← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.

стр. 2976

(وما غربة الإنسان من شقة النوى وطغيان أهل الكفر والفسق والغدر إلى الله أشكو غربة الدين والهدى يحرق أنيابا من الغيظ والكبر وأرعن غمر جاء يرعد مبرقا وعيدك تطنان الذباب على النهر فقلت له شؤشؤ لك الويل إنما ومهما دنت تردى وتهوى إلى القعر وليس يضير النهر صوت ذبابة تعرضت للتدمير ويلك والثبر أتوعد سنات الرسول بمحوها يعذب في الدنيا وفي فتنة القبر ومن يقل سنات الرسول فإنه وما من جواب عنده غير لا أدري ويسأله فيه نكير ومنكر يحارب دين الله في السر والجهر وذي سنة الجبار في كل من غدا وموقع أهل البغي في دارة الخسر ألم تدر أن الله ناصر دينه بكيد فرد الله كيده في النحر وكم قد سعى ساع لإطفاء نوره وناصر هذي خاسر أبد الدهر وتنصر إشراكا وفسقا وبدعة ومن يلعن المختار فهو إلى شر دعا المصطفى قدما عليه بلعنة كذلك أهل الارض في السهل والوعر وتلعنه الأملاك من فوق سبعة وأنت يمين الله أجهل من حمر تحدد للوعاظ ما يدرسونه كلاها) وحتى سامها كل ذي عسر (لقد هزلت حتى بدا من هزالها لتلفيق أخبار من المين والمكر تدس جواسيسا لئاما بوعظهم وفي الكيد والبهتان والختل والختر لقد فقت الاستعمار في اللؤم والخنا وتلك لعمرو الله قاصمة الظهر حارب من يدعو لسنة أحمد مدورة جوفا حذار من الكسر فيا ناطح الطود المتين بهامة وحافر بئر الغدر يسقط في البئر وليس يحيق المكر إلا بأهله على نفسه قد جر في ذلك الحفر وكم حافر لحدا ليدفن غيره وسادن قبرياء بالخزي والخسر وكم مشرك طاغ تردى بشركه أصيب بذاك السهم في ثغرة النحر وكم رائش سهما ليصطاد غيره حقير كفأر صال في غيبة الهر

стр. 2977

هل أنت يا مغرور إلا معبد من النسر والثعبان والباز والصقر وقبرة أضحى لها الجو خاليا ويسقيك كأس الحتف كالصاب والصبر فلا تفرحن يوما سيأتيك صائد وإن كنت تدري) زدت وزرا على وزر (فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة ضعيف ولم يغلبك) كالساقط القدر (وإن أنت لم يفخر عليك كفاخر كأن أباها) من لؤي ومن فهر (فيا عجبا حتى كليب تسبني عدمتك إهمالا وذا ديدن الغمر أتغتر بالإمهال تحسب أنه أتت عن نبي الله ذي الفتح والنصر وما نحن إلا خادمون لسنة كخادمها من بعد ما صار في القبر وخادم سنات الرسول حياته وأنواره تبقى إلى الحشر والنشر وما غاب إلا شخصه عن عيوننا بخزي على خزي وقهر على قهر فيا مبغضي هدى النبي ألا أبشروا أبو جهل المقصوم في ملتقى بدر سلكتم سبيلا قد قفاها إمامكم كما لزم الإحراق للقابض الجمر وعاقبة المتبوع حتم لتابع فكم كذبت من قبلكم أمم الكفر فإن أنتم كذبتم بوعيده فصاروا أحاديث المقيمين والسفر فصب عليهم ربهم سوط نقمة عليهم) إليك الأمر في العسر واليسر (فيارب هل إلا بك النصر يرتجى وكادوا لها فاجعل لهم كيدهم يفري قلوا سنة المختار يبغون محوها قليل وقد يعلو القليل على الكثر هم استضعفونا اليوم من أجل أننا وأعداؤه للبغي من جهلها تجري ولا سيما أن كاد لله قائما لمن يقتدي بالمصطفى من ذوي الحجر وإدراك إحدى الحسنين محقق وخاذل أنصار النبي بذا العصر ومن ظن أن الله مخلف وعده عريض القفا بين الورى مظلم الفكر فذاك غليظ الطبع أرعن جاهل حياتهم هذى وفي موقف الحشر تكفل بالنصر العلي لحزبه ولكنه يخفى على الفدم والغمر

стр. 2978

ففي غافر قد جاء ذلك واضحا فهم أولياء الله في كل ما دهر سلام على أنصار سنة أحمد فرؤيتهم تشقى السقيم من الضر إليهم أجوب البر والبحر قاصدا عن الحق بالبرهان والبيض والسمر هم حفظوا الدين الحنيف وناضلوا بفعل وأقوال تلألأ كالدر هم خلفوا المختار في نشر سنة من الشرك والإلحاد والزيغ والمكر هم جردوا التوحيد من كل نزعة ولم يعبدوا قبرا بذبح ولا نذر فلا قبة تبنى على قبر ميت فذلك فعل المشركين ذوي الكفر ولا بطواف أو بتقبيل تربة مساجد خصت بالفضائل والأجر ولا رحلوا يوما لغير ثلاثة بغير إله الناس ذي الخلق والأمر ولم يستغيثوا في الشدائد كلها بنص كتاب الله والسنن الزهر ولم يصفوا الرحمن إلا بما أتى كما فعل المختار مع صحبة الغر يقرون آيات الصفات جميعها به فهم الفرسان في النظم والنشر فلو كان في التأويل خير لبادروا إذا ما) اجتمعنا في المجالس للفخر (أولئك آبائي فجئني بمثلهم فلم يبق من زيد لزيد ولا عمرو وقد أكمل الرحمن من قبل دينه وإتمام أنعام يجل عن الحصر بمائدة قد جاء بالنص ختمه يبدل دين الله بالحدس والحذر وكم زائد في الدين أصبح ناقصا فأفتى بتقليد فياله من غر ومن ظن تقليد الأئمة منجيا أضاف له جرما تجدد بالعذر كمنتحل عذرا ليغفر ذنبه وطالبه خلو من العلم والخير ألا إنما التقليد جهل وظلمة جرى خلف آل لاج في مهمة قفر كطالب ورد بعدما شفه الظما فإياك والتقليد فهو الذي يزري فإن قمت بالإفتاء أو كنت قاضيا عن الحدس والتخمين والسخف والهتر وجرد سيوفا من براهين قد سمت رياض حوت ما تشتهيه من الزهر وطرفك سرح بالكتاب فإنه

стр. 2979

فأنواره تسمو على الشمس والبدر ومن بعده فاعلق بسنة أحمد كما حلت الميتات أكلا لمضطر ولا تحكمن بالرأي إلا ضرورة أقيم فبادر للرجوع على الفور ومهما بدا أن القضاء على خطا كهشوا غدت في كافر حالك تسري ومن يقض بالتقليد فهو على شفا وفي النحل نص جاء في غاية الزجر ومن يفت بالتقليد فهو قد افترى وأما نصوص الوحي فهي التي تبري لعمرك ما التقليد للجهل شافيا صلاة تدوم الدهر طيبة النشر وصل وسلم يا إله على النبي مهفهفة غيدا عروسا من الشعر فدونكما بكرا عروبا خريدة وليس لها إلا القراءة من مهر يضئ ظلام الليل نور جمالها وناصرها لا شك يظفر بالنصر قصدت بها نصرا لسنة أحمد وأختمها بالحمد لله والشكر وعدتها تسعون من بعد خمسة

стр. 2980

الحكم بقطع يد السارق في الشريعة الإسلامية بقلم الدكتور: أحمد عبيد الكبيسي مدرس الشريعة الإسلامية بجامعة بغداد السرقة: من الجرائم التي توافرت النصوص من الكتاب والسنة على تجريم فعلها وتحديد العقوبة عليها تحديدا دقيقا، ليس لأحد الحق – إذا ما ثبت موجبها – أن يزيد فيها أو ينقص منها، أو يستبدل بها غيرها. ولهذه المعاني قال الفقهاء في تعريف الحد: عقوبة مقدرة حقا لله تعالى. [١] حكمة تحديد عقوبة السرقة: اتجهت الشريعة الإسلامية – في هذه الجريمة – إلى حماية الجماعة، وأهملت شأن المجرم. فشددت العقوبة عليه وجعلتها مقدرة محددة، من أجل القضاء على ما يتهدد الناس في أموالهم وما يتبع ذلك من إذلال وإرغام، فأحكم الشارع الحكيم وجوه الزجر الرادعة عن هذه الجناية غاية الأحكام وشرعها على أكمل الوجوه، المتضمنة لمصلحة الردع والزجر، مع عدم مجاوزة ما يستحقه الجاني من العقاب. فلا بد أن يكون العقاب مكافئا للجريمة، ولا يتسنى تقدير ذلك إلا لله العليم الخبير.

стр. 2981

ولو ترك تقدير العقوبة على السرقة إلى اجتهاد مجتهد، أو نظر حاكم، أو رأي جماعة، لأدى ذلك إلى تناقض لا تؤمن عاقبته، ولا يضمن معه تحقيق العدالة التي يجد الناس فيها أمانا من الظلم والقهر. فكان من رحمة الله – – أن تكفل هو بتقدير العقوبات على الخطير من الجرائم. وترك للناس تقدير غيرها من العقوبات: مما لا يترتب على تقديرها منهم أذى أو فساد. وفي هذا المعنى يقول ابن القيم [٢] : " فلما تفاوتت مراتب الجنايات، ولم يكن بد من تفاوت مراتب العقوبات، وكان من المعلوم أن الناس لو وكلوا إلى عقولهم في معرفة ذلك وترتيب كل عقوبة على ما يناسبها من الجناية جنسا ووصفا وقدرا لذهبت بهم الآراء كل مذهب، وتشعبت بهم الطرق كل مشعب، ولعظم الاختلاف واشتد الخطب. فكفاهم أرحم الراحمين، وأحكم الحاكمين مؤونة ذلك، وأزال عنهم كلفته، وتولى بحكمته وعلمه وقدرته ورحمته تقديره نوعا وقدرا. ورتب على كل جناية ما يناسبها من العقوبة، وما يليق بها من النكال ". حكمة الشدة في عقوبة السرقة: من الواضح أن الشارع الحكيم لا حظ في عقوبة السرقة أن تكون شديدة قاسية [٣] . إذ أن قطع يد السارق بربع دينار عقوبة شديدة تنخلع لها القلوب. وقد كان هذه الشدة مرتكزا للمغرضين – على مدى الأيام – في نيلهم من الشريعة الإسلامية. ومن حسنت نيته منهم: كان مرددا لأصداء ما يقال عنها، دون نظر سديد في موجبات هذه الشدة. والحكمة فيها واضحة جلية.

стр. 2982

فإنه لما كان الإسلام معنيا بتوفير الحياة الكريمة والعيش المطمئن لكل الناس. كان لا بد من حماية الفضيلة بالقضاء على الرذيلة والفساد، وكل ما من شأنه أن يدنس واجهة الجماعة التي أراد لها الإسلام: أن تكون نقية ناصعة. والغاية السليمة تبرر الوسيلة الحازمة ولو كانت شديدة قاسية. لأن القسوة ليست شرا في كل أحوالها. فإن من لا يراعي مصلحة الآخرين، ليس له أن يطمع في أن تراعى مصلحته ومن لا يرحم الناس لا يرحمه الشرع [٤] . لأن في الرحمة بالجاني – حينئذ – قسوة على المجتمع. والعدل كل العدل في أن يعاقب من يستحق العذاب وليس أجدر بالعقاب، من ذلك النوع من المجرمين الذين تقتضي طبيعة جرائمهم أن تتم في الخفاء – كالسرقة – لما في خفائها من رهبة شديدة في نفوس الناس. وقد بين الله – – سببين للشدة، في عقوبة السرقة. فقال: ﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً﴾ [٥] . معنى الجزاء أما الجزاء فمعناه أن العقوبة مكافئة للجريمة مساوية لها، موافقة لآثارها: أي أن العقوبة: إنما هي على الجريمة بكل الآثار الناتجة عنها، والأضرار المترتبة عليها مما لا يقف عند حد أخذ المال المسروق. بل يتعدى ذلك إلى ما تحدثه السرقة من ترويع وإفزاع. وليس أدل على ذلك من حادثة سرقة واحدة، تقع في حي، أو قرية، نرى معها أي ذعر يعيش فيه الناس، لما أصبح معلوما: أن السارق لا يتورع عن اقتراف كل ما يخطر له في سبيل تحقيق مأربه. حتى أصبحت حوادث القتل لأجل السرقة من المألوف الشائع. فإن طبيعة السارق موسومة بالشراهة والنهم. وليس بين السارق وبين الناس إلا ما بين الذئب وفريسته. لا يهمه منها إلا نهشها من أي طرف. فمن أجل هذه النتائج المفزعة، كانت الشدة في العقوبة. لأن الشارع بين أمرين: إما أن يردع الآثم، وإما أن يفزع الآمن، وليس من عدل الله ورحمته إلا ردع الآثم وزجره. بعقوبة تكافئ جرمه، نالها جزاء لذلك الجرم.

стр. 2983

ولهذا السبب لم تقطع يد الغاصب والمنتهب والخائن - مع أن هذه الجرائم وقعت على مال الغير، كالسرقة – إلا أنه ليس فيها من الإفزاع ما في السرقة. لأنها تقع في العلن. وليس فيه من الرهبة والإذلال مثل ما في الخفاء. وفي ذلك يقول المازري [٦] : "صان الله الأموال. بإيجاب قطع سارقها. وخص السرقة. لقلة ما عداها بالنسبة إليها من الانتهاب والغضب. ولسهولة إقامة البينة على ما عدا السرقة، بخلافها. وشدد العقوبة فيها ليكون أبلغ في الزجر. ولم يجعل دية الجناية على العضو المقطوع منها بقدر ما يقطع به حماية لليد. ثم لما خانت هانت" [٧] . ومما يدل على أن الله – – رتب العقوبة على ما تشيعه السرقة من خوف واضطراب، وليس على ذات المال المسروق: أن قطع اليد يعاقب به السارق إذا سرق ربع دينار. والسارق إذا سرق ألف دينار. ولو كان القطع على ذات الفعل، لتفاوتت العقوبة في هذا وذاك. وكما يقول العز بن عبد السلام [٨] : "إن السرقتين: استويتا في المفسدتين"وما ذلك إلا بأثرهما على الجماعة. وإلا فإنه لا وجه لتساويهما كما هو ظاهر. معنى النكال وأما النكال فهو منع الغير من ارتكاب السرقة اعتبارا بما وقع للسارق المقطوعة يده من شدة وحزم. وقد جاء في اللسان – في كلمة نكل – قوله [٩] : "نكل بفلان: إذا صنع به صنيعا يحذر منه غيره إذا رآه"ومنه قوله تعالى [١٠] : ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ أي عبرة. ولا عبرة أعظم من قطع اليد الذي يفضح صاحبه طول حياته ويسمه بميسم العار والخزي. ولا شك أن هذه العقوبة أجدر بمنع السرقة، وأجدى لتأمين الناس على أموالهم وأرواحهم [١١] .

стр. 2984

ولعل من أبسط نتائج هذا النكال: أن عقوبة السرقة – القطع – لم تطبق في خلال نحو قرنين من الزمن إلا في أيد أقل من القليل [١٢] .ولم يتحقق ذلك إلا بشدة العقاب. فكانت الشدة والقسوة سببا لصيانة الأيدي وطهارة النفوس وكلما أشتد العقاب، قوى المنع. وفي ذلك يقول ابن القيم [١٣] : "ومن المعلوم: أن عقوبة الجناة والمفسدين لا تتم إلا بمؤلم يردعهم. ويجعل الجاني نكالا وعظة لمن يريد أن يفعل مثل فعله. وعند هذا فلا بد من إفساد شيء منه بحسب جريمته". ويقول ابن عبد السلام: "من أمثلة الأفعال المشتملة على المصالح والمفاسد مع رجحان مصالحها على مفاسدها قطع يد السارق فإنه إفساد لها، ولكنه زاجر حافظ لجميع الأموال فقدمت مصلحة حفظ الأموال على مفسدة قطع يد السارق" [١٤] . ومن هنا شاع الفساد وعمت الفوضى، عندما شاء الله لهذه الشريعة أن تحتجب بعض الوقت لحكمة يعلمها. فخلفتها القوانين الوضعية التي تجمع في باب واحد بين السرقة وقطع الطريق، وتتساهل في كلتا الحالتين إلى حد اعتبار السرقات المعتادة من قبيل الجنح البسيطة. ففتحوا على المجتمع أبواب شرور لا تتناهى فأصبحت جرائم السرقة في مجتمع الوضعيين، من الجرائم المسلم بوقوعها على كثرة تنذر بالخطر المروع، حتى فر الناس خوفا وذعرا من سكنى الأطراف، ولم يأمنوا مع ذلك – وهم في قلب المدينة الكبيرة – أما القرى النائية، والطرق العمومية، والمرتفعات الجبلية، فلا تسأل عما يبتلى به الناس من تسليط عتاة المجرمين المتمردين. لأنهم تحاقروا العقوبة على أخطر جريمة. حكمة العقاب بقطع اليد: كانت عقوبة السارق: قطع يده، دون غيرها من العقوبات. لأجل المناسبة بين الجريمة والعقوبة. وكان الشارع الحكيم قصد بذلك إلى إتلاف آلة الجريمة.

стр. 2985

وكما يقول ابن القيم [١٥] : "أما القطع فجعله عقوبة السارق. فكانت عقوبة به أبلغ وأردع من عقوبة الجلد. ولم تبلغ جنايته حد العقوبة بالقتل. فكان أليق العقوبات به: إبانة العضو الذي جعله وسيلة إلى أذى الناس وأخذ أموالهم"ويقول: "ثم هو مستعد للهرب والخلاص بنفسه إذا أخذ الشيء. واليدان للإنسان كالجناحين للطائر في إعانته على الطيران"ولهذا يقال: "وصلت جناح فلان إذا رأيته يسير منفردا فانضممت إليه لتصحبه. فعوقب السارق بقطع يده قصا لجناحه وتسهيلا لأخذه إن عاود السرقة". ونجاري ابن القيم في طريقته في التحليل، فنقول: إن السارق – عادة لا يطلب من جريمته غير المال. إما ما ينتج عن السرقة من قتل أو اغتصاب فإنما هو تابع لا مقصود. ولهذا الاعتبار جاءت العقوبة: قطع اليد. للقضاء على هذا الدفاع في نفسه. لأن قطع اليد يؤدي – غالبا- إلى نقص الرزق وقلة الكسب. فتكون الشريعة الإسلامية قد دفعت العامل النفسي عند السارق، بعامل نفسي مضاد. وقد يرد على هذا: لزوم قطع آلة الزنا والقذف، وليس هو حكم الشريعة. فنقول: إن هذا الإيراد مدفوع بأن فيه إسرافا وتجاوزا ونكوصا عن أهداف العقوبة المرسومة. إذ ليس من مقصود الشارع من العقوبة مجرد الأمن من عدم المعاودة وإلا لقتل السارق. وإنما المقصود الزجر والنكال وأن يكون إلى كف عدوانه أقرب، ولم تقطع آلة الزنا. لأن الزاني يزني بجميع بدنه. والتلذذ بقضاء شهوته يعم البدن كله. فعوقب بما يعم جميع بدنه من الجلد والرجم. وفي ذلك يقول النسفي [١٦] : "وقطعت اليد لأنها آلة السرقة. ولم تقطع آلة الزنا تفاديا من قطع النسل".

стр. 2986

وزاد القرطبي على هذا الذي ذكره النسفي سببين آخرين [١٧] . "الأول: للسارق مثل يده التي قطعت. فإن انزجر بها اعتاض بالثانية وليس للزاني مثل ذكره إذا قطع فلم يعتض بغيره لو انزجر بقطعه. الثاني: أن الحد زجر للمحدود وغيره. وقطع اليد في السرقة ظاهر. وقطع الذكر في الزنا باطن". لا سلطة لغير الشارع في تكييف عقوبة السرقة قلنا إن عقوبة السرقة تثبت بالنص. فلا يجوز تغييرها، أو تبديلها، أو إسقاطها، وليس للزمان، أو المكان أثر في ذلك. رأي المجوزين إلا أن بعض الباحثين [١٨] ، ذهبوا: إلى جواز إلغاء عقوبة السرقة أو تبديلها بعقوبة أخرى، تبعا لتغير الأزمان والأحوال. وعلى هذا فإن لولي الأمر، الحق في تكييف عقوبة السرقة حسب الظروف والمقتضيات. وهؤلاء الباحثون – ومن وافقهم – على اصل: جواز تغيير الأحكام المنصوص عليها إذا دعت إلى تغييرها مصلحة، يقرها اجتهاد. حتى ولو تعارض ذلك مع نصوص الكتاب والسنة. وقد استدلوا على ذلك ببعض ما لا تقوم لهم به حجة. وبشيء من النظر الخاص كما يظهر ذلك من نصوصهم التالية: يقول بعض الكاتبين [١٩] : "إن العمل بمبدأ تغير الأحكام بتغير الأزمان تؤيده الأصول المتفق عليها، وهي: أن التشريع لا يكون حكيما عادلا إلا إذا كانت أحكامه ملائمة من شرع لهم متفقة ومصالحهم، وما تقتضيه بيئتهم. وأن التشريع الذي تلائم أحكامه أمة، ويتفق ومصالحها. قد لا تلائم أحكامه أمة أخرى، ويعارض مصالحها. بل أحكام التشريع الواحد قد تكون ملائمة للأمة ومتفقة ومصالحها في حين غير ملائمة لها ولا متفقة ومصالحها في حين آخر ثم يستطرد قائلا: "وهذه أصول تكاد تكون بديهية غير مفتقرة إلى برهان. وأصدق شاهد لها: نسخ بعض الأحكام الشرعية ببعض في التشريع"

стр. 2987

ويستشهد هذا الكاتب بابن القيم فيقول: "ولقد كتب في ذلك العلامة ابن القيم الجوزية في كتابه – إعلام الموقعين – فصولا ممتعة. وقال – تحت عنوان، فصل في تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد -: "هذا فصل عظيم النفع جدا، وقع بسببه غلط عظيم على الشريعة الإسلامية، أوجب من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه، ما يعلم: أن الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح، لا تأتي به. فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم، ومصالح العباد في المعاش والمعاد. وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها. فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث. فليست من الشريعة، وإن دخلت فيها بالتأويل". ويقول كاتب آخر [٢٠] : "ولم يقطع عمر يد سارق أو سارقة في عام المجاعة. لأنه رأى أن هذه السرقة كانت لحفظ الحياة. وحفظ الحياة مقدم على حفظ المال. هذا، مع أن آية حد السرقة صريحة في الأمر بقطع يد السارق والسارقة دون قيد". ونقف قليلا عند قول هذا الكاتب: دون قيد. لنقول له: لا. إن الآية صريحة في قطع يد السارق. ولكن بقيد، وهو النصاب والحرز وغيرهما من القيود التي جاءت بها السنة المطهرة والتي خصصت عموم الآية. ومن القيود – أيضا -: أن لا تكون السرقة لضرورة حفظ الحياة لأن المضطر مأذون بالأخذ فلا يكون سارقا. وإذا لم يكن سارقا، فكيف يقطعه عمر؟

стр. 2988

وقول كاتب ثالث [٢١] : "إذا استعرضنا ما قدمنا من الفروع المأثورة في رعاية المصلحة، وجدنا منها ما اعتبرت فيه المصلحة مع معارضتها للكتاب أو السنة أو القياس. فمن الأول: إسقاط عمر سهم المؤلفة قلوبهم. وذلك معرض لقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ ومنه إسقاط حد السرقة عام المجاعة محافظة على الأنفس. وذلك معارض لقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ . ويقول أحد هؤلاء [٢٢]- أيضا -: "وكان في مقدمة من فتح هذا الباب للمجتهدين عمر بن الخطاب – ﵁ – وذلك في حوادث متعددة. ومن هذا القبيل: اجتهاد عمر – ﵁ – عام المجاعة في وقف تنفيذ حد السرقة على السارقين، وهو قطع اليد. واكتفاؤه بتعزير السارق عن قطع يده. معتبرا: أن السرقة ربما كان يندفع إليها السارقون – حينذاك – بدافع الضرورة، لا بدافع الإجرام. وفي هذا كما ترى تغيير لحكم السرقة – الثابت بنص القرآن. عملا بتغيير الظروف التي أحاطت بالسرقة". جواز إسقاط الأحكام وخلاصة الأمر: فإن هؤلاء يستدلون على جواز إسقاط الأحكام أو تغيرها بما يلي: ١- بالنسخ الواقع في الشريعة الإسلامية. فإنه تغيير للحكم. ٢- بالإجماع على إسقاط حق المؤلفة قلوبهم في زمن عمر بن الخطاب ﵁. ٣- برأي ابن القيم في جواز تغير الفتوى بتغير الظروف. ٤- بفعل عمر بن الخطاب ﵁ في إسقاط عقوبة السرقة عام المجاعة. ونتكلم عن هذه الأدلة فنقول: استدلالهم بالنسخ

стр. 2989

أولا: إن أخذهم بوقوع النسخ كدليل على جواز تغيير الأحكام المنصوص عليها غير مسلم. فإن وقوع النسخ في القرآن، لا يدل من قريب، أو بعيد على صحة دعواهم، لأن النسخ – كما هو عند الأصوليين – رفع حكم شرعي بدليل شرعي متأخر عنه. فشرط جواز نسخ الحكم الشرعي: أن يكون ناسخة حكما شرعيا مثله متأخرا عنه. والحكم الشرعي الذي يجوز النسخ به، هو ما جاء في كتاب، أو سنة. ولا يجوز النسخ بغيرهما. فلا ينسخه القياس. لأن شرط القياس: التعدي إلى فرع لا نص فيه. كما لا ينسخه الإجماع. لأنه إن كان في حياة رسول الله ﷺ فناسخه السنة وليس الإجماع وإن كان بعد وفاته فلا نسخ حينئذ لأن الأحكام صارت مؤبدة بانقطاع الوحي [٢٣] على أن من الفقهاء من لا يجيز نسخ الكتاب بالسنة فضلا عن عدم جواز نسخها بالإجماع استدلالا بقوله تعالى [٢٤] : ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ على خلاف في ذلك نجده مبسوطا في كتب الأصول. وهكذا نرى: أنه لا حجة في وقوع النسخ في الشريعة الإسلامية على دعواهم: جواز تغيير الأحكام وإسقاطها. لأن التغيير والإسقاط من غير رسول الله ﷺ – لا يتوفر له نص شرعي يجوزه. والتغيير والإسقاط بغير نص شرعي ممنوع. ثانيا: أما استدلالهم بالإجماع الواقع في زمن عمر – ﵁ – على إسقاط نصيب المؤلفة قلوبهم. فلا حجة لهم به – أيضا – لأن عمر – ﵁ – لم يسقط حكما ولم يعطل نصا. فإن عدم تطبيق النص، أو عدم تنفيذه لا يلزم منه إسقاطه أو تغييره وإنما كان ذلك لانعدام محله، وعدم موجبه.

стр. 2990

فإن الله – – أمر بجلد الزاني، وقد لا ينفذ هذا الحكم مرة واحدة. لعدم وجود الزاني، ولا يصح مع ذلك القول: بأن حكما قد سقط، أو نصا قد عطل. وهكذا: في مسألة المؤلفة قلوبهم. فإنه لا نصيب للمؤلفة قلوبهم عند عدم وجود فريق من الناس يطلق عليهم هذا الاسم. فلا محل – والحالة هذه – لنصيبهم الذي نصت عليه الآية، ولا فرق بينهم وبين ابن السبيل مثلا في احتمال عدم وجوده وعند عدم وجوده. لا يتعلق به حكم كما هو معرف. وكذلك الغارم والعامل وغيرهما. وهذا هو ما وقع في زمن عمر –﵁ فإن المؤلفة قلوبهم. لا يوجدون إلا إذا تألفهم الإسلام. وهو لا يتألفهم إلا إذا كان بحاجة إلى ذلك. فإذا انتفت الحاجة، لم يعد هناك من يتأليفه. فرأى أمير المؤمنين: انتفاء الحاجة إلى تآلف قلوب الأعداء بعد أن أصبح الإسلام ذا قوة وشوكة. فإعطاء المؤلفة قلوبهم –حينئذ- اعتراف غير صحيح بحاجة الإسلام إلى كف شر هؤلاء عن الإسلام الذي لم يعد بحاجة إلى ذلك. وعمر –نفسه- لا يخالف في وجوب دفع أنصبتهم لو دعت الحاجة إليه، أو كان أمر الدولة الإسلامية في حال لا يستقيم معه أمرها إلا بذلك. ففعل عمر ليس اجتهادا أدى إلى تعطيل النص أو إسقاطه. وإنما هو اجتهاد في تحقيق مناط الحكم. ومعلوم أن الاجتهاد المتعلق بتحقيق مناط الحكم لا علاقة له بأمر النص. وإنما هو استجلاء لحقائق الأشياء، وإدراكها على ما هي عليه. لتعلق حكم شرعي بها. كاستجلاء حقيقة البلوغ في الصبي [٢٥] . وفعل عمر ﵁ إنما هو تطبيق لموجبات النص، واعتبار لعلته، لأن إعطاء المؤلفة قلوبهم: معلل بحاجة الدعوة الإسلامية لذلك. وعندما يشتد ساعد المسلمين وتنعدم حاجتهم إلى تآلف قلوب الأعداء حينئذ تنتفي الحاجة إلى شراء تأييد هؤلاء وكف شرهم بالمال. لأن للمسلمين أكثر من وسيلة لكف الأذى عن أنفسهم وعقيدتهم.

стр. 2991

ومن أجل هذا يقول الأصوليون: إن حكم عمر هذا الذي وافق إجماع المسلمين هو من قبيل: انتهاء الحكم. لانتهاء العلة [٢٦] . وليس نسخا للحكم. لأن الإجماع لا ينسخ النص بل إن الجمهور على أن الإجماع ينسخ الإجماع. فما بالك بالنص [٢٧] . استدلالهم بقول ابن القيم ثالثا: إما استشهادهم بما قاله ابن القيم، فليس له أساس إلا سوء الفهم. فمع التسليم بكل ما جاء على لسان ابن القيم جملة وتفصيلا. فإنا لا نسلم بفهم الكاتب –المشار إليه- لما قاله ابن القيم. ذاك أنه اقتطع بعضا من كلامه، الذي لا يستقيم معناه إلا بضم بعض أجزائه إلى بعض. ففي مسألة [٢٨] : (المصلحة أصل الأحكام في الشريعة) استعراض ابن القيم بعض المسائل التي قد يتوهم: أن فيها معارضة للنص، أو تغييرا للحكم، وإسقاطا للعقوبة، تبعا لاختلاف الفتوى فيها، واختلاف فقهاء الصحابة في كيفية تطبيق النصوص عليها. فأوضح الخفاء في وجوه تلك المسائل، وبين: أن ما تظنه بعض الإفهام تناقضا، ليس هو كذلك في الواقع. وما تتوهمه إسقاطا، أو تصرفا في نص، إنما هو في دقة تنفيذه في الحقيقة. وقد ضرب ابن القيم لذلك بعض الشواهد، فوفق بين قوله –﵊: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده"وبين قوله: "من رأى من أميره ما يكره فليصبر، ولا ينزعن يدا من طاعة". وبين ابن القيم وجه تعطيل الحد في السفر (حين أتى برجل من الغزاة قد سرق فلم يقطعه بسر بن أرطأة [٢٩] ) ويرى ابن القيم أن ذلك لم يكن تعطيلا للحد، أو تغييرا للحكم، أو إسقاطا للعقوبة. كما قد يتوهم المتوهمون.. وإنما كان ذلك تطبيقا للنص من بعض وجوهه. فقد نهى رسول الله – ﷺ : "أن تقطع الأيدي في السفر والغزو، خشية أن يترتب عليه ما هو أبغض إلى الله من تأخيره. بأن يلحق صاحبه بالمشركين".

стр. 2992

ثم ذكر ابن القيم، قصة أبي محجن [٣٠] : حين شرب الخمر يوم القادسية، فلما أبلى في القتال بلاء حسنا لم يقم سعد ابن أبي وقاص عليه الحد، "لا والله لا أضرب اليوم رجلا أبلى للمسلمين ما أبلاهم فخلى سبيله" ... ثم عقب ابن القيم على ذلك كله فقال: "وليس في هذا ما يخالف نصا، ولا قياسا، ولا قاعدة من قواعد الشرع، ولا إجماعا". "وأكثر ما فيه تأخير الحد لمصلحة راجحة، إما من حاجة المسلمين إليه، أو من خوف ارتداده ولحوقه بالكفار، وتأخير الحد لعارض أمر وردت به الشريعة كما يؤخر الحامل والمرضع، وعن وقت الحر والبرد والمرض" [٣١] . هذا هو مجمل كلام ابن القيم: لا نرى فيه جانبا واحداً يدل على: أنه قصد –فيما قال- إلى جواز تغيير الأحكام بتغير الأزمان والأحوال بل على العكس من ذلك فقد كان دأبه في كل ما ذكره: إزالة اللبس عما يمكن أن يعد من هذا القبيل. فلا ندري: كيف فهم هذا الكاتب –من كلام ابن القيم- ما فهم إلا أن يكون قد خدع بالعنوان الذي أدرج ابن القيم كلامه تحته. فقد كان (فصل في تغير الفتوى واختلافها بحسب تغيير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد) ففهم من عبارة (تغير الفتوى) تغير الحكم. وليس الأمر كذلك. فإن الفتوى غير الحكم. وإنما هي بيانه [٣٢] ، وكيفية تطبيقه على المسألة. ولا يختلف الأمر في هذه المسألة –التي سردها ابن القيم- عن الصيام في رمضان مثلا. فإن حكمه هو الوجوب ولكن يفتى بإسقاطه عن الحامل المرضع. ولا يقال –حينئذ- بأن حكما قد أسقط، أو بدل، أو عطل وإنما هو تطبيق له من وجه آخر. استدلالهم بعمر

стр. 2993

رابعا: أما استدلالهم بما فعله، عمر –﵁ عام الرمادة حين عطل حد السرقة –على حد زعمهم- حيث اعتبروا عدم قطع عمر لغلمان حاطب بن أبي بلتعة- لما سرقوا: [٣٣] تصرفا في النص وتعطيلا للحد-: فهو استدلال مرفوض. لأن ما فعله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب –﵁ ما هو إلا: محض القياس، ومقتضى قواعد الشريعة الغراء- التي جعلت لكل حكم علة وشروطا يدور الحكم معها وجودا وعدماً. فإن آية السرقة: ليست نصا بالمعنى المقابل للظاهر. بل هي عام قابل للتخصيص [٣٤] . فهي لا تستعمل وحدها بالدلالة على حكم السرقة بالتفصيل قبل البحث عن المخصصات. وإذا فالتمسك بظاهر الآية وحدها دون النظر إلى ما يتعلق بها من مخصصات في السنة الصحيحة، إنما هو تنكب عن جملة الدليل. وقد خصصت السنة الصحيحة –كما ذكرنا في أكثر من مكان- كثيرا من آخذي مال الغير فلم تعتبرهم سراقا بالمعنى الذي تقطع به يد السارق. كآخذ الشيء التافه. وآخذ الثمر والكثر، والآخذ من غير حرز. وآخذ ما دون النصاب. وغير ذلك. ومن هذا القبيل –أيضا- من يأخذ مال الغير بدون حق، للضرورة [٣٥] . وكأن تكون السنة سنة مجاعة وشدة بحيث يغلب على الناس الحاجة الملحة لحفظ الحياة. فحينئذ يكون المظنون الغالب: أن لا يسلم سارق من ضرورة تدعوه إلى الحصول على ما يسد به رمقه. مما يجعل المالكين بحال يجب معها البذل والعطاء بالثمن، أو بدونه على خلاف في ذلك. والناس أرجح [٣٦] .

стр. 2994

فإذا سرق السارق في هذه الحالة خرج عن مدلول قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ وإلى هذا أشار أمير المؤمنين حين قال لحاطب بن أبي بلتعة: "إنكم تستعملونهم وتجيعونهم.. حتى أن أحدهم لو أكل ما حرم الله عليه حل له"فهل من قواعد الشريعة الإسلامية: أن تقطع أيديهم بعد ذاك؟ والضرورات تبيح المحظورات. ثم إن شبهة الضرورة في هذا المكان أقوى من كثير من الشبه التي جعلها الفقهاء سببا لدرء الحد. مثل كون المال المسروق مما يتسارع إليه الفساد، أو ادعاء السارق ملكية الشيء المسروق دون حجة قائمة، وغير ذلك من الشبه الضعيفة التي لا تعد شيئاً إلى جانب هذه الشبهة القوية التي ألجأت الإمام العادل إلى درء القطع عن غلمان حاطب [٣٧] . لولا ذلك لقطعهم. كما صرح هو بذلك حين قال: "لولا أعلم أنكم تجيعوهم لقطعت أيديهم". لأن الجائع مأخوذ مأذون له في مغالبة صاحب المال على أخذ ما يسد به رمقه ويحفظ عليه الحياة. ثم إنه على فرض التسليم: بأن ما فعله عمر بن الخطاب –﵁ كان تغيير للحكم، وإسقاطا للعقوبة. فليس فيه دليل على جواز ذلك. لأنه ليس فيمن دون رسول الله – ﷺ حجة. وهذا أصل يقره عمر بن الخطاب نفسه فيما رواه ابن وهب عن يونس ابن يزيد عن ابن شهاب، أن عمر بن الخطاب –﵁ قال: وهو على المنبر: "يا أيها الناس، إن الرأي: إنما كان من رسول الله ﷺ مصيبا، إن الله كان يريه. وإنما هو منا الظن والتكلف" [٣٨] . ومن ذلك ما أخرجه البيهقي، من طريق الثوري بالسند إلى مسروق، قال: كتب كاتب لعمر بن الخطاب، فذكر في آخر كتابه: "هذا ما أرى الله، أمير المؤمنين عمر. فانتهزه وقال: لا. بل أكتب: هذا ما رأى عمر. فإن كان صوابا: فمن الله، وإن كان خطأ فمن عمر" [٣٩] . ويقول –﵁: "السنة ما سنه الله ورسوله – ﷺ ولا تجعلوا خطأ الرأي سنة للأمة" [٤٠] .

стр. 2995

خامسا: أما قولهم: "إن التشريع الذي تلائم أحكامه أمة ويتفق ومصالحها قد لا تلائم أحكامه أمة أخرى ويعارض مصالحها"فهذا ما نستعيذ بالله من شر خطراته على الذهن. فإن هذه السمة، إن انطبقت على أحكام الشرائع الوضعية التي جبلت بضعف البشر، وقصر النظر، وضيق المدارك، فإنها أبعد ما تكون عن شريعة الله التي أحكم نسجها، وشهد بكمالها فقال [٤١] : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ وأقرها لكل زمان ومكان فقال –مخاطبا رسوله الكريم-[٤٢] : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ . وإن من أبسط الفروق بين الشرائع السماوية والوضعية هو [٤٣] : "أن التشريع السماوي من الله ، وهو محيط بكل ما دق وخفي من شئون عباده. يكون مستوفيا لما يعنيهم من وجوه المصالح التي يعلمها الله لهم حتى ينتهي الأمد الذي قدر لهذا التشريع بخلاف النظام الوضعي. فإنه من عمل الواضعين من ذوي السلطة في الجماعة. وليس من شك في أن الواضع يتأثر في تكوينه وفي عمله بالعوامل الاجتماعية، كالعرف والعادة والبيئة. وأن تلك العوامل عرضة للتغيير. فلا يكون القانون الذي وضعه الواضع في هذه الحالة ملائما لحالة أخرى". والله –حينما حكم بالقطع على السارق: لم يكن ليخفى على علمه، ما سوف يستجد من اختلاف الظروف والأحوال، ولو شاء لغير عقوبة القطع بعقوبة أخرى. أما وقد تم التشريع الإسلامي، وأكمل الله دينه –وعقوبة السرقة على حالها- فليس لا حد: أن يدعي أنه يعلم من وجوه المصلحة ما غاب عن علم الله –تنزه ذكره- ومن شقي بادعاء ذلك فليسمع قوله تعالى [٤٤] : ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ . (نقلا عن مجلة العربي)

стр. 2996

-------------------------------------------------------------------------------- [١] أنظر: الأحكام السلطانية للماوردي ص١٢٠ [٢] انظر: إعلام الموقعين ٢/٦٦ [٣] انظر: الموافقات للشاطبي ١/٢٣٧ [٤] انظر القواعد للعز بن عبد السلام ٢/٨٨ [٥] انظر: تفسير أبي السعود ٢/٢٦ فلسفة العقوبة - أبو زهرة – ص٢١٤. [٦] هو: أبو عبد الله محمد بن علي بن عمر التميمي المازري الصقلي. إمام أهل إفريقية وما وراءها من المغرب. وكان آخر المشتغلين من شيوخ إفريقية بتحقيق الفقه ورتبة الاجتهاد والنظر. توفي سنة ٥٣٦ هـ [٧] انظر: طرح التثريب ٨/٢٣ فتح الباري ١٥/١٠٤ [٨] انظر: القواعد ١/٤٠ [٩] انظر: لسان العرب ١١/٦٧٧ [١٠] سورة البقرة، الآية ٦٦. [١١] انظر: تفسير المراغي ٦/١١٥ [١٢] قيل: إن الذين قطعوا في الإسلام بالسرقة ستة فقط. [١٣] انظر: أعلام الموقعين ٢/١٠٣ [١٤] انظر: قواعد الأحكام ١/١١٦. [١٥] انظر: تفسير القرطبي ٦/١٧٥. [١٦] انظر: إعلام الموقعين ٢/٩٧ و ١٠٧. [١٧] انظر: تفسير القرطبي ٦/١٧٥. [١٨] من هؤلاء: معروف الدواليبي في كتابه: مدخل إلى علم أصول الفقه ص٣٢١، ومصطفى زيد في كتابه: المصلحة في التشريع الإسلامي ص٣١ وعلي حسب الله في كتابه: أصول التشريع الإسلامي ص١٥٦ وأحمد أمين في كتابه فجر الإسلام ص٢٣٨ الدكتور حمد الكبيسي في كتابه: مباحث التعليل ص٦٦ – ٦٧. [١٩] معروف الدواليبي: في المدخل ص٣١٨-٣١٩-٣٢٠. [٢٠] مصطفى زيد: في كتابه – المصلحة في التشريع الإسلامي – فقرة ٢١. [٢١] الأستاذ علي حسب الله. في كتابه – أصول التشريع الإسلامي – ص١٥٦ [٢٢] معروف الدواليبي – المصدر السابق ص٣٢١-٣٢٢. [٢٣] انظر: شرح التلويح على التوضيح ٢/٣٤. [٢٤] سورة يونس الآية ١٥.

стр. 2997

[٢٥] انظر: الموافقات للشاطبي ٤/١٦٥. [٢٦] انظر: شرح مسلم الثبوت ٢/٨٤. [٢٧] انظر: شرح التلويح على التوضيح ٢/٣٤. [٢٨] انظر: إعلام الموقعين ٣/١٧، ١٨، ١٩. [٢٩] هو: بسر بن أرطأة " أو أبي أرطأة "العامري القرشي أبو عبد الرحمن. قائد فتاك من الجبارين. ولد بمكة قبل الهجرة أصيب في عقله على آخر أيامه وبقي كذلك إلى أن مات بدمشق وقيل بالمدينة سنة ٨٦ هـ. [٣٠] عمرو بن حبيب بن عمرو بن عمير بن عوف، بطل شاعر كريم، أسلم سنة ٩هـ كان منهمكا في شرب النبيذ. فلما وقعت قصته مع سعد ترك النبيذ، وقال كنت آنف من أن أتركه من أجل الحد. فلما وقعت قصته مع سعد سنة ٣٠هـ. انظر: خزانة الأدب للبغدادي ٣/٥٥٣. [٣١] انظر: إعلام الموقعين ٣٠/١٩. [٣٢] انظر: المصباح المنير ٢/١٧٥. [٣٣] رواه مالك في الموطأ: أن غلمة لحاطب سرقوا ناقة لرجل من مزينة، فانتحروها فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب، فأمر عمر: كثير بن الصلت أن يقطع أيديهم، ثم قال عمر: أراك تجيعهم؟ ثم قال: والله لأغرمنك غرما يشق عليك، ثم قال للمزني: كم ثمن ناقتك؟ فقال المزني قد كنت والله أمنعها من أربعمائة درهم. فقال عمر: أعطه ثمانمائة درهم. انظر: المنتقى على الموطأ ٥/٦٤. [٣٤] انظر: أحكام القرآن لابن العربي ٢/٦٠٢ تفسير الرزاي ٣/٤١٥. [٣٥] انظر: تبصرة الحكام ٢/٣٥٣ – الروض النضير ٤/٢٣٤. [٣٦] انظر: الحاوي ١٨/١٠٨. [٣٧] ابن أبي بلتعة، صحابي شهد الوقائع كلها مع رسول الله، وكان من اشد الرجال توفي بالمدينة سنة ٣٠هـ. انظر: الإعلام ٢/١٦٣ [٣٨] انظر: إعلام الموقعين ١/٥٤. [٣٩] قال العسقلاني: إسناده صحيح. انظر التلخيص الحبير ٢/٤٠٦. [٤٠] إعلام الموقعين ١/٥٤. [٤١] سورة المائدة، الآية ٣. [٤٢] سورة سبأ، الآية ٣٨.

стр. 2998

[٤٣] انظر: تاريخ الفقه الإسلامي للسايس ص٩. [٤٤] سورة القصص، الآية ٥٠.

стр. 2999

الإسلام حرية منظمة وإخاء بقلم: الشيخ السعيد الشربيني الشرباصي المدرس في كلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة كان هدف الإسلام العقائدي الأول تحرير العقل البشري من قيود الجهالة، وانحرافات الضلالة، وتخليص العقيدة من جمود الفكر وتبلد الحس، وتنقية النفس من أسر التقليد وعبودية العادة. فلقد كان الإنسان قبل مجيء الإسلام يعيش في سجن مغلق يمسك بمفتاحه السلطان الكهنوتي الذي يوجه العقول وفقا لخطة استغلالية مرسومة، وتبعا لمصالح ذاتية موضوعة. هذا في الغرب. وفي الشرق كان يمسك بالزمام جماعات من الأحبار والرهبان لا ينهضون لتحرير العقيدة، وإنما ينهضون لبقاء سلطتهم وتثبيت نفوذهم على ما كسبوا من أتباع، وما انضم إليهم من أشياع. وفي مكة الذات كان يقف إلى جانب سلطان الأحبار والرهبان سلطان رهيب من العصبية الحمقاء، والتقاليد الموغلة في الضلال، والعادات العريقة في الانحراف. وجاء الإسلام بنوره، وبزغت فكرة التوحيد الإسلامية البسيطة، تشع وضوحا وبساطة وإقناعا، ليست في حاجة إلى فلسفة معقدة أو إلى مغالطة مبلبلة أو إلى جدال عقيم. إنما تعطى المبدأ الحقيقي في يسر وسهولة وفي إشراق وإقناع. وبرز إلى الوجود الشعار الصادق الخالد: (لا إله إلا الله، محمد رسول الله) . وأعلن الرسول الكريم –صلوات الله وسلامه عليه- مفتاح الباب إلى الإسلام، وأعطى إشارة المرور للحيارى والضالين ليعبروا منطقة الظلام إلى منطقة الأمان. وما أروع هذا الشعار وما أعظمه، وفي الوقت نفسه ما أبسطه وأيسره. لأنه يعطى الحقيقة كلها عن الوجود وخالقه مجردة لا غموض فيها ولا إبهام، ولا تعقيد ولا جمود.

стр. 3000

ولقد حرص رسول الإسلام – ﷺ على بقاء هذا الشعار واضحا متجردا، وحذر مما وقع فيه أتباع الديانات السابقة من خلط وتلبيس، ومن تحريف وتدليس. ونادى بتجريد فكرة التوحيد من كل ما يوحي بالشرك، بل نادى بالابتعاد عما يوهم به، ولو كان هذا الإيهام في المظهر أو في المخبر، في الصورة أو في الحقيقة، في العبادة أو الحياة الفردية أو الحياة العامة. وضمن هذه العقيدة الواضحة تقررت العلاقة المباشرة بين الفرد وخالقه. فهو لا يحتاج في استقبالها إلى وسيط، ولا يتوقف فهمها على سدنة أو أحبار. وإنما مجرد دعاء صادر من الأعماق يردد. لا إله إلا الله محمد رسول الله. وضمن هذا الوضوح البالغ تقرر بالأصالة تحرير الفرد من سلطة الكهنة، وتحريره من التبعية للأحبار أو الرهبان ... ويستطيع كل ذي سمع أن يسمع (الشعار) أو يفهمه ويرتضيه دينا له، ويباشر عبادته مع ربه ومولاه. وكما حرر الإسلام عقيدة الفرد، حرر حياته ووجوده، فهو خليفة الله في الأرض يتحمل المسئولية، ويشارك في مهام الوجود في الدائرة التي هيئ لها، فهو راع، وكل راع مسئول عن رعيته. وأمام توزيع المسئولية على الجميع بلا استثناء أصبح الكل سواسية بلا استثناء، وإنما الخلاف فقط في نوع المسئولية، والخلاف في اختلاف مواقع المسئولية. ولكن الكل محاسب والكل يتحمل واجبات معينة أمام المجتمع الإسلامي العام، والكل مسئول. وتجاه هذه المسئولية وأمام هذه المساواة، فلكل فرد حقوقه الذاتية، فهو حر في تكوين منزلة، حر في اختيار العمل الذي يزاوله، حر في كسب عيشه. وقد صان الإسلام هذه الحرية فلا يصح لأي سلطة التدخل في هذه الحرية إلا بحق توجه عليه أو بواجب لزمه.

стр. 3001

وأمام هذه الحريات الأصلية تقوم واجبات معينة، هذه الواجبات هي التي يمليها النظام العام للجماعة، والتي تحتها المصلحة المطلقة للأمة. فالحرية ليست فوضى، والحياة ليست انطلاقة نحو التدمير والتخريب تحت سلطان الرغبة وميل النفس وجموح الهوى. ولنسمع إلى القرآن الكريم وهو يقرر هذا الشعار النبيل: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ لم يطالب القرآن بالعقوبة، ولم يدع إلى الانتقام. وإنما دعا إلى التفكير في القضية كلها بدايتها ثم تسلسلها ثم نهايتها. لأن الفرد المتأمل لهذه القضية سيدرك أن محاولته العدوان على غيره ليس تحطيما لهذا الغير وحده، وإنما تحطيم لنفسه أيضا. وأنه ما دام قد وهبة الله العقل والتفكير فيتحتم عليه أن يصل إلى النتيجة الحتمية. وهي أن القصاص حياة له، وحياة لغيره، وحياة للمجتمع. ولو تتبعنا صورة للعدوان في مجتمع بدائي لوجدنا أن الأمر يجري على هذا النحو.. يبدأ فرد بالعدوان على آخر، وبذلك يكون قد حكم على نفسه بالموت لأن أنصار القتيل لن يتركوه من غير انتقام. وعندما تتم عملية الانتقام تتبعها عملية مماثلة وهكذا يتحول القتل إلى سلسلة متوالية تهدد حياة الجماعة وتحرم المجتمع أمنه واستقراره، فلا يركن فرد فيه إلى الدعة أو الاستقرار لأنه يتحول أما مطلوب لدم، أو مطالب بدم. ومن هنا جاء النظام الأم، النظام الأصل، التشريع الإسلامي العادل الرحيم وصاح في الأغبياء هبوا أيها الضعاف، وأدركوا الحقيقة. أن القصاص ليس عقوبة، وليس قسوة ولكنه رحمة بل إنه الحياة، وما أقل حوادث العدوان في مجتمع يأخذ به، وما أكثر حوادث العدوان في مجتمعات عطلته. إن الله اللطيف الخبير أعلم بالأسرار والخفايا.. ولهذا كان القصاص حياة.

стр. 3002

وفي الحرمات كلها تتكرر القصة وتتمثل الصورة الرائعة. فإن أردت أن تحمي مزرعتك من العدوان فلا تعتدي على مزرعة غيرك، وإن أردت أن تصون حماك فلا تقتحم حمى لسواك. وإذا تطلعت إلى عورات جرك أعطيت له الفرصة ليتطلع إلى عوراتك وقدمت له السلاح الذي يستخدمه ضدك. وكما تدين تدان، والديان لا ينام، والرقيب العليم لا يخطئ ولا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء. والحرية التي يدعيها المهرجون، ويتشدق بها دعاة الهمجية ليست حرية وإنما هي بوهيمية نازلة، وفوضى سافلة تعود بالمجتمع إلى حياة الحيوانات. فلا حدود للأعراض، ولا حدود للحقوق، ولا حدود للواجبات، ولا حدود للأخلاق، وإنما يعيش الناس في مهزلة جماعية يشترك فيها الجميع وهي مهزلة مبكية ومضحكة في وقت واحد. يدعي الكل فيها أنه حر وهو في الواقع أشد ما يكون عبودية لأخس الرغبات وأحط الرذائل، يعيش في مجتمع يسيطر عليه النفاق والخداع والمداهنة، وتستولي عليه المجاملات الكاذبة بينما يغلي بالنقد الأخرس والحقد الأسود والسخط المكبوت. فلا أحد راض عما يحدث حوله لأن ما يحدث هجوم فعلي على عقائده، ولكن لا أحد يتكلم لأن الكل يتشدق برنين أجوف باسم الحرية، وباسم التصرف الشخصي. لقد صور الرسول النبيل – ﷺ فكرة الحرية في بساطة الإسلام ووضوح العقيدة بصورة حسية حينما ضرب المثل بقوم كانوا في سفينة، واحتل بعضهم المواقع العلوية في السفينة، واحتل آخرون الموقع الأسفل منها. وكان على الرابضين في الموقع الأسفل أن يستقوا الماء بواسطة إخوانهم الذين يعيشون في أعلى السفينة ولكن شيطان الحرية وسوس لهم، وطالبهم بالثورة على هذه التبعية باسم الحرية الحمقاء. وهتفوا: لماذا لا نخرق في مكاننا خرقا نأخذ منه الماء مباشرة من البحر لنتحرر من التبعية. ولو مضى هؤلاء النفر ينفذون خطتهم باسم الحرية فماذا ستكون النتيجة؟

стр. 3003

يرد الرسول الكريم –﵊ على هذا السؤال فيقول: "فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا. وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً". والواقع أن بعض المفلسين لا يضره أن يحترق السوق بما فيه لأنه لن يبيع ولن يشتري، ومثله بعض المأفونين الذي لا يضره صلح المجتمع أم فسد، وإنما يردد: علي وعلى أعدائي. وإذا كان الرسول – ﷺ قد عالج في الحديث السابق قضية الفوضى ووضع حدا للحرية. فهو في حديث آخر يسجل أسس النظام، وقواعد المعاملة في إطار المجتمع. ويسجل أن الإسلام دين الأمن والأمان، وشرعه النظام والوئام. يروي مسلم في صحيحة عن أبي هريرة: "أن رسول الله ﷺ قال: "من حمل علينا السلاح فليس منا. ومن غشنا فليس منا". وفي الشطر الأول من الحديث إقرار لأمن الجماعة وحماية لاستقرارها، ودعوة صريحة لاحترام النظام القائم ولتقديس الأمن الداخلي للأمة، لأن محاولة الخروج عليه فتنة لا تأتي إلا بالدمار والهلاك. فما دامت الحياة ماضية على سنن الإسلام وهدي القرآن، وراية الدين عالية ودستور القرآن منفذ، والأحكام الشرعية سارية يتحتم علينا أن نقف إلى جوار هذا الأمن عاملين على تدعيمه ليكون شوكة في ظهور العصاة وحربا على المجرمين، ولتكون له القدرة في الدفاع عن الحدود والوقوف في وجه أعداء الدين والإسلام. ولقد أنذر الرسول –صلوات الله وسلامه عليه- كل من يخرج على هذا الأمن بأنه ليس منا وليس في جماعة المسلمين. لأن الإسلام دين سلام ونظام لا يرضى بالفوضى ولا يقبل العبث وإنما يدعو أعوانه إلى الحب والإخاء والمودة والتصافح والتعاون لا إلى التناحر أو الخلاف. وأما تدعيم الإسلام لنظام المعاملة ولإرساء قواعد الأخذ والعطاء. فقد تحدث عنه الحديث في الشطر الثاني حيث يقول: "ومن غشنا فليس منا".

стр. 3004

وإذا كان الأمن الداخلي هو عمود الاستقرار، ومحور السلام والنظام. فإن النظام الاقتصادي الصحيح هو عمود الرخاء ورفع مستوى المواطنين وتوفير العيش والحياة الكريمة لهم. ولم يترك الإسلام أمر ذلك للحرية المطلقة لتتحول الحياة الاقتصادية إلى مضاربات ومراهنات، وإلى مقامرة أو مغامرة بل حرم الربا والمراهنة أو المقامرة وحرم الغش والخداع. وأعطى التشريع الإسلامي للمشتري الحقوق التي تكفل له الرجوع على البائع عندما يخدعه أو يغشه. "فالبيعان بالخيار ما لم يتفرقا". فإذا تفرقا لا ينتهي الأمر بهذا التفرق بل لكل منهما حق الرد بالعيب إذا ظهر في العين المشتراة عيب لم يعلنه البائع للمشتري، أو حدث منه تدليس. وكذا للبائع رد الثمن إذا ظهر أن النقد الذي قبضه مزيف أو فيه عيب من العيوب. وبهذه القواعد، وبهذا التحذير الرهيب، الذي يهدد بطرد "من غشنا"من جماعة المسلمين يتحتم على كل من يعمل في حقل التجارة أن يكون أمينا في معاملاته، صادق النية في أخذه وعطائه. والتاجر الذي يخدع أخاه، إنما يخدع نفسه، لأن دولة الباطل لا تدوم، وثوب الخداع يشف عما تحته. والقرآن الكريم يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ . الأنفال، الآية ٢٧. وأذكر أن الأستاذ الشيخ مصطفى عبد الرزاق شيخ الأزهر الأسبق وقف يتكلم في احتفال عام ولكن بعض الحمقى حاول إفساد نظام الحفل. فإذا به يتنمر ويقول ما خلاصته: إن الله أقام عالمه على أساس النظام فالشمس تجري لمستقر لها محسوب ومقدور، والقمر قدرناه منازل، فلا الليل يسبق النهار ولا يحدث العكس. ولو اضطرب أمر النظام ولو بأقل من شعرة لاضطراب أمر العالم. فالنظام سر الكون وهو عمود الحياة وقوام الوجود ولولاه لأصبحت الحياة فوضى لإقرار فيها.

стр. 3005

ونظرة هادئة –ولا أقول فاحصة ولا متعمقة- إلى التشريعات الإسلامية تجدها تعطي أجمل صورة للنظام وللعدل ولوضع الأمور في نصابها. تأمل معي عشرات الألوف ذات الأمزجة المختلفة والطبائع المتباعدة والجنسيات المتفرقة، وهي تقف متراصة مصطفة داخل مسجد الرسول –﵊ تجمعها كلمة واحدة (الله أكبر) وتسرحها كلمة واحدة (السلام عليكم) . لقد شاهدت بنفسي الجيوش وهي تتجمع في المناسبات ورأيت ما تحدثه من فوضى، وما تأخذه من وقت رغم التدريب المتواصل والمران البعيد المدى. وتأمل معي هذه الجماعات من الباعة وذوي الحرف، وهي تهرول في طريقها إلى منادى الصلاة، تتوضأ خمس مرات في اليوم في أوقات متباعدة. هل لأمة من الأمم مثل هذا النظام مهما بلغت حضارتها وتقدم النظام الصحي فيها. ثم هذه الزكاة التي تضع أفضل نظام لتقريب الفوارق بين الناس، وتمضي حسب خطة عمادها التعاون والإخاء لا الطغيان أو العنف. فالذي يعطي راض، بل وشاكر لله على توفيقه، والذي يأخذ راض، وشاكر لله على نعمائه وعلى ما هيأ له من إخاء وإيمان وإسلام. وشاكر أخاه داعيا له راجيا الخير للمجتمع. فلا حقد ولا سخط ولا انحلال أو فقدان للثقة أو انعدام للمسئولية. والحق أن الإسلام كل صوره عدالة وبساطة ويسر، وسلام وحب ونظام.

стр. 3006

الإسلام والحياة بقلم أحمد عبد الرحيم السايح (من علماء الأزهر) حضارة الإسلام يمتاز الإسلام بأنه دين الحضارة الإنسانية الكاملة بمعنى أنه كان منذ نزوله دين عبادة ودين معاملة. وأنه أنشأ لونا من الحضارة عرف باسمه (وهو الحضارة الإسلامية) . ومفهوم كلمة الحضارة مفهوم تطور مع الزمن لا سيما في تاريخ الحياة العربية الإسلامية والمفهوم الأصيل لكلمة الحضارة في اللغة العربية أنها: تعني حياة الحضر والإقامة الثابتة في المدن والقرى وعكسها البداوة وهي حياة التنقل من البادية. ولقد عرف العرب الفارق بين حياة البادية وحياة الحضر منذ كانت بادية وكان حضر. ولكن أول من تصدى لهذا التمييز على أساس من الدراسة والتسجيل والتحليل العلمي هو العلامة عبد الرحمن بن خلدون، بل إن هذا العالم العربي هو أول من عالج شئون الحضارة بطريقة علمية تحليلية. على أنه إذا كان ابن خلدون قد بلور مفهوم الحضارة عند العرب على أنها ذلك النمط من الحياة المستقرة والذي يناقض في مضمونه البداوة. فينشئ القرى والمدن ويضفي على أصحابها فنونا منتظمة من العيش والعمل والاجتماع والعلم والصناعة وإدارة شئون الحياة. إذا كان ابن خلدون قد بلور هذا المعنى التاريخي واعتبر الحضارة غاية العمران فإن مفهوم الحضارة في العصر الحاضر قد امتد إلى ألوان من المعنى هي أبعد وأوسع مما رآه ابن خلدون في عصره، وفي بيئته العربية، في انتقالها الاجتماعي والسياسي والمدني من البادية إلى الحضر. ولئن كان بعض العرب القدامى قد استعملوا لفظ (مدني) بمعنى (اجتماعي) فإن مفهوما آخر ظهر واتصل بها وأصبح الآن يعرف باسم المدينة. وابن خلدون نفسه كان سباقا في هذا المجال اللفظي فاستعمل كلمة (التمدن) وكان يعني بها (التحضر)

стр. 3007

على أن تلك المفاهيم اللغوية إنما نشأت في بيئة عربية كانت حياة الحضر فيها تقابل حياة البادية. ولكن هذه الحالة من التقابل لا تكاد توجد بصورتها التقليدية إلا في جهات قليلة جدا خارج العالم العربي. ولذلك فإن لفظ الحضارة في مفهومه العالمي ومفهومه الحديث المعاصر بصفة خاصة قد أصبح أكثر اتساعا مما كان يدل عليه في مفهومه اللغوي والتقليدي وإذا كان أصل معنى الحضارة (بفتح الحاء وكسرها) الإقامة في الحضر، فإن المعاجم اللغوية الحديثة تعرف الحضارة في استعمالها المولد بأنها: مظاهر الرقي العلمي والفني والأدبي والاجتماعي والاقتصادي في الحضر. وقد يكون من المفيد معرفة مفهوم لفظتين أخريين لهما في الحياة الإنسانية شأن كبير وأثر واضح. وهما الثقافة والمدنية. فأصل مادة التثقيف في اللغة العربية: التشذيب والتهذيب والتقويم والحذق والفطانة، والمعاجم اللغوية تعرفها في الاستعمال المحدث بأنها: العلوم والمعارف والفنون التي يطلب الحذق فيها. ونستطيع أن نقول أنها: تشمل كل ما يتصل بالروح والفكر والعقل والذوق والمشاعر وهي حصيلة الحياة الإنسانية في مجالات الحياة كلها. وتجمع أنماط الحياة الروحية والفكرية واللغوية والأدبية والفنية. ولها صورها التي تتعدد وتتلاقى بين الشعوب والتي يتصل بعضها بتراث الإنسانية المشترك. ومادة مدن وتمدن متصلة بالمدنية والعيش فيها والأخذ بأسباب الحضارة وقد اتصل لفظ المدنية في المفاهيم الجارية بالجانب المادي والمظهري من الحياة. وذلك من حيث مقوماتها الطبيعية ومنشآتها الملموسة. وكذلك من حيث الأنماط المعيشية في أسسها المادية وفي صورتها المحسوسة في حياة المجتمع. وما يتصل بهذه المظاهر المادية والمحسوسة في حياة الجماعة من قواعد ونظم وأعراف. والحضارة بمفهومها الحديث هي: الحصيلة الشاملة للمدنية والثقافة ومجموع الحياة في صورها وأنماطها المدية والمعنوية.

стр. 3008

وبعبارة أخرى هي: الخطة العريضة التي يسير فيها تاريخ كل شعب من الشعوب على الأرض ومنها الحضارات القديمة والحضارات الحديثة المعاصرة ومنها الأطوار الحضارية الكبرى التي تصور انتقال الإنسان أو الجماعات الخاصة من مرحلة إلى مرحلة. ولئن كان الإسلام قد امتاز بأنه دين الحضارة الإنسانية من حيث تقدير حرية الفكر، وحرية الإنسان وكرامته، وتشجيع المعرفة والنظام والمساواة بين الناس في ظلال إخاء شامل وعدل تام وروحانية صافية واعتزاز بالمثل العليا والقيم الأخلاقية الرفيعة. فإن واقع الأمر يبين للدارس والباحث والمفكر أن الحضارة الإسلامية استمدت مقوماتها وعناصرها ووجودها وأسباب نمائها من الإسلام ذاته. وإذا كان ظهور الإسلام قد سبقه في الجزيرة العربية وما جاورها، حضارات أقدم منه. كما سبقته أيضا في البلاد التي انتشر فيها ألوان من الحضارات القديمة ذات الطابع المحلي أو الإقليمي. فإن الإسلام بطبيعة الذاتية استطاع أن يضفي على البلاد التي شملها لونا مشتركا من الفكر الديني والحياة. والمعاملات والعلاقات الإنسانية والاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية حتى أصبح هناك قدر حضاري مشترك بين المسلمين في مختلف الأقطار وبلاد الدنيا كلها شرقا وغربا.

стр. 3009

المسئولية في الإسلام بقلم الشيخ عبد الله قادري المشرف الاجتماعي بالجامعة حقوق البنت على أبيها البنت الصغيرة التي عمرها اليوم مثلا ست سنوات ستصبح بعد عشر تقريبا، زوجة وأما وربة بيت، ودور المرأة في المجتمع دور عظيم، وأمامها واجبات هامة تصل البشرية بتحقيقها، إلى حظ كبير من السعادة المنشودة، ولذلك يجب أن يعتنى بها من صغرها، عناية تحقق لها القيام بمهامها، نحو أبيها وأمها وأهل بيتها الذي تربت فيه أولا.. ثم نحو زوجها وولدها، وبيتها الذي تصبح مربية فيه ثانيا، ثم نحو مجتمعها الذي ستشارك في بناء لبناته ثالثا.. والبنت تشترك مع الابن في الحقوق الماضية غالبا وهناك أمور أخرى تخصها وهي التي أريد التنبيه عليها هنا. ١- التدبير المنزلي، من أهم الأمور التي ينبغي أن يعتنى بها للبنت تعليمها منذ صغرها واجبات المنزل التي إذا قامت بها أظهرته بالمظهر اللائق به من تنظيم وتنظيف للبيت وأثاثه وغسل وكي للثياب وطبخ متنوع للطعام وخياطة واقتصاد وغير ذلك من الأمور التي تهمها في بيتها وقد يقول القائل هذه الأمور التي تتعلق بالمنزل يجب أن تذكر في واجبات الأم لأن الأمور المنزلية تختص بها وتستطيع بنتها أن تتعلمها منها عمليا فما سبب ذكرها في حقوق البنت على الأب؟ والجواب: أن هذا الإيراد صحيح لو كانت الأمهات كلهن يحسن التدبير المنزلي، ولأمر ليس كذلك فإن كثير من الأمهات لا يحسن هذه الأمور، ولذا فإن من حق البنت التي لا تحسن أمها تلك الأمور أن يعتني بها أبوها حتى تحسنها إما بإدخالها مدرسة خاصة بالبنات –إذا لم يكن في ذلك خطر على سلوكها لسوء سلوك المعلمات في المدرسة وإما باستئجار امرأة خاصة تعلمها في البيت حتى لا تصبح تصرفاتها في المستقبل شقاء على نفسها وأهلها وعلى زوجها وأولادها ومجتمعها.

стр. 3010

٢- تربية الأولاد، ويجب أن تمرن كذلك على كيفية تربية الأولاد الجسمية من غذاء منظم وتنظيف جسم وثوب وتمريض والروحية في وقتها المناسب من ترويض على الأخلاق الحسنة كالصدق والأمانة والتحذير من أضدادها فإن الأم هي المدرسة الأولى إذا أحسنت الإعداد كانت عاملا فعالا في تربية الجيل الناشئ، كما مضى والعكس بالعكس. ٣- تعليمها حقوق الزوج، ويجدر بالأب أن يعلم ابنته حقوق الزوج –وسيأتي تفصيلها في حقوق الزوج على الزوجة عند الكلام على هذه الفقرة من الحديث "والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها"- من طاعة وعدم عصيان وغير ذلك. ٤- الحجاب والحشمة، ويجب على الأب أن يلاحظ ابنته ويمرنها على الحجاب ويحذرها من السفور ويحثها على الحشمة والعفة وعدم التهتك ويخبرها بأن ذلك من دينها الذي يجب أن تؤديه كما أمرها ربها حتى تكون مثالا يقتدي بها غيرها من صاحبة وجارة وبنت وغيرهن وحتى يأمنها زوجها على نفسها عندما يظهر له منها العفة والكرامة. ٥- اختيار الزوج الكفء، ويجب أن يختار لها الزوج الكفء المعروف بالصلاح والتقوى والأخلاق الفاضلة حتى إذا دعت الحاجة إلى عرضها عليه فعل كما كان الخلص من السلف الصالح يفعلون ذلك فإن الزوج قرين الحياة يجب أن يكون زوجا صالحا يحسن عشرة الزوجة ويقوم بحقها، ويصبر عليها.

стр. 3011

٦- ومن الحقوق التي يجب على الأباء الانتباه لها والعمل بها التسوية بين الأولاد في العطية والنفقة والكسوة وغير ذلك لأن ذلك من العدل الذي أمر الله به، وهو فوق ذلك من أسباب الألفة بين الأولاد وعدم عقوق الأب ولا يجوز له أن يفضل بعضهم على بعض لأن ذلك من الظلم الذي نهى الله عنه وقال فيه الرسول ﷺ : "الظلم ظلمات يوم القيامة" ولأن تفضيل بعضهم على بعض سبب في بث الحقد بينهم وفي عقوق بعضهم للأب فلا يجوز له أن يساعد الشيطان على دخوله بين الأولاد للإفساد بينهم والدليل على وجوب التسوية بين الأولاد ما ثبت في الصحيحين من حديث النعمان بن بشير ﵁ أن أباه أتى به إلى رسول الله ﷺ فقال إني نحلت ابني هذا غلاما كان لي فقال رسول الله ﷺ : "أكل ولدك نحلته مثل هذا"فقال، لا. فقال: "فأرجعه" وفي رواية لمسلم من حديث جابر قال: "فليس يصلح هذا فإني لا أشهد إلا على الحق" وفي رواية لمسلم أيضا من حديث النعمان "اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم" وفي رواية لأبي داود "لا تشهدني على جور إن لبنيك عليك من الحق أن تعدل بينهم" هذه الروايات واضحة في وجوب التسوية بين الأولاد وللعلماء في ذلك خلاف، جمهورهم على الاستحباب ولكن الحق أحق أن يتبع وإن خالف الجمهور، فقد سمى الرسول ﷺ التسوية بين الأولاد تقوى وحقا، وعلا وما سوى الحق إلا الباطل وما سوى العدل إلا الظلم هذا الذي ترجح لي من النصوص ومن أراد زيادة بيان فيراجع نيل الأوطار ج٦ ص٧-١١، والله تعالى أعلم. هذه بعض الأمور التي أردت التنبيه عليها من حقوق الأولاد على الآباء، وهي إن لم تستوف كل الحقوق تعتبر كالأمهات يمكن إدراج ما لم يذكر فيما ذكر. حقوق الزوجة على الزوج

стр. 3012

أنعم الله تعالى على الزوجين فجعل بينهما مودة وهي المحبة، ورحمة وهي شفقة أحدهما على الآخر قال تعالى في سورة الروم: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ وتحقيقا لتلك المودة والرحمة وسكون أحد الزوجين إلى الآخر، جعل الله لكل منهما حقوقا على قرينه إذا قام بها كل منهما التأم شملهما وتحققت لهما العشرة الطيبة من كلام الجانيين ولكون المقام الآن مقام بيان حقوق الزوجة على الزوج أبدأ بها واذكر ما تيسر لي منها باختصار. ١- العشرة الحسنة، من حقوق الزوجة على زوجها العشرة الحسنة واللطف واللين معها وعدم إغلاظ القول لها والصبر على ما قد يبدر منها مما لا ينبغي من إنكار لنعمة الزوج أو سوء معاملته، في بعض الأحيان كما ينبغي للزوج عندما يرى منها ما لا يرضاه، مما لا يمس الشرف والعرض، أن يذكر إلى جانب ذلك صفات أخرى تعجبه منها ويجعل الأخلاق السيئة بمنزلة النار، ويجعل الأخلاق الحسنة بمنزلة الماء، والماء يطفئ النار، وقد أوصى الرسول ﷺ بذلك، ففي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : "إن المرأة كالضلع إن ذهبت تقيمها كسرتها، وإن تركتها استمتعت بها على عوج" وفي لفظ "استوصوا بالنساء فإن المرأة خلقت من ضلع وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج فاستوصوا بالنساء" وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة أيضا أن رسول الله ﷺ قال "لا يفرك مؤمن إن كره منها خلقا رضي منها أخر"، وروى أحمد والترمذي –وصححه- عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا، وخياركم خياركم لنسائه".

стр. 3013

٢- النفقة والكسوة، ومن الحقوق الواجبة للزوجة على زوجها الإنفاق عليها وكسوتها على قدر حاله من غنى وفقر وما بينهما ولا يكلف ما لا يطيق لأن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها، ونفقتها مقدمة على نفقة غيرها، ففي المسند وصحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : "دينار أنفقته في سبيل الله ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجرا الذي أنفقته على أهلك" وروى أحمد وأبو داود والنسائي من حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال لرجل: "ابدأ بنفسك فتصدق عليها فإن فضل شيء فلأهلك فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا". خذي ما يكفيك وولدك بالمعرف وإذا لم يعط الزوج زوجته ما يكفيها ويكفي أولادها من النفقة والكسوة وقدرت على أخذ شيء من ماله فلها أن تأخذ ما يكفيها ويكفي أولادها دون إسراف ولا تقتير، بدون إذنه ففي الصحيحين وغيرهما عن عائشة ﵂ أن هنداً قالت يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت من ماله وهو لا يعلم فقال: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف"فإن أعسر الزوج إعسارا تتعذر معه النفقة واختارت الزوجة فراقه لعدم صبرها عليه، فقد ذهب أكثر العلماء، إلى أنه يفرق بينهما، وخالف آخرون، والذي يظهر من أصول الشريعة أن لها الحق في مفارقته دفعا للضرر وقد ورد في السنة ما يدل على ذلك، راجع نيل الأوطار ٦/٣٤٣.

стр. 3014

٣- العدل بينها وبين ضراتها، ويجب على الزوج أن يعدل بين أزواجه فإن الله تعالى عندما أباح للرجل الزيادة على الواحدة قيد ذلك بالعدل قال تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ ويكون العدل في أمور كثيرة أذكر منها ما يلي باختصار: أ- في المبيت، يجب على الزوج أن يساوي بين الزوجات في مبيته، فإذا بات عند هذه ليلة بات عند تلك مثلها، وإن بات أكثر فكذلك، فقد كان الرسول ﷺ يقسم بين زوجاته –مع أن القسم غير واجب عليه عند كثير من العلماء- ففي الصحيحين عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يسأل في مرضه الذي مات فيه، "أين أنا غداً، أين أنا غداً" يريد يوم عائشة فأذن له أزواجه يكون حيث شاء فكان في بيت عائشة حتى مات عندها. ب- إذا أراد سفرا تصحبه فيه إحداهن، فإن رضين بسفر من يريد منهن، وإلا أقرع بينهن كما كان يفعل ذلك الرسول ﷺ . كما في الصحيحين. ج- في النفقة والكسوة، والعطية وغيرها من أثاث البيت ونحوه ولا يجوز له أن يفضل إحداهن على الأخرى في كل ما يستطيع. ٤- ومن حقوق الزوجة على زوجها أن يعلمها أمور دينها التي لا عنى لها عنها، كالطهارة بأنواعها من الجنابة والحدث والحيض وكأركان الإسلام الخمسة ونحوها من الطاعات لأن الله تعالى يقول في كتابه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ ووقاية الأهل من النار تحصل بتعليمهم ما يجب عليهم وما يحرم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر كما يجب أن يعلمها بحقوقه عليها، حتى تقوم بأدائها ولا يحصل بينهما نزاع بسبب جهلها بذلك.

стр. 3015

٥- ويجب عليه أن يحفظها ويحرص على عفتها وكرامتها واحتشامها بالبقاء في بيتها وعدم الخروج منه لغير حاجة، وإذا خرجت يجب أن تكون محتجبة غير سافرة لئلا يطمع فيها الفسقة كما هي عادتهم مع المرأة التي لا تظهر بمظهر الاحتشام، والرجل الذي يسمح لزوجته تخرج بين الرجال مظهرة لهم زينتها ويدعها تختلط بالأجانب رجل ديوث فاقد شعور الإنسان النزيه ومخالف للدين الذي يأمر بالحجاب ولقد أصبح الكثير من رجال المسلمين لا يبالون أن يكونوا ديوثين تلتقي زوجاتهم بالأجانب وتصافحهم وتتحدث معهم وهي سافرة كاشفة كثيرا من جسمها وربما يسمح لها باستقبال أصدقائه في بيتها وهو غائب فيحصل ما يحصل من الشر والفساد. ٦- السماح لها بالخروج، ومن حقوق الزوجة، على زوجها أن يسمح لها بالخروج إذا احتاجت إليه كزيارة أقاربها وجيرانها إذا لم يكن هناك فساد ومنكر، فإذا تحقق أن هناك منكرا كشرب الخمور والاجتماع على الأفلام السينمائية الداعرة والاختلاط بالرجال الأجانب وجب أن يمنعها لأن في ذلك حفظا على لها من الوقوع في المنكر وكذلك إذا استأذنته للخروج لصلاة الجماعة، وكان خروجها، شرعيا بحيث لا تمس طيبا ولا تخرج زينة تفتن بها الرجال، فمن السنة أن يأذن لها ولكن ينبغي أن ينصحها بأن صلاتها في قعر بيتها أفضل من صلاتها في المسجد كما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "إذا استأذنكم نساؤكم بالليل إلى المسجد فأذنوا لهن". وفي لفظ "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله"، وفي لفظ لأحمد وأبي داود أيضاً من حديث أبي هريرة "وليخرجن تفلات" أي غير متطيبات. ومن السنة أيضا أن يؤذن للمرأة للخروج إلى مصلى العيد، كما ثبت في الصحيحين من حديث أم عطية ﵂.
следующие страницы →