Полный текст (23 804 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
٩- إسماعيل بن أبي خالد البجلي الأحمسي أبو عبد الله الكوفي: من صغار التابعين, ومن الطبقة الثانية, وصفه بالتدليس النسائي وغيره, قال أبو نعيم: "مات ١٤٦هـ".
١٠- إسماعيل بن عياش أبو عتبة العنسي: - بعين مهملة ونون ساكنة - عالم أهل الشام في عصره, مختلف في توثيقه, وحديثه عن الشاميين مقبول عند الأكثر, من الثالثة, أشار ابن معين ثم ابن حبان في ثقاته إلى أنه كان يدلس, توفي سنة ١٨١هـ.
١١ - أشعت بن عبد الملك الحمراني البصري: من الطبقة الثانية, قال معاذ بن معاذ: "سمعت الأشعت يقول: "كل شيء حدثتكم عن الحسن البصري فقد سمعته منه إلاّ ثلاثة أحاديث: حديث زياد الأعلم عن الحسن عن أبي بكرة أنه ركع قبل أن يصل الصف, وحديث حمزة الضبي عن الحسن أن رجلا قال لرسول الله: "متى تحرم علينا الميتة؟ ". وحديث عثمان البتي عن الحسن عن علي في الخلاص. ويعني الخلاص في هذا الحديث: الخلاص في البيع, كما في مصنف ابن أبي شيبة في كتاب البيوع تحت عنوان (الخلاص في البيع) قال ابن أبي شيبة: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن عثمان عن البتي عن الحسن أن عليا كان يحسن في الخلاص, قال ابن الأثير: "الخلاص الرجوع على البايع بالثمن إذا خرجت العين مستحقة", ويؤخذ من تصرف ابن أبي شيبة أنهم كانوا يشرطون الخلاص, وهو أنه إذا خرج البيع مستحقا رجع المشتري على البائع بالثمن مع ما يلحقه من غرم إن كان, والله أعلم.
"توفي الحمراني سنة ١٤٦هـ"قاله ابن سعد.
١٢- أيوب ابن أبي تميمة السختياني: - بفتح السين المهملة وكسرها - أحد الأئمة, متفق على الاحتجاج به, رأى أنسا ولم يسمع منه, فحدث عنه بعدة أحاديث بالعنعنة, أخرجها عنه الدارقطني والحاكم في كتابيهما, وهو في الطبقة الأولى, روى له الجماعة توفي سنة ١٣١هـ.
стр. 247
١٣- أيوب بن النجار: وهو أيوب بن يحي, والنجار لقب له, يمامي من الطبقة الأولى, صح عنه أنه قال: "لم أسمع من يحيي بن أبي كثير إلاّ حديثا واحد", وقد روى عنه أكثر من حديث.
стр. 248
في إفريقية الخضراء
للشيخ محمد بن ناصر العبودي
الأمين العام للجامعة
كتاب جديد - تحت الطبع - لفضيلة الشيخ محمد بن ناصر العبودي يتحدث فيه المؤلف عن مشاهداته وذكرياته, وعن أحوال المسلمين في إفريقية الخضراء, وكنت أودّ أن أنشر في هذا العدد فصلا من هذه المشاهدات والذكريات, ولكن آثرت تأخير ذلك إلى العدد القادم, حيث أقدّم للقراء في هذا العدد الكلمة التي صدّر بها المؤلف كتابه, وذلك لأهميتها في إعطاء القارئ صورة واضحة عن الكتاب والظروف والملابسات التي أحاطت به وجعلته يأخذ طريقه إلى النور.
المحرر
لقد أسّست الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة لكي تستقبل العدد العديد من أبناء المسلمين في شتى أنحاء العالم، فتوفر لهم الدراسة الإسلامية النقية في عاصمة الإسلام الأولى، لكي يعودوا - بعد إتمام دراستهم- إلى بلادهم دعاة للخير ومرشدين إلى الحق، هداة للنور الإسلامي المبين.
وقد درجت الجامعة الإسلامية على أن تخصص كل عام منحا دراسية توزعها على المسلمين في مختلف الأقطار تختص من يستفيدون منها من قبل أن يغادروا بلادهم حتى يعودوا إليها.
وكانت الرئاسة الجامعة الإسلامية تضع في الاعتبار الأول حاجة القطر الذي تخصص له المنحة الدراسية الإسلامية إلى تعليم الإسلامي قبل النظر في حجمه السكاني، أو مساحته القطرية، أو كثرة النسبة العددية للمسلمين فيه، وذلك من باب البداءة بالأهم قبل المهم، والأولى على غيره.
стр. 249
ولكن كانت رئاسة الجامعة تجد شيئاً من الغموض عندما تحاول أن ترسم التقرير الصحيح لبعض البلدان الإسلامية أو البلدان التي يقطنها المسلمون، وذلك بسبب نقص المعلومات، لذلك طرح هذا الموضوع على البحث في مجلس الجامعة في أخريات عام ١٣٨٣هـ الموافق لعام ١٩٦٤م وهو العام الثالث لإنشاء الجامعة، فرأى المجلس إيفاد بعثة تحت رئاسة الأمين العام للجامعة (كاتب هذه السطور) تسافر إلى بعض الأقطار الإفريقية المحتاجة للتعليم الإسلامي، وتطّلع على أحوال المسلمين هناك. ثم تأتي بتقارير وافية عما شاهدته ... وهكذا سارع صاحب الفضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، نائب رئيس الجامعة الإسلامية، إلى العمل على إنجاح المشروع كعادته الجيّدة في المسارعة في فعل الخيرات..
وكان أن رفعت الرئاسة الجامعة الإسلامية الأمر إلى حضرة صاحب الجلالة الملك المعظم فيصل بن عبد العزيز حفظه الله، وذلك للعرض على جلالته وطلب الموافقة فحظي بالموافقة السامية، بل إن جلالته لم يقتصر على ذلك، وإنما أمر أن تصطحب البعثة معها مبالغ من المال تدفع باسم الجامعة في المدينة المنورة إلى المؤسسات والمدارس والهيئات الإسلامية في البلاد التي تزورها البعثة على ألا يعلن عن ذلك - أي عن المبالغ المالية شيء -, وألا ينشر عنه شيء في الصحف في حينه، وأن يكون عمل البعثة مقتصرا على النشاط الإسلامي وألا تقحم نفسها في أيّ نشاط سياسي قد يؤثر على أداء مهمتها الإسلامية الخالصة..
خطة العمل:
تألفت البعثة على النحو التالي:
محمد بن ناصر العبودي، الأمين العام للجامعة، (كاتب هذه السطور) رئيساً.
فضيلة الشيخ عمر محمد فلالي، مدير دار الحديث بالمدينة، والمدرّس بالمسجد النبوي الشريف. عضوا.
أبي بكر جابر بن موسى، المدرس بالجامعة الإسلامية، والواعظ بالمسجد النبوي الشريف. عضوا.
ورسمت رئاسة الجامعة عمل البعثة كما يلي:
стр. 250
١- الاتصال بزعماء المسلمين وعلمائهم في الدول التي تزورها البعثة للاطلاع على أحوال المسلمين وفهم مشاكلهم.
٢- إلقاء محاضرات وكلمات دينية في الأندية والمساجد والجمعيات الإسلامية.
٣- تنظيم جداول إحصائيات للسكان المسلمين في كل قطر ومواضع سكناهم منه، ونسبتهم إلى مجموع سكانه من غير المسلمين.
٤- تقدير الحاجة لكل بلد إلى المساعدات التي يمكن تقديمها سواء من الجامعة الإسلامية، أو من الهيئات الأخرى من المملكة.
٥- بذل المساعدات المالية للجمعيات والهيئات، والأفراد الدعاة من المسلمين، للمساعدة على بناء المساجد أو سير الدراسة في المدارس وتشجيع الدعاة على الدعوة، وذلك في حدود المبالغ المالية التي تحملها البعثة.
٦- توزيع المصاحف والكتب والمطبوعات الإسلامية على من ذكر حسب تقدير البعثة، على أن تعد بذلك بيانات ترسل بواسطة إحدى السفارات السعودية العربية من البلد الذي تصرف له الكتب.
٧- الإطلاع على النشاط الموجود في الدعوة إلى الإسلام بين المواطنين وغيرهم في كل بلد ومعرفة ما إذا كان هناك نشاط معاد للإسلام فيه ومدى فعاليته..
٨- كتابة إيضاحات مفصّلة عن أحوال المسلمين المادية، ومركزهم الاجتماعي في كل بلد تزوره البعثة.
٩- تنظيم الجداول بعناوين، ومراكز الهيئات والشخصيات الإسلامية في كل بلد تزوره البعثة ليسهل الرجوع إليها عند الحاجة.
١٠- تحري الجمعيات والشخصيات الإسلامية التي تستحق المساعدة أكثر من غيرها, إما لاتساع نشاطها، أو إخلاص أفرادها، أو لأنه يرجى أثرها في الدعوة أكثر من غيرها، وذلك ليكون لها الأولية من المساعدات في المستقبل إذا لم يمكن تعميم المساعدة الجميع.
١١- تقدير المنح الدراسية التي يحتاجها كل بلد في الجامعة الإسلامية حسب درجة حاجته للتعليم الإسلامي.
١٢- المساعدة على طبع النشرات والكتيبات الإسلامية في حدود إمكانات البعثة.
стр. 251
١٣- تقدير حاجة المدارس الإسلامية إلى وجود المدرسين السعوديين الذين يدرسون الدين الإسلامي واللغة العربية, والذين قد تتوفر الظروف في المستقبل لابتعاثهم إلى تلك البلاد.
١٤- تقديم اقتراحات عمن تراهم البعثة أهلاً لأن تدعوهم الجامعة الإسلامية لإلقاء محاضرات فيها، أو للتعاون معهم في مجال الثقافة الإسلامية.
١٥- تقديم الاقتراحات بأسماء الشخصيات الإسلامية التي تستضيفها الهيئات والمؤسسات الإسلامية السعودية التي تعنى بشئون المسلمين في الخارج لغرض تقوية الروابط الإسلامية العامة.
ثم زوّدت رئاسة الجامعة الإسلامية البعثة بأكثر من ثلاثة عشر ألف كتاب إسلامي يضاف إلى ذلك مقدار من المصاحف والأجزاء القرآنية الكريمة لتقوم بتوزيعها في تلك البلاد.
وقد شحن الجزء الأكبر منها قبل سفر البعثة من ميناء جدة إلى (مقديشو) عاصمة جمهورية الصومال لكي تقوم البعثة بالتوزيع منها بطريق السفارة السعودية هناك.
وما إن علمت رابطة العلم الإسلامي بقرب سفر البعثة حتى أرسل معالي الأمين العام الشيخ محمد سرور الصبان مبلغاً مالياً طيباًً مساهمة من الرابطة في عمل البعثة وليضاف إلى المبالغ المالية التي تحملها البعثة من الجامعة ويصرف مصرفها.
وهذا وقد غادرنا المملكة العربية السعودية عن طريق جدة الدولي إلى مطار الخرطوم في يوم الثلاثاء السادس والعشرين من شهر ربيع الثاني عام ١٣٨٤هـ الموافق لليوم الرابع من شهر أغسطس عام ١٩٦٤م.
تلك كانت قصة بداية رحلتي الأولى إلى إفريقية، وسوف أستصحبك أيها القارئ الكريم إلى أكثر البلدان والقرى والدساكر التي مررنا بها في تلك الرحلة، عندما نقرأ معاً مذكراتي اليومية، فيما بعد - إن شاء الله -.
وقد استغرق سفرنا مدة ثلاثة أشهر وسبعة عشرة يوما، زُرنا خلالها: السودان، وإرتيريا، والحبشة، والصومال، وكينيا، وأوغندا، وبوروندي، وتنجانيقا، وروديسيا الشمالية (زامبيا) .
стр. 252
الرحلة الثانية:
بعد أن قدمنا من رحلتنا الأولى رفعنا إلى رئاسة الجامعة الإسلامية تقريرنا التي وضعناها عن الرحلة، فسارع فضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى دراسة ما جاء فيها، وكان أهم ما عمله فضيلته أن قدم اقترحاً لسماحة رئيس الجامعة: الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ بأن تكوّن لجنة لدراسة التقارير المذكورة من أعضاء عن الجامعة الإسلامية ودار الإفتاء، ووزارة الخارجية، ووزارة المعارف، ورابطة العالم الإسلامي.
وقد وافق سماحة رئيس الجامعة على الاقتراح المذكور، والتأم شمل اللجنة, وكان من أهم تعداتها اقتراح بأن ترصد الحكومة السعودية مبالغ معينة من المال، وتعتمد وظائف تقدر في البدء بخمسين وظيفة، تخصص لتعيين مدرسين ومرشدين يتعاقد معهم للعمل في أقطار إفريقيا المختلفة، ويوضع لعملهم نظام خاص, ويكون عملهم بعيداً عن التدخل في الأمور السياسية، وإنما يقتصر على العمل في حقل التدريس والإرشاد وتقديم النصح الديني المحض.
وكان أن قام سماحة مفتي الديار السعودية، الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رئيس الجامعة، برفع هذا الأمر إلى جلالة الملك المعظم فيصل بن عبد العزيز - حفظه الله وزاده توفيقا وتأييدا - فوافق جلالته على ذلك..وأصدر أمره السامي إلى وزارة المالية والاقتصاد الوطني برصد المبالغ المطلوبة، وفتح الوظائف اللازمة على أن يتم ذلك كلّه على يدي سماحة المفتي, وأن يكون تنفيذه بوساطة دار الإفتاء, وقد عهد سماحة المفتي - حفظه الله - إلى فضيلة نائبه في الإفتاء الشيخ إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بالقيام على تنفيذه وإخراجه كاملا إلى حيّز الوجود, فصدع فضيلة الشيخ إبراهيم بن محمد بالأمر، وأخذ في الإجراءات السريعة الكفيلة بعدم تأخيره.
стр. 253
وكان من بين ما رآه فضيلته أن يصدر فضيلة المفتي - رئيس الجامعة- أمراً يقضي بتكليفي السفر إلى عدد من الأقطار الإفريقية المحتاجة للتعليم الإسلامي, وذلك للاتصال بالجمعيات الإسلامية، والاتفاق معها على تعيين أماكن المدرّسيين، والمرشدين هناك، ثم إكمال الإجراءات اللازمة لاستقبالهم وتيسير إقامتهم، فوافق سماحته على ذلك، وتقدّم لجلالة الملك فيصل - المعظم- بالتماس إعطائي مبالغ مالية مما أمر جلالته برصده للدعوة في إفريقيا كي أقوم بتوزيعها على الجمعيات والهيئات الإسلامية، وقد وافق جلالته على ذلك وأصدر أمره السامي إلى وزارة المالية بصرف المبالغ المطلوبة, وهي تزيد أضعافاً على المبالغ التي كنّا قد وزّعناها في رحلتنا الأولى..
وقد رأى فضيلة نائب الرئيس الجامعة، الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز أن أقوم بجانب أداء المهمة المذكورة بمهمة أخرى، وهي تقديم المنح الدراسية في الجامعة الإسلامية إلى المسلمين في تلك الأقطار الإفريقية, واختيار الطلبة الذين يستفيدون من المنح المذكورة، وإكمال ترحيلهم إلى المدينة المنورة..وهكذا أصبحت المهمة التي وكل إليّ أمر تنفيذها في هذه الرحلة الثانية ذات ثلاثة شعب:
أ- تعيين أماكن المدرّسيين في أقطار شرقي ووسط أفريقيا الذين تزمع دار الإفتاء إرسالهم إليها.
ب- توزيع الإعانات المالية على الهيئات والمؤسسات والشخصيات الإسلامية هناك.
ج- تقديم المنح الدراسية من الجامعة الإسلامية واختيار الطلاب للمنح المذكورة.
وهذا وقد اخترت لمرافقتي في هذه الرحلة الأستاذ عبد الله بن حمود الباحوث، رئيس المحاسبة بالجامعة الإسلامية، وذلك لخبرته في شئون المالية والحسابية التي أحتاجها في ضبط أوراق المبالغ المالية التي أحملها؛ ولأنه لا بد لي من مرافق في تلك الرحلة الطويلة، رأيت منه خير من يصلح في ذلك.
стр. 254
وهكذا غادرنا المدينة المنورة يوم السبت ٥ جمادى الأولى ١٣٨٦هـ الموافق ٢١ أغسطس عام ١٩٦٦م.
ترتيب الكتاب:
إنّ محتويات هذا الكتاب عبارة عن مشاهدات وانطباعات في مذكرات يومية كما قدمت، لذلك أبقيتها كما كتبتها، ولم أضف إليها أيّ شيء لما يمكن إضافته من المصادر المكتوبة التي تحدثت عن تلك البلاد، لأنها معروفة للباحثين، وليس لمن يريد الإطلاع عليها. وليس من اللائق أن يأخذ المرء ما ذكره غيره وينسبه إلى نفسه, ولم أحذف من مذكراتي إلا ما كان منها شخصيا محضاً، أو متصلا بالحديث عن بعض الشخصيات الإسلامية والمقابلات التي تمت مع المسئولين المسلمين مما لا يحسن نشره، أو لا فائدة من ذكره.
وقد رتبت يوميات الرحلة الأولى لكل بلد على حدة، ثم أتبعتها بيوميات الرحلة الثانية أو الثالثة إليه إن وجدت ثم أتبعت ذلك بالحديث عن الأوضاع الإسلامية فيه حسبما توصلت إليه بنفسي مع زملائي ذلك ليسهل الرجوع إليه لمن أراد ذلك، إلاّ أنني لم أترك اليوميات على التسلسل التاريخي لها..
لقد بلغ عدد الجهات والمؤسسات والهيئات والمدارس الإسلامية التي صرفنا لها إعانات مالية أكثر من (٣٢٠) مؤسسة، كما أننا قدّمنا منحاً دراسية في الجامعة الإسلامية لجميع البلدان التي زرناها، وقد وصل أكثر الطلبة من تلك البلدان وهم الآن يواصلون دراستهم في الجامعة الإسلامية.
كما أرسلت دار الإفتاء أو لا تزال ترسل جماعات من المدرسين والمرشدين إلى الأقطار الإفريقية المختلفة، وهم الآن يؤدّون الأعمال المنوطة بهم في حقل الإرشاد والتعليم والتوجيه الإسلامي على خير وجه والحمد لله.
وبعد: فإنّ ما ورد في هذا الكتاب ليس تقريراً عمّا تمّ إنجازه في تينك الرحلتين الرسمية، ولكنه حديث الرحلة ذاتها، أو هو الحديث على هامش المهمة الرسمية وليس عن المهمة نفسها.
стр. 255
وفي الختام فإن الواجب يقتضي أن أقدّم وافر الشكر وجزيل الامتنان لحضرة صاحب الفضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، نائب رئيس الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، والذي كانت مساعيه السبب الأول في الإسراع بإنجاز الرحلتين المذكورتين.
كما أقدم شكري لفضيلة نائب المفتي لشئون الإفتاء الشيخ إبراهيم بن محمد بن إبراهيم، على ما بذله من جهود صادقة في سبيل تمام الرحلة الثانية.
أما سماحة مفتي الديار السعودية ورئيس الجامعة الإسلامية الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، فهو صاحب الفضل بعد الله، في كل ما تم في هذا الشأن مما اقتضاني إهداء هذا الكتاب لسماحته قياماً بواجب الشكر وعرفاناً الجميل.
ولا يمكن أن أنسى تقديم الشكر لإخواني وزملائي في الجامعة الإسلامية سواء منهم من رافقني في السفر، أو قام بعملي خلال غيابي عن الجامعة، وأخص منهم المشايخ:
الشيخ عمر محمد الفلالي، والشيخ أبا بكر جابر موسى، والأستاذ عبد الله بن حمود الباحوث, الذين كانوا من خير الرفقة لي في السفر، والذين آسوني بالاشتراك معي في تحمّل المتاعب التي صادفتني خلاله.
والله- وحده- المسؤول أن ينصر دينه، ويعلي كلمته، ويوفق المسلمين قادة وشعوبا إلى العمل بما يجمع كلمتهم، ويلم شعثهم، على هدي من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ حتى يعود للإسلام نضارته وللمسلمين عزتهم وكرامتهم إنه سميع قريب مجيب الدعوات.
стр. 256
دروس من التاريخ
للشيخ أبي عمر المدرس في الجامعة
كانت سنة عشر ومائة من أيمن السنين التي عرفتها الأندلس, فيها تولى الإمارة على هذا الفردوس الكريم, القائد التابعي العظيم عبد الرحمن الغافقي, الذي جعل نصب عينيه تدويخ فرنسة, واجتيازها إلى إيطالية فألمانية فالقسطنطينية, كيما يدخل هذه البلاد جميعا في دين تستضيء بنوره وتهتدي بهداه..
ولبث الأمير المحنّك سنتين بعد ولايته يعد العدة للغاية الكبرى التي وهبها حياته, وأول ما اهتم به من الإعداد لها هو تقوية البلاد داخليا, إذ كيف يستطيع بلد تعوزه الوحدة والتلاحم, والالتفاف حول قيادته, والاطمئنان إليها, أن ينهض بمثل المهمة الجبارة التي وقف الغافقي حياته عليها؟؟! , لقد طاف بنفسه أرجاء البلاد, وتعرف مواطن الضعف في مجتمعه فقواها, وتقرأ مكامن الفساد في كيان دولته فاستأصلها, فكم من وال حاد عن الجادة, وتنكب طريق الواجب, قد عزله واستبدال به آخر يتقى الله في إمارته, ويعتقد أنها خدمة لهذا الإسلام, وغناء في سبيل هذه الأمة المسلمة؟!
وتسامعت الأقطار الإسلامية أخبار هذا الأمير, وأدركت ما ينويه من حمل (الهداية المسلحة) إلى البقية الباقية من العالم المعروف, إذ ذاك التي كانت تحتويه ظلمات مطبقة من الجهالة والتيه والضلال, وانثال عليه هواة الموت في سبيل الله من جزيرة العرب والشام والمغرب, حتى اجتمع له أحمس جيش دفعت به الأندلس في بلاد الغال (فرنسة) عبر تاريخها الإسلامي كله.
стр. 257
وما أن تم استعداد عبد الرحمن حتى كانت جحافله تتدفق من على سفوح البيرنية, وتنداح في جنوب فرنسة, كأنها السيول الجارفة, أو الأعاصير العاتية, لا تواجهها قوة إلاّ مزققتها, ولا ينهض لقتالها ناهض إلاّ سحقته, وها أن (أود) كبير حكام جنوب فرنسة يجمع كل قواه وينقض بها على المسلمين في وادي (دور دفاون) محاولا صد زحفهم, غير أن قواه التي جمعها لا تلبث أن تلاقي مصيرها المحتوم, وهو الفرار عن قتلاها الذين بلغ عددهم مبلغا جعل أحد المؤرخين يقول: "إن الله وحده يقدر على أن يحصيهم".
ويتجه (أود) وغيره من الملوك والأمراء الذين فل حدهم الغافقي نحو شارل مارتل أكبر ملوك الإفرنج في عصره ويسألونه -على رغم ما بينهم جميعا من منافسات وخلافات- العمل المشترك على وقف هذا الإعصار الذي هب على بلادهم, فاحتاجها أيما اجتياح.. ويستجيب شارل مارتل, وما كان له إلا يستجيب لنداء هؤلاء, ويستصرخ المقاتلة من كل صوب وحدب باسم حماية الدين, وصيانة الأرض, والحفاظ على الحياة المهددة.. وتجتمع له جيوش كثيفة لا عهد له بمثلها.. وفي الوقت نفسه يردد على مسامع قومه كلمات تدل على الحنكة وبعد النظر, كان كثيرا ما يقول لهم: "الرأي عندي ألا تعترضوا العرب في خرجتهم هذه, فإنهم كالسيل يحمل من يصادفه, وهم في إقبال أمرهم, ولهم نيات تغني عن كثرة العدد, وقلوب تغني عن حصانة الدروع, ولكن أمهلوهم حتى تمتلئ أيديهم من الغنائم ويتخذوا المساكن, ويتنافسوا في الرئاسة, ويستعين بعضهم على بعض, فحينئذ تتمكنون منهم بأيسر أمر".
стр. 258
وفي هذه الأثناء كان المسلمون قد أوغلوا في البلاد حتى بلغوا مدينة (تور) وهناك وافتهم الأنباء الإفرنجية, ولكن أنى لهذه الجيوش أن ترهبهم, وقد ألفوا النصر عليها, واعتادوا قهرها بالغة ما بلغت من العدة والعديد؟!! فها أنهم يهاجمون مدينة (تور) ويفتحونها برأي ومسمع من مارتل وجنوده -كما يقول أحد المؤرخين العرب- ويستولون على ما فيها, ويضيفونها إلى ما كانوا يحملون من الغنائم الكثيرة والثقيلة.
وهنا يقف القائد الكبير عبد الرحمن الغافقي ويفكر في ظروف المعركة المقبلة التي لابد ناشبة بينه وبين عدوه المتربص, فيرى بثاقب بصره, وموفور خبرته العسكرية, أن هذه الغنائم الثقال ربما أضاعت على المسلمين الذين يلهون بها, ويحرصون عليها معركة من أعظم معارك الفاصلة في التاريخ, وما كان ليغيب على ذهنه الذي تمرس بالحروب, وعرف أصولها, أن النصر في معارك الحياة الفاصلة واللهو بالغنائم لا يجتمعان البتة, وأمامه التاريخ العسكري الإسلامي كله يشهد لهذه الحقيقة التي كانت تقلقه وتزعجه, ولكن ماذا يفعل؟! أيأمر جنده بتركها وهو يرى شدة حرصهم عليها ومبلغ افتتانهم بها؟! إنه يخشى أن يأمرهم فلا يطيبوا عن تركها نفسا, وربما سبب ذلك ظهور أوضاع في الجيش ما كان الوقت يتسع لمعالجتها, وهنا يغض الغافقي في كثير من الألم والتسليم نظره عن أمرهم بتركها [١] ويبقى على ثقته بشجاعتهم.
معركة بلاط الشهداء
стр. 259
وها هما الجيشان يرابط أحدهما تجاه الآخر ثمانية أيام من شهر تشرين الأول سنة ٧٣٢م وقد أدرك كل منهما خطر المعركة, وقرر أن يرخص المهج في سبيل النصر على عدوه, ويبدأ المسلمون بإنشاب القتال, وتكون حرب قاسية طاحنة, وقد حاول المسلمون خرق صفوف الفرنجة ولكن دون جدوى, ويستمر القتال طول النهار حتى يحجز الظلام بين الفريقين, وفي اليوم التالي يتجدد القتال أعنف مما كان في يومه الأول, ويحمل العرب على أعدائهم حملات مستبسلة.. وهنا تلمع فكرة في رأس قادة الفرنجة مستوحاة من الكلمات التي كان يقولها لهم شارل مارتل, والتي ذكرناها آنفا, وهي مهاجمة غنائم المسلمين, ويسرحون فرقة بقيادة (أود) الذي سبق أن هزمه المسلمون حين لم تكن لديهم غنائم كثيرة يحرصون عليها.. وما إن رأى المسلمون غارة الفرنج على مخيمهم حتى طارت قلوبهم هلعا على الغنائم, وخوفا على المكاسب المادية الشخصية, وكم لهذه المكاسب من جنايات في حياتنا الخاصة والعامة في القديم والحديث!! ثم تركوا المصاف وانكفؤوا إلى المخيم ليحولوا دون استلاب الفرنجة ما فيه من المال والمتاع!! ويحاول عبد الرحمن ﵁ رد المنكفئين, ولكن هيهات.. وفي هذه الأثناء يصيبه سهم من قبل الأعداء فيخر صريعا, ويسلم الروح إلى بارئها, بعد أن جاهد في سبيله حق الجهاد, ويدخل الاضطراب صفوف المسلمين وتضعف مقاومتهم أمام الفرنجة الذين لم يكن لديهم لحسن حظهم ولسوء حظنا غنائم يحرصون عليها!! ويخيم الظلام ويحول للمرة الثانية دون الاقتتال.. وتحت جنح الظلام ينسحب العرب وينحازون قاصدين معاقلهم في جبال البيرنية, وقد بلغ من سرعة انسحابهم أنهم تركوا خيامهم منصوبة, وغنائمهم التي جرت عليهم على أمتهم هذا المصير المؤسف مطروحة على الأرض.. وبعد هزيمة المنكرة يضري بهم العدو, ويشرئب إلى غزو بلادهم, ثم لا يلبث خلفاء شارل مارتل أن يجوسوا خلال الديار, ويدخلوا بعضهم في مملكاتهم, وهكذا تظهر سنة الله
стр. 260
تعالى في أن النصر في هذه الدنيا- هو- لمن استعلى عليها, وهونها على نفسه, ورحم الله خالدا إذ يقول: "أطلب الموت توهب لك الحياة", الحياة بمغانمها وأطايبيها جميعا!!
ويبدو للمسلمين في تاريخهم كله لم يغلوا من قلة, وإنما غلبوا نتيجة تعلقهم لما تهوى الأنفس من مال أو جاه أو متاع.. وها أن التاريخ يطالعنا بدليل آخر على هذه الحقيقة يسوقه لنا في شكل فاجعة لا تقل هَوْلاً عن فاجعة بلاط الشهداء إن في معناها أو في أثارها.. يقول التاريخ إن الدولة العثمانية كانت حتى القرن الثامن عشر دولة ذات شأن كبير, وكانت جارتها روسيا حتى عهد بطرس الأكبر (١٦٨٢-١٧٢٥) دولة همجية متأخرة, لا شأن لها إزاء الدولة العثمانية, ولكن ملكها أو قيصرها بطرس الأكبر الذي يعتبر موطد أركان القيصرية الروسية ومرسي دعائمها الحقيقي, قد قفز بها قفزات هائلة, ورسم لها سياسة خارجية بارعة تهدف إلى إضعاف جاراتها القويات إذ ذاك: السويد, وبولونيا, والدولة العثمانية, والتوسع على حسابهن جميعا, وكنتيجة لهذه السياسة, وبتحريض من شارل الثاني عشر ملك السويد الذي هزمه بطرس الأكبر فالتجأ إلى مدينة (بندر) العثمانية المسلمة, نشبت حرب مصيرية بين روسية ودولة بني عثمان, وقد استطاعت الجحافل العثمانية المسلمة البالغ عددها مائتي ألف بقيادة الوزير (بلطه جي محمد باشا) أن تحاصر الجيوش الروسية وعلى رأسها القيصر بطرس الأكبر وزوجته الداهية الجميلة الفتانة الإمبراطورة كاتريه الأولى التي كانت لا تفتأ ترافقه في الحروب, ولم يبق إلاّ أن تستسلم هذه الجيوش للعثمانيين ويقاد قيصرها وزوجته الإمبراطورة كاتريه إلى الأستانة, أسيرين صاغرين, وبذلك تزول روسية البطرسية كليا من العالم السياسي لتدخل ضمن حدود الدولة العثمانية المسلمة أو على الأقل تتأخر نهضتها, وتقيم على هجماتها أجيال عديدة!.
стр. 261
وفي هذه اللحظات كان التاريخ الإسلامي بل التاريخ العام يمسك قلبه بيده, ويكاد يكتم أنفاسه ليصغى إلى ما يمليه عليه الوزير القائد (بلطه جي باشا) ... أجل في هذه اللحظات تتقدم الإمبراطورة كاتريه الأولى من هذا الوزير وتلقي بين يديه بجميع ما كان لديها من حلي وجواهر, وربما ألقت بين يديه بشيء آخر مما يتيح لها أن تغلبه على قلبه وأخلاقه فيخون دولته المسلمة ويفوت عليها معركة من معارك التاريخ الفاصلة, ويصدر أمره بفك الحصار عن القيصر والإمبراطورة وجيشهما.. ومن هنا ومن هذا اليوم يبدأ ميزان القوي بين الدولتين بالتغيير لصالح روسية التي انطلقت في طريق التقدم والقوة بينما استمرت الدولة العثمانية في تأخرها وضعفها حتى لاقت الألاقي على يد روسية فيما بعد, وما تزال تركية الحالية تتوجس خيفة من أطماعها وبرامجها التوسعية ... وكذلك بدأ من قبل ميزان القوي بالتغير بين الأندلس وبلاد الفرنجة بعد معركة بلاط الشهداء التي خسرناها بسبب الحرص (الغنائم) , فجعلت الأولى تضعف وتتأخر, والثانية تقوى وتتقدم, حتى انتهت الأمور وعلى المدى الطويل بمأساة خروج العرب من الأندلس, وضياع ذلك الفردوس الإسلامي العظيم..
ويطالعنا التاريخ - وهو مصدر لا ينضب للمعرفة الاجتماعية والسياسية – بخبر آخر من المشرق من بلاد سجستان, يلتقي على حقيقة واحدة مع ما عرفناه من أخبار بلاط الشهداء, وأخبار (بلطه جي محمد باشا) في محاربة الروس, وهذه الحقيقة هي أن النصر مازال يحالف هذه الأمة ما تحررت من سلطان الدنيا بما فيها من متاع زائل, ومغنم شخصي عابر حائل, حتى إذا عبدت نفوسها للدنيا, وملكت ضمائرها لمنافعها الشخصية ذهبت ريحها, وانتزعت مهابتها من نفوس أعدائها, الذين استبدلوا بالخوف منها الجرأة عليها.
стр. 262
يروي البلاذري في فتوحه أن (رتبيل) ملك سجستان الذي خضع للفاتحين الأوائل المترفعين عن الدنيا ومغانمها, وأعطاهم الجزية عن يد صاغر, وعاد فالْتَوَى على الولاة والقواد الذين فتحوا للدنيا صدورا, وتعلقوا بالمغانم والمكاسب المادية.. فمنعهم الإتاوة وقال: "ما فعل قوم كانوا يأتوننا خماص البطون, سود الوجوه من الصلاة, نعالهم الخوص؟ قالوا: أولئك انقرضوا قال: أولئك أوفى منكم عهدا, وأشد بأسا, وإن كنتم أحسن منهم وجوها".
ثم أقام على منع الإتاوة فلم يعطها من عمال بني أمية أو عمال أبي مسلم!!
وأنا لا أريد بشيء مما قلته الإعراض عن الدنيا والانصراف عن إعمارها, كيف والدنيا - عندنا نحن المسلمين - مزرعة الآخرة, وقد جاء في الأثر: "اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا", وفوق ذلك كله قول الله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ , وقول رسوله ﷺ : "نعم المال الصالح للرجل الصالح", وإنما أريد أن تناولنا للدنيا يجب أن يكون في حدود "مصلحة الإسلام" فهي المعيار الأول والأخير لإقبالنا على ما نقبل عليه, وإعراضنا عما نعرض عنه من أمورها, وهي المقياس الوحيد الذي يجب ألا نحيد عنه في تحديد علاقاتنا بشؤون الحياة جميعاً.
وعندي أنه لا بأس على المسلم أن يملك ما استطاع من هذه الدنيا شريطة أن يرعى تعاليم الدين ومصلحته في كسب ما يملكه, وفي ادخاره, وفي إنفاقه.. وأما خالف عن ذلك فإن دنياه تصبح مصدر ضرر يلم بالحياة الإسلامية شعر أو لم يشعر, أقر أو لم يقر..
стр. 263
وإن من واجب القادة قبل سواهم أن يأخذوا أنفسهم بالتزام المقياس المذكور لأنهم القدوة لمن سواهم, ولعل حقوق القادة في متع الحياة بالخوف من سوء اقتداء الدهماء. ألم يتجاف عمر ﵁ عن الكثير من حقوقه خيفة أن يتمادى الآخرون في التمتع بحقوقهم ظنا منهم أنهم يقتدون به, فيجاوزها إلى ما ليس لهم بحق, وربما كان إلى ذلك يشير بقوله: "لو رتعت لرتعوا"..
على أن القيادة في الإسلام - كما أفهمها - هي مثل صالح يحقق فيقتدى به, وجهاد متصل يكابد, وحرمان دنيوي يعاني, وهي إذا فهمت وطبقت على هذا النحو كانت خدمة للإسلام والمسلمين, إذا فهمت وطبقت على نحو معاكس كانت استخداما للإسلام والمسلمين.
لا شك أن انكباب المسلم مسؤولا كان أو غير مسؤول على تحصيل المنافع والمغانم الشخصية دون تقيد بمقاييس الإسلام قد ينيله الكثير منها, ولكن إذا حاسبناه أو حاسب هو نفسه لألفى أن تحصيل هذه المنافع والمغانم إنما كان على حساب مصالح الإسلام والمسلمين, وأية قيمة تبقى لها بعد ذلك عند الله أو في مجتمع المؤمنين, بل أية قيمة كانت لغنائم المسلمين في بلاط الشهداء, ثم للحلي والجواهر التي أحرزها) بلطه جي محمد باشا) أو لأية غنائم ومنافع مماثلة حين ينطوي اكتسابها على تناسي المصالح الإسلامية أو إهمالها أو استغلالها؟!.
إن الدروس القيمة التي يعلمنا التاريخ إياها - ولنعم المعلم التاريخ - صريحة في أن هذه المنافع والمغانم إن هي إلا معاول تهدم الكيان, وتأتي على مجد الإسلام, وتسلم وجودنا كله للضعف والهوان, وتجعلنا أشبه شيء بقصعة يتداعى إليها الأكلة, وليس ذلك من قلة ولكنه من تركنا مقاييسنا الإسلامية, واستسلام نفوسنا في معترك الأهواء وإيثار الدنيا على الدين, والعاجلة على الآجلة.
стр. 264
وأنا لو سئلت عن أكبر جان على نفسه, وعلى الناس معا, لقلت بلا تردد: إنه الذي يشتري دنياه بدينه, ولو اعتبر نفسه من الرايحين أو من الدهاة العبقريين!!
فاللهم إنا نعوذ بك من شرور أنفسنا, ونسألك الهداية لأحسن الأعمال والأقوال, فإنه لا يهدي لأحسنها إلاّ أنت.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] وليته لم يفعل.
стр. 265
عود على بدء
للشيخ عبد العزيز بن ناصر الباز
"بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء " حديث شريف قاله من أوتي جوامع الكلم محمد رسول الله ﷺ ...
أيها المسلم في كل مكان منذ زمن طويل, ومصداق هذا الحديث العظيم لا يزال يظهر بين الناس.
فالداعية إلى الإسلام في هذا يقاسي من الآلام والمتاعب ما الله به عليم؛ لأنه أصبح غريبا في مجتمعه الذي يعيش فيه, وذلك لغرابة ما جاء به عندهم, فما أشبه اليوم بالبارحة, فلا غرابة إذا قيل مثل هذا القول, فلقد غدا رسول الله ﷺ وصحابته الكرام غرباء يوم بدأوا الدعوة بين أهل مكة, لأنه ﷺ جاء بدين يخالف ما هم عليه من الوثنية والهمجية, فمن ينتسب إلى الإسلام أو يدعوا إليه في هذه الأيام بعد غريبا, ومن المؤسف حقا أن الكثير من المسلمين في أغلب بلاد الإسلام يعيش عيشة رمزية خالية من المعاني الروحية التي جاء بها الإسلام, ومن المؤسف أيضا أنك حينما تجتمع بأحد شبابنا المثقف الذي تحصل على شهادات عالية في بعض العلوم من جامعات الغرب, وتبحث معه في محاسن الإسلام وعظمته ونظامه وما انطوى عليه من كنوز ومعان هي كفيلة بحل المشاكل, تجده يحاول أن يجرك إلى تعاليم الغرب ونظمه التي طالما ارتسمت في مخيلته مدة دراسته في تلك الجامعات ولم يدر أن تلك النظم والقوانين وضعت للحيلولة دون الوصول إلى ما فيه سعادة البشرية دنيا وأخرى, فإذا كانت هذه فكرة شبابنا الذي نعتز به في كثير من مجالاتنا الحيوية, فما بالك بمن دونهم! ولا يعني هذا حرمان الشباب من الاستفادة في شتى العلوم النافعة, وفي أكثر الفنون وإنما ذلك مرهون بالحفاظ على تراثنا العظيم ودستورنا النير, وغير خاف على كل ذي لب أن الغرب قد دأب من سنين متطاولة على العمل للحيلولة بين المسلمين ودينهم الحق لعملهم أن تمسكهم به والعمل
стр. 266
بمقتضاه يفتت جهودهم, ويقضي على أحقادهم المسعورة.. فمن أجل ذلك ضاعفوا الجهود, وجندوا القوى, وهيأوا الوسائل الكفيلة بنجاح مهمتهم, حتى استطاعوا بهذه الجهود المتواصلة والسهر الدائب أن يحولوا أبناء المسلمين عن تراثهم الخالد, ويشلوا من حركتهم ويخمدوا تلك الطاقات الكامنة في أذهانهم, ومن العجب أيضا أنك تجد جميع الأديان غير دين الإسلام لها مبشرون ومنافحون بها يبشرون بها وينشرونها بجد ونشاط وهذا كله بغية ظهورها وانتشارها, مع العلم أن تلك الأديان والنحل ليس لها من الخلود والبقاء بعض ما للإسلام, أما الإسلام الذي هو الجدير بالعناية الكبرى فالمبشر به والداعي إليه قليل وأقل من القليل, وهناك بعض من ينتسب إلى الإسلام في كثير من البلاد الإسلامية إنما ينتسب إليه بالتبعية, أما تمثيله في نفسه وأخلاقه وعاداته وحياته الاجتماعية ففي جانب وهو في جانب آخر.
ولقد امتحن المسلمون عدة امتحانات وأصيبوا بعدة إصابات وأقربها تلك المحنة الكبرى التي مني بها المسلمون في القدس التي لا يزال جرحها يقطر دماً, وما من مسلم في جميع بقاع العالم يغار على الإسلام ومقدساته إلاّ وقلبه منها يتأجج نارا, وقد بات من الواضح لدى كل عاقل وكل منصف أن سبب توالي المحن وتتابعها على المسلمين وعلى مقدساتهم هو تخلي أكثر المسلمين عن تعاليم دينهم, فلو أنصف أولئك من أنفسهم وأدانوها, وفتحوا صفحة جديدة وغيروا من اتجاهاتهم التي لا تتفق ودينهم السماوي, لتيسر لهم كل خير ولانتصروا على عدوهم في كل ميدان.
стр. 267
مكتبات المدينة ومخطوطاتها
للشيخ محمود ميرة المدرس في الجامعة
وعدت في المقالة الأولى أن أذكر ما يتعلق بالمجموعة الأولى من مخطوطة الرسائل العظيمة للإمام البيهقي, ولكني أن أتابع الحديث حول كتاب أخر مخطوط, لم يطبع لهذا الإمام العظيم وهو كتاب (الزهد) وسأوافي القراء بما وعدت بعد استيفاء وصف الجزء الموجود في المكتبة المحمودية من كتاب (دلائل النبوة) للإمام البيهقي إن شاء الله.
المخطوطة الثانية من مخطوطات البيهقي ...
كتاب الزهد للإمام أحمد بن الحسين البيهقي ...
والكتاب رقمه ١٤٢ حديث, مكتبة عارف حكمت, وعدد أوراقه ثماني عشرة ومائة ورقة- ١١٨ ورقة ومسطرته ٢٢×١٦ في كل صفحة تسعة عشر سطرا (١٩) وفي كل سطر ١٥-١٦ كلمة, والكتاب خمسة أجزاء في مجلد واحد.
الجزء الأول يبدأ من١ وينتهي بالورقة ٢٧.
الجزء الثاني يبدأ من٢٩ وينتهي بالورقة ٥٧.
الجزء الثالث يبدأ من٦٠ وينتهي بالورقة ٨٤.
الجزء الرابع يبدأ من٨٦ وينتهي بالورقة ١٠٣.
الجزء الخامس يبدأ من١٠٥ وينتهي بالورقة ١١٨.
والنسخة سليمة وصحيحة ومقابلة عليها سماعات وتوقيعات وبلاغات ومقابلات وهي مقروءة على عدد كبير من الحفاظ المتقنين وعليها توقيعاتهم وهي منقولة من أصل صحيح ...
والتوقيعات المثبتة آخر كل جزء كثيرة تجتزئ منها ما يلي:
١- سماع موقع باسم عبد الحسن بن حمود بن المحسن بن علي التنوحي الحلبي سنة ٦٢٩.
٢- سماع موقع باسم إبراهيم بن عمر بن عبد العزيز بن الحسن القرشي ٦٢٩.
٣- سماع موقع باسم علي بن محمود بن أحمد المحمودي الصابوني ٦٦٧.
٤- سماع موقع باسم محمد بن أحمد بن محمد بن بن النجيب الشافعي ٦٨٧.
٥- سماع موقع باسم أحمد بن يعقوب بن أحمد بن يعقوب بن المقري ٦٩٨.
وعلى الغلاف كتب ما يلي: الزهد الكبير
стр. 268
الجزء الأول من كتاب الزهد الكبير تأليف الإمام العالم الحافظ ناصر السنة صلة الحافظ محدث خراسان أبي بكر أحمد بن الحسين بن علي بن موسى البيهقي رحمه الله تعالى, وعفا عنه..
رواية الشيخ الإمام أبي القاسم زاهر بن طاهر بن محمد بن محمد الشحامي النيسابوري عنه رواية الإمام الحافظ أبي القاسم علي بن الحسن بن هبة الله الشافعي عنه..
أخبرنا به عنه المشايخ الأمناء أبو البركات الحسن بن محمد الحسن بن هبة الله والقاضي وأبو نصر محمد هبة الله بن محمد بن الشيرازي وفخر الدين أبو بكر محمد بن عبد الله بن عبد الوهاب وسيف الدولة أبو عبد الله محمد بن غسان بن غافل بن نجار الأنصاريان وفقهم الله ورضي والديهم سماع منهم لمحمد بن علي ابن محمود بن أحمد المحمودي الصابوني عفا الله عنه, آمين.
وتحت عنوان الكتاب سماعات متصلة بعدد من الحفاظ وختم أحد هذه السماعات بقوله:
وذلك في مجلسين آخرهما يوم الثلاثاء خامس عشر من ربيع الآخر سنة ثلاث وعشرين وستمائة ثم كتب ما يلي:
في نسخة شيخنا ابن الشيرازي بهذا الجزء ما صورته بخط أبي البقاء خالد بن يوسف النابلسي قال: قرأت جميع هذا الجزء وهو الأول من كتاب الزهد تأليف الإمام أبي بكر البيهقي ﵀ على سيدنا القاضي الإمام العالم الأوحد الصدر الكبير شمس الدين أوحد الشام جمال الإسلام أبي نصر محمد هبة الله بن محمد بن جميل الشيرازي الشافعي أعلا الله قدره بسماعه من الحافظ أبي القاسم علي بن الحسين الشافعي ﵀ لسنده أوله ...
وإسماعيل بن حاتم المصري وجماعة بفوات لا أعرف أسماءهم وذلك في مجلسين آخرهما يوم الجمعة خامس عشر ذي القعدة سنة إحدى وعشرين وستمائة بجامع دمشق وكتب خالد بن يوسف ابن سعد بن الحسن النابلسي عفا الله عنه ونقله من خطه على الوجه يوسف بن الحسن بن بدر بن الحسين النابلسي والحمد لله رب العالمين ...
ثم يتلوه سماع آخر ...
стр. 269
وإليك الصفحة الأولى من النسخة ...
بسم الله الرحمن الرحيم رب أعن بفضلك
أخبرنا المشايخ زين الأمناء أبو البركات الحسن بن محمد بن الحسن بن هبة الله الشافعي وفخر الدين أبو بكر محمد بن عبد الوهاب بن عبد الله الشافعي الأنصاري وسيف الدولة أبو عبد الله محمد بن غسان بن غافل بن نجاد الحنفي الأنصاري وفقهم الله قراءة عليهم وأنا أسمع في شهور سنة ثلاث وعشرين وستمائة بجامع دمشق قالوا أنبأنا الإمام الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله الشافعي في شهور سنة خمس وستين وخمسمائة قال أنبأنا أبو القاسم زاهر بن طاهر بن محمد السحامي النيسابوري بقراءتي عليه بها قال أنبأنا الشيخ الإمام الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي بن موسى البيهقي قراءة عليه وأنا أسمع بنيسابور..
قال: الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله محمد وآله أجمعين.. أما بعد..
فقد ذكرت في كتاب (الجامع) في (باب الزهد) بعض ما حضرني من الأخبار والآثار في الزهد وقصر الأمل وذكرت في كتاب (دلائل النبوة) وغيره كيف كان عيش النبي ﷺ في الدنيا ووجدت أقاويل السلف والخلف ﵃ في فضيلة الزهد وكيفيته في قصر الأمل والمبادرة بالعمل كثيرة فذكرت في هذه الأجزاء ما حضرني من ذلك مستعيناً بالله فيه وفي جميع أموري فنعم المولى ونعم النصير..
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرني علي بن عبد الله الحكمي ببغداد حدثنا عبد الله بن سلمة قال: حدثنا عبد الله بن المبارك عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند ح وأخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ أنبأنا أحمد بن جعفر القطيعي حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي حدثنا وكيع حدثنا عبد الله بن سعيد بن أبي هند عن أبيه عن ابن عباس ﵄ يقول: سمعت جدي يقول:
стр. 270
الزهد: أن لا يسكن قلبك إلى موجود من الدنيا ولا يرغب في مفقود منها ثم تلا قول الله : ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي اْلأَرْض..ِ﴾ الآية.
أخبرنا أبو عبد اله الحافظ أخبرني علي بن عبد الله الحكمي ببغداد حدثنا العباس بن محمد الدوري حدثنا يربح بن النعمان حدثنا هيثم عن أبي الشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس الخبر كالمعاينة, إن الله خبر موسى بما صنع قومه في العجل فلم يلق الألواح فلما عاين ما صنعوا ألقى الألواح".
آخر كتاب الزهد الكبير, والحمد لله وحده وصلواته على خير خلقه محمد النبي وآله وصحبه. اتفق الفراغ منه يوم الإثنين خامس عشر ربيع الأول من سنة ست وعشرين وستمائة بدمشق.
على أصله ما صورته.
رأيت في نسخة الإمام أبي سعد السمعاني الذي نسخ منها هذه النسخة وهو كتاب الزهد في خمسة أجزاء من هذه النسخة ما صورته هذه:
قرأ كتاب الزهد الكبير الإمام الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله الدمشقي علي أبي القاسم الشخامي وسمع حفدته.
وعلى آخر النسخة توقيعات وسماعات تثبت أن النسخة انتقلت إلى مصر وقرئت في القاهرة على عدد من الحفاظ.
والنسخة تامة وكتابتها واضحة وأكثر كلماتها مضبوطة ضبطاً تاماً وعلى هامش بعض الصفحات تصحيح لبعض الكلمات وذكر لاختلاف النسخ وخطها متناسق وهي بقلم واحد من بدئها حتى نهايتها.
ولعل الله يهيّئ من يخرجها إلى النور فيحوز الفضل والفضيلة في الدارين ... وسأتابع في الأعداد القادمة إن شاء الله الكلام حول مؤلف آخر لم يطبع لهذا الإمام العظيم وسأفي بما وعدت به عند الانتهاء من وصف المخطوطة الثالثة من ذكر ما طبع من المخطوطة الأولى وما لم يطبع وما هو جدير بالطبع، ونسأل الله العون والتوفيق.
стр. 271
نظام الجامعة الإسلامية
مادة (١)
الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة مؤسسة إسلامية عالمية من حيث الغاية وعربية سعودية من حيث التبعية ذات شخصية اعتبارية مستقلة.
مادة (٢)
أهداف الجامعة الإسلامية تثقيف من يلتحق بها من طلاب العلم من المسلمين من شتى الأنحاء, وتكوين فقهاء في الدين متزودين من العلوم بما يؤهلهم لحل ما يعرض للمسلمين من مشكلات في شؤون دينهم ودنياهم على هدى الكتاب والسنة وعمل السلف الصالح.
مادة (٣)
تضم الجامعة كلية الشريعة وكلية الدعوة وأصول الدين وغير ذلك من الكليات والمعاهد التي تنشأ أو تضم في المستقبل.
مادة (٤)
تعتمد الجامعة في ماليتها لأداء مهمتها وتحقيق أهدافها على ما تخصصه لها الدولة في ميزانيتها العامة.
مادة (٥)
يجوز للجامعة قبول التبرعات التي ترد إليها عن طريق الوقف والوصايا والهبات وغيرها بشرط ألا يتعارض مع الغرض الأصلي الذي أنشئت له الجامعة وعلى أن يصدر بذلك قرار من مجلس الجامعة ويوافق عليه رئيسها الأعلى.
مادة (٦)
أموال الجامعة الإسلامية أموال عامة يخضع التصرف فيها للقواعد المالية المقررة للوزارات والمصالح الحكومية في المملكة.
رئاسة الجامعة ومجالسها
مادة (٧)
جلالة الملك هو الرئيس الأعلى للجامعة.
مادة (٨)
مفتي المملكة العربية السعودية حاليا هو رئيس الجامعة وله من الصلاحيات فيها ما للوزير في وزارته ويكون له نائب يقيم في المدينة يفوض إليه صلاحياته كلها أو بعضها.
مادة (٩)
стр. 272
للجامعة أمين عام يتولى أمانة مجلس الجامعة والمجلس الأعلى الاستشاري وترتبط به تحت إشراف نائب الرئيس الشؤون الإدارية والمالية وجهاز الموظفين الإداريين في الجامعة وعليه إعداد الميزانية السنوية بموافقة نائب الرئيس وعرضها على مجلس الجامعة للموافقة عليها ثم رفعها إلى الرئيس لإحالتها إلى الجهة المختصة، وعليه تسجيل محاضر جلسات مجلس الجامعة والمجلس الأعلى الاستشاري.
مادة (١٠)
يكون للجامعة مجلس يتألف من رئيس الجامعة رئيسا ونائبه وعمداء الكليات وعدد من كبار هيئة التدريس في الجامعة لا يتجاوز الخمسة يعينون بأمر من جلالة الملك بالإضافة إلى وكيل وزارة المعارف أو من ينيبه شريطة أن لا تقل مرتبته عن المرتبة الثانية الثابتة وعضو من وزارة المالية لا تقل درجته عن المرتبة الثانية.
مادة (١١)
يختص مجلس الجامعة بالأمور الآتية:
أ - إقتراح إنشاء كليات ومعاهد جديدة.
ب - اقتراح إنشاء أقسام جديدة في الكليات والمعاهد.
ت - إعداد مشاريع الأنظمة والتعليمات الجامعية.
ث - توزيع الدروس على القائمين بالتدريس في الجامعة.
ج - منح الدرجات والشهادات العلمية.
ح - الإشراف على تنظيم النشاط العلمي والاجتماعي في الجامعة.
خ - تحديد عدد أعضاء هيئة التدريس.
د - الموافقة على مشروع الميزانية.
ذ - إبداء الرأي في مسائل التعليم ذي الصلة بالجامعة على اختلاف درجاته.
ر - تأليف اللجان الفرعية من أعضائه أو سواهم لبحث الموضوعات التي تدخل في اختصاصه.
ز - الإشراف العام على تحقيق أهداف الجامعة وتنفيذ أنظمتها وإعداد اللوائح التنفيذية تمهيداً لرفعها لمجلس الوزراء لإصدار قرار بذلك.
стр. 273
س - إعداد تقرير سنوي عن سير الدراسة وتنفيذ نظام الجامعة واقتراح ما يراه مناسبا حيال ذلك ورفعه إلى المجلس الأعلى الاستشاري.
مادة (١٢)
يكون للجامعة الإسلامية مجلس أعلى استشاري في المدينة المنورة يختار أعضاؤه من كبار العلماء وقادة الفكر الإسلامي بأمر من جلالة الملك.
مادة (١٣)
يتألف المجلس الأعلى الاستشاري من:
أ - رئيس الجامعة الإسلامية ونائبه ووزير المعارف أو من ينوب عنه ومدير جامعة الرياض واثنين من هيئة التدريس في الجامعة.
ب - خمسة عشر عضواً يختارهم رئيس الجامعة بناء على ترشيح من نائبه يوافق عليه الرئيس الأعلى للجامعة ويراعى في اختيارهم تنوع الاختصاص وتمثيل مختلف البلاد الإسلامية وتكون مدة عضويتهم سنتين قابلتين للتجديد.
مادة (١٤)
مفتي المملكة العربية السعودية هو رئيس المجلس وله أن ينيب عنه من يشاء من الأعضاء عند غيابه.
مادة (١٥)
المجلس الأعلى الاستشاري هو الهيئة التوجيهية العليا للجامعة الإسلامية ويختص بتقديم المشورة لمجلس الجامعة في الأمور التالية:
أ - وضع خطط الدراسة والمناهج.
ب - مشروعات أنظمة الجامعة وتعديلها.
ت - إنشاء أقسام ومعاهد وكليات جديدة.
ث - إبداء الملاحظات في اختيار أعضاء هيئة التدريس.
ج - البحث في الوسائل التي تحقق أهداف الجامعة.
مادة (١٦)
ينعقد المجلس الأعلى الاستشاري بناء على دعوة من رئيسه أو بناء على طلب يقدم من ثلث أعضائه.
مادة (١٧)
يصح انعقاد كل من مجلس الجامعة والمجلس الأعلى الاستشاري بحضور الأكثرية المطلقة لكل منهما، وتتخذ القرارات بأغلبية أصوات الحاضرين.
مادة (١٨)
стр. 274
تتحمل الجامعة نفقات سفر أعضاء المجلس الإستشاري المقيمين خارج المدينة المنورة وإقامتهم عن المدة التي يستلزمها انعقاد الدورة ومدة الدورة خمسة عشر يوما.
هيئة التدريس
مادة (١٩)
تتألف هيئة التدريس في الجامعة من:
أ - الأساتذة.
ب - الأساتذة المساعدين.
ت - المدرسين.
وتحدد اللائحة التنفيذية شروط اكتساب أي من الدرجات المذكورة.
مادة (٢٠)
يجوز أن يقوم بالتدريس محاضرون وأساتذة زائرون بالتعاقد كما يجوز عند الاقتضاء التعيين المؤقت بوظائف الترجمة وتدريس اللغات.
مادة (٢١)
يعامل أعضاء هيئة التدريس والمعيدون وموظفو الجامعة وفقا للأحكام العامة المطبقة على موظفي الدولة.
التدريس بالجامعة
مادة (٢٢)
مدة الدراسة في كليات الجامعة أربع سنوات، ومدة الدراسة فيها تسعة أشهر يحدد بدايتها ونهايتها مجلس الجامعة.
مادة (٢٣)
يجوز أن ينشأ في الجامعة قسم للتخصص ويوضع له نظام خاص.
مادة (٢٤)
تمنح الجامعة الإسلامية حاليا درجة الإجازة العالية في العلوم الإسلامية وتعادل درجة (الليسانس) ويكون لحملة هذه الدرجة العلمية من الحقوق ما لأمثالهم من خريجي الكليات المماثلة، على أن تتوفر في الطالب الشروط الآتية:
أ - لا يقبل في القسم العالي بالجامعة الإسلامية إلا من كان حائزا على الشهادة الثانوية (التوجيهية) أو ما يعادلها بموجب قرار من لجنة المعادلات بوزارة المعارف.
ب - لا يقبل بالقسم الثانوي بالجامعة الإسلامية إلا من كان حائزا على شهادة الكفاءة المتوسطة أو ما يعادلها بموجب قرار لجنة المعادلات بوزارة المعارف.
стр. 275
ت - ولا يقبل بالقسم المتوسط إلا من كان حائزا على الشهادة الابتدائية أو ما يعادلها بموجب قرار لجنة المعادلات المختصة بوزارة المعارف.
طلاب الجامعة
مادة (٢٥)
يقبل الطلاب من الدول والشعوب الإسلامية في الجامعة بحسب النسب التي يقرها مجلس الجامعة لكل منهم في كل عام.
مادة (٢٦)
يتقاضى الطلاب مكافأة شهرية يقترحها مجلس الجامعة أو بناء على طلب يقدم من ثلث أعضائه. ويصدر بها قرار من مجلس الوزراء
مادة (٢٧)
تتحمل الجامعة أجور مجيء الطلاب أول مرة إلى الجامعة وعودتهم بعد التخرج إلى بلادهم بأقرب الطرق.
مادة (٢٨)
يلغي هذا النظام كل ما يتعارض معه من أنظمة وأوامر وتعليمات ويعمل به من تاريخ نشره.
стр. 276
الفتاوى
لفضيلة نائب رئيس الجامعة
كتب الأخ المكرم الحاج محمد دكري يسأل عن حكم إقامة الجمعة في موضعين أو أكثر من المدينة أو الحارة.
والجواب: اعلم وفقك الله أن الذي عليه جمهور أهل العلم تحريم تعدد الجمعة في قرية واحدة إلا من حاجة لأن النبي ﷺ لم يكن يقيم في مدينته المنورة مدة حياته ﷺ سوى جمعة واحدة وهكذا في عهد خلفائه الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ أجمعين وهكذا في سائر الأمصار الإسلامية في صدر الإسلام وما ذلك إلا لأن الجماعة مرغب فيها من جهة الشرع المطهر لما في اجتماع المسلمين في مكان واحد حال إقامة الجمعة والعيد من التعاون على البر والتقوى وإقامة شعائر الإسلام ولما في ذلك أيضاً من الائتلاف بينهم والمودة والتعارف والتفقه في الإسلام وتأسي بعضهم ببعض في الخير ولما في ذلك أيضا من زيادة الفضل والأجر بكثرة الجمع وإغاظة أعداء الإسلام من المنافقين وغيرهم باتحاد الكلمة وعدم الفرقة والاختلاف فمن ذلك أيضا قول الله : ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ , وقول سبحانه: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ , وقول النبي ﷺ : "إن الله يرضى لكم ثلاثا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا, وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا, وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم" أخرجه مسلم في صحيحه, ومما تقدم يتضح لكم أن الواجب هو اجتماع أهل المدينة أو القرية على جمعة واحدة كما يجتمعون على صلاة عيد واحدة حيث أمكن ذلك من دون مشقة للأدلة المتقدمة والأسباب السالفة والمصلحة الكبرى في الاجتماع. أما إن دعت الحاجة الشديدة إلى إقامة جمعتين أو أكثر في البلد أو الحارة الكبيرة فلا بأس بذلك في أصح قولي العلماء وذلك مثل أن تكون
стр. 277
البلدة متباعدة الأطراف ويشق على أهلها أن يجتمعوا في مسجد واحد فلا بأس أن يقيموا الجمعة في مسجدين أو أكثر على حسب الحاجة.. وهكذا لو كانت الحارة واسعة لا يمكن اجتماع أهلها في مسجد واحد فلا بأس أن يقام فيها جمعتان كالقرية ولهذا لما بنيت بغداد وكانت واسعة الأرجاء أقيم فيها جمعتان أحدهما في الجانب الشرقي والثانية في الجانب الغربي وذلك في وسط القرن الثاني بحضرة العلماء المشهورين ولم ينكروا ذلك لدعاء الحاجة إليه.. ولما قيل لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ حين خلافته أن في الكوفة ضعفة يشق عليهم الخروج إلى الصحراء لحضور صلاة العيد أمر من يقيم لهم صلاة العيد بالبلد وصلى ﵁ بجمهور الناس في الصحراء فإذا جاز ذلك في العيد للحاجة فالجمعة مثله بجامع المشقة والحاجة والرفق بالمسلمين وقد نص الكثير من العلماء على جواز تعدد الجمعة عند الحاجة, قال موفق الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة ﵀ في كتابه المغني ص ١٨٤ جزء٢ عند قول أبي القاسم الخرقي ﵀: "وإذا كان البد كبيرا يحتاج إلى جوامع فصلاة الجمعة في جميعها جائزة"ما نصه.
стр. 278
وجملته أن البلد متى كان كبيرا يشق على أهله الاجتماع في مسجد واحد ويتعذر ذلك لتباعد أقطاره أو ضيق مسجده عن أهله كبغداد وأصبهان ونحوهما من الأمصار الكبار جازت إقامة الجمعة فيما يحتاج إليه من جوامعها وهذا قول عطاء وأجازه أبو يوسف في بغداد دون غيرها لأن الحدود تقام فيها في موضعين والجمعة حيث تقام الحدود ومقتضى قوله أنه لو وجد بلد آخر تقام فيه الحدود في موضعين جازت إقامة الجمعة في موضعين منه لأن الجمعة حيث تقام الحدود وهذا قول بن المبارك وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي ﵏ لا تجوز الجمعة في بلد واحد في أكثر من موضع واحد لأن النبي ﷺ لم يكن يجمع إلا في مسجد واحد وكذا الخلفاء بعده ولو جاز لم يعطلوا المساجد حتى قال ابن عمر ﵄: "لا تقام الجمعة إلا في المسجد الأكبر الذي يصلي فيه الإمام" ثم قال الموفق –﵀: "ولنا أنها صلاة شرع لها الاجتماع والخطبة فجارت فيما يحتاج إليه من المواضع كصلاة العيد وقد ثبت أن عليا ﵁ كان يخرج يوم العيد إلى المصلى ويستخلف على ضعفة الناس أبا مسعود البدري فيصلي بهم فأما ترك النبي ﷺ إقامة الجمعتين فلغناهم عن إحداهما ولأن أصحابه كانوا يرون سماع خطبته وشهود جمعته وإن بعدت منازلهم لأنه المبلغ عن الله وشارح الأحكام ولما دعت الحاجة إلى ذلك في الأمصار صليت في أماكن ولم ينكر فصار إجماعا وقول ابن عمر يعني أنها لا تقام في المساجد الصغار ويترك الكبير وأما اعتبار ذلك بإقامة الحدود فلا وجه له. قال أبو داود: "سمعت أحمد –﵀ يقول أي حد كان يقام بالمدينة؟ قدمها مصعب بن عمير وهم مختبئون في دار فجمع بهم وهم أربعون. فأما مع عدم الحاجة فلا يجوز في أكثر من واحد وإن حصل الغنى باثنين لم تجز الثالثة وكذلك ما زاد لا نعلم في هذا مخالفا إلا أن عطاء قيل له: "أن أهل البصرة لا يسعهم المسجد الأكبر"قال: "لكل قوم
стр. 279
مسجد يجتمعون فيه ويجزي ذلك من التجمع في المسجد الأكبر"وما عليه الجمهور أولى إذ لم ينقل عن النبي ﷺ وخلفائه أنهم جمعوا أكثر من جمعة واحدة وإذا لم تدع الحاجة إلى ذلك ولا يجوز إثبات الأحكام بالتحكم بغير دليل.."انتهى كلامه ﵀.. وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن صلاة الجمعة في جامع القلعة بدمشق هل هي جائزة مع أن في البلد خطبة أخرى أم لا؟..فأجاب: نعم يجوز أن يصلي فيها جمعة لأنها مدينة أخرى كمصر والقاهرة ولو لم تكن كمدينة أخرى فإقامة الجمعة في المدينة الكبيرة في موضعين للحاجة يجوز عند أكثر العلماء ولهذا لما بنيت بغداد ولها جانبان أقاموا فيها جمعة في الجانب الشرقي وجمعة في الجانب الغربي وجوز ذلك أكثر العلماء.."انتهى كلامه ﵀.
стр. 280
وبما ذكرنا يتضح للسائل جواز إقامة جمعتين فأكثر في بلد واحدة إذا دعت الحاجة إلى ذلك إما لضيق المسجد الواحد وعدم اتساعه لأهل البلد أو لسعة البلد وتباعد أطرافها والمشقة الشديدة عليهم في تجميعهم في مسجد واحد ومثل ذلك لو كان البلد قبلتين أو أكثر وبينهم وحشة ونزاع ويخشى من اجتماعهم قيام فتنة بينهم وقتال فيجوز لكل قبيلة أن تجتمع وحدها ما دامت الوحشة قائمة وهكذا ما يشبه ذلك من الأسباب، وهنا مسألة مهمة ينبغي التنبيه عليها وهي أن بعض الناس في العصور المتأخرة إذا كان في البلد جمعتان أو أكثر يصلون الظهر بعد الجمعة ويزعمون أن في ذلك احتياطا خوفا من عدم صحة إحدى الجمعتين.. وهذا في الحقيقة منكر ظاهر وحدث في الإسلام لا يجوز الإقرار عليه وقد أنكره من أدركه من محققي العلماء لأن الله سبحانه أوجب على المسلمين في يوم الجمعة وغيرها خمس صلوات وهؤلاء يوجبون على الناس يوم الجمعة ست صلوات وهكذا لو لم يوجبوا ذلك وإنما استحبوه أو أباحوه فكل ذلك لا يجوز لأنه من البدع المحدثة وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه كان يقول في خطبة الجمعة: "خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة" أخرجه مسلم في صحيحه, وفي الصحيحين من حديث عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" متفق على صحته, وفي لفظ لمسلم: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد"..
والله المسئول أن يوفق المسلمين جميعاً للفقه في دينه والتمسك بشريعته والحذر مما خالف ذلك, إنه على كل شيء قدير, والحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وآله وأصحابه وأتباعهم بإحسان إلى يوم الدين.
كتب الأخ أحمد بن عبد الله بن محسن يسأل:
أولا: عن كيفية المسح على الشرّاب والكندرة وهل يصلي به صلاتان أم لا كالتيمم؟
стр. 281
والجواب: يمسح على الشراب إذا كان ساترا لمحل الغسل كما يمسح على الخف, والفرق بينهما أن الخف من الجلد وأما الشراب فيكون من القطن ويكون من الصوف ويكون من غيرهما, والحكم في المسح عليهما واحد في أصح أقوال العلماء, وقد ثبت في السنن عن النبي ﷺ "أنه مسح على الجوربين والنعلين" والجوربان هما الشراب، وثبت ذلك عن جماعة من أصحاب رسول الله ﵊ أنهم مسحوا على الجوربين وإذا مضت المدة وهي يوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام بلياليها للمسافر وجب الخلع على من يجد الماء حتى يتوضأ ويغسل قدميه, ثم إذا أحب لبسهما بعد ذلك ومسح مثل المدة السالفة وهكذا، أما الكندرة فهي كالنعل إذا كانت لا تستر القدم مع الكعبين فأي مسح عليهما مع الشراب صار الحكم لهما, ومتى خلع أحدهما خلع الآخر, وإن اقتصر على مسح الشراب كفاه ذلك، وجاز له خلع الكندرة متى يشاء والطهارة باقية بحالها لأن حكم المسح قد تعلق بالشراب ومما تقدم يتضح أنه يجوز أن يصلي المسلم بالمسح على الشراب صلوات كثيرة في المدة التي منحه الشارع إياها وهي يوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام بلياليها للمسافر ابتداء من أول مسح وقع بعد الحدث الذي يعقب اللبس، أما التيمم ففيه خلاف مشهور والصحيح من أقوال العلماء أنه يرفع الحدث كالطهارة بالماء ويصلي به صلوات كثيرة كما يصلي بالماء ما لم يحدث أو يجد الماء لقول الله سبحانه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ .
стр. 282
فبين سبحانه في هذه الآية أنه شرع لعباده التيمم عند عدم الماء ليرفع عنهم الحرج بذلك وليطهرهم به, فدل ذلك على أنه مطهر كالماء, وفي الآية المذكورة دلالة على أن الفاقد للماء يكفيه التيمم سواء كان حدثه أصغر وهو ما يوجب الوضوء أو كان أكبر وهو ما يوجب الغسل وعلى أن كيفية التيمم عنهما واحدة وهي مسح الوجه والكفين من الصعيد, ووجه الدلالة أن قوله : ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ يشير به إلى الحدث الأصغر وقوله: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاء﴾ يشير به إلى الحدث الأكبر لأن الملامسة كناية عن الجماع في أصح قول العلماء كما قاله ابن عباس ﵄ وجماعة من علماء التفسير وأما من فسر ذلك بمس اليد واحتج به على أن مس المرأة ينقض الوضوء فقوله ضعيف لأدلة كثيرة ليس هذا موضع ذكرها لأن المقصود هنا الإيجاز والاختصار والإشارة إلى أصح الأقوال للصحيحين عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة". ففي هذا الحديث العظيم الدلالة على أن التيمم يرفع الحدث ويطهر كالماء والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
ثانيًا: ما ذكرت عن أصهارك فهمته وساءني كثيرا والذي أرى أن الأولى مقاطعتهم والابتعاد بزوجتك عن محل سكناهم فلعلك تسلم من شرهم ومن فقد الدين والخلق الكريم لا يرجى خيره ولا يؤمن شره, فالخير كله في البعد عنه ومقاطعته, رزقنا الله وإياكم وسائر إخواننا السلامة من أصهار السوء ومن كل ما يغضبه.
ثالثا: ما حكم مسح أثر الغائط والبول بالورق هل يكفي عن الماء؟
стр. 283
الجواب: نعم يكفي المسح بالورق وغيره من الجمادات الطاهرة كالأحجار والخشب والخرق والتراب وغير ذلك ما عدا العظام والأرواث إذا أنقى المحل وكرر ذلك ثلاث مرات فأكثر ويقوم ذلك مقام الماء لأحاديث كثيرة وردت في ذلك منها قوله ﷺ : "إذا ذهب أحدكم من الغائط فليستطب بثلاثة أحجار فإنها تجزئ عنه" رواه أحمد وأبو داود والنسائي من حديث عائشة ﵂, وقال الحافظ الدارقطني: "إسناده صحيح"وعن خزيمة بن ثابت الانصاري ﵁ قال: سئل النبي ﷺ عن الاستطابة؟ فقال: "بثلاثة أحجار ليس فيها رجيع" رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة. وعن أبي هريرة ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ أن نستنجي بعظم أو روث وقال: "إنهما لا يطهران" أخرجه الدارقطني وقال: "إسناده صحيح". وأخرج مسلم في صحيحه عن سلمان الفارسي ﵁ أن النبي ﷺ نهى أن يستنجى بأقل من ثلاثة أحجار ونهي أن يستنجى برجيع أو عظم", والأحاديث في هذا المعنى كثيرة وفيما ذكرناه منها كفاية إن شاء الله.
رابعا: إذا كان الإنسان في السفينة ونحوها وشرع في الصلاة إلى جهة القبلة حسب اجتهاده ومعرفته ثم لم ينتبه إلا وهو إلى جهة أخرى بسبب تغير اتجاهات السفينة ونحوها فما الحكم؟
الجواب: الواجب على المسلم أينما كان هو أن يستقبل القبلة وهي الكعبة في صلاته وذلك من أهم شرائطها لقوله سبحانه: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ , وإنما يستثنى في ذلك العجز كالمصلوب إلى جهة أخرى والمريض الذي لا يجد من يوجهه إلى القبلة لقول الله سبحانه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (التغابن: من الآية١٦) .
стр. 284
وكذا المسافر ينتقل إلى جهة طريقه ولو كان إلى غير القبلة لما ثبت في ذلك فمن الأحاديث الصحيحة أن النبي ﷺ كان يصلي النافلة على راحلته حيث كان وجهه لكن الأفضل أن يستقبل القبلة فليس له أن يتوجه إلى غيرها سواء كان مقيما أو مسافرا لكن من كان في السفينة أو الطائرة ونحوهما فالواجب عليه أن يتقي الله ما استطاع ويجتهد في استقبال القبلة حسب الإمكان ويدور مع السفينة والطائرة كلما دارتا, وإذا أغلبه الأمر في بعض الأحيان ولم يشعر إلا وهو إلى غير القبلة لم يضره ذلك لقول الله : ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ , وقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج﴾ , وقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ , وقول النبي ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم".
خامسًا: إذا تغير الماء بما يؤثر في طعمه أو لونه أو ريحه من غير النجاسات كالبوية ونحوها فما الحكم؟
والجواب: إذا تغير الماء بالنجاسة صار نجساً بالإجماع أما إذا تغير بأشياء أخرى من الطاهرات كالبوية وأثر الدباغ في القرب ونحوها وما يقع في المياه من الحشائش والأتربة ونحو ذلك فإنه لا ينجس بذلك ولا يكون مسلوب الطهورية بل هو باق على حاله طاهر مطهر ما دام اسم الماء ثابتاً له لقول الله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ , وقوله سبحانه: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً﴾ , وقول النبي ﷺ : "إن الماء طهور لا ينجسه شيء", أما إذا خرج عن اسم الماء فصار لبنا أو مرقًا أو بوية أو ما أشبه ذلك فإنه والحالة هذه تزول عنه أحكام الماء المطلق ولا يجوز التطهر به لأنه لا يدخل في اسم الماء الوارد في النصوص المتقدمة وغيرها هكذا ذكر أهل العلم, والله أعلم وصلى الله وسلم على عبد ورسوله محمد وآله وصحبه.
стр. 285
ندوة الطلبة
صور من القضاء في الإسلام
بقلم صالح بن سعيد بن هلالي
إنه فصل من كتاب (مثل عليا من القضاء في الإسلام) لمؤلفه الأستاذ محمود الباجي المستشار بمحكمة الاستئناف بتونس عرض فيه فصولا رائعة وصورا حية من قضايا إسلامية من العصر الأول بأسلوب جذاب، والتزم بتقديم الحكم والواقعة في تصوير بديع رائع يتفق مع الأساليب العصرية التي يرتاح إليها قراء اليوم، وقد يكون موضوع الواقعة ونص الحكم لا يتجاوزان الأربعة أسطر من كتاب (الطرق الحكمية) أو (إعلام الموقعين) للعلامة ابن القيم الجوزية كما يشير إلى ذلك هو في مقدمة الكتاب.
قدم للكتاب قاضيان من قضاة تونس الأول هو الشيخ محمد الهادي بن القاضي رئيس الدائرة الاستحقاقية بمحكمة الاستئناف، والثاني هو الشيخ محمد الهادي المدني رئيس دائرة الأحوال الشخصية قال عنه الأول: "في هذا السفر الصغير الحجم الغزير المحكمية والمثل الرائع عينة طيبة من مشاكل القضاء الإسلامي في مختلف العصور الإسلامية الزاهية، وفي أرقى العواصم البارزة، وإننا بحاجة لأن نستلهم من أمجادنا القضائية ما يعزز مواقفنا ويحرر عقولنا وأفكارنا مما ران عليها طيلة عهد الاستعمار البغيض، فأورثها عقدة مركب النقص ومرض الزهد في النفس بأثره الخطير ونتائجه الفاجعة، وإن واجبنا اليوم أثقل وأخطر من واجبنا بالأمس.. "الخ.
وقال عنه الثاني: "أيها القارئ الكريم.. وإنها لمثل رائعة من قضاء الإسلام أعرضها عليك في ديباجة مشرفة وإحاطة مدققة، مما أعاد للذاكرة سؤدد العالم الإسلامي وعظمته أيام كان القضاء يفجر أخلد المبادئ وأشملها، وأوفى مظاهر القسطاس وأكملها، بما جعل الكثير من خصوم الإسلام يتسابقون في بعض البلاد للتقاضي لدى قضاة الإسلام ثم لا يجدون حرجا فيما يقضي به عليهم ويسلمون تسليماً".
следующие страницы →