Полный текст (23 804 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.
стр. 2661
الجواب: لا ريب أن الإسلام جاء بإكرام المرأة والحفاظ عليها وصيانتها عن ذئاب بني الإنسان وحفظ حقوقها ورفع شأنها فجعلها شريكة الذكر في الميراث وحرّم وأدها وأوجب استئذانها في النكاح وجعل لها مطلق التصرف في مالها إذا كانت رشيدة وأوجب لها على زوجها حقوقا كثيرة وأوجب على أبيها وقراباتها الإنفاق عليها عند حاجتها وأوجب عليها الحجاب عن نظر الأجانب إليها لئلا تكون سلعة رخيصة يتمتع بها كل أحد قال تعالى في سورة الأحزاب: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ الآية. . وقال سبحانه في السورة المذكورة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ ِلأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ وقال تعالى في سورة النور: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ الآية. . فقوله سبحانه: ﴿إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ فسّره الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ﵁ بأن المراد بذلك الملابس الظاهرة لأن ذلك لا يمكن ستره إلا بحرج كبير وفسره ابن عباس ﵄ في المشهور عنه بالوجه والكفين والأرجح في ذلك قول ابن مسعود لأن آية الحجاب المتقدمة تدل على وجوب سترهما ولكونهما من أعظم الزينة فسترهما مهم جدا، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه
стр. 2662
الله كان كشفهما في أول الإسلام ثم نزلت آية الحجاب بوجوب سترهما ولأن كشفهما لدى غير المحارم من أعظم أسباب الفتنة ومن أعظم الأسباب لكشف غيرهما، وإذا كان الوجه والكفان مزينين بالكحل والأصباغ ونحو ذلك من أنواع التجميل كان كشفهما محرما بالإجماع والغالب على النساء اليوم تحسينهما وتجميلهما فتحريم كشفهما معين على القولين جميعا وأما ما يفعله النساء اليوم من كشف الرأس والعنق والصدر والذراعين والساقين وبعض الفخذين فهذا منكر بإجماع المسلمين لا يرتاب فيه من له أدنى بصيرة والفتنة في ذلك عظيمة والفساد المترتب عليه كبير جدا، فنسأل الله أن يوفق قادة المسلمين لمنع ذلك والقضاء عليه والرجوع بالمرأة إلى ما أوجب الله عليها من الحجاب والبعد عن أسباب الفتنة ومما ورد في هذا الباب قوله سبحانه: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ وقوله سبحانه: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ، فأمر الله سبحانه النساء في الآية الأولى بلزوم البيوت لأن خروجهن غالبا من أسباب الفتنة وقد دلت الأدلة الشرعية على جواز الخروج للحاجة مع الحجاب والبعد عن أسباب الريبة ولكن لزومهن للبيوت هو الأصل وهو خير لهن وأصلح وأبعد عن الفتنة ثم نهاهن عن التبرج الجاهلية وذلك بإظهار المحاسن والمفاتن وأباح في الآية الثانية للقواعد وهن العجائز اللاتي لا يرجون نكاحا وضع الثياب بمعنى عدم الحجاب بشرط عدم تبرجهن بزينة، وإذا كان العجائز يلزمن بالحجاب عند وجود الزينة ولا يسمح لهن بتركه إلا عند علمها وهن لا يفتن ولا مطمع فيهن فكيف بالشابات الفاتنات ثم أخبر سبحانه أن استعفاف القواعد بالحجاب خير لهن ولو لم يتبرجن بالزينة وهذا كله
стр. 2663
واضح في حث النساء على الحجاب والبعد عن السفور وأسباب الفتنة والله المستعان.
أما عمل المرأة مع زوجها في الحقل والمصنع والبيت فلا حرج في ذلك وهكذا مع محارمها إذا لم يكن معهم أجنبي منها وهكذا مع النساء وإنما المحرم عملها مع الرجال غير محارمها لأن ذلك يفضي إلى فساد كبير وفتنة عظيمة كما أنه يفضي إلى الخلوة بها وإلى رؤية بعض محاسنها والشريعة الإسلامية الكاملة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها ودرأ المفاسد وتقليلها وسد الذرائع الموصلة إلى ما حرم الله في مواضع كثيرة ولا سبيل إلى السعادة والعزة والكرامة والنجاة في الدنيا والآخرة إلا بالتمسك بالشريعة والتقيد بأحكامها والحذر مما خالفهما والدعوة إلى ذلك والصبر عليه وفقنا الله وإياكم وسائر إخواننا إلى ما فيه رضاه وأعاذنا جميعا من مضلات الفتن إنه جواد كريم.
السؤال السادس - ما حكم الإسلام فيمن يعملون في البنوك ووضع أموال فيها دون أخذ فوائد لها؟
الجواب: لا ريب أن العمل في البنوك التي تعامل بالربا غير جائز غير جائز لأن ذلك إعانة لهم على الإثم والعدوان وقد قال الله سبحانه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ وثبت عن النبي ﷺ أنه لعن آكل الربى وموكله وكاتبه وشاهديه وقال: "هم سواء"أخرجه مسلم في صحيحه.
стр. 2664
أما وضع المال في البنوك بالفائدة الشهرية أو السنوية فذلك من الربا المحرم بإجماع العلماء، أما وضعه بدون فائدة فالأحوط تركه إلا عند الضرورة إذا كان البنك يعامل بالربا لأن وضع المال عنده ولو بدون فائدة فيه إعانة له على أعماله الربوية فيخشى على صاحبه أن يكون من جملة المعينين على الإثم والعدوان وإن لم يرد ذلك، فالواجب الحذر مما حرم الله والتماس الطرق السليمة لحفظ الأموال وتصريفها، وفق الله المسلمين لما في سعادتهم وعزهم ونجاتهم ويسر لهم العمل السريع لإيجاد بنوك إسلامية سليمة من أعمال الربا.
إنه ولي ذلك والقادر عليه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. .
стр. 2665
أخبار الجامعة
المجلس التنفيذي للجامعة الإسلامية يعقد في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة
· تقرر انعقاد المجلس التنفيذي لجمعية الجامعات الإسلامية بمقر الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وتقوم رئاسة الجامعة الإسلامية بالإعداد لهذا المؤتمر الذي يعتبر المؤتمر الأول من نوعه في المدينة المنورة، وكخطوة أولى كلف سماحة الرئيس الجامعة الإسلامية الشيخ عبد العزيز بن باز فضيلة الأمين العام للجامعة الشيخ محمد بن ناصر العبودي بالسفر إلى كل من تونس والمغرب للاجتماع هناك برئيس جمعية الجامعات الإسلامية، وسكرتارية الجمعية للاتفاق على زمان انعقاد المجلس، وعمل الترتيبات اللازمة لذلك.
هذا ومن المنتظر أن تمثل الجامعات والكليات الإسلامية التالية في هذه الدورة:
رئيس جمعية الجامعات الإسلامية.
جامعة عليكره بالهند.
كلية الجامعة الإسلامية بماليزيا.
كلية الدراسات العربية والإسلامية بجامعة البنجاب بباكستان الغربية.
كلية الشريعة بالأزهر.
كلية الشريعة بالجامعة الأردنية.
الكلية الزيتونية للشريعة وأصول الدين بتونس.
كلية الشريعة بدمشق.
كلية الآداب والدراسات الإسلامية، كلية عبد الله بايرم كنو بجامعة أحمد بيلو في نيجيريا.
المعهد العالي للدراسات الإسلامية في كينيا.
المعهد الإسلامي في السنغال.
الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.
كلية الدارسات الإسلامية بتركيا.
وجهات أخرى سيجرى تعيينها فيها بعد.
ومما تجدر الإشارة إليه أن الدورة الثانية للمجلس التنفيذي سبق أن عقدت في مدينة _ تونس _ في شهر يناير عام ١٩٧١م ومثل الجامعة الإسلامية في المدينة فضيلة أمين عام الجامعة، وعميد الكليتين فيها.
هذا وسنوافي القراء بموعد انعقاد المجلس في حينه.
стр. 2666
ونسأل الله أن يحقق منه الخير للمسلمين إنه وليّ ذلك والقادر عليه.
· لجنة القبول والمعادلات بالجامعة الإسلامية بالمدينة انتهت هذه الأيام من دراسة الطلبات الواردة من خارج المملكة وهي الآن تستعد لدراسة الطلبات المقدمة من الطلاب السعوديين.
· يغادرنا قريبا إلى جدة في طريقه إلى الجزائر فضيلة الشيخ أبي بكر جابر الجزائري المدرس بكلية الشريعة بالجامعة والواعظ بالمسجد النبوي الشريف مبعوثا من الجامعة الإسلامية للقيام بالدعوة والإرشاد والوعظ هناك خلال العطلة الصيفية.
· كما وسيغادر إلى السودان فضيلة الشيخ ربيع هادي حكمي المدرس بالمعهد الثانوي مبعوثا من الجامعة للغرض نفسه.
· غادرنا إلى إفريقيا كل من:
١_ فضيلة الشيخ عمر محمد مساعد الأمين العام للجامعة الإسلامية مندوبا من قبل الجامعة الإسلامية بالمدينة.
٢_ فضيلة الشيخ محمد بن إبراهيم قعود مدير إدارة الدعوة والإرشاد مندوبا من دار الإفتاء بالرياض.
وذلك في مهمة للإطلاع على المدار س والجمعيات الإسلامية هناك وتزويد الجهات الرسمية هنا بتقرير مفصل عنها.
هذا وسيقومان هناك بإبقاء المحاضرات والندوات العلمية والوعظ والإرشاد في تلك الأنحاء ومما تجدر الإشارة إليه أن الجامعة الإسلامية ودار الإفتاء قد زودتهما بكمية كبيرة من المصاحف والكتب والنشرات لتوزيعها هناك على الأهالي وتستمر المهمة حوالي شهرين.
والحقيقة أن هذا مثل تضربه حكومة جلالة الملك وعلى رأسها الفيصل المعظم حفظه الله في العناية بأمور المسلمين داخل المملكة وخارجها وتفقد أحوالهم.
стр. 2667
· في يوم السبت الموافق ٦/٥/١٣٩٢هـ قام معالي وزير الأوقاف السوداني السيد عوني الشريف بزيارة خاصة للجامعة الإسلامية يرافقه سعادة وكيل وزارة الحج والأوقاف ومديرها العام وكان في استقباله فضيلة الشيخ عمر محمد مساعد الأمين العام في الجامعة وبعض رؤساء الأقسام وبعد جولة في أقسام الجامعة ومكتباتها قدمت الجامعة له بعض الكتب القيمة هدية لمعاليه.
· قام سعادة سفير نيجيريا بجدة بزيارة خاصة للجامعة الإسلامية وكان في استقباله الأمين العام المساعد ومدير العلاقات العام وبعضا من رؤساء الأقسام وقد تجول الضيف في أنحاء الجامعة وزار المكتبة العامة وفي ختام الزيارة قدمت الجامعة لسعادته بعض الكتب هدية منها.
· نظرا لكثرة الطلبات الواردة من شتى أنحاء العالم لإرسال كتب دراسية من المملكة.
فقد أصدر سماحة رئيس الجامعة قرارا بتشكيل لجنة في الجامعة للنظر في الطلبات الواردة من الخارج على النحو التالي:
مساعد الأمين العام للجامعة رئيسا
مدير العلاقات العامة عضوا
مدير شئون الطلبة عضوا
رئيس التحرير عضوا
هذا وقد أسندت سكرتارية اللجنة لمدير العلاقات العامة في الجامعة الأستاذ أحمد عبد الحميد عباس ومن المنتظر أن تبدأ اللجنة نشاطها قريبا.
· وصل إلى الجامعة فضيلة الدكتور محمد أمين المصري رئيس قسم الدارسات العليا بمكة المكرمة للمشاركة في إلقاء المحاضرات على طلاب الدورة التدريبية المنعقدة الآن في الجامعة الإسلامية للطلبة المتخرجين منها ويحاضر فضيلة الدكتور المصري في شعبة التربية وطرق التدريس ومما يجدر ذكره أن فضيلته حصل على شهادة الدكتوراه في موضوع ((التربية الإسلامية)) .
стр. 2668
· قام وفد من الجامعة الإسلامية بالسلام على ضيف جلالة الملك الرئيس ذو الفقار على بهوتو رئيس الجمهورية الإسلامية الباكستانية برئاسة فخامة سماحة رئيس الجامعة الشيخ عبد العزيز بن باز، وعضوية كل من:
فضيلة الشيخ محمد بن ناصر العبودي الأمين العام للجامعة.
فضيلة الشيخ عبد القادر شيبة الحمد المدرس بكلية الشريعة بالجامعة.
فضيلة الشيخ عبد المحسن العباد المدرس بكلية الشريعة بالجامعة.
الأستاذ عبد الرحمن بن دايل سكرتير سماحة الرئيس.
الأخ عبد العزيز شريف سكرتير فضيلة الأمين العام.
وقد قدمت الجامعة لفخامة الضيف مجموعة طيبة من الكتب الإسلامية باللغتين العربية والإنكليزية تقبلها شاكرا.
هذا وقد ألقى سماحة الرئيس كلمة ترحيب بالضيف ضمنها نصيحة شرعية، وبعدها ودع الوفد الضيف الكريم.
· غادرنا إلى جدة في طريقهما إلى القاهرة _ بيروت _ دمشق _ عمان _ كل من:
فضيلة الشيخ عبد العزيز بن محمد القويفلي عميد كلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة.
الأستاذ سليم سلمان الحازمي مدير شؤون الموظفين بالجامعة وذلك للتعاقد مع مدرسين للعمل في كليات الجامعة ومعاهدها للعام الدراسي القادم ٩٢_١٣٩٣هـ.
стр. 2669
آراء العلماء في المناسبات
للشيخ أحمد حسن
المدر س بالمعهد الثانوي بالجامعة
بعد هذا العرض لمذاهب العلماء في (المناسبة) لا بدّ أن نقف وقفة عند كل اتجاه نناقش الأدلة التي اعتمد عليها في حكمه والاستنتاجات التي توصل إليها بناء على هذه الأدلة.
١- مع الشوكاني:
عرفنا من استعراض رأي الشوكاني أنه ينكر القول بـ (المناسبة) ويرى من يقول بها متكلفا متعسفا متكلما برأيه فاتحا لأبواب الشك مُوسّعا لدائرة الرّيب، مُضَيّعا وقته فيما لا يفيد. ويبني الشوكاني رأيه على دليلين. .
الأول:
نزول القرآن مفرقا حسب الحوادث المقتضية لنزوله، وكونها متخالفة باعتبار نفسها، بل قد تكون متناقضة كتحريم أمرٍ كان حلالا، وتحليل أمر كان حراما. . . ثم يقول: وإذا كانت أسباب النزول مختلفة هذا الاختلاف ومتباينة هذا التباين.. فالقرآن النازل فيها هو باعتباره نفسه مختلف كاختلافها إلى أن يقول: هذا على فرض أن نزول القرآن مترتبا على هذا الترتيب الكائن في المصحف، فكيف وكل من له أدنى علم بالكتاب، وأيسر حظ من معرفة يعلم علما يقينا أنه لم يكن كذلك. . ثم يقول: وإذا كان الأمر هكذا فأي معنى لطلب المناسبة بين آيات نعلم قطعا أنه قد تقدم في ترتيب المصحف ما أنزله الله متأخرا، وتأخّر ما أنزله الله متقدما فإن هذا عمل لا يرجع إلى ترتيب نزول القرآن بل إلى ما وقع من الترتيب عند جمعه ممن تصدّى لذلك من الصحابة. .
الثاني:
стр. 2670
قياسُه القرآن الكريم على قصائد الشعراء وكلام الخطباء حيث يقول: وقد علم كل مقصر وكامل أن الله تعالى وصف هذا بأنه عربي وأنزله بلغة العرب وسلك فيه مسالكهم في الكلام وجرى به مجاريهم في الخطاب، وقد علمنا أن خطيبهم كان يقوم المقام الواحد فيأتي بفنون متخالفة وطرائق متباينة فضلا عن المقامين، فضلا عن المقامات، فضلا عن جميع ما قاله ما دام حيا، وكذلك شاعرهم. وإذا ما نظرنا في القسم الأول من الدليل الأول، وهو نزول القرآن منجما على حسب الحوادث المختلفة، وترتيبه على حسب النزول فإننا لا نجد حاجة لناقشة هذه الفكرة لأنها ساقطة بنفسها، ولم يقل بها أحد من العلماء حتى إن الشوكاني نفسه يقول بعد أن يستعرضها: "هذا على فرض أن نزول القرآن كان مترتبا على الترتيب الكائن في المصحف، فكيف وكل من له أدنى علم بالكتاب وأيسر حظ من معرفة، يعلم عليما يقينا أنه لم يكن كذلك".
وإذا كان الأمر - كما قال الشوكاني - فلماذا هذا الفرض ولماذا هذا الحكم بناء عليه وهل هناك مجال للافتراضات في الأمور المعلومة من الدين بالضرورة والتي ثبتت بطريق التواتر، خاصة وأن جميع القائلين بـ (المناسبة) إنما يبنونها على أساس أن ترتيب التلاوة غير ترتيب النزول. وإذا ما انتقلنا إلى القسم الثاني من الدليل الأول، والذي يبني فيه حكمه على أن ترتيب القرآن لم يكن حسب النزول، وإنما تقدم في ترتيبه ما كان متأخرا وتأخر ما كان متقدما فإننا نقول: -
إن كلام الشوكاني هنا مبني على أن ترتيب الآيات القرآنية، لم يكن بالتوقيف وإنما كان اجتهاديا برأي الصحابة ونص كلامه "فإن هذا - أي تقديم المتأخر وتأخير المتقدم - عمل لا يرجع إلى ترتيب نزول القرآن بل إلى ما وقع من الترتيب عند جمعه ممن تصدى لذلك من الصحابة".
стр. 2671
ومعلوم أن القول بأن ترتيب الآيات اجتهادي لم يقل به أحد من العلماء وإنما انعقد الإجماع وقامت الأدلة - كما تقدم معنا - على أن ترتيب الآيات توقيفي لا مجال للاجتهاد فيه. فالقول بأنه اجتهادي خروج على الإجماع والأدلة المتضافرة،هذا بالإضافة إلى أن الشوكاني لم يذكر لنا دليلا واحدا على رأيه هذا.
وإذا ثبت هذا فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا رُتّبَت الآيات ترتيبا مخالفا لترتيب النزول؟ وهل كان هذا الأمر هكذا جزافا أم لابد وراء ذلك من حكمة؟ وإذا كان لحكمة فما هي هذه الحكمة؟ إن لم تكن المناسبة؟ وإذا كانت المناسبة خافية في بعض الأحيان فليس معنى ذلك أنها غير موجودة، بل معنى ذلك أننا قصرنا في استخراجها وإدراكها كما تخفى علينا كثيرا من الحكم في آيات الله في الآفاق والأنفس، وقد يظهر عند البعض ما هو خاف عند غيرهم وقد يظهر في زمن ما خفي في زمن آخر، ولا شك أن الإنسان يأخذ من القرآن بقدر ما يعطيه، والمناسبة تكون على وجوه وتدرك حسب أفهام الناس، ولا بد من اختلاف لمدارج الناس في العلم وقوة الاستنباط. فبعض الوجوه يظهر على بعض الناس، وبعضها عل بعض آخر. ويعلق الفراهي على هذه الفكرة في كتابه ((دلائل النظام)) فيقول:
المنكر للنّظْم - أي المناسبة - لا محيص له من أحد ثلاثة أقوال:
فإما أن يقول بأن السورة ليست إلا آيات جمعت بعد النبي صلى عليه وسلم من غير رعاية ترتيب كما وجدت في أيدي الناس. وإما أن يقول بأنها اختل نظمها، لما أن الآيات التي أدخلت بين الكلام المربوط قطعت النّظم، فكلا القولين ظاهر البطلان ومبنيٌ على الجهل الفاحش بجمْع القرآن وترتيبه، ومواقع الآيات المبيّنة والمفصلة بعد النزول الأول.
стр. 2672
أما الأول فلأنّ السّور كانت متلوّة في عهد النبي ﷺ وأمر الله النبي بالتّلاوة حسب تلاوة جبريل كما صرح به القرآن. وقد كان النبي ﷺ يعلم الناس السورة بالتمام ويسمع منهم فهذا القرآن المجموع في المصاحف ليس إلا على نسق ما جاء به جبريل ﵇، وقرأه على النبي في تلاوته الأخيرة، فلو صح ما زعم فَلِمَ أمرَ الله نبيه باتّباع قراءة جبريل؟ ولِمَ كان يأمر بوضع الآيات بمواقعها الخاصة.
أما الثاني - فلأن الآية المدخولة لا تقطع النّظم إذا دخلت في موضع يليق بها، والآيات المدخولة كلها معلومة الربط بما قبلها أو بعدها. وقد قال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ .
стр. 2673
وإما أن يقول بأن الله تعالى لم يُرِدْ أن يُنَزّل كلاما منظما كما لم يُرِد أن يجعله شعرا أو سجعا أو غير ذلك مما يراعى فيه المتكلم من البدائع والتكلف إنما هو كلام أُريد به الهداية والحكمة فأنزل حسب ما اقتضت الأحوال من الدلائل والشرائع. وربما اجتمع المقتضيات من وجوه مختلفة، فأنزل مراعيا لتلك الوجوه المتباينة سورة جامعة لمطالب مختلفة، احتيج إليها في زمان نزولها. والأحوال والحوادث، واقتضاءاتها تجمع من علل متباعدة في زمان واحد. فالسورة تجمع هذه الجمل كلها تكون على حِدّتها في غاية الحُسْن والنّظام، وأما مجموع هذه الجمل فلا معنى لالتماس النظام فيه. وقد بيّن ذلك بعض أكابر العلماء فأقول لولا رعاية النظم فيه لما وجدنا الكلام الطّويل مبنيا على أسلوب جامع أو كلمة ناظرة إلى كلمة سابقة بعيدة عنها. مثلا ﴿هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ قد سبق في أول سورة البقرة ثم جرى الكلام حتى عاد إلى ذكر أهل التقوى، فجاء قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ ناظرا إلى ما سبق، والتّأمل في نظم ما بينهما وفي ما بعد ذلك يبيّن أن ذلك ليس بمحض الاتفاق ولذلك أمثلة كثيرة أوضح مما ذكرنا.
стр. 2674
أما الدليل الثاني الذي يعتمد عليه الشوكاني في حكمه، وهو قياسه على كلام العرب وقصائدهم وخطبهم لأنه نزل بلغتهم فإننا نقول فيه: إن القرآن الكريم وإن نزل بلغة العرب، فليس يشبه كلامهم من كل وجه ولا يخالفه من كل وجه، فهناك أوجه اتفاق، كما أن هناك أوجه اختلاف فمن أوجه الاختلاف ما قال الجاحظ: "سمّى الله تعالى كتابه اسما مخالفا لما سمّى العرب كلامهم على الجملة، والتفصيل، سمّى جملته قُرآنا ما سمّوا ديوانا وبعضه سورة، كقصيدة، وبعضها آية كالبيت، وآخرها فاصلة كقافية. وإذا ما تأملنا قصائد الجاهلية، وجدنا أنها تسير على نظام معيّن حيث ابتداء بالنسيب والبكاء على الأطفال والديار، ثم يصل الشاعر إلى غرضه من الفخر أو المدح أو الرثاء، ولا شك أن المناسبة قائمة بين أجزاء القصيدة وأبياتها.
أما بالنسبة إلى ما ذكره الشوكاني من إنكاره ترتيب القصائد المختلفة الموضوع كمدح والهجاء والرثاء، أو ترتيب الخطب التي قبلت في مناسبات مختلفة، فهذا غير وارد، وذلك لأن كثيرا من القصائد التي وصلتنا على قلتها لم تكن لتنجو من تلاعب رواة الشعر بين تقديم وتأخير، وحذف وتغيير، ولأن العرب كانوا أمة أُمية لا يقرؤون ولا يكتبون، ومن ثم لم يؤلفوا كُبُبا حتى تحتاج إلى ترتيب وتنسيق، وحينما تحولوا إلى أمة علمية بمجيء القرآن ودخولهم في الإسلام، وجدنا الكتب المصنفة المرتبة، ووجدنا المناسبة تجمع أشتات هذه الكتب وموضوعاتها، وهكذا توزعت الكتب واختلفت باختلاف موضوعاتها وفنونها فكتب الفقه وكتب التفسير، وكتب الحديث وكتب التاريخ الخ.
стр. 2675
وكل كتاب يبدأ بما يناسب الابتداء، ثم يقدم ما حقه التقديم، ويؤخر ما حقه التأخير، ثم تأتي الخاتمة، وكذلك الشعراء فإنهم لا ينشرون دواوينهم هكذا اعتباطا، وإنما يعمدون إلى القصائد التي يجمعها موضوع واحد، أو مناسبة ما فينشرونها في ديوان واحد تحت عنوان واحد، وليس هذا شأن العرب وحدهم، وإنما هو شأن البشرية كلها في الشرق والغرب، بل إن الشوكاني نفسه، شعر حينما استطرد في كلامه عن المناسبة أنّه خرج عن الموضوع الذي كان فيه وهو تفسيره لسورة البقرة، فاعتذر عن ذلك وقال: "إنما ذكرنا هذا البحث في هذا الموطن لأن الكلام هنا قد انتقل مع بني إسرائيل بعد أن كان قبله مع أبي البشر آدم ﵇". فهو يريد بذلك أن يبين للقارئ مناسبة هذا الكلام الذي انْجرّ إليه، حتى لا يلام على ذلك، وهذا دليل على أن الإنسان لا يمكن أبدا أن يتخلى عن المناسبة، أو أن يُغفلها في كلامه أو كتابته فإذا كان كلام البشر خلوا من المناسبة فلا شك أنه عيب في الكلام، ونقص في صاحبه فكيف بكلام الله تعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه والذي لا ريب فيه هدىً للمتقين.
وإليك ما قاله الفراهي في دحض هذه الشبهة:
стр. 2676
"زعم بعض العلماء أن الكلام المنظم الذي يجري إلى عمود خاص ليس من عادة العرب فإنك ترى في شعرهم اقتضابا بيّنا، فلو جاء القرآن على غير أسلوبهم ثقل عليهم، وهذا زعم باطل، فإن العرب كانوا يتَلَهّوْنَ بالشعر، ولا يعدونه من المعالي وإنما كانوا يعظمون الحكماء ويحبون الخطبات الحكيمة، ولذلك كان الأشراف يأنفون عن قول الشعر وأنْ يُعْرفوا به وإنما يستعملونه نزرا على وجه الحكمة وضرب المثل. ومحض الوزن والنظم لا يُعَد شعرا، وإن للشعر مواضيع من فنون الهزل والإطْراب، فهو على كل حال من لهو الحديث، فمن نظم الأبيات في غير مواضيعه لا يُسَمّى شاعرا إنما هو ناظم. ومن هذا الجانب المعروف من حقيقة الشعر، قال النبي ﷺ : "إن من الشعر لحكمة وإن من البيان لسحرا".
أي هذا يكون عل الندرة، ولذلك نزه الله تعالى نبيه عن الشعر حيث قال: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيّاً وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ .
فإن تبيّن لك هذا الفرق بين الشعر والبيان، وأن العرب لم يكن أكثر كلامهم الجزل شعرا، فهل بعد ذلك تجعل القرآن على أسلوب الشعراء وأنه مقتضب البيان كمثله؟ ألا ترى كيف جعل الله ذلك من ذمائم الشعراء وقدمه على الكذب مع ظهور شناعة الكذب فنبّه على أن القول من غير غاية وعمود ونظام أدل على سخافة القائل، فقال تعالى في ذم هؤلاء الشعراء: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ﴾ الشعراء (٢٢٥-٢٢٦) .
هل الهيمان في كل واد إلا الجريان في القول من غير مقصد ونظام. وليس للعقل فيه رغبة، ولكن النفس ربما ترغب في الملاهي، والخُلُوِّ عن الفكر فتميل إلى ذلك كما تميل إلى الخمر والغناء وأشغالٍ تغفلها عن الهموم والأفكار وهذا ليس بدواء ولكنه داء. .
стр. 2677
ثم يبين الدوافع الحقيقية، والأسباب الخفية التي جعلت بعض العلماء ينكرون المناسبة فيقول:
"ما أنكر وجود النظم في القرآن من أنكره إلا بخلاف رضاه، ولولا أنه أكره عليه لتحاشى عنه، فإنه لا يرضى عاقل أن يترك بين الناس كلاما له، وهو يعلم أنه مختل النظم، بل لو لاح له بعد زمان شيء من الإخلال راجع فيه النظر، وهذّبه غاية ما يمكنه".
وكذلك لا يتهم به من حَسُن فيه ظنه، وإنما يتهمه إذا عجز عن فهمه ولم يتهم فيه نفسه بالتقصير، فحينئذ ينسب إلى القائل إساءة الصناعة، وذلك إذا كان الكلام من مخلوق.
فأما إذا كان من الخالق - تعالى وتقدس - وهو محفوظ ومرتب على غير ترتيب النزول - وألقاه الملك الأمين إلى نبي كريم، فصيح اللسان من قوم مشهورين بالفصاحة والبيان، وقد قرأه عليه مرارا.
ولا شك أن حُسْنَ الشيء ونفعه مودعان في تناسب أجزائه، لا سيما الكلام البليغ، ولا سيما إذا تحدى به البلغاء، فعجزوا عن الإتيان بمثله ولو بسورة واحدة. فلا أدري كيف يظن به ظان - وهو من المسلمين المؤمنين بالله وتنزيله - أنه خال عن حسن النظام.
فإذا كان الأمر كذلك، فلا شك أن الذين ذهبوا إلى نفي النظام ((أي المناسبة، لم يذهبوا إليه إلا لأسباب اضطرتهم إليه، فلنذكر بعض تلك الأسباب لتعرف عذرهم، وتبقى على حسن ظنك بهم، ولتخرج من محض التقليد، إلى مطمئن من الحق.
فإن الأذكياء والحكماء لا يذهبون إلى رأي نكرٍ إلا فرارا مما هو أشد نكارة، فمن لم يعرف ذلك إما أساء بهم الظن، وسدّ على نفسه الانتفاع بهم، أو قلّدهم في أمر ظاهر الفساد فعمي وتصامم عن الاستماع لكل دليل واضح. فإن إساءة الظن إلى دلائلك أهون عليه من إساءة الظن بأولئك الأكابر. وإن نقلت من بعض الأكابر ما يوافق الحق اشتبه عليه الأمر، وربما اتبع ما عليه الأكثرون.
فلذلك احتجنا إلى ذكر بعض الأسباب المانعة عن الإيقان بالنظام مع وضوح دلائله، فنقول وبالله التوفيق:
стр. 2678
الأول:
وهو أقوى الأسباب: تبرئة كلام الله عن كل عيب وشين. ولا شك أنه ظاهر النظام والترتيب في كثير من المواضع، ولكنهم لو ادعوا أن كله منظم، -والنظم مرعي فيه - لاضطروا في مواضع إلى القول بعدمه وذلك لغموضه ودقته، فتركوا هذا المسلك، ولم يحولوه إلى قصور أفهامهم، فإن منها ما وجدوه خلاف أصول النظم، وتيقنوا أنه لا يمكن فيه تصور نظم ما. كما ترى في آية: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ - البقرة:٢٣٨- فإن هذه الآية واقعة بين ذكر متصل لأمور النساء، ثم بعدها يرجع إلى الذكر الأول، ولولا هذه الآية لكان البيان على غاية الاتصال.
ومن بيّن مناسبة هذه الآية، لم يأت بما يتقبله من رزق شيئا من الإنصاف ويستمع القول فيتبع أحسنه.
ومن الذين يؤمنون بوجود النظام من نسب ذلك إلى عجز فهمه. وذلك هو المسلك الأحوط وقد كشف لنا غطاؤه بعد سنين، فالحمد لله رب العالمين ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ الأعراف: ٤٣.
الثاني:
ليس دون الأول، ولكن الأول يتعلق بالمصنفين، والثاني يتعلق بالناظرين في كلامهم.
وهو أكثر من ذهب إلى وجود النظم كالإمام الرازي ﵀ قنع في هذا الأمر الصعب بما هو أوهى من نسج العنكبوت، مع سبقه الظاهر في العلوم النظرية والذكاء.
فمن نظر في كلامه تيقن بأن النظم لو كان كما يدعيه هذا الإمام المتبحر وأمثاله، لما خفي عليه مع خوضه فيه، وإذ لا يأتي هو ولا غيره إلا بكل ضعيف، فلا مطمح فيه لأحد بعد هؤلاء، فإما بقي على قوله بوجود النظم، ولكن يئس من علمه وأغلق بابه، فإن سمع أحدا يدعوه إليه لم يسمعه. وإما صار إلى الرأي الذي ظنه أسلم، وهو أن القرآن إنما نزل منجما مفرقا، فلا يطلب فيه نظام.
الثالث:
стр. 2679
إكثار الوجوه في التأويل، وإكثار الجدل وقال وقيل، وذلك بأن النظم إنّما يجري على وحدة، فبحسب ما تكثر الوجوه، يتعذر استنباط النظام. فمن نظر في هذه الوجوه المتناقضة والأقاويل المتشاكسة تحَيّر، لا يدري ماذا يختار منها؟ وأصبح في حجب من النّظم الذي يجري من كل جملة في وجه واحد كمن سلك طريقا يصادف في كل غلوة طرقا شتّى.
ولما كان ذلك - ولأسباب أُخر شرطنا أن نقنع بوجه واحد صحيح ظاهر ينتظم به الكلام، ولم نجده إلا أحسنها تأويلا، وأبلغها بيانا - وهذا مبسوط في موضعه وإنما ذكرناه هنا من جهة أن إكثار الوجوه من أكبر الحجب على فهم النظام، بل عدم التمسك بالنظام هو أكبر سبب للولوع بكثرة التأويل، فإن النّظم هو الذي يوجهك إلى الوجه الصحيح والسلف ﵏ لم يجمعوا وجوها بل كل منهم ذهب إلى أمر في كل علم إذا كثرت الكتب ودون العلم، وسهل الطريق فيحرصون على التبحر ويرفضون الرسوخ والتحقيق في فن واحد، فيحسبون تكثير الأقاويل والمذاهب علما وهم خِلْوٌ عنه كما قيل: طَلَبُ الكل فَوْتُ الكل.
فمن اشتغل بالتفسير وجده بحرا متلاطما من الأقوال، وحفظه هذه الأقاويل يمنعه عن مسلك النظام من جهة نفاد فرصته ومنته، ومن جهة أن النظام قد خفي وضل عنه في شتات الوجوه الكثيرة بل لو رفض هذه الكتب كلها وأخذ طريق السلف ﵏ فتدبر القرآن والتمس المطابقة بينه، وبين السنة الثابتة لكان أقرب إلى معرفة النظام وصحيح التأويل.
الرابع:
стр. 2680
قريب من الثالث، إنّ تحَزّب الأمة في فرق وشِيع، قد ألجأهم إلى التمسك بما يؤيده من الكتاب فراق لهم تأويله الخاص سواء كان بظاهر القول، أو بإحدى طرق حمل الكلام على بعض المحتملات. ولا يخفى أن غلبة رأي وتوهم، يجعل البعيد قريبا والضعيف قويا، وكذلك يضل كل فريق، فلكل حزب تأويل حسب مذهبه، وحينئذ لا يمكن رعاية النظام فإن الكلام لا بد له من سياق، ولا بد لأجزائه من موقع يخصه. فلو رعوا النظام، ظهر ضعف ما يمليه ويجذبه إلى غير مساقه، كما أنن الكلمة الواحدة ربما تكون مشتركة بين المعاني المتعددة ولكن إذا وضعت في كلام منع موقعها وقرائنها من كثرة الاحتمالات، وتعين منها ما وافق معنى الجملة والتأم به. ومع ذلك ليس كل نظام جديرا بالأخذ بل ما هو أحسن تأويلا فربما يلتئم الكلام ويتسق النظام بتأويل ركيك ساقط، فهذا مما يتح بابا لدخول الأباطيل والهوى، ويخالف النظام الصحيح العالي الذي يظهر به رفيع مكان التنزيل، كما وصف الله به كتابه في مواضع لا تحصى.
مع العز بن عبد السلام:
стр. 2681
بالرغم من أن العز بن عبد السلام يصرح بأن المناسبة علم حسن، إلا أنه يشترط أن تكون في أمر متحد مرتبط أوّله بآخره، ولا يقبل بالمناسبة فيما وراء ذلك لأن القرآن نزل في نيف وعشرين سنة في أحكام مختلفة، وما كان كذلك لا يتَأتّى ربط بعضه ببعض ولا شك بأن الأمر المتحد المرتبط أوله بآخر لا يحتاج أن نبحث له عن المناسبة لأنها ظاهرة الفكرة مرتبط أولها بآخرها، فهذا الشرط هو تحصيل حاصل. أما في ما وراء الأمر المتحد المرتبط أوله بآخره، فنرى أن العز بن عبد السلام لا يقول بالمناسبة، وذلك لاختلاف أسباب النزول، ولا شك بأن هذا الرأي مبني على أن ترتيب الآيات كما هي في المصحف، إنما كان على ترتيب النزول، وهو أمر ظاهر البطلان، بعد ما قدمنا من الأدلة على أن ترتيب الآيات ليس وفق ترتيب النزول، وأنه توقيفي بأمر من الرسول ﷺ وهكذا نرى أن هذه الشبهة ساقطة، ولا تنهض أمام الأدلة المتوافرة التي سبقت.
ونستخلص من هذا أن العز بن عبد السلام متوسط في رأيه، فهو يقول بالمناسبة الظاهرة، دون الخفية، وذلك ليهرب أيضا من التكلف الذي رآه عند بعض من خاضوا هذا البحر، ولم يحسنوا فيه السباحة فأوشكوا على الغرق. فهو يرى حسن المناسبة ولكنه يشفق على من يسعى إليها.
مع الجمهور:
стр. 2682
لا شك أن رأي الجمهور بالقول بالمناسبة يعتمد على أدلة قوية كما قدمنا، غير أن الطريقة التي سلكها أكثرهم في التعرض إلى المناسبة واستكشافها لم تكن تساعدهم دائما على معرفة المناسبة القوية، فيلجئون إلى مناسبات ضعيفة قد تضطرهم إلى شيء من التكلف مما حمل أصحاب الاتجاه الأول على إنكار المناسبة والتشنيع على القائلين بها، وأصحاب الاتجاه الثاني على القول بها في حال دون حال ويبدو أن الطريقة التي كانوا يلجئون إليها في غالب الأحيان، وهي طريقة التحليل حيث لا يتجاوزون الآيتين المتجاورتين، وبالتالي ينحصر البحث في معنى الآيتين ولا يجاوزهما إلى معانٍ أخرى تفهم من مجموع الآيات في السورة الواحدة، ولو أنهم بعد أن سلكوا هذا الطريق التحليلي، عادوا فنظروا إليه نظرة محلية تركيبية، لأمكنهم أن يربطوا بين الآيات كلها ربطا محكما، لا شبهة فيه ولا تكلف، ومن هنا فالطريق الصحيح لإدراك المناسبة لا بد أن يستخدم أولا منطق التحليل، حيث يضع الفرضيات الأولى للمناسبة بين الآيات، ثم يأتي بعد ذلك منطق التركيب الذي يحاول استكشاف الوحدة الكلية الموضوعية التي يقوم عليها بناء السورة فإذا ما أدرك ذلك أمكن تصحيح التكلف والتعسف الذي ينشأ من منطق التحليل، بذلك تبدو المناسبة قوية محكمة لا تحتاج إلى تكلف ولا تعسف. غير أن إدراك الوحدة الموضوعية الكلية ليس بالأمر الميسور، كما أنه ليس ملقىً على قارعة الطريق، وإنما يحتاج إلى بحث ودراسة، وقد تختلف فيه أنظار الباحثين والدارسين ومن ثمّ تختلف المناسبات باختلافهم، فالبقاعي - مثلا - يستنتج موضوع السورة من اسمها، وفي ذلك يقول. وقد ظهر لي باستعمالي لهذه القاعدة بعد وصولي إلى سورة سبأ أن اسم كل سورة مترجم عن مقصودها لأن اسم كل شيء تلحظ المناسبة بينه وبين مُسماّه عنوانه الدّال إجمالا على تفصيل ما فيه، وذلك هو الذي أنبأ آدم ﵇ عند العرض على الملائكة ﵈، ومقصود كل سورة هاد
стр. 2683
إلى تناسبها، فأذكر المقصود من كل سورة وأطابق بينه وبين اسمها، وأفسّر كل بسملة بما يوافق السورة ولا أخرج عن معاني كلماتها.
أما الفراهي فإنه يقول:. . ولما كان اسم الشيء عنوانا لمعناه، وقد اشتهر من الأسماء ما لا يخبر عن معناً هاما، فاعلم أن أسماء السور على أربعة وجوه:
الأول:
تسميتها بلفظ من أوائلها، فمنه فيما نقله السيوطي سورة الحمد وبراءة، وسورة سبحان، وطه، وحواميم، ويس، واقتربت، والرحمن، وتبارك، وعمّ، والمعصرات، وأرأيت، وسورة تبت، وغير ذلك، وهكذا سمّت اليهود كتب التوراة.
الثاني:
تسميتها بلفظ اختص بها، كالزخرف والشعراء والحديد، والماعون، وغير ذلك، فهذه أسماء لا تنبئ عن مقصود السورة ولكنها كالشّامة والسّمة تتميز بها مسمياتها، وكانت العرب تسمي الرجال والأشياء هكذا، كالملتمس وتأبَطّ شراً، وهكذا المنطقي يميز المعاني بعرض خاص ليس في شيء من حقيقة المعنى.
الثالث:
تسميتها بلفظ يخبر عن بعض المعاني العظيمة كتسمية سورة النور لاشتمالها على آية النور وتسمية سورة آل عمران، وسورة النساء، وسورة إبراهيم وسورة يونس، وكثير من الأسماء على هذا الأسلوب.
الرابع:
تسمية السورة بما ينبئ عن المقصد الذي تبنيت له السورة، ضمنها تسمية الفاتحة بصورة الصلاة وتسمية براءة وسورة بني إسرائيل وسورة محمد بسورة القتال وسورة الإخلاص والمعوذتين، فهذا الوجه الرابع يخبر عن فهم من سمّى السورة به، فلو سموا كل سورة على هذا الوجه لظهر نظام السور لكل متوسم. وهكذا فإن حصر موضوع السورة في اسمها ربما يؤدي إلى تكلف، إذا كان الاسم من الأنواع الثلاثة التي ذكرها الفراهي، ولا شك أن هذا الخلاف في تعيين موضوع السورة ينعكس على إدراك مناسبات آياتها، ومن ثم يكون اختلاف كبير في وجهات النظر.
مع دراز والفراهي:
стр. 2684
لا شك أن ما ذهب إليه الدكتور دراز، والمعلم الفراهي، يبدو أنه أقرب للصواب وأدنى من الحكمة، لما قدما من أدلة قوية مقنعة، ولما وضعاه من الأصول والمعالم التي تهدي إلى المناسبة المعقولة، والتي تبعد عن التكلف والتعسف وذلك كما سيأتي معنا فيما بعد، وقد بلغ الأمر عند الفراهي مرتبة اليقين حتى أنه يقول: ((وكيف يشك فيه من وجد مَسّ برده، وشم ريح ورده، وتمتع بنسيم عرار نجده، ولكنه من لم يذق فإن ارتاب فلا تثريب عليه)) ومع ذلك يبدو أن هذا الاتجاه على أهميته - وبالرغم من الجهود التي بذلها في توضيح رأيه وإقامة الحجج والبراهين المقنعة - لم يستطع أن يعبد الطريق أمام الباحثين فما زالت هناك صعوبات كثيرة وعقبات كبيرة، تحتاج إلى مواصلة الجهد ومعودة الدرس. إننا نتعاطف مع هذه الفكرة ونشعر شعورا قويا وغامضا بصحتها، ولكن تحقيقها في عالم الواقع ليس بالأمر الهين اليسير ودون ذلك، أشواك ومشتقات حتى يستوي النظام على سوقه، ويرتفع بنيانه على قواعد علمية محددة، وقد لا يستطيع ذلك إلا أفذاذ من الناس ممن وهبوا حياتهم ووقتهم لمطالعة كتاب الله ودراسته وآتاهم الله فهما وحكمة ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا.
стр. 2685
أضواء إسلامية على بعض الأفكار الخاطئة
بقلم الشيخ ربيع بن هادي
المدرس بالمعهد الثانوي بالجامعة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وبعد: فإن من أغرب الأمور وأعجبها وأشدها وقعا على قلب كل مؤمن واع وأشدها حيرة لعقله وأذهبها للبّه ما وقع فيه كثير من المنتسبين للإسلام من ضلال بعيد في الفكر وانحراف خطير في المعتقد وانحدار فيه إلى مستوى من الجاهلية لم تبلغه أيّ جاهلية مضت على مدار التاريخ.
صحيح أن المشركين في كل جاهلية قد عبدوا الطواغيت والأوثان من دون الله واستكبروا في الأرض وكذبوا الرسل وعاندوهم أشد العناد والمكابرة.
غير أن احتجاجهم لشركهم وتعصبهم لوثنيتهم ما كان يتجاوز أن آلهتهم تقربهم إلى الله زلفى ((الزمر)) وأن هذا أمر اعتادوه وألفوه وورثوه عن آبائهم كما يقص علينا القرآن وهو أصدق حديث عرفته البشرية ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ الزخرف.
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ .
стр. 2686
فأنت ترى أنهم لا يبالغون ولا يهولون في تمجيد آلهتهم ولا يتجاوزون الواقع الذي كان عليه معبوداتهم من أنها لا تسمع دعاءهم ولا تجلب لهم نفعا ولا تدفع عنهم ضرا كل ما في الأمر أنهم قلدوا آباءهم في أمر وجدوهم عليه وتراث يريدون الحفاظ عليه.
وإذا قرأت تاريخ الجاهلية ترى تعلق كثير منهم بمعبوداتهم فيه ضرب من الاستخفاف فالرجل يحمل حجرا معه ليعبده فإذا وجد حجرا أجمل منه رمى حجره الأول واتخذ الأخير معبوده الجديد ويتخذ الرجل معبوده يصنعه من التمر فإذا مسه الجوع أكله بدون تردد أو وجل.
وكانوا إذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين ناسين آلهتهم لأن ثقتهم فيها ضعيفة متجهين إلى الله الذي بيده النفع والضر والإنقاذ من الشدائد.
إن مثل هذا الكلام والأسلوب يزعج كثيرا من الناس ويثيرهم وأكثر ما يزعج أولئك الصيادين الذين اتخذوا من سدانة القبور ومن كرامات الأولياء شبكات لاصطياد الأغمار والبله والمغفلين قارن بين واقع المشركين الأولين الذي قصه الله علينا وهو أصدق القائلين وبين عقائد هؤلاء الذين ينتسبون إلى الإسلام.
قارن بين ما تراه من أفعالهم وما تسمع من أقوالهم وما تقرؤه من كتبهم في كرامات الأولياء ومراتبهم من أن هناك أقطابا وأوتادا وغوثا و. . . و. . .الخ.
стр. 2687
وما لهم من خوارق العادات ومن تصرفات في شؤون الكون واطلاع على الغيوب تر العقائد الوثنية الأولى أقل جهلا وغلوا من عقائد هؤلاء المتأخرين، إنا نقول لهؤلاء كما قال تعالى لأهل الكتاب - لأن هؤلاء - يزعمون أنهم أهل القرآن فنقول ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقّ﴾ .
ونقول لعلمائهم إن كان فيهم علماء.
﴿لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ .
تعالوا نحتكم إلى القرآن الحكيم الذي ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ كما أمرنا الله ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ .
стр. 2688
وإلى السنة المطهرة قول الرسول الكريم الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى. ولا تكونوا كالذين قال الله فيهم ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً﴾ فإن صددتم فاسمعوا قول الله ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ .
وإن كنتم على استعداد للتحاكم إلى الرسول كما أمر الله بذلك فهنا بعض المسائل نحب أن يركز الكلام عليها وأن يدور الحديث حولها وليس عليكم إلا أن تتحلوا بالإنصاف وتتجردوا من التعصب وتقبلوا بعقولكم وقلوبكم وتصغوا بآذانكم بجد إقبال من يريد الحق وعلى ضوء مناقشة تلك المسائل بالأدلة من الكتاب والسنة ستبين لكم الحق من الباطل وإليكم ما نريد مناقشته:
١- دعاء غير الله من الموتى والغائبين والاستغاثة بهم.
٢- إدعاء أن غير الله يعلم الغيب سواءا رسول الله ﷺ أو غيره من الأنبياء والأولياء.
٣- إدعاء أن رسول الله ﷺ ليس بشرا.
(المسألة الأولى - وهي دعاء غير الله)
نريد أن نعرف حقيقة الدعاء لغة وشرعا.
١- قال في الصحاح دعوت فلانا صحت به واستدعيته ودعوت الله له وعليه.
٢- وقال في القاموس الدعاء الرغبة إلى الله.
٣- وقال في المصباح دعوت الله أدعوه دعاء ابتهلت إليه بالسؤال ورغبت فيما عنده من الخير ودعوت زيدا ناديته وطلبت إقباله.
стр. 2689
٤- وقال الحافظ ابن حجر في الفتح: "والدعاء الطلب والدعاء إلى الشيء الحث على فعله ودعوت فلانا سألته ودعوته إستغثته".
فالدعاء إذا استدعاء ورغبة ونداء وابتهال بالسؤال واستغاثة والذي يدعو الله راغب إليه ومنادٍ له ومبتهل وسائل له ومستغيث به والداعي لغير الله من ميت وغائب كذلك.
(حقيقة الدعاء في القرآن)
١- قال تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ آل عمران.
٢- وقال تعالى عن زكريا أيضا: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً﴾ .
فالدعاء المذكور في آل عمران سمّاه هنا نداء وفسر النداء في سورة مريم بطلب الولد.
(حقيقة الدعاء في السنة)
١- عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا دعا أحدكم فلا يقل اللهم اغفر لي إن شئت ولكن ليعزم المسألة وليعظم الرغبة فإن الله سبحانه لا يتعاظمه شيء أعطاه".
فسمى ما يطلبه العبد من ربه دعاء ومسألة رغبة وهو موافق لأقوال أئمة اللغة.
٢- وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يستجاب لأحدكم ما لم يعجل فيقول قد دعوت فلم يستجب لي" متفق عليه وأخرجه الترمذي.
٣- وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا دعا أحدكم فليعزم الدعاء ولا يقل اللهم إن شئت فأعطي فإن الله لا مستكره له" متفق عليه.
стр. 2690
والأحاديث ومؤلفات العلماء وتراجمهم في الدعاء شيء لا يأتي عليه العد بل عوام الناس إذا ذكر لفظ الدعاء لا يتبادر إلى أذهانهم إلا هذه الحقيقة وهي النداء والسؤال والطلب.
إذا تقررت وفهمت حقيقة الدعاء على ضوء الكتاب والسنة واللغة العربية وواقع الناس فالله تعالى قد أمرنا بدعائه ونهانا أشد النهي عن دعاء غيره.
قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ .
أمرنا الله بدعائه وعلمنا آداب الدعاء التي يرجى من ورائها الإجابة وهي:
١- التضرع ٢- الخفية ٣- الخوف ٤- الطمع.
وقال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ .
فهنا ندب ﵎ عباده إلى دعائه وأخبر أن المستكبرين عن دعائه مستكبرون عن عبادته لأن الدعاء أهم أنواع العبادة وأعظمها فالتارك لدعائه استكبارا كافر سيدخل جهنم داخرا أي صاغرا وقد روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وأبن أبي حاتم عن النعمان بن بشير عن النبي ﷺ قال: "إن الدعاء هو العبادة"ثم قرأ ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ .
قال الترمذي صحيح الإسناد ومعنى الدعاء هو العبادة كما قال العلماء أي جلها ومعظمها كقوله ﷺ "الحج عرفة"أي أعظم أركان الحج، وكقوله ﷺ "الدين النصيحة" ولا شك أن الدعاء كذلك ولذا تعبدنا الله به في كل صلاة.
стр. 2691
﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ .
هذه لمحة عن أهمية الدعاء وإشارة خاطفة إلى بعض ما أمرنا به ربنا تعالى من دعائه وحده.
أما دعاء غير الله فقد نهى الله ﵎ عنه أشد النهي وحكم على فاعله بالضلال وضرب فيه الأمثال وأبدى فيه وأعاد وركز عليه تركيزا قويا واعتنى بموضوعه أقوى عناية وأشدها وكيف لا يكون كذلك وهو أعلى أنواع العبادة وقد قال رسول الله ﷺ : "الدعاء هو العبادة" بتعريف الجزءين وهو من طريق القصر المعروفة عند البلاغيين.
ولنشر الآن إلى قليل من كثير مما ورد في القرآن الكريم في هذا الموضوع قال تعالى مخاطبا نبيه الكريم: ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ .
والظلم هنا هو الشرك ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ .
فهذا نهي صريح للنبي ﷺ عن دعاء غير الله مهما علت منزلته وارتفعت درجته سواء كان نبيا أو ملكا مقربا، فهذا أكمل المخلوقات وسيد المرسلين والنبيين لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا قال تعالى في سورة الأعراف آمرا نبيه ﷺ : ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ .
стр. 2692
وإذا كان النبي ﷺ لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا فبديهي أنه لا يملك ذلك لغيره وصرح بهذا المعنى في آيات أُخر قال الله آمرا نبيه ﷺ : ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً﴾ .
﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ .
﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ .
وقال ﷺ حين أنزل عليه ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ : "يا معشر قريش -أو كلمة نحوها- اشتروا أنفسكم من الله لا أغني عنكم من الله شيئا.
يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئا، يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئا، يا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت لا أغني عنك من الله شيئا".
فإذا كان أكمل الخلق ﷺ كذلك، فغيره أبعد عن ذلك وأبعد، فهذه البيانات الواضحة والتصريحات القوية التي تصدر عن أصدق القائلين الهدف الأصيل منها أن يقطع المؤمن الصادق كل أمل وكل رجاء من غير الله ويتجه بدعائه ورجائه ورغباته وكل مطالبه إلى الله وحده مباشرة.
ولذا قال عقب هذه الآية التي تلوناها عليكم من سورة يونس: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ .
وقال في سورة الأنعام مستعملا الأسلوب نفسه: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .
стр. 2693
٢- وقال تعالى ضاربا مثلا لحال من يدعو غير الله: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ .
شبهت حال من يدعو غير الله بحال شخص استولت عليه الشياطين فحرفته عن الجادة فهو تائه مضطرب الفكر والعقل ذاهب اللب يتخبط في سيره لا يهتدي لجهة ولا يعرف مقصدا في الوقت الذي يدعي فيه إلى خلاصه والطريق الذي فيه نجاحه وفلاحه فيمعن ويوغل في البعد عن طريق الخلاص والنجاة حتى يلقى هلاكه ومصيره المشئوم.
٣- وقال ضاربا مثلا لخيبة الأمل التي يُمنى بها من يدعو غير الله: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ﴾ .
فهل يستجيب ماء بئر في الدنيا لمن وقف على حافته يمد كفيه ويبسطهما إليه ولو كان ملتهب الأحشاء محترق الفؤاد من الظمأ؟
٤- وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ .
стр. 2694
وهذا تصوير صحيح لواقع كل مدعو من دون الله وأن من في السماوات والأرض لو اجتمعوا لخلق ذرة فضلا عن ذباب لا يستطيعون، ولوقفوا عاجزين وهذا غاية الغايات في العجز، فإذا كان هذا حال المدعوين فلماذا لا يثوب الداعون لهم إلى رشدهم ولذا قال ما قدروا حق قدره إن الله لقوي عزيز، فهو قادر على كل شيء غالب على كل شيء إنما أمره إذا أراد شيئا فإنما يقول له كن فيكون، والواقع أن الذين يستجيزون لأنفسهم دعاء غير الله لا يشعرون أن هذا النداء في هذه الآية موجه إليهم وأن هذا المثل فيها مضروب لهم ومن جراء فقدان هذا الشعور والإحساس لم يرهفوا أسماعهم لهذا المثل الذي قال الله فيه فاستمعوا له وإلا لكان لهم منه أكبر زاجر وأقوى رادع ولفتحوا أسماعهم وأبصارهم وأفئدتهم على قدرة الله الهائلة التي يصغر أمامها كل شيء فاتجهوا إليه وحده ضارعين وداعين.
٥- وقال تعالى مبينا غناه المطلق وفقر من عداه المطلق وأن المدعوين من دون الله جميعا صفر اليدين مما يتعلق به المشركون بهم الداعون لهم من دون الله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ .
فهذه الآية فيها تحطيم لكل أمل يتعلق به المشركون فالمدعوون من دون الله مع الأسف لا يملكون من هذا الملك الواسع والكون الكبير السموات والأرض مثقال ذرة لا على سبيل الاستقلال ولا على سبيل المشاركة والله غني غنىً مطلقا فليس هو سبحانه وهي متوقفة على إذنه، على أنه لا حظ فيها لهؤلاء المشركين الداعين لغير الله وإنما هي للموحدين فماذا استفاد المشركون؟
النار وبئس القرار، ولا كرامة.
стр. 2695
وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ .
فالله ﵎ يأمر رسوله ﷺ بأن يتحدى المشركين بأن يشيروا إلى أي نقطة من السموات والأرض قد خلقها آلهتهم ولو مجتمعة أو أي جزئية شاركوا فيها في الخلق والتصرف وهم لا يمكن أن يدعو ذلك فهم معترفون بأن الله وحده المنفرد بخلق الكون والتصرف في شئونه.
فإن توقح متوقح منهم فليت بالبرهان الواضح ولا يمكنه ذلك لا من طريق النقل ولا من طريق العقل وبعد عجزهم الفاضح أمام التحديات فما حكمهم إن أصروا على دعاء غير الله؟
حكمهم أنهم خلق الله إنهم غارقون في ضلال بعيد لأنهم يدعون من لا يملك شيئا في السماوات والأرض لا لنفسه ولا لغيره وقد عجزوا وأفحموا عن إقامة البرهان على شيء من ذلك وهم مع ذلك لا يستجيبون لهم ولو بحت أصواتهم وانقطعت حناجرهم من النداء والهتاف ولو استمروا فيهما إلى يوم القيامة.
والنتيجة المرة أنهم يوم القيامة يبارزونهم ويصارحونهم بالعداء الشديد ﴿وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ إنها لنهاية أليمة ومصير مشئوم وهذا الذي أشرنا إليه قليل من كثير فما يزخر به القرآن من محاربة هذا الاتجاه المخزي فمن أراد أن يعرف الحقيقة فليمط عن وجهه حجاب التعصب الأعمى وليقرأ القرآن ملاحظا ما أشرنا إليه فسيجد الأمر أوضح وأقوى.
стр. 2696
المسألة الثانية: وهي ادعاؤهم وزعمهم أن رسول الله ﷺ وكثير من الصالحين يعلمون الغيب.
وقبل الخوض في هذه المسألة نبدأ بمقدمة ينكشف بها أن المزاعم الباطلة والافتراءات الكاذبة لا ترفع شيئا من منزلة رسول الله ﷺ وليس من تعظيمه وتوقيره في شيء بل ذلك عدوان على منصبه ومنابذة لشرعه ورسالته.
إن المؤمن الحق يعتقد أن رسول الله ﷺ أكرم البشر وسيد الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام وأنه يجب تعظيمه وتوقيره وتعظيم واحترام ما جاء به من قرآن وسنة وأنه الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.
وهنا نتساءل ما هو البرهان الصحيح العملي الذي يقيمه المؤمن على هذا الحب والتعظيم والتوقير.
والجواب: السديد أن ذلك يكون بطاعته.
١- والتفاني فيها واتباع ما جاء به بحيث لا يزاحمه في هذه الطاعة وهذا الاتباع الصادق أحد كائنا من كان جاعلا المؤمن نصب عينيه ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ .
٢- ويكون ذلك بحبه الصحيح الذي يفوق حب النفس والوالد والولد والمال والناس أجمعين "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين".
٣- ويكون ذلك بموافقته في كل أمره فما أحبه رسول الله يحبه وما أبغضه يبغضه.
стр. 2697
٤- ويكون ذلك أيضا بتصديقه في كل ما أخبر به تصديقا وإيمانا لا يرقى إليه أدنى شك ولا ريب واتخاذ أخباره قضيا مسلمة لا تقاس ولا توزن بكلام أحد بل أقواله وأفعاله وأخباره وتشريعاته في الميزان الصحيح الحق لأقوال الناس وأعمالهم فما وافقه فهو الحق وما خالفه فهو الباطل سواء كان في مجال الاعتقاد أو التشريع أو الأخلاق أو السياسة أو الاجتماع أو الاقتصاد أو غيرها من شئون الحياة الدنيا أو الدين.
أما الغلو فيه وإطراؤه مع الاستخفاف بأوامره ونواهيه وتشريعاته وتعاليمه وبغض ما يحبه وحب ما يبغضه وتقديم طاعة الناس والأهواء على طاعته والحيدة والروغان عند أخباره فهذا في الواقع هو العداء السافر أو المقنع فما قيمة تعظيم مزعوم لا ينقاد صاحبه ولا يسلس له قياد إلا فيما يوافق هواه وما يتبعه من مذاهب وتقاليد وعادات، ما قيمة تعظيم أشبه بصراع عنيف مع تعاليمه ومصادمة لا تقف عند حد، فإذا قال افعلوا هذا قيل سمعنا وعصينا وإذا قال اتركوا ذلك قيل لا بد من فعله وإذا أخبر عن أمر أنه كذا وكذا قيل لا بد من وزن هذا الكلام وعرضه على آراء الناس، فإذا قال ﷺ : "لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم إنما أنا عبد الله ورسوله"، قيل ليس لنا بد من إطرائك والغلو فيك وإذا قال الله لرسوله ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ .
لا يرفع أناس الخبر رأسا ولم يقيموا له وزنا ولم يعيروه أي اهتمام بل قالوا:
(فإن من جودك الدنيا وضرتها
ومن علومك علم اللوح والقلم) .
стр. 2698
ولنضرب مثلا يتضح به الحب الصحيح من الكاذب هناك زعيم مخلص متفان فيما ينفع أتباعه صادق اللهجة لم يجرب عليه كذب له أتباع فريق منهم سهل الانقياد سريع الاستجابة لا يتلكأ ولا يتلعثم عند أمر أو نهي لا يأمره ذلك الزعيم بأمر إلا بادر وسارع إلى تنفيذه ولا ينهاه عن شيء إلا كان أشد الناس ابتعادا عنه ولا يخبره بخبر إلا أصاب موضع اليقين من قلبه ولا يفعل فعلا إلا أتسم به ورأى أنه القدوة الحسنة.
وفريق آخر يمتاز بالمبالغة والتهويل في تمجيد ذلك الرئيس رغم أنه يكره هذه المبالغات وهذا الغلو أشد الكراهية عرف ذلك من أقواله وأفعاله المتواترة وتصريحاته القوية وتعليماته. ومبادؤه قائمة على أساس محاربة هذا اللون من الانحراف والإتيان عليه من القواعد ورغم كل ذلك يصر هذا الفريق على موقفه ويمعن فيه غير أنه بجانب هذا الغلو يمتاز بأسلوب آخر وهو أن أوامر هذا الرئيس وزواجره وتوجيهاته لا يذعن لها هذا الفريق ويروغ عنها روغان الثعلب فإذا قال افعلوا هذا الأمر واتركوا ذاك والأمر الفلاني واقعه كذا قالوا والله يا سيادة الرئيس أمرك هذا لا يوافق مزاجنا وليس عندنا نشاط ولا استعداد لتنفيذه ويمكن إن نفذناه أن نواجه مشاكل لأنه لا يتفق مع رأي فلان ولا يناسب مزاج علان ونهيك ندخله في خبر كان وخبرك فيه سطحية وسذاجة لا بد له من ميزان، وعلى كل حال أحسن رأي عندنا أننا نمدحك ونطريك ولو كان الغلو والإطراء أبغض شيء إليك، ثم ضربوا بتعليماته السديدة وتوجيهاته الرشيدة عرض الحائط فخالفوا أوامره ونواهيه، وحرفوا أخباره وتأولوها كما أملت عليهم أهواؤهم ولم يقفوا عند هذا الحد بل صبوا جام غضبهم على الفريق الطائع المنقاد وأوسعوهم لوما وتجريحا واحتقارا وسخرية ووجهوا إليهم الشتائم والمطاعن ورموهم بالدواهي من المفتريات فأي الفريقين أحق بذلك الزعيم وأقربهم إليه وأحبهم لديه لا يخفى ذلك على المنصف العاقل.
стр. 2699
ولنشرع الآن في بيان هذا الموضوع على ضوء الكتاب والسنة وأقوال الصحابة وواقعهم، قال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ .
ومعنى الآية واضح كل الوضوح أن علم الغيب أمر مختص بالله جملة وتفصيلا وأن هذا أمر استأثر به لا يشركه فيه غيره كاختصاصه واستئثاره بالربوبية والألوهية وغيرها من صفاته العليا التي انفرد بها واستأثر بها وحده.
٢- قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ .
وهذا أمر امتاز به وحده كما امتاز بتصويرنا في الأرحام كما يشاء.
٣- ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ﴾ إلى قوله: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ﴾ .
وهذا تصريح واضح من نبي كريم من أولي العزم بحقيقة ناصعة يوافقه عليها كل نبي ورسول اختاره الله وكل مؤمن هداه الله.
٤- ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ﴾ .
стр. 2700
أمر الله رسوله محمدا ﷺ أن يعلن هذه الحقائق الساطعة فليس عنده خزائن الله ولا يعلم الغيب ولا يقول إنه ملك ولا يخرج عن الطريق الواضح الذي رسمه الله له وهو اتباع الوحي فلا تخفى هذه الأمور الواضحة إلا على من أعمى الله قلبه وطمس بصيرته من المكذبين المعارضين أو من الغلاة المبالغين.
٥- وقال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ .
وهذا أمر من الله لنبيه أن يعلن هذه الحقيقة أنه لا يعلم الغيب إنما الغيب لله وحده وقد بلغ رسول الله كما أمره الله ونحن على ذلك من الشاهدين ومن المؤمنين المصدقين لا نمتري في هذه الأخبار الصادقة ولا نشك فيها ولا نحرفها ولا نؤولها.
٦- وقال تعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ .
وهذه الإحاطة والشمول لا تنبغي إلا لجلاله الكبير المتعال.
﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ .
следующие страницы →