← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

وهكذا عرف المسلمون الأولون منزلة العلم وفضله وأدركوا مبلغ الحاجة إليه في دنياهم وبناء مجتمعاتهم ودعم سلطانهم، وأنه هو الذي يوضح لهم معالم السير على النهج القويم، ويفتح لهم آفاق الحياة العزيزة الكريمة ويكشف لهم عن أسرار العوالم الكونية ونواميسها، ويقيم لهم وسائل الحياة والقوة، ويبني لهم قواعد السيادة والمجد. عرفوا كل هذا فوجهوا عزائمهم إلى طلب العلوم على اختلاف أنواعها ولم يشغلهم عن طلبها ترف الحضارة ونعماؤها، ولا ثنت عزائمهم عنها بأساء الحياة وضراؤها، وبحثوا عنها في آيات الله التشريعية وآياته الكونية، وأقاموا لها في كل قطر إسلامي منارا عاليا، وحملوا مشاعلها إلى مشارق الأرض ومغاربها، ولم يقفوا بجهودهم عند نتاج عقولهم وأفهامهم بل اتجهوا بها أيضا إلى علوم السابقين يدرسونها ويمحصونها ويأخذون عنها ويزيدون عليها، وما هداهم إليه البحث والنظر والاستدلال فاستخرجوها من زوايا الإهمال والنسيان، وأخذوا إبريزها بعد أن زادوه نقاء وصفاء، وردوا زائفها بعد أن بينوا زيفه وفساده، لأنهم كانوا يطلبون هذه العلوم طلب الناقد البصير، لا طلب التابع المقلد، واكتمل لهم من ملكات العلوم والفنون في جيل واحد، ما لم يكتمل لأمه من الأمم الناهضة في عدة أجيال. وإن تعجب لهذه النهضة العلمية التي تخطت مراحل النهوض في الأمم فعجب أنهم قاموا بها على رغم الأحداث العاتية التي حملوا أعباءها، والحروب الطاحنة التي خاضوا غمارها لأن الأحداث والخطوب وإن بلغت من العنف ما بلغت لا تستطيع أن تقف في طريق العقائد التي انطوت عليها القلوب، ولا أن تمنع العزائم القوية من الوصول إلى أغراضها وأهدافها.

стр. 2522

وبهذه النهضة العلمية استطاعوا أن يعملوا عمل الأقوياء لدينهم ومجتمعهم، لأن العمل لبناء المجتمعات القوية في دينها ودنياها لا يصدر إلا عن إرادة قوية دافعة، والإرادة القوية الدافعة لا تنبثق إلا من العلم، فالأمة التي أفقدها الجهل قوة الإرادة وصدق العزيمة لا يمكن أن تعمل لدينها ولا لكيانها. الدعامة الثالثة: تحرير الإنسان من طاعة الأهواء والانقياد الأعمى لوحيها، لأن طاعة الأهواء من أقوى عوامل انحراف الإنسان في سلوكه والتوائه في نظره وتفكيره، وضلاله في عقائده وتدينه، فإن الهوى ما دخل في شأن من شئون الدين والدنيا إلا أفسده. فعبّاد الأهواء لا تسلم لهم طوية ولا يستقيم لهم رأي، ولا تعتدل لديهم موازين الحكم ولا يخضعون لحق ليس في جانبهم. ولهذا عُني الإسلام بالتحذير البالغ من اتباع الهوى والانقياد الأعمى للأشياء، فذم العاكفين على عبادة الأهواء والأغراض، ونعي عليهم ضلالهم وانحرافهم عن الحق إرضاء لأهوائهم كما في قوله تعالى ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ﴾ ، ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ، ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ . وهكذا طالبنا الإسلام بأن نطهر نفوسنا وسلوكنا من الأغراض الخفية، والأهواء الدفينة، ونحرر عقولنا وأفهامنا من الخضوع للجهل والانقياد الأعمى، وأن نجعل أهواءنا تبعا لحكم الله وشرعه.

стр. 2523

وبهذا قام الإسلام بثورة تحريرية كبرى أطلق بها العقول من إسارها، ودفعها للتأمل في ملكوت السموات والأرض، ليكون الإيمان مبنيا على الفهم والاقتناع لا على القسر والإرهاب. -------------------------------------------------------------------------------- [١] أما الجزء الأول من الحديث فرواه الشيخان وغيرهما وتمامه عندهما ((وإنما أنا قاسم والله يعطي)) هكذا لفظ البخاري في كتاب العلم، وأما قوله ((ويلهمه رشده)) فرواه الطبراني وأبو نعيم في الحلية وحسنه ابن حجر، أما الذهبي فقال هو حديث منكر. [٢] متفق عليه واللفظ المذكور رواه الترمذي. [٣] متفق عليه ولفظ مسلم قريب مما ذكره إلا أنه قال ((ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها)) أخرجه في كتاب صلاة المسافرين.

стр. 2524

وذكّر فإن الذكرى تنفع المؤمنين للشيخ حسن السيد متولي المدرس بكلية الدعوة وأصول الدين في الجامعة قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ .

стр. 2525

وجه مناسبة الآية الأولى لما قبلها أنه لما بين للمؤمنين ما تقوم به الجماعة المؤمنة من إيمان بالله يصاحب المؤمن إلى آخر حياته، ومن اعتصام بحبل الله وهو كتابه الكريم، ومن أخوة بين المؤمنين تربطهم برباط الإيمان، بيّن بهذه الآية الهدف الذي تسعى إليه الجماعة الإسلامية وتعمل على تحقيقه، ويكون وظيفة لها تصون به المجتمع الإسلامي من عوامل التحلل والانحراف وتقوده إلى ما فيه الخير والفلاح فقال ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ أمر سبحانه أن تكون هناك جماعة من المسلمين تقوم بالدعوة إلى الخير إلى دين الله والأخذ بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ و (مِن) في الآية للتبعيض، لأن الجماعة المأمورة هي المستطيعة لأداء ما كلفت به ولا تكون إلا من العلماء الدارسين لكتاب الله وسنة رسوله وهم بعض الأمة ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ وهذا من عطف الخاص على العام، لأن قوام الدعوة إلى الله وحفظها إنما يكون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم بين سبحانه أن الأمة الإسلامية إذا قامت بهذا التكليف كان جزاؤها الفلاح في الدنيا والآخرة ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ثم حذر الله من التفرق والاختلاف بعد وضوح آيات الله ونصوص شريعته لأن هذا يجرهم إلى ضياع ما أعد لهم من الفلاح وانخراطهم في سلك من عذبوا بسبب تفرقهم وتركهم ما كلفوا به فقال ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ في دنياهم وأخراهم.

стр. 2526

فحكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أنه فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الأمة جميعها وإذا لم يقم به أحد أثمت الأمة بتمامها، وكل فرد مكلف بأن يأمر نفسه بالمعروف وينهاها عن المنكر كما يأمر غيره وينهاه، وإهماله نفسه لا يرفع عنه التكليف بالنسبة لغيره. وهناك أمور من الشريعة معلومة لجميع الناس مثل وجوب الصلاة والزكاة والصيام وحرمة القتل والزنا والسرقة وشرب الخمر فمثل هذه الأمور التكليف فيها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شامل لجميع الناس، وما عداها مختص بأولي العلم والمعرفة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر له ناحيتان: ناحية عامة وناحية خاصة. أما الناحية العامة فالمطلوب فيها العمل على قدر الاستطاعة في حدود قول الرسول ﷺ : "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه " فتغيير المنكر واجب على كل فرد بما يراه ميسورا له إما بالأسهل كالكلام، أو بالأشد كالمنع باليد إذا لم يترتب على استعمال القوة إثارة عصبية ينتج عنها فتنة ومقاتلة، وعليه في هذه الحال الانتقال إلى الإنكار باللسان وطلب الكف عن المنكر وإلا فلينكر بقلبه وإلا كان شريكا له في الإثم. وهذا التكليف لا يتعدى مرتبة الوعظ والإرشاد وتحاشي الضرر والفتنة وليس قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ ليس معارضا للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأنه لا تتحقق الهداية إلا بالقيام بالواجبات، ومنها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا فعلوا فقد بلّغوا ولا يضرهم بعد هذا من لم يهتد، لأن الهداية من شئون الله كما قال لرسوله ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ .

стр. 2527

أما الناحية الخاصة وهي ما تشير إليه الآية الكريمة في قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ فالمقصود هنا أن الله يأمر بقيام جماعة من العلماء مؤيدة بسلطان بحيث تأمر فتطاع، وتنكر فتنفذ حدود الله على من ارتكب منكران وتتولى إعداد الدعاة بالتعليم لتكون سلسلة هذه الجماعة متصلة الحلقات إلى قيام الساعة تحقيقا لقول الرسول ﷺ : "لا تزال طائفة من أمتي قائمة على أمر الله لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله ". والقيام بأمر الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس هينا ولا يسيرا لما يصطدم به من شهوات الناس ومصالحهم، وغرورهم وكبريائهم، وفيهم الظالم المفتري والحاكم المتسلطن والمنحل، والمنحرف، لهذا كان تكليف الله به عظيما يحتاج من الأمة المسلمة أن تهيئ له جماعة تتمكن بسلطانها من أن تدفع عن الجماعة المسلمة كل ما تتعرض له في دينها وأخلاقها ومعاملاتها مما يتنافى مع الشريعة وتقاوم كل ظالم ومتسلط ومنحرف. أما إن كانت مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر منحصرة في حدود وعظ وإرشاد فقد تعرضت الأمة للانهيار، وقد شاهدنا في أغلب دول المسلمين أنها اكتفت في أمر هذا التكليف بالوعظ والإرشاد، وكان من نتيجة إهمال الحدود انحراف البسطاء وتسلط الأقوياء الظالمين حتى أصبح الدين الإسلامي مجرد طقوس يقوم بها بعض الضعفاء.

стр. 2528

ولهذا ولما نراه في عصرنا ونشاهده مما أحاط بالمجتمعات الإسلامية من كيد أعدائها حتى سلب منها مقوماتها الإسلامية وأصبحت أشباحا لا روح فيها ولا قوة لها يحركها أعداؤها كما يشاؤون، كان لابد من أن يستجاب أمر الله في هذه الآية بإقامة جماعة ذات سلطان قوي في كل دولة مسلمة ولها مندبون في كل مدينة وقرية تأمر فتطاع، وتنهى عن المنكر، وتنفذ حدود الله على من ارتكبوا المنكرات، وبدون تنفيذ حدود الله القتل للقاتل، والرجم للزاني المحصن، وقطع يد السارق، والجلد والسجن والتعزير لكل من ارتكب موجب ذلك، لأن قيام هذه الجماعة هو لحماية المسلمين من أن تغتالهم شياطين الإنس والجن، ولتصون التقاليد الإسلامية والتعاليم الشرعية عند المسلمين فيستقر الخير والعدل في حياة الأمة، وينعدم الشر والظلم فيها وتسد الطريق على كل صاحب هوى أو شهوة أو مصلحة يدعي أنه يعرف الخير والصواب. إن قيام هذه الجماعة ضروري لفلاح الأمة وصلاحها، ألم يكن المعروف فيه الخير والفضيلة والحق والعدل، والمنكر فيه الشر والرذيلة والباطل والظلم، فأي المجتمعين أفضل وأنفع في الحياة الدنيا والآخرة، مجتمع الخير والفضيلة والحق والعدل أم مجتمع الشر والرذيلة والباطل والظلم، وهل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور. لقد كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبا في الأمم المتقدمة، ولما أهملوا أمر الله ذلوا ولعنوا على لسان أنبياء الله ورسله كما قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ .

стр. 2529

وقد أهملت هذه القاعدة التي وضعها الله تعالى للمسلمين وهي قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى حكمت أغلب الدول بغير ما أنزل الله، وتسلط عليها سفهاؤها وجدّوا في إضلالها فعاقبهم الله بالضعف والذل وتسلط عدوهم عليهم، إن المجتمع الإسلامي لا ينهض إلا بإقامة شرع الله في أرضه وتحقيق الخير وسط هذا المجتمع وإزالة الشر منه، وبهذا ينمو فيه الخير ويسود وينتفي فيه الشر ويزول لأن عمل الخير يجد من المساعدة ما ينميه، فهو في بيئة خيرة، وأما الشر فلا يستطيع الظهور وسط هذا المجتمع لأن كل ما حوله يعارضه ويمقته، ولو فرض وكان للشر أعوان فإن جماعة المسلمين الآمرة الناهية تعارض الشر وأهله فيبوء بالفشل لأنه لم يجد البيئة الصالحة لنموه. فأخص صفات المؤمنين هي صفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهي ميزتهم قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ ، وبهذه الصفة كانت الأمة الإسلامية خليفة الله في أرضه، وقد قلدها الله وسام الخير وفضلها على العالمين فقال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ ، وهي المعنية بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ ، وإذًا فهي الأمة التي أخرجها الله لقيادة العالم للخير، أمة عاملة تتقدم العالم في مناحي الحياة في منهاج إسلامي كله خير وبركة على العالمين تقود البشرية لصالح حياتها فتشعر الإنسانية برحمة الرسالة المحمدية لأن هذه الأمة: ١_ تقوم على حراسة الحياة من الشر والفساد.

стр. 2530

٢_ تكون لها القوة التي تمكنها من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة حدود الشريعة المحمدية في الأرض. ٣- تحرص على الخير وتعارض الشر وتصون المجتمع من عوامل الفساد. ٤_ تؤمن بالله ورسله، وتفهم كتاب الله وسنة رسوله، فتعرف الموازين الصحيحة للقيم وتدرك المعروف والمنكر إدراكا صحيحا كما أتى به الوحي. ٥- يقوى عندها الباعث على الخير من سلطان الله في الضمائر، ومن سلطان الشريعة في المجتمع. ٧_ يكون زاد هذه الأمة التي تحملت تبعة الدعوة إلى الله في المجتمع زادها الإيمان، وكل زاد سواه ينفذ، وعدّتها الإيمان وكل عدّة سواه تُفَل، وسندها الله وكل سند غير سند الله ينهار. وبهذا يصان المجتمع الإسلامي من كل عوامل الهدم والفساد، ويصبح مجتمعا مشرفا بنور الإيمان، فيكون في نظامه وسلوكه أعظم دعوة لدين الله في هذا العالم، لأنه قد تحصن من داخله بما وضعه الله من قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكن لابدّ من تأمين هذا المجتمع من أعدائه خارج حدوده أمم الكفر وفي مقدمتهم اليهود، وقد كلف الله المسلمين بإقامة القاعدة التي تحمي الجماعة الإسلامية وتصون حدود وطنها وتفتح الطريق للدعوة فيما وراء الحدود فقال جل شأنه: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ .

стр. 2531

فمن ضرورات الحياة للمسلمين الإعداد للجهاد بقدر الاستطاعة لجميع أدوات الحرب، وخصوصا أقوى الأسلحة في حماية الحدود ورد العدوان والهجوم إن احتاج الأمر إليه، ولهذا خص الله في الإعداد رباط الخيل، لأنه كان أقوى الأسلحة في زمن الرسول ﷺ ، أقواها على الدفاع والهجوم، وأمر الله للمسلمين دائم في جميع الأزمنة بإعداد ما يناسب كل زمان من عدة الحرب، فلابد للإسلام من قوة ينتشر بها في الأرض لتحرير الإنسان في عقيدته ونشر رحمة الله بين العالمين، وأهداف هذه القوة ما يأتي: ١_ تأمين من يختار هذا الدين على عقيدته وضمان حرية الاختيار والعمل، فلا يصد عن العقيدة ولا يفتن بعد إسلامه. ٢_ إرهاب أعداء الدين من عرفناهم ومن لم نعرفهم، فلا يفكرون في الاعتداء على دار الإسلام. ٣_ أن يبلغ الخوف من قوة المسلمين الحد الذي يجعل أعداء الدعوة لا يفكرون في معارضتها، ولما كان هذا الإعداد يحتاج إلى المال الكثير أمر الله المسلمين بالإنفاق في سبيله، ووعدهم خير الجزاء على ما ينفقون. والهدف العام من هذا الإعداد أن تكون كلمة الله هي العليا ويكون للدين كله لله، فليس إعدادا من أجل استغلال الشعوب وفتح الأسواق التجارية كما يظهر في أسلوب الدول الرأسمالية، ولا لفرض مذهب بشري من صنع لئيم كالشيوعية، ولا لتقرير سلطان أمة على أخرى، أو جنس على جنس، إنما هو إعداد لله وفي سبيل الله وللخير وفي سبيل الخير للعالمين، لتسود ألوهية الله وتعلو كلمته وينال الناس رحمة الرسالة العامة كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ . ولا خلاص للمسلمين إلا بتنفيذ أوامر الله تعالى في إقامة هاتين القاعدتين العظيمتين لحماية المسلمين داخل بلادهم وخارج حدودهم، هما قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي تقيم حدود الله وتنفذ شريعته، وقاعدة إعداد العدة للجهاد في سبيل الله.

стр. 2532

ولا يقعد بالمسلمين عن المسارعة إلى إجابة ربهم ما عليه عدوهم من قوة لا يمكن الآن الإعداد مثلها فيعيشون بجانب أعدائهم أذلاء يستجدونهم الكف عنهم، فهيهات هيهات أن يكف عدوك عنك بعد أن بلغ أمنيته من التمكن منك، ونحن نلمس واقعنا الأليم الذي سببه الإهمال في الاستجابة لرب العالمين، فسارعوا أيها المؤمنون إلى استجابة النداء، واذكروا أن الله لم يكلفكم في الإعداد لعدوكم إلا بقدر ما تستطيعون وهو ناصركم وما النصر إلا من عند الله. ولا يقف في طريقه القوى المادية مهما بلغت، ولهذا نبه الله المؤمنين بقوله: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ﴾ ، وقال: ﴿وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ ، لقد بيّن الله للمؤمنين طريقهم في الحياة، بيّن لهم القواعد التي تحميهم من شر أعدائهم، ووعدهم النصر إن سلكوا طريقه، والشر محيط بهم من كل جانب، ولا نجاة إلا بالرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله، عقيدة وعملا ودعوة وجهادا في سبيله حسب ما شرعه الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ .

стр. 2533

يا فتية الإسلام للشيخ عبد الله قادري: المشرف الاجتماعي يا إخوتي يا فتية الأمجاد هيا بنا نسعى لساح الجهاد قودوا الشباب بقوة وشجاعة وبنور دين ساطع وقّاد وتحرروا من كل قيد عائق يثني عن الإعزاز والإسعاد واغدوا أساتذة الأنام وجددوا ما كان للآباء والأجداد وعلى مآذن كل أرض فارفعوا ((الله أكبر)) رغم كل معادي واحموا البرية من شقاء محدق يهوي بها سفلا لشر مهاد زعموا الصعود على الكواكب رفعة والأرض ملأى منهمو بفساد قتل وتشريد وظلم فادح وعبادة للمال والأجساد وتآمر متعدد، ثمراته ظهرت مدمرة بكل بلاد ومناهج هدامة مرت على ال آباء والأبناء والأحفاد ومحاضن شيدت لخطف شبابنا وغذتهمو بالكفر والإلحاد حتى غدا أبناؤنا في أرضنا أعداء ماضينا المجيد البادي ومن المكاسب للعدا قد حققوا ما لم يكن قد دار بالأخلاد يا فتية الإسلام كيف منامكم وعدوكم كلب عقور عادي! إن العدو عليكمو متكالب ولدينكم لا زال بالمرصاد والمسلمون شيوخهم وصغارهم يصلون بالتعذيب والإبعاد إخواننا في القدس في أثيوبيا في الصين في موسكو وأرض تشاد ومذابح الفئران لا تخفى على متتبعي أحداث كل بلاد؟ يسنتصرون ويصرخون جميعهم وكأنما صرخاتهم في وادي أين الأخوة والتناصر بيننا أين الذمام ووثبة الآساد فابنوا لنا صرحا منيعا ينثني عنه العدو بخيبة وكساد بل فادفعوا في نحره بجحافل تتلو جحافل للجهاد تنادي وسلاحها في قلبها إيمانها بالله ثم الفوز باستشهاد وعلى كواهلها عتاد رادع

стр. 2534

ومدمر لمعاقل الأوغاد ودعوا المثبط والمهرج جانبا وذوي التواكل عاشقي الإخلاد وامضوا بدرب مستقيم لاحب لا يلتوي بالسالك المرتاد وعلى الأذى من أي صنف فاصبروا فالصبر وصف لازم للهادي ولتقتدوا بأئمة قد جاهدوا من قبلكم في الله خير جهاد ولترفعوا علم الجهاد مرفرفا فوق الدنى في نجدها ووهاد والمسلمون سينضوون جميعهم تحت اللواء إذا يناد منادي وستفتحون قلوب أهل الأرض بالـ إيمان، والبلدان بالأعتاد فخذوا الكتاب بقوة وتمسكوا بحديث شافعنا بيوم معاد وامشوا على نهج الصحاب فنهجهم ملَكَ العباد وساد كل بلاد وبدون ذلك فالشقاء رفيقنا والذل والإيغال في الأحقاد والمعتدون من اليهود وغيرهم سيواصلون سياسة الأسياد فتناصحوا وتوحدوا وتقربوا لله في الإصدار والإيراد وادعوا العباد لدينكم بفعالكم فالقول لا يكفي بغير جهاد وأخص جامعة لنا قد أسست بمدينة الداعي البشير الهادي جمعت شباب المسلمين ليقتفوا هديَ الرسول وصحبه الأمجاد ويجددوا من طيبة بجهادهم في الأرض كل مآثر الأجداد وعلى مشايخنا الكرام مهمة الـ تعليم والتثقيف والإعداد فإلى الأمام شيوخنا وشبابنا فالأمر جد والجهاد ينادي ثم الصلاة على النبي محمد هادي الهداة وقائد القواد

стр. 2535

يستفتونك يتولى الرد على أسئلة القراء سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رئيس الجامعة الإسلامية حكم البيع إلى أجل وبيع التورق س- ما حكم بيع كيس السكر ونحوه بمبلغ مائة وخمسين ريالا إلى أجل وهو يساوي مبلغ مائة ريال نقدا؟ الجواب: إن هذه المعاملة لا بأس بها لأن بيع النقد غير بيع التأجيل ولم يزل المسلمون يستعملون مثل هذه المعاملة وهو كالإجماع منهم على جوازها وقد شذ بعض أهل العلم فمنع الزيادة لأجل الأجل وظن ذلك من الربا وهو قول لا وجه له وليس من الربا في شيء لأن التاجر حين باع السلعة إلى لأجل إنما وافق على التأجيل من أجل انتفاعه بالزيادة والمشتري إنما رضي بالزيادة من أجل المهلة وعجزه عن تسليم الثمن نقدا، فكلاهما منتفع بهذه المعاملة وقد ثبت عن النبي ﷺ ما يدل على جواز ذلك وذلك أنه ﷺ أمر عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن يجهز جيشا فكان يشتري البعير بالبعيرين إلى أجل، ثم هذه المعاملة تدخل في عموم قول الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ﴾ الآية، وهذه المعاملة من المداينات الجائزة الداخلة في الآية المذكورة وهي من جنس معاملة بيع السلم، فإن البائع في السلم يبيع من ذمته حبوبا أو غيرها ما يصح السلم فيه بثمن حاضر أقل من الثمن الذي يباع به المسلم فيه في وقت السلم لكون المسلم فيه مؤجلا والثمن معجلا، فهو عكس المسألة التي سألتم عنها، وهو جائز بالإجماع وهو مثل البيع إلى أجل في المعنى، والحاجة إليه ماسة كالحاجة إلى السلم والزيادة في السلم مثل الزيادة في البيع إلى أجل سببها فيهما تأخير تسليم المبيع في مسألة السلم وتأخير تسليم الثمن في مسألة البيع إلى أجل، لكن إذا كان مقصود المشتري لكيس السكر ونحوه بيعه والانتفاع بثمنه وليس

стр. 2536

مقصوده الانتفاع بالسلعة نفسها فهذه المعاملة تسمى مسألة (التورق) ويسميها بعض العامة (الوعده) وقد اختلف العلماء في جوازها على قولين: أحدهما: أنها ممنوعة أو مكروهة لأن المقصود منها شراء دراهم وإنما السلعة المبيعة واسطة غير مقصودة. والقول الثاني للعلماء: جواز هذه المعاملة لمسيس الحاجة إليها لأنه ليس كل أحد اشتدت حاجته إلى النقد يجد من يقرضه بدون ربا ولدخولها في عموم قوله سبحانه ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ﴾ ، ولأن الأصل في الشرع حل جميع المعاملات إلا ما قام الدليل على منعه ولا نعلم حجة شرعية تمنع هذه المعاملة. وأما تعليل من منعها أو كرهها بكون المقصود منها هو النقد فليس ذلك موجبا لتحريمها ولا لكراهتها لأن مقصود التجار غالبا في المعاملات هو تحصيل نقود أكثر بنقود أقل والسلع المبيعة هي الواسطة في ذلك وإنما يمنع مثل هذا العقد إذا كان البيع والشراء من شخص واحد كمسألة العينة فإن ذلك يتخذ حيلة على الربا، وصورة ذلك أن يشتري شخص سلعة من آخر بثمن في الذمة ثم يبيعها عليه بثمن أقل ينقده إياه فهذا ممنوع شرعا لما فيه من الحيلة على الربا وتسمى هذه المسألة مسألة العينة وقد ورد فيها من حديث عائشة وابن عمر ﵄ ما يدل على منعها.

стр. 2537

أما مسألة التورق التي يسميها بعض الناس الوعده فهي معاملة أخرى ليست من جنس مسألة العينة لأن المشتري فيها اشترى السلعة من شخص إلى أجل وباعها من آخر نقدا من أجل حاجته للنقد ليس في ذلك حيلة على الربا، لأن المشتري غير البائع ولكن كثيرا من الناس في هذه المعاملة لا يعلمون بما يقتضيه الشرع في هذه المعاملة فبعضهم يبيع ما لا يملك ثم يشتري السلعة بعد ذلك ويسلمها للمشتري وبعضهم إذا اشتراها يبيعها وهي في محل البائع قبل أن يقبضها القبض الشرعي وكلا الأمرين غير جائز لما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال لحكيم بن حزام "لا تبع ما ليس عندك " وقال ﵊: "لا يحل سلف وبيع ولا بيع ما ليس عندك " وقال ﵊: "من اشترى طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه "، قال ابن عمر ﵄: "كنا نشتري الطعام جزافا فيبعث إلينا رسول الله ﷺ من ينهانا أن نبيعه حتى ننقله إلى رحالنا "وثبت عنه ﵊ أيضا أنه نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم. ومن هذه الأحاديث وما جاء في معناها يتضح لطالب الحق أنه لا يجوز للمسلم أن يبيع سلعة ليست في ملكه ثم يذهب فيشتريها بل الواجب تأخير بيعها حتى يشتريها ويحوزها إلى ملكه، ويتضح أيضا ما يفعله كثير من الناس من بيع السلع وهي في محل البائع قبل نقلها إلى ملك المشتري أو إلى السوق أمر لا يجوز لما فيه من مخالفة سنة الرسول ﷺ ولما فيه من التلاعب بالمعاملات وعدم التقيد فيها بالشرع المطهر، وفي ذلك من الفساد والشرور والعواقب الوخيمة ما لا يحصيه إلا الله نسأل الله لنا ولجميع المسلمين التوفيق للتمسك بشرعه والحذر مما يخالفه.

стр. 2538

أما الزيادة التي تكون بها المعاملة من المعاملات الربوية فهي التي تبذل للدائن بعد حلول الأجل ليمهل المدين وينظره فهذه الزيادة هي التي كان يفعلها أهل الجاهلية ويقولون للمدين قولهم المشهور إما أن تقضي وإما أن تربي، فمنع الإسلام ذلك وأنزل الله فيه قوله سبحانه ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ وأجمع العلماء على تحريم هذه الزيادة وعلى تحريم كل معاملة يتوسل بها إلى تحليل هذه الزيادة مثل أن يقول الدائن للمدين اشتر مني سلعة من سكر أو غيره إلى أجل ثم بعها بالنقد وأوفني حقي الأول، فإن هذه المعاملة حيلة ظاهرة على استحلال الزيادة الربوية التي يتعاطاها أهل الجاهلية لكن بطريق آخر غير طريقهم، فالواجب تركها والحذر منها، وإنظار المدين المعسر حتى يسهل الله له القضاء، كما أن الواجب على المدين المعسر أن يتقي الله ويعمل الأسباب الممكنة المباحة لتحصيل ما يقضي به الدين ويبرئ به ذمته من حق الدائنين، وإذا تساهل في ذلك ولم يجتهد في أسباب قضاء ما عليه من الحقوق فهو ظالم لأهل الحق غير مؤد للأمانة فهو حكم الغني المماطل وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: "مطل الغني ظلم " وقال ﵊: "لي الواجد يحل عرضه وعقوبته " والله المستعان. ومن المعاملات الربوية أيضا ما يفعله بعض البنوك وبعض التجار من الزيادة في القرض إما مطلقا وإما في كل سنة شيئا معلوما، فالأول مثل أن يقرضه ألفا على أن يرد إليه ألفا ومائة أو يسكنه داره أو دكانه أو يعيره سيارته أو دابته مدة معلومة أو ما أشبه ذلك من الزيادات.

стр. 2539

وأما الثاني فهو أن يجعل له كل سنة أو كل شهر ربحا معلوما في مقابل استعماله المال الذي دفعه إليه المقرض سواء دفعه باسم القرض أم باسم الأمانة فإنه متى قبضه باسم الأمانة للتصرف فيه كان قرضا مضمونا ولا يجوز أن يدفع إلى صاحبه شيئا من الربح إلا أن يتفق هو والبنك أو التاجر على استعمال ذلك المال على وجه المضاربة بجزء مشاع معلوم من الربح لأحدهما والباقي للآخر وهذا القسط يسمى أيضا القراض وهو جائز بالإجماع لأنهما قد اشتركا في الربح والخسران والمال الأساسي في هذا العقد في حكم الأمانة في يد العامل إذا أتلف من غير تعد ولا تفريط لم يضمنه وليس له عن عمله إلا الجزء المشاع المعلوم من الربح المتفق عليه في العقد. وبهذا تتضح لك المعاملة الشرعية والمعاملة الربوية. هذا سؤال من الأخ س. ع. هـ يقول فيه: أرجو التفضل بإفادتي عن تسلسل جرح البينة مثل أن يقيم المدعي بينة على دعواه ثم يقيم المدعى عليه بينة على جرحها فهل تسمع البينة لجرح بينة الجرح ولو طال التسلسل أم لا ولماذا في كلا الحالتين؟ الجواب: قد دلّ الكتاب والسنة على اعتبار العدالة في البيّنات كما في قوله سبحانه: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ وقوله : ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ ومعلوم أن الأصل براءة الذمة من الحقوق فلا تثبت إلا بأمر يعتمد عليه ولا ريب أن شهادة الفسّاق والمجهولين لا يجوز الاعتماد عليها.

стр. 2540

فاتضح بذلك أنه لابد من العدالة في البينة والمزكين لها والجارحين لها أو للمزكين ولهذا صرح أهل العلم بأن الشهادة والتزكية والجرح إنما تقبل من ذوي العدالة والمعرفة بحال البينة المزكاة والمجروحة فعلم بهذا كله أنه لابد من التحقق من حال البينة التي يعتمد الحاكم عليها في الحكم ولو أفضى إلى التسلسل حتى يصل إلى العدالة المطلوبة حسب الإمكان فإذا لم يتيسر ذلك ساغ له الحكم بما يغلب على الظن ثبوت الحق ولو أفضى ذلك إلى تحليف المدعي مع بينته، أما تفريق الشهود عند أداء الشهادة فينبغي أن يعمل به عند الحاجة خوفا من تواطئهم على الكذب. والله ولي التوفيق وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه..

стр. 2541

الدعوة الإسلامية في أفريقية بحاجة إلى مزيد من الدعم محمد بن ناصر العبودي الأمين العام للجامعة الإسلامية بالمدينة الإسلام دين دعوة وعمل، بل إن كل مسلم سبيله في الحياة أن يدعو إلى الله على بصيرة كما قال تعالى مخاطبا لرسوله ﷺ : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ . وقال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ . فكل مسلم مخاطب بالدعوة إلى الله ومأمور بها بقدر استطاعته العقلية، وقدرته المالية والبدنية. وبعبارة تتلاءم مع تعبير الكتاب العصريين فإن كل مسلم يجب أن يكون مبشرا بالإسلام _ أي داعيا إلى الله _ باذلا نفسه وماله في سبيله. ومن هذا المفهوم للإسلام انطلق أناس من إخواننا المسلمين في أفريقية يدعون إلى الله، ويشرحون لغير المسلمين ما يعرفونه عن الإسلام. وأكثرهم لا يملك إلا قليلا من العلم، ولكنه يبذل كثيرا من العمل ويعطي أكثر من التضحية بالوقت والمال، فأثمرت أعمالهم دخول أعداد كبيرة في الإسلام بل لا تكاد تغرب الشمس كل يوم إلا وقد شهدت من كان عند طلوعها كافرا فأصبح داخلا في حظيرة الإسلام قبل غروبها. والسؤال الذي قد يتبادر للذهن عند سماع هذه الأخبار هو: ما نوع إسلام أولئك المسلمين؟ وما هي المعلومات والتفصيلات التي نقلها إليهم أولئك الدعاة الذين لا يملكون كثيرا من العلم، ولكنهم ينفقون كثيرا من العمل؟.

стр. 2542

والجواب: بحسب ما شهدته وعرفته أن أول ما يبدأون بتعليمه الشخص الذي يدخل في الإسلام هو النطق بالشهادتين، ثم يلبسونه لباس المسلمين حتى يمكنه أن يغشى المساجد، ويحضر دروس الدين، ثم يخبرونه بأركان الإسلام، وفرائضه مجملة إجمالا يكاد يكون مخلا لأنهم هم أنفسهم لا يعرفون من أحكام الإسلام وفقهه التفصيلات الدقيقة. إذًا فهم يعطون للمسلم الجديد كل ما عندهم ولو كان غير مفصل، ولا شك أنهم معذورون في ذلك لأنهم قد بذلوا جهد طاقتهم، وما بخل من بذل كل ما يستطيع بذله. وعلى هذا فإنه يصح القول بأن عدد المسلمين في أفريقية يزداد باستمرار ولكن نوعية إسلام أولئك المسلمين ثابتة أو هي لا تزيد زيادة تساير الزيادة العددية مما حمل بعض المفكرين على القول بأننا يجب أن نركز على تحسين فهم المسلمين الحاليين للإسلام حتى يصبحوا مسلمين حقيقيين، ذوي أثر فعال في المجتمع في بلادهم وبالتالي ذوي أثر فعال في محيط البلاد الإسلامية ككل. بل وصل الأمر ببعض أولئك المفكرين إلى حد المناداة بعدم العمل على مجرد الحصول على الزيادة العددية، وصرف الجهد إلى تحسين نوعية المسلم هناك. والقول الفصل في هذا الموضوع أن يكون العمل الإسلامي في أفريقية ذا شعبتين رئيسيتين لا غنى لإحداهما عن الأخرى. إحداهما: الدعوة إلى الإسلام وإدخال أكبر عدد من المستجبين للدعوة الإسلامية إلى الإسلام. والثانية: تبصير المسلمين ومن يدخلون حديثا في الإسلام بأمور دينهم، وتحسين فهمهم للإسلام بإرشادهم إلى ما هم بحاجة إليه. ولا شك أن هذا العمل يحتاج إلى جهود عظيمة، من أهمها توفير العدد الكافي من الدعاة المؤهلين علميا وتربويا لهذا العمل، وممن أعطاهم الله تعالى الصدق في القول والإخلاص في العمل، على أن يبدأوا بتثقيف الدعاة المحليين ثقافة إسلامية خالصة من الشوائب. كما يحتاج الأمر إلى رصد المبالغ المالية اللازمة.

стр. 2543

ولكن ذلك- على صعوبته- ليس بمستحيل التحقيق إذا صحت العزائم، وصدقت النيات. ففي البلاد الإسلامية من الأشخاص الذين تنطبق عليهم الشروط المطلوبة العدد الوفير والشأن كل الشأن في التفتيش عنهم، وإتاحة الفرصة أمامهم للعمل. وإن في العمل الذي تقوم به المملكة العربية السعودية في الوقت الحاضر تحت قيادة الملك المسلم فيصل بن عبد العزيز –حفظه الله- هو مثال حي للسير في هذه السبيل. فهناك في أفريقية مبعوثون من المملكة عشرات العشرات، وهناك أعداد تتزايد كل عام من خريجي الجامعة الإسلامية وغيرها ممن عادوا إلى بلادهم تدفع لهم المملكة مكافآت مالية طيبة تعينهم على التفرغ للدعوة الإسلامية، وأداء واجبهم في إبلاغ قومهم ما تعلموه في مهبط الوحي، ومنطلق الدعوة الإسلامية، عملا بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ . وهناك المساعدات المالية التي تبذل للهيئات والمؤسسات الإسلامية لتحقيق مشروعاتها الإسلامية أو للإسهام في تحقيق تلك المشروعات. وذلك ليس بكثير على بلاد اختارها الله تعالى لأن تكون مصدر الإشعاع الإسلامي الأول، وشرّف أهلها بأن كانوا في صدر الدعوة المحمدية السمحة هم حملتها إلى كافة الأمم. بل إن المسلمين في أفريقية يتطلعون إلى هذه البلاد وينتظرون منها المزيد من الخير، ونسأل الله تعالى أن يحقق آمالهم الطيبة، ويوفق كل عامل فيها للمزيد من العمل النافع للإسلام والمسلمين. كما أن على كل بلد من البلدان الإسلامية الشقيقة من واجب الدعوة إلى الله بقدر ما منحها الله تعالى من الاستطاعة، إما ببذل المال، وإما بتجنيد الرجال، وإما بالقيام بالأمرين معا.

стр. 2544

ونحن نرى – مع الأسف الشديد - بعض المسلمين يكون لديهم فضل من المال، فينفقونه في ملذات عاجلة، أو في أمتعة فانية، ولو أنفقوه في سبيل الله وعلى المحتاجين إليه من إخوانهم المسلمين، لنالوا الثوابين ثواب الأجر من الله والذكر الحسن في الدنيا، ولحصلوا على السعادتين: سعادة الثواب الآجل في الآخرة، وسعادة اللذة المعجلة التي يشعر بها من أغاث ملهوفا، أو فرّج عن مكروب. هذا بالإضافة إلى كونهم حققوا معنى الاتباع لرسول الله ﷺ في الدعوة إلى الله تعالى. وحبذا لو وجد في كل قطر من الأقطار الإسلامية التي لا تتبنى حكوماتها الدعوة الإسلامية ولا تنادي بها صندوق لجباية الصدقات والتبرعات لصالح الدعوة الإسلامية في أفريقية. نسأل الله تعالى أن ينصر دينه، ويعلي كلمته، ويوفق المسلمين إلى الرجوع لكتاب ربهم، وسنّة نبيهم إنه سبحانه الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

стр. 2545

الدين والسنن الكونية بقلم: الدكتور محمد تقي الدين الهلالي المدرس في كلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة دين الحق لا يتنافى ولا يتعارض أبدا مع السنن الكونية لأن مصدرهما واحد، وهو مشيئة الله وحكمه الذي لا معقب، فمن أراد أن يحارب السنن الكونية باسم الدين كانت عاقبته الهزيمة، ومن الأمثلة على ذلك سنة التزاوج والتناسل التي سنها الله للحيوان والنبات، فمن أراد أن يعطلها زاعما أن تعطيلها من الدين ومما يتقرب به إلى الله يعجز ويقهر، ولا يتم له ما أراد أبدا، ويجني على نفسه وعلى من اتبعه شقاء عظيما في جسمه وعقله دون أن يحصل على طائل، ولا تنحصر الجناية في من انتحل ذلك ولا في أتباعه، بل تعم شعبه.

стр. 2546

فقد زعم النساك من قدماء أهل الهند أن ترك الدنيا والزهد فيها هو الطريق الوحيد الذي يهذب النفس ويزكيها ويرفعها إلى الملأ الأعلى، فتركوا العمل والتزموا الجوع والعري، واعتزلوا الناس واستوحشوا منهم وسكنوا القفار مع الوحش وهجروا الأمصار وأطالوا الفكرة، وكانت أفكارهم عقيمة، نتائجها سلبية، فمنها القول بتناسخ الأرواح، وحاصله أن الأرواح محدودة لا تزيد ولا تنقص، سواء في ذلك أرواح الحيوان الناطق وأرواح الحيوان الأعجم، فمتى مات موجود حي انقلبت روحه من ذلك الجسم الفاني إلى جسم ناشئ يولد ساعة خروجها من الجسم الفاني، فكأنهما كانا على ميعاد، ولما رأوا أن العدالة الربانية التي عليها تقوم السموات والأرض والتي هي مقتضى حكمة الله وعلمه وقدرته، فكروا كيف يكون هذا الجزاء، فلم يجدوا حلا للمعضلة إلا أن يدّعو دعوى خيالية أخرى، وهي أن جزاء كل حياة من الحيوات التي يحياها الإنسان ويعبر عنها بالتجسدات تترقى فيها الروح في الدرجات العليا، أو تهبط إلى الدركات السفلى، على حسب عملها، فإن عملت في الحياة الأولى أي التجسد الأول عملا صالحا بحسن معاملتها للإنسان والحيوان، وتجنبت السيئات والآثام تنتقل بعد فناء جسمها إلى طبقة من طبقات البشر هي أجل وأعلى من الطبقة التي كانت فيها جزاء حسنا ومثوبة على عملها الصالح في الحياة المتقدمة وتفوز برضوان الآلهة، وإن اقترفت السيئات وخرجت عن شريعة الآلهة تعاقب في حياتها التالية بأن ترجع إلى الدنيا في جسم من طبقة منحطة حقيرة، وإن استمرت في ارتكاب الموبقات يستمر عقابها حتى تصل إلى دركة المنبوذين، وإن زادت في غيها تنحط حتى ترجع إلى الدنيا في جسم حيوان شريف كالفرس مثلا، فإن لم تنته عن جرائمها ترجع إلى الدنيا في جسم حيوان حقير، وهكذا دواليك حتى تصل إلى دركة الفيران، وربما انحطت إلى دركة الخنافس.

стр. 2547

والطبقات عند الهنادك كثيرة، أعلاها طبقة البراهمة، فهؤلاء يولدون مقدسين من بطون أمهاتهم، وكل ما عملوه فهو حق، لا تكتب عليهم سيئة واحدة طول أعمارهم، وإذا ماتوا تلتحق أرواحهم بالملأ الأعلى، وليت شعري إذا كان عدد الأرواح محدودا فمن أين يجيء المدد الذي يخلف الطبقة العليا التي لا ترجع إلى الدنيا، وأسفل الطبقات طبقة المنبوذين، ولا يجوز أن تخالط طبقة عالية طبقة أخرى أسفل منها، فلا تؤاكلها ولا تشاربها ولا تجالسها ولا يجمعهما معبد واحد، فكل طبقة لها معابدها، ولا يجوز للطبقة السفلى أن تتزوج بأفراد الطبقة العليا، ولا أن تأكل أو تشرب في آنيتها، ولا أن تمس طعامها، والمسلم عندهم يعتبر نجسا إذا مس طعاما تنجس ذلك الطعام، وأذكر أني كنت متجولا في أسواق دلهي عاصمة الهند في أول سفرة سافرتها إلى الهند، فرأيت في حانوت كوما من الزبيب الذي ليس له نوى ويسمى عندهم (كشمش) ، فأهويت بيدي لألمس ذلك الزبيب، وقبل أن تصل يدي إليه جذبت من خلفي جذبة قوية حتى سقطت على ظهري، فقمت وسألت الطالب الذي كان يرافقني من جذبني؟ فقال لي: أنا جذبتك خوفا عليك من أن تقع في مشكلة عويصة يعسر عليك حلها، انظر إلى صاحب الحانوت فهو غضبان يصيح ويشتم، ولو وقعت يدك عليه لألزمك بثمنه كله، وكنت مرة في مدينة بمبي وهي مدينة مشهورة بناحية كجرات، وكان الوقت ليلا فرأيت قلة منتصبة فلمستها بيدي فغضب صاحبها وصاح صياحا كثيرا ورأيته أخذ القلة وصب الماء الذي كان فيها مع أني لم ألمس إلا جانبها، ولا أدري هل كسرها أو انتفع بها بعد غسلها، ومما يدل على الأول أن المتصدقين بالماء البارد من الهنادك في محطات السكة الحديدية يعدون آنية صغيرة بقدر ما يشرب الشخص الواحد من الخزف ويصبون الماء فيها لكل من يحتاج إليه من غير أهل طبقتهم، ومن شرب في إناء منها إن شاء أخذه، وإن لم يرده ألقاه لأن ذلك الهندكي لا يمسه بعد ذلك، فإن انقضت تلك الأواني وجاءه شخص من غير أهل

стр. 2548

طبقته يصب له الماء في يديه، هذا كله مع الطبقات المتنجسات تنجسا خفيفا من إخوانهم الهنادك أو من المسلمين والنصارى، وأما الطبقة المنبوذة فأمرها أدهى وأمر، فلا يجوز لأهلها أن يسكنوا في مدينة ولا قرية، وإنما يتخذون أكواخا بعيدة من المدن ويسكنون فيها ويحفرون آبارا يشربون منها وإن كان بقربهم نهر عظيم تسير فيه السفن، لأنهم لا يسمح لهم بأخذ الماء منه لئلا يتنجس، وبحكم هذه العزلة والاستقذار الذي حكمت به الآلهة بزعمهم لا يجد المنبوذون عملا، مع أن عددهم ثمانون مليونا، فإن قلت وبما يعيشون؟ فالجواب أنهم يعيشون بنقل النجاسات من بيوت الخلاء في جوف الليل، ويخرجونها إلى مكان بعيد من المدينة فيحرقونها ويأخذون أجورا على ذلك يأتيهم بها شخص في كل شهر فيعطيهم إياها، ولعل القراء الكرام لا يعلمون أن أهل الهند حتى في المدن الكبيرة ليس عندهم مراحيض إلا في النادر، فترى الديار الكبيرة الجميلة من بيوت الأغنياء المترفين فإذا سألت عن بيت الخلاء يدلونك على مكان قد بني فيه شبه الكوانين التي توقد فيها النار، وفي كل واحد منها إناء عليه غطاء يكشفه ويتخلى فيه ثم يغطيه، ولهذا المكان بابان، باب إلى داخل الدار وباب إلى الشارع، وهذا الباب الذي إلى الشارع له قفل ومفتاح يكون دائما عند المنبوذ ليأتي في جوف الليل ويفتح ذلك المكان ويخرج كل ما فيه ويجعله في عربة النجاسات ثم يغسل الأواني ويردها إلى مواضعها، وهذا شيء عام في جميع بلاد الهند، وسبب منع المنبوذين من دخول المدن نهارا هو نجاسة أجسامهم التي بلغت إلى حد أن ظل المنبوذ لو وقع على طعام لنجسه، وهذا الأمر ليس مفروضا على المنبوذين من قبل الطبقات العليا فقط، بل المنبوذون أنفسهم يعتقدون أنه أمر مبرم حكمت به الآلهة عليهم، للذنوب التي ارتكبوها في التجسدات السالفة ولا مرد لحكمها، وقد حاول غاندي أن يغير هذه العقيدة ويطهر المنبوذين وزعم أنه نزل عليه الوحي يأمره بذلك، وقرر

стр. 2549

القول في مقالات نشرها في الصحيفة التي كان يصدرها واسمها (هرجان) وقال فيها: فإن طلبتم مني دليلا على أن الله أوحى إلي بذلك، أجيبكم ليس عندي دليل ولكني لا أشك في ذلك أبدا، ومع أن غاندي كان من الطبقة المقدسة وهي البراهمة، وكان وطنيا مخلصا متعبدا زاهدا في الدنيا، قضى جل حياته في سجون الاستعمار لم يقبل منه الهنادك هذه الدعوى، لأنها تفسد عليهم دينهم وتأتي بنيانه من القواعد وتجعل عاليه سافله، وحاول الدكتور امبدكار وأصله من المنبوذين وقد كفر بعقيدتهم وتعلم حتى حصل على شهادة الدكتوراه، حاول أن يقنعهم ببطلان عقيدة التنجس ويفهمهم أنهم بشر كسائر البشر فلم يفلح، ولا يزال الدعاة من المسلمين والنصارى يدعونهم إلى تغيير عقيدتهم فيستجيب لهم من قدر له منهم أن يخرج من ذلك الشقاء، إلا أن دعوة المسلمين أكثر نجاحا، لأن المنبوذ إذا أسلم يمتزج مع المسلمين في الحين ويستطيع أن يخالط جميع المسلمين في مساجدهم ومدارسهم ومجالسهم لا يترفع عليه أحد منهم وإن كان ملكا أو أميرا، أما النصارى فقد يستقذر بعض الأروبيين مجالسة المنبوذين والصلاة معهم في كنيسة واحدة فيأمرونهم ببناء كنائس خاصة بهم. ومما حدث من قبيل دعوة المسلمين المنبوذين إلى الإسلام أن أحد علماء المسلمين عكف على دعوة جماعة من المنبوذين وأقام عندهم زمانا طويلا يشرح لهم فضل الإسلام وبطلان ما هم عليه حتى هداهم الله جميعا فأسلموا واحتفلوا بيوم إسلامهم فخرجوا من أكواخهم رجالا ونساء وصبيانا، وقد حمل كل واحد منهم قلة وانطلقوا إلى النهر وهم يكبرون الله أكبر الله أكبر، حتى ملئوا القلل وحملوها على أكتافهم ورجعوا إلى بيوتهم فرحين مستبشرين، يحمدون الله الذي أزال عنهم تلك اللعنة وطهرهم وهداهم إلى الإسلام.

стр. 2550

وقد جرتهم عقيدة التناسخ إلى عقيدة أخرى تضاهيها في الفساد والشر وهي تحريم ذبح الحيوان وأكل لحمه مخافة أن يكون ذلك الحيوان قد حلت فيه أحد أجدادهم، فلا يجوز عندهم قتل أي حيوان وإن كان مؤذيا كالقردة مثلا، ولذلك ترى القردة تسير في مدن الهند أسرابا وتتسلق جدران البيوت وتنزل إلى السطوح وتخيف النساء والصبيان، وتفسد كل ما وصلت إليها أيديها من طعام وثياب وغير ذلك، وقد اتفق أني كنت في الهند ساكنا في مدينة لكناو طبعت خمسمائة غلاف بعنواني، وكانت موضوعة في غرفة فجاءت القردة وفتحت نافذة الغرفة فدخلت وأخذ كل واحد منها قبضة يده من الأغلفة وخرجوا بها وألقوها في الهواء، فتشتت في كل مكان من المحلة التي كنت أسكنها، فجمع أهل المحلة ما أمكن جمعه منها وجاءوني به، ومن أذاها للناس أنها تجتمع بالمآت عند قبة صنم لتنال من صدقات الزائرين من عباده، ولما كان القراء الكرام لا يعرفون الأصنام لأنهم لم يشاهدوها أرى من المستحسن أن أصف لهم هذا الصنم، فهو تمثال رجل واقف على قدميه عليه ثيابه وعمامته وله لحية وافرة سوداء ووجهه أبيض مشرب بحمرة يظن الرائي أنه حي، وقد جلس عنده ناسك وهو عريان أسود الجسم نحيله جدا، حتى كأنه هيكل عظمي، فيجيء الزائر ويسجد لذلك الصنم سجدة واحدة ثم يقوم ويقدم النذر أو الصدقة لذلك الناسك وينصرف فيتصدق على القردة بما تيسر له من الطعام، وهذه القردة تقطع الطريق على المارة فمتى رأت شخصا يحمل طعاما، والعادة جارية بأن الموظفين يبعث إليهم الطعام من بيوتهم وقت الظهر، متى رأت القردة شخصا يحمل طعاما وليس عنده ما يدافع به عن نفسه هجمت عليه وخمشته بأظفارها وانتزعت منه ذلك الطعام، ولا يستطيع المسلمون أن يمسوا القردة بسوء خوفا من نقمة الوثنيين الذين يدافعون عن كل حيوان ويمنحونه حمايتهم ورعايتهم مخافة أن يكون أحد أجدادهم قد تقمص جسمه، ولذلك لا يستطيع أحد أن يظهر لحم الحيوان، لأن الهنادك لا يستطيعون

стр. 2551

رؤيته، ومن أجل ذلك صارت المجزرة في بلدانهم يحيط بها سور، ولكل باب من أبوابها دهليز طويل حتى لا تقع عين هندكي على لحم يقطع أو يباع. ومما يتصل بهذا ويحسن ذكره هنا عبادتهم للبقرة وتقديسهم لها فمتى بلغهم ولو كذبا أن المسلمين أو النصارى ذبحوا بقرة أعلنوا عليهم الحرب، وأزهقت بسبب ذلك نفوس كثيرة، والبقرة تشعر بذلك فتراها لا تسير إلا في الرصيف، ولا تسير في قارعة الطريق كسائر الحيوان، ومتى مرت بصاحب دكان وقفت ونظرت إليه، فإن كان وثنيا خرج إليها وقدم الحلوى وقبّلها وتمسح بها، ومن عادة المتمسكين بالدين عندهم أنهم يخلطون خثي البقرة بتراب مقدس عندهم ويضعونه خطا على جباههم للتبرك والحفظ، أخبرني بذلك المسلمون حين سألتهم عن تلك الخطوط التي كنت أراها على جباه المشركين، وهذه العقيدة ليست قديمة جدا عند الوثنيين من أهل الهند، فقد ثبت في التاريخ أن راما وهو أعظم آلهتهم كان ملكا وكان يصيد الحيوان، وقد بلغ من تعظيمهم لرام أنهم جعلوا اسمه تحية، فمتى التقى اثنان منهم يرمرم كل واحد منهما للآخر بقوله (رام) فيحييه الآخر بمثل ذلك.

стр. 2552

وكان أبو العلاء المعري على هذه العقيدة، فإنه لم يأكل اللحم أربعين سنة، وزعم أن ذبح الحيوان وأكل لحمه وبيضه وشرب لبنه كل ذلك عدوان وظلم، وهذا يدل على جهله بالسنن الكونية، وذلك أن الله جلت قدرته وبلغت حكمته جعل استمداد الحياة من الحياة، فجعل غذاء الحيوان من الحيوان ومن النبات في البر والبحر ولن تجد لسنة الله تبديلا، وكل ما يأكله ويشربه الإنسان والحيوان مملوء بأنواع الحيوان من الجراثيم التي لا ترى بالبصر، فكل حيوان آكل ومأكول، والإنسان الذي هو أشرف الحيوان يأكله الدود، وهو من أحقر الحيوان، وليس في قدرة الإنسان أن يمتنع من استهلاك الحيوان، فتورع أبي العلاء عن أكل لحم الحيوان تورع باطل وفلسفة فاسدة، فالأنبياء هم أعلم الناس وأرحمهم وأورعهم كانوا يأكلون اللحم، بل الله وهو أرحم الراحمين أباح لجميع الناس أكل اللحوم والانتفاع بلبن الحيوان وبيضه وصوفه ووبره وشعره وجلده، فمن أراد تعطيل تلك المنافع فقد سفه نفسه وأراد تغيير سنة الله ولن يجد إلى ذلك سبيلا، وقد أخبرني المسلمون في الهند أن كثيرا من الهنادك يأكلون اللحم سرا، فيكلفون أصدقاءهم من المسلمين أن يشتروا لهم اللحم ويأتوهم به خفية، وهكذا كل من أراد أن يبدل سنة الله أهلك نفسه ولم يحصل على طائل.. فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل كناطح صخرة يوما ليوهنها نبذة من التصوف الهندي الوثني

стр. 2553

جاء في كتاب مقارنة الأديان للدكتور أحمد شلبي صفحة ٧٠ ما نصه مع تغيير الألفاظ الركيكة: ((إن أعلى ما يرغب فيه البرهمي هو الفناء في برهما (وهو إله الآلهة عندهم) والفناء فيه، والطريق الموصل إلى هذا الغرض هو الزهد والتقشف المفرط بالصوم وأرق الليل وتعذيب النفس وحرمانها من كل ما تشتهيه وتحميل المرء نفسه أنواع البلاء، ويبدو دائما كثير الهموم والخوف والتشاؤم وهو لا يتمنى الموت لأن الموت ينقله إلى دورة جديدة من دورات حياته كما تقدم في ذكر تناسخ الأرواح بل يرجو لنفسه الفناء في برهما، ومن ذلك حفلت حياة نساك الهند الوثنيون بالبؤس ومحاربة الملاذ بترك الاكتساب والاكتفاء بسؤال الناس عند الضرورة القصوى، وفي كتبهم المقدسة عندهم ما معناه أن الذي تغلب على نفسه فقد تغلب على حواسه التي تقوده إلى الشر، والنفس لا تشبع أبدا بل يزداد جشعها بعد أن تنال مشتهاها، فالذي أوتي كل ما يشتهي وأعطى نفسه هواها فقد أهلكها وأشقاها، أما الذي ترك كل ما تشتهيه نفسه، وتخلى عن الدنيا فقد أنقذ نفسه وقادها إلى السعادة، على طالب العلم أن يهذب نفسه بأن يتجنب الحلوى واللحوم والروائح الطيبة والنساء، وكذلك يجب عليه ألا يدلك جسده بما له رائحة طيبة، ولا يكتحل ولا يلبس حذاء ولا يتظلل من الشمس، وعليه أن لا يهتم برزقه بل يحصل رزقه بسؤال الناس، وعندما تدخل في الشيخوخة عليك بالعزلة وعدم قرب النساء والأهل والإقامة في الغابة، وإذا أقمت في الغابة فليس لك أن تقص شعرك ولحيتك وشاربك ولا أن تقلم أظفارك، وليكن طعامك مما تنبته الأرض وتثمره الأشجار، ولا تقطف الثمر بيدك بل كل منه ما سقط من الشجرة، وعليك بالصوم تصوم يوما وتفطر يوما، وإياك واللحم والخمر عوّد نفسك على تقلبات الفصول فاجلس تحت الشمس المحرقة، وابق أيام المطر تحت السماء، وارتد الرداء المبلل في الشتاء، لا تفكر في الراحة البدنية، اجتنب سائر الملذات، نم على الأرض ولا تأنس بالمكان

стр. 2554

الذي أنت فيه، إذا مشيت فامش حذرا حتى لا تتخطى عظما أو شعرا، وحتى لا تطأ حشرة، وإذا شربت الماء فاحذر أن تبتلع بعوضة أو نحوها، لا تفرح باللذيذ ولا تحزن للرديء. يقول كاتب هذا الحديث محمد تقي الدين الهلالي: عجبا للبراهمة يتورعون عن بلع البعوضة مع الماء الذي يشربون، وعن الوطء على النمل بأقدامهم حين يمشون، أما سفك دماء المسلمين رجالا ونساء وشيوخا وأطفالا فإنه عندهم من أقرب القربات التي ترضي آلهتهم، وتصعد أرواحهم إلى الملأ الأعلى.

стр. 2555

كنت في لكنو عام ١٣٤٣ ضيفا عند الدكتور محمد نعيم الأنصاري فوقعت معركة بين المسلمين والمشركين واستمرت ثمانية أيام، وتعطلت الأسواق وعجزت الشرطة التي يدير شؤونها الإنجليز عن إخماد نار تلك الفتنة، فإنهم كانوا يركبون بأعداد كبيرة في السيارات ولا يضعون شيئا، لأن الشرطة أيضا وإن كانوا تحت القيادة الإنجليزية فأكثرهم وثنيون والقليل منهم مسلمون، وجعل أغنياء الوثنيين عشر ربيات لكل من يأتيهم برأس مسلم أو مسلمة سواء أكان شيخا أو شابا، رجلا أو امرأة أو صبيا، صحيحا أو مريضا، فبقينا تلك المدة ليس لنا طعام إلا العدس، مع أن الدكتور الأنصاري كان يعيش معيشة المترفين، وكان غاندي موجودا، وكان له أتباع وأنصار وتلامذة في تلك المدينة فلم يهتم هو ولا غيره من البراهمة بإزهاق أرواح المسلمين، والمسلمون في مدينة لكنو لا يزيد عددهم على ربع سكانها، فقتلوا تقتيلا وكان الذين بدأوا بالعدوان وأوقدوا نار الحرب هم الوثنيين، وهذا يذكرنا بقول ابن عباس ﵄ لأهل العراق حين سألوه عن المحرم يقتل بعوضة ماذا عليه، فقال لهم: عجبا لكم يا أهل العراق سفكتم دم الحسين ومن معه من آل بيت النبي ﷺ ولم تتورعوا عنه ثم جئتم تسألونني عن قتل البعوض، ولا حاجة لنا إلى ذكر الماضي، فحوادث هذه الأيام فيها كفاية، فكلنا يعلم أن الدولة الوثنية الهندية التي تدين بدين البراهمة هجمت على خمسة وسبعين مليونا في باكستان الشرقية وأعملت فيهم السيف والقنابل والإحراق والتعذيب تحت سمع الدنيا وبصرها، فلم يغثهم أحد لا من المسلمين ولا من غيرهم، وهاهم يسرحون ويمرحون ويملون شروط الصلح على من بقي من المسلمين في باكستان الغربية، فقبح الله من زعم أن هذا عصر النور والحرية والمساواة وفي مثله ينبغي أن ينشد: فأقد منها حافرا للأدهم يا ليت لي من جلد وجهك رقعة اقتفاء جهلة المتصوفة آثار الهنادكة في تعذيب أنفسهم

стр. 2556

من المعلوم أن الوثنيين في الهند لا يؤمنون بالأنبياء فعقائدهم ناشئة عن الجهل والرعونة فلا يستغرب منهم ذلك، والعجب كل العجب من قوم نشئوا في بلاد الإسلام في زمان كانت البلاد الإسلامية مشرقة بأنوار الكتاب والسنة ورايات الإسلام منصورة وأيامه في أيامهم مشهورة، ومع ذلك تركوا الكتاب والسنة وسيرة السلف الأمة واقتدوا بالبراهمة في تنسكهم السخيف، وسأورد هنا ما يتسع له المقام من حكاياتهم المضحكة المبكية. الحكاية الأولى

стр. 2557

ابن الكريتي ومرقعته، قال الحافظ أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي في كتابه تلبيس إبليس على الطوائف المختلفة بسنده إلى نصر عبد الله السراج ذكر عن ابن الكريتي وكان أستاذ الجنيد أنه أصابته جنابة وكان عليه مرقعة ثخينة فجاء إلى شاطئ دجلة والبرد الشديد فحزنت نفسه عن الدخول في الماء لشدة البرد فطرح نفسه في الماء مع المرقعة ولم يزل يغوص ثم خرج، وقال عقدت ألا أنزعها عن بدني حتى تجف عليّ فلم تجف عليه شهرا، ثم روى الحكاية بسند آخر إلى الجنيد قال سمعت أبا جعفر ابن الكريتي يقول: أصبت ليلة جنابة فاحتجت أن أغتسل وكانت ليلة باردة فوجدت في نفسي تأخرا وحدثتني نفسي لو تركت حتى تصبح يسخن لك الماء أو تدخل حماما وإلا اعبأ على نفسك، فقلت واعجبا أنا أعامل الله في طول عمري يجب على حق لا أجد المسارعة إليه، وأجد الوقوف والتباطؤ والتأخر، آليت لا أغتسل إلا في نهر وآليت لا أغتسل إلا في مرقعتي هذه، وآليت لا أعصرها وآليت لا أجففها في شمس أو كما قال، ثم قال ابن الجوزي: وكان وزن كُم هذه المرقعة وحده أحد عشر رطلا، قال محمد تقي الدين الهلالي الرطل اثنتا عشرة أوقية، والأوقية أربعون درهما، فإذا كان كُم المرقعة يزن أحد عشر رطلا، والكم الثاني مثله يصير الكمان فقط اثنين وعشرين رطلا، ونسبة الكمين إلى الجبة كلها نجعلها ربعا فيكون وزن الجبة ثمانية وثمانون رطلا، فإذا غمست في الماء يعلق بها من الماء مثل ذلك.

стр. 2558

ونترك التعليق للحافظ ابن الجوزي، قال الحافظ ابن الجوزي بعد ذكر هذه الحكاية التي رواها بإسنادين اثنين ما نصه: وإنما ذكر للناس أني فعلت الحسن الجميل وحكوه عنه ليبين فضله، وذلك جهم محض لأن هذا الرجل عصى الله بما فعل، وإنما يعجب هذا الفعل العوام الحمقى لا العلماء، ولا يجوز لأحد أن يعاقب نفسه، فقد جمع هذا المسكين لنفسه فنونا من التعذيب.. إلقاؤها في الماء البارد، وكونه في مرقعة لا يمكنه الحركة فيها كما يريد، ولعله قد بقي من مغابنه ما لم يصل إليه الماء لكثافة هذه المرقعة، وبقاؤها عليه مبتلة شهرا وذلك يمنعه لذة النوم، وكل هذا الفعل خطأ وإثم وربما كان ذلك سببا لمرضه. الحكاية الثانية وحكى أبو حامد الغزالي عن ابن الكريتي أنه قال: نزلت في محلة فعرفت فيها بالصلاح فنشب في قلبي أي شعرت بأنني من الصالحين الذين يستحقون التعظيم، فدخلت الحمام فرأيت ثيابا فاخرة فسرقتها ولبستها ثم لبست مرقعتي وخرجت فجعلت أمشي قليلا قليلا، فنزعوا مرقعتي وأخذوا الثياب وصفعوني، فصرت بعد ذلك أعرف بلص الحمّام فسكنت نفسي، قال أبو حامد: فهكذا كانوا يرضون أنفسهم حتى يخلصهم الله من النظر إلى الخلق ثم من النظر إلى النفس وأرباب الأحوال، وربما عالجوا أنفسهم بما لا يفتي به الفقيه مهما رأوا إصلاح قلوبهم، ثم يتداركون ما فرط منهم من صورة التقصير كما فعل هذا في الحمّام.

стр. 2559

قال الحافظ ابن الجوزي بعد ذكر هذه الحكاية: سبحان من أخرج أبا حامد من دائرة الفقه بتصنيفه كتاب الإحياء فليته لم يحك فيه مثل هذا الذي لا يحل، والعجب منه أنه يحكيه ويستحسنه ويسمي أصحابه أرباب أحوال، وأي حالة أقبح وأشد من حال من يخالف الشرع ويرى المصلحة في مخالفته، وكيف يجوز أن يطلب صلاح القلوب بفعل المعاصي وقد عدم في الشريعة ما يصلح به قلبه حتى يستعمل ما لا يحل فيها، وهذا من جنس ما تفعله الأمراء الجهلة من قطع من لا يجب قطعه وقتل من لا يجوز قتله ويسمونه سياسة، ومضمون ذلك أن الشريعة ما تفي بالسياسة، وكيف يحل للمسلم أن يعرض نفسه لأن يقال له سارق، وهل يجوز أن يقصد وهن دينه ونحو ذلك عند شهداء الله في الأرض، ولو أن رجلا وقف مع امراته في طريق يكلمها ويلمسها ليقول فيه من لا يعلم هذا فاسق لكان عاصيا بذلك، ثم في مذهب أحمد والشافعي أن من سرق من الحمّام ثيابا عليها حافظ وجب قطع يده، كلا والله إن لنا شريعة لو رام أبو بكر الصديق أن يخرج عنها إلى العمل برأيه لم يقبل منه، فعجبي من هذا الفقيه المستلب عن الفقه بالتصوف أكثر من تعجبي من هذا المستلب الثياب. الحكاية الثالثة

стр. 2560

قال ابن الجوزي بسنده إلى أبي الحسن المديني أنه سمعه يقول: خرجت مرة من بغداد إلى نهر الناشرية، وكان في إحدى قرى ذلك النهر رجل يميل إلى أصحابنا، فبينا أنا أمشي على شاطئ النهر، رأيت مرقعة مطروحة ونعلا وخريقة فجمعتها وقلت هذه لفقير، ومشيت قليلا فسمعت همهمة وتخبطا في الماء فنظرت فإذا بأبي الحسن الثوري قد ألقى نفسه في الماء والطين وهو يتخبط ويعمل بنفسه كل بلاء، فلما رأيته علمت أن الثياب له، فنزلت إليه فنظر إليّ وقال: يا أبا الحسن أما ترى ما يعمل بي قد أماتني موتات وقال لي ما لك إلا الذكر الذي لسائر الناس، وأخذ يبكي ويقول: ترى ما يفعل بي، فما زلت أرفق به حتى غسلته من الطين وألبسته المرقعة وحملته إلى دار ذلك الرجل، فأقمنا عنده إلى العصر، ثم خرجنا إلى المسجد فلما كان وقت المغرب رأيت الناس يهربون ويقفلون الأبواب ويصعدون السطوح، فسألناهم فقالوا السباع بالليل تدخل القرية، وكان حوالي القرية أجمة أي غابة عظيمة، وقد قطع منها القصب وبقيت أصوله كالسكاكين، فلما الثوري هذا الحديث قام فرمى بنفسه في الأجمة على أصول القصب المقطوع، ويصيح ويقول: أين أنت يا سباع، فما شككنا أن الأسد قد افترسه، أو قد هلك في أصول القصب، فلما كان قريب الصبح جاء فطرح نفسه وقد هلكت رجلاه فأخذنا بالمنقاش ما قدرنا عليه فبقي أربعين يوما لا يمشي على رجليه، فسألته أي شيء كان ذلك الحال فقال: لما ذكروا السبع وجدت في نفسي فزعا، فقلت لأطرحنك إلى ما تفزعين منه.
следующие страницы →