Полный текст (23 804 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.
стр. 2486
٢- وما أسمى معاملته مع إدارة المدرسة ومع المربي الجليل مدير المدرسة إنه يتعاون مع الهيئة المشرفة على الإدارة والتوجيه تعاونا بناء في محبة، وعن فن وخبرة، يقدم المعونة في تواضع، والمشورة في احترام، والرأي قي أدب جم، ينم عن خلق أصيل، وأصل عريق، وبيئة كريمة، وصفات عالية نبيلة، ونفسية مهذبة، وعقلية راجحة، وثقافة ممتازة، ولذا كان محل تقدير وإجلال واحترام من الهيئة المشرفة على الإدارة، ومحل ثقة وإعجاب، وزمالة نبيلة من المربي الجليل مدير المدرسة.
٣- ما أسعد الزملاء بهذا الأخ الكريم الذي تتجلى فيه صفات الأخوة الحقة إنه يعامل الزملاء في عطف ومحبة إنه يعرف معنى الزمالة النبيلة، يحترم الكبير، ويعطف على الصغير، إنها زمالة في روضة العلم، في محرابه المقدس.
إن الجميع ينظر إليه نظرة محبة وتقدير، لما يتصف به من مكارم الأخلاق العالية، إنه يدخل المدرسة فيصافح الجميع هاشا باشا في أدب مستفسرا عن إخوانه وزملائه، يريد أن يطمئن على جميع أسرة المدرسة ثم هو على درجة كبيرة من العلم والحكمة، لذا كان مرجعا وافيا لزملائه، يستشيرونه في حل المسائل العلمية، فيجدونه البحر الزاخر الوافي فيتلفظ بالدر والجواهر يتحدث في أدب وحكمة، بأسلوب سهل جميل ممتع، يبحث، ويحقق، ويتجاذب أطراف الحديث حتى يظهر الحقيقة في جمالها ورونقها، وبهجتها وصفائها، ثم هو يشعر السائل والمستفتي بالاحترام والتقدير، والإجلال والإعجاب، فأنس به الجميع واطمأنوا إلى علمه الذي يقدمه في حلاوة وطلاوة فيثمر الثمرة المرجوة من الإجابة والإفادة والاستفادة، تلك هي نفحة من رسالة المدرس المثالي أو هي شقة من رحيق رسالته السامية تفرعت من ثلاثة أغصان اقتطفناها من:
أولا: نظرة المدرس للمدرسة.
ثانيا: سلوكه وتعاونه القلبي مع إدارة المدرسة ومع المربي الجليل مدير المدرسة.
стр. 2487
ثالثا: أدبه وخلقه مع إخوانه وزملائه أعضاء هيئة التدريس والسادة المربين.
ونتحدث الآن عن الناحية العلمية في شخصية المدرس المثالي، لقد شب وترعرع منذ نشأته محبا للعلم، والاستفادة، والتزود من ثمار إنتاج العلماء المفكرين، يحرص على الاطلاع، ويدأب على القراءة، ويواظب على ارتشاف رحيق العلم والمعرفة متحليا بالأخلاق العالية، الأخلاق الإسلامية التي تجعل من الإنسان إنسانا حقا بمعنى الكلمة، ترى فيه الصفاء والخير فنال الشهادات النهائية بتفوق وجدارة واستحقاق، وحينما نال شرف الانتماء إلى الأسرة العلمية أسرة التوجيه والإرشاد أسرة المدرسين والمربين ضاعف من جده واجتهاده في الارتشاف من رحيق العلم واقتطاف ثماره الطيبة المباركة إنه يحرص كل الحرص على أن يكون قويا في علومه ممتازا في مادته، موضع تقدير رؤسائه وثقة مفتشيه، وإجلالهم ومحبتهم، إنه يريد أن يعطي العلم حقه رغبة في رضاء الله وعشما في أن يؤدي رسالته على خير ما يحبه الله ويرضاه كي يفوز بالسعادة في دنياه وأخراه.
إن المدرس المثالي يحرص كل الحرص على أن تكون له مكتبة يعتز بها ويحرص على تنميتها، ويتفنن في تنسيقها وترتيبها وتبويبها وفهرستها على أحدث النظم وأجملها وأبدعها، تشتمل هذه المكتبة على العلوم عامة وعلى كتب المادة التي يسعد بتدريسها خاصة، وتضم هذه المكتبة في مقدمتها مصحفا كريما وبعض كتب التفسير وكتب السنة النبوية المطهرة والسيرة النبوية وتاريخ أصحاب رسل الله ﷺ وتاريخ رجال الإسلام في عصوره المختلفة وكتب اللغة العربية بفنونها المتعددة ومن الكتب التي أنصح كل مسلم بقراءتها والحرص عليها:
стр. 2488
أولا- كتاب تفسير ابن كثير وهو تفسير سلفي سهل جميل، وكتب السنة أيضا كلها مباركة وفي مقدمتها موطأ الإمام مالك ﵁ وجزاه الله خير الجزاء وصحيح البخاري ﵁ وشرح صحيح مسلم للإمام النووي ﵁ وعن الجميع وهناك كتاب سهل جميل ومبارك أنصح كل مسلم بقراءته وهو كتاب رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين المصطفى ﷺ وهو كتاب عظيم الفائدة جمعه الشيخ النووي ﵁، هذا الإمام الذي ضرب مثلا عاليا في الورع والجد، والاجتهاد في العلم، ونصيحة الملوك، لا يخشى في الله لومة لائم وقد كان ﵀ حجة في الحديث والفقه واللغة، وودع الدنيا عن خمس وأربعين سنة وترك مؤلفات ضخمة انتفع بها المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها وفي ومقدمتها شرح صحيح مسلم وكتب الفقه في مذهب الإمام الشافعي ﵁، ومن الكتب العظيمة النفع أيضا كتاب زاد المعاد في هدي خير العباد المصطفى ﷺ وكتاب الشمائل للترمذي تحدث فيه عن شمائل النبي صلوات الله وسلامه عليه، وأما كتب اللغة العربية فلا بد للمدرس أن يطلع على الكتب القديمة والكتب الحديثة وبذلك يجمع بين قوة المادة الموجودة في الكتب المؤلفة قديما، وبين سهولة عرض المادة الموجودة في الكتب الحديثة، ولا تغني إحداهما عن الأخرى.
إن الحديث عن الناحية العلمية في شخصية المدرس المثالي حديث مثمر جميل وحسبنا أننا اقتطفنا زهرة من تلك الروضة الباسمة اليانعة، وننتقل إلى الحديث عن طريقة التدريس وعرض آثاره العلمية للطلاب –هناك طرق كثيرة للتدريس وعرض المادة وقد تكلم العلماء قديما وحديثا في مجالات كثيرة في علوم التربية وطرق التدريس وعلم النفس ونحن الآن لا نتعرض لمسائل فنية تحتاج إلى كثير من الوقت ولكننا سننظر إلى الثمرة فحسب.
стр. 2489
إن إخلاص المدرس وحرصه على تفهيم الطلاب وتثقيفهم يدفعه لاختيار أحب الطرق في إلقاء دروسه فمن ذلك ما نراه من حرص المدرس على أن يضع المادة دائما في صورة جميلة جذابة إنه تارة يسلك الطريقة الاستنباطية بأن يسير مع التلاميذ خطوة خطوة حتى يستنبط القواعد، وتارة أخرى يحاول أن يستنتج من نفس الأمثلة والشواهد، ولا بد للمدرس أن يستعمل السبورة في تفهيم التلاميذ وأن يضع المعلومات في جداول، وأن يكتب الأمثلة وأمامها القاعدة ويوجه أنظار التلاميذ للاستنباط والاستنتاج، والمدرس بحسب تجاربه وإخلاصه للعمل يعرف كيف يوصل المعلومات لأذهان التلاميذ ولنا كلمة مع أساتذة اللغة العربية ذلك أننا يجب أن نحرص على ضرب الأمثلة الحديثة وفي نفس الوقت تربي وتغرس الأخلاق الجميلة وفي مادتي الإملاء والإنشاء نستطيع أن نعطي الطلاب موضوعات مناسبة تساعدنا على أهدافنا في تربية الشباب وصقل نفوسهم وتهذيبهم، فمثلا يضع المدرس في مادة الإملاء موضوعات بالعناوين الآتية:
القرآن الكريم نور من الله- عطف الرسول ﷺ وبره بالفقراء – عدالة عمر بن الخطاب – زهد عمر بن عبد العزيز – ورع الإمام أحمد بن حنبل.
ومن الموضوعات الخلقية أيضا الموضوعات الآتية:
مضار التدخين ويقول في هذا الموضوع مثلا: انتشرت في بعض الأوساط عادة مرذولة وبدعة قبيحة مذمومة هي عادة شرب الدخان، هي عادة نقلها بعض الناس عن الأجانب والكفار، وقد ثبت طبيا أن شرب الدخان يؤثر على الجسم عامة، ويسبب له الضعف وقد قامت المعامل الحديثة العلمية بإجراء تجارب هامة على شاربي الدخان فوجد أنه يسبب سرطان الرئة، وتصلب الشرايين وهبوط القلب.
فاحذر أيها الشاب الناشئ أن تقترب من هذه العادة القذرة التي ينبو عنها أولوا العقول السليمة والأفئدة المستنيرة وحافظ على صحتك ومستقبلك وابتعد عن هذا العمل الذي يجلب لك الضعف، والفقر، والذل، والهوان.
стр. 2490
وفي مادة الإنشاء مثلا يلقي عليهم هذا الموضوع:
((طالب ناجح يتحدث عما قام به من أعمال))
كنت أقوم من نومي مبكرا، وأحرص على صلاة الفجر أداء لفرض الله، وشكرا للمنعم جل وعلا ثم أستذكر الدروس بعض الوقت ثم أتناول طعام إفطاري ثم أذهب إلى المدرسة وأحرص كل الحرص على الإصغاء التام لشرح المدرس وأطيع أوامر أستاذي وأعامل زملائي في المدرسة معاملة كريمة إنني أحرص على مصادقة الزملاء الممتازين علما وخلقا وإذا عدت إلى المنزل أطيع أوامر والديّ وأحرص على استذكار الدروس.
وهكذا نرى المدرس المخلص يؤدي رسالته في إخلاص وجد وكفاح وإنتاج، والمدرسون عامة وأساتذة التربية الدينية خاصة لهم دور خطير في هذه الأيام بالنسبة لسريان موجات عنيفة من التحلل الخلقي والمبادئ الهدامة البعيدة عن الدين وعن مكارم الأخلاق _التي تنتشر عن طريق بعض أجهزة الإعلام عن طريق بعض الروايات التمثيلية الأجنبية الفاجرة والإذاعات المنحلة والصحف الخليعة والثقافات التافهة_ والمدرس المثالي والمربي الجليل يضرب لأبنائه مثلا أعلى في الأخلاق بسلوكه وحسن أدبه فهو قدوة حسنة أمام أبنائه، يجيب الطلاب في استذكار القرآن الكريم ويغرس فيهم العقيدة السليمة والمبادئ الحسنة والأخلاق الإسلامية يبصرهم بسيرة الرسول ﷺ ويشوقهم لدراسة حياة عظماء الإسلام.
إن المعلم الفاضل يلقن أبناءه هذه الحكمة الغالية الثمينة:
стр. 2491
إذا أردت أن تكون عظيما فاقرأ سير عظماء الرجال وابدأ بسير عظماء الإسلام وسترى عظمة الأخلاق في نبي الإسلام ﷺ وأصحابه الغر الميامين، إن المثل العليا في حياة الشباب لها دور عظيم في تربية الشباب وتقويمهم وسلوكهم الطريق المستقيم، والنشاط الثقافي مجال عظيم للمدرسين أصحاب الهمم العالية والقيم الخلقية، فينبغي أن تنتفع بميول الطلاب ونشاطهم وتفسح لهم المجال في الانضمام إلى لجان النشاط كل بحسب رغبته وميوله فمثلا تكون هناك لجان كثيرة منها:
لجنة الخطابة والمحاضرات _ الصحافة _ التاريخ وأبطال الإسلام _ الرحلات _النشاط المكتبي – تأليف الرسائل عن أبطال الإسلام.
وأما النشاط الرياضي فنحرص كل الحرص على ما يوافق طبيعة البلاد وما هي في حاجة إليه فمثلا نظام الكشافة وركوب الدرجات والسيارات، وذلك بالنسبة للرحلات إلى الأماكن التاريخية وخدمة ضيوف الرحمن حجاج بيت الله الحرام _ ثم المشروعات التي يقوم بها الطلاب كمشروع تشجير المدرسة وبعض الصناعات الزراعية مثل تقطير الزهور المأخوذة من المدرسة وبذلك يتكون الطالب العصامي الذي ينجح في الحياة ولا يكون عبئا ثقيلا على أسرته وعندما يرتفع صوت المؤذن، منادي السماء الله أكبر، الله أكبر... يسارع الجميع للصلاة يتقدمهم الأساتذة الفضلاء وبذلك تكون المدرسة مركز إشعاع للعلم والخير والبناء، وتسير كما تسير السفينة إلى شاطئ النجاة وفي مقدمتها القائد والمساعدون والجند ففي مقدمتها المدير والمدرسون والطلاب، بسم الله مجريها ومرساها إلى الروضة الوارفة الظلال، الطيبة الثمار، هذه الروضة التي نصل إليها الآن إنما هي إيجاد مجتمع سعيد بأفراده الذين تخرجوا على يد المدرس المثالي المدرس صاحب الرسالة السامية.
стр. 2492
أما بعد: فمن هذا الإنسان الذي يسعى ليلا ونهارا ليغرس الفضائل في شباب الجيل، يسعى كما يسعى النحل إلى الزهور الجميلة، يقتطف منها ليحولها إلى الشهد المصفى، كي يكون شفاء للأجسام والأرواح والنفوس.
إنه عظيم في رسالته، نبيل في أدبه، عظيم في علمه وخلقه، إنه المدرس المثالي الذي ننشده ليعمل في بلاد مباركة لكي ينشر العلم والنور في بلاد شع منها العلم والنور في البلاد المقدسة المباركة منبع الهدى والفرقان ومطلع البدر المشرق والسراج المنير المصطفى ﷺ ...
стр. 2493
مرض الأميبا
للدكتور أحمد سليمان
يصيب طفيلي الأميبا الأمعاء الغليظة في أجزائه المختلفة محدثا قروحا حادة أو مزمنة وقد يتسرب الطفيلي إلى الكبد مسببا خراجا أميبيا.
ويوجد طفيلي الأميبا في أحد طورين:
الطور المتحرك:
وهو ذو خلية واحدة ذات نواة واحدة وهو يغزو الأحشاء الداخلية عند وجود عدوى ميكروبية ثانوية بالأمعاء لتساعده على اختراق الغشاء المخاطي المبطن لجدران الأمعاء الغليظة.
وهذا الطور يؤذي صاحبه ولا يعدي مريضا آخر وذلك لسرعة تأثره بحامض المعدة.
الطور المتكيس:
خلية ذات نوايا متعددة لا تزيد عن أربع نوايات وليست لدى الطور المتكيس قابلية غزو الأحشاء الداخلية، ولكنه يعدي لعدم تأثره بالعصارة المعدية الحامضية حتى تصل إلى الأمعاء الغليظة حيث تخرج الأميبا المتحركة من أكياسها وتهاجم الأغشية المخاطية للأمعاء في وجود البكتيريا محدثة فيها قروحا ويزيد المرض شدة في حالات نقص التغذية.
حوامل الأكياس: قد يحمل حوالي ٥٠% من بعض مناطق سكان إفريقيا وآسيا (حسب المستوى الصحي لكل منطقة) أكياس الأميبا بدون ظهور أعراض مرضية عليهم، وقد تظهر بعض الأعراض البسيطة الغامضة في بعض الحالات مثل الانتفاخ أو الإمساك أو عدم انتظام التبرز مع هبوط وزن المريض وبعض الآلام الروماتزمية والاضطرابات النفسية ويزيد ذلك أثناء التعرض للنزلات البردية أو أثناء الحمل أو الطمث أو عقب المأكولات الدسمة والنشوية مما قد ينسب خطأ لمثل هذه الظروف الطارئة ولذلك يجب علاج هذه الحالات علاجا حاسما ليس لوقاية المحيطين بهم فحسب وإنما لوقايتهم من مضاعفات ذلك المرض الخبيث.
(الدوسنطاريا)
الزحار الأميبي الحاد:
стр. 2494
يتميز بوجود زحار (تعينة) مع إسهال ووجود دم وصديد بالبراز وهذا يكون خطرا عند وجود أعراض سوء تغذية أو حالات الإصابة بالبول السكري أو في حالات الشيخوخة.
الدوسنطاريا الأميبية المزمنة:
تكثر في المناطق الشديدة العدوى نتيجة لعدم علاج الحالات الحادة علاجا حاسما سريعا، وأعراضه فترات إسهال يعقبها فترات إمساك مع اضطرابات معدية وانتفاخ بالبطن وعدم انتظام عملية التبرز ويسهل تشخيص هذه الحالات بتحليل البراز وكثيرا ما تجد الأميبا في الزائدة الدودية مكانا هادئا لتكاثرها فتسبب التهابا في الزائدة وعلاج هذه الحالة طبيا وليس جراحيا.
خراج الكبد والرئة:
وقد يصل أيضا إلى المخ والطحال والمبايض وغيرها مسببة خراجات في هذه الأعضاء..
الوقاية والعلاج:
١_ وقاية مياه الشرب من التلوث بفضلات الإنسان.
٢_ وقاية المأكولات من الذباب وعدم السماح للأشخاص حوامل الأكياس بالعمل في المطاعم.
٣_ تطهير الخضروات قبل أكلها بوضعها في الخل أو عصير الليمون ربع ساعة أو وضعها في ماء مغلي لدقائق قليلة.
٤_ تحاشي المثلجات المحضرة خارج المنزل.
٥_ غلي الماء قبل شربه في المناطق الموبوءة.
٦_ العمل على وقاية المطابخ وغرف الطعام من الذباب وسائر الحشرات.
٧_ علاج الحالات الحادة علاجا حاسما.
٨_ الدعاية والثقافة الصحية اللازمة ضد هذا المرض وتعريف الجمهور بمواطن العدوى وطرق المقاومة.
٩_ استعمال مركبات الأمتين والكينولين (أنتروفيوفورم) والفلاجيل بإشراف الطبيب.
стр. 2495
أخبار الجامعة
قام وفد من طلاب الجامعة الإسلامية بالمدينة برئاسة المشرف الاجتماعي الشيخ عبد الله قادري بزيارة لمعهد إعداد المعلمين بالمدينة، وكان في استقبالهم رئيس الكشافة الذي قدمهم بدوره لمدير المعهد، وقد جرى البحث في عدة مواضيع، وقد زار الوفد المعامل والنوادي وشاهد أنواع النشاطات المختلفة، وبعد صلاة العشاء من ذلك اليوم عقدت ندوة حضرها مدير المعهد والمشرف الاجتماعي بالمعهد بحضور المشرف الاجتماعي للجامعة، وقد استمرت إلى ما بعد الساعة الرابعة ليلا.
بعد موافقة رئاسة الجامعة الإسلامية على القيام برحلة تضم مجموعة من الطلاب من شتى البلدان لأداء مناسك الحج للمشاركة في الدعوة والإرشاد وتوجيه الحجاج يرافقهم بعض مشايخ الجامعة، كلفت الجامعة المشرف الاجتماعي الشيخ عبد الله أحمد قادري على أن يقوم بالإعداد لهذه الرحلة واختيار الطلاب الذين سيشاركون فيها وقد شكلت لجنة لهذا الغرض مكونة من:
١_ الأمين العام المساعد
رئيسا
٢_ عميد كلية الشريعة
عضوا
٣_ عميد كلية الدعوة وأصول الدين
عضوا
٤_ المشرف الاجتماعي
عضوا
وقد انهال عدد كبير من الطلاب للمشاركة في هذه الرحلة، واختير منهم ٤٥ طالبا، وبعد الوقوف بعرفات أقيم المخيام بمنى وشارك كبار الأساتذة بالجامعة لإلقاء المحاضرات والفتاوى والإرشادات وعلى رأسهم سماحة رئيس الجامعة الإسلامية الشيخ عبد العزيز بن باز.
أدرك سماحة رئيس الجامعة الشيخ عبد العزيز بن باز أنه من الضروري الاجتماع بطلاب الجامعة اجتماعا عاديا لا تكلف فيه، وقد أوعز إلى المشرف الاجتماعي الشيخ عبد الله القادري بترتيب ذلك.
стр. 2496
وقد تم اللقاء الأول بين سماحته وطلاب بعثة جمهورية اليمن، ألقى سماحته فيهم كلمة مناسبة، ثم تناقش معهم في كافة المواضيع المتعلقة بهم في جو تسوده المحبة والإخاء لا تكلف فيه، وهكذا تمت اللقاءات الخيرة بجميع طلاب الجامعة على فترات.
المشرف الاجتماعي الأستاذ عبد الله القادري يقوم بإحياء الندوات الثقافية واللقاءات المثمرة بين طلاب الساكنين في الجامعة البالغ عددهم حوالي ٦٠٠ طالب، وتتلخص الندوات فيما يلي:
١_ كلمة من المشرف مناسبة للموضوع.
٢_ كلمة من الطلاب يلقيها طالب مختار.
٣_ مناقشات ومحاورات أدبية.
٤_ نوادر وفكاهات.
٥_ ألعاب رياضية.
٦_ حل مشاكل الطلاب وما يلاقونه.
وقد لوحظ بعد هذه اللقاءات تواد الطلبة وتراحمهم، وتعاطفهم فيما بينهم كأنهم جسد واحد.
стр. 2497
من تاريخ الحروب الصليبية
يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين
إعداد العلاقات العامة
كتب متولي عكا من جهة السلطان صلاح الدين وهو الأمير بهاء الدين قراقوش في العشر الأول من شعبان إلى السلطان أنه لم يبق عندهم في المدينة من الأقوات إلا ما يبلغهم إلى ليلة النصف من شعبان فلما وصل الكتاب إلى السلطان أسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم خوفا من إشاعة ذلك فيبلغ العدو فيقدموا على المسلمين وتضعف القلوب.
стр. 2498
وكان قد كتب إلى أمير الأسطول بالديار المصرية أن يقوم بالميرة إلى عكا فتأخر سيره، ثم وصلت ثلاث بطش ليلة النصف فيها من الميرة ما يكفي أهل البلد طول الشتاء وهي صحبة الحاجب لؤلؤ فلما أشرفت على البلد نهض إليها أسطول الفرنج ليحول بينها وبين البلد ويتلف ما فيها فاقتتلوا في البحر قتالا شديدا، والمسلمون في البر يبتهلون إلى الله في سلامتها والفرنج أيضا برا وبحرا وقد ارتفع الضجيج فنصر الله المسلمين وسلم مراكبهم وطابت الريح للبطش فسارت فأحرقت المراكب الفرنجية المحيطة بالميناء ودخلت البلد سالمة ففرح بها أهل البلد والجيش فرحا شديدا، وكان السلطان قد جهز قبل هذه البطش الثلاث بطشة كبيرة من بيروت فيها أربعمائة غرارة وفيها من الجبن والشحم والقديد والنشاب والنفط شيء كثير وكانت هذه البطشة من بطش الفرنج المغنومة، رأى من فيها من التجار أن يلبسوا زي الفرنج حتى أنهم حلقوا لحاهم وشدوا الزنانير واستصحبوا في البطشة معهم شيئا من الخنازير وقدموا بها على مراكب الفرنج فاعتقدوا أنهم منهم وهي سائرة كأنها السهم إذا خرج من كبد القوس فحذرهم الفرنج غائلة الميناء من ناحية البلد فاعتذروا بأنهم مغلوبون عنها، ولا يمكنهم حبسها من قوة الريح وما زالوا كذلك حتى ولجوا الميناء فأفرغوا ما كان معهم من الميرة، والحرب خدعة فعبرت الميناء فامتلأ الثغر بها خيرا فكفتهم إلى أن قدمت عليهم تلك البطش الثلاث المصرية وكانت البلد يكتنفها برجان يقال لأحدهما برج الديان فاتخذت الفرنج بطشة عظيمة لها خرطوم وفيه محركات إذا أرادوا أن يضعوه على شيء من الأسوار والأبرجة قلبوه فوصل إلى ما أرادوا فعظم أمر هذه البطشة على المسلمين ولم يزالوا في أمرها محتالين، حتى أرسل الله عليها شواظا من نار فأحرقها وأغرقها وذلك أن الفرنج أعدوا فيها نفطا كثيرا وحطبا جزلا، وأخرى خلفها فيها حطب محض فلما أراد المسلمون المحافظة على الميناء أرسلوا النفط على
стр. 2499
بطشة الحطب فاحترقت وهي سائرة بين بطش المسلمين واحترقت الأخرى وكان في بطشة أخرى لهم مقاتلة تحت قبو قد أحكموه فيها فلما أرسلوا النفط على برج الديان انعكس الأمر عليهم بقدرة الله تعالى وذلك لشدة الهواء تلك الليلة فما تعدت النار بطشتهم فاحترقت وتعدى الحريق إلى الأخرى فغرقت، ووصل إلى بطشة المقاتلة فتلفت، وهلك من فيها فأشبهوا من سلف من أهل الكتاب من الكافرين في قوله تعالى: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ .
البداية ج١١ ص ٣٣٧
стр. 2500
من تاريخ الدعوة السلفية
الشيخ عبد الحميد بن باديس
قائد الحركة الإصلاحية في الجزائر
بقلم الشيخ محمد شريف الزيبق
المدرس بكلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة
أدرك ابن باديس ﵀ ما آلت إليه بلاده تحت وطأة القوانين الفرنسية المخصوصة الاستثنائية التي تحرم المواطنين الجزائريين من كافة الحريات، من الكتابة والاجتماع والسفر والانتقال من بلد إلى بلد داخل الجزائر نفسها، فلا يسافر أحد منهم إلا بإذن من الشرطة الفرنسية، يبين فيه الجهة التي يقصدها والمدة التي يمكنه التغيب فيها عن قريته أو مدينته، وعليه أن يتوجه لمركز الشرطة بمجرد وصوله، وكانت السلطات الاستعمارية الفرنسية تحرم على الجزائريين مطالعة الكتب وافتتاح المدارس، محاولة بذلك القضاء على الكيان الجزائري بالعمل على إفقار الأهالي وتركهم فريسة الجهل.
وقامت في الوقت ذاته بفتح بعض المدارس الفرنسية، وشجعت المبشرين على بذل كل ما يستطيعون لتنصير الجزائريين، ولم تترك لهم من الحرية إلا أن يموتوا جوعا كما يقول المستشرق المنصف جوستاف لوبون [١] .
وكان الجنرال بيجو أحد القواد الفرنسيين المستعمرين يجمع اليتامى من أطفال الجزائر ويأتي بهم إلى الكردينال (لافيجري) ويقول له: حاول أن تجعل هؤلاء الأطفال مسيحيين، وإذا فعلت ذلك فلن يعودوا إلى دينهم ليطلقوا علينا النار، وكان لافيجري يقول: علينا ان نجعل من الأرض الجزائرية مهدا لدولة مسيحية تضاء أرجاؤها بنور الإنجيل.. تلك هي رسالتنا.
وقد حرصت فرنسا على تشييد الكنائس الضخمة في كثير من المدن الجزائرية، وحولت بعض المساجد إلى كنائس أو دمرتها.
стр. 2501
ولكن آمال المستعمرين خابت، فقد قام الكردينال لافيجري بتربية نحو أربعة آلاف طفل من أيتام الجزائريين على المسيحية، ووضعهم في محيط قطع فيه جميع علاقاتهم مع المسلمين، ولكنهم عندما بلغوا سن الرشد عادوا إلى الإسلام دين آبائهم إلا النادر منهم [٢] .
في هذه الظروف القاسية وفي أشد أدوار محنة الجزائر بالاستعمار، ظهر عبد الحميد بن باديس فقاد أعظم نهضة إسلامية إصلاحية، وسدد الله خطاه فكان قائد الشعب الجزائري المسلم إلى التحرر من الجهل والخرافة والاستعمار.
نشأة ابن باديس:
ولد عبد الحميد بن محمد المصطفى بن مكي بن باديس في غرة ربيع الثاني سنة ١٣٠٨ بمدينة قسنطينة كبرى المدائن في شرق الجزائر، من أسرة معروفة بالعلم والفضل وسعة الجاه، ويتصل نسبه بالمعز بن باديس الصنهاجي مؤسس دولة صنهاجة التي خلفت دولة الأغالبة في القيروان، وكان عبد الحميد الابن البكر لوالديه، فعنيا بتربيته وتثقيفه على يد أفاضل المربين، وحفظ القرآن الكريم وهو في الثالثة عشرة من عمره، ولفت أنظار مؤدبيه، وخاصة الشيخ محمد المداسي الذي طلب إليه أن يؤم المصلين في صلاة التراويح خلال شهر رمضان في الجامع الكبير بقسنطينة.
وكان أبرز أساتذته في هذا الدور الشيخ حمدان الونيسي الذي تلقى عليه العربية وعلوم الشريعة بجامع سيدي محمد النجار، وقد أخذ عليه شيخه الونيسي عهدا ألا يعمل موظفا في الحكومة.
وفي عام ١٣٢٣ ارتحل ابن باديس إلى تونس والتحق بجامع الزيتونة، وكان من أبرز شيوخه في الزيتونة الشيخ محمد النخلي والشيخ محمد الطاهر عاشور، وبعد عامين من الدراسة كلف التدريس في الزيتونة فكان مع طلبه العلم يقوم بالتدريس على حسب العادة فيها، حتى نال شهادة التطويع (العالمية) من جامع الزيتونة.
رحلته إلى المشرق:
стр. 2502
وفي عام ١٣٣٠ عزم على الرحلة إلى بلاد الحجاز لأدار فريضة الحج، وفي المدينة المنورة لقي شيخه حمدان الونيسي الذي كان قد هاجر إليها، وقد ألقى بعض الدروس في المسجد النبوي، والتقى بأحد علماء الهند الشيخ حسين أحمد وتلقى عليه بعض العلوم، وكان الشيخ الونيسي قد طلب من ابن باديس الإقامة معه بالمدينة، ولكن الشيخ حسين أحمد أشار عليه بالعودة إلى الجزائر والقيام بنشر العلم في ربوعها، وممن التقى بهم في المدينة الشيخ البشير الإبراهيمي الجزائري الذي تبادل معه البحث في أحوال الجزائر وحاجتها إلى الإصلاح، وقد أصبح فيما بعد زميلا له في عمله في جمعية العلماء الجزائريين.
وبعد أن أمضى ابن باديس نحو عامين في الحجاز توجه نحو بلاد الشام، فزار بيت المقدس ودمشق وغيرهما من المدن الشامية، وقفل راجعا إلى الجزائر مارا بالقاهرة حيث التقى فيها بالشيخ محمد بخيت المطيعي مفتي الديار المصرية وهو من العلماء المصلحين وتلقى عليه وأجازه.
عودته إلى الجزائر:
وحين عاد إلى الجزائر عام ١٣٣٢ أقام في مسقط رأسه قسنطينة، وكان قد بلغ الخامسة والعشرين من عمره، فشرع في وضع خطة العمل في ذلك الجو المظلم من الاستعمار الغاشم الذي كان يفرض أسطورة الجزائر الفرنسية، وفي الوقت الذي نجح فيه الفرنسيون في اصطياد بعض الناس من محترفي السياسة الجزائريين قام ابن باديس بالعمل الهادئ لمحاصرة فرنسا في عزم ولين، من غير أن يلفت الأنظار أو يثير العقبات، فبدأ بإعداد جيل صالح ينهض بالجزائر نهضة إسلامية عربية، وشرع بالتدريس في الجامع الكبير بقسنطينة، ولكن الحكومة الفرنسية منعته من التعليم فيه بسعي المفتي في ذلك العهد الشيخ المولود ابن الموهوب، فسعى أبوه لدى الحكومة الفرنسية وكان ذا جاه عندها فسمحت لولده عبد الحميد بن باديس بالتدريس في الجامع الأخضر بقسنطينة.
بدؤه بالتعليم:
стр. 2503
يقول ابن باديس: لما قفلنا من الحجاز وحللنا بقسنطينة عام ١٣٣٢ وعزمنا على القيام بالتدريس، أدخلنا في برنامجنا دروسا لتعليم اللغة العربية وآدابها، والتفسير والحديث والأصول ومبادئ التاريخ والجغرافية والحساب وغيرها، ورأينا لزوم تقسيم المتعلمين إلى طبقات، واخترنا للطبقة الصغرى منهم بعض الكتب الابتدائية التي وضعتها وزارة المعارف المصرية، وأحدثنا تغييرا في أسلوب التعليم، وأخذنا نحث على تعلم جميع العلوم باللسان العربي والفرنسي، وتحبيب الناس في فهم القرآن، وندعو الطلبة إلى الفكر والنظر في الفروع الفقهية، والعمل على ربطها بأدلتها الشرعية، ونرغبهم في مطالعة كتب الأقدمين، ومؤلفات المعاصرين [٣] .
وكانت دروس ابن باديس تبدأ بعد صلاة الفجر، وتستمر طيلة النهار، لا يقطعها إلا فترة ساعة بعد صلاة الظهر يتناول فيها غداءه ويعود إلى عمله في تعليم الصغار حتى صلاة العصر، وبعد العصر يقوم بتعليم الشباب إلى المغرب، وبين العشاءين يقوم بالتدريس للكهول والشيوخ حيث تستمر دروسه إلى نحو منتصف الليل.
وفي دروسه للعامة كان يحرص على العبارات الفصيحة السهلة، وعن طريق التدريس والوعظ استطاع ابن باديس أن ينشر الفصحى بين العوام، وأن يرتفع بهم إلى إجادة اللغة العربية رغم أمية أكثرهم، وعن هذا الطريق استطاع المحافظة على اللغة العربية عند كثير من أبناء الجزائر، وكانت فرنسا تحارب اللغة العربية بكل وسيلة وتحل محلها لغتها الفرنسية.
وقد امتد نشاط ابن باديس إلى المدن الجزائرية الأخرى فكانت له دروس في مدينة الجزائر العاصمة، وفي مدينتي وهران وتلمسان إذ كان يسافر إلى هذه المدن كل أسبوع على بعد الشقة وطول المسافة فيلقي فيها دروسه في التفسير.
стр. 2504
وقد أثمرت جهود ابن باديس فلم يأت عام ١٣٤٠ حتى كان تلاميذه يتجاوزون الألف، وقد كفاه الله شر الاستعمار، وكان له من وجود والده درع وقاية من بطش فرنسا التي لا تصبر على أقل من هذه الحركات، وكان لوالده مقام محترم عند حكومة الجزائر، فسكتت عن الابن احتراما لشخصية والده كما يقول الشيخ البشير الإبراهيمي.
طريقته في التربية:
يمكن أن نتعرف على أسلوبه في التربية والتعليم من قوله: لن يصلح المسلمون إلا إذا صلح علماؤهم، لأنهم بمثابة القلب للأمة، ولن يصلح العلماء إلا إذا صلح تعليمهم، ولن يصلح التعليم إلا إذا رجعنا به إلى التعليم النبوي في شكله وموضوعه، في مادته وصورته، فقد صح عن النبي ﷺ : " إنما بعثت معلما " رواه مسلم.
فهو لا يسير على طريقة معاصريه من العلماء الذين كانوا يعكفون على كتب المتأخرين من المتون والمختصرات وخاصة في الفروع الفقهية مبتوتة عن أدلتها الشرعية، وكان يرى أن المسلمين لم يضعفوا إلا عندما فرقوا بين العلم والعمل، فكثرت البدع والضلالات، وجاءت الفرق الباطنية فعملت على أن تدخل في العقائد الإسلامية كثيرا من الضلالات عن طريق المتصوفة الذين فصلوا بين علوم الظاهر والباطن، مع أن الخلق القويم لابدّ أن يكون نتيجة تطابق الباطن مع الظاهر، ويقول ابن باديس: العلم قبل العمل، ومن دخل العمل بغير علم لا يأمن على نفسه من الضلال، كما يقول: إنما ينهض المسلمون بمقتضيات إيمانهم بالله ورسوله إذا كانت لهم قوة، وإنما تكون لهم قوة إذا كانت لهم جماعة تفكر وتدير.. إننا نربي والحمد لله تلامذتنا على القرآن، ونوجه نفوسهم إلى القرآن من أول يوم وفي كل يوم، وغايتنا التي ستتحقق أن يكوّن القرآن منهم رجالا كرجال سلفهم، وعلى هؤلاء الرجال القرآنيين تعلق هذه الأمة آمالها وفي سبيل تكوينهم تلتقي جهودنا وجهودها.
стр. 2505
ويوصي ابن باديس طلاب العلم بالاطلاع على مدارك المذاهب حتى ينشئوا فقهاء إسلاميين ينظرون إلى الدنيا من مرآة الإسلام الواسعة لا من عين المذاهب الضيقة.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] حاضر العالم الإسلامي ج ٢ ص ١٨١.
[٢] المرجع السابق ص ١٨٧.
[٣] آثار ابن باديس ج ٢ ص ٢٧ نقلا عن مجلة المنقد التي كان يصدرها ابن باديس.
стр. 2506
نداء ومناشدة
مدير المركز: عصام العطار
تلقت مجلة الجامعة الإسلامية من فضيلة الأستاذ عصام العطار الداعية الإسلامي، ومدير المركز الإسلامي في آخن نداء وجهه إلى المسلمين في كل مكان أفرادا ومنظمات وحكومات، ليناشدوا حكومة البنغال في باكستان الشرقية أن تفوت على أعداء الإسلام ما يريدونه من تحطيم الأخوة الإسلامية بين شطري باكستان، وذلك باعتزام حكومة البنغال تقديم أسرى الحرب الباكستانيين إلى المحاكمة كمجرمي حرب.
ونظرا لأهمية هذا النداء، وحرصا منا أن يصل إلى كل مسلم ليقوم بواجبه في هذا الموضوع الخطير، رأت مجلة الجامعة نشره على صفحاتها، وفيما يلي نص هذا النداء:
إن ما يحدث الآن في البنغال ((باكستان الشرقية)) من قتل وتنكيل بالمسلمين غير البنغاليين، وبالبنغاليين الذين وقفوا مع وحدة باكستان، وما تعتزمه حكومة البنغال من محاكمة (١٥٠٠) من الجيش الباكستاني الواقع في أسر الهند كمجرمي حرب ... يشكل خطرا بعيد المدى على الإسلام والمسلمين في شبه القارة الهندية، ويزيد الشقة اتساعا والهوة عمقا بين المسلمين هناك، ويضرب بعضهم ببعض، ويمكّن أعداءهم من إضعافهم وإخضاعهم والتحكم في أمورهم مما لا يرضاه الله ، ولا يقبله من كان في قلبه ذرة من الإيمان، ومن الشعور الصادق بأخوة الإسلام، ومن الحرص على الإسلام والمسلمين... إننا ندعوكم كما ندعو المسلمين في العالم كله حكومات وشعوبا، ومؤسسات واتحادات وجماعات وأفرادا مؤثرين، إلى أن تناشدوا السيد مجيب الرحمن وحكومة البنغال:
١_ إنهاء عمليات الانتقام والقتل والتنكيل، وإيقاف كل الإجراءات التي تعمق الهوة بينهم وبين باكستان، وتساعد على باكستان أعداءها الطامعين، وتصيب المسلمين في كل مكان، وتسيء إلى سمعتهم وسمعة الإسلام، وتحقق بأيدي المسلمين أهداف الأعداء الذين لا يريدون لهم إلا الدمار.
стр. 2507
٢_ طي صفحة الماضي، وفتح صفحة جديدة للمستقبل بعد هذه الأيام الشديدة القاسية، والتجاوب مع باكستان في اتخاذ الإجراءات التي تنتقل بهما من الوضع السلبي إلى الوضع الإيجابي.
إن هذا الأمر واجب تمليه مصلحة الإسلام والمسلمين في شبه القارة الهندية وفي كل مكان.
وإن هذا الأمر فريضة يفرضها الإسلام على المؤهلين للنهوض بها.
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ .
وليكن جهد الإصلاح فورا وقبل فوات الأوان.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 2508
نور السوط والعصا
للدكتور طه الزيني
المدرس في كلية الدعوة وأصول الدين في الجامعة
قدم الطفيل بن عمرو الدوسي على رسول الله ﷺ فأنشده من شعره وكان كافرا أراد أن يختبر حال النبي ﷺ بعدما سمع من قريش، فتلا عليه الرسول الإخلاص والمعوذتين فأسلم في الحال، وعاد إلى قومه يدعوهم إلى الإسلام، ولكن قومه عصوه وامتنعوا عليه، ولم يجبه إلى الإسلام إلا أبو هريرة ﵁.
فعاد إلى النبي وقال له: يا رسول الله إن دوسا عصت فادع الله عليهم، فقال الرسول: اللهم اهد دوسا، فقال الطفيل: ما كنت أحب هذا، فقال الرسول: إن فيهم ملكا كبيرا، وكان ملكهم عمرو بن حممه الدوسي يقول في الجاهلية: إن للخلق خالقا لكني لا أدري من هو..؟ فلما سمع بخبر النبي ﷺ ذهب ومعه خمسة وسبعون رجلا من قومه فأسلم وأسلموا، فلما دعا النبي ﷺ لدوس بالهداية، ورأى الطفيل أن لا مفر من دعوتهم قال للنبي ﷺ : ابعثني إليهم واجعل لي آية (علامة) على أني مبعوث من قبلك، فقال الرسول ﷺ "اللهم نور له نورا بين عينيه "فقال الطفيل: يا رب أخشى أن يقول الناس ((مثلة)) أي عيبا وداء في وجهي، فحول الله النور إلى طرف سوطه فكان يضيء له في الليلة المظلمة..
стр. 2509
هذا نور السوط.. أما نور العصا فقد كرم الله به رجلين من أصحاب رسول الله ﷺ هما أسيد بن حضير، وعباد بن بشر ﵄، وكانا من السابقين الأولين للإسلام وإلى المكرمات، أولهما ثبت يوم أحد حتى جُرح سبع جراحات، وقال فيه النبي ﷺ "نعم الرجل أسيد بن حضير "، وثانيهما كان ممن قتل كعب بن الأشرف اليهودي الذي خان الله ورسوله وأضمر الشر والعمل على هزيمة المسلمين، وقال الرسول ﷺ حينما سمع صوت عباد بن بشر يوما "اللهم ارحم عباد بن بشر" روى أنس ﵁ عن النبي ﷺ أن عباد بن بشر وأسيد بن حضير خرجا من عند النبي ﷺ في ليلة مظلمة فأضاءت عصا أحدهما، فلما افترقا أضاءت عصا كل واحد منهما.
(الإصابة ترجمة عباد بن بشر وأسيد ابن حضير) .
سيقول أناس: هل يعقل؟ وما الذي يجعل السوط يضيء والعصوين تضيئان؟ أقول لهم: الذي جعل الكهرباء في الجو فكان منها الرعد والبرق، وجعل صور الناس والأشياء فدخل في صندوق صغير هو جهاز التلفزيون، وجعل جلد الهر يسبب المغناطيسية إذا دُلك به عمود من الآبنوس، وجعل الأصوات تذهب من أقصى الأرض إلى أقصاها بقدرة الإنسان الذي جعل كل ذلك قادر على أن يجعل السوط والعصا مضيئتين.
стр. 2510
وأكبر من ذلك خلقه الله تعالى وسخره للإنسان، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الأِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ ، ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ ، ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ، لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ ، ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ .
أقول للشاكين والمستكثرين والمستعظمين: إن الله على كل شيء قدير.
стр. 2511
الإسلام والحياة منهج القرآن في تحرير العقل والفكر
بقلم أحمد عبد الرحيم السايح من علماء الأزهر
نزل القرآن بين العرب وباللغة العربية الفصحى، وكان العرب عند نزول القرآن مختلفين في عقائدهم وبمعتقداتهم اختلافا كبيرا، فمنهم المشركون عبدة الأصنام، ومنهم من كان يعتنق النصرانية أو اليهودية، ومنهم الأحناف الذين ترجع عقيدتهم إلى ملة سيدنا إبراهيم ﵇، ومن هؤلاء وأولئك من كان يتطلع إلى دين جديد، ونبي جديد، ولكنهم لا يدرون من أي قبيلة سيكون ذلك النبي، وبأي دين سيأتي، غير أن رأيا عاما كان منتشرا بينهم بقرب مقدم النبي الذي تحدثت عنه الكتب السماوية وملأ خبره أرض الجزيرة العربية.
ولقد حدثنا القرآن عن هذه الأنماط المختلفة من العرب ذوي العقائد المتباينة وخاطبهم جميعا، وعلى الرغم من وجود هذه المعتقدات والآراء إلا أن التاريخ لم يثبت أن هذه المعتقدات والآراء كانت تقوم على منهج عقلي أو فلسفي واضح، ولم يتح للعرب أن يبلوروا هذه المعتقدات في فلسفة فكرية ذات قواعد واضحة محددة، بل كانت قاعدتهم الفكرية هي ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُون﴾ وهذه القاعدة من شأنها أن تحجر على الفكر النظر والبحث والتأمل، وبالتالي توقف النمو العقلي الذي يعين على الوصول إلى الحقائق المتصلة بالكون والحياة.
ولهذا كانت مهمة القرآن هي العمل على إبطال هذه القاعدة وغرس ما من شأنه أن يدعو إلى استعمال العقل والتدبر والتأمل، حتى تزول تلك الحجب الكثيفة التي تحول بين العقل والرؤيا الصحيحة للأشياء، وليخلق أمة جديدة تعلي من شأن العقل، وتستخدمه في مختلف شئونها، وتفتح أمامه آفاقا غير محدودة لاستكناة حقائق الوجود، وأقام الإسلام منهجه في تحرير العقل والفكر على ثلاث دعائم هامة:
الدعامة الأولى:
стр. 2512
تحرير الإنسان من أغلال الحجر العقلي، وسيطرة التبعية العمياء، وتربيته على حرية الفكر واستغلال الإرادة، ليكمل بذلك عقله ويستقيم تفكيره، وتكتمل له شخصيته وإنسانيته، فإن كمال العقل واستقامة التفكير واستقلال الإرادة، هي أساس صحة العقائد واستقامة التدين ومعرفة الحق الذي يجب أن يتبع، ومعرفة الباطل الذي يجب أن يتجنب، كما يشير إلى ذلك قوله ﷺ : "ما اكتسب رجل مثل فضل عقل يهدي صاحبه إلى هدى ويرده عن ردىء وما تم إيمان عبد ولا استقام دينه حتى يكمل عقله".
وقد عني الإسلام ببناء هذه الدعامة عناية كبرى فجعل البرهان أساس الإيمان الصادق والعقيدة الصحيحة، وبين أن كل اعتقاد أو عمل لا يقوم على دلائل الحق فهو مردود على صاحبه، وأنذر الذين يجادلون في الله وآياته بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ .
стр. 2513
وكشف عن خلال القادة الدينيين الذين انحرفوا عن العهود والمواثيق المأخوذة عليهم، وافتروا على الله الكذب، وانتحلوا لأنفسهم حق التشريع والتحليل والتحريم، إرضاء لأهوائهم وإشباعا لشهواتهم، وتلبيسا على الناس في دينهم كما في قوله تعالى ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ ، ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ ، ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ، ﴿وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ .
ودعاهم إلى كلمة الحق التي يستجيب لها كل ذي قلب سليم وعقل رشيد، والتي لم يختلف فيها نبي مرسل ولا كتاب منزل كما قال تعالى ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ .
стр. 2514
وطالب كل ذي عقل بالنظر في عوالم السموات والأرض وما فيها من الدلائل الواضحة على وحدانية الله تعالى في ألوهيته وربوبيته كما في قوله تعالى ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ ، ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ، ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ ، ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ ، ﴿وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ .
واستنهض العقول ووجه الأفهام وأيقظ الحواس ونبّه المشاعر بالتعقيب على بيان الآيات الكونية والتشريعية بمثل قوله تعالى ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لأُولِي النُّهَى﴾ ، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ ، ﴿وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ ، ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ .
وبشر الذين يستمعون القول فينظرون فيه نظر الناقد البصير ويتبعون منه ما يدل على الحق ويهدي إلى الرشد كما قال تعالى ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ .
стр. 2515
وذم الغافلين ونعى عليهم غفلتهم وإعراضهم عن دلائل الآيات الكونية التي يشاهدونها في كل لحظة وهم عنها غافلون، وتطالعهم بدلائلها في كل آونة وهم عنها معرضون كما في قوله تعالى ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ ، ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ ، ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ .
وعاب على أسرى التقليد إعراضهم عن الحق الذي جاءت به أنبياء الله ورسله، وجمودهم على اتباع ما وجدوا عليه آباءهم، وارتكابهم الفواحش باسم الدين، تعصبا للجمود والتبعية العمياء كما قال ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ﴾ ، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ﴾ ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ .
стр. 2516
ويبين لهم عاقبة التبعية العمياء ومدى جنايتها عليهم كما قال تعالى ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً﴾ .
فالتقليد الأعمى من شر ما تبتلى به الأفراد والجماعات لأنه يميت مواهب الفكر والنظر ويوجب جمودها وركودها، ولا يميز بين الحق والباطل ولا بين الصواب والخطأ، ولا يفرق بين التقليد في الخير والتقليد في الشر، ويحمل أهله على الإعراض عن الحق ومعاداة أهله، والوقوف في طريق الإصلاح والمصلحين، والجمود على العقائد والمذاهب الموروثة والتعصب الجماعي لحمايتها، لأن قيام العقائد والمذاهب على أساس الوراثة وتقليد الآباء والأجداد يضفي عليها قداسة تستحوذ على عواطف الوارثين لها، وتصرفهم عن التفكير في صحتها أو بطلانها، ومعارضة كل إصلاح جديد يخالفها، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقائق في آيات كثيرة في شأن معاداة الأمم الماضية لدعوة رسلهم ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ ، وقال في شأن معاداة قريش للدعوة الإسلامية ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ أجعل أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ .
стр. 2517
وهكذا يفعل التقليد الأعمى وتقديس المعتقدات القائمة على الوراثة، فهؤلاء كانوا يعرفون الرسول حق المعرفة، ويعلمون صدقه وأمانته حق العلم، ولكن التعصب الجماعي القائم على التقليد الأعمى وتقديس ما وجدوا عليه آباءهم حملهم على أن يعجبوا من دعوته ويتنكروا لها، ويقولوا فيه وفي دعوته ما حكاه القرآن عنهم، ولو أنهم حرروا أنفسهم من سيطرة التقليد الأعمى والتعصب الجماعي، ورجعوا إلى تحكيم عقولهم وضمائرهم وسلكوا الطريق التي أرشدهم إليها القرآن في قوله ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ ولو خلا كل واحد منهم بمن يعرف فيه سداد الرأي واستقامة التفكير واستطلع رأيه واستكشف ما في قرارة نفسه، أو خلا بنفسه واستوحى عقله واستفتى قلبه لزالت عنهم تلك الغشاوة التي عقدها التعصب الأعمى على القلوب والأبصار ولعرفوا أن صاحبهم صلوات الله وسلامه عليه ليس به ما يفترون، وإنما هو رسول من الله صادق أمين، ونذير لهم بين يدي عذاب شديد.
وهذه الحقيقة التي قررناها وهي أن قيام المذاهب والعقائد على أساس الوراثة والتقليد الأعمى يضفي عليها قداسة تستحوذ على عواطف الوارثين لها وتصرفهم عن التفكير في فسادها وبطلانها، وتحملهم على التعصب الجماعي لحمايتها من كل دعوة تخالفها أو تنتقص من قداستها، هي السر في تمسك الأمم والطوائف بالمذاهب الموروثة وجمودهم عليها وإن كانت لا تستند إلى نظر صحيح، ولا تقوم على أساس من الحق، وقصارى ما تعتمد عليه هو التقليد الأعمى القائم على التبعية العمياء وتقديس مواريث الآباء والأجداد.
стр. 2518
ولهذا قرر الإسلام حق الإنسان في حرية الفكر واستقلال الإرادة، وفتح له طريق التحرر الفكري والاستقلال الإرادي، وبوأه المنزلة اللائقة بإنسانيته وكرامته، وعرفه أن الله تعالى لم يخلقه عبدا يقاد كما تقاد الأنعام، ولا جعل لمخلوق حق السيطرة على عقله وفكره، وإنما خلقه حرا مالكا لقيادة نفسه، وعبدا خالصا لربه، يفكر بعقله ويسترشد بمواهبه ويعمل باختياره وإرادته، ويهتدي بنور العلم في اختياره وعمله، لا يظهر العبودية إلا لخالقه ولا يدين في عقائده وسلوكه إلا بدين الحجة والبرهان.
وهناك حقيقتان قد يقع الخلط في فهمهما:
أما الحقيقة الأولى: فهي أن التقليد الذي ذمه الإسلام وشدد النكير على أهله، والذي سبق بيان مفاسده وآثاره السيئة في الأفراد والجماعات إنما هو التقليد الذي يقوم على التبعية العمياء، والجمود على القديم الموروث، وومحاربة كل جديد يخالفه، ولو كان ذلك الجديد أقوم طريقة وأهدى سبيلا.
وأما الحقيقة الثانية: فهي أن حرية الفكر التي جعلها الإسلام رائدا للتفكير الديني ونبراسا للعقول والأفهام في الاهتداء إلى معالم الحق هي الحرية التي تطلق العقول والأفهام من أغلال الحجر العقلي، والكبت الفكري، وتحررها من سيطرة التقليد والتبعية العمياء، وتجلي لها معالم الحقائق التي كانت محجوبة عنها، وتجعل قيادة التوجيه قيادة بناء وإصلاح وإرشاد، لا قيادة هدم وإفساد وتضليل، وتستمد مقوماتها العلمية من هدى الإسلام وتعالميه، ونضوج العقل واستقامة التفكير والاعتماد على قضايا الحق والمنطق، وتحكيم الحجة والبرهان، وتجري في فهم نصوص الكتاب والسنة والاستنباط منها، والاستدلال بها على قوانين النظر والاستدلال، وأوضاع اللغة العربية وخصائص دلالتها، إذ لو وكل الأمر في ذلك إلى الناس يفهمونها ويستنبطون منها كما يريدون ويشتهون لاختلت موازين الصواب والخطأ في الفهم والاستنباط وغابت الحقائق عن الأفهام في غمرة الأهواء.
стр. 2519
الدعامة الثانية: تحرير الإنسان من أصفاد الجهل وظلمته، فإن الجهل يقتل مواهب الفكر والنظر ويطفئ نور القلوب ويعمي البصائر ويميت عناصر الحياة والقوة في الأمم، ويفسد على جماهير الناس مناهج الدين والتدين، وهو الذي يجعل النفوس مستعدة لقبول ما يحدث في الدين من خرافات وبدع، لأن أهل الأهواء والبدع الذين يظهرون بين الناس بمظهر القادة والزعماء الدينيين يجدون في الجهل بتعاليم الدين مجالا واسعا لنشر الخرافات والبدع باسم الدين، ويسارع أكثر الناس وبدافع الجهل والثقة العمياء إلى اعتناقها ويعملون بها على أنها من الدين وهم لا يعلمون أن الدين منها براء.
ولقد عني الإسلام ببناء هذه الدعامة دعامة تحرير الإنسان من الجهل عناية كبرى، فذم الجهل والجاهلين في مواطن كثيرة كما في قوله تعالى ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُون﴾ ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ .
وأنحى باللائمة على اللذين يتبعون الظنون والأوهام في عقائدهم وتدينهم كما في قوله تعالى ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾ ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّاً إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ .
стр. 2520
وعظّم شان العلم وحث على طلبه كما في قوله ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ ن وقوله ﷺ "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ويلهمه رشده" [١] "من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة" [٢] .
ونوه بفضل الحكمة وما فيها من الخير الكثير كما في قوله تعالى ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ وقوله ﵌ "لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها الناس" [٣] ، ورفع منزلة العلماء وجعلهم أهل خشيته وقرن شهادتهم بشهادته تعالى وشهادة ملائكته كما في قوله تعالى ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ ، ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ .
وجعلهم ينابيع العلم وموارد العرفان ورواد الحق ودلائل الهدى كما في قوله تعالى ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ وخصهم بالتعقل والفهم في مقام ضرب الأمثال وبيان آيات الله الكونية كما في قوله تعالى ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ ، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ .
стр. 2521
وهكذا عرف المسلمون الأولون منزلة العلم وفضله وأدركوا مبلغ الحاجة إليه في دنياهم وبناء مجتمعاتهم ودعم سلطانهم، وأنه هو الذي يوضح لهم معالم السير على النهج القويم، ويفتح لهم آفاق الحياة العزيزة الكريمة ويكشف لهم عن أسرار العوالم الكونية ونواميسها، ويقيم لهم وسائل الحياة والقوة، ويبني لهم قواعد السيادة والمجد.
عرفوا كل هذا فوجهوا عزائمهم إلى طلب العلوم على اختلاف أنواعها ولم يشغلهم عن طلبها ترف الحضارة ونعماؤها، ولا ثنت عزائمهم عنها بأساء الحياة وضراؤها، وبحثوا عنها في آيات الله التشريعية وآياته الكونية، وأقاموا لها في كل قطر إسلامي منارا عاليا، وحملوا مشاعلها إلى مشارق الأرض ومغاربها، ولم يقفوا بجهودهم عند نتاج عقولهم وأفهامهم بل اتجهوا بها أيضا إلى علوم السابقين يدرسونها ويمحصونها ويأخذون عنها ويزيدون عليها، وما هداهم إليه البحث والنظر والاستدلال فاستخرجوها من زوايا الإهمال والنسيان، وأخذوا إبريزها بعد أن زادوه نقاء وصفاء، وردوا زائفها بعد أن بينوا زيفه وفساده، لأنهم كانوا يطلبون هذه العلوم طلب الناقد البصير، لا طلب التابع المقلد، واكتمل لهم من ملكات العلوم والفنون في جيل واحد، ما لم يكتمل لأمه من الأمم الناهضة في عدة أجيال.
وإن تعجب لهذه النهضة العلمية التي تخطت مراحل النهوض في الأمم فعجب أنهم قاموا بها على رغم الأحداث العاتية التي حملوا أعباءها، والحروب الطاحنة التي خاضوا غمارها لأن الأحداث والخطوب وإن بلغت من العنف ما بلغت لا تستطيع أن تقف في طريق العقائد التي انطوت عليها القلوب، ولا أن تمنع العزائم القوية من الوصول إلى أغراضها وأهدافها.
стр. 2522
وبهذه النهضة العلمية استطاعوا أن يعملوا عمل الأقوياء لدينهم ومجتمعهم، لأن العمل لبناء المجتمعات القوية في دينها ودنياها لا يصدر إلا عن إرادة قوية دافعة، والإرادة القوية الدافعة لا تنبثق إلا من العلم، فالأمة التي أفقدها الجهل قوة الإرادة وصدق العزيمة لا يمكن أن تعمل لدينها ولا لكيانها.
الدعامة الثالثة: تحرير الإنسان من طاعة الأهواء والانقياد الأعمى لوحيها، لأن طاعة الأهواء من أقوى عوامل انحراف الإنسان في سلوكه والتوائه في نظره وتفكيره، وضلاله في عقائده وتدينه، فإن الهوى ما دخل في شأن من شئون الدين والدنيا إلا أفسده.
فعبّاد الأهواء لا تسلم لهم طوية ولا يستقيم لهم رأي، ولا تعتدل لديهم موازين الحكم ولا يخضعون لحق ليس في جانبهم.
ولهذا عُني الإسلام بالتحذير البالغ من اتباع الهوى والانقياد الأعمى للأشياء، فذم العاكفين على عبادة الأهواء والأغراض، ونعي عليهم ضلالهم وانحرافهم عن الحق إرضاء لأهوائهم كما في قوله تعالى ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ﴾ ، ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ، ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ .
وهكذا طالبنا الإسلام بأن نطهر نفوسنا وسلوكنا من الأغراض الخفية، والأهواء الدفينة، ونحرر عقولنا وأفهامنا من الخضوع للجهل والانقياد الأعمى، وأن نجعل أهواءنا تبعا لحكم الله وشرعه.
стр. 2523
وبهذا قام الإسلام بثورة تحريرية كبرى أطلق بها العقول من إسارها، ودفعها للتأمل في ملكوت السموات والأرض، ليكون الإيمان مبنيا على الفهم والاقتناع لا على القسر والإرهاب.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] أما الجزء الأول من الحديث فرواه الشيخان وغيرهما وتمامه عندهما ((وإنما أنا قاسم والله يعطي)) هكذا لفظ البخاري في كتاب العلم، وأما قوله ((ويلهمه رشده)) فرواه الطبراني وأبو نعيم في الحلية وحسنه ابن حجر، أما الذهبي فقال هو حديث منكر.
[٢] متفق عليه واللفظ المذكور رواه الترمذي.
[٣] متفق عليه ولفظ مسلم قريب مما ذكره إلا أنه قال ((ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها)) أخرجه في كتاب صلاة المسافرين.
стр. 2524
وذكّر فإن الذكرى تنفع المؤمنين
للشيخ حسن السيد متولي
المدرس بكلية الدعوة وأصول الدين في الجامعة
قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ .
стр. 2525
وجه مناسبة الآية الأولى لما قبلها أنه لما بين للمؤمنين ما تقوم به الجماعة المؤمنة من إيمان بالله يصاحب المؤمن إلى آخر حياته، ومن اعتصام بحبل الله وهو كتابه الكريم، ومن أخوة بين المؤمنين تربطهم برباط الإيمان، بيّن بهذه الآية الهدف الذي تسعى إليه الجماعة الإسلامية وتعمل على تحقيقه، ويكون وظيفة لها تصون به المجتمع الإسلامي من عوامل التحلل والانحراف وتقوده إلى ما فيه الخير والفلاح فقال ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ أمر سبحانه أن تكون هناك جماعة من المسلمين تقوم بالدعوة إلى الخير إلى دين الله والأخذ بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ و (مِن) في الآية للتبعيض، لأن الجماعة المأمورة هي المستطيعة لأداء ما كلفت به ولا تكون إلا من العلماء الدارسين لكتاب الله وسنة رسوله وهم بعض الأمة ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ وهذا من عطف الخاص على العام، لأن قوام الدعوة إلى الله وحفظها إنما يكون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم بين سبحانه أن الأمة الإسلامية إذا قامت بهذا التكليف كان جزاؤها الفلاح في الدنيا والآخرة ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ثم حذر الله من التفرق والاختلاف بعد وضوح آيات الله ونصوص شريعته لأن هذا يجرهم إلى ضياع ما أعد لهم من الفلاح وانخراطهم في سلك من عذبوا بسبب تفرقهم وتركهم ما كلفوا به فقال ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ في دنياهم وأخراهم.
следующие страницы →