Полный текст (23 804 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
والجواب: يمسح على الشراب إذا كان ساترا لمحل الغسل كما يمسح على الخف, والفرق بينهما أن الخف من الجلد وأما الشراب فيكون من القطن ويكون من الصوف ويكون من غيرهما, والحكم في المسح عليهما واحد في أصح أقوال العلماء, وقد ثبت في السنن عن النبي ﷺ "أنه مسح على الجوربين والنعلين" والجوربان هما الشراب، وثبت ذلك عن جماعة من أصحاب رسول الله ﵊ أنهم مسحوا على الجوربين وإذا مضت المدة وهي يوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام بلياليها للمسافر وجب الخلع على من يجد الماء حتى يتوضأ ويغسل قدميه, ثم إذا أحب لبسهما بعد ذلك ومسح مثل المدة السالفة وهكذا، أما الكندرة فهي كالنعل إذا كانت لا تستر القدم مع الكعبين فأي مسح عليهما مع الشراب صار الحكم لهما, ومتى خلع أحدهما خلع الآخر, وإن اقتصر على مسح الشراب كفاه ذلك، وجاز له خلع الكندرة متى يشاء والطهارة باقية بحالها لأن حكم المسح قد تعلق بالشراب ومما تقدم يتضح أنه يجوز أن يصلي المسلم بالمسح على الشراب صلوات كثيرة في المدة التي منحه الشارع إياها وهي يوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام بلياليها للمسافر ابتداء من أول مسح وقع بعد الحدث الذي يعقب اللبس، أما التيمم ففيه خلاف مشهور والصحيح من أقوال العلماء أنه يرفع الحدث كالطهارة بالماء ويصلي به صلوات كثيرة كما يصلي بالماء ما لم يحدث أو يجد الماء لقول الله سبحانه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ .
стр. 282
فبين سبحانه في هذه الآية أنه شرع لعباده التيمم عند عدم الماء ليرفع عنهم الحرج بذلك وليطهرهم به, فدل ذلك على أنه مطهر كالماء, وفي الآية المذكورة دلالة على أن الفاقد للماء يكفيه التيمم سواء كان حدثه أصغر وهو ما يوجب الوضوء أو كان أكبر وهو ما يوجب الغسل وعلى أن كيفية التيمم عنهما واحدة وهي مسح الوجه والكفين من الصعيد, ووجه الدلالة أن قوله : ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ يشير به إلى الحدث الأصغر وقوله: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاء﴾ يشير به إلى الحدث الأكبر لأن الملامسة كناية عن الجماع في أصح قول العلماء كما قاله ابن عباس ﵄ وجماعة من علماء التفسير وأما من فسر ذلك بمس اليد واحتج به على أن مس المرأة ينقض الوضوء فقوله ضعيف لأدلة كثيرة ليس هذا موضع ذكرها لأن المقصود هنا الإيجاز والاختصار والإشارة إلى أصح الأقوال للصحيحين عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة". ففي هذا الحديث العظيم الدلالة على أن التيمم يرفع الحدث ويطهر كالماء والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
ثانيًا: ما ذكرت عن أصهارك فهمته وساءني كثيرا والذي أرى أن الأولى مقاطعتهم والابتعاد بزوجتك عن محل سكناهم فلعلك تسلم من شرهم ومن فقد الدين والخلق الكريم لا يرجى خيره ولا يؤمن شره, فالخير كله في البعد عنه ومقاطعته, رزقنا الله وإياكم وسائر إخواننا السلامة من أصهار السوء ومن كل ما يغضبه.
ثالثا: ما حكم مسح أثر الغائط والبول بالورق هل يكفي عن الماء؟
стр. 283
الجواب: نعم يكفي المسح بالورق وغيره من الجمادات الطاهرة كالأحجار والخشب والخرق والتراب وغير ذلك ما عدا العظام والأرواث إذا أنقى المحل وكرر ذلك ثلاث مرات فأكثر ويقوم ذلك مقام الماء لأحاديث كثيرة وردت في ذلك منها قوله ﷺ : "إذا ذهب أحدكم من الغائط فليستطب بثلاثة أحجار فإنها تجزئ عنه" رواه أحمد وأبو داود والنسائي من حديث عائشة ﵂, وقال الحافظ الدارقطني: "إسناده صحيح"وعن خزيمة بن ثابت الانصاري ﵁ قال: سئل النبي ﷺ عن الاستطابة؟ فقال: "بثلاثة أحجار ليس فيها رجيع" رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة. وعن أبي هريرة ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ أن نستنجي بعظم أو روث وقال: "إنهما لا يطهران" أخرجه الدارقطني وقال: "إسناده صحيح". وأخرج مسلم في صحيحه عن سلمان الفارسي ﵁ أن النبي ﷺ نهى أن يستنجى بأقل من ثلاثة أحجار ونهي أن يستنجى برجيع أو عظم", والأحاديث في هذا المعنى كثيرة وفيما ذكرناه منها كفاية إن شاء الله.
رابعا: إذا كان الإنسان في السفينة ونحوها وشرع في الصلاة إلى جهة القبلة حسب اجتهاده ومعرفته ثم لم ينتبه إلا وهو إلى جهة أخرى بسبب تغير اتجاهات السفينة ونحوها فما الحكم؟
الجواب: الواجب على المسلم أينما كان هو أن يستقبل القبلة وهي الكعبة في صلاته وذلك من أهم شرائطها لقوله سبحانه: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ , وإنما يستثنى في ذلك العجز كالمصلوب إلى جهة أخرى والمريض الذي لا يجد من يوجهه إلى القبلة لقول الله سبحانه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (التغابن: من الآية١٦) .
стр. 284
وكذا المسافر ينتقل إلى جهة طريقه ولو كان إلى غير القبلة لما ثبت في ذلك فمن الأحاديث الصحيحة أن النبي ﷺ كان يصلي النافلة على راحلته حيث كان وجهه لكن الأفضل أن يستقبل القبلة فليس له أن يتوجه إلى غيرها سواء كان مقيما أو مسافرا لكن من كان في السفينة أو الطائرة ونحوهما فالواجب عليه أن يتقي الله ما استطاع ويجتهد في استقبال القبلة حسب الإمكان ويدور مع السفينة والطائرة كلما دارتا, وإذا أغلبه الأمر في بعض الأحيان ولم يشعر إلا وهو إلى غير القبلة لم يضره ذلك لقول الله : ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ , وقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج﴾ , وقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ , وقول النبي ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم".
خامسًا: إذا تغير الماء بما يؤثر في طعمه أو لونه أو ريحه من غير النجاسات كالبوية ونحوها فما الحكم؟
والجواب: إذا تغير الماء بالنجاسة صار نجساً بالإجماع أما إذا تغير بأشياء أخرى من الطاهرات كالبوية وأثر الدباغ في القرب ونحوها وما يقع في المياه من الحشائش والأتربة ونحو ذلك فإنه لا ينجس بذلك ولا يكون مسلوب الطهورية بل هو باق على حاله طاهر مطهر ما دام اسم الماء ثابتاً له لقول الله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ , وقوله سبحانه: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً﴾ , وقول النبي ﷺ : "إن الماء طهور لا ينجسه شيء", أما إذا خرج عن اسم الماء فصار لبنا أو مرقًا أو بوية أو ما أشبه ذلك فإنه والحالة هذه تزول عنه أحكام الماء المطلق ولا يجوز التطهر به لأنه لا يدخل في اسم الماء الوارد في النصوص المتقدمة وغيرها هكذا ذكر أهل العلم, والله أعلم وصلى الله وسلم على عبد ورسوله محمد وآله وصحبه.
стр. 285
ندوة الطلبة
صور من القضاء في الإسلام
بقلم صالح بن سعيد بن هلالي
إنه فصل من كتاب (مثل عليا من القضاء في الإسلام) لمؤلفه الأستاذ محمود الباجي المستشار بمحكمة الاستئناف بتونس عرض فيه فصولا رائعة وصورا حية من قضايا إسلامية من العصر الأول بأسلوب جذاب، والتزم بتقديم الحكم والواقعة في تصوير بديع رائع يتفق مع الأساليب العصرية التي يرتاح إليها قراء اليوم، وقد يكون موضوع الواقعة ونص الحكم لا يتجاوزان الأربعة أسطر من كتاب (الطرق الحكمية) أو (إعلام الموقعين) للعلامة ابن القيم الجوزية كما يشير إلى ذلك هو في مقدمة الكتاب.
قدم للكتاب قاضيان من قضاة تونس الأول هو الشيخ محمد الهادي بن القاضي رئيس الدائرة الاستحقاقية بمحكمة الاستئناف، والثاني هو الشيخ محمد الهادي المدني رئيس دائرة الأحوال الشخصية قال عنه الأول: "في هذا السفر الصغير الحجم الغزير المحكمية والمثل الرائع عينة طيبة من مشاكل القضاء الإسلامي في مختلف العصور الإسلامية الزاهية، وفي أرقى العواصم البارزة، وإننا بحاجة لأن نستلهم من أمجادنا القضائية ما يعزز مواقفنا ويحرر عقولنا وأفكارنا مما ران عليها طيلة عهد الاستعمار البغيض، فأورثها عقدة مركب النقص ومرض الزهد في النفس بأثره الخطير ونتائجه الفاجعة، وإن واجبنا اليوم أثقل وأخطر من واجبنا بالأمس.. "الخ.
وقال عنه الثاني: "أيها القارئ الكريم.. وإنها لمثل رائعة من قضاء الإسلام أعرضها عليك في ديباجة مشرفة وإحاطة مدققة، مما أعاد للذاكرة سؤدد العالم الإسلامي وعظمته أيام كان القضاء يفجر أخلد المبادئ وأشملها، وأوفى مظاهر القسطاس وأكملها، بما جعل الكثير من خصوم الإسلام يتسابقون في بعض البلاد للتقاضي لدى قضاة الإسلام ثم لا يجدون حرجا فيما يقضي به عليهم ويسلمون تسليماً".
стр. 286
بعد هذه المقدمة البسيطة والتعريف بالكتاب وبمؤلفه فتعال معي أيها القارئ نرتع مع المؤلف في هذا الفصل وتحت هذا العنوان: (فراسة عمر بن الخطاب)
قتيل بالطريق العام!
حدّث الليث بن سعد بن عبد الرحمن [١]- الذي قال عنه الإمام الشافعي بأنه أفقه من الإمام مالك ﵁ والذي عرض عليه المنصور أن يلي مصر فامتنع - قال: "خرج المصلون من فريضة الصبح متوجهين إلى أعمالهم ومنازلهم, فإذا على قارعة الطريق جثة شاب جميل الصورة مشرق المحيا أدعج العينين مستقيم الأطراف حسن الهندام, نظيف الثياب, مصاب بجرح قاتل مازالت الدماء تنزف منه! تولت شرطة المدينة التبليغ عن الحادثة للقاضي الأكبر الخليفة عمر بن خطاب ﵁ فانتقل فوراً ليقف على الجثة بنفسه:
هوية القاتل:
اجتهد عمر في التعرف على شخصية القتيل وذهبت مساعيه أدراج الرياح, واجمع الجوار والعرفاء وأمناء الأسواق وأعوان الدرك وأهل المنازل الواقعة على حافتي الطريق المعثور فيها على الجثة واتفقت كلمتهم على أنهم لا يعرفون القتيل باسمه أو مسماه ووقع عرض الهالك في الميضاة القريبة, ودعي الواردون على المدينة حتى من الضواحي وأهل المتاجر ومروا به وأكدوا عدم التوصل لمعرفته.
عمر لم ييأس:
رغم هذا الغموض الذي يحف بالجريمة والمجرم, والذي مثاره جهل شخصية القتيل الشاب, فإن عمر ﵁ لم ييأس من وضع يده على الأسرار المحيطة بالجناية وجعل يتوسل إلى الله ويدعوه أن يظفره بالقاتل, وبعد عام من الحادث وفي فجر يوم ذلك اليوم الذي اصطدم فيه الخارجون من المسجد الجامع بجثة الشاب القتيل, وفي نفس المكان الذي وجد فيه عثرت الشرطة على مولود حديث عهد بالوضع وهو قيد الحياة ويبدو عليه أنه خرج من أبويين جميلين في أول عهدهما بالإنجاب والامتزاج..
стр. 287
وأسرع الحراس بحمله إلى الخليفة عمر بن الخطاب, وأعلموه بأنهم التقطوه في نفس المكان الذي وجدت فيه جثة الشاب القتيل في مثل ذلك الوقت في العام المنقضي.
رأس الخيط:
وابتهج الخليفة عمر لهذا الحادث الجديد, وصرح بأنه ظفر بدم القتيل الشاب يوشك أن يضع يده على القاتل ويكشف أسرار الحافة بالقتيل.
وحالا أمر بدفع الصبي إلى مربية تتولى إرضاعه وتنشيته وتتقاضى تكاليف الكفالة من بيت المال.
الشروع في التحقيق:
أصدر الخليفة العادل أمره للكافلة بأن تتحرى أمر من يسأل عن الصبي أو يحاول الاتصال به أو يوفد من يستعلم على حالته أو يختلس النظر إليه, وأن تخطر دار الخلافة بنتائج هذا التحدي الأكيد, الذي يعلق عليه الخليفة أهمية كبيرة ولا يتسامح إطلاقا في إهماله والتساهل في شأنه.
الوقوع في الفخ:
شبّ الصبي وظهرت نجابته وبرزت محاسنه, وتحدث الناس بجماله وقوة سحره وجاذبته, وهو الصبي الذي لا يعرف أبواه ولا يعلم مولده.. وذات يوم أقبلت جارية يلف جسمها رداء كثيف يخفي جميع ملامحها, وطرقت باب دار الكافلة وبعد أن حيتها وابتسمت للصبي وغمرته تقبيلا أعلمتها بأن سيدتها ترجوها أن تبعث الصبي لتراه وتعود به إليها في نفس الحين, ولها في مقابل ذلك ما تريد من عطاء.. وأدركت الكافلة سر الأمر الذي أصدره الخليفة, وتحققت أن بين أيديها الآن مفتاح السر الذي يبحث عنه الخليفة العادل منذ سنة. فأظهرت الموافقة على مطلب الجارية واشترطت أن تذهب بنفسها في رفقة الصبي لأنها مسؤولة عنه, وتخشى أن يحدث له مكروه, وأنها تعتقد نفرته من أي امرأة سواها.. ورضيت بالشرط وذهبت الجارية إلى دار سيدتها.
في بيت الأم:
стр. 288
عرفت الكافلة أن البيت الذي دخلته الجارية هو بيت أحد شيوخ الأنصار الذين لهم مكانه في نفس الخليفة, ومركز ممتاز في محيط الخلافة ولم تكد تقع عين بنت الشيخ الأنصاري على الصبي حتى اختطفته وضمته إلى صدرها تقبله وتملا عينيها وجهه الباسم وثغره المشرق, وجعلت الكافلة تردد ببصرها في هذا المنظر العجيب, وكادت تغيب في هذا المشهد المؤثر, واستعصى عليها فهم اللغز المغلق, لأنها تعرف عفة البنت ونبل عائلتها وعلو مركزها في المجتمع المدني.
إعلام الخليفة:
انتهى المشهد الرائع بتسليم الصبي إلى الكافلة وإسراع البنت بإخفاء وجهها والالتجاء إلى حجرتها تحت تأثير عوامل نفسية قاهرة, وبادرت الكافلة بإرجاع الصبي إلى بيتها والتوجه إلى الخليفة لإعلامه بما حدث.. لم يكد يعلم الخليفة عمر بما حدث حتى اشتمل على سيفه وانتقل إلى دار الشيخ الأنصاري فوجده متكئا على بابه.
وبعد أن حياه سأله عن أمر ابنته ورد الشيخ بارتياح قائلا أن ابنته من أعرف الناس بحق الله وحق أبيها مع حسن صلاتها وصيامها والقيام بدينها.. فقال عمر: "قد أحببت أن أدخل عليها فأزيدها رغبة في الخير وأحثها عليه", وأجاب الشيخ: "الأمر لأمير المؤمنين والبيت بيته", وفتح الباب ودخل عمر ودعا كريمة الشيخ وسألها منفردا بعض الأسئلة العامة, ثم كاشفها بأنه يسألها عن أمر الشاب والمولود, وأنها إن لم تتحر في أجوبتها الصدق والحق تعرض نفسها الأكبر الأخطاء.
الاعتراف الرهيب:
стр. 289
اعترفت الأنصارية المسكينة في صراحة ودون التواء بأنها أم المولود الملتقط وقاتلة الشاب المجهول الشخصية! وأخذت تشرح الوقائع التي أفضت إلى المخاض وإلى القتل قائلة "إن عجوزا كانت تدخل عليّ فأتخذها أُمّاً وكانت تقوم من أمري كما تقوم به الوالدة, وكنت لها بمنزلة البنت حتى ذلك الحين, فقالت لي مرة: "يا بنية إنه قد عرض سفر ولي ابنة في موضع أتخوف عليها فيه أن تضيع, وقد أحببت أن أضمها إليك حتى أرجع من سفري", فعدمت إلى ابن لها شاب أمرد هيئته كهيئة الجارية, وأتت به لا أشك أنه جارية.. فكان يرى مني ما ترى الجارية من الجارية حتى أغفلني يوما وأنا نائمة, فما شعرت حتى علاني وخالطني, فمددت شفرت كانت إلى جانبي فقتلته, ثم أمرت فألقي حيث رأيت, فاشتملت منه على هذا الصبي فلما وضعته ألقيته في موضع أبيه".
استمع الخلفية العادل لهذه المأساة الفاجعة التي ترويها الأنصارية العفيفة الشريفة واطمأن إلى صحة الواقعة وانتهى إلى اعتماد الإقرار في جزئياته وجوهره.
حكم القاضي عمر:
أعلن عمر انتفاء المسؤولية عن الأنصارية وإهدار دم الشاب الخائن المخادع, واعتبار الجانية قد ارتكبت القتل في حالة دفاع عن شرفها وعفافها, ولم يكتف بذلك بل نوه بشجاعة القاتلة وشدتها في دفع العدوان عن نفسها ودعا لها بخير, وخرج على أبيها وبارك له في ابنته الصالحة المؤمنة وأوصاه بها خيرا.
--------------------------------------------------------------------------------
стр. 290
[١] القصة أوردها العلامة ابن القيم الجوزية في كتابه الطرق الحكمية في السياسية الشرعية ص٣١ عن الليث بن سعد, والليث بن سعد أشهر من علم, قال الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب ٢ / ١٣٨ "الليث بن سعد بن عبد الرحمان الفهمي أبو الحارث المصري: ثقة ثبت، فقيه, إمام مشهور, من السابعة، مات في شعبان سنة خمس وسبعين ومائة"اهـ, وقال فيه الإمام التبريزي صاحب مشكاة المصابيح:
"فقيه أهل مصر، يقال: إنه مولى خالد بن ثابت الفهمي، ولد في قرية أول مصر، سنة أربعين وتسعين، روى عن أبي مليكة وعطاء والزهري وغيرهم، وحدث عنه خلق كثير، منهم ابن المبارك، قدم بغداد إحدى وستين ومائة, وعرض عليه المنصور القضاء، فامتنع، قال يحي بن بكير: "ما رأيت أحد أكمل من الليث بن سعد"اهـ.
انظر (الإكمال في أسماء الرجال) للتبريزي ص ٧٤٥.
стр. 291
يا مسلم
شعر: عبد العزيز القارى
جرد السيف ونح القلما
واملأ الدنيا كفاحا ودما
إن برق السيف أقوى حجة
فدعونا نرتضيه حكما
ما على التاريخ لو سجلها
ثورة عشواء تذكيها الدما
قد كفرنا بسلام جائر
ضاعت الأمجاد فيه والحمى
لا سلام اليوم بل معركة
تقلب الدنيا جحيما مظلما
أجهزوا اليوم على أحلامكم
وانتضوا فيها ظباتا خذما
واحملوا الحق على ضامرة
تعشق الكر وتأبى اللجما
فجروها عزمة دامية
تهدم البغي وتبني الشيما
أنت يا مسلم أسمى منهم
حطم القيد لتبقى مسلما
لك هذي الأرض ليست لهم
إنهم أضحوا عليها: رمما
أنت يا مارد أقوى منهم
حطم الأصنام وارق القمما
أمم ضاعت وأخلاق ذوت
فابعث الأخلاق واحم الأمما
стр. 292
تاريخ الأسلاف منار الحاضر والمستقبل
بقلم أبي عبد السلام زكريا المديني
كثيرا ما تردد ألسنة الأدباء وأقلام الكتاب كلمتي الحضارة والتقدم, وقلّ من يحضره معناهما ويتنبه لمحتواهما, يحسب بعض قليلي المدارك أن الحضارة هي الجري وراء كل حاضر, والتقدم هو السير مع التطور ولو على التخبط بغير هدى, والواقع أن حضارة الأمم هي سير الناس مع تاريخ أمجادها وآثار أمتها الطيبة.
نتلمس الماضي البعيد وحوله: ماء الحياة أعذب مورد, التقدم هو اقتفاء التطور بخطى مترنة وثابتة بانتقاء الطيب النافع للأمة من علوم الناس - تاريخ الماضي رسول السلف إلى الخلف ومدرسة الغافل وميدان التجارب ومحل العبر - وبالأخص تاريخ أمة الإسلام موسوعة الحسنات وصفحات المجد - قال الخليفة الرابع - كرم الله وجهه - ينصح ابنه: "أي بني, إني وإن لم أكن عمرت عمر من كان قبلي فقد نظرت في أعمالهم وفكرت في أخبارهم وتبصرت في آثارهم حتى غدوت كأحدهم فعرفت صفو ذلك من كدره ونفعه من ضرره". تاريخ الأسلاف في الأمم منار الحاضر والمستقبل ما غفلت أمة عن ماضيها إلا أدبرت أيامها وقفل إقبالها.
السيرة الحسنة في الأفراد مشعل يستضىء بها المجتمع وسوء التصرف واعوجاج الخلق معول الهدم في كيان الأمة.
وليس بعامر بنيان قوم
إذا أخلاقهم صارت خراب
الأمة التي تعيش في فراغ خلقي هي كالسائمة بلا راع والمواشي المفلوتة بلا راع إما أن تفكك بها السباع أو تضيع هائمة على وجهها في الفلوات والقفار, أما الأفراد المنحرفون عن مبادئ الأمة وقيمها المعنوية فهم كالجراثيم في جسم صحيح إذا كانت مقاومة الجسم قوية تضمحل هذه الجراثيم ويتلاشى أثرها, وإن كان الجسم ضعيف المقاومة تنهكها هذه الجراثيم وتزيدها وهنا على وهن وقد نقضي على مقاومته نهائيا.
стр. 293
الأفراد كاللبنة في بناء المجتمع إذا وجدت لبنات فاسدة قبيحة المنظر في عمارة شامخة حسنة المنظر وهن البناء وأضعف من بهائها وجمالها قال الشاعر:
وإنني لأرى من لا خلق له
ولا أمانة وسط القوم عريانا
من أرفع صفات المسلم الحياء والمروءة, فالشخص الوقح في مجتمع الإسلام كالدمل على الوجه الجميل, وكالبرص على الجسم الصحيح, وكالعاري في وسط أهل الحشمة والملابس الأنيقة, ومن صفات أهل الإيمان الصدق والأمانة ووفاء العهد, فالرجل الأمين يتأسى بصفة سيد المرسلين الذي وصفه الله بأنه: "رسول أمين", قال عليه والصلاة والسلام: "من عامل الناس فلم يظلمهم, وحدثهم ولم يكذبهم, ووعدهم ولم يخلفهم, فهو ممن كملت مروءته", وقال بعض البلغاء: "شرائط المروءة أن يتعفف عن الحرام, وينصف في الحكم, ولا يعين قويا على ضعيف, ولا يؤثر الدنيا على شريف, ولا يفعل ما يقبح الذكر والاسم".
إن المروءة ليس يدركها امرؤ
ورث المكارم عن أب فأضاعها
أمرته نفس بالدناءة والخنا
ونهته عن سبل العلا فأطاعها
стр. 294
موجز تاريخ التعليم المختلط ونتائجه
بقلم: محمد ضياء الرحمن الأعظمي العمري
إن من ثمرات الحضارة الغربية التعليم المختلط, والمتصفح لتاريخ الأمم الماضية لا يجد ذكرا لهذا التعليم, فهذه الحضارة اليونانية التي بلغت شأوا بعيدًا في الرقي والتمدن مع هذا فإنها تفرق في نظام التعليم بين الرجال والنساء, وهذه الحضارة الرومانية التي كانت داعية إلى حرية لم يسبق إليها غيرها لا نجدها قد أباحت هذا التعليم ولم تتصور هذا الفكر الجديد, وعندنا أمثال للدراسات العليا في الحضارة الصينية قد قطعت في التعليم شوطا بعيدا منذ أقدم العصور ومع ذلك لم تتعرض للتعليم المختلط مثلما تعرضت لها الحضارة الغربية وقلدها بعض البلدان الإسلامية.
أول دولة أخذت بهذا النظام هي الولايات المتحدة الأمريكية فلفظ (co-education) (التعليم المختلط) قد استعمل أول مرة سنة ١٧٧٤م, وبقي الأمر مقصورا عليها ولم تأخذ به أي دولة إلا قبل خمسين سنة حيث أخذت به الدول الأوروبية ثم انتشر بعد ذلك إذ أخذت به معظم الدول.
أسباب انتشار التعليم المختلط:
١- الثورة الصناعية:
لما قامت هذه الثورة في البلاد الأوروبية أجبرت المرأة على الخروج من بيتها لأن الحاجة أصبحت ماسة إلى أيد عاملة كثيرة لزيادة الإنتاج فنافست المرأة الرجال في معظم المجالات ولكنها ما لبثت أن وجدت نفسها قاصرة وعاجزة عن أداء وظيفتها بسبب جهلها وقلة تعليمها فاتجهت إلى التعليم والإرشاد لسد الخلل والنقص. ولما كانت الغاية من التعليم هي التأهيل للعمل في مجالات الرجال فليس هناك مانع من جلوسها في المدارس والمراكز التعليمية بجانب الرجال لسماع المحاضرات وتلقي الإرشادات في موضوع واحد من طريق واحد لأن عملهما في خارج بيتهما واحد.
٢- الاقتصاد:
стр. 295
لما كثر طالبوا التعليم وجدت الدولة نفسها مسؤولة أمام عد كبير من الرجال والنساء فكان من العسير عليها أن تقوم بإنشاء مدارس عديدة لكل جنس مستقلة فوجدت في التعليم المختلط بغيتها لأنه يخفف عنها العبء الثقيل ويعفيها من مصروفات باهظة فشجعها التعليم المختلط وأخذت به وساعدها على ذلك ظروف وأوضاع كانت منتشرة في ذلك العصر من أحلام الحضارة الغربية التي هيأت لهم أن يجلس الشاب والشابات على كرسي واحد جنبا إلى جنب.
ومع توفر هذه المدارس فإننا نجد أن الطبقات الراقية والغنية لم تسمح لأبنائها بالذهاب إلى هذه المدارس المختلطة بل كانوا يرسلونهم إلى المدارس الخاصة التي لم تأخذ بالتعليم المختلط كما يقول صاحب encyclopedia of social science كان أشراف الناس في البيئة لا يشجعون هذا التعليم المختلط ولا يرسلون أولادهم إلى هذه المدارس المختلطة.
يقول الكاتب الفرنسي ميئر meyer في كتابه (إرتفاع التعليم في القرن العشرين) : "إن أكثر الناس ينفرون من هذا التعليم النظام الجديد الذي لا يميز بين الرجال والنساء فيكثر الفسق والفجور" وعندنا مثال من الدولة الروسية التي أخذت بالتعليم المختلط بعد الثورة الاشتراكية ١٩٢٠-١٩٤٣م ولم يمض عليها ربع قرن حتى ألغته ونجد الدول الأوروبية كانت على وشك منع التعليم المختلط في سنة ١٩٤٣م من كثرة الفواحش والمنكرات التي نتجت عنه.
نتائج هذا التعليم المختلط:
стр. 296
لقد انتشر الفسق والفجور بسبب هذا التعليم المختلط لأنه يهيئ للجنسين اللقاء والمشاهدات وهذا اللقاء يجرهم إلى الفواحش والمنكرات, ومن المعلوم أن الأعمار التعليمية هي أهم أعمار الإنسان فيها يعين اتجاه الحياة, ويقرر الطريق إلى الخير أو الشر, والطلاب والطلبات غالبا يمشون وراء شهواتهم.. فخرج جبل جديد لا يقيم للأخلاق أدنى وزن وقد ساعدهم على ذلك في خارج الدراسة المجتمع المختل فهناك الأفلام الرديئة والكتب الماجنة والأندية المختلطة وبيوت الرقص ومشارب الخمر باسم الثقافة وغير ذلك من مراكز الرذيلة.
فيا أيها الإخوة والأخوات هنا أمثال وحقائق نسوق بعضها إليكم بأقلام كتابهم..
يقول الدكتور هوبرت هرس كوز: "إن الطالبات اللواتي يمارسن الزنا قبل التزوج بلغت نسبتهن ثمانين في المئة".
يقول ونستائن: "إن نسبة الزانيات في المدارس المختلطة أعلى من نسبتها في الفتيات الجاهلات".
وفي الإحصاء له في مدرسة (ورجنيا) بلغت نسبة الزانيات من الطالبات خمسا وسبعين إلى ثمانين في المئة.
يقول طلاب جامعة ميجيكن: "إن الفتيات العفيفات في جامعتهم لا يتجاوزون عشرين في المئة".
في جامعة سراكوز تبين أنّ هناك ٤٠٠ فتاة من أصل ستة ألاف حوامل بالزنا, وفي إحصاء جرى في إحدى المدارس المختلطة تبين أن ٢٠% فقط يردن الزواج بالطرق المعروفة, وأن ٢٠% يمارسن الزنا ويحتفظن بالأولاد, وأن ٦٠% يمارسن الزنا ويتناولن حبوب منع الحمل.
ومع هذه النتائج المحزنة نجد البنات في هذه الجامعات لا ينفرن من الفواحش والمنكرات بل يفتخرن بذلك كما تقول إحدى الطالبات: "إني عقدت عيد الزنا السنوي قريبا".
تقول الدكتورة ماركريت ميد: "كانت الكليات والجامعات قلعة للبنات العفيفات والآن صارت مراكز للفواحش والمنكرات وفحص الأزواج".
стр. 297
أيها الإخوة والأخوات: ندعو أصحاب الفكر والعقل إلى التأمل في هذه النتائج الفاحشة في البلاد الأوروبية والأمريكية, والتي يستصرخ منها بعض دولها, ويحاول منع التعليم المختلط طلبا للخلاص منها, ولكن السيل قد بلغ الزبا فلم يجدوا لذلك سبيلا.
أجل إني أدعوا ذوي العقول والضمائر إلى التفكير في هذه الوقائع الرهيبة فعسى أن يعتبروا فيحولوا بين أمتهم وأمثالها.. والعاقل من اعتبر بمن سبقه ولم يجعل نفسه عبرة لمن بعده.
стр. 298
مع الصحافة
حاجز ما بين الطريقين
إعداد جلال الدين مراد
هذا عنوان الكلمة التي افتتح بها الدكتور محمد أديب صالح رئيس تحرير مجلة حضارة الإسلام - السورية الصادرة في جمادى الآخرة ١٣٨٨ أيلول ١٩٦٨م وقد جاء فيها:
.. وهكذا جاء محمد رسول الله ليصوغ بالإسلام إنسان هذه الأرض من جديد وبإعلانه الواضح أبان فارق ما بين طريق الخير وطريق الشر وأقام حاجزاً بينهما على أمثل وجه كل ذلك حرصاً عليهم كيما تسلم لهم العاقبة ويغنموا حسن المصير في الدنيا والآخرة. وإذا كان الأمر كذلك فإن الأمانة تقتضينا.. أن نفتش في أنفسنا عن عوامل الهزيمة الداخلية التي تعتري الكثير، إن هذا الانهزام في أعماق النفس أمر خطير جدًا وأخطر منه ما يقوم به بعض الناس في محاولات لستر هذا الانهزام بصورة لا مجال لتعددها وأساليب لا تخفى على ذي لب. إن عنواناً عريضا تمليه الوقائع وهو أنه كثيرا ما تكون وعورة الطريق امتحانا لقدرة السالكين والسائرين وفي خضم الحركة التي يثير غبارها الزمن وتعلو بدخانها طبيعة المرحلة، يضيع كثير من ضعفاء النفوس ماض حملوه بالعاطفة والقليل من الفكر وبين حاضر يبدو وكأنه يتسلح بقوة لا تجارى، وطاقات يصعب الوقوف أمام تيارها السريع.
وصفة هؤلاء الناس تحمل العلة التي من أجلها كانوا ضعفاء وبسببها شعروا بالهزيمة أمام الطارئ الجديد، وما تزودوا به من قليل الفكر والثقافة، وهذا الذي نتحدث عنه ونصف من شأنه ظاهرة مرضية نراها في بعض أنحاء من جسم هذه الأمة التي استهانت بمصدر الضياء وينبوع القوة فانحدر بها خط الزمن وأصبحت تعاني في كل ميدان من الميادين ميدان الفكر وغيره من الميادين.
стр. 299
لقد أسلم محمد ﷺ الراية حين أسلمها ولم يدر بخلد واحد من رجاله يومذاك أن الأمر يحده الحوار النظري في قضايا مطروحة يراد لها أن تأخذ طريقها من هنا أو هناك.. ولكن الجميع كانوا يدركون أن الصياغة التي صاغهم محمد ﷺ عليها، هي سلاح المواجهة لتحمل الأعباء في تقدير كامل للمسؤوليات حق قدرها وإعطاء كل شيء قيمته في ضوء مقاييس الدعوة التي عاهدوا عليها رسول الله وبايعوه من أجلها على النصرة والمنعة والبذل الكبير.
.. وإذا كان الإسلام أقوى من تحديات الزمن وأوسع من سلطان الحدود والقيود, إن السعداء حقا هم أولئك الذين ينقضون عن كواهلهم غبار الدعة وتتجافى جنوبهم عن الراحة وإيثار العافية في ظل الغرض القريب، وبذلك يشرفون بأن يكونوا على خط الريادة التي رسم معالمها النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه, وقد ضمن لهم القرآن خير عاقبة وأكرم مصير ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً, وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً﴾ .
стр. 300
إنّ دولاب الزمن لا يقف والحياة لا تنتظر متخاذلا ولا تقبل عذر متخلف ووقود الحركة التي تسربل ثوبها المسلمون الأولون قلب يسعى وفكر يعمل وتضحيات تبذل بغير حساب.. ومن هنا كان لمداد العالم وزنه في بناء الكيان الحقيقي لهذه الأمة، وكان لدم الشهيد قدرة في الحفاظ على وجودها.. فالعالم حين يعطي مخلصا واعيا، فذلك برهان السلامة في العقيدة والاستقامة على الطريق.. والمجاهد حين يبذل دمه خالصا في سبيل الله فذلك برهان الوفاء وصدق ما عاهد الله عليه.. وماذا أنت قائل في أمة تبني وجودها بمداد العلماء وتحرس هذا الوجود بدم الشهيد ... مداد العالم ودم الشهيد ذاك يرسم معالم الفكر وهذا يحرس تلك العالم.. ويهب كلمة العالم الحياة.. ولئن كان لمداد العالم من الفضل والمنزلة بحيث يوزن يوم القيامة مداد العلماء بدم الشهداء فيرجع الأول على الثاني، إن من كرامة الله لهذه الأمة ما تجده - لو رجعت البصر - إن في القافلة المؤمنة رجالاً تجتمع لهم هذه إلى تلك، فهم علماء وشهداء في وقت معاً. وتلك منزلة أجدر بها أن تنقطع دونها الأعناق وأن تهفو لعظمتها القلوب، إنها الهدية الغالية من الكريم المنان سبحانه والهدية الغالية لا تكون من ملك الملوك ﷻ إلا لمن كانوا أحق بها وأهلها، وهو المتفضل على كل حال.
إن كلمات هؤلاء الناس تحكي وقطرات دمهم تحكي والحركة دائبة مستمرة لأنها تنسمت بالدم معنى الحياة, والعالم من هذا القبيل فكره مفتح النوافد, ذو سلطان وتأثير, إنه يغزو العقل والقلب في وقت واحد فأنت حين تقرأ لا تقرأ كلمة ميتة, هي شكل هندسي صفه الحبر على الورق ولكنك تقرأ الحركة والحياة لأن استشهاد في سبيل الله أعطى كلماته وجودها, ووهبها حياتها فهي غاز فاتح يغد السير ويقطع دونما قعقعة ولا جلبة.. ولئن فاتك من هذه الكلمات المسطرة بالمداد شيء فلن يفوتك شيء من الوجه الآخر..
стр. 301
إن استشهاد العالم مرحلة فاعلة تعمل عليها في حياة الأمة وواحدة من تلك الصور التي تضيء جنباتها الطويلة, فلنذكر - وأبوابنا تدقها مطارق الغدر والخيانة والاعتداء صباح المساء - الكلمة المضخمة بالدم, ولنذكر الحياة التي تبدأ بالكلمة على القرطاس وتنتهي بلحظات يطل منها صاحبها العالم الباقي, وهو يتأرجح في الهواء هازئا بهذا العالم الفاني وما فيه من مغريات ومن ترغيب وترهيب ... إن أفاقا ربانية رحبة يستمع بها الشهيد تتضاءل دونها كل المقومات في هذا الوجود ... والعالم الشهيد على هذه الأرض برهان صدق هذه الدعوة وحجة الله على عباده ومثل رائع في قافلة الإيمان التي تني تتابع سيرها مهما تعاظمت الصعوبات وتفاقمت عقبات الطريق, ذلكم حاجز ما بين الطريقين ... إيمان راسخ وعمل دائب ووعي ينفي الخرافة وخبث الطارئ الدخيل ... ثم قدرة على الصمود وسقيا للطريق بالدم في وقت تعز فيه التضحيات ويكثر أشباه الرجال..
بناء الإنسان أفضل أم بناء العمارات
كان هذا عنوانا لافتتاحية مجلة البعث الإسلامي الهندية الصادرة في غرة رجب ١٣٨٨ لأستاذ محمد الحسني وقد جاء فيها:
стр. 302
من المحن والأزمات التي أبتلي بها الشرق شغفه وهيامه بالبنانات الحديثة والمعاهد العلمية الفخمة التي تشبه الفنادق والبنوك في ضخامتها وارتفاعها وأناقتها وتأثيثها, وشاع استعمال أمثال هذا الجمل: "إن هذه البناية أكبر بناية حديثة في الشرق الأوسط, وأن هذا الصالون أو هذا المدرج أو هذا المتحف الأول من نوعه في المنطقة بأسرها" ... وقد سموا هذا البناء الحجري أو البناء الظاهري بناء الوطن بناء الجيل بناء الحضارة بناء الثقافة إلى آخر هذه التعبيرات البراقة التي كثر استعمالها في الوقت الحاضر ... وقد طغى (آخر موضة) , و (آخر طراز) على جميع الحقائق, وأصبح (الأحدث) "و (الآخر) المقياس الوحيد للنهضة والرقي والبراعة والنبوغ ولو كان هذا (الأحدث) أحدث الرقصات العارية, ولو كان هذا (الآخر) آخر الموضات الكريهة والطراز القذر, وقد عممت هذه الظاهرة في أكثر البلاد الإسلامية ولو كان نصيب البلاد العربية فيها نصيب الأسد..وقوي هذا الاتجاه المعماري على حساب الأصالة في العلوم والتعمق في الدراسة والرسوخ في العقيدة والاضطلاع بالدعوة, وأصبحت البنايات تستهلك قوى الأمة وتستنفد مجهودها وطاقاتها ومكاسبها وأموالها وعقولها, لا تستطيع عنها حولا ولا تبغي بها بدلا لأنها آخر (طراز) وآخر ما قدمه الفن المعماري الحديث ... والأولى من نوعها في أسيا وذلك مبلغهم ... من العلم ... هذا في محيط البنايات..
أما في محيط الإنسان فلم نسمع في عرض العالم الإسلامي كله من يقول في نفس التعبير وفي نفس القوة والاعتزاز:هذا أكبر عالم في الشرق, وهذا أكبر طبيب في أسيا, وهذا أكبر مهندس في العالم الإسلامي, وهذا أكبر كيميائي في المنطقة بأسرها, وهذا أكبر ضابط وأعلمهم بفنون الحرب في البلاد العربية كلها..
ولم نسمع من يقول: هذا ابن تيمية هذا الزمان في العلم والبرهان, أو صلاح الدين في هذا العهد في المجد والسلطان ...
стр. 303
وقد سمعنا أمثال عن الدعاوى الفارغة بعض الأحيان, وقيل لنا: إن القوة الفلانية أكبر قوة جوية ضاربة في الشرق الأوسط, وإن أسطول الدولة الفلانية أقوى أسطول في البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط إلى أمثال هذا الهراء الذي يعرفه الجميع, ولكنها كانت دعاوى فارغة كاذبة ظهر بطلانها في حرب ٥ حزيران وكان كما قال الشاعر وكأنه يصف الغوغائيين الاشتراكيين:
جواد تحت رجلك أم حمار؟
ستعرف حين ينكشف الغبار
إن كثرة البنايات والفنادق يا قادة العالم الإسلامي- لا تنجب الرجال ولا تنتج الكفاءة والمقدرة والنبوغ والبراعة والعلم والتقوى, إنها بالعكس تلهي الأمة عن المكرمات والبطولات, أنها تستنفد قواها وتشغل بالها وتصرفها عن غايتها وأهدافها العالية وتجعلها في قفص ذهبي تجد فيه كل ما يحتاج إليه جسدها من عيش رغيد, وتفقد كل ما يحن إليه طائر الروح من حرية للخروج وأجواء فسيحة للطيران تزكي جوهرها الأصيل وترخي لها العنان.
إن الإنسان لا يحتاج إلى بناية ولا يحتاج إلى دعاية, بل إنه يحتاج فقط إلى تصحيح الاتجاه وتنوير الوعي وتنمية الشعور والعناية بالأولى والأهم والتركيز على النواحي المهمة الحساسة, وتقوية الجانب الذي تضاءل واضمحل وضعف بدلا من تغذية الجانب الذي تسمن وتضخم وطغى وبغى على الجانب الضعيف..
إن مثلنا في ذلك كمثل رجل نزل عند ضيف اشتد به الجوع فاعتنى بغرفته كل العناية وأثثها تأثيثا جميلا وحشد له كل ما يحتاج إليه من كماليات, ولكنه لم يقدم إليه وجبة طعام أو كأسا من ماء..
لقد عنينا كثيرا بالبنايات فلنتجه الآن إلى الإنسان..
ما هو دور العلماء؟
تحت هذا العنوان نشرت صحيفة الدعوة السعودية مقالة للأستاذ زيد بن فياض يقول فيها:
стр. 304
وليس قصدي تعداد مزايا العلم وفضل أهله فذلك معلوم وحديثه يطول ولكني أتساءل عن دور العلماء وأعني علماء الإسلام في سائر الأقطار وهل قاموا بواجبهم؟ وهل أتيحت لهم الفرصة لكي يؤدوا الأمانة العظيمة والمسئولية الخطيرة..؟ وإذا كان هناك تقصير واضح فمن أين جاء وما مصدره وما هو سبيل إلى تذليل العقبات المانعة من أداء هذا الواجب العظيم؟ إنني أعلم بأن مقالا واحدا لن يفي بجوانب الموضوع ومتطلباته, وأن الأمر يحتاج إلى مناقشة جادة مستنيرة مبينة على البحث العميق والدارسة الوافية؛ لأن إغفال هذه الناحية الهامة يعود بالمصائب على الأمة الإسلامية في شتى ديارها.
وإذا تأملنا حالة العالم الإسلامي اليوم لا نكاد نسمع للعلماء إلا أصواتا خافته وقد تختلف درجة الإمكانيات لدى العلماء علما وثقافة وقدرة على القول وعجزا عنه إتاحة فرصة أو حرمانا منها ... وعلى كل تقدير كان المرء لا يسعه إلا أن يشعر بأنه كان ينبغي أن يكون للعلماء دور أكبر وصوت أعلى ومكانة أسمى.
وأحسب أن من أسباب النكبات التي يعاني منها العالم الإسلامي اليوم وقبل اليوم إبعاد العلماء عن مجالاتهم وابتعادهم هم, وأن التصور الخاطئ الذي بحصر مسؤوليتهم في نواح محددة لا يجوز لهم أن يتخطوها كان من عوامل الضعف والتدهور في كيان العالم الإسلامي.
ونحن اليوم في حاجة إلى صوت جهير من قبل العلماء يصدع بالحق بلا مواربة, ويدعو إلى الله على بصيرة ويشارك في التوجيه مشاركة طليعية وفق ما يقتضيه الدين وتوجبه الشريعة السمحاء.
стр. 305
وإن مما يؤسف ما يؤسف له أن يقبع العلماء أو يراد لهم ذلك في زوايا النسيان, وفي بعض البلدان العربية والإسلامية يغفل العلماء فلا يكاد لهم ذكر في الصحافة والإذاعة ... ولا ينالون من الإشادة والتقدير في وسائل الإعلام معشار ما يكال لأتفه المغنين من مديح وما تردده من إشادة بأدنى لاعب كورة ... وهذه ظاهرة محزنة إن لم نقل إنه تخطيط ماكر ... إن البلدان النصرانية مع ما انحدرت إليه من فوضى وانحطاط لم تصل إلى هذا الحضيض فما برحت تفاخر بعلماء الدين لديها وتحترم أراءهم.
نصيحة الماكرين
وتحت هذا العنوان نشرت مجلة التربية الإسلامية العراقية تعليقا للأستاذ معاذ عبد المجيد عن فرية خطيرة تحكيها أجهزة الإعلام البريطانية يقول فيه:
قالت إذاعة لندن يوم مساء ١٩ آب ١٩٦٨ في برنامجها (الشئون العربية في الصحافة البريطانية) نقلا عن جريدة لندنية:-
"على العرب حينما يريدون التخلص من أثار النكسة أن يصلحوا أنفسهم, والإصلاح ينبغي أن يكون جذريا, والإصلاح الجذري لا يأتي إلاّ عن طريق تجريد العرب عن الإسلام, وعلمنتها كما فعل أتاتورك من قبل في تركيا, وهناك فئة وحيدة (....) تستطيع أن تفعل ذلك".
استفيقوا يا عرب.. فالمستعمرون الكافرون يدعونكم إلى النجاة والإصلاح! , ويجعلون لها سبلا تسلكونها ... أنهم يدعونكم لتنبذوا عقيدتكم وراءكم ظهريا, إنهم عرفوها قوة لو صبت على الصخرة لانبجست منها الحياة, ووجدوا فيها حيوية لو سقيت بها الفيافي لانقلبت جنات عدن وحقولا خضراء, فإنهم ليعلمون علم اليقين أنكم لو نهجتم نهجا لكان كفيلا بأن تتهاوى الأفكار الباطلة إلى واد سحيق وينقلب الأبطال المستأسدون أقزاما يبعث بها الصبيان والولدان, ومن ثم بعد ذلك لا جبن ولا وجل ولا إسرائيل.
стр. 306
متى كان المستعمرون يا عرب يبتغون الإصلاح والتوفيق لهذه الأمة وهم يتباكون على مصيرها اليوم؟ بل مكر الليل ونصح الثعلب في ثياب الواعظين.. إنهم يريدون لهذه الأمة الفساد والذلة والمسكنة, والله يريد لها العزة والعظمة والفخار, ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ .
يا عرب لم لا ننصح أنفسنا ونهتدي بملتنا ونكون أصحاب عزم وبأس كما كان أجدادنا المسلمون! ..لقد أعلم أولئك الصليبيون أنه لا يمكن مواجهة هذه الأمة بعقيدتها.. وما من حرب خاضتها هذه الأمة تحت لواء عقيدتها إلاّ وكان النصر بين يديها والمجد فوق مفرقيها, وحينما تحيد هذه الأمة عن نهجها المرسوم وتخط بيمينها لنفسها مناهج العبيد فإنها ستشقى وتنحدر إلى سفوح هابطة, وتتداعي عليها الأمم كما تتداعي الأكلة على قصعتها, فلا عز ولا صعود بل ذلة وضيعة وارتكاسة. وإلى أولئك الصليبين في لندن وإلى أولئك المخدوعين من بني ملتنا نسوق هذه الحادثة:
"بعد نكسة حزيران ذهب وفد عسكري مصري للتباحث مع زعماء السوفيت حول تزويد مصر ما افتقدته من أسلحة ومعدات حربية أثناء الحرب ... والتقى الوفد بعدد من العسكريين السوفيت ومن بينهم وزير الدفاع مالينوفسكي (قبل موته) قال الوفد المصري بحرف الواحد:
"إننا لم نستطع أن نستعمل الأسلحة التي اشتريناها منكم لأنها كانت جديدة علينا وبهذا خسرنا المعركة".
فما كان جواب مالينوفسكي إلاّ أن رد عليهم:
"لقد انتصرا أجدادكم على الفرس والروم بسيوف صادئة, وقد علمتني التجارب والأحداث وأنا في هذا المنصب بأن لا شيء يساوي القوة المعنوية في الأمة" ...
стр. 307
رسائل لم يحملها البريد
للشيخ عبد الرؤوف اللبدي
المدرس بالجامعة
زميلي العزيز سيبويه:
لأشد ما يحزنني تباعد الزمن بيننا، فتعيش أنت في القرن الثاني وأعيش أنا في القرن الرابع عشر. كم تمنيت أن أتقدم هذه القرون الطويلة فآخذ النحو كما أخذته أنت مشافهة ومساءلة لا كما أخذته أنا حفظا للمتون، وقراءة في الشروح والحواشي، ولكنها مشيئة الله حالت بيننا وبين هذه الأماني، فعشت أنت في عصر أقبل الناس فيه على النحو وعشت أنا في عصر ولّوا عنه مدبرين.
شتان ما حالي وحالك يا أبا بشر..!! لقد أنفقت عمرك تبني النحو وترفع منه القواعد، وزملاؤك من حولك يشدّون عضدك، ويعقدون على أمرك الخناصر، فاستوى لك بناء يطاول أعنان السماء، ويسدّ وجه الأفق.
أما أنا فأنفق الوقت في إصلاح ألسنة تقول فلا تعرب، وتنطق فلا تبين، وأسمع من هنا وهناك صيحات تنادي بإلغاء هذا النحو الذي أطعمته شبابك الوريق، وأسقيته من حياتك كأسا دهاقا..
نعم ينادون بإلغاء هذا النحو ويزعمون أنه جهدٌ بلا طائل وسرى بلا صبح، ويقولون: إن العصر عصر سرعة، وأهل العلم في حاجة إلى الجهد والوقت، فلماذا نضيّعهما في معرفة المرفوع والمنصوب والمجرور؟ وبيان المعرب والمبني، والفرق بين الحال التمييز، وكم وجهاً من الإعراب يجوز في هذا التركيب؟ وكم وجهاً من الإعراب يجوز في تلك الكلمة؟ يقولون -يا أبا بشر-: لماذا لا تستريح من هذا العناء كله بتسكين أواخر الكلمات؟ حقاً إنه لخبر محزن أسوقه إليك، ولكني لم أقصد الإساءة، وأنت تعلم أنّ مصابنا في هذا سواء..
يزعم هؤلاء المنادون بتسكين أواخر الكلمات أنهم يريدون تيسير هذه اللغة لطالبيها، وكسر أشواكها لجانيها، وتقريب تعليمها إلى الأجانب..!! وتضييق الشقة بين لغة الكتابة ولغة المحادثة, ومسايرة ركب اللغات الحديثة التي لا تعرف الحركات في أواخر الكلمات..
стр. 308
وهذا زَعْمٌ ظاهره سلم وبر، وباطنه قطيعةٌ بيننا وبين لغة القرآن, قطيعة بيننا وبين هذا التراث الضخم الذي جاءنا بهذه اللغة المتحركة الأواخر, والويل لنا ولهذه اللغة، إن استقام لهم هذا الدرب الذي يسلكون..
إنه لن يمضي جيل أو جيلان حتى يكون هذا القرآن عجمة في الآذان وحبسة في اللسان!! ويضيع معه هذا التراث العلمي والأدبي ضياعا ليس منه عوض.
وإلى جانب هذا الضياع لن يكون لهذه اللغة طواعية في التعبير وتلوين الجمل، وتغيير التركيب، وفق ما تتطلبه المعاني، وتقتضيه الأحوال، فهذه الحركات المتغيرة في أواخر الكلمات هي المعالم الهادية في كثير من الجمل إلى دقيق المعاني، ولطائف البلاغة.
أما الأوزان الشعرية وبحور أستاذك الخليل، فسلام عليها إلى يوم الدين, سلام على أنغامها الحلوة, وجرسها الساحر، وموسيقاها التي تهز المشاعر.
معذرة يا أبا بشر، لقد نقلت لك شيئاً من لغو هذا الناس في هذه الدنيا وأنت في دار لا لغو فيها ولا تأثيم، ولكن ماذا نفعل وقد أصابتنا المصائب من كل جانب، وبلغت بنا المدى الذي ينبغي أن يقلق له الأحياء والأموات جميعا.
كنت أودّ أن تكون رسالة - وهي أول رسالة أكتبها إليك- أن تكون رسالة مودة في الله, وصلة رحم في النحو، وقربى زمالة في التعليم، ولكن في نفسي تساؤلات شتى عن حياتك تلحّ عليّ فلا أستطيع دفعا لهذا الإلحاح، وتجمح بي فلا أستطيع كبحا لهذا الجماح.
لقد زرت دنيانا هذه أول مرة في القرية الكبيرة المسماة بالبيضاء من مقاطعة شيراز في بلاد الفارس، ولكن التاريخ لم يحفظ موعد هذه الزيارة، وقلما كان الناس في القديم يحفظون.
غير أنهم حفظوا أنّ أمّك كانت حفيةً بهذا اللقاء، وأنها كانت ترقصك طفلاً صغيراً وهي تقول: "سيبويه سيبويه، سيبويه سيبويه".
стр. 309
ولعل أمك لم تجد ألفاظا ترقصك بها غير هذه الألفاظ، فهي أخفّ نطقاً على اللسان، وأعذب جرسا في الآذان, إنها أم فارسية كما كان أبوك فلا عجب أن تختار هذه الألفاظ الفارسية, لقد وجدت فيها رائحة التفاح، فأخذت ترقصك بها وتناديك.. وكل الأمهات يجدن في أولادهن رائحة طيبة، ويخترن كلمات وموسيقى عذبة يرقصن بها أولادهن، غير أن هذا اللفظ الذي اختارته أمك سجل عليك مدى التاريخ، وتغلّب على عمرو وهو اسمك الذي اختاره لك أبوك عثمان بن قنبر.
لقد أراد بك الأهل خيرا حين بعثوا بك مع الصبيان إلى مسجد القرية تتعلم الدين، ولغة الإسلام والحكام والحياة، وأغلب الظن أنه لم يدر في خلدهم ولا خلد أهل الأرض جميعا أنك على الدرب إلى ذروة العلم والمجد.
أيّ شيء بعد هذا حملك على الترحل عن قريتك الخصيبة الممرعة تاركا فيها ملاعب الصبا؟! ومدارج الطفولة، وأتراب اللهو, وأنس الأهل ولقاء ذوي القربى.
أيّ شيء لك في البصرة فتشد إليها الرحال؟ أتوسّم فيك معلم القرية مخايل النبوغ فزيّن لك الذهاب إلى البصرة؟! أكان بينك وبين زملائك الغيرة والمنافسة؟ فأنت تطلب طريق التفوق أم أنك خلقت طموحاً ولم يعد في القرية متسع لهذا الطموح؟!
كيف طابت نفس أمك بهذا الفراق وأنت لا تزال حدثا لين العود لم تبلغ سن الرشد بعد؟! أكان أبوك لايزال يعيش في دنياك؟ فوقف إلى جانبك وأرسل معك أخاك يعينك، أكانت الأسرة على حظ وافر من الثراء والمال؟ فهي ترفدك من حين إلى حين بما تشاء من مال ورزق.
стр. 310
لقد مضت القرون الطويلة دون أن تنقل إلينا كيف استقامت الحياة لك في البصرة وأنت في هذه السن المبكرة؟ ها أنت ذا في مسجد البصرة تطوف الحلقات؛ حلقات الحديث وحلقات الفقه! وحلقات اللغة والنحو والأدب, لماذا اخترت حلقة الحديث من بين هذه الحلقات جميعا؟ ألأنّ حلقة الحديث كانت أغنى حلقة بالحاضرين وطلاب العلم؟ أم لأن علماء الحديث كانوا أعظم شأنا وأرفع منزلة؟ أم أنّ حبك الرسول والرواية عنه دفعاك إلى هذا الأمر؟ أم أن معلم القرية قد اختار هذا الطريق؟!
ها أنت ذا تجلس إلى المحدّث المشهور حماد بن سلمة، تُرى ما الذي أغراك بمجلسه؟ وسلكك في حلقته، أشهرة له طارت في الحديث؟ أمنصب الإفتاء الذي كان له في البصرة؟ أشخصيته القوية وهو يحدث الناس من حوله؟ أكثرة المحيطين به يستمعون إلى ما يقول؟ ومهما يكن من أمر فقد أردت شيئا، وأراد الله شيئا آخر.
ها أنذا أراك تسرع إلى حلقة حماد بن سلمة في كل يوم، حريصا على أن تأخذ المكان في الصف الأول، فذلك أدنى إلى أن تسمع إذا أصغيت, وأدنى إلى أن تجاب إذا ما سألت، ثم يجيء يوم ما أظنك نسيته طوال حياتك، ولم ينسه التاريخ رغم هذه القرون الطويلة التي تتابعت بعده, لا أدري ما الذي أخرّك هذا اليوم فجلست على مبعدة من حماد؟ فلما قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من أحد من أصحابي إلاّ وأستطيع أن آخذ عليه ليس أبو الدرداء", فصاح بك بن حماد: "لحنت يا سيبويه, ليس أبا الدرداء", ولا شك أنه رفع صوته بهذا النكير عليك! وأنه رفعه ليسمعك ويسمع من حولك، فحماد هذا هو الذي يقول: "مثل الذي يطلب الحديث ولا يعرف النحو مثل الحمار علية مخلاة ولا شعير فيها"؟!.
стр. 311
وسواء أفي هذا الحديث أخطأت أم في حديث آخر، وسواء أفي هذا الاستثناء عثرت أم في لفظة أخرى، فقد سمعت من حماد بن سلمة ما ملأ عليك جوانب نفسك، وجوانب المسجد, ما أكثر الذين عثروا مثل هذا العثار!! وما أكثر الذين تلقّوا مثل هذا الاستنكار! ثم انقضى الأمر كأن لم تكن هناك أذن تسمع، أو قلب يعي, ولكنك لم تكن من هؤلاء يا سيبويه، لقد كنت ذا أنف حمي، وقلب ذكي، فكانت صيحة حماد بعيدة الصدى بالغة الإثارة، فلم تطرق من خجل، ولم تسكت عن حياء، وإنما قلت لحماد - وفي لهجتك الحزم، وفي نبرات صوتك العزم-: "لا جرم لأطلبنّ علماً لا تلحنني فيه أبدا", وما أظنه قد طاب لك المجلس بعد هذا، وما أظنه قد طال, وإنما مضيت بعد هذه القولة المشهودة لطلبك، تنشد هذا العلم الذي لا يلحنك فيه حماد، ولا أحد غير حماد.
ما كانت بك الحاجة إلى أن تطوف بحلقات العلم في مسجد البصرة، فما أنت بغريب عن المسجد، وما أنت بغريب عن حلقاته، لقد عرفت من قبله حلقة عيسى بن عمر الثقفي، وعرفت مجالس الخليل بن أحمد، واستمعت إلى يونس بن حبيب، فلم تشتبه عليك السبل بعد صيحات حماد ولم يأخذك يأخذ الضعاف من تردد وحيرة وقلق إذا دهمتهم الأحداث، وفجأتهم الخطوب.
إنه ليخيل إليّ أنك لزمت الخليل بن أحمد بعد الفجر ووجه النهار وقبل الغروب، وعجت بمجالس يونس، كلما ألمّ الخليل ملمّ، أما شيخك الأول عيسى بن عمر فقد توفاه الله قبل أن تأخذ عنه الكثير.
стр. 312
حقّاً إن لقاءك بالخليل كان نعمة من عند الله مباركة, نعمة عليك وعليه وعلى اللغة، فقد نشرت للخليل علماً ما كان ينشر لولاك، وعلّمك الخليل علماً ما كنت لتصل إليه لولاه, وأفادت اللغة هذه القمة الذاهبة في السماء!! لم يبلغها كتاب في النحو على مدى العصور الطويلة التي تتابعت بعد, نعم لقد كان لقاء تعليميا موفّقا، وماذا يريد الطالب من أستاذه أكثر من أن يكون ضليعا في العلم، عميقا في الفهم، قادر على ابتكار الجديد المفيد، ذا خلق عظيم، لا يبتغي بعلمه الدنيا ولو قرعت عليه الأبواب، وهل كان أستاذك غير هذا يا سيبويه؟
وماذا يريد الأستاذ من تلميذه أكثر من أن يكون نهوم علم لا يشبع, وطلعة لا يقنع، وشابا جلدا لا يمل ولا يخور, وحفّاظا لا يضيع, وتقيا لا يغلبه الهوى, منظما لا يخلط الأمور, دقيقا يسبر الأغوار ولا يقف عند الظواهر، وهل كنت غير هذا يا سيبويه؟! أو ليس لهذا كله كان الخليل يقول كلما رآك قادماً عليه: "أهلا بزائر لا يملّ"ثم لا يقولها لأحد غيرك.
وتتعاقب الأيام والأعوام، ويأتي الخليل ما أتى على الناس من قبل، وتعود إلى البيت حزينا أسفا، فقد واراه الثرى، وسويت من فوقه الأرض ثم تسلوا مع الأيام وتكفكف قطرات من الدمع الباقية في المآقي، ولكنك تشعر بالفراغ يملأ المسجد ويملأ المنزل، وليس لدى يونس بن حبيب ما يشبع نهمك ويروي غلتك، إذن فلا بأس أن تجلس في مكان أستاذك الخليل تقول للناس ما كان يقول.
أستاذي العظيم:
стр. 313
أعدت إلى المنزل ذات ليلة من صلاة العشاء في مسجد البصرة فضاقت بك الغرفة التي وسعتك سنوات طويلات؟ ثم لم تجد شهوة إلى طعام ولا رغبة في الدراسة, فأويت إلى الفراش لتجد الراحة ولكن الفراش نبا بجنبيك، وأقضت أحاديث النفس عليك المضاجع بماذا حدثتك النفس يا ترى؟! وكيف استلبت النوم من عينيك؟؟ أكانت تقول لك: ها أنت ذا قد ملأت الفراغ المسجد، فمن لهذا الفراغ في البيت، هذا الطعام وترتيب أشياء هذه الغرفة يأكلان الوقت أكلاً لماً.
وها هي ذي الكهولة قد وفدت عليك والكهولة عمرها قصير وليس بعد الخريف إلاّ الشتاء، ألام تضل بلا زوجة تخفف عنك العناء كله؟؟ وتكون سكنا إذا أقبل الليل، وعوناً على العيش إذا أقبل النهار، هذه الجذاذات لا تزال مبعثرة في زوايا الغرفة، ألام تظل ركاما لا ينفع الناس؟!
وتغدو إلى المسجد ذات صباح, وقد أشرق وجهك بالبشر، وبرقت عيناك بالفرح، وعلا شفتيك ابتسام الرضا، ويبارك الطلاب زواجك، وتعود إلى حياة حلقتك إلى ما كان عليه من قبل أو أشد.
ولكن الحياة في البيت لم تمض طويلا عل النهج الذي قدرت، فقد دبّت العداوة والبغضاء بين الجارية التي تزوجتها وبين هذه الكتب التي ملأت عليك وعليها الغرفة, هي تريدك أن تكون خالصا لها, وأنت تريد أن تكون خالصاً لهذه الكتب.
أتُراك أنصفتها يا سيبويه؟! وأحسنت عشرتها كما كنت تحسن عشرة الكتب أم تُراك ملت مع كتبك كل الميل؟! وتركتها تحترق في نار الغيرة.
أيّ داع دعاك إلى السوق لتعود إلى البيت فتجد سماءه دخاناً تضيئه ألسنة اللهب؟! لم تعد هذه الزوجة الصغيرة الحمقاء تطيق صبرا، فألقت بين هذه الكتب والجذاذت جذوة من نار، وتركتها تحور رمادا، ليتني كنت معك يا سيبويه فأنقذ الشيء الكثير من إملاءات الخليل, وليتني كنت معك فأسعفك وقد وقعت مغشيا عليك.
стр. 314
سراح جميل، وعود إلى الحياة الأولى، وسهر الليل، ودأب في النهار، ويستوي هذا الكتاب الذي أنقذت فيه ما كان طي الرماد وتركته للناس بلا تسمية فغلب عليه اسم (الكتاب) .
لماذا ضاقت بك الحياة في البصرة واعتزمت الذهاب إلى بغداد؟! أمللت التدريس وحياة المدرسين؟! ألم يعد في البصرة أمثال الخليل تفيد منه؟ أضاقت بك سبل العيش وصفرت يداك من المال؟! ألم تعد البصرة تتسع لشهرتك وطموحك؟ أم كان الأمر كما قال أبو تمام:
وطول مقام المرء في الحي مخلق
لديباجتيه فاغترب تجدد
يخيّل إليّ أن طموح كان أبرز هذه الأشياء جميعا.
ها أنت ذا في بغداد، تفد على يحيي بن خالد بن برمك، وتطلب إليه أن يجمع بينك وبين الكسائي، ويحاول أن يثنيك وهو يقول: "لا تفعل فإنه شيخ مدينة السلام وقارئها، ومؤدب ولد أمير المؤمنين, وكلٌّ من في المصر له أو عليه", فتأبى ذلك.
لم يكن سهلا على الكسائي أن تنتزع منه ثقة الخليفة الرشيدة، وهيهات أن تطيب نفسه بالتخلي عن زعامة النحو في عاصمة الخلافة، ثم كيف تطوي هذه الشهرة التي طارت له في كل مكان؟ أرأيت كيف احتال لنفسه فأرسل إليك في يوم مشهود أصحابه وتلاميذه؟ يسألونك أشتاتا من الأسئلة ويكثرون، ليلقوا عليك الوهن ويجلبوا على نفسك الهم.
стр. 315
ثم يأتي بعد قليل، ويلقي إليك المسألة الزنبورية ويقول: "كيف تقول: قد كنت أظن العقرب أشد لسعة من الزنبور، فإذا هو هي؟! أو فإذا هو إياها", فتجيبه أنت: "هو هي ولا يجوز النصب", فيقول لك الكسائي: "لحنت, العرب ترفع ذلك وتنصبه"، ويشتد الجدال بينكما، وينقذ الموقف بعض الحاضرين محكما أعراب الحطمة الذين حضروا بباب الخليفة, وهم أعراب تركوا باديتهم منذ زمن ونزلوا ببغداد فأصاب فصاحتهم بعض الوهن، وقد كانوا يعرفون الكسائي وأين هو من الخليفة, وسواء أكانوا جميعا عليك أم كان بعضهم معك, فقد انتهى مجلس الخليفة أو مجلس يحي بن خالد على أنك المهزوم، وما أنت بالمهزوم.
ولك في القرآن الكريم أعظم حجة فقد اطّرد فيه الرفع على الابتداء والخبر في مثل هذا الأسلوب: ﴿فَإِذَا﴾ , ﴿فَإِذَا﴾ , ولكن الناس زلفى إلى من له صلة بالحكام.
لقد ضاقت بك الحياة في بغداد ولكن لماذا لم تعد إلى البصرة يا سيبويه؟ أستحييت من أهلها؟؟ أم تُراك فارقتها منذ البداية على ألا تعود؟! واكتفيت إذ بلغت بك السفينة الشاطيء أن وجهت في طلب تلميذك الأخفش وخليفتك على حلقة النحو في البصرة، لتخبره الخبر ثم تمضي لطيتك.
على أيّ شاطئ رست بك السفينة يا أبا بشر؟! وإلى أين تقاذفتك الدروب؟ لقد آن للغريب النازح أن يؤوب, ولهذا المسافر اللاغب أن ينيب, ولهذه الموجة القلقة أن تستقر على شاطيء، لم يذكر التاريخ على التحقيق أين ذهبت وعلى أي شاطئ رسوت.
ولكن الظن كل الظن أن القرية البيضاء التي احتضنت طفولتك عادت تعانق كهولتك.
لقد انتهت مهمتك في الحياة حين انتهيت من تأليف الكتاب, وكأنما تبحث عن الموت فوق ثراها الذي أطعمك وأسقاك، وبين أحضان أهلك وذويك غير أن الموت كان يقول: "صبراً صبراً قليلاً يا سيبويه..".
стр. 316
ويمر عام أو عامان أو أقل من ذلك أو أكثر فيأتيك داع من دواعي الموت، وأنت لم تتجاوز الأربعين إلاّ قليلا، فيشتد عليك الذرب، وتلقي بنفسك في أحضان أخيك, وتئن بهذه الكلمات مع أنفاسك الأخيرة:
يؤمل دنيا لتبقى له
فمات المؤمّل قبل الأمل
حثيثا يروي أصول النخيل
فعاش الفسيل ومات الرجل
أيّ أمل هذا الذي مت دونه, وأيّ فسيل رويته ولم تأكل جناه؟ يكفيك أملا هذا الكتاب الذي تركته، وإذا كنت لم تأكل جناه في الدنيا، فما عند الله خير وأبقى.
قلة قليلة من أناسي هذا العالم، تركت وراءها آثاراً ظلت تحتفظ بمستواها الكفء، طيلة اثني عشر قرناً، وسيظل كتابك بإذن الله يحتفظ بهذا المستوى ما بقيت الأرض أرضاً والسماء سماء.
أوراء هذا أمل لآمل يا أبا بشر؟! نم هنيئا..
стр. 317
أخبار الجامعة
إعداد قسم التحرير
وصل للمدينة المنورة فضيلة الشيخ محمد بن ناصر العبودي (الأمين العام للجامعة) قادماً من دمشق بعد فترة قضاها هناك متنقلا بين الأردن والشام ولبنان, وذلك للتعاقد مع مدرسين للعمل في الجامعة الإسلامية. وقد وصل معظمهم وباشروا عملهم بكليتي الشريعة والدعوة وأصول الدين.
عاد من المغرب العربي الشقيق فضيلة الشيخ أبو بكر جابر الجزائري المدرس بكلية الشريعة والدعوة بالجامعة الإسلامية, بعد أن قضى قرابة ثلاثة أشهر متنقلا بين الرباط والجزائر وتونس وطرابلس للدعوة والوعظ والإرشاد. وقد باشر عمله كمدرس بكلية الشريعة والدعوة بالجامعة هذا ومما هو جدير بالذكر أن أهالي المغرب سبق أن طلبوا من الجامعة الإسلامية انتداب أحد مدرسيها للقيام بالدعوة والإرشاد هناك, وقد كتبت الجامعة بدورها لجلالة الملك فيصل بذلك فأصدر جلالته أمره بالموافقة على سفر فضيلة الشيخ أبي بكر, وقد قام فضيلته بالإضافة إلى الدعوة بالاتصال بكبار العلماء والمشايخ هناك, وزار أيضا جامعة الزيتونة بتونس, وجامعة القرويين بفاس, وذلك توثيقا الروابط بين البلدين والجامعتين, وقد صرح فضيلته بقوله: "إن الدعوة هناك صافت استحسانا من كافة الجامعات التي استمعت إلى المواعظ الدينية والتوجيهات الإسلامية".
قامت الجامعة الإسلامية بتسليم اللجنة الشعبية لإعانة أسر ومجاهدي وشهداء فلسطين المتبقي من تبرع موظفي الجامعة.
стр. 318
زار الجامعة الإسلامية صاحب زاده علي اختر, مدير عام وكالة الصحافة والأنباء الباكستانية العالمية وضيف وزارة الإعلام وقد كان يرافقه السيد محمد مسعود منيياوي مندوباً عن العلاقات العامة بوزارة الإعلام, وقد كان في استقبالهم فضيلة الأمين العام المساعد الشيخ عمر محمد وسكرتير نائب الرئيس الأستاذ عبد العزيز بن ناصر الباز وفضيلة الشيح عبد القادر شيبة الحمد وقد قدمت الجامعة للضيف بعضا من مطبوعاتها هدية منها.
تعاقدت الجامعة الإسلامية مع فضيلة الدكتور تقي الدين الهلالي للتدريس بها.. وقد وصل فضيلته وباشر عمله ابتداء من يوم السبت الموافق ٦-٧-١٣٨٨هـ.
كما وصل أصحاب الفضيلة الدكتور محمد محمد بحيري من مصر والأساتذة محي الدين القضماني، إبراهيم السلقيني، مختار البزرة، عبد العزيز رباح، محمد أمين لطفي، وقد باشروا أعمالهم.
أقامت الجامعة الإسلامية مأدبة غداء فخمة تكريما للسيد أبو بكر سي مدير مكتب التعليم العربي بوزارة المعارف السنغالية بفندق التيسير بالمدينة. وقد حضر المأدبة السيد أحمد خادم البكي سكرتير السفارة السنغالية بجدة وفضيلة الأمين العام للجامعة الإسلامية الشيخ محمد بن ناصر العبودي وفضيلة الشيخ عمر محمد الأمين العام المساعد وبعض رؤساء الأقسام بالجامعة كما دعي إليها أيضا جميع الطلبة السنغاليين الذين يدرسون بالجامعة وبدار الحديث, وبعد تناول الغداء اجتمع فضيلة الشيخ بالضيف الكريم بصالة الفندق وقد تناول طرفان حديثهما شتى المواضيع الإسلامية والجدير بالذكر أن الضيف قد زار الجامعة الإسلامية قبل يومين وتفقد أقسامها واجتمع بالطلبة السنغاليين فيها وقد قدمت الجامعة له عددا من الكتب الدينية هدية رمزية منها ويذكر أن عدد الطلبة السنغاليين في الجامعة (١٨) طالبا..
سيتم قريبا تسليم المبنى الجديد لكلية الشريعة من مؤسسة بخيت للمقاولات.
стр. 319
تلقت الجامعة الإسلامية من متوسطة عمر بن عبد العزيز بالمدينة رسالة تتضمن تزويدهم ببعض الكتب الدينية القيمة وقد لبت الجامعة الإسلامية رغبتهم فبعث إليهم بمجموعة طيبة من الكتب والمطبوعات التي لديها.
من زوار الجامعة الإسلامية.
زار الجامعة الإسلامية كل من:
الشيخ محمد أطهر علي شيخ الجامعة الإعدادية بباكستان الشرقية.
الحاج محمد سعيد أكوسيجي من علماء إندونيسيا.
وقد تجول الجميع في أنحاء الجامعة كما قدمت لهم الجامعة في ختام زيارتهم بعض الكتب هدية منها.
بعد أن أصدر العدد الأول من مجلة الجامعة الإسلامية تلقت المجلة عددا كبيرا من رسائل والخطابات يثني فيها مرسلوها على المجلة ويباركون هذه الخطوة الموفقة كما يطلبون الاشتراك فيها, ونحن إذ نشكر لكل من كتب إلينا نحب أن نؤكد لقرائنا أننا مازلنا في أول طريق ونرجوه سبحانه مزيدا من التوفيق, وكنا نحب أن نثبت هنا بعض هذه الرسائل, ولكن لضيق المجال نكتفي بهذه الرسالة التي وصلتنا من الأخ فؤاد توفيق والتي يقول فيها:
"لقد كان لي شرف الاطلاع على العدد الأول من (مجلة الجامعة الإسلامية) جعلها الله منار للعلم, ومركز إشعاع للنور الإسلامي فألفيتها غزيرة المادة, جميلة الإخراج, وإني إذ أرجو لها ما يرجوه كل مخلص لدينه مزيدا من التطور والانتشار, فلا يسعني إلاّ أن أتقدم بوافر الشكر إلى المؤسسين والكتاب والمشجعين لها على الاستمرار, كما أرجو أن يكون صدورها عما قريب شهريا بل أسبوعيا, فليست الصحف والمجلات بأولى منها, والله يجزي الجميع خير الجزاء".
نشكر الأخ فؤاد توفيق على هذه الرسالة الأخوية وعلى ما جاء فيها من عواطف طيبة صادقة نحو مجلة الجامعة, ولعلنا نلتقي معه على صفحات هذه المجلة بإنتاج جيد, وقد أحلنا سؤالك إلى فضيلة نائب رئيس الجامعة, وعساك ترى الرد عليه في العدد القادم إن شاء الله.
التحرير
стр. 320
أخلاق الشباب المسلم
للدكتور: محمد تقي الدين الهلالي
المدرس في الجامعة
قال الله تعالى في سورة (الإسراء: ٧٠) : ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ .
قال القاسمي في تفسيره: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ : "أي بالنطق والتمييز والعقل والمعرفة والصورة والتسلط على ما في الأرض والتمتع به, ﴿وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ أي يسّرنا لهم أسباب المعاش والمعاد بالسير في طلبها فيهما وتحصيلها ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ أي فنون المستلذات التي لم يرزقها غيرهم من المخلوقات ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ أي عظيما, فحقّ عليهم أن يشكروا هذه النعم بأن يعبدوا المتفضل بها وحده ويقيموا شرائعه وحدوده" اهـ.
فتفضيل الله للإنسان وتكريمه له بجعله الحاكم المتصرف، وتسخيره له ما في الأرض من حيوان ونبات وجماد يتصرف فيه كيف يشاء، ويسيّره في خدمته، لم يكن بقوة الجسم ولا بخواص الأعضاء، فإن كثيراً من الحيوان كالأسد والنمر والفيل والدب والفرس والبعير أقوى منه بكثير، وللحيوان مزايا في خلقه ليست للإنسان، فمنه ما أعطي مزية السرعة في الجري والسبق كالنعامة والغزال، ومنه ما أعطي من حاسة الشم أو البصر أو السمع ما يفوق الإنسان بكثير، فالمزية الكبرى والنعمة العظمى التي وهبها الله الإنسان وفضّله بها هي العقل والأدب كما قال الشاعر:
ما وهب الله لامرئ هبة
أفضل من عقله ومن أدبه
هما جمال الفتى فإن فُقِدا
ففقده للحياة أجمل به
следующие страницы →