Полный текст (23 804 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.
стр. 2381
الإعجاز النفسي في القرآن
بقلم الشيخ إبراهيم الحنفي الناغي
من علماء الأزهر
لقد صور القرآن ألوانا من الخوالج النفسانية والعواطف البشرية كالحقد والغيرة والحسد والوسوسة. ولقد تميزت النماذج البشرية التي وصفها القرآن بأنها حية متحركة دقيقة الملامح والقسمات صادقة الدلالة قوية الإيحاء. مرتبطة أشد الارتباط بالمجتمع الإسلامي.
وأن نرى في هذه النماذج القرآنية صورا لأشخاص أو جماعات تعيش معنا على أرض الواقع كما أن هذه النماذج ترينا الإنسان نفسية مجردة واضحة عند تعرضه لتحليل المشكلات والأزمات والمعوقات التي تعترض مسيرة الإنسان. وهو يقطع شوطه الخالد على درب الحياة وهي نفسية لا تختلف كثيرا من عصر إلى عصر لأن جوهرها واحد.
إننا لو دققنا النظر فيما يتعلق بالجانب النفسي في القرآن نجد أن الإسلام قد أقر جميع العواطف الإنسانية من حب وكره ورجاء وخوف ورحمة وقسوة إلى آخرها ثم وجهها بدقة دقيقة وإحكام محكم في الوضع الصحيح لها.
فإذا ضربنا مثلا لعاطفة الإحساس بالحسن والجمال - نجد في قوله ﷺ : "إن الله جميل يحب الجمال" [١] معنى جامعا وإذا نصح الإسلام الإنسان بأن يكون ذا إدراك للجمال في نفسه فمعنى ذلك أنه لا يقصد العناية بجمال الخلق وحده ويحثه على أن يحتفظ بنظافة ثوبه وبدنه وفمه عند الاجتماع واللقاء ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [٢] . ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [٣] .
стр. 2382
لا يعني الإسلام بذلك جمال الخلق وحده فحسب. وإنما يعني قبل ذلك جمال التخلق. وجمال النفس وجمال التخلق في أن يتعود الإنسان عادات لا تؤديه هو. وبالتالي لا يصل إيذاؤها إلى غيره. فإذا نهى عن المنكر. ونهى عن الفحشاء. ونهى عن شرب الخمر ولعب الميسر ونهى عن أكل الميتة والدم فإذا نهى عن ذلك كله وأمثاله. فإنما نهى عنه ليصبح الإنسان مع نفسه في وحدة وفي ترابط قلما يستشعر الندم أو يستشعر السخط على نفسه أو قلما يعود على نفسه وهو حزين لأنه فعل كذا دون كذا. أو لأنه أساء وأوصل الإيذاء إلى الغير دون أن يحس. ودون أن يصل مع هذا الغير ما يريح النفس ويطمئن البال.
القرآن الكريم قد راعى قواعد نفسية عن مظاهر الاعتقاد ومسارب الانفعال ونواحي التأثير وأثار من هذا ما أيَّد به حجته وأظهر دعوته، وهو في ذلك يساير من شئون النفس الإنسانية ويتغلغل في شعابها وجوانبها مما لم يهتد إليه العلم إلا حديثا.
انظر للإسلام ودقق البصر كرات وكرات عندما ينصح الإنسان في معاملته للغير وفي معاشرته للأسرة أن يرعى حدود الروابط الإنسانية. وأن يتبادل مع هذا الغير الشعور الإنساني الكريم، وأن يكظم الغيظ إذا ما بدرت من هذا الغير بادرة تثير نفسه وأن يعفو عن الغير. إذا ما أخطأ في حقه على نحو ما يقول القرآن الكريم: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [٤] .
стр. 2383
وإنما يعني الإسلام بذلك أن يكون هناك تجاوب إنساني نبيل تستريح إليه النفوس وترضى عنه ومن أجل ذلك تهش في الداخل قبل أن تتبسط أسارير الوجه في الخارج عند اللقاء أو عند الحديث أو عند المشاركة في عمل ما. فليس تجاوب النفوس أو رضاها وسرورها عند اللقاء أو عند الحديث أو عند المشاركة في عمل ما إلا ظاهرة تعبر عن الإدراك النفسي الخفي لجمال الألفة وعاطفة الإنسانية والأخوة. وهذا المثل لعاطفة الإحساس بالحسن والجمال إنما هو ذرة من المحيط القرآني في مجال التفسير النفسي. وإذا قيل الجمال فهو جمال السلوك وجمال القول. وجمال الصنع وجمال الإنسانية في الإنسان الآخر وجمال العلاقات مع الغير. وجمال الطبيعة والاحتفاظ به.
وإذا ضربنا مثلا لعاطفة الحب. نجد أن الإسلام أقرها ولكن جعلها لله أولا ثم لرسوله ثم للصالحين من بعده على نحو ما جاء في القرآن الكريم: ﴿يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [٥] وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ [٦] .
وكذلك أقر الإسلام الحب للصالحين من الناس لأن محبوب المحبوب محبوب.
لقد كان مشهدا عظيما ذلك الحب حب أمير الأنبياء محمد ﷺ لزيد بن حارثة.
لقد أهدى حكيم بن حزام إلى خديجة زيد بن حارثة بعد أن وقع في الأسر وأهدته خديجة إلى السيد الجليل محمد زوجها وأمير الأنبياء جميعها.
وعلم أبو زيد وعمه أنه مملوك لمحمد وأنه جالس في الحرم المكي وجيء بزيد بين السيد الجليل محمد وبين أبيه فقال الرسول: "ما هذان"قال: "هذا أبي وهذا عمي" فقال صلوات الله عليه موجها حديثه إلى زيد: "أتختارني أم تختارهم؟ "فقال: "أنت مولاي وحبيبي ولا أختار أحدا أبدا".
стр. 2384
وتفتحت عينا أسامة بن زيد بن حارثة. طفلا على أكرم مثل للقدوة الحسنة ممثلة في الرسول العظيم. وتفتحت عيناه على أكرم مثل للود المتبادل من أمير الأنبياء محمد وأبيه زيد بن حارثة، وأصبح الشاب يافعا توجه إلى فلسطين بعد انتقال الرسول العظيم إلى الرفيق الأعلى وفي خلافة أبي بكر. وكانت سنه ثمانية عشر عاما.
وعندما تولى عمر الخلافة كان يعطي ابنه من مغانم الحرب ثلاثة آلاف درهم ويعطي أسامة خمسة آلاف درهم. ويقول لابنه عندما استكثر هذا على أسامة: "إن أسامة كان أحب إلى رسول الله منك وأبوه أحب إلى رسول الله من أبيك"وهكذا تكون درجات السمو في حب الأنبياء والصالحين. صورها لنا الإسلام في دقة دقيقة.
وإذا أخذنا عاطفة الرحمة والشدة وجدنا أنه شرع الرحمة أسلوبا لمعاملة المؤمنين بعضهم بعضا والقسوة أسلوبا لمعاملة المؤمنين للكفار والمنافقين، فيقول تعالى في وصفه للمؤمنين: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [٧] .
يقول علماء النفس إن عقدة النقص أو مركب النقص كما يسمونه أحيانا هو الشعور بالنقص في ناحية من النواحي التي يحاول الشخص بطريقة لا شعورية أن يعوضها.
فمن منا لا يحاول من حيث لا يشعر أن يصرف الناس عن النواحي التي يشعر أنه أقل من غيره فيها ذلك أن كل شخص يشعر بتفوقه في ناحية من النواحي يحاول بطريقة لا شعورية أن يقنع العالم أن هذا هو الشيء الوحيد الذي يهم.
فإذا لم يكن أخذ نصيبه من التربية ولكنه عصامي الثروة. لم تكن للتربية فائدة في نظره وقال: "إن التعليم لم ينجح إلا في إفساد الناس".
وإذا كان العكس، وكان الرجل قد أخذ بنصيبه من التربية ولكنه لم ينجح في الحياة فإنه لا يترك فرصة تسنح دون أن يقلل من قيمة النجاح في الأعمال. والمصاب بهذه العقدة إذا كان ذا روح عدائية فقد يحاول قهر الشعور بالنقص بالظهور بالسيطرة والغطرسة والمكابرة.
стр. 2385
فالتظاهر بالكمال والتطور ليس إلا انعكاسا للشعور بالنقص.
وعلى ضوء هذا الجانب النفسي نفهم سرَّ قوله تعالى في وصفه المنافقين: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ فالمنافق يعيب ويستهزىء بالمؤمن ليخفي ما في نفسه من مركب النقص ويقهر الشعور بالضعف والقصور.
لذلك نرى الإسلام عانى في المدينة من مكايد النفاق وأهله أكثر مما شقي بالشرك وحزبه لأن أمر الشرك واضح أما النفاق فمن خصائصه التلوُّن بأشكال مختلفة من الدهاء والمكر والخديعة. لقد كانوا يتظاهرون بالإيمان والغيرة على الإسلام ويصلون خلف الرسول وحقيقة الأمر أنهم لا يؤمنون بمحمد ولا بتعاليمه.
وعندما نقرأ في التفاسير المختلفة نراها تُجْمِع على أن ظاهرة النفاق كانت بالمدينة وبعد الهجرة وأن المنافقين كان لهم تخطيط مدروس وتنظيم دقيق وتحالف ومعاهدات مع غيرهم من الفئات المنحرفة كاليهود وأحزابهم وكانت لهم قيادات "مركزية"للتخطيط والتنفيذ.
روى ابن كثير قال: "يقول السدي: معنى شياطينهم سادتهم وكبراؤهم ورؤساؤهم من أحبار اليهود ورؤوس المشركين وأصحاب الرأي فيهم". إنها فئات حاقدة تعمل عمل الشيطان في الإغواء. إنها قوى مضادة للإسلام تجمعها الأهداف والمصالح المشتركة. إن هذه القاعدة العريضة تخطط للتظليل تخطيطا محكما تعتمد على التكتم والحذر والسرية بدليل قوله: ﴿خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِم﴾ والاختلاء هو الاجتماع السري وإذا كان مع الشياطين فهو اختلاء مشبوه محموم مجرم خطير يجب الحذر منه وتعريَّته وكشفه أمام الجماهير الإسلامية.
стр. 2386
ثم تصفهم الآية بلون من "خداع الرأي"في أنفسهم فهؤلاء تخدعهم آراؤهم في أنفسهم وتصور لهم الباطل حقا وهذا ما يسميه علم النفس الحديث بالاستهواء وهو تأثير امرئ في معتقدات آخر وسلوكه "أو في معتقداته وسلوكه هو"وهذا ما يسمى بالإيحاء الذاتي وأساس الاستهواء هو أن الأصل في كل فكرة تخطر بالبال لا تبقى مجرد صورة قائمة في الذهن بل تتحول إلى اعتقاد أو عمل بطريقة لا شعورية لا تعرف عنها شيئا يذكر ورأي الإنسان في نفسه إذا كان خاطئا قاده إلى أسوأ مصير؛ أي أن هؤلاء مخدوعون في رأيهم مغرورون في ذكائهم يظنون بأنفسهم الذكاء وهم أغبياء، يتوهمون - وبإيحاء من قرارة نفوسهم - أنهم قادرون على خداع الرأي العام وتظليله، بينما جماعة المؤمنين تعرفهم وتكشف سوء طويتهم وتفهم كل تحركاتهم ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ﴾ [٨] .
ثم تستطرد الآيات فتصف النفسية وتأصِّل العلة فيها ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً﴾ والتعبير بكلمة مرض يوحي بتأصُّل العلة واستحكامها وأنها غدت آفات ثابتة يعز علاجها على الطب ويصعب تغييرها في المجتمع وكما توحي بتأصيل الخداع توحي كذلك بالنفور والفرار من أصحابها لأن علَّة القلب إذا كانت حسيَّة كانت منفرة فكيف إذا كانت معنوية!. كما باحتمال العدوى فإن من خالط المريض انتقلت إليه العدوى. وتوحي بالضعف لأن المريض لا يحتمل مقاومة وبخاصة إذا كان المرض قلبيا وكذلك هؤلاء ضعفاء مهازيل.
ولذا يستترون في كل الظروف ومرض القلب باطني وكذلك آفات هؤلاء مخبوءة ومرض القلب يحس صاحبه بالآلام المبرحة.. وهؤلاء كذلك يستشعرون الألم الممض إذا جلسوا إلى أنفسهم. وليس هناك أنكى من وخز الضمير فالشرير مهما سار في شره يظل دائما معذَّبا بنزعة الخير في داخله [٩] .
стр. 2387
ولو حاولنا التذوق في تحليلنا للصور القرآنية لأعطانا التصور الدقيق كثيرا من إيحاءات اللفظ ومقدرته على العطاء. لذلك كانت حكمة الله لنا في الإسلام أن جاء مناسبا لكل زمان ومكان فجاء القرآن الكريم أحكاما عامة تتفق ومقتضيات الظروف والأحوال، مؤكدا كياسة المؤمن وفطنته وحسن تقديره لما يحيط به من ظروف وأحوال، إن ألفاظ القرآن الكريم لها القدرة على إيجاد تيار دائم ومتجدد يسترشد به المؤمن في واقع حياته، ويضرب القرآن مثلا للمنافقين في أسلوب أخَّاذ تحس فيه بالنبضات الحيَّة واللمسات الاجتماعية الرائعة التي تفيد المجتمعات البشرية في مسيرة الحياة فكان ولازال وسيظل مصدر التشريع الأول منبعاً فياضاً يمد العالم كله بالتوجيه والإرشاد والتعليم. يضرب الله مثلا للمنافقين بقوله سبحانه: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [١٠] .
الصيِّب: الغيث الهاطل. والظلمات والرعد والبرق: من الظواهر الطبيعية الجويَّة التي آثرها القرآن للتوضيح والكشف وهي بسيطة مألوفة ولكنها أشدُّ أُلْفَةً في البادية حيث تأخذ الظواهر الطبيعية مداها من برق وأعاصير.
стр. 2388
في هذا المثل يعرض لنا القرآن مشهدا حيّاً يرمز به إلى الحالة النفسية. هذا المشهد الكلي بما يرسمه من ألوان وما يشيع فيه من حركات وما يصحبه من أهوال وظلمات ليتفق تماما مع حياة المنافقين ويصور واقعهم النفسي وتقلُّبهم بين الكفر والإيمان والهدى والظلال، وارتباطهم العضوي بشياطينهم وخداعهم لجماعة المؤمنين ويصور التناقض بين ما تقول ألسنتهم وما تضمر قلوبهم والاضطراب في حركاتهم متمثلا في التجائهم إلى النور ثم رجوعهم إلى الكفر ويا ليتهم يثبتون في منطقة ضوء الإيمان إذن لسعدوا بحلاوة اليقين، ولكن هذا التقلب المؤسف بين ظلمات الكفر وأنوار الإيمان هو الذي قادهم إلى مصيرهم الفاجع الأليم.
إنه تصوير كلي رائع ينطوي - بلغة العصر الحديث - على الحياة والحس والحركة واللون وينسجم تماما مع أجواء النفاق ومظاهره المتقلبة المضطربة ويصف عالمهم الباطني والنفسي الذي يبلغ من الحيرة والتردد والروع والفزع حدا يجعلهم يضعون الأصابع في الآذان.
دقق البصر في قوله سبحانه: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾ أليس هذا الوصف تعبيرا عن الأطماع التي تحركهم فهم يمشون كلما برقت لهم آمال مصالحهم، ويسيرون كلما لاحت أمامهم فرصة، فإذا انقطع المطمع وأظلمت الآفاق في وجوههم جلسوا متربصين.
أي أن هذه الفئات نفعية تقودها مصالحها وشهواتها فإذا لاحت في الأفق فرصة انتهزوها وهكذا يعيشون في جو مطامعهم المتقلبة ومن هنا وجب الحذر منهم وقطع السبيل عليهم كلما حاولوا أن يجتذبوا منافع المجتمع إلى أنفسهم.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] هذا جزء من حديث طويل رواه مسلم عن عبد الله بن مسعود (راجع صحيح مسلم مع شرح النواوي طبع مصر جزء٢ ص ٨٨-٨٩) .
[٢] سورة الأعراف آية (٣٢)
[٣] سورة الأعراف آية (٣١)
[٤] سورة آل عمران آية (٣٤)
стр. 2389
[٥] سورة المائدة آية (٥٤)
[٦] سورة البقرة آية (١٦٥)
[٧] سورة الفتح آية (٢٩)
[٨] سورة البقرة (٩)
[٩] ولكن اعتياد المرء الخطيئة يطفئ شعلة الخير في قلبه حتى تحيط به خطيئته فلا يحس بها وإلى هذا يشير القرآن الكريم ﴿بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون﴾ . (المجلة)
[١٠] سورة البقرة آية (١٩)
стр. 2390
التشريع الإسلامي تشريع للعزة والكرامة
بقلم الشيخ محمد الخضراوي
المدرس في كلية الدين الدعوة وأصول بالجامعة الإسلامية
قضت الفطرة ألا ينهض الفرد وحده بشئون نفسه ومتطلبات حياته، فهو مدني بطبعه محتاج إلى معاونة بني جنسه، في إدراك مآربه، وتكميل أسباب حياته مما تقصر عنه يده، ولا تتسع له مداركه، ولا تحتمله قواه، وبهذا كانت الحياة الإنسانية حياة جماعة، يسد كل فرد منها ثغرة في بناء المجتمع الذي يعيش ويحيا فيه لتنتظم من مجهودات الجميع عيشة هنيئة راضية.
وقد جبلت النفوس على الأثرة وأشربت حب الذات، فكل امرئ ينبغي أن يستوفي كل حوائجه، ويحرز أكبر نصيب من طيبات الحياة ولذاتها ولو على حساب الآخرين.
والناس متباينون ميولا، ومختلفون في النزاعات بحكم عوامل البيئة والوراثة فلو ترك الناس وشأنهم في مناحي الحياة يستبد كل برأيه ويتبع شهواته، لتعارضت الميول، وتشعبت بهم سبل الحياة، وعميت عليهم وجهة الحق والخير، وساروا في جنبات مظلمة، لايلوي فرد على فرد، ولا تعطف جماعة على جماعة، فتكون الحياة والحالة هذه حياة بهيمية مضطربة ناقصة لا هناء فيها ولا استقرار، حياة شيطانية متمردة، يموت فيها الحق ويحيا الباطل، وتنعدم المساواة فيما تجب فيه المساواة، فلا عدل إلا ما كان وسيلة إلى نفع ذاتي، ولا خير إلا فيما وافق الهوى، وفي هذا انتقاض على الفطرة، التي ربطت الناس في مضمار الحياة، وقطع لوشائج الإنسانية التي أحكم الله صنعها مذ خلق الله الناس من ذكر وأنثى، وجعلهم شعوبا وقبائل ليتعارفوا (٤٩:١٣) ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ .
стр. 2391
وقد طبع الله الجماعة البشرية منذ القدم على الشعور بحاجتها إلى ما يلم شعثها، ويرفه عليها حياتها. وقد جرت سنة الله في خلقه منذ عمرت بهم الأرض أن يشرع لهم الشرائع عند مسيس الحاجة إليها، ويبعث فيهم رسلا من أنفسهم يقيمون معالم الحق والخير (٤:١٦٥) ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾
وقد غشيت العالم قبل الإسلام سحابة كثيفة من الشرك، وانحدر الناس إلى الأعماق، وحل المنكر محل المعروف، وقبض أهل الرذيلة على ناصية الأمم حتى نفر الناس من مقامهم على هذه الفوضى، وأحسوا بالحاجة إلى رسول ينقذهم من ظلمات الجهل، وينتشلهم من مهاوي الرذيلة، ويسمو بهم إلى مراقي العز والكرامة والفضيلة، فكانت بعثة محمد ﷺ هاديا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، اختاره لتبليغ الرسالة بعد أن بلغت الإنسانية من التطور ونضوج الفكر حدا لائقا، واستعدت النفوس لكامل الهداية، فبعثه بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيدا.
وقد كان من تمام نعمة الله على عباده، ومن مظاهر حكمته في خلقه بعد أن تخطى العقل البشري دور الطفولة، وتهيأ الفكر للتدرج في مراقي الحياة، أن تكون الشريعة الإسلامية التي يختم بها شرائعه شريعة محكمة الأساس، وطيدة البنيان، كاملة النظام، سامية الأغراض، وافية بحاجات الأفراد والجماعات، عادلة من غير إفراط، وسهلة بلا تفريط أبدية، صالحة لكل زمان ومكان، محببة إلى النفوس، كاشفة عن نواحي الخير، فلا غرور إن كانت شريعة العزة والكرامة.
стр. 2392
ويكفينا في تعرف أسرار تلك الشريعة الغراء أن البحث في تعاليمها يرشدنا بلا شك، ومن غير جهد إلى أنها أتت بما لم تأت به الشرائع السابقة من أحكام متسعة لكل ما تتطلبه الحياة الكريمة من سماحة وكرامة وعزة دعت إلى احترام العقول، وإلى التفكير في الكون وأسراره (٨٧:٢٠،١٧) ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ
وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ ، (٣:١٩٠) ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآياتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ﴾ ، (٦:١٢) ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ﴾ الآية، (٦:٩٨،٩٧،٩٦،٩٥) ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ
стр. 2393
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ ، (٦:١٠٣،١٠٢) ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ ، (٤٥:١٣،١٢،٦،٥،٤،٣) ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ
وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ . ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾
وفي النظم الاجتماعية دعا إلى المساواة بين الناس، وألا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى، وحفظ لكل نصيبه من الحرية راغبا في الحياة المهذبة المشبعة بروح الاعتداد بالنفس مع مراعاة حرمة الآخرين وحقوقهم.
стр. 2394
انظر إليه تجده يرافق الإنسان في كل أدوار حياته منظما له عامة شؤونه ليكوِّن من الأفراد الناشئين على نهجه جماعة ناضجة تمثل الإنسانية الكاملة، ثم يعرج بعد عنايته بالفرد إلى الروابط الاجتماعية وما يكون بين المرء وأخيه من صلات النسب أو التعامل أو القومية، فلا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها وأثبت حكمها وحاطها بسياج من النظام المحكم.. فهاهو ذا يعلِّم الإنسان كيف يتصل بربه عن طريق العبادات المشروعة على أوجه رسمها له، ويتقيه حيثما كان، وينيب إليه في سره وجهره، وكيف يراقب نفسه في دخيلة نفسه، فلا يضطغن على أحد، ولا يعتزم شرا يأتي به، ولا يتبع ظنا يهجس به خياله ويعلمه كيف يشعر بواجبه ويحرص على حقه، ويحثه على أن يبتغي فيما أتاه الله الدار الآخرة، ولا ينسى نصيبه من الدنيا (٢٨:٧٧) ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْك﴾ الآية.
ثم ينتقل بالمرء إلى الحياة المنزلية، فيرسم له كيف يستبيح المرأة بالعقد المشروع والصداق المستحق، ويبين لكل من الزوجين ماله وما عليه نحو الآخر، وما يتعلق بالصلة بينهما من الإخلاص والمحبة، والوفاء والمودة، وكيف تكون العشرة بالمعروف، وما يترتب على التضامن الزوجي نحو الأبناء من تربية وصيانة ورعاية فيشبون ويترعرعون في ظل الهناء والسعادة.
стр. 2395
ويحوط الأسرة بما يحفظ عليها كيانها وكرامتها، فيضع نظام الحجاب والاستئذان في دخول البيت، ويمنع اختلاط غير المحارم ومن في حكمهم ليظل رباط الزوجية وثيقا، وجوّها صافيا مما يكدره، أو يتسرب إليه من ظنون (٢٧إلى٢٤:٣١) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَداً فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ، لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ
، قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ، وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الأِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ .
стр. 2396
وكما وضح طريق الاجتماع رسم طريق الفراق بينهما حينما يستبد النزاع، ويستحكم الخلاف، وتكون حياتهما معا مثار خلاف وشقاق، ومدعاة لتعدي حدود الله (٢:٢٣٠،٢٢٩) ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلا أَنْ يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ .
стр. 2397
ثم يخطو بعد ذلك بالزوجين إلى ما وراء حدود هذه العشرة في الحياة أو بعد الممات، فيثبت حق كل واحد منهما في مال الآخر من نفقة للزوجة أو سكنى أو ميراث لأحدهما (٦٤:٧،٦،١) ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً﴾ ، ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً﴾ ، (٤:١٢) ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ الآية.
стр. 2398
كما نظم العلاقة بين الأب وابنه وبين الأبناء بعضهم مع بعض (١٧:٢٤،٢٣) ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً
وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾ وقوله ﷺ : "حق كبير الإخوة على صغيرهم كحق الوالد على ولده" وما يتصل بهذا كله مما يعرف بالأحوال الشخصية.
ويتدرج مع المرء فيضع له طريق التعامل السليم مع الآخرين مبينا وسائل الكسب المشروع وطريق الحصول على المال بالبيع والشراء أو الإجارة أو القرض أو الإحياء "من أحيا أرضا ميتة فهي له" وما إلى ذلك مما ينتظم في باب المعاملات، أو ما يسمى في العرف بالقانون المدني، والقانون التجاري.
ويتعهد هذه التعاليم بالحراسة فيقيم سلطان القضاء لفصل الخصومات بين الناس، ويعتد بالشهادات والإقرارات، وما يكون لأحد المتداعيين أو لهما من الحجة والبرهان لتستقر الأمور في نصابها الصحيح، ويسود العدل والإنصاف، فلا تسلط ولا طغيان، ويدعم كل ذلك بإرشاداته، فيعلمهم أن من غش المسلمين ليس منهم، وأن الدين النصيحة، وأن من رأى منكرا فليغيره ما استطاع، لئلا يكونوا مثل بني إسرائيل من أنهم كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، قال ﷺ : "من غشنا فليس منا". وقال: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" وقال: "لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلِّطن الله عليكم شراركم فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم" وقال: "الدين النصيحة، قلنا لمن يا رسول الله، قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم".
стр. 2399
ويطلب إليهم الوفاء بالعقود، وأن يحترموا ما بينهم من شروط (٤:١) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ الآية، وقال: (٦:١٥٢) ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون﴾ وقال ﷺ : "المؤمنون على شروطهم إلا شرطا حرم حلالا أو أحل حراما".
وينهاهم عن التقرب إلى الحكام بالرشا ليتمكنوا من الحصول على غير حقهم، قال ﷺ : "لعن الله الراشي والمرتشي" ويحذرهم الكذب والخيانة والخلف والخداع لئلا يكونوا من المنافقين، قال ﷺ : "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان".
ثم يعلمهم كيف يحسن الجار إلى جاره، ويعطف القريب على قريبه خاصة وعلى اليتامى والمساكين عامة قال تعالى (٣٦: ٤) : ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ الآية. وكيف يسير الحاكم مع المحكوم والرئيس مع المرؤوس، وكيف يكون الجميع إخوانا متآزرين متحابين، كي لا تتفرق كلمتهم، وتضعف شوكتهم، ويستهين بهم عدوهم، ويذهب سلطانهم أدراج الرياح. قال تعالى: (٣:١٠٣) ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ الآية، وقال: (٣:١٠٥) ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ .
стр. 2400
ولم تغفل الشريعة الإسلامية علاقة المسلمين بغير المسلمين، بل نظمتها، ورسمت لنا على أي وجه يكون الاتصال بهم في الزواج، أو العشرة بالصحبة، أو الحكومة، وكيف نتقي صولة العدو منهم، ونعد العدة لدرء عادياتهم علينا ونحارب من يحاول العدوان على بيضة الإسلام، مع احترامنا لكل ما نعطيهم من عهد وميثاق على نحو يصون كرامة المسلمين.
ولما يعلمه الله من اختلاف طبائع الناس وتباين ميولهم وأهوائهم، فمنهم التقي الصالح والخيِّر الراشد الذي يقف عند حدود الشرع والأخلاق، يمتثل أوامر الله، ويجتنب نواهيه، يصدع بالحق ويأمر بالخير، وفيهم الفاجر الفاسق، والمستهتر المتمرد، الذي لا يثنيه عن الغي إلا أن يرى العذاب رأي العين، ويذوق مرارة الآلام الجسمانية، وضع زواجر وحدود مادية، يقوم بتنفيذها أولو الأمر من المسلمين، ليكف الأشرار عن طغيانهم، ويسلس قياد العصي منهم، فتمتنع أو تقل الجرائم والجنايات، وتظل حدود الله مصونة من العبث، ويتوفر للناس الأمن والطمأنينة على أنفسهم وأعراضهم، وأموالهم، ويسود النظام فيما بينهم، ويتفرغ كل بما نيط به من أعمال تساهم في عمارة الكون، ويسد فراغه في بناء المجتمع الإنساني بنفس آمنة مطمئنة، فقضى على الذين يقطعون الطرق، ويهددون الأمن ويحاربون الله ورسوله بأن تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، أو يقتَّلوا أو يصلَّبوا أو ينفوا من الأرض على النحو المبين في الفقه، وقطع يد السارق والسارقة، وجلد القاذف ثمانين وأهدر شهادته، والزانية والزاني مائة جلدة، إن كانا غير محصنين، ورجمهما إن كانا محصنين، واقتص من القاتل العامد جزاء وفاقا.
стр. 2401
قال تعالى: (٥:٣٣) ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ .
وقال: (٥:٣٨) ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ .
وقال: (٢٤:٤،٢) ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ورجم ماعزا والغامدية، وقد كان فيما يتلى "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم".
ولم يجعل للولاة مطلق التحكّم في الناس، بل قيّد سلطانهم، وحذّرهم أن يتعدوا حدود ما بيّن لهم الكتاب والسنة من الحق في ولاية الأمر، وتنفيذ ما عهد به إليهم، أو أذن لهم أن يقوموا به في حدود طاعة الله.
стр. 2402
ولم يترك الناس وشأنهم في الأخذ بتلك الأحكام، بل رتب عليها من أنواع الجزاء ما يحملهم على الانقياد وأشعرهم بوعده ووعيده، وأنه من ورائهم محيط، وأنهم جميعا في قبضته، من أحسن فلنفسه ومن أساء فعليها، وأنه ليس بظلام للعبيد، قال تعالى: (٤١:٤٦) ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ وقال: (١٨:٤٩) ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ .
وفتح أبواب المغفرة أمام العاصين التائبين، فقال: (٣٩:٥٣) ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ .
وقال: (٢٥:٧٠،٦٩،٦٨) ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ .
ذلك هو المنهج الواضح الذي رسمته الشريعة الإسلامية في كل ناحية من نواحي الحياة الفردية والاجتماعية فهي لم تدع في المرء عوجا إلا قومته، ولا في نظام الجماعة ثغرة إلا أحكمتها وذلك هو كل ما يتأتى للناس أن يتمنوه، أو يطمعوا فيه من إنصاف وإصلاح، وهل هناك سبيل للعمل الدنيوي خير مما رسم الله لعباده، وهو أعلم بحاجاتهم من أنفسهم، وأرحم بهم من أمهاتهم؟ وهل هناك مطمع يتعلق به الرجاء أعز مما أعده لعباده المتقين؟ ذلكم هو الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه، وتلك هي العزة والكرامة، ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين.
стр. 2403
المسؤولية في الإسلام
بقلم الشيخ عبد الله قادري
المدرس بالمعهد الثانوي بالجامعة
الابتعاث إلى البلاد الأجنبية:
إن أول مضرَّة تلحق الطالب في الخارج، هي انطلاقه من كل ما كان يحجزه عن تنفيذ رغبات نفسه الحيوانية في بلاده من حياء من أسرته وأقاربه وأهل بلده فقد يذهب في إشباع غريزته كل مذهب.
ثم تيسر سبل الفساد المتعددة في أي مكان نزل وإلى أي محل انتقل، ولو لم ينله إلا إسكان مع عائلة خاصة، فيها البالغات والمراهقات اللاتي يختلط بهن في أغلب الأوقات، لكفى فساداً.
ضياع وقته في أماكن اللهو والفجور. ترك الشعائر التعبدية، من صلاة وصيام وغيرهما.
تشكُّكه في دينه لكثرة ما يعرض عليه من الشبه التي يلقيها مدرسوه والتهم التي يلصقونها بدينه الذي يجهله.
تشبعه بالأفكار الأجنبية المخالفة لصريح الإسلام واقتناعه بها أو ترجحها عنده على دينه.
تلقينه الوسائل التي تتخذ للقضاء على الدين أو إضعافه في نفوس أبنائه لينفذها عند الرجوع إلى بلاده.
وطبيعي أنه لا يقال أن كل من يُبْتَعَثُ للخارج يكون كذلك ولكنه يكون معرضاً لهذه الأمور.
مضار الابتعاث التي تعود على بلاد الطالب بعد رجوعه:
ومن يكونون فاسدين من العائدين من الدراسة في الخارج فإنهم في الغالب يعملون ما يلي:
١- إصدار قرارات رسمية تدعمه القوة بإباحة ما تشتهيه أنفسهم مما يخالف الشريعة الإسلامية.
٢- العمل على إبعاد كل العناصر التي يظهر عليها أثر التمسك بالدين، عن جميع وظائف الدولة ليخلو لهم الجو، ويفعلوا ما أرادوا.
٣- بثُّ أفكارهم في الشباب الناشئ بواسطة المدارس وأجهزة الإعلام وما شابهها حتى يصبح متنكرا لدينه.
٤- مضايقة من يهتم بأمور المسلمين وباختلاق التهم ودس المؤامرات.
стр. 2404
وبالجملة فإنهم سيعملون على أن تكون بلادهم قطعة من البلاد الأجنبية في الفساد ومن البديهي أن موت هؤلاء الفاسدين خير من ابتعاثهم إلى البلاد الأجنبية لتكون هذه هي العاقبة وما هو جارٍ في بعض البلدان العربية والإسلامية أكبر شاهد على ما قلت.
وما الحل؟
قد يقول القائل إذا كنت تعرف أننا في حاجة إلى الاستفادة من هؤلاء الكفار وأن ترك تعلُّمنا العلوم النافعة منهم يؤدِّي إلى تأخرنا كما هو الواقع ثمَّ أنت تذم بعث أبنائنا إليهم فما الحل الذي تراه للحصول على ما عند الأعداء من العلوم النافعة دون أن يتأثروا بما عندهم من فساد؟ فأقول الجواب أن لحلِّ هذه المشكلة طريقين. أحسنهما أولهما:
الأول: تأمين تعليم الشباب المسلم في بلاده بإنشاء مؤسسات مختلفة لكل العلوم التي يراد أخذها من الأعداء واستقدام مدرسين وخبراء منهم مع أخذ شروط عليهم بأن لا يزاولوا غير مهمَّاتهم في البلاد، مع إعداد المراقبين عليهم حتى لا يقع منهم اتصال مريب ومراقبين على الطلاب يشرفون عليهم ويوجهونهم ويلزمونهم بالقيام بواجبات دينهم والتمسك بالأخلاق الحسنة مع مجازاة من يحصل منه خلاف ذلك، وإذا كانت بعض المؤسسات في حاجة إلى مواد خام لا توجد في البلاد عقدت اتفاقية مع الدول التي تصدرها لاسترادها. وهذا الطريق قد يكون فيه صعوبة في أول الأمر، ولكنه ممكن وهو أحسن الطريقين وأنفعهما وقد فعله النبي ﷺ حيث جعل الكُتّاب من أسرى مشركي قريش يعلمون أولاد المسلمين في المدينة جزاء إطلاقهم من الأسر.
стр. 2405
الثاني: أن يُختار طلاب عقلاء ويربَّوْا تربية خاصة من قبل علماء متضلعين مخلصين ومطَّلعين على شبه الأعداء قادرين على الردِّ عليها، يتولون تعليم هؤلاء الطلاب وتفقيههم في الدين مدة كافية حتى يفهموا الإسلام فهماً جيِّداً، ويعرفوا الشبه، التي يوردها الأعداء والرد عليها، ويعين لكل عدد منهم مشرف ديني يبعث معهم يعتبر مراقباً وموجهاً ويكون له أهميته عند سفارة بلاده في تلك البلاد، حتى إذا رأى انحرافاً في طالب حاول توجيهه ولم يفد فيه، طلب تسفيره إلى بلاده فوراً ونفِّذ طلبه، وهذا الطريق دون الأول ولكنه نافع نسبياً.
بقي أن أشير إشارة موجزة إلى أمر مهمٍّ وهو استقدام المدرسين والخبراء الذين نحتاج إليهم لتعليم أبنائنا، يجب أن يكون استقدام هؤلاء مبنيّاً على دراسة واختيار سابقَيْن بالوسائل الممكنة بحيث تكون لجنة التعاقد لجنة مختارة معروفة بالإخلاص لدينها، والحميَّة على أبناء وطنها، وبالدهاء والذكاء اللذين يمكنانها من معرفة وجهة الشخص الذي يراد التعاقد معه، كما يجب أن يتصلوا بمن يوثق به لاستشارته وأخذ رأيه في المستقدَمين. ولقد أعجبني ما فعله أحد أعضاء بعض لجان التعاقد في بلد عربي عندما دلَّه بعض الناس على أستاذ مشهور بالعلم والكتابة والتأليف فأخذ ذلك العضو يبحث عن بعض الصحف التي يكتب فيها ذلك الأستاذ ليطلع على بعض مقالاته فعثر على ما طلبه ووجد ما دلَّه على عدم صلاح الأستاذ للمهمة فتركه، ذكرت هذا على سبيل المثال. والمخلص يلتمس المخلص. والله تعالى يعينه ومن يتَّق الله يجعل له مخرجا.
الجند وطرق العناية بهم:
стр. 2406
إن محور أمن الأمة واستقرارها أو خوفها واضطرابها هم الجند الذين بأيديهم السلاح على اختلاف أنواعه أن حملوه لحراسة البلاد وأهلها، مع حكمة وحزم وتصرف شريف كان الناس في غاية السعادة والرخاء، حيث ينصرف كل منهم إلى قضاء حوائجه والانشغال بمهامه من تجارة وصناعة وتعمير، وتعلم وتعليم، وغير ذلك من مرافق البلاد، لاطمئنان كل منهم وأمنه على نفسه وأهله وعرضه وماله، فتزدهر بذلك البلاد وتنال مرادها، من الرقي والقوَّة في كل مجالاتها وإن حملوه لإراقة الدماء ووثوب طائفة منهم على أخرى للسيطرة على أجهزة الحكم حصل بذلك ضرر عظيم من قتل للنفوس المقاتِلة والمسالِمة وسفك للدماء ونهب للأموال وتخريب البيوت، وعم الروع جميع المواطنين وتوقفت عجلة القوة المادية من زراعة وتجارة وصناعة وغيرها، والمعنوية من تعليم وتأليف وكتابة، وتفكير في المصالح العامة وبذلك تتحول البلاد إلى حمَّام من الدم ويحيق بأهلها كل أنواع البلاء من فقر ومرض وخوف وظلم، حتى يصبح من أحب الأمور إلى أغلب سكان البلاد مفارقتها إلى غيرها، ليطمئنوا على أرواحهم وأعراضهم وأموالهم. إذا عرفنا هذا علمنا أهمية العناية بجند المسلمين لنصل بهم إلى الغاية المنشودة للبلاد الإسلامية وأهلها من أمن واستقرار، وقوة مادية ومعنوية، حتى تزدهر البلاد ويقف أهلها في وجه العدو المتربص بها.
стр. 2407
لا أريد أن أتحدث عن العناية بالجند من حيث التدريب على اختلاف أنواعه مدنيا كان أو عسكرياً لأن وظيفتهم تحتم عليهم ذلك، ولأن ذلك ليس من اختصاصي، وقد سبق أن الإسلام يوجب على أهله أن يكون جنده من القوة في المستوى الذي يُرهب عدوهم كما قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ ولكل زمان قوته المناسبة له، أقول لا أريد أن أتحدث عن ذلك وإنما أريد أن أتحدث عن العناية بهم في أمور دينهم الذي يجب أن يكونوا أنصاراً له بأن يربَّوْا تربية إسلامية شاملة، وذلك بالأمور التالية:
١- تثبيت العقيدة الإسلامية في نفوسهم لكي لا يتزحزحوا عنها عندما يحاول أعداء الإسلام تشكيكهم في دينهم لأن العقيدة هي منطلق صاحبها. أي عقيدة اقتنع بها كان عمله صادراً عنها، سواء كان حقاً أم باطلاً، وحامل السلاح من أولى الناس بتثبيت العقيدة الإسلامية في نفسه لأنه سيحمل سلاحه من أجل عقيدته، وإذا لم يزوَّد بالاعتقاد الصحيح فسيزوِّده أعداء الدين بالاعتقاد الفاسد، وسيكون حرباً على الإسلام والمسلمين.
стр. 2408
٢- تمرينهم على السلوك الحسن بحيث يجعل جزءاً من تدريبهم العسكري حتى يكونوا متحلِّين بكل خلق فاضل من عفة ونزاهة، وشجاعة وإقدام، وحزم وحكمة، وحلم وصبر، ورحمة وشفقة، ويبتعدوا عن كل الخصال السيئة من خسة ودناءة، وجبن وإحجام، وفسق وظلم، وطيش وعجلة، وقسوة وعنف، وغير ذلك من الرذائل والمعاصي، لأن المرء كلَّما كان أكثر تحليّاً بالسلوك الحسن، كان أكثر صلاحاً للقيام بواجبه بأمانة وتنفيذ، وكلما كان أكثر ابتعاداً عن الأخلاق الحسنة، واقتراباً إلى الأخلاق السيئة، كان أكثر صلاحاً للفساد والإفساد، وأطوع استجابة للشر وأهله. واستجابة الجند لأهل الفساد تعتبر أعظم فساداً من استجابة الآخرين لأن في ذلك إسنادا للفساد بالقوة التي لا يقف أمامها إلا ما يماثلها، والجندي إذا لم يُعتن به بالتربية الإسلامية وتعويده على الأخلاق الحسنة بدا وحشاً مفترساً لا يبالي من يكون صيده، وأنا لا أريد الحطّ من قدر الجندي أبداً، وإنما أريد أن أذكر الواقع الذي لا يستطيع إنكاره أحد، لاسيما في هذا العصر، الذي قدم لنا شواهد كثيرة على ما ذكر.
فكم مسجد هدمته الجيوش الشيوعية في روسيا والصين وغيرهما، وكم مصل قتل في تلك المساجد، وكذلك فعلت الصليبية في كل أنحاء العالم الإسلامي بل في بعض الدول العربية التي أغلب سكانها مسلمون، والسبب في ذلك أن الجندي الذي حمل السلاح فيها تشبع بعقيدة معادية للإسلام والمسلمين، فعمل بمقتضى عقيدته دفاعاً عنها، ولم يجد من يقف في وجهه حاملاً سلاحاً مثل سلاحه ذا عقيدة إسلامية ليدافع عنها.
٣- ملاحظتهم في أداء الشعائر الدينية كالصلاة والحج والصوم وغيرها لأن هذه تعتبر من العقيدة بمنزلة الوقود للآلات.
стр. 2409
٤- حثهم على طاعة الرئيس في غير معصية الله حتى يحصل بذلك الفرق بين جند الله المسلمين وبين جند الشيطان الكافرين. فإذا أمرهم قائدهم صغيراً كان أو كبيراً بفعل فيه معصية لله تعالى رفضوا الامتثال في ذلك الفعل كما فعل بعض أصحاب النبي ﷺ ، عندما أمرهم قائدهم بالدخول في النار فرفضوا وشكرهم الرسول ﷺ على ذلك بل هددهم بأنهم لا يخرجون منها لو دخلوها، وهذا الرفض لا يجوز إلا إذا كان الجند عالمين بأن ذلك الفعل معصية ظاهرة، كأن يأمرهم بأن يزنوا بنساء البلاد، أو يقتلوهن أو يقتلوا الأطفال والشيوخ بدون سبب يبرر ذلك أو يشربوا الخمر، أو غير ذلك من المعاصي الظاهرة، أما الأمور التي لا علم للجند بها من مسائل الاجتهاد العلمي أو العسكري فلا حق لهم في عصيان قائدهم فيها.
٥- تذكيرهم باليوم الآخر وما أعد الله فيه للمحسنين - ولا سيما المجاهدين - والمسيئين ليكونوا راجين ثواب الله خائفين عقابه، فإن الذي لا يؤمن باليوم الآخر، لا يهمه إلا العاجل، الذي تشتهيه نفسه، في هذه الدنيا حلالا كان أو حراماً، ومثل هذا لا يرجى منه أن يقدِّم نفسه وماله في سبيل الله كما لا يتوقع منه أن يترك أي فرصة تسنح له بارتكاب أي جريمة تهواها نفسه لأنه لا يطمع في ثواب الله ولا يخاف عقابه.
٦- أن يختار لكل جماعة منهم رئيس تتوفر فيه الصفات التي تحقق للجند الأمور المتقدمة وذلك بأن تتوفر فيه الأمور التالية:
أ - الخبرة التامة بما يسند إليه من مهام عسكرية، حتى يؤدي عمله متقناً.
ب - الأمانة التي يوثق من اتصف بها حيث لا يُخشى منه الخيانة لأتباعه أو رئيسه أو أميره أو أمته.
стр. 2410
ج- القوة التي تمكِّنه من تنفيذ ما يريد تنفيذه حتى لا يوقع نفسه وأتباعه في مشاكل لا يستطاع حلها في الأوقات الحرجة، بسبب التردُّد وعدم التنفيذ، فإن الأمور المهمَّة تحتاج إلى اغتنام الفرص التي تمكن من القيام بأدائها سلباً أو إيجاباً، والمهام العسكرية أحوج إلى الحزم والبت في الأمور من غيرها.
د- أن يكون متمسكاً بدينه متخلقاً بالأخلاق الحسنة لأنه قدوة لأتباعه، إن أحسن أحسنوا وإن أساء أساءوا ولأنه لا يمكن أن يلاحظهم إن لم يكن ملاحظاً لنفسه، وفاقد الشيء لا يعطيه.
هـ- أن يكون حكيماً يضع الأمور في مواضعها بحيث يعطي لكل وقت ما يناسبه، من إقدام أو إحجام وتقدم وتأخُّر، فلا يكون متهوراً، يوقع جنده في مآزق لا يطيقون الخروج منها بسبب العجلة، ولا جباناً يفوِّت عليهم فرصة تسنح لهم بالتغلب على عدوهم.
٧- بثُّ روح الجهاد فيهم حتى يكون أحب إليهم من كل ملذَّات الدنيا وشهواتها، وتوجيههم إلى الإخلاص حتى يكون قتالهم في سبيل الله ينالون به النصر في الدنيا، والشهادة في الآخرة.
٨- أن يصحب كل طائفة منهم مشرفون دينيون يقومون بالأمور التالية:
أ - الإمامة في الصلاة: لابد لهم من إمام يصلي بهم الصلوات في أوقاتها الخمسة جماعة يتفقدهم وينصح من يتخلف منهم بغير عذر، وإذا تكرر ذلك من أحدهم بلَّغ به المسئول العسكري الذي يجب أن يكون مزوَّداً بتعليمات وجزاءات رادعة في مثل هذه الأمور، فإن الأمر بالمعروف واجب على كل أحد بحسبه باليد ثم باللسان ثم بالقلب كما هو معروف، ولا شك أن القائد الجندي أعظم استطاعة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بيده ممن سواه.
стр. 2411
ب - الوعظ والإرشاد: ويجب أن يصحبهم عالم يزوِّدهم بالنصائح المناسبة في أوقات مختلفة ويكون مُلِمّاً بالثقافة الإسلامية العامَّة، فاهماً للأفكار الهدَّامة المنتشرة في العصر، والشُّبه المخالفة للإسلام، حتى يتمكن من بيان تلك الأفكار والشبه وإظهار مساوئها ومخالفتها للدين حتى لا تتسرب إلى الجند فتزعزع عقيدتهم، فيصبحوا حرباً على الإسلام وأهله، كما يقوم بالإجابة على أسئلتهم المتعلقة بالحلال والحرام، وما يتصل بهما.
ج- التدريس: وينبغي أن يصحبهم كذلك مدرس خاص يعلمهم القراءة والكتابة، والحساب وما أشبه ذلك لئلا يكونوا أُميين، فإن الأميَّ أسرع تأثراً بالدعوات الهدَّامة لعدم تمكُّنه من فهمها، وفهم ما تنطوي عليه من شرٍّ، وفي ذلك أيضاً مساعدة لهم، على قراءة ما يرد عليهم من رسائل أهلهم وكتابة ما يريدون من الرد على تلك الرسائل وأشباهها، كما أن في ذلك توفيراً للوقت بالنسبة لقراءة النشرات والإعلانات التي يراد تعميمها بحيث يتمكن كل واحد منهم من قراءتها لنفسه، وغير ذلك من الفوائد المعروفة.
٩- مع ذلك كلِّه يجب أن توفر لهم وسائل عيشهم ومن يهمهم أمره حتى لا تعترضهم الشواغل بسبب نقص شيء من ذلك وهم جديرون بتأمين تلك الوسائل لأنهم متفرغون لحماية الأمة وخدمتها في الداخل والدفاع عنها من أن يهجم عليها عدو من الخارج.
هذه بعض الأمور المهمة التي أحببت التنبيه عليها وهي إذا توفرت لجند المسلمين كان نجاحهم تامّاً، وإذا عدمت كانت خسارتهم كاملة، وإذا نقصت فبمقدار نقصها تكون الخسارة.
وعلى وزراء الدفاع والداخلية تقع المسؤولية لأنهم رعاة الأمنيْن الداخلي والخارجي، وفقنا الله وإيَّاهم وكل المسلمين لكل خير.
стр. 2412
وبعد فيا أخي المسلم كنت أريد أن أستقصي ما استطعت من الكلام على المسئوليات التي لموظفيها علاقة بالإمام ولكن رأيت أن ذلك يقتضي الإطالة فذكرت ثلاث مسئوليات هامة هي مسئولية الإعلام، ومسئولية التعليم، ومسئولية الدفاع والداخلي ة، على سبيل المثال، للمسئوليات الأخرى - ولعل الله ييسر الكتابة فيها في المستقبل - السياسية منها والاقتصادية والقضائية والتجارية والصناعية والطبية وغيرها، فيجب على كل مسئول تتعلق به أي مسئولية أن يخاف الله ويقوم بواجبه الذي أنيط به قدر استطاعته، لأن كل منهم يعتبر راعياً في مسئوليته مسئولاً عنها، ومن غش رعيته فقد حرم الله عليه الجنة كما مضى في الحديث الصحيح، وليعلم كل مسئول أنه قدوة لمن تحته فإن أحسن أحسنوا، وله مثل أجورهم وإن أساء أساءوا، وعليه مثل أوزارهم.
فشيمة أهل البيت كلهم الرقص
فإن كان رب البيت بالدف ضارباً
ويا أيها المسلمون إنني أهيب بكم أن لا تلقوا بفلذات أكبادكم الذين يتسلمون قيادة الدنيا منكم بعد سنين إلى أحضان أعدائكم يمسخونهم فيجعلونهم لعنة وعاراً عليكم يربون أولادهم مثل تربيتهم أبناءهم يربون أحفادهم كذلك، فتكون سلسلة شر متصلة بعدكم وعليكم وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة لأنكم السبب فيها، واتقوا الله فيهم فإن الله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ وأبناؤكم أمانات عندكم وأقبح الخائنين من خان أبناءه. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ .
стр. 2413
النور الفائض في مخالفة أهل السنة من أهل البيت وغيرهم للروافض
بقلم الشيخ: محمد حسن الغماري
المدرس بالمعهد الثانوي بالجامعة
جناية أهل الرفض على بيت رسول الله ﷺ :
كل من طالع كتب الحديث ومصطلح الحديث يجد واضحا تلك الجناية التي جناها الروافض على أهل البيت ماثلة أمامه فقد تسبَّب الرفض في ردِّ كثير من روايات أهل البيت وطعن في عدالة كثير من أهل العلم ولسببهم ذهب جلُّ علم علي ﵁ وأولاده حتى أن الرجل كان لا يستطيع أن يروي عن بعض أهل العلم لئلا يقول الناس إنه تشيَّع فيقدح في عدالته لأن الشيعة الروافض صار الكذب علماً عليهم ووضع الحديث رأس مالهم والزور والبهتان سلعتهم التي يتاجرون بها.
стр. 2414
وأهل البيت يتولاهم جميع المؤمنين ويحبُّونهم لا كما يزعم الروافض أنهم المخصصون بحب أهل البيت دون المؤمنين ويزعم الروافض أن جميع المسلمين ظلموا أهل البيت والحقيقة أن الروافض هم الذين ظلموا أهل البيت ظلماً لا نظير له فقتلوهم وخذلوهم أحوج ما كانوا إلى النصر وغرُّوهم حتى أَوْدَوْا بهم في متاهات القتل والحرمان فهم الذين تجرَّءوا على الحسن بن علي ﵄ وأسالوا دمه من جسمه الشريف بغياً عليه ونذالة منهم وكفراً وهم الذين أَغْرَوْا أخاه الحسين بن علي ودعوه من بلده الحرام إلى بلدهم العراق ثم تَوَلَوْا بأيديهم سفك دمه الطاهر ثم خرجوا بعد مقتله يستقبلون النساء والذرية بعيون باكية وهم الذين قال لهم علي بن الحسين آنذاك: "يا أهل الكوفة إنكم تبكون علينا فمن قتلنا غيركم"وهم الذين قالت لهم زينب بنت أمير المؤمنين علي ﵁: "يا أهل الختر والخذل فلا رقأت العبرة، ولا هدأت الرنة إنما مَثَلُكُمْ كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً تتخدون أيمانكم دخلاً بينكم ألا وهل فيكم إلا الصلف وملق الإماء وغمز الأعداء؟ وهل أنتم إلا كمرعى على دمنة أو كغضه على ملحود، ألا ساء ما قدمت لكم أنفسكم أن سخط الله عليكم وفي العذاب أنتم خالدون أتبكون؟ إي والله فابكوا وإنكم والله أحرياء بالبكاء فابكوا كثيراً واضحكوا قليلاً فلقد فزتم بعارها وشنارها ولن ترفضوها بغسل بعدها أبداً". وقد أنكر أهل البيت ولايتهم ومن ذلك ما روي عن أبي جعفر محمد الباقر ﵁ أنه كان يقول:"أف أف ما أتى لهؤلاء بإمام يضرب بكتبهم الأرض". وكان يقول الحسن المثنى ابن الحسن البسط:"والله لئن أمكننا الله منكم لنقطِّعنَّ أيديكم وأرجلكم ثم لا نقبل منكم توبة أبداً". وهذا يدل أنه كان يعتق أنهم زنادقة لأن الذي لا تقبل توبته هو الزنديق فقط وكذلك قال فيهم جعفر الصادق بن محمد الباقر: "القدرية مجوس هذه الأمة أرادوا أن يصفوا الله بعدله
стр. 2415
فأخرجوه عن سلطانه"والمراد بالقدرية هنا الشيعة الروافض الذين يعتقدون الجبر كالمغيِّرية المجسِّمة وغيرهم من الشيعة وهم الذين يحصرون المحبَّة في نفر قليل من أهل البيت مع أن الصالحين من أهل البيت الذين تبغضهم الروافض وتذمهم أكثر عدداً من الذين يتظاهرون بحبِّهم. ومن الذين تبغضهم الروافض زيد بن علي والحسن المثنى وزيد بن الحسن وأولادهم بل هم يحصرون الحبَّ والإمامة في اثني عشر إماماً وأهل البيت رضوان الله عليهم آلف وقد ذكر صاحب مقاتل الطالبيين في كتابه الذين قتلوا إلى آخر دولة بني العباس أكثر من خمسة آلاف رجل فكم يكون عدد من لم يقتل وكم يكون عددهم إلى اليوم ونحن نقصد الصالح منهم فقط، هؤلاء الشيعة المنتشرون في مشارق الأرض ومغاربها في صورتهم القاتمة الذين امتلأت قلوبهم حقداً على أهل الإسلام والإيمان من أهل البيت وغيرهم وقد كان مركز الرفض في أول الأمر العراق ثم انتشر فلم يبق بلد إلا وغرز ذنبه فيه. وعُرف العراق في ذلك الوقت بالموطن الخصب لوضع الحديث حتى فسد جلُّ علم علي ﵁ ورواية أهل البيت. قال مالك بن أنس إمام دار الهجرة ﵁: "إذا خرج الحديث من الحجاز انقطع نخاعه". وفي رواية أخرى لمالك: "إذا جاوز الحديث الحرتين انقطع نخاعه". وقال الشافعي ﵁ فيما رواه عنه ابن أبي حاتم في مناقبه: "إذا لم يوجد للحديث من الحجاز أصل ذهب نخاعه".
وقال العلامة ابن القيم في إعلام الموقعين الجزء الأول (ص ٢١) : "وأما علي بن أبي طالب ﵇ فانتشرت أحكامه وفتاويه. ولكن قاتل الله الشيعة فأنهم أفسدوا أكثر علمه بالكذب عليه ولهذا تجد أصحاب الحديث من أهل الصحيح لا يعتمدون من حديثه وفتواه إلا ما كان من طريق أهل بيته وأصحاب عبد الله ابن مسعود كعَبِيدَة السلماني وشريح وأبي وائل ونحوهم. وكان ﵁ وكرم وجهه يشكو عدم حملة العلم الذي أودعه.
стр. 2416
كما قال:"إن ها هنا علماً لو أصبت له حملة"اهـ بلفظه.
وقال الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد ابن عبد الوهاب رحمهما الله (ص١٤٣) الدرر السنية: "وأما قولكم إننا ننكر علم أهل البيت وأقوالهم ومذاهبهم ومذهب زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃ على علم جدِّه ﵁ فهذا كذب وبهتان علينا بل زيد بن علي عندنا من علماء هذه الأمة فما وافق من أقواله الكتاب والسنة قبلناه وما خالف ذلك رددناه كما نفعل ذلك مع غيره من الأئمة الخ ... "وسئل عن المذهب الزيدي فأجاب ﵀:
"الصحيح منه ما وافق الكتاب والسنة وما خالفه فهو باطل".
стр. 2417
إن الدين عند الله الإسلام
بقلم الشيخ محمود عبد الوهاب فايد
المدرس بكلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة
الإسلام هو دين الله الذي نزل من السماء ليصلح الأرض، ويربط العالم بعضه ببعض، ويوثق العلاقة بين الخالق والمخلوق على أساس العقيدة الصافية، والعبادة الهادية، ويوثق العلاقة بين المخلوق والمخلوق على أساس العدالة الكاملة، والرحمة الشاملة، والمعاملة الكريمة والسياسة الرحيمة. هذا هو الإسلام في إجمال، وتوضيحا لذلك نقول والله المستعان:
دعانا الإسلام إلى أن نؤمن بالله إيمانا صادقا، ونوحده توحيدا خالصا، وذكَّرنا بأن الله وحده هو الذي خلقنا وسوانا، ومنحنا حواسنا وقوانا، وأنعم علينا بنعمه التي لا تحصى، وغمرنا بفضله، وعمَّنا بكرمه، وشملنا بلطفه، ووسعنا بعلمه فهو يعلم ما نخفيه كما يعلم ما نبديه. قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ، وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ [١] .
ودعانا إلى الإيمان برسل الله الذين اختارهم المولى ليكونوا دعاة له، وهداة لخلقه، وقدوة لهم، وحجة عليهم، قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ﴾ [٢] وقال: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [٣] .
стр. 2418
ودعانا إلى الإيمان بالبعث والحساب والجزاء لتوفَّى كل نفس ما كسبت، ويتلقَّى المحسن أجر إحسانه، ويأخذ المعتدي عقاب عدوانه فلا يتساوى بار كريم، ومجرم أثيم. قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ [٤] . وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [٥] .
هذه العقائد الثلاث التي دعا إليها الإسلام عقائد متماسكة متلازمة لها أثرها العميق في تهذيب الإنسان وإعلاء شأنه.
فعقيدة التوحيد تحمل في طواياها الاعتراف بالكمال المفرد المطلق لباري الكون وترفع شأن الإنسان إلى المستوى الذي يليق به فلا تهبط بعقله إلى قبول عقائد خرافية ووثنية ولا تدفعه إلى المذلة أمام مخلوق من المخلوقات صغر أم كبر، عظم أم هان وهذا هو السر في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [٦] .
وعقيدة التوحيد أيضا تولد لدى المسلمين شعورا واحدا بأنهم جميعا عبيد لرب واحد لا يتفاضلون عنده إلا بالتقوى والعمل الصالح. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [٧] .
وفي ظلال هذه العقيدة لا يتعالى أحد على أحد ويتنافس الناس جميعا في أعمال البر، وطرق أبواب الخير والإيمان برسل الله، يحمل في طواياه الإيمان بحكمة الله، فحكمته سبحانه تأبى أن يوجد الإنسان ويتركه سدى ويدعه هملا، ويحاسبه ويعاقبه دون أن يقيم عليه الحجة.
стр. 2419
الإيمان برسل الله يقتضي الإيمان بما جاءوا به وما جاءوا إلا بالخير العميم، والصراط المستقيم والنظام السليم الذي يضمن سعادة الفرد والمجتمع.
الإيمان برسل الله يعمِّق الإيمان بالله، ويدعوا إلى تنزيه المولى عن العبث والظلم والسفه، ويضع أمام الناس مثلا بشريا، عالية يحتدون ويقتدون بها، ويسيرون على منهاجها في مراقبة الله، والإحسان إلى الناس دون انتظار أجر منهم.
والإيمان باليوم الآخر وما فيه من بعث وحساب وجزاء من شأنه أن يزكي نفس الإنسان ويدفعه إلى عمل الخيرات وترك المنكرات والبعد عن النقائص والشبهات.
هذه العقائد الثلاث من شأنها أن تعين في إيجاد الإنسان الفاضل، والمجتمع الفاضل، والدولة الفاضلة.
وفروع الإسلام وشرائعه تهدف إلى ما تهدف إليه أصوله، وتعمل على تحقيق الغاية التي ترمي إليها عقائده فالصلاة والصيام والزكاة والحج وبقية ما أمر به الشارع تجمع بين حق الله وحق الإنسان، وفيها منافع للناس يشهدونها ويلمسون أثارها في حياتهم، إلى جانب كونها عبادة لربهم وطاعة لخالقهم.
стр. 2420
ومن ينظر في شريعة الإسلام يجدها كافية وافية شافية، جاءت بما فيه كمال الروح والبدن وصلاح الفرد والأمة وهناء العالم بأسره فأقامت البرهان على أن الإسلام دين إنساني عالمي واقعي نزل من السماء ليحكم الأرض وليملأها عدلا وسلاما، ومحبة ووئاما، ورخاء ورفاهية ولأن الإسلام دين واقعي التزم في كل ما شرعه أن يلائم طاقة الإنسان، ويناسب مقدرته فلا يكلفه شططا، ولا يرهقه عسرا، ولا يطلب منه ما يحرجه أو يشق عليه قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [٨] وقال: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَا﴾ [٩] وقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفاً﴾ [١٠] وقال: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [١١]
وتمشيا مع واقع الإنسان، وتقديرا لظروفه، ومسايرة لطبيعته وخصائصه اهتم الإسلام بشئون دنياه كما اهتم بشؤون أخراه، فلم يفرض عليه أن يعتزل الناس، وينقطع لعبادة الله ويهمل أمر نفسه، ويغفل مطالبه الجسمية، وغرائزه النفسية. كلا، فقد سمح له بأن ينال حظه من العاجلة، ويستجيب لغرائزه، ويسَّر له الطريق في غير إفراط ولا تفريط، وهيأ له السبيل في حدود الاعتدال والكمال، وفي كتاب الله تقدير وتكريم لمن يقول: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [١٢] لم ينكر الله عليهم أن يطلبوا الدنيا، وكذلك لم ينكر عليهم أن يقدموها في الطلب على الآخرة.
следующие страницы →