترض على المسلم فرضاً واجباً في عين ماله لا يتم إسلامه إلا بأدائه لا منَّة منه ولا إحساناً، وأين هذا من فكرة الإحسان التي لو امتنع الشخص عن أدائها لا يخاف شيئاً.
وقد ذكر الرسول ﷺ الوعيد الشديد لأصحاب الأموال الذين لم يؤدوا زكاته. فقال: "إنه ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاته إلاّ أُحْمِيَ عليه في نار جهنم فيجعل صفائح فيكوى بها جنباه وجبهته حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ثم يرى سبيله إمَّا إلى الجنَّة وإما إلى النار". ثم عدَّد أصناف الأموال والعذاب الذي يستحقه كل مال، كما في حديث أبي هريرة الذي رواه أحمد ومسلم ج٤ ص١٢٥ نيل الأوطار ولعل ذلك الوعيد فيمن يبخل بأدائها لمستحقيها كما فرضها الله عليه.
أما من أنكر وجوبها فقد أجمع الصحابة ﵃ على رِدَّتِه ووجوب قتاله كما حدث لأصحاب الردة في خلافة أبي بكر الصديق ﵁.
وقبل أن نذكر من له الحق في أخذ ما فرض الله له من هذا المال يحسن أن نذكر ما شرعه الإسلام في ناحية التكافل الاجتماعي- المادي فقط - إذ هو مدار البحث وإلا فالتكافل الاجتماعي في الإسلام يشمل نواحٍ عدة.
стр. 2372
ينظر الإسلام إلى المجتمع كوحدة متماسكة يشد بعضها بعضاً قال تعالى: ﴿تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَة﴾ . وهذا التعبير القرآني يذكر لنا خاصيَّة بشرية هي عطف الإنسان على شقيقه، وإذا وجد في المجتمع من يخالف تلك العاطفة الأخوية فيظلم أخاه فهي حالة شاذة لا حكم لها، إذا كان الأخ لا يظلم أخاه بل يعطف عليه ويرحمه فكذلك من اتصف بصفة الإيمان عليك أن تعامله بتلك المعاملة التي هي العطف والرحمة، وقد تجلى ذلك في أسمى صورة عرفها التاريخ بين المهاجرين والأنصار رضوان الله عليهم.
فالتشريع الإسلامي يَعُدُ التكافل الاجتماعي واجب من أهم الواجبات التي يتحتم على المسلم القيام بها، ولذا فهو يعتبر الإنفاق أصلاً من أصول البر قال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ..﴾ الآية.
فالإسلام يقدِّر حريَّة الفرد تقديراً لإنسانيته إلا أنه لا يجعل هذه الحرية مطلقة من كل القيود بحيث تؤدي إلى تعارض المصالح وضياع الحقوق، بل يقيَّدها بما يكفل سعادة المجتمع الذي هو جزء منه، فمثلاً نظام النفقات في الشريعة الإسلامية جعل كل فرد من أفراد المجتمع راعياً مسئولا عن رعيته، ابتداءاً بأعلى طبقة في المجتمع وهو الحاكم العام إلى أدنى طبقة كلٌ على حسب ما نيط به من مصالح للبلاد والعباد، فالمسئولية في هذا الحديث عامة.
стр. 2373
فالمجتمع يتكوَّن من الأفراد إذ إن الفرد هو الخليَّة الأولى لهذا المجتمع، ومن الأفراد تتكوَّن الأسرة وكل فرد مسئول عن أسرته، فالزوج مكلَّف شرعاً بنفقة زوجته وأولاده القُصَّر والعاجزين عن العمل. كما أن الولد بدوره يتحتم عليه الإنفاق على والديه وأقربائه، وقد قال الأئمة بوجوب النفقة للأصول والفروع مهما علوا أو نزلوا والوارثين والأقرباء لأن سبب النفقة هو القرابة التي توجب للموسر حقاً في الإرث من قريبه المعسر إذا ما ترك مالاً.
فأين هذا التشريع السماوي الذي هو من عند الحكيم الخبير مما هو معروف الآن في الدول المتقدمة - كما تزعم - ويزعم لها أولئك المخدوعون أو المأجورون من طرد الرجل ابنته اليافعة إذا بلغت الثامنة عشرة أو التاسعة عشرة لأنه السن القانوني الذي يعفى الأب من الإنفاق على أولاده!.
كما أن الابن غير مكلَّف بالإنفاق على والده وقد يستعمله أجيراً ليدفع له أجراً يعيش به!..
وإذا كان الإسلام بمبادئه العادلة والشريفة قد أوجب التكافل بين الأسر فلم يبقى في المجتمع إلا أُسَر قليلة ممن ليس لها عائل يقوم بما أوجبه الله عليه نحوهم، كالأرامل والأيتام والعجزة عن الكسب، إما لكبر سن أو عاهات أقعدتهم عن العمل.
لأن الأحاديث الواردة عن الرسول ﷺ في باب الصدقة نصَّت على أن الصدقة لا تحل لغني ولا لقوي مكتسب.
ولو أن المسلمون أدَّوا هذا الفرض كما أوجبه الله عليهم بحيث يدفع كل غني زكاة ماله كاملة دون أن يعتبرها مغرماً كالحال عند أكثر الناس في هذا الزمان. وكذلك الآخذون لها لو أنهم راقبوا الله فلم يمد أحد يده للأخذ من هذه الصدقات إلا من أوجب الله له ذلك بأن كان فقيراً عاجزاً عن الكسب، أقول لو طُبِّق ذلك لما وجد في المجتمع محتاج لأن الثروات في هذا العصر ليست أقل منها في زمن عمر ابن الخطاب.
стр. 2374
فقد روى أبو عبيد من حديث عمرو بن شعيب أن معاذ بن جبل لم يزل بالجند، إذ بعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن حتى مات النبي ﷺ وأبو بكر. ثم قدم على عمر فردَّه على ما كان عليه. فبعث إليه معاذ بثلث صدقة الناس فأنكر ذلك عمر، وقال: "لم أبعثك جابياً ولا آخذَ جزيةٍ ولكن بعثتك لتأخذ من أغنياء الناس فتردها على فقرائهم". فقال معاذ: "ما بعثت إليك بشيء وأنا أجد أحداً يأخذه مني". فلما كان العام الثاني بعث إليه بشطر الصدقة، فتراجعا بمثل ذلك. فلما كان العام الثالث بعث إليه بها كلها، فراجعه عمر بمثل ما راجعه قبل ذلك. فقال معاذ: "ما وجدت أحداً يأخذ مني شيئا" [١] .
فهذا المقدار المعلوم في أموال الأغنياء للفقراء فرضه الحكيم الخبير العالم بمصالح عباده، فلو أنه غير كاف لفرض أكثر منه، وهذا الحديث وغيره من الأحاديث والوقائع إنما تدل على حكمة هذه الشريعة الخالدة الصالحة لكل زمان ومكان، والحمد لله رب العالمين.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] الأموال ص٥٩٦.
стр. 2375
نحن والقمر
للطالب محمد محمود جاد الله بالسنة الأولى
من كلية الشريعة في الجامعة
رغم المسافة والخطر
قالوا وصلنا يا قمر
لا شيء يغري بالنظر
وتكشف المجهول عن
وقول حِبِّي كالقمر
وتبدَّد الحلم الجميل
متبرجات كالدُرر
وكذا النجوم تحوطه
الإنسان أجراماً أُخر
وبرغم هذا يطلب
* * * *
إلى سديم أو مجرّه
ماذا إذا وصل الأنام
مهوّمًا في الكون عمره
أو لو قضى هذا الضعيف
فكرةً في إثر فكره
حتى ولو فعل العجائب
إذا تأمل غير قطره
هل عِلْمه هذا الكثير
فكّ الإله اليوم أسره
لا يَبطَرِ الإنسان إن
* * * *
من خيالٍ حالمِ
يا أيها الإنسان حسبك
يفوق وهم الواهمِ
وانظر بعينيك الشقاء
من قاعد أو قائمِ
هذي البسيطة حسبنا
من معشرٍ وبهائم
تَسَعُ الجميع خلائقاً
سبحانه من دائم
فالله أسكننا هنا
* * * *
في نعيمك واعتدى
يا رب إنْ بطر ابن آدم
في الغزو تجتاح المدى
وتطاولت أحلامه
تدمير من يهوى الردى
ومضى يدمّر نفسه
ألف بابٍ أوصدا
فإذا جلا للعلم باباً
أن جهوده ضاعت سدى
عَلّمْهُ بعد (العلم)
* * * *
من غير دعمٍ أو عمد
هذي السماء أقامها
وحده ما قد قصد
جبار هذا الكون يعلم
غير بحر من زبد
ما إن أرى هذي المعارف
أنها ذهبت بدد
تعلو زماناً ثم نلفي
سبحانه الفرد الصمد
стр. 2376
فالله أوجدنا هنا
* * * *
شاقتك أسرار المغيّب
يا أيها الإنسان إن
من المشقة كل مركب
وركبت في هذي السبيل
إلى القلوب هو المحبب
ورأيت أن الجهد فيه
أيام هذا الدهر قُلّب
فاعلم يقينا أنما
وفي النهاية سوف تُغلَب
ستعود من حيث ابتدأت
* * * *
أنت في هذا الوجود
يا أيها الإنسان سرٌّ
وللتراب غداً تعود
ترجو الفكاك من التراب
وتوَّد تحطيم القيود
منه خلقت مكبّلاً
لشعبنا عبر الحدود
إن القيود الظالمات
وحقه أبدا شرود
يرجو الفكاك من العذاب
* * * *
في خفايا نفسهِ!
هل فكّر الإنسان يوماً
من غوامض حِسّه ِ!
أو هل درى ما قد توارى
من علائم يأسهِ
أم هذه إحدى البوادر
على تقادم أمسه
لم يستطع كشف النقاب
كهاربٍ من رمسهِ
فمضى يُصَعِّدُ في السماء
* * * *
أنت بعد اليوم بائد
يا بائدا ً منذ الخليقةِ
وعن قريب فيه عائد
منه جبلت من التراب
لدى الزمان سوى طرائد
ما الناس في هذي الحياة
على فناء القوم شاهد
والبدر كان وما يزال
يختال في أشراك صائد
ما أنت إلاّ طائر
* * * *
بطوله منذ الخليقه
هو شاهد عاش الزمان
ناظرا ً فيه حريقه
هو شاهد الأقصى كذلك
خديه نجماتٍ عريقه
ودموعه سالت على
ضلّ عن كثب ٍ طريقه
لا زال يرقبنا وكلٌ
стр. 2377
((تلك الحقيقة والمريض القلب تجرحه الحقيقه))
стр. 2378
يستفتونك
يتولى الرد على أسئلة القراء سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز
رئيس الجامعة الإسلامية
س – من الأخ م. و. ما قولكم في امرأة زوِّجت قبل بلوغها وبعد بلوغها رفضت قبول هذا الزواج هل يجوز لها أن تتزوج بدون طلاق الزوج أم لابد من الطلاق وما هو الدليل في هذه المسألة إن كان معلوماً؟
الجواب: إذا كانت المرأة المذكورة قد زوِّجت بإذنها فعليها السمع والطاعة للزوج وتنفذ مقتضى النكاح وليس لها أن تتزوج سوى زوجها الذي تم له العقد عليها قبل بلوغها لقول النبي ﷺ : "لا تُنكح الأيم حتى تستأمر ولا تُنكح البكر حتى تستأذن" قالوا يا رسول الله: "كيف إذنها؟ "قال: "أن تسكت"متفق على صحته وهو يعم البالغة ومن دونها وفي صحيح مسلم عن ابن عباس ﵄ أنّ النبي ﷺ قال: "الأيم أحق بنفسها من وليِّها والبكر تستأمر وإذنها السكوت" وخرجه أبو داود والنسائي بإسناد جيد بلفظ: "ليس للولي مع الثيِّب أمر واليتيمة تستأمر وصمتها إقرارها" وهذا صريح في صحة نكاح غير البالغة إذا أذنت ولو بالسكوت لأنها لا تسمى يتيمة إلا إذا كانت لم تبلغ.
стр. 2379
أما إذا كانت لم تستأذن والمزوِّج لها غير أبيها فالنكاح فاسد في أصح قولي العلماء لكن ليس لها أن تتزوج إلا بعد تطليقه لها أو فسخ نكاحها منه بواسطة الحاكم الشرعي خروجاً من خلاف من قال أن النكاح صحيح ولها الخيار بعد البلوغ وحسماً لتعلقه بها وليس لها أيضاً نكاح غيره حتى تستبرأ بحيضة إن كان قد وطئها، أما إذا كان المزوِّج لها بدون إذنها هو أباها فهذه المسألة فيها خلاف أيضاً بين العلماء فكثير منهم يصحِّح هذا النِّكاح إذا كانت البنت بكراً لمفهوم قوله ﷺ : "واليتيمة تستأمر" قالوا فهذا يدل على أن غير اليتيمة لا تستأمر بل يستقل أبوها بتزويجها بدون إذنها وذهب جمع من أهل العلم إلى أن الأب ليس له إجبار ابنته البكر ولا تزويجها بدون إذنها إذا كانت قد بلغت تسع سنين. كما أنه ليس له إجبار الثيب وتزويجها بغير إذنها للحديث السابق وهو قوله ﷺ : "لا تنكح الأيم حتى تستأمر ولا البكر حتى تستأذن" وهو يعمُّ اليتيمة وغيرها وهو أصح من الحديث الذي احتجُّوا به على عدم استئذان غير اليتيمة وهو منطوق وحديث اليتيمة مفهوم والمنطوق مقدَّم على المفهوم ولأنه ﵊ صرَّح في رواية ثابتة عنه ﷺ بقوله: "والبكر يستأذنها أبوها" وهذا اللفظ لا يبقي شبهة في الموضوع ولأن ذلك هو الموافق لسائر ما ورد في الباب من الأحاديث وهو الموافق للقواعد الشرعية في الاحتياط للفروج وعدم التساهل بشأنها وهذا القول هو الصواب لوضوح أدلته وعلى هذا القول يجب على الزوج الذي عقد له والد البكر عليها بدون إذنها أن يطلقها طلقة واحدة خروجاً من خلاف العلماء وحسماً لتعلقه بها بسبب الخلاف المذكور وهذه الطلقة تكون بائنة ليس فيها رجعة لأن المقصود منها قطع تعلُّق المعقود له بها والتفريق بينه وبينها ولا يتمُّ ذلك إلاّ باعتبارها طلقة مبِينة لها بَيْنُونَة صغرى الطلاق على عوض ويجب أن يكون ذلك بواسطة
стр. 2380
قاضي شرعي يحكم بينهما ويريح كل واحد منهما من صاحبه على مقتضى الأدلة الشرعية لأن حكم القاضي يرفع الخلاف في المسائل الخلافية ويحسم النزاع أما إذا كانت البنت دون التسع فقد حكى ابن المنذر إجماع العلماء على أن لأبيها تزويجها بالكفء بغير إذنها لأن الرسول ﷺ تزوج عائشة ﵂ بدون إذنها وعلمها وكانت دون التسع ونسأل الله أن يوفقنا وإياكم وسائر المسلمين للفقه في دينه والثبات عليه إنه خير مسئول، والسلام عليكم..
стр. 2381
الإعجاز النفسي في القرآن
بقلم الشيخ إبراهيم الحنفي الناغي
من علماء الأزهر
لقد صور القرآن ألوانا من الخوالج النفسانية والعواطف البشرية كالحقد والغيرة والحسد والوسوسة. ولقد تميزت النماذج البشرية التي وصفها القرآن بأنها حية متحركة دقيقة الملامح والقسمات صادقة الدلالة قوية الإيحاء. مرتبطة أشد الارتباط بالمجتمع الإسلامي.
وأن نرى في هذه النماذج القرآنية صورا لأشخاص أو جماعات تعيش معنا على أرض الواقع كما أن هذه النماذج ترينا الإنسان نفسية مجردة واضحة عند تعرضه لتحليل المشكلات والأزمات والمعوقات التي تعترض مسيرة الإنسان. وهو يقطع شوطه الخالد على درب الحياة وهي نفسية لا تختلف كثيرا من عصر إلى عصر لأن جوهرها واحد.
إننا لو دققنا النظر فيما يتعلق بالجانب النفسي في القرآن نجد أن الإسلام قد أقر جميع العواطف الإنسانية من حب وكره ورجاء وخوف ورحمة وقسوة إلى آخرها ثم وجهها بدقة دقيقة وإحكام محكم في الوضع الصحيح لها.
فإذا ضربنا مثلا لعاطفة الإحساس بالحسن والجمال - نجد في قوله ﷺ : "إن الله جميل يحب الجمال" [١] معنى جامعا وإذا نصح الإسلام الإنسان بأن يكون ذا إدراك للجمال في نفسه فمعنى ذلك أنه لا يقصد العناية بجمال الخلق وحده ويحثه على أن يحتفظ بنظافة ثوبه وبدنه وفمه عند الاجتماع واللقاء ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [٢] . ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [٣] .
стр. 2382
لا يعني الإسلام بذلك جمال الخلق وحده فحسب. وإنما يعني قبل ذلك جمال التخلق. وجمال النفس وجمال التخلق في أن يتعود الإنسان عادات لا تؤديه هو. وبالتالي لا يصل إيذاؤها إلى غيره. فإذا نهى عن المنكر. ونهى عن الفحشاء. ونهى عن شرب الخمر ولعب الميسر ونهى عن أكل الميتة والدم فإذا نهى عن ذلك كله وأمثاله. فإنما نهى عنه ليصبح الإنسان مع نفسه في وحدة وفي ترابط قلما يستشعر الندم أو يستشعر السخط على نفسه أو قلما يعود على نفسه وهو حزين لأنه فعل كذا دون كذا. أو لأنه أساء وأوصل الإيذاء إلى الغير دون أن يحس. ودون أن يصل مع هذا الغير ما يريح النفس ويطمئن البال.
القرآن الكريم قد راعى قواعد نفسية عن مظاهر الاعتقاد ومسارب الانفعال ونواحي التأثير وأثار من هذا ما أيَّد به حجته وأظهر دعوته، وهو في ذلك يساير من شئون النفس الإنسانية ويتغلغل في شعابها وجوانبها مما لم يهتد إليه العلم إلا حديثا.
انظر للإسلام ودقق البصر كرات وكرات عندما ينصح الإنسان في معاملته للغير وفي معاشرته للأسرة أن يرعى حدود الروابط الإنسانية. وأن يتبادل مع هذا الغير الشعور الإنساني الكريم، وأن يكظم الغيظ إذا ما بدرت من هذا الغير بادرة تثير نفسه وأن يعفو عن الغير. إذا ما أخطأ في حقه على نحو ما يقول القرآن الكريم: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [٤] .
стр. 2383
وإنما يعني الإسلام بذلك أن يكون هناك تجاوب إنساني نبيل تستريح إليه النفوس وترضى عنه ومن أجل ذلك تهش في الداخل قبل أن تتبسط أسارير الوجه في الخارج عند اللقاء أو عند الحديث أو عند المشاركة في عمل ما. فليس تجاوب النفوس أو رضاها وسرورها عند اللقاء أو عند الحديث أو عند المشاركة في عمل ما إلا ظاهرة تعبر عن الإدراك النفسي الخفي لجمال الألفة وعاطفة الإنسانية والأخوة. وهذا المثل لعاطفة الإحساس بالحسن والجمال إنما هو ذرة من المحيط القرآني في مجال التفسير النفسي. وإذا قيل الجمال فهو جمال السلوك وجمال القول. وجمال الصنع وجمال الإنسانية في الإنسان الآخر وجمال العلاقات مع الغير. وجمال الطبيعة والاحتفاظ به.
وإذا ضربنا مثلا لعاطفة الحب. نجد أن الإسلام أقرها ولكن جعلها لله أولا ثم لرسوله ثم للصالحين من بعده على نحو ما جاء في القرآن الكريم: ﴿يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [٥] وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ [٦] .
وكذلك أقر الإسلام الحب للصالحين من الناس لأن محبوب المحبوب محبوب.
لقد كان مشهدا عظيما ذلك الحب حب أمير الأنبياء محمد ﷺ لزيد بن حارثة.
لقد أهدى حكيم بن حزام إلى خديجة زيد بن حارثة بعد أن وقع في الأسر وأهدته خديجة إلى السيد الجليل محمد زوجها وأمير الأنبياء جميعها.
وعلم أبو زيد وعمه أنه مملوك لمحمد وأنه جالس في الحرم المكي وجيء بزيد بين السيد الجليل محمد وبين أبيه فقال الرسول: "ما هذان"قال: "هذا أبي وهذا عمي" فقال صلوات الله عليه موجها حديثه إلى زيد: "أتختارني أم تختارهم؟ "فقال: "أنت مولاي وحبيبي ولا أختار أحدا أبدا".
стр. 2384
وتفتحت عينا أسامة بن زيد بن حارثة. طفلا على أكرم مثل للقدوة الحسنة ممثلة في الرسول العظيم. وتفتحت عيناه على أكرم مثل للود المتبادل من أمير الأنبياء محمد وأبيه زيد بن حارثة، وأصبح الشاب يافعا توجه إلى فلسطين بعد انتقال الرسول العظيم إلى الرفيق الأعلى وفي خلافة أبي بكر. وكانت سنه ثمانية عشر عاما.
وعندما تولى عمر الخلافة كان يعطي ابنه من مغانم الحرب ثلاثة آلاف درهم ويعطي أسامة خمسة آلاف درهم. ويقول لابنه عندما استكثر هذا على أسامة: "إن أسامة كان أحب إلى رسول الله منك وأبوه أحب إلى رسول الله من أبيك"وهكذا تكون درجات السمو في حب الأنبياء والصالحين. صورها لنا الإسلام في دقة دقيقة.
وإذا أخذنا عاطفة الرحمة والشدة وجدنا أنه شرع الرحمة أسلوبا لمعاملة المؤمنين بعضهم بعضا والقسوة أسلوبا لمعاملة المؤمنين للكفار والمنافقين، فيقول تعالى في وصفه للمؤمنين: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [٧] .
يقول علماء النفس إن عقدة النقص أو مركب النقص كما يسمونه أحيانا هو الشعور بالنقص في ناحية من النواحي التي يحاول الشخص بطريقة لا شعورية أن يعوضها.
فمن منا لا يحاول من حيث لا يشعر أن يصرف الناس عن النواحي التي يشعر أنه أقل من غيره فيها ذلك أن كل شخص يشعر بتفوقه في ناحية من النواحي يحاول بطريقة لا شعورية أن يقنع العالم أن هذا هو الشيء الوحيد الذي يهم.
فإذا لم يكن أخذ نصيبه من التربية ولكنه عصامي الثروة. لم تكن للتربية فائدة في نظره وقال: "إن التعليم لم ينجح إلا في إفساد الناس".
وإذا كان العكس، وكان الرجل قد أخذ بنصيبه من التربية ولكنه لم ينجح في الحياة فإنه لا يترك فرصة تسنح دون أن يقلل من قيمة النجاح في الأعمال. والمصاب بهذه العقدة إذا كان ذا روح عدائية فقد يحاول قهر الشعور بالنقص بالظهور بالسيطرة والغطرسة والمكابرة.
стр. 2385
فالتظاهر بالكمال والتطور ليس إلا انعكاسا للشعور بالنقص.
وعلى ضوء هذا الجانب النفسي نفهم سرَّ قوله تعالى في وصفه المنافقين: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ فالمنافق يعيب ويستهزىء بالمؤمن ليخفي ما في نفسه من مركب النقص ويقهر الشعور بالضعف والقصور.
لذلك نرى الإسلام عانى في المدينة من مكايد النفاق وأهله أكثر مما شقي بالشرك وحزبه لأن أمر الشرك واضح أما النفاق فمن خصائصه التلوُّن بأشكال مختلفة من الدهاء والمكر والخديعة. لقد كانوا يتظاهرون بالإيمان والغيرة على الإسلام ويصلون خلف الرسول وحقيقة الأمر أنهم لا يؤمنون بمحمد ولا بتعاليمه.
وعندما نقرأ في التفاسير المختلفة نراها تُجْمِع على أن ظاهرة النفاق كانت بالمدينة وبعد الهجرة وأن المنافقين كان لهم تخطيط مدروس وتنظيم دقيق وتحالف ومعاهدات مع غيرهم من الفئات المنحرفة كاليهود وأحزابهم وكانت لهم قيادات "مركزية"للتخطيط والتنفيذ.
روى ابن كثير قال: "يقول السدي: معنى شياطينهم سادتهم وكبراؤهم ورؤساؤهم من أحبار اليهود ورؤوس المشركين وأصحاب الرأي فيهم". إنها فئات حاقدة تعمل عمل الشيطان في الإغواء. إنها قوى مضادة للإسلام تجمعها الأهداف والمصالح المشتركة. إن هذه القاعدة العريضة تخطط للتظليل تخطيطا محكما تعتمد على التكتم والحذر والسرية بدليل قوله: ﴿خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِم﴾ والاختلاء هو الاجتماع السري وإذا كان مع الشياطين فهو اختلاء مشبوه محموم مجرم خطير يجب الحذر منه وتعريَّته وكشفه أمام الجماهير الإسلامية.
следующие страницы →