Полный текст (23 804 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.
стр. 2416
كما قال:"إن ها هنا علماً لو أصبت له حملة"اهـ بلفظه.
وقال الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد ابن عبد الوهاب رحمهما الله (ص١٤٣) الدرر السنية: "وأما قولكم إننا ننكر علم أهل البيت وأقوالهم ومذاهبهم ومذهب زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃ على علم جدِّه ﵁ فهذا كذب وبهتان علينا بل زيد بن علي عندنا من علماء هذه الأمة فما وافق من أقواله الكتاب والسنة قبلناه وما خالف ذلك رددناه كما نفعل ذلك مع غيره من الأئمة الخ ... "وسئل عن المذهب الزيدي فأجاب ﵀:
"الصحيح منه ما وافق الكتاب والسنة وما خالفه فهو باطل".
стр. 2417
إن الدين عند الله الإسلام
بقلم الشيخ محمود عبد الوهاب فايد
المدرس بكلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة
الإسلام هو دين الله الذي نزل من السماء ليصلح الأرض، ويربط العالم بعضه ببعض، ويوثق العلاقة بين الخالق والمخلوق على أساس العقيدة الصافية، والعبادة الهادية، ويوثق العلاقة بين المخلوق والمخلوق على أساس العدالة الكاملة، والرحمة الشاملة، والمعاملة الكريمة والسياسة الرحيمة. هذا هو الإسلام في إجمال، وتوضيحا لذلك نقول والله المستعان:
دعانا الإسلام إلى أن نؤمن بالله إيمانا صادقا، ونوحده توحيدا خالصا، وذكَّرنا بأن الله وحده هو الذي خلقنا وسوانا، ومنحنا حواسنا وقوانا، وأنعم علينا بنعمه التي لا تحصى، وغمرنا بفضله، وعمَّنا بكرمه، وشملنا بلطفه، ووسعنا بعلمه فهو يعلم ما نخفيه كما يعلم ما نبديه. قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ، وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ [١] .
ودعانا إلى الإيمان برسل الله الذين اختارهم المولى ليكونوا دعاة له، وهداة لخلقه، وقدوة لهم، وحجة عليهم، قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ﴾ [٢] وقال: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [٣] .
стр. 2418
ودعانا إلى الإيمان بالبعث والحساب والجزاء لتوفَّى كل نفس ما كسبت، ويتلقَّى المحسن أجر إحسانه، ويأخذ المعتدي عقاب عدوانه فلا يتساوى بار كريم، ومجرم أثيم. قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ [٤] . وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [٥] .
هذه العقائد الثلاث التي دعا إليها الإسلام عقائد متماسكة متلازمة لها أثرها العميق في تهذيب الإنسان وإعلاء شأنه.
فعقيدة التوحيد تحمل في طواياها الاعتراف بالكمال المفرد المطلق لباري الكون وترفع شأن الإنسان إلى المستوى الذي يليق به فلا تهبط بعقله إلى قبول عقائد خرافية ووثنية ولا تدفعه إلى المذلة أمام مخلوق من المخلوقات صغر أم كبر، عظم أم هان وهذا هو السر في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [٦] .
وعقيدة التوحيد أيضا تولد لدى المسلمين شعورا واحدا بأنهم جميعا عبيد لرب واحد لا يتفاضلون عنده إلا بالتقوى والعمل الصالح. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [٧] .
وفي ظلال هذه العقيدة لا يتعالى أحد على أحد ويتنافس الناس جميعا في أعمال البر، وطرق أبواب الخير والإيمان برسل الله، يحمل في طواياه الإيمان بحكمة الله، فحكمته سبحانه تأبى أن يوجد الإنسان ويتركه سدى ويدعه هملا، ويحاسبه ويعاقبه دون أن يقيم عليه الحجة.
стр. 2419
الإيمان برسل الله يقتضي الإيمان بما جاءوا به وما جاءوا إلا بالخير العميم، والصراط المستقيم والنظام السليم الذي يضمن سعادة الفرد والمجتمع.
الإيمان برسل الله يعمِّق الإيمان بالله، ويدعوا إلى تنزيه المولى عن العبث والظلم والسفه، ويضع أمام الناس مثلا بشريا، عالية يحتدون ويقتدون بها، ويسيرون على منهاجها في مراقبة الله، والإحسان إلى الناس دون انتظار أجر منهم.
والإيمان باليوم الآخر وما فيه من بعث وحساب وجزاء من شأنه أن يزكي نفس الإنسان ويدفعه إلى عمل الخيرات وترك المنكرات والبعد عن النقائص والشبهات.
هذه العقائد الثلاث من شأنها أن تعين في إيجاد الإنسان الفاضل، والمجتمع الفاضل، والدولة الفاضلة.
وفروع الإسلام وشرائعه تهدف إلى ما تهدف إليه أصوله، وتعمل على تحقيق الغاية التي ترمي إليها عقائده فالصلاة والصيام والزكاة والحج وبقية ما أمر به الشارع تجمع بين حق الله وحق الإنسان، وفيها منافع للناس يشهدونها ويلمسون أثارها في حياتهم، إلى جانب كونها عبادة لربهم وطاعة لخالقهم.
стр. 2420
ومن ينظر في شريعة الإسلام يجدها كافية وافية شافية، جاءت بما فيه كمال الروح والبدن وصلاح الفرد والأمة وهناء العالم بأسره فأقامت البرهان على أن الإسلام دين إنساني عالمي واقعي نزل من السماء ليحكم الأرض وليملأها عدلا وسلاما، ومحبة ووئاما، ورخاء ورفاهية ولأن الإسلام دين واقعي التزم في كل ما شرعه أن يلائم طاقة الإنسان، ويناسب مقدرته فلا يكلفه شططا، ولا يرهقه عسرا، ولا يطلب منه ما يحرجه أو يشق عليه قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [٨] وقال: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَا﴾ [٩] وقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفاً﴾ [١٠] وقال: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [١١]
وتمشيا مع واقع الإنسان، وتقديرا لظروفه، ومسايرة لطبيعته وخصائصه اهتم الإسلام بشئون دنياه كما اهتم بشؤون أخراه، فلم يفرض عليه أن يعتزل الناس، وينقطع لعبادة الله ويهمل أمر نفسه، ويغفل مطالبه الجسمية، وغرائزه النفسية. كلا، فقد سمح له بأن ينال حظه من العاجلة، ويستجيب لغرائزه، ويسَّر له الطريق في غير إفراط ولا تفريط، وهيأ له السبيل في حدود الاعتدال والكمال، وفي كتاب الله تقدير وتكريم لمن يقول: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [١٢] لم ينكر الله عليهم أن يطلبوا الدنيا، وكذلك لم ينكر عليهم أن يقدموها في الطلب على الآخرة.
стр. 2421
وفي السنة النبوية إرشاد لنا بأن نتوجه إلى الله بهذا الدعاء: "اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي واجعل الحياة زيادة لي في كل خير واجعل الموت راحة لي من كل شر" أخرجه مسلم عن أبي هريرة ٨-٨١.
وتطبيقا لنظرة الإسلام الدنيوية عني الرسول ﷺ بأن يزيل ما وقع في ذهن حنظلة من التباس، وما سرى إليه من وهم حين زعم أنه نافق لأنه تشاغل بشؤون أهله وماله.
روى مسلم ٨-٩٤ بسنده إلى حنظلة الأسدي قال - وكان من كتاب رسول الله ﷺ قال: "لقيني أبو بكر فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قال: قلت نافق حنظلة. قال: سبحان الله! ما تقول؟ قال: قلت: نكون عند رسول الله ﷺ يذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي عين فإذا خرجنا من عند رسول الله ﷺ عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات فنسينا كثيرا. قال أبو بكر: فوالله إنا لنلقى مثل هذا. فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله ﷺ قلت: نافق حنظلة يا رسول الله! فقال رسول الله ﷺ : وما ذاك؟ قلت: يا رسول الله، نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي عين فإذا خرجنا من عندك عاسفنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيرا. فقال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم ولكن يا حنظلة ساعة وساعة ثلاث مرات"
كذلك صحح الرسول ﷺ نظرة أصحابه الذين حسبوا أن الغلو في العبادة مما يتقرب به إلى الله، وأن إهمال النفس والأهل مما ينالون به رضاه.
стр. 2422
روى البخاري بسنده عن عبد الله ابن عمرو بن العاص ﵄ قال: "قال لي رسول الله ﷺ : "يا عبد الله ألم أخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل"فقلت: بلى يا رسول الله، قال: "فلا تفعل. صم وأفطر وقم ونم فإن لجسدك عليك حقا وإن لزوجك عليك حقا وإن لزوارك عليك حقا"-رواه مسلم بنحوه٣-١٦٣.
وروى البخاري أيضا بسنده عن أنس بن مالك ﵁ قال: "جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ فلما أخبروا كأنهم تقالوها. فقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ ؟ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فقال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدا وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا. فجاء رسول الله ﷺ إليهم. فقال: "أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني".
هكذا رتب الإسلام حياة الإنسان، ووضع لها أكمل نظام راعى مطالب جسمه "إن لجسدك عليك حقا، وإن لعينك عليك حقا" وراعى مطالب غريزته الجنسية "وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني" وفي رواية لمسلم "وإن لولدك عليك حقا" وراعى حقوق الناس "وإن لزورك عليك حقا".
لم ينس الإسلام أي حق بل جاء ليعطي لكل ذي حق حقه، في حدود الاعتدال والكمال، حافظ على صحة الإنسان وحث على توقي الأخطار والأضرار قال تعالى: ﴿خُذُوا حِذْرَكُم﴾ [١٣] وقال: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [١٤] وقال ﷺ : "لا يوردن ممرض على مصح" رواه الشيخان. ودعا إلى العلاج والتداوي قال ﷺ : "يا عباد الله تداووا" أخرجه الترمذي.
стр. 2423
ورغبّه في أن يتزوّد بالعلم ويرتوي منه ويستقِّل ما لديه قال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلاً﴾ [١٥] وقال لرسوله ﷺ : ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ [١٦] بدأ برسوله وهو الذي قال له: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾ [١٧] ليكون قدوة لأمته كما قال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَة﴾ [١٨] فتقتدي به وتسير على نهجه، فتستزيد من العلم باستمرار، وتسعى في طلبه على الدوام.
وحارب الفقر فوضعه بجانب الكفر واستعاذ منه الرسول ﷺ كما استعاذ من الكفر فقال: "اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر" أخرجه الحاكم.
ورسم الخطة الموافقة في مكافحته فحث على العمل لأنه مفتاح الرزق، وباب كسب المال قال تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [١٩] .
وفي يوم الجمعة حيث يتعين على الناس الاجتماع لذكر الله والصلاة ينقلنا من مواطن العمل إلى المسجد ثم يعود بنا إلى مواطن العمل بعد الصلاة قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ .
وينوه بفضل العمل ويشيد به فيقول ﷺ : "إن الله يحب المؤمن المحترف" رواه الطبراني، وينهانا عن البطالة، ويحذرنا من التسول فيقول الرسول ﷺ : "لا تزال المسألة بأحدكم حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعه لحم" رواه البخاري ومسلم.
стр. 2424
واستجابة لحق البطون، ونزولا على مطالبها، واعترافا بحق الفقراء والمحتاجين في أن يعيشوا مع الأغنياء عيشة كريمة يشاركونهم في خيرات الأرض التي يعيشون عليها، وينعمون معهم بما جاد به غنيهم، من أجل هذا كله أوجب الإسلام الزكاة وجعلها حقا لهم لا منة يمتن بها عليهم، وأوجب على الدولة أن تأخذها طوعا أو كرها.
نعم. من أجل الفقراء شهر الحاكم الإسلامي أبو بكر ﵁ سيفه في وجوه الذين منعوا الزكاة وقال كلمته المشهورة: "والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها"رواه الستة.
ولم يكتفي الإسلام بهذا بل وضع الأساس لإقامة مجتمع تعاوني تسوده المحبة وتسري فيه روح الأخوة شعاره قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [٢٠] وقوله ﷺ : "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا"رواه الشيخان. وقوله ﵊: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له الجسد بالسهر والحمى" رواه مسلم.
وقوله في حديث آخر: "من كان عنده فضل ظهر فليَعُد به على من لا ظهر له، ومن كان عنده فضل زاد فليَعُد به على من لا زاد له". قال أبو سعيد راوي الحديث: "فذكر لنا رسول الله ﷺ من أصناف المال ما ذكر حتى رأينا أنه لاحق لأحد منا في الفضل"رواه مسلم.
ويضرب الرسول ﷺ المثل الأعلى في الاهتمام بالفقراء والعمل على راحتهم، وتقديم كل عون لهم ليكون قدوة وأسوة للحكَّام في إعانة المحتاجين، ورعاية البائسين.
стр. 2425
روى الإمام أحمد أن عليا وفاطمة ﵄ ذهبا إلى رسول الله ﷺ فقال علي: "والله لقد سنوت حتى اشتكيت صدري"، وقالت فاطمة: "لقد طحنت حتى مجلت يداي وقد جاءك الله بسبي وسعة فأخدمنا"فقال رسول الله ﷺ : "والله لا أعطيكما وأدع أهل الصفة تطوى بطونهم من الجوع ولكن أبيعهم وأنفق عليهم أثمانهم".
هكذا حارب الإسلام الفقر بالعمل، وقضى على البطالة والكسل، وقدم المعونة للضعفاء والفقراء، ووفر لهم حياة طيبة وعيشة كريمة في ظل نظام محكم متين تتوثق فيه الروابط وتقوى فيه أواصر المودة بين الأفراد على اختلاف حالاتهم ودرجاتهم.
وكما حارب الإسلام الجهل والفقر والمرض نظريا وعمليا حارب الرذيلة وأغلق منافذها، ونفر من الشرور ووقف في طريقها، وحذّر من الظلم وبيَّن سوء مغبته ووخامة عاقبته قال تعالى: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [٢١] .
وقال سبحانه في حديث قدسي رواه مسلم: "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا".
ويشتد الرسول ﷺ في التحذير من الظلم فيبين أن الظلم يلتهم كل ما يصنع العبد من عبادات وحسنات ويعرض صاحبه للإفلاس ويرمي به في النار وبئس القرار قال ﷺ : "أتدرون من المفلس؟ "قالوا: "المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع". فقال: "إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي وقد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطي هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن تقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم يطرح في النار" أخرجه مسلم.
стр. 2426
ويتعقب الإسلام الظلم في كل مكان، فلا يرضى أن يظلم أي إنسان وإن يكن كافرا قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [٢٢] .
ويروى عن الرسول ﷺ : "من ظلم معاهدا أو انتقصه حقه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة" أخرجه أبو داود.
هذا هو الإسلام، إنه دين يعمل لمصلحة الفرد والمجتمع، دين يحارب الفقر والجهل والمرض والرذيلة والظلم، دين يعمل على إيجاد جيل غني قوي يتسلح بالعلم، ويتحصن بالفضيلة، وينأى عن الرذيلة، دين يقيم دولة فاضلة، وأمة عادلة لها حاكم يؤمِّن الخائف ويطعم الجائع وينصف المظلوم وينشر العدل والسلام والمحبة والوئام ويسهر على ما فيه عزة الأمة ورفاهيتها وهناءتها وسعادتها، وصون حريتها وكرامتها، واستقلالها وسيادتها. نعم هذا هو الإسلام أيها الحائرون ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ .
--------------------------------------------------------------------------------
[١]- النحل (١٧-١٩)
[٢]- الحج (٧٥)
[٣]- المائدة (١٦٥)
[٤]_ المؤمنون (١١٥)
[٥]_ ص (٢٧_٢٨)
[٦]_ المنافقون (٨)
[٧]_ الحجرات (١٣)
[٨]- البقرة (١٨٥)
[٩]- البقرة (٢٨٦)
[١٠]- النساء (٢٨)
[١١]- المائدة (٦)
[١٢]-البقرة (٢٠١)
[١٣]- النساء (٧١)
[١٤]-البقرة (١٩٥)
[١٥]-الإسراء (٨٥)
[١٦]- طه (١١٤)
[١٧]-النساء (١١٣)
[١٨]-الأحزاب (٢١)
стр. 2427
[١٩]- الملك (١٥)
[٢٠]- المائدة (٢)
[٢١]- الأعراف (١٥٧)
[٢٢]- المائدة (٨)
стр. 2428
بدر الكبرى
للشيخ محمد عطية سالم
القاضي بالمحكمة الشرعية بالمدينة
تعتبر السيرة النبوية بيانا ومنهجا لسيرة الدعوة وأسلوب الداعي وسجلا لأحداث الكيان الإسلامي من أول بدء الوحي إلى خاتمته وهي جديرة بالدرس والتحليل للتأسي والاقتداء ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ ... ﴾
ولكل موقف في السيرة ظروف وملابسات تخصه، وإن غزوة بدر تميزت عن جميع الغزوات والمواقف بتوجيه مباشر بوحي يتلى، وفق خطة مسبقة وكان دور المسلمين فيها التطبيق العملي.
ولا نُبعد إذا قلنا أن تلك الخطة منوه عنها قبل الهجرة في قوله تعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ . وكان عمر ﵁ يقول: "لم أعلم أي جمع حتى رأيت رسول الله ﷺ يوم بدر يثب في الدرع ويقرأ ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ "
ولكن أحداث مكة وطريق الهجرة غطت على هذا التنويه. ثم جاء الوعد الصريح في العهد القريب. ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ تحقيقا للخطة السابقة. وهاهو التوجيه الإلهي لتحقيق ذلك وتنفيذه على أيدي المسلمين بتوجيه رب العالمين.
وجوانب الغزوة عديدة ولا يمكن الإلمام بجميع جوانبها في عرض سريع ولا تستوعبها محاضرة عاجلة.
ولكن على سبيل الإجمال فإن جميع الغزوات تشترك في جوانب أساسية هي
١- الأسباب الدافعة عليها.
٢- الإعداد لها مسبقا من:
أ- جند، ب- عتاد، جـ -تموين، د- اختيار المكان والزمان إن أمكن، هـ - وضع الخطة الملائمة للزمان والمكان والظروف مع اعتبار قوى العدو وظروفه ونوع سلاحه وطريقة قتاله، وغير ذلك.
стр. 2429
٣- سير المعركة ونوع القتال:
دفاع أو هجوم. ولكل تنظيمه وعتاده.
كر وفر، أو الزحف في صفوف، الحصار، الإمدادات والتموين.
٤- النتائج: تحقيق الغرض الذي قامت لأجله. تحقيق غرض آخر، أو فشلها والهزيمة.
٥- المخلفات: تصفية أعمال المعركة وبقايا آثارها في الأمة من الجهتين المتقاتلتين.
تلك هي الجوانب الأساسية التي تواكب كل غزوة وتلازمها ولا بد لها من إعداد وتقدير قبل خوض المعركة والتورط مع العدو. كما كان في غزوات الأحزاب وأحد وتبوك وخيبر وفتح مكة. فكانت خطة الأحزاب حفر الخندق ومفاجأة العدو بها. وخطة أحد: الرماة والمقاتلة. وخيبر حصار العدو. وكلها واضحة المعالم للمسلمين.
الدوافع على الغزوة:
كان الدافع على غزوة بدر هو أخذ العير كما جاء في خبر أبي أيوب النصاري ﵁ قال: "قال رسول الله ﷺ ونحن بالمدينة: "إني أخبرت عن عير أبي سفيان أنها مقبلة فهل لكم أن نخرج قِبَلَها لعل الله يُغْنِمناها؟ "فقلنا: نعم فخرج وخرجنا".
فالدافع إلى الخروج هو الرغبة في العير لعل الله يغنمهموها وهذا أمر عادي فيما بين المسلمين والمشركين. فالمسلمون خرجوا من ديارهم فرارا بدينهم وتركوا أموالهم بمكة. وهذا صهيب عند الهجرة قالوا له بمكة: "جئتنا صعلوكا لا مال لك حتى أثريت والآن تريد أن تخرج بأهلك ومالك" فنزل لهم عن ماله وخرج.
والرسول ﷺ يقول: "وهل ترك لنا عقيل من بيت أو ربع". والصدِّيق يقول لولده يوم بدر وهو في صفوف المشركين أين مالي يا خبيث؟ فيقول له:
لم يبق إلا شكة ويعبوب
وصارم يقتل ضلال الشيب
فخروج المسلمين لأخذ العير أمر عادي وطبيعي في مثل هذه الحالة. لأن الطرفين في حالة حرب منذ أن تآمروا على قتله ﷺ وخرج ليلا إلى الغار وهاجر إلى المدينة.
стр. 2430
وحالة الحرب تجيز أخذ مال العدو وليس ذلك غدرا ولا اعتداءا ومعلوم أنه ﷺ لم يخرج من مكة إلا بعد أن رد الودائع لأهلها وخلف عليا ﵁ لأدائها. وتركه في فراشه وتحت ظلال السيوف لأنها أمانات وودائع.
أما هذه فقافلة تجارية في حراسة أربعين رجل أو ثلاثين. ولكن العير لم تكن إلا إغراء على الخروج العاجل الخفيف لئلا لا يتهيأ جيش، وليكون اللقاء بين فئتين مختلفتين ليكون آية، وفي أثناء الطريق يتبدل السبب ويقع الشك في إدراك العير ويتسامع بالنفير.
وهناك يثقل الأمر عليهم ويقع الجدال بينهم. ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ. يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ .
وهناك أيضا يأتي وعد بإغراء ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ . وإطلاق إحداهما لم يقطع الأمل في العير. ولم يؤكد لقاء النفير، إلا أن ميولهم إلى السبب الذي أخرجهم وتوددهم إلى غير ذات الشوكة تكون لهم.
وإلى هنا أمر عادي وسير للخطة على وجهتها الطبيعية.
ولكن التوجيه الإلهي يوجه الخطة إلى غير ما يريدون وإن كرهوا. ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ، لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ .
وهذا أول تغيير في الخطة وأول مجابهة المسلمين بالموقف الجديد. وقد أدرك ذلك سعد إذ يقول لرسول الله ﷺ : "ولعلك أن تكون خرجت لأمر وأحدث الله إليك غيره فانظر الذي أحدث الله إليك فامض له فصل حبل من شئت. واقطع حبل من شئت. وعاد من شئت وسالم من شئت. وخذ من أموالنا ما شئت".
стр. 2431
وفي ذلك الموقف ينشأ أول مجلس عسكري أعلى يُجري فيه النبي ﷺ مشاورات مع أصحابه "أشيروا علي أيها الناس" أي في خصوص مقابلة النفير حيث خرجت مكة لحماية العير.
وتكلم كلا الفريقين من المهاجرين والأنصار كما تقدم. وخرج المؤتمر وانفض المجلس على قرار موحد حاسم: القتال.
بقي تحديد المكان:
لم يكن للمسلمين ولا المشركين اختيار في المكان ولا في تحديد الزمان، لقد سار المسلمون إلى ماء بدر لأنه منزل عام على الطريق. ولا يعلمون متى يلتقون بالنفير ولا مصير العير. ومضى المشركون أيضا إلى بدر لتسمع بهم العرب ولا يعلمون متى يلتقون بالمسلمين.
ولكن الخطة والتوجيه الإلهي يحدد مكان المعركة وزمانها: ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ﴾ وبيَّن تعالى أن ذلك جُزءا من الخطة العامة ليقضي الله أمرا كان مفعولا. ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ .
وجها لوجه:
لقد أصبح المسلمون مع المشركين وجها لوجه في الميدان. وهناك مرة أخرى يأتي التوجيه الإلهي لتنفيذ الخطة بمغايرة جديدة حول العدد الذي هو ميزان القوة والقتال. فيقلل كلا الطائفتين في نظر الأخرى، ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ أي لا إلى تقديراتكم وخطئكم.
стр. 2432
وقد بين الله تعالى الغرض المقصود من هذا التقليل ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ فلم يترك لكم الأمر ووجهكم إلى ما يغري على القتال. فأصبحوا أمام أمر واقع لم يكن لهم اختيار فلا يستطيعون التقدم ولا التأخر ولكن أرض معسكرهم رمله دهسة تعوق سرعة الحركة وليس ذلك من صالحهم. وأرض العدو سبخة جلدة وما زال المسلمون ببطن الوادي ولا ماء عندهم ولم يشرع التيمم بعد، فوقعوا في وساوس الشيطان وكيف يلقون العدو بغير طهارة!..فجاءتهم عناية الله وغيرت الموقف وعكسته تماما: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ﴾ . وهكذا بين عشية وضحاها تغير الموقف تماما إذ نزل عليهم المطر ليلا فتطهروا وشربوا وتماسك الرمل تحت أقدامهم وثبتت عليه.
بينما سبخة المشركين تنزلق تحت أقدامهم وأصبح الموقف لصالح المسلمين فمعسكرهم متماسك لطيف ومعسكر المشركين زلق رحض.
وفي تلك الليلة وبوحي من إفساح المجال للمشورة وامتدادا لذلك المجلس العسكري الذي أشعر كل شخص بمسئولية القتال يتقدم الحباب بن المنذر بمشورته في المنزل، ويقبل ﷺ مشورته كما تقدم. ويأتي ملك فيقول: "يا رسول الله: إن الله يقرئك السلام ويقول الرأي ما قاله الحباب". فيقول ﷺ : "إن الله هو السلام ومنه السلام". وينزل على المشورة تلك والتي نالت ما نسميه في عرفنا موافقة من المرجع الأعلى. وإلى الله ترجع الأمور.
стр. 2433
إنه تحقيق لما قلنا من التوجيه الإلهي لمعركة بدر. وبهذا كله يتم تهيئة أرض المعركة. وبتثبيتها تحت أقدام المسلمين وتوفير الماء لهم. وانزلاق الأرض تحت أقدام المشركين ولا ماء عندهم. وذلك لصالح المسلمين وما كان ليتم ذلك إلا بتوجيه إلهي للخطة وعناية بالمسلمين وفي الصباح يلتقي الجمعان على تلك الحال ولم يبق إلا القتال.
قبل بدء المعركة:
كل ما تقدم من خروج وإغراء وتوجيه. ومشورة وأمنة النعاس وإنزال الماء من السماء وتثبيت الأقدام وغير ذلك. إنما هو مقدمة وتهيئة لهذه اللحظة. لحظة بدء القتال. فهي أخطر لحظة في المعركة. وهي أهم نقطة في الخطة. وأدق جزء في التوجيه وعليها يتوقف مصير المعركة. وبالتالي مصير الدعوة والأمّة بل والإنسانية كلها.
فهي اللحظة الحاسمة وهي الفرقان بين الحق والباطل. وبين البطر والتواضع ومن ثم نجد التوجيه أشد ما يكون. والتعليمات في منتهى الحزم والشدة والقسوة. ونستطيع تسميتها تعليمات الميدان ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلا مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ .
وتفصيل تلك التعليمات:
أ - فلا تولوهم الأدبار. وبهذا لا يملكون انهزاما ووجب عليهم الصبر والثبات أمام العدو مهما كانت النتائج.
ب - عقوبة من تسول له نفسه بالتولي غضب الله في الدنيا. ومآله جهنم وبئس المصير.
وهذا خاص ببدر دون غيرها من الغزوات لقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ولكأن المسلمين ذلك اليوم لا يملكون أنفسهم. ولا لهم حق التصرف في شيء. حتى في تحركاتهم.
стр. 2434
وقد جاء ما يؤيِّد هذا عن عبد الله بن عمر ﵄. فقال عمر: "يا أيها الناس لا تغرنكم هذه الآية فإنما كانت يوم بدر وأنا فئة لكل مسلم". وقال نافع: "سألت بن عمر قلت إنا قوم لا نثبت عند قتال عدونا ولا ندري من الفئة. إمامنا أو عسكرنا؟ "فقال: "إن الفئة رسول الله ﷺ ". فقلت: "إن الله يقول: ﴿إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً..﴾ الآية "فقال: "إنما أنزلت في يوم بدر لا قبلها ولا بعدها".
وهذا بخلاف غيرها من الغزوات فقد جاء في حق أُُحد بعدها بسنة قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ . ويؤكد أنها في أُحد عدم تولي أَحَدٌ يوم بدر حيث ثبتوا جميعا. بينما في أُحد تولى البعض منهم حتى وصل العريض ووصل المدينة.
وجاء في حنين وهي بعد بدر بست سنوات قوله تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .
стр. 2435
ففي أحد وحنين تأتي التوبة بعد التولي وتختص بدر بالعقوبة على من تولى وهنا نجد إحكام الخطة ودقة التوجيه فالمؤمنون خرجوا للعير وقد فاتتهم وتغيَّرت عليهم الخطة. ولم يبق لهم اختيار في إحدى الطائفتين. وأُلزموا بلقاء ذات الشوكة. وكأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون. والآن هم في ساحة القتال لا حق لهم في التولي. ولا يملكون من أنفسهم شيئا. وعليهم أن ينفِّذوا ما يؤمرون به ويوجهون إليه بقيادة السماء.
عندئذ اشتد الموقف وعظم الخطر فجاء النصر من الجانبين:
الأول: تكثير المسلمين في أعين المشركين. ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ .
الثاني: إنزال الملائكة. ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ .
وكان لإنزال الملائكة في غزوة بدر حالة خاصة وتوجيه مستقل مغاير لنزولهم في غيرها. ولقد أنزل الله جنودا من الملائكة في ثلاثة مواضع سوى بدر:
أولا: عند الغار حراسا لرسول الله ﷺ : ﴿إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ .
стр. 2436
ثانيا: يوم الأحزاب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً﴾ . وكان موقفا جد عصيب ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً﴾ .
ثالثا: يوم حنين: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا..﴾ .
ففي هذه المواطن الثلاثة مع شدة تأزمها. إذ هما في الغار لا مفر لهما منه والسيوف مستلة بأيدي المشركين بقلوب حانقة وصدور حاقدة تغلي دماؤهم ويشتد عداؤهم.
ويوم الأحزاب جاء الأحلاف ليثأروا لقتلاهم واشتد الأمر على المسلمين وزاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا.
وفي يوم حنين على كثرة المسلمين ضاقت عليهم الأرض بما رحبت. في كل ذلك جاءت جنود الله نصرة للمؤمنين ولكنها مع شدة الحال لم تظهر تلك الجنود وكانت من وراء الرؤية.
أما في بدر فقد كان إنزال الملائكة وفق خطة وتوجيه ضمن منهج عملي مفصل:
١- بيان العدد لأول وهلة ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ
стр. 2437
١- وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ . وفي المواطن الأخرى الثلاثة: ﴿وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ﴾ ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً﴾ . ﴿وَأَنْزَلَ جُنُوداً﴾ . وهنا قال: ﴿أَنِّي مُمِدُّكُمْ﴾ والمدد يكون من القيادة العليا. وبين تعالى الغرض من هذا الإمداد ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلا بُشْرَى لَكُمْ..﴾ إلخ. بشرى وطمأنينة على أرض المعركة.
بعد مجيء المدد رسمت له خطة العمل بما يمكن أن تسميه تعليمات الميدان:
أ- ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ .
ب- ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾
جـ- ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ .
ففيه تثبيت للملائكة أولا بقوله: ﴿أَنِّي مَعَكُمْ﴾ . وتثبيت للمؤمنين ثانيا. وقد جاء في الآثار أن المَلَك كان يأتي في صورة رجل معروف ويقول للمؤمنين إن عدوَّكم لا يقوى على لقائكم وإذا شددتم عليهم يفرون أمامكم. وفي الأثر: "أقدم حيزوم". وسأل النبي ﷺ عنه جبريل فقال: "ما كل ملائكة السماء أعرف يا رسول الله".
стр. 2438
وقد تضافرت النصوص أنهم رأوا الملائكة على خيل بلق وكان شعارهم العمائم. وقال ابن عباس: "لم تقاتل الملائكة في يوم سوى يوم بدر من الأيام. وكانوا يكونون فيما سواه من الأيام عددا ومددا لا يضربون". وعن بردة قال: "جئت يوم بدر بثلاثة أرؤس فوضعتهن بين يدي رسول الله ﷺ فقلت: أمّا رأسان فقتلتهما وأما الثالث فلم أقتله. فقال له النبي ﷺ حين ذاك: "قتلته الملائكة". وكان السائب بن أبي حسين يحدِّث في زمن عمر ويقول: "بينما أنا ببدر إذ أوثقني رجل بحبل ومضى عني فإذا ابن الزبير فأخذني وقال من أسر هذا وأنا أستحي أن أذكر ما وقع لي، فقال رسول الله ﷺ : "ذاك أسره ملك. خذ أسيرك يا ابن الزبير".
وقوله: ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْب﴾ تقوية معنوية بما يسمى حرب الأعصاب مع أن هذا حقيقة بذاته كما قالوا: كنا نسمع كصوت الحصاة على طشت نحاس يدوي في القلوب من شدة الخوف. وكان مقابل ذلك السكينة في قلوب المؤمنين.
وقوله: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ تعليم بكيفية الضرب وجاء أنهم كانوا يفرقون بين قتلى المؤمنين وقتلى الملائكة مثل سمة النار.
٢- مشاركته ﷺ في المعركة برمي الحصباء في وجوه القوم وقال: "شاهت الوجوه" فلم يبق رجل مشرك إلا أصابه منها ما شغله في عينه وفمه.
وجاءت النتيجة وفق تلك الخطة هزيمة للمشركين تحقيقا للوعد الأول والثاني.
أما الأول فقوله: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ . وكان عمر ﵁ يقول: "لا أعلم ما الجمع الذي سيهزم حتى سمعت رسول الله ﷺ يثب في درعه يوم بدر ويقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ ".
стр. 2439
ومعلوم أن نتائج المعارك بحسب أسبابها ومقوماتها. وقد شاهدنا أن مسببات بدر ومقوماتها كلها كانت بتوجيه إلهي وخطة مسبقة ولذا كانت نتيجتها تبعا لذلك. ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ .
فالله الذي ألقى في قلوب المشركين الرعب وهو الذي أوصل الحصباء عيونهم وهو الذي أنزل الملائكة بشرى وطمأنينة تقاتل وتأسر معهم وهو الذي كثرهم في أعين المشركين وأنزل السكينة عليهم.
وهنا نواجه سؤالا وهو في جملته يتلخص في أن المعركة في سيرها وتوجيهها من الله وملائكته وأن المسلمين ما كانوا ليملكوا شيئا من سيرها. وما يقدرون على شيء من نتائجها. وما كانوا إلا سائرين وفق خطة مرسومة وكان يكفي لهزيمة المشركين ملك واحد. فلم كثر عدد الملائكة. وكان الأسر بيد المسلمين؟ والجواب كما نص عليه تعالى من جهتين:
١- ابتلاء للمؤمنين هل يمتثلون ويثبتون أم لا قال تعالى: ﴿وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ .
٢- كان المسلمون مستضعفين وكانوا ذوي حقوق عند المشركين وقد عانوا منهم شدة وقسوة فأراد الله أن يشفي صدورهم. ويخزي عدوهم الذي قال: "لا نرجع حتى نرد ماء بدر وتسمع بنا العرب وتعزف علينا القيان"وكان خزيهم على أيدي المسلمين أشد منه على أيدي الملائكة ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ .
تصفية المعركة:
стр. 2440
كانت تصفية المعركة تبعا لنتائجها في المغانم والأسرى أما المغانم فقد أخذت من أيديهم بعد تنازعهم فيها وجعلت لله ولرسوله يضعها حيث شاء فقسمها بينهم. وسميت أنفالا والأنفال ما ينفله الإمام للغزاة. وكأنه تشبيه بالغبي الذي قال فيه تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ .
وهنا قال: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ فكانت أنفال بدر بمقتضى ذلك لله ولرسوله.
وقال ابن كثير: "قال الإمام أحمد: وساقه بسنده إلى أبي أمامة قال: سألت عبادة عن الأنفال قال: "فينا نزلت أصحاب بدر حين اختلفنا في النفل وساءت فيه أخلاقنا فانتزعه الله من أيدينا وجعله إلى رسول الله ﷺ بين المسلمين عن بواء (عن سواء) ". وعنه: "خرجنا مع رسول الله ﷺ فشهدت معه بدرا فالتقى الناس فهزم الله العدو فانطلقت طائفة في إثره يرجمون ويقتلون وأقبلت طائفة على العسكر يحوزونه ويجمعونه. وأحدقت طائفة برسول الله ﷺ لا يصيب العدو منهم غرة حين إذا كان الليل وفاء الناس بعضهم إلى بعض. قال الذين جمعوا الغنائم: نحن حويناها فليس لأحد فيها نصيب. وقال الذين خرجوا في طلب العدو: لستم بأحق به منا، نحن منعنا عنه العدو وهزمناهم. وقال الذين أحدقوا برسول الله: خفنا أن يصيب العدو منه غرة فاشتغلنا به فنزلت ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَال ... وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُم﴾ . فقسمها ﷺ بين المسلمين".
стр. 2441
أما الأسارى فقد جاء عنه ﷺ أنه قال لسعد وهو عند العريش وقد رأى في وجهه عدم الرضا: "كأني بك لم ترض بفعل القوم؟ "قال: "بلى يا رسول الله إن هذه أول وقعة بين المسلمين والمشركين فما كان ينبغي أن يؤسر الرجال وكان أحب إلي أن يقتلوا".
وقد عاتبهم الله فيها عتابا شديدا لما قبلوا الفداء ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ . ثم أبيح لهم أكل الفدا ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً﴾ .
وهكذا جاءت غزوة بدر فرقانا بين الحق والباطل. آية من الله على صدق الرسول وبينة ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة.
ثم اختص الله أهل بدر من المسلمين والملائكة على سواهم بفضل عظيم بعظم الموقف.
"لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" وقال جبريل لرسول الله ﷺ : "ما تعدون أهل بدر فيكم؟ "قال:"أفضلنا". قال: "وكذلك من حضرها من الملائكة". أو كما قال ﷺ .
стр. 2442
بدون تعليق
أذاعت محطة لندن في برنامج الصناعة والتجارة الخبر التالي:
لقد شحنت إحدى شركات السجائر في لندن ألفاً وخمسمائة مليون سيجارة إلى جدة والخرطوم ومقديشيو.
إلى المدخنين
للشيخ محمد المجذوب
ـوى الموتَ منتحراً بلا سكينِ
يا من يريد دمار صحته ويَهـ
كلّ الذي يرجوه في التدخين
لا تيأسنّ فإنّ مثلك واجد
تلك السمومِ السودِ خيرَ مُعين
وبفضل جهلك قد غدوتَ لصانعي
يجدوا السبيل لكيدِ هذا الدين
تحبوهمُ المالَ الذي لولاه لم
لا يستبيح أذاه غير خئون
وتخونُ حقّ الله في الجسدِ الذي
نصر والشيطان من تمكين
فاهنأ بما حققتَ للأعداء من
لولا غباوةُُ حزبِهِ المأفون!
ما كان إبليس لِيدركَ غايةً
عوناً بكلّ مضلّل مفتون!
وبمن ينال مناه إن هو لم يجد
стр. 2443
الإحسان
بقلم الشيخ ربيع بن هادي
المدرس بالمعهد الثانوي بالجامعة
يستهدف الإسلام أن يطبع حياة المسلمين بالطابع الجميل أن يسود الحياة الإسلامية وأن يجللها جو من الإحسان الشامل بكل أبعاده وآفاقه.
أن يعم الإحسان كل عمل وكل تصرف وكل قول على كل المستويات الفردية والجماعية وعلى مستوى الدولة والأمة في علاقة الفرد بخالقه وأسرته والمجتمع الذي يعيش فيه وعلاقة الأمة بالفرد وعلاقة الدولة بالأفراد والجماعات في العلاقة بالله.
فالمسلم حينما يؤدي حقا من حقوق الله في أي مجال من المجالات لا سيما مجالات العبادة فليؤدها وهو يتمثل فيها رؤية الله كأنما يرى الله ويشاهده، وإذا لم يصل إلى هذا المستوى فليستشعر أن الله يراه، وهذا الشعور أو ذاك سيدفعانه إلى إجادة العمل الذي يؤديه وإحسانه وإتقانه، والأمة الإسلامية بكاملها عليها أن تستشعر هذا الشعور "أعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك".
وفي علاقة المرء بأسرته ومجتمعه عليه أن تقوم معاملته إياهم وترتكز على أساس الإحسان ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ .
فلو أن الأمة الإسلامية أبقت هذه التعاليم في حياتها، وكل فرد في الأمة الإسلامية عمل على تنفيذ هذا المبدأ مبدأ الإحسان وجعل أسرته نقطة انطلاق لهذا الإحسان –بعد إحسانه في عبادة الله- الإحسان بمعناه الشامل في القول والعمل وبالمال والجهد لكانت مضرب الأمثال في السعادة والرقى والسيادة.
стр. 2444
وفي علاقة الأفراد والمجتمعات بعضهم ببعض وعلاقة الحاكمين بالمحكومين يأمر الله بالعدل والإحسان بكل أبعادهما، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالأِحْسَانِ﴾ .
إن الإحسان في نظر الإسلام بالمكانة العالية التي يأخذ الله على الأمة الإسلامية المواثيق الأكيدة في القيام به في جملة التكاليف التي يقوم عليها الإسلام وسعادة الأمة ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ إلزام بالإحسان في إطار الأسرة ومحيط المجتمع إحسان في الفعال والمقال.
والإسلام يريد أن يجعل من أخلاق الأمة الإسلامية صورة من أخلاق أهل الجنة ﴿لا لَغْوٌ فِيهَا وَلا تَأْثِيمٌ﴾ ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوّاً مُبِيناً﴾ ورب فعلة قبيحة أدت إلى عواقب وخيمة مرة النتائج، والخروج بالأقوال والأفعال عن مجال الإحسان إلى مجال الفحش والتفحش يوقع المرء تحت طائلة سخط الله وغضبه الذي لا يطاق "إن الله يبغض الفاحش المتفحش" أخرجه أحمد.
فالفاحش كما يقول القرطبي الذي يتكلم بما يكره سماعه مما يتعلق بالدين أو الذي يرسل لسانه بما لا ينبغي وهو الجفاء في الأقوال والأفعال، والمتفحش المتعاطي لذلك المستعمل له.
ليست الأماني الكاذبة والمزاعم الباطلة والانتساب إلى دين أو نحلة سبيلا إلى الجنة إنما السبيل الأوحد إلى الجنة هو الإخلاص في الإسلام والإحسان بمتابعة رسول الله وشريعته الغراء.
стр. 2445
﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ .
وإن أردت أن يحبك الله فاتخذ من الإحسان وسيلة تنل تلك الغاية ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ وإن كنت متطلعا إلى الخلود في جنات النعيم والنظر إلى الرب العظيم فعليك بالإحسان، ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ فالحسنى هي الجنة والزيادة هي النظر إلى وجه الرب الكريم.
ثم الإسلام يريد أن يشمل الإحسان كل ذي كبد رطبة قال رسول الله ﷺ : "بينما رجل بطريق فاشتد به العطش فوجد بئرا فنزل فيها فشرب ثم خرج فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش فقال الرجل لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني فنزل البئر فملأ خفه فسقى الكلب فشكر الله فغفر له" قالوا يا رسول الله وإن لنا في البهائم لأجرا؟ فقال: "في كل ذات كبد رطبة أجر" ترى كيف يعلم الإسلام المؤمنين وكيف يربيهم ويدفع نوازع الخير وعواطف الرحمة إلى الإحسان والبر فتشمل كل ذي كبد رطبة ولو كان خسيسا في أحط وأدنى مراتب الحيوانات.
стр. 2446
بينما نرى في الجانب الآخر يحرم الظلم "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي فلا تظالموا"، "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله" حتى ولو كان كافرا في ذمة المسلمين فيحرم الإسلام دمه وماله، "من قتل معاهدا لم يرح رائحته الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما" (أخرجه أحمد، والبخاري، ومسلم) عن ابن عمر "من قتل عصفورا بغير حق سأله الله عنه يوم القيامة"، "عذبت امرأة هرة حبستها حتى ماتت جوعا فدخلت فيها النار فلا هي أطعمتها ولا سقتها حين حبستها ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض" فلا يجيز الإسلام الظلم بداية من الإنسان ونهاية بالطيور والحيوانات التي لا يؤبه لها، فهذه هي الحضارة الراقية التي يحتمى في ظلها آمنا في كنفها حتى من يعاديها، والعصفور يقتل بغير حق يعتبر صاحبه مسئولا عنه يوم القيامة، وسجن هرة حتى تموت يعذب من سجنها بالنار والإحسان يمتد من الإنسان إلى كل ذي كبد رطبة وكل ذي عرق ينبض بالحياة فأين الحضارة المادية التي قامت على أساس الكفر والإلحاد وعلى الجشع والطمع فتسحق شعوبا وأمما لتستأثر بثرواتها وتبتز خيراتها بعد أن تسلخها من مقومات حياتها الدينية والخلقية والاجتماعية ثم تتجاهل كل ما ترتكبه من جرائم فظيعة ووحشية شنيعة وترمي الإسلام بالتأخر والرجعية وبالظلم والوحشية (رمتني بدائها وانسلت) .
стр. 2447
العدد ١٥
فهرس المحتويات
١- الإحسان: بقلم الشيخ ربيع بن هادي
٢- الإسلام والحياة منهج القرآن في تحرير العقل والفكر:بقلم أحمد عبد الرحيم السايح من علماء الأزهر
٣- الدعوة الإسلامية في أفريقية بحاجة إلى مزيد من الدعم: محمد بن ناصر العبودي
٤- الدين والسنن الكونية: بقلم الدكتور محمد تقي الدين الهلالي
٥- الصلح خير: بقلم الشيخ عبد الله بن صالح المحسن
٦- المسئولية بين الفرد والمجتمع: بقلم الشيخ محمد أبو فرحة
٧- قصص لا تنسى - الهارب بدينه: بقلم: الشيخ محمد المجذوب
٨- تنبيه للقراء: عبد العزيز بن عبد الله بن باز رئيس الجامعة الإسلامية
٩- جوانب من هجرة رسول الله ﷺ : للشيخ عبد القادر شيبة الحمد
١٠- حجية السنة ودحض الشبهات التي تثار حولها: بقلم الدكتور: محمود أحمد طحان
١١- دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب: لفضيلة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي
١٢- رسالة المدرّس المثالي: بقلم الشيخ: محمد المهدي محمود علي
١٣- لمحات في منهج البحث الموضوعي: بقلم الأستاذ: عبد الله عبد الرحيم عسيلان
١٤- مرض الأميبا: للدكتور أحمد سليمان
١٥- أخبار الجامعة
١٦- من تاريخ الحروب الصليبية يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين: إعداد العلاقات العامة
١٧- من تاريخ الدعوة السلفية: الشيخ عبد الحميد بن باديس - بقلم الشيخ محمد شريف الزيبق
١٨- نداء ومناشدة: مدير المركز: عصام العطار
١٩- نور السوط والعصا: للدكتور طه الزيني
٢٠-وذكّر فإن الذكرى تنفع المؤمنين: للشيخ حسن السيد متولي
٢١- يا فتية الإسلام: للشيخ عبد الله قادري
٢٢- يستفتونك: سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رئيس الجامعة الإسلامية
عمادة البحث العلمي - جميع الحقوق محفوظة ١٤٢٣ هـ / ٢٠٠٢ م
стр. 2448
حجية السنة ودحض الشبهات التي تثار حولها
بقلم الدكتور: محمود أحمد طحان
المدرس في كلية الشريعة بالجامعة
الحمد لله منزل الكتاب هداية للناس، ومرسل الرسل بلسان أقوامهم ليوضحوا لهم ما يريده الله منهم، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد بن عبد الله الذي أرسله الله رحمة للعالمين، وأنزل عليه القرآن الكريم ليبينه للناس، ويوضح المراد من هذا الكتاب المنزل عليه ببديع بيانه وحسن فعاله.
أما بعد: فقد يقال إنه من فضول القول أن يبحث اليوم في حجية السنة وقد مضى على الاحتجاج بها من عامة المسلمين أربعة عشر قرنا، فما فائدة هذا البحث؟ وهل يوجد في الدنيا مسلم واحد ينازع في حجية السنة فيقول: إن السنة ليست حجة، أو بمعنى أوضح، هل يوجد من يقول: إن أحاديث الرسول ﷺ لا يلزمنا العمل بها، وإنما يلزمنا العمل بالقرآن فقط.
الحقيقة أن جماهير المسلمين وعلمائهم أجمعوا من الصدر الأول إلى يومنا هذا على وجوب العمل بالسنة، ومضى العمل على الاحتجاج بها من غير نكير، وأنها حجة ملزمة من حجج الشرع يجب العمل بها -إذا صحت- كما يجب العمل بالقرآن الكريم، إلا ما وجد من بعض الزائفين الذين قاموا بفتنة التشكيك بحجية السنة لأسباب واهية سنعرض لها فيما بعد إن شاء الله تعالى، وقد رد عليهم جهابذة علماء المسلمين وعلى رأسهم الإمام الشافعي ﵁ في كتابيه ((الرسالة)) و ((الأم)) وباقي كتبه الأخرى، حتى ألقمهم الحجر، وانقرضت تلك الفئة الخبيثة الضالة، وانقرضت فتنتها معها والحمد لله حتى ما يكاد بها إلا المتخصصون والباحثون في تاريخ السنة والتشريع الإسلامي.
стр. 2449
لكن في هذه الفترة، فترة زوال الخلافة الإسلامية، وتضعضع المسلمين وتشتتهم وانقسامهم بشكل أزال قوتهم وخضد شوكتهم، وجعلهم كقصعة ثريد تتداعى الأمم لأكلها في هذه الحالة التي لم يعد للإسلام من يمثله ولا من يحميه، ظهر ناعقون ممن ينتسبون إلى الإسلام وممن لا ينتسبون، ينعقون من هنا وهناك وبشكل مركز يظهر فيه أثر التواطؤ في الظلام على تنظيم هذه الحملات الأثيمة ضد الإسلام، وذلك بهدم الركن الثاني من أركان تشريعه الخالد ألا وهو ركن السنة المطهرة، وكانوا ماكرين في ذلك أشد المكر، لأنهم علموا أن هدم الإسلام لا يمكن أن يكون بنقد تشريعاته لأنها تشريعات حكيمة معقولة، يفاخر بها المسلمون غيرهم من أهل الديانات السماوية وأهل القوانين الوضعية في إحكامها وحسن ترتيبها وشمولها لجميع ما يحتاجه بنو البشر.
لذلك عمدوا إلى هذا الطريق الماكر الخبيث في عداء الإسلام وهدم أكثر تشريعاته، وذلك بتشكيك المسلمين في حجية السنة ووجوب العمل بها، ومعلوم أن أكثر تشريعات الإسلام لاسيما التشريعات التفصيلية مبنية على السنة النبوية الشريفة.
وقاموا بهذا التشكيك الخبيث في صورة أبحاث علمية مبنية على أشياء علمية على حسب زعمهم، وتظاهروا بالحرص على عقول المسلمين من أن تنجر إلى التقليد، وتقول بشيء ما أنزل الله به من سلطان.
ولقد انخدع بزخرف قولهم بعض الشباب المثقفين في هذا العصر لأسباب أهمها:
١_ ضعف الثقافة الإسلامية لديهم.
٢_ طغيان الثقافة الأجنبية على المجتمع الإسلامي.
٣- ضعف الوازع الديني والميل إلى التفلت من أحكامه وتكاليفه.
стр. 2450
٤_ عدم وجود الدولة الإسلامية التي تمثل الإسلام وتحميه من أعدائه أينما كانوا من الأرض، وصار بعض هؤلاء الشباب المخدوعين إذا ناقشته في قضية إسلامية واستشهدت على ما تقول بحديث من أحاديث الرسول الصحيحة، ضحك مستهزئا وقال: ليس الحديث حجة في إثبات الأحكام، فهل عندك نص من القرآن على ما تقول؟! ...
وهذا في الحقيقة -ولو لم ينتشر- خطير جدا إن لم يتدارك، لأنه لو انتشر- لا سمح الله- فإن معناه هدم كثير من أحكام الإسلام التي مستندها السنة والأحاديث الصحيحة.
والأدهى من ذلك كله أن يكون هذا الهدم الرهيب باسم النقاش العلمي، وباسم الدين وباسم الفهم الصحيح له عن دليل يقيني كما يزعمون، ولو كان هذا الهدم باسم التفلت العلني الصريح من أحكام الإسلام لكان الأمر أهون.
لأجل هذا سنعرض بعض الأدلة من القرآن والسنة وإجماع المسلمين والمعقول على وجوب العمل بالسنة، وأن ترك العمل بها ضلال مبين، كما سنعرض الشبهات التي أثارها المغرضون قديما وحديثا، من المستشرقين والمتأثرين بهم من تلامذتهم وصنائعهم الذين يرددون ما يقول أسيادهم، ثم ندحض هذه الشبهات واحدة واحدة بالإجمال لعدم اتساع المقام.
أما الأدلة على حجية السنة من القرآن الكريم فكثيرة، وقد ساقها علماء أصول الفقه في أول بحثهم في الأصل الثاني من أصول التشريع ألا وهو السنة، فمن هذه الآيات ما يلي:
١_ ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ .
٢_ ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ .
٣_ ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ .
стр. 2451
٤_ ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾ .
٥_ ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ .
٦_ ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ .
٧_ ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ .
وأما الأدلة من السنة فكثيرة جدا، وقد عقد الخطيب البغدادي في كتابه المشهور ((الكفاية في علم الرواية)) بابا استهل به كتابه فقال: ((باب ما جاء في التسوية بين حكم كتاب الله تعالى وحكم سنة رسول الله ﷺ في وجوب العمل ولزوم التكليف)) ثم ساق نصوصا كثيرة من السنة لدعم هذا العنوان نجتزئ منها ما يلي:
стр. 2452
ساق الخطيب بأسانيد متعددة عن المقدام بن معديكرب أنه سمع رسول الله ﷺ حرّم أشياء يوم خيبر ثم قال: "يوشك رجل متكئ على أريكته يحدّث بحديثي فيقول بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه وإن ما حرّم رسول الله ﷺ مثل ما حرّم الله "، وأخرج هذا الحديث بألفاظ متقاربة أبو داود والترمذي والدارمي والإمام أحمد، وزاد أبو داود "ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه"، وساق بسنده إلى أبي رافع أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول لا ندري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه" وفي رواية عن أبي رافع أيضا بلفظ: "عندنا كتاب الله ليس هذا فيه"، وبسنده إلى جابر بن عبد الله أنه قال: قال رسول الله ﷺ : ""لعل أحدكم أن يأتيه حديث من حديثي وهو متكئ على أريكته فيقول: دعونا من هذا، ما وجدنا في كتاب الله اتبعنا"، وبسنده إلى ابن عباس ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "ما بال أصحاب الحشايا يكذبونني عسى أحدكم يتكئ على فراشه يأكل مما أفاء الله عليه، فيؤتى يحدّث عني الأحاديث يقول: لا أرب لي فيها، عندنا كتاب الله، ما نهاكم عنه فانتهوا، وما أمركم به فاتبعوه".
وكأني برسول الله ﷺ وقد أطلعه الله على ما سيكون في المستقبل يوجه قوله هذا إلى ما يدّعون أنهم أهل القرآن أو ((القرآنيون)) الذين لا يأخذون إلا بالقرآن الكريم، ولا يحتجون بالسنة ولا يعملون بالأحاديث، وقد ظهر منهم الآن ناس في بعض أصقاع من الهند، وردد أفكارهم بعض الزائفين في مصر، لكن كانوا جميعا موضع سخرية واستخفاف من جمهور المسلمين وعلمائهم ولله الحمد والمنة.
стр. 2453
وأما الإجماع فقد أجمع العلماء من عصر الصحابة إلى يومنا هذا بأن السنة هي الأصل الثاني من أصول التشريع، وأنها حجة في إثبات الأحكام تبعا للقرآن، واستقلالا في بعض الأحكام.
وأما المعقول فمن المعلوم لدينا أن الله قال مخاطبا نبيه ﷺ بقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ .
إذن فالرسول ﷺ مكلف ببيان المراد من الآيات المنزلة، وبيان كيفية تطبيقها على الحوادث، ولأجل هذا كان الصحابة يرجعون إليه في فهم كل ما أشكل عليهم فهمه، ويستفتونه فيما يقع لهم من الحوادث، فيبين لهم النبي ﵇ ما أشكل عليهم.
فعلى سبيل المثال نزلت آية الصيام ولم يذكر فيها حكم الأكل والشرب بطريق النسيان، فاستشكل بعض الصحابة الذين وقعوا في هذا، فجاء إلى رسول الله ﷺ الذي كلفه ربه بالبيان، فقال يا رسول الله أكلت ناسيا وأنا صائم، فأفتاه النبي ﷺ بأن صومه صحيح، وقال له: "تمّ على صومك فإنما أطعمك ربك وأسقاك".
وذلك لأن الخطأ والنسيان معفو عنهما، واستنبط الرسول ذلك من قوله ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ وقوله ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ ، فهل يقال إن هذا الحديث مخالف للقرآن لأن ليس فيه أن الصوم لا يفسده الأكل بالنسيان صراحة، أو هل يقال إنه لم يكن للنبي ﵇ أن يستنبط هذا الحكم من الآية الأخرى التي لا تتعلق بالصوم؟
فلو قال قائل: نعم ليس للرسول أن يستنبط ويفتي الناس بما ليس في القرآن صراحة.
стр. 2454
نقول له: عجبا لك، إذا كان من المقرر أنه يجوز للعلماء حتى في هذا العصر أن يستنبطوا من القرآن الأحكام مع بُعْدِهم عن العصر والمحيط اللذين نزل فيهما، أفمن يجوز هذا لمن نزل عليه القرآن، وأمر بتبيينه مع أنه أفصح أهل اللسان.
ولا يخفى على أحد أن كل الناس ليسوا سواء في الاستعداد والفهم وصفاء الذهن، ولذلك نرى أن القرآن الكريم يقرأه كل أحد، ولكنهم يختلفون في فهم معانيه، فالعالم يفهم منه ما لا يفهمه الجاهل، والعلماء أيضا متفاوتون في الفهم والعلم، وقد أمرنا الله تعالى بالرجوع إلى العلماء بقوله: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ وبيّن اختلاف الناس في درجات الفهم بقوله: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ .
إذا سلمنا هذين الأمرين، وهو أن الرسول مكلف ببيان القرآن، وأن الناس متفاوتون في الفهم، إذًا فمن أحق ببيان وإيضاح معاني القرآن، والتطبيق العملي لآياته؟ الحق أنه لا يوجد أحق من الرسول ﷺ بهذا البيان، هذا البيان الذي سلمنا أن الرسول هو أحق الناس به، هو ما يسمى بالسنة أو الحديث النبوي الشريف، وهذا البيان من الرسول ﷺ يوحى من الله تعالى كما مرّ في الحديث "ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه" فالرسول أوتي القرآن وبيانه وهو السنة.
стр. 2455
على أن الأحكام المستمدة من السنة مأخوذة في الحقيقة من القرآن الكريم وتوجيهه العام، ومستقاة من أصوله، ومستوحاة من أهدافه، إذ إنها إما تخصيص لعمومه، أو مفسرة لمجمله، أو مقيدة لمطلقه، أو شارحة لكيفية تطبيق بعض أحكامه، وهذا ما فهمه الصحابة وعلموه وهو أن السنة وأحكامها تعتبر مأخوذة من القرآن الكريم، لأن الله تعالى قد أحال المسلمين في بعض نصوصه إلى السنة، وقصة المرأة الأسدية مع عبد الله بن مسعود في لعن الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة والنامصة والمتنمصة حينما قالت: لقد قرأت ما بين دفتي المصحف فلم أجد اللعن فيه، قال: أما إنك لو قرأت لوجدتيه، ألم تقرأي قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ، فالأخذ بالسنة في الواقع أخذ بالقرآن، لأن القرآن أحالنا عليها في بعض الأحكام، كما أن السنة هي التاريخ التطبيقي للقرآن، فالجهل بها جهل لكيفية تطبيق القرآن، كما أنها المصدر الوحيد لمعرفة سبب النزول، ومعرفة ناسخ القرآن ومنسوخه، وهذه أمور ضرورية جدا لتحديد معنى النص القرآني في كثير من الآيات.
ولنضرب أمثلة حية من أحكام السنة المخصصة لعموم محمكم القرآن أو المفسرة لمجمله:
١_ قال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ .
следующие страницы →