← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

قلت: لا تثبت نسبة الشعر إلى عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود رحمه الله تعالى عن طريق الواقدي، فإذا كان هناك إسناد آخر صحيح فلا مانع من قبوله إياه ثم تأويله إلى أنه شعر كشعر حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه، كما قال عنه ابن عبد البر: "وكان شاعرا مجيدا محسنا"، ولا يمنعني شيء من عدم قبول روايات الواقدي كلها، فإذا كان عند المستشرق إسناد آخر فليأت به حتى اسبره، وانقده، ولعل هذا محال إن شاء الله تعالى، فإذا عرفت هذا فاعلم علم اليقين أن كتاب المستشرق الألماني المذكور كله مملوء بهذه الحكايات المكذوبة، والروايات المصطنعة والتي لا يثبت سندها أبدا، ولم يقصد من كتابة هذا إلا الطعن والرمي بالانحراف والزيغ لشخصية مباركة إسلامية عظيمة، عرفت بالتقوى والزهد، والعدالة والورع، ولا يخفى عليك أيها المسلم، أنه أراد بهذه الكتابة أن يسقط عدالة هذا التابعي الإمام الذي اعتمد عليه الأئمة الستة وغيرهم ف كتبهم فأخرجوا له جملة كبيرة من الأحاديث في الأحكام والعقائد ونحو ذلك، ولم يكن عمل هؤلاء منحصرا في كتاباتهم التي اطلعت على بعض أجزائها، إنما أسسوا جامعات كبيرة، ومتاحف أثرية لهذا الغرض، واهتموا أشد الاهتمام بدراسات إسلامية أكثر مما اهتموا بالدراسات الأخرى، وخططوا مناهج موبوءة وجبلوا إليها من جبلوا من ضعاف العقول، وبسطاء الضمير من أولاد هذه الأمة المرحومة لكي يخدموهم فيما أرادوه من الباطل والوقيعة، وهذا والله من أشنع الأسلحة الفتاكة التي يستعملها الأعداء في تشويه حقائق هذه الشريعة الصافية النقية. قال محمد بن سيرين أحد أئمة التابعين الكبار فيما روى عنه مسلم في مقدمة صحيحه بإسناد قال: "إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم" [١٤] .

стр. 2627

وروى أيضا بإسناد عن أبي عقيل صاحب بهية، قال: "كنت جالسا عند القاسم بن عبيد الله، ويحيى بن سعيد، فقال يحيى للقاسم: "يا أبا محمد إنه قبيح على مثلك عظيم أن تسأل عن شيء من أمر هذا الدين، فلا يوجد عندك منه علم، ولا فرج، أو علم، ولا مخرج"، فقال القاسم: "عم ذاك؟ " قال: "لأنك ابن إمامي هدى ابن أبي بكر، وعمر"، قال: يقول له القاسم: "أقبح من ذلك عني من عقل عن الله، أن أقول بغير علم، أو آخذ عن غير ثقة"قال: فسكت فما أجابه" [١٥] . قلت: لنأسف جدا على هذه الكارثة العظمى، والمصيبة الكبرى التي حلت بالعالم الإسلامي وهي عدم الاعتداد بشخصيته الإسلامية التي عُرف بها في الماضي المجيد بالعلم والنباهة، وتيسير أمور العالم بأكمله بما عنده من النور الإلهي، والوحي السماوي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد. فتلجأ هذه الأمة في هذا العصر إلى الغرب حتى في العلوم الدينية، وتتذلل أمامه على مائدة الخنزير، إنها جريمة خلقية في حق الإسلام لا تغتفر لها أبدا، مع العلم أن مناهجه قد وضعت على أساس أن لا تبقى هذه الأمة على صلابتها وإيمانها، وقوتها، وروحها، ونقاوتها بل تنجرف مع الروح العلمانية التي يعيش فيها الغرب أو الشرق، ومن لف لفهم. فإلى متى تبقى هذه الأمة عالة على الغرب مع وجود منهج سامق عالمي لديها تستطيع أن تقف به موقفا عظيما شامخا أمام تحديات الإلحاد؟ وإلى متى تعيش هذه الأمة في نظريات منحرفة، وفلسفات مادية لا تتفق مع فطرتها السليمة، وطبيعتها الأصيلة، وعقيدتها الراسخة؟ اللهم يا ولي الإسلام والمسلمين ألهمنا مراشد أمورنا، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، أنت ولي ذلك والقادر عليهن وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2628

-------------------------------------------------------------------------------- [١] مقدمة الكتاب ص٣ طبع بمطبعة الحلبي بمصر -الطبعة الأولى -. [٢] انظر الطبقات الكبرى لابن سعد ١٥١- ١٥٣/٥ وتهذيب الكمال للمزي ٤٩-٥٠ /١خ وتهذيب التهذيب للحافظ ابن حجر ٩٧/٠١ والجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٢٩٥/١/١ وتقريب النهذيب للحافظ بن حجر ٣١/١/٠١ وخلاصة لأحمد بن عبد الله الخزرجي ص١٥. [٣] ٩٢-١٠١/٨ طبع بولاق. [٤] ١٨٥/٥ حسب عزو المستشرق. [٥] البيت مكسور وملحون. وقد اصلحنا عدة أغلاط في الأبيات. (المجلة) . [٦] أنظر تهذيب التهذيب ٢٢-٢٤/٧. ووفيات الأعيان لابن خلكان ٢٧١/١. وسير أعلام النبلاء للذهبي المجلد الرابع خ. وصفة الصفوة لابن الجوزي ٥٧/٢. وحلية الأولياء للحافظ بان نعيم ١٨٨/٢. ونكت الهميان ص١٩٧. [٧] الأغاني ٩٥-٩٧/٨٨ طبع بولاق. [٨] تاريخ بغداد للخطيب البغدادي ٣٩٩/١١. [٩] نقلا عن الاعلام لخير الدين الزركلي ٨٨/٥ وهو بدوره ينقل عن سير اعلام النبلاء انظر: ارشاد الاريب ٩٤-١٣٦/١٣. وفيات الاعيان ٤٢١-٤٢٢/١.والوافي بالوفيات للصفدي ٤٤-٤٦/١٢ والنجوم الزاهرة ١٥-١٦/٤. ميزان الاعتدال ٢٢٣/٢. المنتظم لابن الجوزي ٧١/٧. لسان الميزان ٢٢١-٢٢٢/٤/١ وشذرات الذهب ١٩=-٢٠/٣ ومرآة الجنان ٣٥٩/٣٦٠/٢. انظر:مؤلفاته في فهرست ابن النديم ١١٥/١. والمؤسف أن أديبا سوريا ذا شهرة قد وضع كتابا في توثيق روايات هذا الكذاب الزرى الهجاء غير عابئ بشهادة أئمة الحديث الفاضحة له. وقد تنبه إلى حقيقة الاصفهاني الدكتور زكي مبارك الذي أعطاه ما يستحق في كتابه (النثر الفني) فليفم ذلك قراء كتابه (الاغاني) الذي يوهم بطريقته الاسنادية غير حقيقية. (المجلة) [١٠] تهذيب التهذيب ٢٠٣/٥. [١١] ٢٢١/٢٢٤. [١٢] ٢٥٠/٥ الطبقات الكبرى دار صادر بيروت.

стр. 2629

[١٣] ميزان الاعتدال ٦٦٢=٦٦٦/٣ انظر تاريخ بغداد للخطيب ٢١/١٩٦. ١٩٧/٣ الانساب للسمعاني ٥٧٧/٢ ووفيات الاعيان لابن خلكان ٦٤٠. ٧٤١ وارشاد الاريب ٢٧٧-٢٨٢/١٨. وتاريخ جرجان ص١٦٥. ومختصر دول الإسلام ٩٩/١. والوافي بالوفيات ٢٣٨-٢٤٠/٤. ومرآة الجنان ٣٦-٣٨/٢ وشذرات الذهب ١٨/٢. والديباج المذهب لان فرحون ص٢٣٠. وانظر تهذيب التهذيب ٣٦٣-٣٦٨/٩ وتهذيب الكمال للإمام المزي ١٢٤٩-١٢٥١/٦ خ وانظر عبر في خبر من غبر للذهبي ٣٥٣/١. [١٤] مقدمة صحيح مسلم ص١١. [١٥] مقدمة صحيح مسلم ص١٢.

стр. 2630

رسالة المركز الثقافي الإسلامي باسكندنافيا مدير المركز يحيى زكريا سين السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد. . فنظرا لما تتمتع به صحيفتكم من ثقة وسعة وانتشار وهي وسيلة من وسائل الإعلام بين المسلمين وأداة لمخاطبة ذوي الغيرة والشهامة منهم، وبناء على ما عُهِد فيكم من تجاوب وإخلاص لنصرة كل القضايا الإسلامية ومساعدة المسلمين نتوجه إليكم بهذا الخطاب راجين منكم التعاون والمساندة. . والله لا يضيع أجر من أحسن عملا. . فقبل كل شيء نود أن نعلمكم عن تأسيس المركز الثقافي الإسلامي بكوبنهاجن بالدانمرك والذي تأسس لخدمة المسلمين الموجودين هنا ومساعدتهم وتقوية الروابط الأخوية بينهم بالإضافة إلى تعميق المفاهيم الإسلامية لديهم حيث أنهم يعيشون في ظروف روحية سيئة جدا ولا يخفى عليكم ما يحتاجه هذا العمل من إمكانيات وجهود وما يعترضه من صعاب وعقبات، ولكن إيماننا بالله وثقتنا في تجاوبكم مع هذه الغايات دفعنا لمكاتبتكم آملين منكم مشاركتنا في حمل هذه المهام الجسام التي تعتبر أيضا من واجبات كل مسلم أينما كان. لقد رأينا أن نتصل بكم لنكون أولا على ارتباط وثيق بكم ولتكونوا وسيلة اتصالنا بإخواننا المسلمين في البلاد الإسلامية الذين نأمل منهم العون والمساندة. . فالمسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضا.

стр. 2631

إن عدد المسلمين في الدانمرك حوالي (١٢) ألف مسلم وهم يحتاجون إلى مكان تقام في الصلاة ويلتقون فيه في المناسبات التي تمر دون أن يشعروا بها، وقد يضطر بعضهم إلى مطالبة الجهات المسؤولة لإعارتهم صلات الألعاب الرياضية لإقامة الصلوات بها، وطبعا لا توافق هذه الجهات إلا على إعطاء الأماكن البعيدة وغير المناسبة أو على الأقل في الأوقات غير المناسبة، وعلى سبيل المثال في عيد الأضحى المبارك الفائت لم تقم صلاة العيد المشروعة لعدم حصولنا على مكان يسهل الوصول إليه بحجة انشغال كل الأماكن وإصرارنا على إقامة الصلاة والتي أقيمت على البلاط دون أي فراش. . وما هذه إلا صورة لإحدى المآسي التي يعيشها المسلمون هناك. . وهي بسيطة إذا قورنت بمشكلة الأطفال الدراسية الذين يفقدون لغتهم نظرا لدراستهم باللغة الدانمركية ولا يجدون أي جهة تدرس لهم اللغة العربية ويتلقون منها شيئا عن الإسلام. . الأمر الذي يفقدهم كل ارتباط بإسلامهم وعروبتهم. لقد تأسس المركز الثقافي الإسلامي كما تجدون في النظام الأساسي المرفق تحت رعاية سفراء الدول الإسلامية وليقوم بالواجبات المحددة به، ولكن في الواقع لم يتمكن المركز حتى الآن من إيجاد مقر له يجتمع فيه أعضاؤه حيث يجتمعون حاليا في غرفة صغيرة لا تزيد مساحتها عن عشرين مترا مربعا بالدور الثالث تستعمل للصلاة والاجتماعات رغم مضايقة الجيران والحانة التي فتحت مؤخرا في الدور الأرضي من نفس البناية. ولا بد لنا أن نشكر هنا كل من الإدارة العامة للأوقاف بالجمهورية العربية الليبية التي تبرعت بمبلغ (٥٦٠٠) خمسة آلاف وستمائة جنيها إسترلينيا وجمهورية موريتانيا التي تبرعت بمبلغ (٧٠٠) سبعمائة جنيها إسترلينيا رغم ضيق ذات يدها سائلين الله العلي القدير أن يسدد خطى الجميع.

стр. 2632

إن واقع المسلمين هنا سيئ جدا وهم في حاجة لمن يساعدهم ويشد من أزرهم فغالبيتهم عمالا تتقاسم أجورهم الضرائب الباهظة والأسعار العالية بالإضافة إلى التزاماتهم المادية نحو أهلهم وذويهم ببلدانهم الأصلية، فنرجو أن تكونوا خير معين لهم، والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه. وفي الختام نرجو أن تقوموا بدوركم في التعريف بنا وطلب المساعدة لنا وأن تكونوا وسيلة للاتصال بيننا وبين ذوي الفضل والسعة في العالم الإسلامي، كما أننا في حاجة ماسة إلى مساندتكم المادية والمعنوية، ولا يفوتنا أن نؤكد لكم استعدادنا للإجابة على استفساراتكم والتجاوب مع مقترحاتكم وتوجيهاتكم والتي ولا شك ستعيننا إن شاء الله على مواصلة العمل والسعي حثيثا لما فيه خير الإسلام والمسلمين. وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون. . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. . . مدير المركز يحيى زكريا سين

стр. 2633

دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب لفضيلة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي المدرس بالجامعة سورة الحجرات قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ . هذه الآية الكريمة تدل على أن خلق الناس ابتداؤه من ذكر وأنثى. وقد دلت آيات أُخر على خلقهم من غير ذلك كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ . والجواب واضح وهو أن التراب هو الطور الأول وقد قال تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً﴾ وقد بين الله أطوار خلق الإنسان من مبدئه إلى منتهاه بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ إلى آخره. سورة ق قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ هذه الآية تدل على خصوص التذكير بالقرآن بمن يخاف وعيد الله وقد جاءت آيات أخر تدل على عمومه كقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً﴾ والجواب أن التذكير بالقرآن عام إلا أنه لما كان المنتفع به من يخاف وعيد الله صار كأنه مختص به كما أشار إليه قوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ كما تقدم نظيره مرارا. سورة الذاريات

стр. 2634

قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾ . لا يخفى ما بين هذا النعت ومنعوته من التنافي في الظاهر لأن النعت صيغة جمع والمنعوت لفظ مفرد. والجواب أن لفظة الضيف تطلق على الواحد والجمع لأن أصلها مصدر ضاف فنقلت من المصدرية إلى الاسمية كما تقدم في سورة البقرة. سورة الطور قوله تعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ هذه الآية تقتضي عموم رهن كل إنسان بعمله ولو كان من أصحاب اليمين نظرا لشمول المدلول عليه بلفظه كل وقد جاءت آية أخرى تدل على عدم شمولها لأصحاب اليمين وهي قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلاَّ أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ . والجواب ظاهر وهو أن آية الطور هذه تخصصها آية المدثر. سورة النجم قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ . هذه الآية الكريمة تدل بظاهرها على أن النبي ﷺ لا يجتهد في شيء وقد جاءت آيات أخر تدل على أنه ﷺ ربما اجتهد في بعض الأمور كما دل عليه قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ . وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ الآية. والجواب عن هذا من وجهين: الأول - وهو الذي اقتصر عليه ابن جرير وصدر به ابن الحاجب في مختصره الأصولي إن معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ أي في كل ما يبلغه عن الله أن هو أي كل ما يبلغه عن الله إلا وحي من الله لأنه لا يقول على الله شيئا إلا بوحي منه فالآية رد على الكفار حيث قالوا إن النبي ﷺ افترى هذا القرآن كما قال ابن الحاجب.

стр. 2635

الوجه الثاني: أنه إن اجتهد فإنه إنما يجتهد بوحي من الله يأذن له به في ذلك الاجتهاد وعليه فاجتهاده بوحي فلا منافاة. ويدل لهذا الوجه أن اجتهاده في الإذن للمتخلفين عن غزوة تبوك أذن الله له فيه حيث قال له فأذن لمن شئت منهم. فلما أذن للمنافقين عاتبه بقوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ . فالاجتهاد في الحقيقة إنما هو في الإذن قبل التبين لا في مطلق الإذن للنص عليه. ومسألة اجتهاد النبي ﷺ وعدمه من مسائل الخلاف المشهورة عند علماء الأصول وسبب اختلافهم هو تعارض هذه الآيات في ظاهر الأمر. قال مقيده عفا الله عنه: الذي يظهر أن التحقيق في هذه المسألة أنه ﷺ ربما فعل بعض المسائل من غير وحي في خصوص كإذنه للمتخلفين عن غزوة تبوك قبل أن يتبين صادقهم من كاذبهم وكأسرة لأسارى بدر وكأمره بترك تأبير النخل وكقوله: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت" الحديث. .إلى غير ذلك. وإن معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ لا إشكال فيه لأن النبي ﷺ لا ينطق بشيء من أجل الهوى ولا يتكلم بالهوى وقوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ يعني أن كل ما يبلغه عن الله فهو وحي من الله لا بهوى ولا بكذب ولا افتراء. والعلم عند الله تعالى.

стр. 2636

قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى﴾ هذه الآية الكريمة تدل على أنه لا ينتفع أحد بعمل غير. وقد جاءت آية أخرى تدل على أن بعض الناس ربما انتفع بعمل غيره وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ﴾ الآية. فرفع درجات الأولاد سواء قلنا انهم الكبار أو الصغار نفع حاصل لهم وإنما حصل لهم بعمل آبائهم لا بعمل أنفسهم. اعلم أولا أن ما روي عن ابن عباس من أن هذا كان شرعا لمن قبلنا فنسخ في شرعنا غير صحيح بل آية وأن ليس للإنسان محكمة كما أن القول بأن المراد بالإنسان خصوص الكافر غير الصحيح أيضا والجواب من ثلاثة أوجه: الأول - إن الآية إنما دلت على نفي ملك الإنسان لغير سعيه ولم تدل على نفي انتفاعه بسعي غيره لأنه لم يقل وأن لن ينتفع الإنسان إلا بما سعى. وإنما قال وأن ليس للإنسان. وبين الأمرين فرق ظاهر لأن سعي الغير ملك لساعيه إن شاء بذله لغيره فانتفع به ذلك الغير وإن شاء أبقاه لنفسه وقد أجمع العلماء على انتفاع الميت بالصلاة عليه والدعاء له والحج عنه ونحو ذلك مما ثبت الانتفاع بعمل الغير فيه. الثاني - أن إيمان الذرية هو السبب الأكبر في رفع درجاتهم إذ لو كانوا كفارا لما حصل لهم ذلك فإيمان العبد وطاعته سعي منه في انتفاعه بعمل غيره من المسلمين كما وقع في الصلاة في الجماعة فإن صلاة بعضهم مع بعض يتضاعف بها الأجر زيادة على صلاته منفردا وتلك المضاعفة انتفاع بعمل الغير سعى فيه المصلي بإيمانه وصلاته في الجماعة. وهذا الوجه يشير بعضهم مع بعض يتضاعف بها الأجر زيادة على صلاته منفردا وتلك المضاعفة انتفاع بعمل الغير سعى فيه المصلي بإيمانه وصلاته في الجماعة. وهذا الوجه يشير ليه قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ﴾ .

стр. 2637

الثالث – إن السعي الذي حصل به رفع درجات الأولاد ليس للأولاد كما هو نص قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى﴾ . ولكنه من سعي الآباء فهو سعي الآباء أقر الله عيونه بسببه بأن رفع إليهم أولادهم ليتمتعوا في الجنة برؤيتهم فالآية تصدق الأخرى ولا تنافيها لأن المقصود بالرفع إكرام الآباء لا الأولاد فانتفاع الأولاد تبع فهو بالنسبة إليهم تفضل من الله عليهم بما ليس لهم كما تفضل بذلك على الولدان والحور العين والخلق الذين ينشؤهم للجنة والعلم عند الله تعالى. سورة القمر قوله تعالى: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾ يدل على أن عاقر الناقة واحد وقد جاءت آيات أُخر تتدل على كونه غير واحد كقوله فعقروا الناقة الآية. وقوله: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾ . والجواب من وجهين: الأول - أنهم تمالئوا كلهم على عقرها فانبعث أشقاهم لمباشرة الفعل فأسند العقر إليهم لأنه رضاهم وممالأتهم. الوجه الثاني - هو ما قدمنا في سورة الأنفال من إسناد الفعل إلى المجموع مرادا به بعضه وذكرنا في الأنفال نظائره في القرآن العظيم والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾ . تقدم وجه الجمع بينه وبين قوله تعالى: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ الآية. سورة الرحمن قوله تعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلا تَنْتَصِرَانِ﴾ . لا يخفى ما يسبق إلى الذهن من أن إرسال شواظ النار الذي هو لهبها والنحاس الذي هو دخانها أو النحاس المذاب وعدم الانتصار ليس في شيء منه إنعام على الثقلين. وقوله لهم فبأي آلاء الله أي نعمه على الجن والإنس.

стр. 2638

والجواب من وجهين: الأول - أن تكرير ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ للتوكيد ولم يكرر متواليا لأن تكريره بعد كل آية أحسن من تكريره متواليا وإذا كان للتوكيد فلا إشكال لأن المذكور منه بعد ما ليس من الآلاء مؤكد للمذكور بعد ما هو من الآلاء. الوجه الثاني - أن ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ لم تذكر إلا بعد ذكر نعمة أو موعظة أو إنذار وتخويف وكلها من آلاء الله التي لا يكذب بها إلا كافر جاحد. أما في ذكر النعمة فواضح. وأما في الموعظة فلأن الوعظ تلين له القلوب فتخشع وتنيب فالسبب الموصل إلى ذلك من أعظم النعم فظهر أن الوعظ من أكبر الآلاء.. وأما في الإنذار والتخويف كهذه الآية ففيه أيضا أعظم نعمة على العبد لأن إنذاره في دار الدنيا من أهوال يوم القيامة من أعظم نعم الله عليه ألا ترى أنه لو كان أمام إنسان مسافر مهلكة كبرى وهو مشرف على الوقوع فيها من غير أن يعلم بها فجاءه إنسان فأخبره بها وحذره عن الوقوع فيها أن هذا يكون يدا له عنده وإحسانا يجازيه عليه جزاء أكبر الأنعام وهذا الوجه الأخير هو مقتضى الأصول لأنه قد تقرر في علم الأصول أن النص إذا احتمل التوكيد والتأسيس فالأصل حمله على التأسيس لا على التوكيد لأن في التأسيس زيادة معنى ليست في التوكيد وعلى هذا القول فتكرير ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ إنما هو باعتبار أنواع النعم المذكورة قبلها من إنعام أو موعظة أو إنذار وقد عرفت أن كلها من آلاء الله فالمذكورة بعد نعمة كالمذكورة بعد قوله: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ﴾ الآية وبعد قوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ الآية لأن السفن واللؤلؤ والمرجان من آلاء الله كما هو ضروري والمذكورة بعد موعظة كالمذكورة بعد قوله: ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ﴾ الآية. والمذكورة بعد إنذار أو تخويف كالمذكورة بعد قوله: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ﴾ . الآية. .

стр. 2639

والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ﴾ تقدم وجه الجمع بينه وبين قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . وقوله: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ إليهم﴾ الآية. في سورة الأعراف. سورة الواقعة قوله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ يقتضي أنه لم يقسم بهذا القسم. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ يدل على خلاف ذلك. والجواب من وجهين: الأول - أن ((لا)) النافية يتعلق نفيها بكلام الكفار فمعناها إذا ليس الأمر كما يزعمه الكفار المكذبون للرسول وعليه أقسم إثبات مؤتنف. الثاني - أن لفظة (لا) صلة وقد وعدنا ببيان ذلك بشواهده في الجمع بين قوله تعالى: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ﴾ مع قوله تعالى: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ﴾ . سورة الحديد قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْش﴾ يدل على أنه تعالى مستو على عرشه عال على كل جميع خلقه. وقوله تعالى ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ يوهم خلاف ذلك.

стр. 2640

والجواب: أنه تعالى مستو على عرشه كما قال بلا كيف ولا تشبيه استواء لائقا بكماله وجلاله وجميع الخلائق في يده أصفر من حبة خردل فهو مع جميعهم بالإحاطة الكاملة والعلم التام ونفوذ القدرة علوا كبيرا فلا منافاة بين علوه على عرشه ومعيته لجميع الخلائق ألا ترى ولله المثل الأعلى أن أحدنا لو جعل في يده حبة من خردل أنه ليس داخلا في شيء من أجزاء تلك الحبة مع أنه محيط بجميع أجزائها ومع جميع أجزائها والسموات والأرض ومن فيهما في يده تعالى أصغر من حبة خردل في يد أحدنا وله المثل الأعلى علوا كبيرا فهو أقرب إلى الواحد منا من عنق راحلته بل من حبل وريده مع أنه مستو على عرشه لا يخفى عليه شيء من عمل خلقه جل وعلا. سورة المجادلة

стр. 2641

قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ لا يخفى أن ترتيبه بالعتق على الظهار والعود معا يفهم منه أن الكفارة لا تلزم إلا بالظهار والعود معا وقوله من قبل أن يتماسا صريح في أن التكفير يلزم كونه قبل العود إلى المسيس. اعلم أولا أن ما رجحه ابن حزم من قول داود وحكاه ابن عبد البر عن بكير بن الأشج والقراء وفرقة من أهل الكلام وقال به شعبة من أن معنى ثم يعودون لما قالوا هو عودهم إلى لفظ الظهار فيكررونه مرة أخرى قول باطل بدليل أن النبي ﷺ لم يستفصل المرأة التي نزلت فيها آية الظهار هل كرر زوجها صيغة الظهار أم لا وترك الاستفصال ينزل منزلة العموم في الأقوال كما تقدم مرارا والتحقيق أن الكفارة ومنع الجماع قبلها لا يشترط فيهما تكرير صيغة الظهار وما زعمه البعض أيضا من أن الكلام فيه تقديم وتأخيرو تقديره والذين يظاهرون من نسائهم فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ثم يعودون لما قالوا سالمين من الإثم بسبب الكفارة غير صحيح أيضا لما تقرر في الأصول من وجوب الحمل على بقاء الترتيب إلا لدليل وإليه الإشارة بقول صاحب مراقي السعود: كذاك ترتيب لا يجاب العمل. بما له الرجحان مما يحتمل .

стр. 2642

وسنذكر إن شاء الله الجواب عن هذا الإشكال على مذاهب الأئمة الأربعة ﵃ وأرضاهم أجمعين فنقول وبالله نستعين معنى العود عند مالك فيه قولان تؤولت المدونة على كل واحد منهما وكلاهما مرجح. الأول - أنه العزم على الجماع فقط - الثاني - أنه العزم على الجماع وإمساك الزوجة معا وعلى كلا القولين فلا أشكال في الآية لأن المعنى حينئذ والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعزمون على الجماع أو عليه مع الإمساك فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا فلا منافاة بين العزم على الجماع أو عليه مع الإمساك وبين الإعتاق قبل المسيس وغاية ما يلزم على هذا القول حذف الإرادة وهو واقع في القرآن كقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ أي أردتم القيام إليها. وقوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾ أي أردت قراءته فاستعذ بالله الآية. ومعنى العود عند الشافعي أن يمسكها بعد المظاهرة زمانا يمكنه أن يطلقه فيه فلا يطلق وعليه فلا إشكال في الآية أيضا لأن إمساكه إياها الزمن المذكور لا ينافي التكفير قبل المسيس كما هو واضح ومعنى العود عند أحمد هو أن يعود إلى الجماع أو يعزم عليه أما العزم فقد بينا أنه لا إشكال في الآية على القول به وأما على القول بأنه الجماع فالجواب أنه إن ظاهر وجامع قبل التكفير يلزمه الكف عن المسيس مرة أخرى حتى يكفر ولا يلزم من هذا جواز الجماع الأول قبل التكفير لأن الآية على هذا القول إنما بينت حكم ما إذا وقع الجماع قبل التكفير وأنه وجوب التكفير قبل مسيس آخر وأما الإقدام على المسيس الأول فحرمته معلومة من عموم قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ ومعنى العود عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى هو العزم على الوطء وعليه فلا إشكال كما تقدم وما حكاه الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسيره عن مالك من أنه حكي عنه أن العود الجماع فهو خلاف المعروف من مذهبه وكذلك ما حكاه عن أبي حنيفة من أن العود هو العود إلى الظهار بعد تحريمه ورفع

стр. 2643

ما كان عليه أمر الجاهلية فهو خلاف المقرر في فروع الحنفية من أنه العزم على الوطء كما ذكرنا وغالب ما قيل في معنى العود راجع إلى ما ذكرنا من أقوال الأئمة ﵏ وقال بعض العلماء المراد بالعود الرجوع إلى الاستمتاع بغير الجماع والمراد بالمسيس في قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ خصوص الجماع وعليه فلا إشكال ولكن لا يخفى عدم ظهور هذا القول والتحقيق عدم جواز الاستمتاع بوطء أو غيره قبل التكفير لعموم قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ وأجاز بعضهم الاستمتاع بغير الوطء قائلا إن المراد بالمسيس في قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ نفس الجماع لا مقدماته وممن قال بذلك الحسن البصري والثوري وروي عن الشافعي في أحد القولين وقال بعض العلماء اللام في قوله: ﴿لِمَا قَالُوا﴾ بمعنى في أي يعودون فيما قالوا بمعنى يرجعون عنه قوله ﷺ : "الواهب العائد في هبته". الحديث. وقيل اللام بمعنى عن أي يعودون لما قالوا أي يرجعون عنه وهو قريب مما قبله. قال مقيده عفا الله عنه: الذي يظهر والله تعالى أعلم أن العود له مبدأ ومنتهى فمبدؤه العزم على الوطء ومنتهاه الوطء بالفعل فمن عزم على الوطء فقد عاد بالنية فتلزمه الكفارة لإباحة الوطء ومن وطء بالفعل تحتم في حقه اللزوم وخالف بالإقدام على الوطء قبل التكفير ويدل لهذا أنه ﷺ لما قال: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار" وقالوا""يا رسول الله قد عرفنا القاتل فما بال المقتول؟ "قال: "إنه كان حريصا على قتل صاحبه"فبين أن العزم على الفعل عمل يؤخذ به الإنسان فإن قيل ظاهر الآية المتبادر منها يوافق قول الظاهرية الذي قدمنا بطلانه لإن الظاهر المتبادر من قوله لما قالوا أنه صيغة الظهار فيكون العود لها تكريرها مرة أخرى. فالجواب أن المعنى لما قالوا أنه حرام عليهم وهو الجماع ويدل لذلك وجود نظيره في القرآن في قوله تعالى: ﴿وَنَرِثُهُ

стр. 2644

مَا يَقُولُ﴾ أي ما يقول أنه يؤته من مال وولد في قوله: ﴿لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً﴾ وما ذكرنا من أن من جامع قبل التكفير يلزمه الكف عن المسيس مرة أخرى حتى يكفر هو التحقيق خلافا لمن قال تسقط الكفارة بالجماع قبل المسيس كما روي عن الزهري وسعيد بن جبير وأبي يوسف ولمن قال تلزم به كفارتان كما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الرحمن بن مهدي ولمن قال تلزم به ثلاثة كفارات كما رواه سعيد بن منصور عن الحسن وإبراهيم والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ هذه الآية تدل على طلب تقديم الصدقة أمام المناجاة. وقوله تعالى: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ الآية. . يدل على خلاف ذلك. والجواب ظاهر وأن الأخير ناسخ للأول والعلم عند الله تعالى. سورة الحشر قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ الآية. تقدم وجه الجمع بين الإطلاق والذي في هذه الآية والتقييد الذي في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ في سورة الأنفال وقوله تعالى: ﴿وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ . سورة الممتحنة

стр. 2645

قوله تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ . هذه الآية الكريمة تدل على أن الكافر إذا لم يقاتل المؤمن في الدين ولم يخرجه من داره لا يحرم بره والإقساط إليه. وقد جاءت آيات أخر تدل على منع موالاة الكفار وموادتهم مطلقا. كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ . وقوله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِر﴾ الآية. والجواب هو أن من يقول بنسخ هذه الآية فلا إشكال فيها على قوله وعلى القول بأنها محكمة فوجه الجمع مفهوم منها لأن الكافر الذي لم ينه عن بره والإقساط إليه مشروط فيه عدم القتال في الدين وعدم إخراج المؤمنين من ديارهم والكافر المنهي عن ذلك فيه هو المقاتل في الدين المخرج للمؤمنين من ديارهم المظاهر للعدو على إخراجهم والعلم عند الله تعالى. سورة الصف قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ هذه الآية الكريمة تدل بظاهرها على أن الخارج عن طاعة الله لا يهديه الله. وقد جاءت آيات أُخر تدل على خلاف ذلك كقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ . والجواب: أن الآية من العام المخصوص فهي في خصوص الأشقياء الذين أزاغ الله قلوبهم عن الهدي لشقاوتهم الأزلية وقيل المعنى لا يهديهم ما داموا على فسقهم فإن تابوا منه هداهم.

стр. 2646

ملاحظات متجول بقلم الشيخ عبد المهيمن أبو السمح منذ ثلثي قرن من الزمن قدمت من أمريكا امرأة أمريكية لتقيم في مدينة كبيرة في بلد عربي إسلامي، وكان هدفها من الإقامة فيها لغرضين، أحدهما ظاهري والآخر باطني، فأما الأول فهو رعاية الأيتام الذين لا عائل لهم، وقد استطاعت أن تقنع أثرياء المدينة فأمدوها بالمال علاوة على المدد المادي الذي يصل إليها من أمريكا، فأنشأت ملجأ تؤوي إليه من لا عائل له من الأيتام وزادت المعونة الأمريكية والمساعدات المحلية من أثرياء البلدة فاتسع الملجأ وزاد عدد اللاجئين إليه ثم أخذت تدربهم على الصناعات المختلفة حسب هواية كل لاجئ، وأهمها السجاد والتطعيم بسن الفيل وهذا هو الغرض الظاهري لمهمتها لتصل به إلى مهمتها الحقيقية (التبشير) .

стр. 2647

وهدفها الخاص ورسالتها المعينة التي ظهرت أخيرا وهو تعليم اللاجئين مبادئ الدين المسيحي، وتلقينهم دروسا في التبشير ليكونوا دعاة رسالتها في المجتمعات التي يعيشون فيها، وهكذا أظهرت في بادئ الأمر العطف والرحمة والإنسانية فاستدرت عطف الوطنيين حتى تمكنت، ثم أظهرت غرضها الثاني، وكان غرضها الأول إنسانيا بحتا وكان ظاهرا للعيان مما شجع الأثرياء وغير الأثرياء على مساعدتها للنهوض برسالتها على أنها إنسانية وأما الغرض الثاني (الحقيقي) التبشير بالدين المسيحي ونشر تعاليمه في الأوساط المختلفة فقد تحقق بعد إتمام الغرض الإنساني الظاهري، وبعد أن تم لها تحقيق الهدفين من هجرتها، كانت تقوم بتزويج أبنائها لبناتها الذين تربوا في رعايتها وتحت كنفها منذ ما يبلغ كل منهما سنا معينة ولا تتركهما بعد الزواج بل تيسر لهما عملا يرزقان منه وتمدهما بالمساعدة المالية اللازمة على أن ترد هذه المساعدات على أقساط شهرية إلى إدارة الملجأ، وإيمانا من هؤلاء برسالة الملجأ، ووفاء لأمهم التي ربتهم وشملتهم بعنايتها يقومون بتسديد الأقساط الشهرية بمواعيدها وعن طيب خاطر، ومن تلقاء أنفسهم بل ومنهم من كان يتبرع للملجأ بعد السداد، وهكذا استطاعت هذه الأمريكية أن تنشأ لها دولة داخل الدولة تأتمر بأمرها وتنفذ تعاليمها وتنشر رسالتها بل وتنقلها من جهة إلى أخرى ومن جيل إلى جيل، واستطاعت أن تنشر دينها بطريقة سلمية منظمة، ثم توفيت وتركت رسالتها أمانة في عنق أبنائها الروحانيين.

стр. 2648

ولا زال الملجأ قائما يؤدي رسالتها التي رسمتها له هذه الأمريكية التي جاهدت في سبيل عقيدتها وهاجرت في سبيل نشر دينها وتكوين أجيال من المبشرين لدينها تبشيرا عمليا عميق الجذور عريض الاتساع هذه لمحة عن هذه الأمريكية التي جاءت من بلادها لتبشر بدين منسوخ في بلاد دينها الرسمي الإسلام، نهضت برسالتها ومكنت لها لإقناع أثرياء تلك المدينة الذين أمدوها بالمال والمساعدات فضلا عن المساعدات الأمريكية. هذه امرأة أمريكية آمنت بدينها ووهبت حياتها لتحقيق رسالتها التي تعتقد صحتها وتؤمن بخيرها وتركت بعدها ثروة بشرية جادة مجاهدة في نشر رسالتها التي ركزت لها كل إمكانياتها وجهودها ووقتها ومالها وشبابها وحسن تصرفها من وراء ذلك ما أحوج الدين الحقيقي الذي نسخ ما قبله من الأديان إلى مثل هذه المرأة المجاهدة، ما أحوج دين الله الحق إلى رجال ونساء يخلصون إخلاص تلك المرأة _ تتوفر فيهم ما توفر فيها من الإخلاص والمثابرة والثبات لنشر تعاليم الدين السمح في أواسط إفريقية وآسيا وأوروبا وأمريكا. ما أحوج العالم إلى معرفة أصول الدين الإسلامي. لقد شاهدنا نماذج حية من المسلمين الذين جاءوا من مشارق الأرض ومغاربها ليحجوا إلى بيت الله الحرام وزيارة مدينة الرسول ﵊، شاهدنا هذه النماذج فأنبأتنا عن جهلها المطبق بأبسط قواعد الإسلام ودلت على أن هؤلاء المسلمين في حاجة ماسة وحاجة ملحة جدا إلى من يفقهم في الدين ويبصرهم بأمر دينهم ودنياهم أنها عناصر طيبة وخامات مؤمنة وتهفوا نفوسهم إلى الإسلام في أي مكان. أيها الأخ القارئ لا أريد أن أطيل عليك، ولكن اقرأ إن شئت في الكتاب الأخضر ص٨٢ قصة طريفة أذكر لك منها كلمات ذلك السنغالي التي ألقاها في أحد مساجد لبنان في يوم جمعة بين المسلمين ومما قال:

стр. 2649

"يا إخواننا العرب إننا نرجوكم أن تكونوا أنتم قادتنا لأنكم لو لم تكونوا أشرف أمة لما اختاركم الله لحمل رسالته ونشر دعوته، وإنه ليشرفنا أن تقبلونا جنودا مخلصين نسير وراء قيادتكم مؤمنين ونتعلم لغتكم صادقين ونتلوا قرآنكم مصلين ونسجد لربنا وربكم طائعين وعابدين". أكتفي بهذه الكلمات من غير تعليق، والكتاب كله تجب قراءته. فإذا تركناهم على ما هم فيه فسيتلقفهم المبشرون الذين أتقنوا هذه المهنة كما قرأت عن الأمريكية فيحولونهم من مسلمين إلى الأديان الأخرى ويتخذون منهم تكأة يتكئون عليها وقاعدة ينشرون منها ويجعلونهم أعداء لنا بعد أن كانوا إخوانا لنا في الدين والعقيدة ثم استطرد المتجول ليلقى التبعة على علماء المسلمين في جميع الأقطار فقال: إن علماء الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها منعزلون انعزالا تاما عن هذه البقاع ويعيشون في معزل عن العالم وقد ارتضوا من حياتهم أن يصلوا في اليوم خمس أوقات وأن يصوموا رمضان وأن يؤدوا باقي ما اقترض الله وكفى، ولكن دين الله يتطلب من هؤلاء العلماء أن يجاهروا في سبيل الدعوة _ لا هذه الأمريكية _ لإنقاذ العالم من بيداء الجهالة وضلال الكفر. إن دين الله وتعاليم الشرع الشريف والقرآن الكريم، وإن رسالة محمد ﷺ لا يكفيها من العلماء شقشقة اللسان ولكنها تتطلب علماء عاملين بما يعلمون ومجاهدين بأموالهم وأنفسهم ومضحين بكل مرتخص وغال حتى يضمنوا لأنفسهم حياة سعيدة في جناة عدن ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ﴾ الآية ...

стр. 2650

إن الدين في حاجة إلى قول باللسان يصدقه القلب والوجدان، فيتفاعل القول مع العمل ويتبلور في رجل مؤمن ومسلم عامل، وهذا عند الله خير من جيش عرمرم من المسلمين بل من العلماء الذين يقولون ما لا يفعلون و ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ إن الجهل الذي يسود العالم والكفر الذي يعيش فيه أغلب دول العالم مرجعه إخلاد أهل الدين من المسلمين إلى الدعة والاكتفاء بتسميتهم مسلمين وعلماء. ما أحوج العلماء إلى توزيع الوعاظ وخريجي الجامعات الإسلامية لكن على نمط تلك الأمريكية وهم كثيرون على دول العالم ليقضوا فيها بقية حياتهم يجدون ويجاهدون بالطرق السهلة التي ضربت لنا فيها المثل الكبير هذه الأمريكية التي خلد التاريخ صنيعها والتي لا يزال أهل تلك البلدة يذكرونها ويشكرون لها جهودها إني أدعو العلماء من جميع الأقطار إلى تعليم دعاة يذهبون إلى كل دولة بحيث يتعلمون لغة هذه الدول التي يبعثون إليها ليعيشوا فيها ويموتوا بها بعد الجهاد في سبيل نشر الدعوة الإسلامية وبعد أداء رسالتهم فيحييهم الله في الدار الآخرة مع الصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. إذا فعل كل غيور على دينه من هؤلاء العلماء الدعاء على نحو الطريقة التي سلكتها المرأة الأمريكية وحذوا حذوها فسيكون أثرهم في هداية الخلق خلال ثلث قرن من الزمان أضعاف ما قامت به تلك الأمريكية وخلال ثلثي قرن وذلك لسهولة تعاليم الإسلام السمح وقبول النفوس له (لأنه دين الفطرة) وإقبال العقلاء عليه واطمئنانهم إليه ونتيجة لذلك سنطوي ثلاثة عشر قرنا مضت ونصل حاضرنا ومستقبلنا السعيد بماضينا العتيق في صدر الإسلام في عهد الرسول الأعظم ﷺ والخلفاء الراشدين من بعده ﵃ وأرضاهم ووفقنا للعمل بشريعة السماء ودين الله السمح الحنيف الذي نسخ ما قبله من الأديان وسنة خير الأنام محمد بن عبد الله ﷺ .

стр. 2651

هيا يا رجال الدين الحنيف.. هيا إلى الجهاد في سبيل الله. .هيا إلى جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين. . هيا فبلغوا الرسالة وأدوا الأمانة ولا ترضوا بالتي هي أدنى واسعوا إلى ذكر الله بالقول والعمل هيا فهاجروا في سبيل الله فالحياة جهاد والجهاد سبيل المؤمنين وطريقتهم إلى الجنة عرفها الله لهم. إني لأرجوا أن يحييني الله حتى أرى تطوير برامج التعليم الديني بما يتفق ورسالة الدين الحنيف وما يتفق مع روح الجهاد التي أوصى بها رسول الله ﷺ وضرب لنا فيها المثل الأعلى في هجرته من مكة إلى المدينة ثم عودته إليها منتصرا وفاتحا وهو يردد قول الله تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾ . لقد فتحت هذه الأمريكية أمام المسلمين آفاقا شتى وضربت لنا المثل الرفيع في الجهاد والجلد والهجرة في سبيل العقيدة والدين فاللهم ارزقنا الإخلاص لدينك ووفقنا للعمل بسنة رسولك ﷺ واهدنا صراطك المستقيم ووفق ولاة أمورنا للأخذ بناصر دينك الحنيف ووفق بين حكامنا ورؤساء دولنا الإسلامية للإنفاق على ما فيه رفعة دينك وإنقاذ على ما فيه رفعة دينك وانقاد البشرية من وهدة الجهل وضلال الكفر والعصيان إنك على ما تشاء قدير وصلى الله على محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 2652

ندوة الطلبة النجاح والرسوب ونقاش بينهما بقلم عبد الرحمن محمد الأنصاري الطالب بكلية الدعوة وأصول الدين في الجامعة هممت ذات مساء بكتابة كلمة عن النجاح والرسوب _ وفيما كنت أشرع في الكتابة لمحت اثنين قادمين، ولما كانت هيئتهما متسمة بصفة الغرابة بالنسبة لي، أوقفت الخيال ب ((جماح النظر والتحديق)) إليهما، وبالخصوص كأنهما قاصدان إليّ دون بقية الأنام. أحدهما طويل القامة، ضخم البنية، مفتول العضلات كأنما هو بقية من قوم عاد!! والآخر وما أدراك ما هو:رجل في منزلة بين المنزلتين.. كما تقول المعتزلة!! ليس فيه ما يلفت النظر إلا أنه يظهر للرائي بادئ الأمر أنه من قوم لماّ يخلقوا، وإنما خلقتهم ((شاغرة _ كما في لغة الوظائف_ إذ ما سبق للتاريخ أن تبرع بوصفهم، إلا في ألف ليلة وليلة وهو بعد مصدر هام لإثبات تواريخ هؤلاء!!! فلما ق ربا مني انحنى العملاق العاديّ _ نسبة إلى عاد _ انحناء تشبه انحناءة طائرة البوينج عندما تستعد لمصافحة الأرض.. ليصل أذن رفيقه الذي لا أعلم من صفته سوى أنه من قوم ما زالوا في كتمان الغيب.. ليقول له: أهو هذا؟ وقد قالها فيما أحسب بصوت أخفض من صوت القلب حينما يتناجى مع المخ. . ولكنه مع ذلك ما كانت قولته في أذني إلاّ صوت مكبّر في أصفى ما يكون! لا لأن سمعي لا كالأسماع، بل لأن صوت ذلك العملاق لا كالأصوات فرد المجهول الغيبي: هو، هو،.. ولم أفهمها منه إلا بإشمامه لشفتيه، ولم أدرِ من أين للخبيث بالتجويد؟! فسلما، فرددت، فرحبت، فجلسا.. ولما كان من عادتي أن لا أسأل القادم عن دوافع قدومه إلاّ إذا بدأ هو بطوع من نفسه في الحديث عن أسباب مجيئه تريثت، ريثما قدمت لهما شرابا، وما أن أتى العملاق على نصيبه منه حتى رأيته متهيئا للحديث فقلت: خيرا؟

стр. 2653

وهنا انبرى زميله فقال: جئنا إليك نختصم. . نطلب فتواك لاقراك! فقلت: هما لكما إذا شئتما، فثنى العملاق عطفه ليقول: حسنا ولكن أرنا منهما ما جئنا لأجله لنرى أيطمعنا الخير بالحسنى، أما إذا انعكست الآية، فلا هذا ولا ذاك. . وهنا أدركت أن هذا ((عملاق)) من فئة ذات مزاج ((ساخن)) . . فقلت: هيه! ما وراءكما؟ قالا معا: المسألة أنّ. . وهنا قطعت عليهما الحديث قبل إتمامه،، وقلت: على رسلكما، أحدكما فالآخر. . وهنا قال المباين للعملاق: ذلك خير الحسنين. فأذن لصاحبه العملاق بالحديث، فبدأ كأنما هو سيل جارف. . قائلا: اسمي ((النجاح)) بن فلان الفوقيّ وصديقي هذا اسمه ((الرسوب بن مرسوب التحتيّ. . ولما كان فضلي أظهر ونوري أبهر، وخيري أوقع، وأجدر، حاول هذا الطفيليّ مشاركتي في سيما الخير بحكم ما بيننا من التلازم كالذي بين المبتدأ والخبر، والفعل والفاعل، والعدل والإسلام، فحاول التطفل إلى خيري، وبزّي حقي، فلما أبى إلا اللجاج والخصام. . دُلِلنا عليك لتحكم بيننا بما أراك الله، ولا تكن للخائنين خصيما. فاستغفرت الله وقلت للرسوب ما عندك؟ فأومأ بطرفه إلى ندّه ليقول له: أسمع جعجعة ولا أرى طحنا. . ما الخير الذي زعمته لنفسك؟ أما لك أن تنزل من سمائك إلى أرضي فيذهب كما ذهب هدير بعض الظالمين. بماذا تفضلني؟ أبمعناك اللغوي أم بالاصطلاحي أم بكرة مُمرّغَةٍ في وَحلٍ كان بينهما؟ أم بقوتك وبدانتك التي أحسن وصفها حسان بن ثابت الأنصاري ﵁؟ أم بعقلك الذي أحسن تشبيهه [١] أم بوصف الباري لأشباهك ممن: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ فيالك من مغرور غرّة هُزالي ورقة حالي، فظن أنه كل شيء، وأنني كل لا شيء!! أعد نظرا يا عبد قيس لَعلّما. أضاءت لك النار الحمار المقيّدا .

стр. 2654

وعندما أنشد ((الرسوب)) البيت، عيل صبر العملاق العاديّ، فعبس، وبسر، ثم أقبل وأدبر، فأشار بكفه فكأنما الأشجار المركبة فيه ((الأصابع)) لا تكفي إحداها للإشارة!! فقال لقد استنسر البُغات. . ألمثلي تقول هذا يا راسب بن مرسوب؟!! أنا الذي سُهر من أجلي وأعدّ الآباء أبناءهم في استحصالي فوالله ما استعاذت ((الأمُ)) على ابنها في دياجير الحوالك إلا منك، ولا سألت ربّها في السّحر لفلذة كبدها إلاّ إيّاي وما نِيلَتْ الرُتبُ إلاّ بين وفُصلت الفصول، وتُعوقد مع المعلمين في الأقطار النائية بباهظ الأجر إلا لأكون النتيجة في آخر العام. . ثم من علمك القول حتى تقول؟ ومن فرح بك حتى تفرح بنفسك؟.. فلما وصل ((النجاح)) إلى هذا القول التفت الرسوب إليه التفاتة الساخر بما سمع، ناظرا إليه نظرة من يؤمن بأن الحق بجانبه، وأنّ الخَطَلَ مع ندّه. فقال: هذا قولك فما الشاهد عليه من التاريخ والواقع؟ هنيئا مريئا غير داء مخامر لعزّة من أعراضنا ما استحلّت فلله نبرات صوت ما أسهل انسياب الضلال من ثقوبها. . إلى مسامع الأبرياء الذين لم يتعودوا إلا الحق وسماعه. قُلتَ: إنهم فرحوا بك؟! وهل كل فرح يُعتبر. . لكأنك من قوم قارون فَتُرشق بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ . ومعنى هذا الفرح أنهم هضموا خمسة عشر كتابا إن لم تزد أقلها صفحات ما حوى المائتين في تسعة أشهر على الأكثر، ثلاثة أرباعها عطل. هنيئا لك ولهؤلاء العلماء. . وإذا قربت الامتحانات، خفقت القلوب، ووجلت الأفئدة، وسُهر الليل، وضُيعت فريضة الفجر ولا تسمع إلا همسا، فلله ابن عبد الفتاح حين وصفك في عصمائيته التي يقول فيها: والظهر منكوس.. [٢] .

стр. 2655

قال الراوي: فرفع النجاح عقيرته ليقول ويرد، ولكني لماّ كنا غير أهل للحكم بين خصمين كهذين قطعت عليهما الحديث لأحيلهما على مليء، ومن أحيل إلى مليء احتال وفعلا أحلتهما إلى الأخ الفاضل الأستاذ الصديق عبد العزيز قارئ ليسمع من الخصمين ويحكم بينهما. فأخذ النجاح بتلابيب ((الرسوب)) إلى أن وصلا شارع الساحة [٣] فقلت الحمد لله على هذه الراحة. . -------------------------------------------------------------------------------- [١] إشارة إلى قوله: جسم البغال وأحلام العصافير. [٢] الاشارة إلى قصيدة الاستاذ عبد العزيز عبد الفتاح قارئ عن الاختبار المنشورة في العدد الأول من مجلة الجامعة الإسلامية الغراء السنة الأولى. [٣] من شوارع المدينة المنورة_ وحيث يسكن الصديق المشار إليه.

стр. 2656

يستفتونك يتولى الرد على أسئلة القراء سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رئيس الجامعة الإسلامية س - من الأخ أ. ج.س. ما حكم المقيم في بلد أهله متمسكون بالبدعة هل يصح له أن يصلي معهم صلاة الجمعة والجماعة أو يصلي وحده أو تسقط عنه الجمعة وإذا كان أهل السنة ببلد أقل من اثني عشر فهل تصح لهم الجمعة أم لا؟ الجواب عن السؤال الأول: إن إقامة الجمعة واجبة مع كل مسلم أو فاجر فإذا كان الإمام في الجمعة لا تخرجه بدعته عن الإسلام فإنه يصلى خلفه، قال الإمام أبو جعفر الطحاوي ﵀ في عقيدته المشهورة: "ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة وعلى من مات منهم"انتهى، قال الشارح لهذه العقيدة وهو من العلماء المحققين في شرح هذه الجملة، قال ﷺ : "صلوا خلف كل بر فاجر" رواه مكحول عن أبي هريرة ﵁ وأخرجه الدارقطني وقال مكحول لم يلق أبا هريرة، وفي إسناده معاوية بن صالح متكلم فيه وقد احتج به مسلم في صحيحه، وخرج له الدارقطني أيضا وأبو داود عن مكحول عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : "الصلاة واجبة عليكم مع كل مسلم برا كان أو فاجرا وإن عمل بالكبائر والجهاد واجب عليكم مع كل أمير برا كان أو فاجرا وإن عمل الكبائر" وفي صحيح البخاري أن عبد الله بن عمر ﵁ كان يصلي خلف الحجاج بن يوسف الثقفي وكذا أنس بن مالك وكان الحجاج فاسقا ظالما، وفي صحيحه أيضا أن النبي ﷺ قال: "يصلون لكم فإن أصابوا فلكم ولهم وإن أخطئوا فلكم وعليهم"، وعن عبد الله بن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "صلوا خلف من قال لا إله إلا الله وصلوا على من مات من أهل لا إله إلا الله"أخرجه الدارقطني من طرق وضعفها.

стр. 2657

اعلم رحمك الله وإيانا أنه يجوز للرجل أن يصلي خلف من لم يعلم منه بدعة ولا فسقا باتفاق الأئمة وليس من شرط الإئتمام أن يعلم المأموم اعتقاد إمامه ولا أن يمتحنه فيقول ماذا تعتقد؟ بل يصلي خلف المستور الحال ولو صلى خلف مبتدع يدعو إلى بدعته أو فاسق ظاهر الفسق وهو الإمام الراتب الذي لا يمكنه الصلاة إلا خلفه كإمام الجمعة والعيدين والإمام في صلاة الحج بعرفة ونحو ذلك فإن المأموم يصلي خلفه عند عامة السلف والخلف ومن ترك الجمعة والجماعة خلف الإمام الفاجر فهو المبتدع عند أكثر العلماء، والصحيح أنه يصليها ولا يعيدها، فإن الصحابة ﵃ كانوا يصلون الجمعة والجماعة خلف الأئمة الفجار ولا يعيدون كما كان عبد الله بن عمر يصلي خلف الحجاج بن يوسف وكذلك أنس بن مالك ﵁ كما تقدم وكذلك عبد الله بن مسعود ﵁ وغيره يصلون خلف الوليد بن عقبة بن أبي معيط وكان يشرب الخمر، حتى أنه صلى بهم الصب مرة أربعة ثم قال: أزيدكم؟ فقال له ابن مسعود: ما زلنا معك منذ اليوم في زيادة وفي الصحيح أن عثمان ﵁ لما حصر صلى بالناس شخص فسأل سائل عثمان إنك إمام عامة وهذا الذي صلي بالناس إمام فتنة؟ فقال يا ابن أخي إن الصلاة من أحسن ما يعمل الناس فإذا أحسنوا فأحسن معهم وإذا أساءوا فاجتنب إساءتهم. والفاسق والمبتدع صلاته في نفسها صحيحة فإذا صلى المأموم خلفه لم تبطل صلاته لكن إنما كره من كره الصلاة خلفه لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب. ومن ذلك أن من أظهر بدعة وفجورا لا يرتب إماما للمسلمين فإنه يستحق التعزير حتى يتوب فإن أمكن هجره حتى يتوب كان حسنا وإذا كان بعض الناس إذا ترك الصلاة خلفه وصلى خلف غيره أثر ذلك في إنكار المنكر حتى يتوب أو يعزل أو ينتهي الناس عن مثل ذنبه فمثل هذا إذا ترك الصلاة خلفه كان في ذلك مصلحة شرعية ولم تفت المأموم جمعة ولا جماعة.

стр. 2658

وأما إذا كان ترك الصلاة خلفه يفوت المأموم الجمعة والجماعة فهنا لا يترك الصلاة خلفه إلا مبتدع مخالف للصحابة ﵃، وكذلك إذا كان الإمام قد رتبه ولاة الأمور ليس في ترك الصلاة خلفه مصلحة شرعية فهنا لا يترك الصلاة خلفه بل الصلاة خلفه أفضل. فإذا أمكن للإنسان أن لا يقدم مظهرا للمنكر في الإمامة وجب عليه ذلك لكن إذا ولاه غيره ولم يمكنه صرفه عن الإمامة أو كان لا يتمكن من صرفه عن الإمامة إلا بشرٍ أعظم ضررا من ضرر ما أظهر من منكر فلا يجوز دفع الفساد القليل بالفساد الكثير ولا دفع أخف الضررين بحصول أعظمهما فإن الشرائع جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها بحسب الإمكان فتفويت الجمع والجماعات أعظم فسادا من الإقتداء فيهما بالإمام الفاجر لا سيما إذا كان التخلف عنها لا يدفع فجورا فيبقى تعطيل المصلحة الشرعية بدون دفع تلك المفسدة. وأما إذا أمكن فعل الجمعة والجماعة خلف البر فهذا أولى من فعلها خلف الفاجر وحينئذ فإذا صلى خلف الفاجر من غير عذر فهو موضع اجتهاد العلماء منهم من قال يعيد ومنهم من قال لا يعيد وموضع بسط ذلك في كتب الفروع انتهى كلام الشارح. والأقرب في هذه المسألة الأخيرة عدم الإعادة للأدلة السابقة ولأن الأصل عدم وجوب الإعادة فلا يجوز الإلزام بها إلا بدليل خاص يقتضي ذلك ولا نعلم وجوده والله الموفق. وأما السؤال الثاني: فجوابه أن يقال هذه المسألة فيها خلاف مشهور بين أهل العلم والصواب في ذلك جواز إقامة الجمعة بثلاثة فأكثر إذا كانوا مستوطنين في قرية لا تقام فيها الجمعة أما اشتراط أربعين أو اثني عشر أو أقل أو أكثر لإقامة الجمعة فليس عليه دليل يعتمد عليه فيما نعلم وإنما الواجب أن تقام في جماعة وأقلها ثلاثة وهو قول جماعة من أهل العلم واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وهو الصواب كما تقدم. وهذه عدة أسئلة من الأخ ع. ح.س.

стр. 2659

السؤال الأول - لقد اكتسبت من عمل التصوير مالا وأنا مستعد للتنازل عنه رضاء لله ورسوله فما حكم ذلك المال هل هو حرام أم ماذا أصنع فيه. الجواب: أرجو أن لا يكون عليكم فيه حرج لأنكم حين اكتسابه لم تكونوا متأكدين تحريمه جهلا بالحكم الشرعي أو لشبهة من أجاز التصوير الشمسي وقد قال الله سبحانه في أهل الربا: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ أعاذنا الله وإياكم منها فهذه الآية الكريمة يستفاد منها حل الكسب الماضي من العمل غير المشروع إذا تاب العبد إلى الله ورجع عن ذلك وإن تصدقتم به أو بشيء منه احتياطا فحسن لقول النبي ﷺ : "من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه" أما وجوب الصدقة به فلا أعلم دليلا واضحا يدل عليه. السؤال الثاني - إذا كان تصوير ما لا روح فيه مباحا شرعا فهل يجوز الاستمرار على ذلك. الجواب: نعم يجوز ذلك كما أفتى بذلك ترجمان القرآن وحبر الأمة عبد الله بن عباس ﵄ ودل عليه حديث أبي هريرة ﵁ الذي ذكرنا في الجواب المفيد في حكم التصوير وهو أن جبريل ﵇ أمر النبي ﷺ أن يقطع رأس التمثال حتى يكون كهيئة شجرة وذلك يدل على جواز تصوير الشجرة ونحوه وقد أجمع العلماء على ذلك بحمد الله، لكن إذا تيسر للإنسان عمل آخر من الأعمال الطيبة المباحة فهو أحسن من عمل التصوير لما لا روح فيه لأنه قد يجر إلى تصوير ما له روح والبعد عن وسائل الشر مطلوب شرعا رزقنا الله وإياكم العافية من أسباب غضبه. السؤال الثالث- أرغب ترك العمل والاتجاه للدراسة فهل هذا حسن؟ السؤال الرابع - هل في الإمكان إلحاقي بالجامعة الإسلامية والدراسة والتفقه في الدين؟

стр. 2660

الجواب: إن الاتجاه للدراسة والتفقه في الدين من أفضل الأعمال وقد يجب ذلك إذا كان المسلم لم يتمكن من معرفة الأمور التي لا يسعه جهلها أعني أمور دينه فطلب العلم حينئذ واجب حتى يعرف ما أوجب الله عليه وما حرم عليه ويعبد ربه على بصيرة، وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين" وقال ﵊: "من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة"والجامعة الإسلامية ترحب بأمثالكم إذا كان لديكم مؤهل غير دبلوم الصناعة فإذا رأيتم إرسال صورة من مؤهلاتكم للنظر فيها وإفادتكم فلا بأس مع العلم بأن الطالب في الجامعة يعطى مكافأة نقدية مقدارها (٢٥٠) ريالا لطالب المرحلة المتوسطة والثانوية و (٣٠٠) ريال لطالب المرحلة العالية مع إعداد السكن المجهز بما يلزم ووسائط النقل من الجامعة إلى المدينة ومن المدينة إلى الجامعة. السؤال الخامس - ما حكم الإسلام في عمل المرأة وخروجها بزيها الذي نراه في الشارع والمدرسة والبيت هكذا وعمل المرأة الريفية مع زوجها في الحقل؟

стр. 2661

الجواب: لا ريب أن الإسلام جاء بإكرام المرأة والحفاظ عليها وصيانتها عن ذئاب بني الإنسان وحفظ حقوقها ورفع شأنها فجعلها شريكة الذكر في الميراث وحرّم وأدها وأوجب استئذانها في النكاح وجعل لها مطلق التصرف في مالها إذا كانت رشيدة وأوجب لها على زوجها حقوقا كثيرة وأوجب على أبيها وقراباتها الإنفاق عليها عند حاجتها وأوجب عليها الحجاب عن نظر الأجانب إليها لئلا تكون سلعة رخيصة يتمتع بها كل أحد قال تعالى في سورة الأحزاب: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ الآية. . وقال سبحانه في السورة المذكورة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ ِلأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ وقال تعالى في سورة النور: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ الآية. . فقوله سبحانه: ﴿إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ فسّره الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ﵁ بأن المراد بذلك الملابس الظاهرة لأن ذلك لا يمكن ستره إلا بحرج كبير وفسره ابن عباس ﵄ في المشهور عنه بالوجه والكفين والأرجح في ذلك قول ابن مسعود لأن آية الحجاب المتقدمة تدل على وجوب سترهما ولكونهما من أعظم الزينة فسترهما مهم جدا، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه

стр. 2662

الله كان كشفهما في أول الإسلام ثم نزلت آية الحجاب بوجوب سترهما ولأن كشفهما لدى غير المحارم من أعظم أسباب الفتنة ومن أعظم الأسباب لكشف غيرهما، وإذا كان الوجه والكفان مزينين بالكحل والأصباغ ونحو ذلك من أنواع التجميل كان كشفهما محرما بالإجماع والغالب على النساء اليوم تحسينهما وتجميلهما فتحريم كشفهما معين على القولين جميعا وأما ما يفعله النساء اليوم من كشف الرأس والعنق والصدر والذراعين والساقين وبعض الفخذين فهذا منكر بإجماع المسلمين لا يرتاب فيه من له أدنى بصيرة والفتنة في ذلك عظيمة والفساد المترتب عليه كبير جدا، فنسأل الله أن يوفق قادة المسلمين لمنع ذلك والقضاء عليه والرجوع بالمرأة إلى ما أوجب الله عليها من الحجاب والبعد عن أسباب الفتنة ومما ورد في هذا الباب قوله سبحانه: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ وقوله سبحانه: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ، فأمر الله سبحانه النساء في الآية الأولى بلزوم البيوت لأن خروجهن غالبا من أسباب الفتنة وقد دلت الأدلة الشرعية على جواز الخروج للحاجة مع الحجاب والبعد عن أسباب الريبة ولكن لزومهن للبيوت هو الأصل وهو خير لهن وأصلح وأبعد عن الفتنة ثم نهاهن عن التبرج الجاهلية وذلك بإظهار المحاسن والمفاتن وأباح في الآية الثانية للقواعد وهن العجائز اللاتي لا يرجون نكاحا وضع الثياب بمعنى عدم الحجاب بشرط عدم تبرجهن بزينة، وإذا كان العجائز يلزمن بالحجاب عند وجود الزينة ولا يسمح لهن بتركه إلا عند علمها وهن لا يفتن ولا مطمع فيهن فكيف بالشابات الفاتنات ثم أخبر سبحانه أن استعفاف القواعد بالحجاب خير لهن ولو لم يتبرجن بالزينة وهذا كله

стр. 2663

واضح في حث النساء على الحجاب والبعد عن السفور وأسباب الفتنة والله المستعان. أما عمل المرأة مع زوجها في الحقل والمصنع والبيت فلا حرج في ذلك وهكذا مع محارمها إذا لم يكن معهم أجنبي منها وهكذا مع النساء وإنما المحرم عملها مع الرجال غير محارمها لأن ذلك يفضي إلى فساد كبير وفتنة عظيمة كما أنه يفضي إلى الخلوة بها وإلى رؤية بعض محاسنها والشريعة الإسلامية الكاملة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها ودرأ المفاسد وتقليلها وسد الذرائع الموصلة إلى ما حرم الله في مواضع كثيرة ولا سبيل إلى السعادة والعزة والكرامة والنجاة في الدنيا والآخرة إلا بالتمسك بالشريعة والتقيد بأحكامها والحذر مما خالفهما والدعوة إلى ذلك والصبر عليه وفقنا الله وإياكم وسائر إخواننا إلى ما فيه رضاه وأعاذنا جميعا من مضلات الفتن إنه جواد كريم. السؤال السادس - ما حكم الإسلام فيمن يعملون في البنوك ووضع أموال فيها دون أخذ فوائد لها؟ الجواب: لا ريب أن العمل في البنوك التي تعامل بالربا غير جائز غير جائز لأن ذلك إعانة لهم على الإثم والعدوان وقد قال الله سبحانه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ وثبت عن النبي ﷺ أنه لعن آكل الربى وموكله وكاتبه وشاهديه وقال: "هم سواء"أخرجه مسلم في صحيحه.

стр. 2664

أما وضع المال في البنوك بالفائدة الشهرية أو السنوية فذلك من الربا المحرم بإجماع العلماء، أما وضعه بدون فائدة فالأحوط تركه إلا عند الضرورة إذا كان البنك يعامل بالربا لأن وضع المال عنده ولو بدون فائدة فيه إعانة له على أعماله الربوية فيخشى على صاحبه أن يكون من جملة المعينين على الإثم والعدوان وإن لم يرد ذلك، فالواجب الحذر مما حرم الله والتماس الطرق السليمة لحفظ الأموال وتصريفها، وفق الله المسلمين لما في سعادتهم وعزهم ونجاتهم ويسر لهم العمل السريع لإيجاد بنوك إسلامية سليمة من أعمال الربا. إنه ولي ذلك والقادر عليه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. .

стр. 2665

أخبار الجامعة المجلس التنفيذي للجامعة الإسلامية يعقد في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة · تقرر انعقاد المجلس التنفيذي لجمعية الجامعات الإسلامية بمقر الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وتقوم رئاسة الجامعة الإسلامية بالإعداد لهذا المؤتمر الذي يعتبر المؤتمر الأول من نوعه في المدينة المنورة، وكخطوة أولى كلف سماحة الرئيس الجامعة الإسلامية الشيخ عبد العزيز بن باز فضيلة الأمين العام للجامعة الشيخ محمد بن ناصر العبودي بالسفر إلى كل من تونس والمغرب للاجتماع هناك برئيس جمعية الجامعات الإسلامية، وسكرتارية الجمعية للاتفاق على زمان انعقاد المجلس، وعمل الترتيبات اللازمة لذلك. هذا ومن المنتظر أن تمثل الجامعات والكليات الإسلامية التالية في هذه الدورة: رئيس جمعية الجامعات الإسلامية. جامعة عليكره بالهند. كلية الجامعة الإسلامية بماليزيا. كلية الدراسات العربية والإسلامية بجامعة البنجاب بباكستان الغربية. كلية الشريعة بالأزهر. كلية الشريعة بالجامعة الأردنية. الكلية الزيتونية للشريعة وأصول الدين بتونس. كلية الشريعة بدمشق. كلية الآداب والدراسات الإسلامية، كلية عبد الله بايرم كنو بجامعة أحمد بيلو في نيجيريا. المعهد العالي للدراسات الإسلامية في كينيا. المعهد الإسلامي في السنغال. الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة. كلية الدارسات الإسلامية بتركيا. وجهات أخرى سيجرى تعيينها فيها بعد. ومما تجدر الإشارة إليه أن الدورة الثانية للمجلس التنفيذي سبق أن عقدت في مدينة _ تونس _ في شهر يناير عام ١٩٧١م ومثل الجامعة الإسلامية في المدينة فضيلة أمين عام الجامعة، وعميد الكليتين فيها. هذا وسنوافي القراء بموعد انعقاد المجلس في حينه.
следующие страницы →