Полный текст (23 804 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.
стр. 3221
فهل لأحد أن ينفي شيئاً من هذه الصفات الدالة على هذا من الكمال والجلال.
٣-الموضع الثالث في سورة الرعد في قوله جل وعلا: ﴿الله الذي اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمّىً يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ وهو الذي مدّ الأرض وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ وفي الأرض وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ .
وفي القراءة الأخرى ﴿وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ . فهل لأحد أن ينفي شيئاً من هذه الصفات الدالة على الجلال والكمال.
٤- الموضع الرابع في سورة طه: ﴿طه مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى تَنْزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ .
стр. 3222
فهل لأحد أن ينفي شيئاً من هذه الصفات الدالة على الجلال والكمال.
٥- الموضع الخامس في سورة الفرقان في قوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً ًً﴾ . فهل لأحد أن ينفي شيئاً من هذه الصفات الدالة على هذا من الكمال والجلال.
٦- الموضع السادس في سورة السجدة في قوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ﴾ فهل لأحد أن ينفي شيئاً من هذه الصفات الدالة على هذا من الجلال والكمال.
стр. 3223
٧-الموضع السابع في سورة الحديد في قوله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ .
فالشاهد أن هذه الصفة التي يظن الجاهلون أنها صفة نقص ويتهجمون على رب السماوات والأرض بأنه وصف نفسه صفة نقص ثم يسببون عن هذا أن ينفونها ويؤولوها مع أن الله جل وعلا تمدح بها وجعلها من صفات الجلال والكمال مقرونة بما يبهر العقول من صفات الجلال والكمال هذا يدل على جهل وهوس من ينفي بعض صفات الله جل وعلا بالتأويل.
ثم اعلموا أن هذا الشيء الذي يقال له التأويل الذي فتن به الخلق وضل به الآلاف من هذه الأمة اعلموا أن التأويل يطلق مشتركاً بين ثلاث معان:
١- يطلق على ما تؤول إليه حقيقة الأمر في ثاني حال وهذا هو معناه في القرآن نحو: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاًً﴾ ، ﴿وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ الآية ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْل﴾ ومعنى التأويل في الآيات المذكورة ما تؤول إليه حقيقة الأمر في ثاني حال.
٢- ويطلق التأويل بمعنى التفسير وهذا قول معروف كقول ابن جرير:"القول في تأويل قوله تعالى: كذا أي تفسيره ".
٣- أمّا في اصطلاح الأصوليين فالتأويل هو صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه إلى محتمل مرجوح لدليل.
وصرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه له عند علماء الأصول ثلاث حالات:
стр. 3224
(أ) إمّا أن يصرفه عن ظاهره المتبادر منه لدليل صحيح من كتاب أو سنة وهذا النوع من التأويل صحيح مقبول لا نزاع فيه ومثال هذا النوع ما يثبت عن النبي ﷺ أنه قال:"الجار أحق بصقبه " فظاهر هذا الحديث ثبوت الشفعة للجار وحمل هذا الحديث على الشريك المقاسم حمل للفظ على محتمل مرجوح غير ظاهر متبادر إلاّ أن حديث جابر الصحيح"فإذا ضربت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة "دل على أن المراد بالجار الذي هو أحق بصقبه خصوص الشريك المقاسم فهذا النوع من صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه لدليل واضح يجب الرجوع إليه من كتاب وسنة وهذا تأويل يسمى تأويلاً صحيحاً وتأويلاً قريباً ولا مانع منه إذا دل عليه النص.
(ب) الثاني هو صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه لشيء يعتقده المجتهد دليلاً وهو في نفس الأمر ليس بدليل فهذا يسمى تأويلاً بعيداً ويقال له فاسد ومثل له بعض العلماء بتأويل الإمام أبي حنيفة ﵀ لفظ امرأة في قوله ﷺ :" أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل "قالوا: حمل هذا على خصوص المكاتبة تأويل بعيد لأنه صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه لأن أيّ في قوله"أيّ امرأة "صيغة عموم وأكدت صيغة العموم بما المزيدة للتوكيد فحمل هذا على صورة نادرة هي المكاتبة حمل للفظ على غير ظاهره لغير دليل جازم يجب الرجوع إليه.
стр. 3225
(ج) أمّا حمل اللفظ على غير ظاهره لا لدليل: فهذا لا يسمى تأويلاً في الاصطلاح بل يسمى لعباً لأنه تلاعب بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ ومن هذا تفسير غلاة الرافضة قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ ، قالوا: عائشة ومن هذا النوع صرف آيات الصفات عن ظواهرها إلى محتملات ما أنزل الله بها من سلطان كقولهم استوى بمعنى استولى فهذا لا يدخل في اسم التأويل لأنه لا دليل عليه البتة وإنما سمي في اصطلاح أهل الأصول لعباً. لأنه تلاعب بكتاب الله جل وعلا من غير دليل ولا مستند فهذا النوع لا يجوز لأنه تهجم على كلام رب العالمين والقاعدة المعروفة عند علماء السلف أنه لا يجوز صرف شيء من كتاب الله ولا سنة رسوله عن ظاهره المتبادر منه إلاّ بدليل يجب الرجوع إليه.
стр. 3226
وكل هذا الشر فاسمعوا أيها الإخوان نصيحة مشفق إنما جاء من مسألة وهي نجس القلب وتلطخه وتدنسه بأقذار التشبيه فإذا سمع ذو القلب المتنجس بأقذار التشبيه صفة من صفات الكمال أثنى الله بها على نفسه كنزوله إلى السماء الدنيا في ثلث الليل الأخير كاستوائه على عرشه وكمجيئه يوم القيامة وغير ذلك من صفات الجلال والكمال أول ما يخطر في ذهن المسكين أن هذه الصفة تشبه صفة الخلق فيكون قلبه متنجساً بأقذار التشبيه لا يقدّر الله حق قدره ولا يعظم الله حق عظمته حيث يسبق إلى ذهنه أن صفة الخالق تشبه صفة المخلوق فيكون فيها أولاً نجس القلب متقذّر بأقذار التشبيه فيدعو شؤم هذا التشبيه إلى أن ينفي صفة الخالق جل وعلا عنه بادعاء أنّها تشبه صفات المخلوقين فيكون فيها أولاً مشبّهاً وثانياً معطّلاً ضلاًّ ابتداءً وانتهاءً متهجماً على ربّ العالمين ينفي صفاته عنه بادعاء أن تلك الصفة لا تليق. واعلموا أنّ هنا قاعدة أصولية أطبق عليها من يعتد به من أهل العلم وهي أن النبي ﷺ لا يجوز في حقه تأخير البيان عن وقت الحاجة ولا سيما لو مشينا على فرضهم الباطل أن ظاهر آيات الصفات الكفر فالنبي ﷺ لم يؤول الاستواء (بالاستيلاء) ولم يؤول شيئاً من هذه التأويلات ولو كان المراد بها هذه التأويلات لبادر النبي ﷺ إلى بيانها لأنه لا يجوز في حقه تأخير البيان عن وقت الحاجة فالحاصل أنه يجب على كل مسلم أن يعتقد هذا الاعتقاد الذي يحل جميع الشبه ويجيب عن جميع الأسئلة وهو أن الإنسان إذا سمع وصفاً وصف به خالق السماوات والأرض نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ امتلأ صدره من التعظيم فيجزم بأن ذلك الوصف بالغ من غايات الكمال والشرف والعلو ما يقطع جميع علائق أوهام المشابهة بينه وبين صفات المخلوقين فيكون القلب منزهاً معظماً له جل وعلا غير متنجس بأقذار التشبيه فتكون أرض قلبه قابلة للإيمان والتصديق
стр. 3227
بصفات الله التي تمدح بها أو أثنى عليه بها نبيه ﷺ على غرار: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ، والشر كل الشر في عدم تعظيم الله وأن يسبق في ذهن الإنسان أن صفة الخالق تشبه صفة المخلوق فيضطر المسكين أن ينفي صفة الخالق بهذه الدعوى الكاذبة. ولا بد في هذا المقام من نقط يتنبه إليها طالب العلم:
أولاً: أن يعلم طالب العلم أنّ جميع الصفات من باب واحد إذ لا فرق بينها البتة لأن الموصوف بها واحد وهو جل وعلا لا يشبه الخلق في شيء من صفاتهم البتة فكما أنكم أثبتم له سمعاً وبصراً لائقين بجلاله لا يشبهان شيئاً من أسماع الحوادث وأبصارهم فكذلك يلزم أن تجروا هذا بعينه في صفة الاستواء والنزول والمجيء إلى غير ذلك من صفات الجلال والكمال التي أثنى الله بها على نفسه.
واعلموا أنّ ربّ السموات والأرض يستحيل عقلاً أن يصف نفسه بما يلزمه محذور أو يلزمه كحال أو يؤدي إلى نقص. كل ذلك مستحيل عقلاً. فإنّ الله لا يصف نفسه إلاّ بوصف بالغ من الشرف والعلو والكمال ما يقطع جميع علائق أوهام المشابهة بينه وبين صفات المخلوقين على حد قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ .
الثاني: أن يعلموا أنّ الصفات والذات من باب واحد فكما أننا نثبت ذات الله جل وعلا إثبات وجود وإيمان لا إثبات كيفية مكيفة فكذلك نثبت لهذه الذات الكريمة المقدسة صفات إثبات وإيمان ووجود لا إثبات كيفية وتحديد.
стр. 3228
واعلموا أنّ آيات الصفات كثير من الناس يطلق عليها اسم المشابهة وهذا من جهة غلط ومن جهة قد يسوغ كما يثبته الإمام مالك بن أنس. أمّا المعاني فهي معروفة عند العرب كما قال الإمام مالك بن أنس ﵀:"الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والسؤال عنه بدعة ". كذلك يقال في النزول: النزول غير مجهول والكيف غير معقول والسؤال عنه بدعة، واطرده في جميع الصفات لأن هذه الصفات معروفة عند العرب إلاّ أن ما وصف به خالق السماوات والأرض منها أكمل وأجل وأعظم من أن يشبه شيئاً من صفات المخلوقين كما أن ذات الخالق جل وعلا حق والمخلوقون لهم ذوات وذات الخالق جل وعلا أكمل وأنزه وأجل من أن تشبه شيئاً من ذوات المخلوقين. فعلى كل حال الشر كل الشر في تشبيه الخالق بالمخلوق وتنجيس القلب بقذر التشبيه فالإنسان المسلم إذا سمع صفة وصف بها الله أول ما يجب عليه أن يعتقد أنّ تلك الصفة بالغة من الجلال والكمال ما يقطع أوهام علائق المشابهة بينها وبين صفات المخلوقين فيكون أرض قلبه طيّبة طاهرة قابلة للإيمان بالصفات على أساس التنزيه على نحو: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ .
وهنا سؤال لا بدّ من تحقيقه لطالب العلم أولاً: اعلموا أنّ المقرر في الأصول أنّ الكلام إن دلّ على معنى لا يحتمل غيره فهو المسمى نصاً كقوله مثلاً: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَة﴾ ، فإذا كان يحتمل معنيين أو أكثر فلا يخلو من حالتين إمّا أن يكون أظهر في أحد الاحتمالين من الآخر وإمّا أن يتساوى بينهما فإن كان الاحتمال يتساوى بينهما فهذا الذي يسمى في الاصطلاح المجمل كما لو قلت: (عدا اللصوص البارحة على عين زيد) فإنه يحتمل أن تكون عينه الباصرة عوروها أو عينه الجارية غوروها أو عين ذهبه وفضته سرقوها فهذا مجمل. وحكم المجمل أن يتوقف عنه إلاّ بدليل على التفصيل. أمّا إذا كان نصاً صريحاً فالنص يعمل به ولا يعدل عنه إلاّ بثبوت النسخ.
стр. 3229
فإذا كان أظهر في أحد الاحتمالين فهو المسمّى بالظاهر، ومقابله يسمّى (محتملاً مرجوحاً) والظاهر يجب الحمل عليه إلاّ لدليل صارف عنه كما لو قلت: رأيت أسداً فهذا مثلاً ظاهر في الحيوان المفترس، محتمل في الرجل الشجاع، وإذاً فنقول: فالظاهر المتبادر من آيات الصفات من نحو قوله: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِم﴾ . وما جرى مجرى ذلك، هل نقول الظاهر المتبادر من هذه الصفة هو مشابهة الخلق حتى يجب علينا أن نقول ونصرف اللفظ عن ظاهره أو ظاهرها المتبادر منها تنزيه ربّ السماوات والأرض حتى يجب علينا أن نقره على الظاهر من التنزيه.
الجواب: أن كل وصف أسند إلى ربّ السماوات والأرض فظاهره المتبادر منه عند كل مسلم هو التنزيه الكامل عن مشابهة الخلق فإقراره عن ظاهره هو الحق وهو تنزيه ربّ السماوات والأرض عن مشابهة الخلق في شيء من صفاته فهل ينكر عاقل أن المتبادر للأذهان السليمة أنّ الخالق ينافي المخلوق في ذاته وسائر صفاته لا والله لا يعارض في هذا إلاّ مكابر ثم بعد هذا البحث الذي ذكرنا نحب أن نذكر كلمة قصيرة لجماعة قرءوا في المنطق والكلام وظنوا نفي بعض الصفات من أدلة كلامية كالذي يقول مثلاً: لو كان مستوياً على العرش لكان مشابهاً للحوادث لكنه غير مشابه للحوادث ينتج فهو غير مستوٍ على العرش هذه النتيجة الباطلة تضاد سبع آيات من المحكم المنزل ولكننا الآن نقول في مثل هذا على طريق المناظرة والجدل المعروف عند المتكلمين. نقول: هذا قياس استثنى فيه نقيض التالي فأنتج منه نقيض المقدم حسب ما يراه مقيم هذا الدليل ونحن نقول: إنه تقرر عند عامة النظار أن القياس الاستثنائي المركب من شرطية متصلة لزومية يتوجه عليه القدح من ثلاث جهات:
١- يتوجه عليه من جهة استثنائيته.
٢- ويتوجه عليه من جهة شرطيته إذا كان الربط بين المقدم والتالي ليس بصحيح.
٣- ويتوجه عليه القدح من جهتهما معاً.
стр. 3230
وهذه القضية كاذبة الشرطية فالربط بين مقدمها وتاليها كاذب كذباً بحتاً ولذا جاءت نتيجتها مخالفة لسبع آيات.
وإيضاحه أن نقول: قولكم لو كان مستوياً على العرش لكان مشابهاً للحوادث هذا الربط بين لو واللام كاذب كاذب كاذب هو مستوٍ على عرشه كما قال من غير مشابهة للحوادث كما أن سائر صفاته واقعة كما قال من غير مشابهة للخلق ولا يلزم من استوائه على عرشه كما قال أن يشبه شيئاً من المخلوقين في صفاتهم البتة بل استواؤه صفة من صفاته وجميع صفاته منّزهة عن مشابهة الخلق كما أن ذاته منزهة عن مشابهة ذوات الخلق ويطرد هذا في مثل هذا. وعلى كل حال فالجواب عن شيء واحد من هذا يطرد في الكل وآخر ما نختم به هذه المقالة أنّا نوصيكم بتقوى الله وأن تلتزموا بثلاث آيات من كتاب الله.
الأولى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ فتنزهوا ربّ السماوات والأرض عن مشابهة الخلق.
الثانية: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ فتؤمنوا بصفات الجلال والكمال الثابتة بالكتاب والسنة على أساس التنزيه كما جاء ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ بعد قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ .
الثالثة: أن تقطعوا أطماعكم عن إدراك حقيقة الكيفية لأن إدراك حقيقة الكيفية مستحيل وهذا نصّ الله عليه في سورة (طه) حيث قال: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ . فقوله: ﴿يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ فعل مضارع والفعل الصناعي الذي يسمى بالفعل المضارع وفعل الأمر والفعل الماضي ينحل عند النحويين عن مصدر وزمن كما قال ابن مالك في الخلاصة:
المصدر اسم ما سوى الزمان من
مدلولي الفعل كأمن من أمن
стр. 3231
وقد حرر علماء البلاغة في مبحث الاستعارة التبعية أنه ينحل عن مصدر وزمن ونسبة فالمصدر كامن في مفهومه إجماعاً فيحيطون في مفهومها (الإحاطة) فيتسلط النفي على المصدر الكامن في الفعل فيكون معه كالنكرة المبنية على الفتح فيصير المعنى لا إحاطة للعلم البشري برب السماوات والأرض فينفي جنس أنواع الإحاطة عن كيفيتها فالإحاطة المسندة للعلم منفية عن ربّ العالمين، فلا يشكل عليكم بعد هذا صفة نزول ولا مجيء ولا صفة يد ولا أصابع ولا عجب ولا ضحك. لأن هذه الصفات كلها من باب واحد فما وصف الله به نفسه منها فهو حق وهو لائق بكماله وجلاله لا يشبه شيئاً من صفات أوضحه الله في كلمتين ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ تنزيه بلا تعطيل، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ إيمان بلا تمثيل. فيجب من أول الآية وهو ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ التنزيه الكامل الذي ليس فيه تعطيل ويلزم من قوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الإيمان بجميع الصفات الذي ليس فيه تمثيل) فأول الآية تنزيه وآخرها إيمان ومن عمل بالتنزيه الذي في ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ والإيمان الذي في قوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ وقطع النظر عن إدراك الكنه والكيفية المنصوص في قوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ خرج سالماً.
وقد ذكرت لكم مراراً أني أقول: هذه الأسس الثلاثة التي ركزنا عليها البحث وهي:
١- تنزيه الله عن مشابهة الخلق.
٢- والإيمان بالصفات الثابتة بالكتاب والسنة وعدم التعرض لنفيها وعدم التهجّم على الله بنفي ما أثبته لنفسه.
стр. 3232
٣- وقطع الطمع عن إدراك الكيفية. لو (متّم يا إخوان) وأنتم على هذا المعتقد، أترون الله يوم القيامة يقول لكم لم نزهتمونني عن مشابهة الخلق ويلومكم على ذلك لا وكلا والله لا يلومكم على ذلك، أترون أنه يلومكم على أنكم آمنتم بصفاته وصدقتموه فيما أثنى به على نفسه ويقول لكم لم أثبتم لي ما أثبته لنفسي أو أثبته لي رسولي؟ لا والله لا يلومكم على ذلك ولا يأتيكم عاقبة سيئة من ذلك، كذلك لا يلومكم الله يوم القيامة ويقول لكم: لم قطعتم الطمع عن إدراك الكيفية ولم تحددونني بكيفية مدركة. ثم أنا نقول: لو تنطّع متنطّع. وقال: نحن لا ندرك كيفية (نزول) منزهة عن نزول الخلق ولا ندرك كيفية (يد) منزهة عن أيدي الخلق ولا ندرك كيفية (استواء) منزهة عن استواءات الخلق فبينوا لنا كيفية معقولة منزهة تدركها عقولنا فنقول: أولاً هذا السؤال الذي قال فيه مالك بن أنس:"والسؤال عن هذا بدعة "ولكن نجيب ونقول أعرف أيها المتنطّع السائل الضال كيفية الذات المقدسة الكريمة المتصفة بصفة النزول وصفة اليد وصفة الاستواء وصفة السمع والبصر والقدرة والإرادة والعلم فلا بد أن نقول: لا فنقول: معرفة كيفية الصفة متوقفة على معرفة كيفية الذات إذ الصفات تختلف اختلاف موصوفاتها ونضرب مثلاً ولله المثل الأعلى. فإن الأمثال لا تضرب لله ولكن الأخرويات لا مانع منها كما جاء بها القرآن فنقول مثلاً كما قال العلامة ابن القيم ﵀ لفظة (رأس) الراء والهمزة والسين راس هذه الكلمة أضفها إلى المال وأضفها إلى الوادي وأضفها إلى الجبل فانظر ما صار من الاختلاف بين هذه المعاني بحسب هذه الإضافات وهذا مخلوق ضعيف مسكين فما بالك بالبون الشاسع الذي بين صفة الخالق جل وعلا وصفة المخلوق.
وختاماً يا إخواني نوصيكم وأنفسنا بتقوى الله وأن تتمسكوا بهذه الكلمات الثلاث:
١- أن تنزهوا ربكم عن مشابهة صفات الخلق.
стр. 3233
٢- أن تؤمنوا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ إيماناً مبنياً على أساس التنزيه على نحو: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ .
٣- وتقطعوا الطمع في إدراك الكيفية لأن الله يقول: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ .
ونريد أن نختم هذه المقالة بنقطتين: إحداهما أنه ينبغي للمؤمنين أن ينظروا في قوله تعالى لليهود: ﴿وَقُولُوا حِطَّة﴾ فإنهم زادوا في هذا اللفظ المنزل نوناً فقالوا: حنطة فسمى الله هذه الزيادة تبديلاً فقال في البقرة: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ ، وقال في الأعراف: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾ . وكذلك المؤولون للصفات قيل لهم استوى، فزادوا لاماً، فقالوا: استولى. فانظر ما أشبه لامهم هذه التي زادوها بنون اليهود والتي زادوها، ذكر هذا ابن القيم، الثانية: أنه ينبغي للمؤمنين أن يتأملوا آية من سورة الفرقان وهي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً﴾ . ويتأملوا معها قوله تعالى في سورة فاطر: ﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ فإن قوله في الفرقان: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً﴾ بعد قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَن﴾ يدل دلالة واضحة أن الله الذي وصف نفسه بالاستواء خبير بما يصف به نفسه لا تخفى عليه الصفة اللائقة من غيرها ويفهم منه أن الذي ينفي عنه صفة الاستواء ليس بخبير. وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد ﷺ ، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
стр. 3234
تتمة دفع إيهام الإضطراب
لفضيلة الشيخ: محمد الأمين الشنقيطي
المدرس بكلية الشريعة بالجامعة
سورة الناس
قوله: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ لا يخفى ما بين هذين الوصفين اللذين وصف الله بهما هذا اللعين الخبيث من التنافي لأن الوسواس كثير الوسوسة ليضل بها الناس والخناس كثير التأخر والرجوع عن إضلال الناس. والجواب: أن لكل مقام مقالاً؛ فهو وسواس عند غفلة العبد عن ذكر ربه خناس عند ذكر العبد ربه تعالى كما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ الآية وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ . الآية.
وقد تم بحمد الله تعالى ما أردنا جمعه بمدينة النبي ﷺ ونرجو الله تعالى أن يوفقنا وإخواننا المسلمين في الأقوال والأفعال وأن يجعل سعينا خالصاً لوجهه الكريم إنه قريب مجيب آمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 3235
الفتاوى
للشيخ عبد العزيز بن باز
سؤال من الأخ ص. ع.هـ يقول فيه: نسأل فضيلتكم عن امرأة تزوجت ابن عمها ولم يكتب الله في قلبها له مودة وقد خرجت من بيته منذ ثلاث عشرة سنة وحاولت منه الطلاق أو المخالعة أو الحضور معه إلى المحكمة فلم يرض بذلك وهي تبغضه بغضاً كثيراً تفضل معه الموت على الرجوع إليه, وقد أسقطت نفسها من السطح لما أراد أهلها الإصلاح بينها وبينه فما الحكم؟
والجواب: مثل هذه المرأة يجب التفريق بينها وبين زوجها المشار إليه إذا دفعت إليه جهازه لقول النبي ﷺ لثابت بن قيس لما أبغضته زوجته وطلبت فراقه وسمحت برد حديقته إليه: "أقبل الحديقة وطلقها تطليقة" رواه البخاري في صحيحه؛ ولأن بقاءها في عصمته والحال ما ذكر يسبب عليها إضراراً كثيرة وقد قال النبي ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار" ولأن الشريعة جاءت بتحصيل الصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها ولا ريب أن بقاء مثل هذه المرأة في عصمة زوجها المذكور من جملة المفاسد التي يجب تعطيلها وإزالتها والقضاء عليها وإذا امتنع الزوج عن الحضور مع المرأة المذكورة إلى المحكمة وجب على الحاكم فسخها من عصمته إذا طلبت ذلك وردت عليه جهازه للحديثين السابقين وللمعنى الذي جاءت به الشريعة واستقر من قواعدها وأسأل الله أن يوفق قضاة المسلمين لما فيه صلاح العباد والبلاد ولما فيه ردع الظالم من ظلمه ورحمة المظلوم وتمكينه من حقه وقد قال الله سبحانه: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعاً حَكِيماً﴾ .
وهذه عدة أسئلة من الأخ م. ع. ف
السؤال الأول: دخلت مستشفى لعلاج عيني وأجريت لعيني عملية وعصبت وتعذر حصولي على تراب للتيمم فتوضأت وتركت العين فما الحكم؟
стр. 3236
الجواب: الصلاة صحيحة من أجل العذر لعدم وجود التراب وعدم القدرة على غسل العين لكن إذا أمكن مسح الجرح والجبيرة التي عليه عند غسل عضوه كفى ذلك عن التيمم فإن لم يتيسر ذلك خوفاً من مضرة الماء وجب التيمم مع القدرة.
السؤال الثاني: كنت في رحلة إلى لندن ولم أجزم بالجلوس مدة معينة في باديء الأمر فصليت الصلاة قصراً وجمعاً ثم لما جزمت بالجلوس مدة معينة أتممت الصلاة فما الحكم؟
الجواب: هذا الذي فعلته هو قول أكثر أهل العلم وحكاه ابن المنذر إجماعاً وقد دلت السنة الصحيحة على أن المسافر يشرع له القصر في السفر وهكذا يشرع له الجمع بين الصلاتين عند وجود سببه إذا كان لم ينو إقامة معينة أما إذا نوى إقامة معينة تزيد على أربعة أيام وجب عليه الإتمام عند الأكثر وقال بعض أهل العلم له القصر ما دام لم ينو الاستيطان في ذلك الموضع وإنما أقام لعارض متى زال سافر وهو قول قوي تدل عليه أحاديث كثيرة وبكل حال فقد أحسنت فيما فعلت لأنك بالإتمام لما نويت الإقامة المعينة الزائدة على أربعة أيام خرجت من الخلاف وأخذت بالأحوط.
السؤال الثالث: عندما أردت التوجه إلى جدة كان في نيتي أداء نسك العمرة ثم فسخت هذه النية بعد ما ركبت الطائرة وجددت نية أخرى هي أنه إن اضطررت إلى الذهاب إلى مكة أحرمت بالعمرة من جدة وقد اضطررت للتوجه إلى مكة المكرمة ولكن فسخت نية العمرة أيضاً لأن ذلك يشق علي فما الحكم؟
الجواب: ليس عليك شيء لأن العمرة إنما تجب من الميقات فما دونه على من نواها أما من لم ينوها فليس عليه شيء ولكن إذا كنت لم تعتمر عمرة الإسلام فالواجب عليك أداؤها لقول النبي ﷺ لما وقت مواقيت الحج والعمرة لأهل الأمصار وقال: "هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة" الحديث متفق على صحته.
سؤال من الأخ س. ل. ق:
стр. 3237
يوجد في الأسواق أشخاص يتقدم إلى أحد الدكاكين ثم يشتري الدكان من صاحبه جزافاً، والدكان يوجد فيه من الأقمشة الرجالية والنسائية والغتر من جميع الأنواع فهل هذا البيع والشراء صحيح أم فيه نوع من الجهالة، نرجو التكرم بالجواب الشافي، وكذلك متع الله بحياتكم على طاعته يأتينا مندوبون من بعض المحلات ويتفقون معنا على مشتري سلعة ثم عندما يتم الاتفاق يطلبون أن نسلمهم ورقة رسمية مثل هذه الورقة التي فيها خطنا هذا بدون أن نكتب نحن فيها شيئاً وإذا رفضنا تسليم الورقة ينكل عن مشتري السلعة فهل يجوز لنا أن نسلمه ورقة بيضاء وهو يتصرف فيها يكتب ما يريد ولا تفوتنا البيعة أفتونا وفقكم الله للأعمال الصالحة اهـ.
الجواب: عن السؤال الأول أن يقال البيع المذكور صحيح إذا كان المشتري قد عرف المال الذي في الدكان وقبله وكان على بصيرة منه أما إن كان حين الشراء لا يعرف حقيقة المال وإنما اشتراه جزافاً فالبيع غير صحيح لما فيه من الغرر وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه نهى عن بيع الغرر كما صح عنه ﷺ أنه نهى عن بيع الملامسة والمنابذة وبيع الحصاة لما في ذلك من الغرور، والملامسة هي أن يقول البائع للمشتري أي ثوب لمسته أو لمسة فلان فهو عليك بكذا والمنابذة أن يقول للمشتري أي ثوب نبذته إليك أو نبذه إليك فلان فهو عليك بكذا، وبيع الحصاة هو أن يقول البائع أي بقعة أو أي ثوب وقعت عليها أو عليه الحصاة فهو عليك بكذا وما أشبه هذا التصرف فهو في حكمه بجامع الغرر لكون المشتري لم يدخل في المعاملة على بصيرة بحقيقة المبيع، والله سبحانه أرحم بعباده من أنفسهم ولهذا نهاهم سبحانه عما يضرهم في المعاملات وغيرها.
стр. 3238
أما السؤال الثاني: وهو هل يجوز إعطاء من يريد شراء سلعة ورقة بيضاء ليكتب فيها ما يريد من صفقة العقد إلى آخر هـ فجوابه أن يقال مثل هذا لا يجوز لأن الظاهر من حال هؤلاء الذين يتقدمون بطلب بعض الأوراق الرسمية ليكتبوا فيها ما شاءوا من الثمن الخيانة والغش لمن وكلهم، وبذلك يكون إعطاؤهم الأوراق الرسمية معاونة لهم على الإثم والعدوان، والله سبحانه يقول: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ، نسأل الله أن يصلح أحوال المسلمين ويوفقهم لأداء الأمانة والحذر من الخيانة إنه خير مسئول.
стр. 3239
أخبار الجامعة
قام سماحة رئيس الجامعة للإسلامية الشيخ عبد العزيز بن باز بزيارة تفقدية للمعهد الثانوي ومعهد الدراسة المتوسطة وشعبة تعليم اللغة العربية بالجامعة. يرافقه مدير المعهد الأستاذ عبد الله الفوزان وبعض مدرسي المعهد.
غادرنا إلى الرياض الأستاذ محمد العثمان العمر مدير شئون الموظفين بالجامعة الإسلامية وذلك لتمثيل الجامعة في الاجتماع الذي سيعقد بمقر وزارة المعارف وذلك لدراسة كيفية ترحيل المدرسين وإعادتهم ضماناً لعدم تأخرهم.
باشر عمله في الجامعة في الجامعة كل من: الأستاذ عبد العزيز بن ناصر مدير مكتب رئيس الجامعة الإسلامية، والأستاذ محمد بن عبد اللطيف رئيس التحرير بالجامعة، وذلك بعد أن أتما دورتهما في معهد الإدارة العام لمدة ستة شهور بدأت من شعبان لعام ٩٢ هـ.
قام الوفد الطلابي الماليزي بزيارة للجامعة الإسلامية بالمدينة وقد تجول الوفد في الكليات المختلفة بالجامعة الإسلامية والمعاهد والمكتبة العامة بها. ثم اجتمع الوفد بسماحة رئيس الجامعة الشيخ عبد العزيز بن باز وقد ارتجل سماحته كلمة ضافية تحدث فيها عن الشباب وما يجب عليهم وحثهم على التمسك بالكتاب والسنة وقد قام رئيس الوفد الأستاذ أحمد عبد الله فارتجل كلمة شكر فيها سماحة رئيس الجامعة والجامعة لما أبدته.
وفي ختام الزيارة قدمت لهم بعض الكتب والنشرات والمجلات هدية من الجامعة.
اجتمع مجلس كلية الشريعة بالجامعة الإسلامية برئاسة فضيلة الشيخ محمد بن صالح المرشد عميد كلية الشريعة وذلك لدراسة بعض المشاكل الخاصة بالطلاب تمهيداً لرفعها لمجلس الجامعة الإسلامية الموقر للبث فيها.
لجنة القبول والمعادلات تعمل هذه الأيام باستمرار وذلك لدراسة أكبر عدد ممكن من طلبات الالتحاق التي ترد للجامعة هذه الأيام بشكل ملفت للنظر بلغت الآلاف.
стр. 3240
عاد إلى المدينة المنورة الوفد الطلابي الذي قام بزيارة خاصة للكليات والمعاهد والجامعات والمؤسسات الدينية في كل من مكة المكرمة والطائف وجده بعد أن استغرقت الزيارة حوالي أسبوع.
قام بزيارة الجامعة الإسلامية الحاج محمود بن الحاج إسماعيل نعيم ضابط العلاقات العامة لمؤسسة التوفير والادخار لشئون الحجاج لحكومة ماليزيا والشيخ محمد جعفر من الجامعة العلمية الإسلامية في كراتشي بالباكستان وبعد أن تجول الجميع في كافة أنحاء الجامعة أهدت الجامعة إليهم بعض الكتب والمجلات.
صدر قرار مجلس الوزراء الموقر بترفيع الأستاذ عبد الله الفوزان مدير المعهد الثانوي بالجامعة إلى المرتبة التاسعة مبروك.
أصدر فضيلة الأمين العام للجامعة الشيخ محمد بن ناصر العبودي تعميماً لكافة رؤساء الأقسام الإدارية والتعليمية في الجامعة يقضي بأن على رئيس كل قسم أن يقدم اقتراحاً بلائحة تنظيمية لقسمه على ضوء التجربة مع كافة الاحتياجات اللازمة. هذا وسيعقد في مكتب الأمين العام اجتماع يضم كافة رؤساء الأقسام لمناقشة الاقتراحات وإصدار لائحة تنظيمية حديثة تضمن سرعة سير العمل على الوجه المطلوب في كافة أقسام الجامعة.
قام وفد من معهد النور بعنيزة يمثل ٢٢ طالباً و٤ من المدرسين والمشرفين ومندوب من معهد النور بالمدينة بزيارة للجامعة الإسلامية وقد استمع الجميع إلى كلمة ارتجلها فضيلة الأمين العام للجامعة بمكتبه ثم تجولوا في أقسام الجامعة.
وفي ختام الزيارة أمر فضيلة الأمين العام بتوزيع مجلة الجامعة عليهم.
стр. 3241
اجتمعت يوم أمس برئاسة فضيلة الأمين العام للجامعة لجنة خاصة لدراسة أوضاع الطلاب المتخرجين من الجامعة وكيفية الاتصال بهم. ليكونوا على اتصال دائم بالجامعة لتزودهم بالكتب والنشرات وهم بدورهم يقومون بتزويد الجامعة بتقاريرهم ونشاطاتهم في مختلف الجهات هذا وقد اشترك في هذه اللجنة مساعد الأمين العام للشئون الإدارية وعميد كلية الدعوة وأصول الدين، ومساعد الأمين للشئون التعليمية ومدير العلاقات العامة. وقد اتخذت محضراً بذلك، وقد أسندت هذه المهمة لإدارة العلاقات العامة بالجامعة وسيدعم هذا القسم بالموظفين الأكفاء ليقوموا بالعمل المطلوب على أحسن وجه.
صدر قرار مجلس الوزراء الموقر بترفيع فضيلة الشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم المدرس بكلية الشريعة بالجامعة الإسلامية بالمدينة إلى الرتبة الثانية عشر على وظيفة مستشار. تهانينا.
أجرى ديوان الموظفين العام مسابقة عامة للوظائف الشاغرة في منطقة المدينة المنورة. ونظراً لكثرة الطلبات فقد طلب من الجامعة الإسلامية أن تتم المسابقة فيها وقد استجابت الجامعة لهذا الطلب وتمت المسابقة في اليومين الماضيين تحت إشراف مندوبين من ديوان الموظفين العام والدوائر المعنية في المدينة.
إدارة الامتحانات بالجامعة الإسلامية تعمل هذه الأيام بجد ونشاط ملموسين وذلك استعداداً للامتحانات التي ستبدأ قريباً.
غادرنا إلى الرياض الأستاذ عبد الله محمود الباحثون مدير الشئون المالية بالجامعة الإسلامية وذلك لبحث بعض مشاريع الجامعة لدى الأشغال العامة للعام المالي ٩٣ /٩٤ ويقوم بأعمال مدير الشؤون المالية بالنيابة رئيس المحاسبة الأستاذ محمد عمران دهيثم.
стр. 3242
بدأت الطلبات من سفارات جلالة الملك للجامعة بإرسال أعداد مجلة الجامعة الإسلامية نظراً للطلبات التي تنهال على السفارات بطلب المجلة. هذا وقد أمر سماحة رئيس الجامعة بتزويد وزارة الخارجية بكمية مناسبة لإرسالها للسفارات في الخارج.
بدأت اللجان الخاصة بمناقشة البحوث العائدة لطلاب السنوات النهائية في كلتي الشريعة والدعوة وأصول الدين بالعمل باستمرار وذلك لإنهاء البحوث قبل بدء الامتحانات.
لجنة توزيع الكتب على أبناء العالم الإسلامي توالى نشاطها هذه الأيام برئاسة الشيخ عمر محمد مساعد الأمين العام وذلك بدراسة الطلبات تمهيداً لإرسال كميات من الكتب إلى الجمعيات والمدارس في إفريقيا وغيرها.
قام بزيارة الجامعة الإسلامية بالمدينة الوفد الإعلامي العماني ويتكون الوفد من الأستاذ حفيظ بن سالم الغساني المستشار الصحفي لجلالة السلطان قابوس سلطان - عمان الأستاذ بدر بن سالم العبري، رئيس قسم التراث في وزارة الإعلام بعمان. الأستاذ عبد العزيز محمد رواس، مدير مكتب الإعلام في ظفار بسلطنة عمان الأستاذ عبد الله صخر العامري، مدير الإذاعة العمانية يرافقهم مدير العلاقات العامة في وزارة الإعلام. الأستاذ محمد عبد الرحمن القرعاوي.
وقد تجول الوفد في كافة أقسام الجامعة ومكاتبها وكلياتها ومكتباتها يصحبهم مدير العلاقات العامة في الجامعة وبعد أن اجتمع الوفد بفضيلة الأمين العام الشيخ محمد العبودي قدمت الجامعة للوفد كمية من الكتب والمجلات هدية رمزية بمناسبة الزيارة وقد غادر الوفد الجامعة في حوالي الساعة الخامسة ظهراً.
صدر قرار مجلس الوزراء الموقر بترفيع كل من فضيلة الشيخ حماد الأنصاري المدرس في كلية الشريعة في الجامعة الإسلامية إلى الرتبة الثامنة.. تهانينا.
وفضيلة الشيخ عمار مختار الأخضري المدرس في دار الحديث التابعة للجامعة إلى الرتبة السابعة.
стр. 3243
غادر المدينة ضيف الجامعة الإسلامية فضيلة الدكتور حسين جعفري ومرافقه الأستاذ إبراهيم القاضي مندوب العلاقات الثقافية بجامعة الرياض متوجهين إلى جامعة الملك عبد العزيز بجدة.
стр. 3244
أضواء من التفسير
للشيخ: عبد القادر شيبة الحمد
المدرس بكلية الشريعة
قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ، إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ, فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ، رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ﴾ .
المناسبة: لما قص الله تعالى قصة داود ﵇ وبين فضل الله على عباده الصالحين، ذكر قصة ولده سليمان ﵇ لأنه من تمام نعمة الله على داود ﵇، ولزيادة تقرير الغرض الذي سيقت من أجله قصة داود ﵇ وهو طمأنينة قلب النبي ﷺ .
المفردات: ﴿وَهَبْنَا﴾ أعطينا ومنحنا ﴿الْعَبْدُ﴾ الخاضع لربّه يعني سليمان ﴿إِنَّهُ﴾ أي سليمان ﴿أَوَّابٌ﴾ رجّاع إلى الله ﴿عُرِضَ﴾ أمر ﴿عَلَيْهِ﴾ على سليمان ﴿بِالْعَشِيِّ﴾ هو ما بعد الزوال ﴿الصَّافِنَاتُ﴾ هي الخيل جمع صافنة وهي القائمة على ثلاث وقد أقامت الرابعة على طرف الحافر استعداداً للجري ﴿الْجِيَادُ﴾ جمع جواد أو جمع جود كثوب يطلق على الذكر والأنثى والمراد: السريع السابق الخفيف في الجري وهو بهذين الوصفين المحمودين فيها واقفة وجارية ﴿الْجِيَادُ﴾ آثرت ﴿الْخَيْرِ﴾ الخيل كما حكي عن قتادة والسدي وقيل المال والظاهر الأول ﴿حَتَّى﴾ إلى أن ﴿تَوَارَتْ﴾ اختفت واستترت ﴿بِالْحِجَابِ﴾ بما أشرف من الجبل أو الإصطبلات والظاهر الأول ﴿رُدُّوهَا﴾ أرجعوها والضمير المنصوب للخيل والمأمور بالرد ساستها ﴿طَفِقَ﴾ شرع ﴿مَسْحاً﴾ إمراراً بيده على ما يلطّخ بالغبار لإذهابه وإزالته ﴿بِالسُّوقِ﴾ جمع ساق وهو ما بين الكعب والركبة ﴿الأَعْنَاقِ﴾ الرقاب.
стр. 3245
التراكيب: قوله ﴿وَوَهَبْنَا﴾ الواو استئناثية. وقوله ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ المخصوص بالمدح محذوف والتقدير هو أي سليمان. وقيل المخصوص بالمدح داود والظاهر الأول. وقوله ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ تعليل للمدح والضمير لسليمان وقوله ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ﴾ العامل في إذ قيل: اذكر, والمراد من ذكر الوقت ذكر ما وقع فيه. وقيل: هو ظرف لأوّاب أو لنعم والظاهر الأول والضمير في عليه لسليمان وقوله ﴿بِالْعَشِيِّ﴾ الباء للظرفية. والصافنات نائب فاعل وإنّما أخر للتشويق. والصافنات الجياد وصفان يوصف بهما المذكر والمؤنث من الخيل وقوله: ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ التعقيب باعتبار أواخر العرض دون أوله. وإنما أكد بأن للدلالة على أن اعترافه من صميم القلب و ﴿حُبَّ الْخَيْرِ﴾ مفعول به لأحببت لتضمنه معنى آثرت. وعن للتعليل كقوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ﴾ وذكر ربي مصدر مضاف لفاعله أي آثرت حب الخيل بسبب ذكر ربي لها، وثنائه عليها، كما قال رسول الله ﷺ : "الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة". ولعل سبب تسميتها بالخير لغلبة خيرها وجليل منافعها.
стр. 3246
وقوله: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ حتى للغاية بمعنى إلى أن, وهذه الغاية لمقدر مفهوم من السياق تقديره: واستمرت تعرض عليه حتى توارت بالحجاب, والفاعل في توارت ضمير الصافنات الجياد. وقول: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ﴾ ضمير الفاعل للساسة وضمير المفعول للخيل، والكلام على إضمار القول، والجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً كأن سائلاً سأل: فماذا قال سليمان؟ فقيل: قال: ردّها، وقوله تعالى: ﴿فَطَفِقَ مَسْحاً﴾ الفاء للعطف على مقدر مفهوم من السياق تقديره: فردوها فطفق مسحاً.. وإنما حذفت هذه الجملة لظهورها ولبيان سرعة الامتثال كما في قوله: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً﴾ . أي فضرب فانفجرت مننه وطفق من أفعال الشروع، ويندر أن يكون خبرها غير مضارع واسم طفق ضمير سليمان ﵇، ومسحاً مفعول مطلق لفعل مقدر هو خبر طفق، وتقديره فطفق يمسح مسحاً. فإن قيل فيه حذف عامل المصدر المؤكد وهو ممتنع عند ابن مالك، أجيب بأنه ليس بمؤكد بل هو مفعول مطلق مبين للنوع لتعلق ما بعده به وهو بالسوق أي فطفق يمسح مسحاً كائناً بسوق الخيل وأعناقها. وأعرب أبو البقاء ﴿مَسْحاً﴾ على أنه مصدر في موضع الحال أي ماسحاً وهو مردود لاحتياج طفق للخبر. وإنما مسح سوقها وأعناقها لأن العرق أكثر ظهوراً فيها فتتلطخ بالغبار فصار ﵇ لحبه لها ورفقه بها وشفقته عليها شمر عليها يده لإزالة ما تلطخ بها.
стр. 3247
وقد ذهب جماعة من المفسرين إلى طريق شائكة فزعموا أن سليمان ﵇ استعرض الخيل بعد الزوال حتى غابت الشمس ولها بها عن صلات العصر وكانت له، فقال للملائكة: "ردوا الشمس علي"فردوها عليه فصلى العصر ثم شرع يقطع سوق الخيل وأعناقها لأنها هي التي شغلته عن الصلاة ثم تصدق بلحمها فأعطاه الله خيراً منها وأسرع وهي الريح تجري بأمره رخاءً حيث أصاب. ويفسرون ﴿أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ بأن معناها أحببت الخيل عن الصلاة.
وهذا باطل عاطل فما يكون لسليمان الذي قال الله فيه: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ أن يحب الدنيا وما فيها عن ذكر الله. وما يكون لسليمان أن يقطع سوق الخيل وأعناقها. وما ذنب الخيل إن كان سليمان اشتغل عن صلاة العصر كما يذهب هؤلاء؟ والله تعالى يقول: ﴿مَسْحاً﴾ ويأبى هؤلاء إلاّ أن يقولوا قطعاً.
المعنى الإجمالي: ومنحنا لداود سليمان ولداً له وخليفة من بعده أنه يمدح لكثرة رجوعه إلى ربّه. اذكر يا محمد وقت أن مر على سليمان في وقت العش الخيل العجيبة في وقوفها وجريها. لقد أظهر شعوره نحوها وانطلق قائلاً: "إني آثرت حب الخيل بسبب أن الله ذكرها لي وأثنى عليها"، فلما بلغت غايتها، واستترت بما أشرف من بعض الجبال أو دخلت اصطبلاتها نادى ساستها فقال: أرجعوها إلي. فأرجعوها إليه فشرع يمسح سوقها وأعناقها ليزيل ما عليها من الغبار رحمة بها وشفقة عليها وحباً لها.
ما ترشد إليه الآيات:
١- أن سليمان ابن داود.
٢- أنه خليفته من بعده.
٣- ثناء الله على سليمان.
٤- كثرة عبادته.
٥- حرصه على الجهاد.
٦- استعراض الخيل.
٧- استحباب اختيار الأصناف الجيدة من الخيل.
٨- إعلان حب ما يحبه الله.
٩- سرعة امتثال ساسة الخيل لسليمان.
١٠- تواضعه ﵇.
стр. 3248
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ، قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ، فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ، وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ، وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ، هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ .
المناسبة: بعد أن مدح سليمان وأثنى عليه وبين حرصه على الخيل التي هي آلة جهاد أعداء الله، ذكر قصة فتنته ﵇ التي كان سببها شدة حرصه على الجهاد أيضاً.
القراءة: قرأ الجمهور: ﴿الرِّيحَ﴾ بالإفراد وقرىء: (الرياح) بالجمع، وقرأ الجمهور: ﴿وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ بالنصب وقريء بالرفع.
المفردات:
стр. 3249
﴿فَتَنَّا﴾ اختبرنا وابتلينا, وذلك بأنه حلف ليطوفنّ على أربعين أو سبعين امرأة من نسائه تأتي كل واحدة منهنّ بفارس يحمل السلاح ويجاهد في سبيل الله ولم يقل إن شاء الله فطاف عليهنّ فلم تحمل إلاّ امرأة جاءت بشق رجل فأخذ وألقى على كرسيه، وقد روى ذلك البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة مرفوعاً وفيه: "والذي نفسي بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرسان أجمعون"، وفي البخاري: "إن الملك قال له قل إن شاء الله فلم يقل". ﴿أَلْقَيْنَا﴾ طرحنا، ﴿كُرْسِيِّهِ﴾ سرير ملكه، ﴿جَسَداً﴾ جسم إنسان، ﴿أَنَاب﴾ رجع، ﴿وَهَبْ لِي﴾ أعطني وامنحني، ﴿مُلْكاً﴾ سلطاناً، ﴿لا يَنْبَغِي﴾ لا يكون، ﴿مِنْ بَعْدِي﴾ سواي، ﴿فَسَخَّرْنَا﴾ فذللنا، ﴿بِأَمْرِهِ﴾ بطلبه، ﴿رُخَاءً﴾ لينة، ﴿أَصَابَ﴾ قصد, وأراد بلغة هجر وحمير وعن رؤبة أن رجلين من أهل اللغة قصداه ليسألاه عن معنى هذه الكلمة فقال لهما: "أين تصيبان؟ فقالا: هذه طلبتنا ورجعا". وعلى هذه اللغة قول الشاعر:
فأخطأ الجواب لدى المفصل
أصاب الكلام فلم يستطع
﴿الشَّيَاطِينَ﴾ جمع شيطان وأصله المتمرد من الجن والإنس والدواب مأخوذ من شطن بمعنى بعد كقول الشاعر:
فبانت والفؤاد بها رهين
نأت بسعاد عنك نوى شطون
والتمرد بعدت خلاله عن الخير فسمي شيطاناً. والمراد به هنا شيطان الجن خاصة ﴿غَوَّاصٍ﴾ فعال من الغوص وهو: النزول تحت الماء لاستخراج اللؤلؤ ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ مجموعين مشدودين إلى بعض ﴿الأَصْفَادِ﴾ القيود ﴿فَامْنُنْ﴾ أي أطلق.
стр. 3250
التراكيب: قوله: ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾ عطف على فتنا. وإنما عطف بثم للإشارة إلى استمرار إنابته وامتدادها أو لأنه ﵇ لم يعلم بالفتنة عقيب وقوعها. وقوله: ﴿قَالَ﴾ بدل من أناب ويجوز أن يكون استأنافاً بيانياً، كأنه قيل: كيف كانت إنابته؟ فأجيب: قال رب اغفر لي. وقوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ تعليل للإستيهاب، وضمير الفصل للتأكيد والفاء في قوله: ﴿فَسَخَّرْنَا﴾ تفريعية؛ لتفريع التسخير على طلبه ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده.
وقوله: ﴿الرِّيحَ﴾ على قراءة الجمهور بالإفراد وهو في معنى الجمع لكونه اسم جنس وقوله ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ﴾ يحتمل أن تكون حالاً من الريح أي جارية ويحتمل أن تكون بياناً أو تفسيراً لتسخيرها له, وقوله: ﴿بِأَمْرِهِ﴾ مضاف لفاعله والباء للسببية, وقوله: ﴿رُخَاءً﴾ حال من فاعل تجري وهي الريح وقوله: ﴿والشَّيَاطِينَ﴾ معطوف على الريح, وقوله: ﴿كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ بدل من الشياطين وقوله ﴿وَآخرَِينَ﴾ عطف على كل داخل معه في البدل لأن كل بناء وغواص بدل كل من كل بدل التفصيل وليس معطوفاً على الشياطين لأنهم منهم وليس معطوفاً أيضاً على بناء وغواص لأنه مضاف إلى كل ولا يحسن فيه إلاّ الإضافة على مفرد منكر أو جمع معرّف وقوله: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا﴾ يجوز أن يكون مقولاً لقول مقدر معطوف على سخرنا أو حال من فاعله فتقديره على الأول: فسخرنا وقلنا, وعلى الثاني: فسخرنا قائلين, والإشارة إلى الموهوب وقوله: ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ يجوز في الفاء أن تكون جزائية وبغير حساب إمّا متعلق بامنن أو أمسك ويجوز أن يكون حالاً من فاعلها والتقدير فامنن أو أمسك حال كونك غير محاسب عليه ويجوز أن يكون بغير حساب حالاً من ﴿عَطَاؤُنَا﴾ والعامل ما دل عليه هذا من معنى الإشارة كقوله: ﴿َهَذَا بَعْلِي شَيْخاً﴾ وعلى هذا فالفاء داخلة على جملة اعتراضية كقوله:
أن سوف يأتي كل ما قدر
стр. 3251
واعلم - فعلم المرء ينفعه -
وقوله: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى﴾ جملة حالية من فاعل سخرنا وقوله: ﴿وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ بالنصب عطف على زلفى وبالرفع على أنه مبتدأ خبره محذوف تقديره له.
المعنى الإجمالي: ولقد بلونا هذا العبد الصالح واختبرناه وطرحنا على سريره شق ولد ثم رجع إلى ربه قال: سيدي ومالكي ومصلح شأني استر علي وامنحني سلطاناً لا يكون لشخص سواي إنك أنت كثير العطاء فذلّلنا له الريح تسير بسبب أمره لها سرعة لينة طيبة إلى أي جهة قصدها وهذا عند حبه للينها أما إذا أرادها شديدة عاصفة فإنها تكون كذلك كما قال: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً﴾ وسخرنا له مردة الجنّ يصرف بعضهم في الأعمال الشاقة من البناء والغوص لاستخراج اللآلئ وآخرين يقيدهم بالقيود وقلنا هذا الموهوب منحة لك منّا وإذا كان كذلك فتصرف فيه بلا حساب عليك لقد سخرنا له هذا في الدنيا والحال أن له عندنا لدرجة عالية وجميل مرجع.
ما ترشد إليه الآيات: ١- فتنة سليمان ٢- أن إلقاء الجسد على كرسيه كان من الفتنة ٣- رجوعه إلى ربه ٤- أن طلب التسلط للغرض الشريف جائز ٥- لم يكن طلب سليمان ملكاً لا ينبغي لأحد سواء من باب الأثرة الممقوتة والأنانية ٦- إجابة دعوة سليمان ﵇ ٧- تسخير الريح بهذه الصفة مخصوص لسليمان ٨- وأن الريح كانت منوعة رخاء وعاصفة ٩- تسخير الشياطين لسليمان ١٠- وهذه التسخير من خصوصياته ١١- إطلاق يده ١٢- درجته العالية في الدنيا والآخرة.
стр. 3252
من أعلام المحدثين
أبو زرعة الرازي (٢٠٠-٢٦٤ هـ)
بقلم الشيخ: عبد المحسن العباد
المدرس في كلية الشريعة بالجامعة
نسبه وكنيته ونسبته:
هو عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد بن فروخ.
كنيته أبو زرعة وقد اشتهر بهذه الكنية.
يقال له الرازي نسبة إلى الري بزيادة زاي وهي بلده ويقال له القرشي المخزومي نسبة إلى قبيلة نسبة ولاء وهو عياش بياء مثناه من تحت وآخره شين معجمة ابن مطرّف القرشي هكذا في المنهج الأحمد وتاريخ بغداد وتهذيب التهذيب أما كتاب الجمع بين رجال الصحيحين وطبقات الحنابلة ففيهما عباس بموحدة ومهملة.
ممن روى عنهم:
رحل أبو زرعة إلى الحرمين والعراق والشام والجزيرة وخراسان ومصر وروى عن كثيرين فروى عن أبي عاصم وأبي نعيم وقبيصة بن عقبة ومسلم بن إبراهيم وأبي الوليد الطيالسي وأحمد بن يونس وخلاد بن يحيى والقعنبي ومحمد بن سعيد بن سابق وأبي ثابت المدني وأبي سلمة التبوذكي والحكم بن موسى ويحيى بن عبد الله بن بكير وخلق كثير سواهم.
ممن رووا عنه:
روى عنه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه وإسحاق بن موسى الأنصاري وحرملة بن يحيى والربيع بن سليمان ومحمد بن حميد الرازي وعمرو بن علي ويونس بن عبد الأعلى وغيرهم.
من خرج حديثه:
خرج حديثه مسلم في صحيحه والترمذي والنسائي وابن ماجه في سننهم كل منهم روى عنه مباشرة والذي أخرجه مسلم في صحيحه عنه حديث واحد أخرجه في أول كتاب الرقاق وهو حديث ابن عمر ﵄ قال: كان من دعاء النبي ﷺ : "اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك وتحول عافيتك وفجأة نقمتك وجميع سخطك".
стр. 3253
وقال النووي في شرحه (١٧-٥٤) وهذا الحديث رواه مسلم عن أبي زرعة الرازي أحد حفاظ الإسلام وأكثرهم حفظاً ولم يروي مسلم في صحيحه عنه غير هذا الحديث وهو من أقران مسلم توفي بعد مسلم بثلاث سنين سنة أربع وستين ومائتين انتهى وقد أشار الخزرجي في الخلاصة إليه فقال: وعنه مسلم فرد حديث ونقل الحافظ بن حجر في ترجمته في تهذيب التهذيب أن مسلماً روى عنه حديثين.
ثناء الأئمة عليه:
لأبي زرعة الرازي من ثناء الأئمة حظ وافر ونصيب كبير فقد ذكروه بخير وأثنوا عليه في دينه وورعه وقوة حفظه وسعة علمه قال فيه النسائي:"ثقة "وقال أبو حاتم:"إمام "وقال الخطيب:"كان إماماً رزيناً حافظاً مكثراً صادقاً "وقال عبد الله بن أحمد:"لما قدم أبو زرعة نزل عند أبي وكان كثير المذاكرة له فسمعت أبي يقول يوماً: ما صليت غير الفرض استأثرت بمذاكرة أبي زرعة "وقال عبد الله بن أحمد:"سمعت أبي يقول ما جاوز النهر أفقه من إسحاق ولا أحفظ من أبي زرعة "وقال صالح بن محمد عن أبي زرعة:" أنا أحفظ عشرة آلاف حديث في القراءات "وقال أيضاً:"سمعت أبا زرعة يقول: كتبت عن إبراهيم بن موسى الرازي مائة ألف حديث وعن أبي بكر بن أبي شيبة مائة ألف حديث "وقال أبو يعلى الموصلي:" ما سمعت يذكر أحد في الحفظ إلاّ كان اسمه أكبر من رؤيته إلاّ أبا زرعة فإن مشاهدته كانت أعظم من اسمه "وقال أبو جعفر التستري:"سمعت أبا زرعة يقول: ما سمعت أذني شيئاً من العلم إلاّ وعا قلبي وإن كنت لأمشي في السوق بغداد فأسمع من الغرف صوت المغنيات فأضع أصبعي في أذني مخافة أن يعيه قلبي "وقال أبو حاتم:"حدثني أبو زرعة وما خلف بعده مثله علماً وفقهاً وفهماً وصيانة وصدقاً ولا أعلم في المشرق والمغرب من كان يفهم هذا الشأن مثله "قال:"وإذا رأيت الرازي ينتقص أبا زرعة فاعلم أنه مبتدع " وروى البيهقي عن ابن وارة قال:"كنا عند إسحاق بنيسابور فقال رجل: سمعت أحمد يقول صح من الحديث سبعمائة ألف
стр. 3254
حديث وكسر وهذا الفتى يعني أبا زرعة قد حفظ ستمائة ألف حديث "وقال محمد ابن جعفر بن حمكويه:"قال أبو زرعة: أحفظ ستمائة ألف حديث كما يحفظ الإنسان قل هو الله أحد "وقال ابن حبان في الثقات:"كان أحد أئمة الدنيا في الحديث مع الدين والورع والمواظبة على الحفظ والمذاكرة وترك الدنيا وما فيه الناس"وقال الذهبي في تذكرة الحفاظ:"الإمام حافظ العصر"وقال:"كان من أفراد الدهر حفظاً وذكاء ًوديناً وإخلاصاً وعلماً وعملاً "وقال أبو بكر بن أبي شيبة:"ما رأيت أحفظ من أبي زرعة "وقال علي بن الجنيد:"ما رأيت أعلم من أبي زرعة "وقال يونس بن عبد الأعلى:"ما رأيت أكثر تواضعاً من أبي زرعة "وقال بن كثير في البداية والنهاية:"أحد الحفاظ المشهورين "قيل أنه كان يحفظ سبعمائة ألف حديث وكان فقيهاً ورعاً زاهداً عابداً متواضعاً خاشعاً أثنى عليه أهل زمانه وشهدوا له بالتقدم على أقرانه وقال ابن الجوزي في صفة الصفوة:"كان من كبار الحفاظ وسادات أهل التقوى ". وقال ابن حجر في التقريب:"إمام حافظ ثقة مشهور "، وروي عن أبي زرعة "أن رجلاً استفتاه أنه حلف بالطلاق أنك تحفظ مائة ألف حديث فقال: تمسك بزوجتك " وقال النووي في شرح مسلم:"أحد حفاظ الإسلام وأكثرهم حفظاً ".
آثاره:
لأبي زرعة الرازي مسند ذكره الكتاني في الرسالة المستطرفة ص٦٤ ويوجد في معهد المخطوطات بجامعة الدول العربية كتاب: الضعفاء والكذابون والمتروكون من أصحاب الحديث عن أبي زرعة وأبي حاتم الرازيين مما سألهم عنه وجمعه وألفه أبو عثمان سعيد بن عمرو بن عمار البرذعي الحافظ المتوفى سنة ٢٩٢ وهو برقم ٧١٩ قسم التاريخ.
وفاته:
стр. 3255
توفي أبو زرعة ﵀ بالري سنة أربع وستين ومائتين في يوم الإثنين آخر يوم من السنة أرخ وفاته في هذه السنة الحافظ في التقريب والذهبي في العبر وابن كثير في البداية والنهاية وابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة ولم أقف على ما يخالف هذا القول إلاّ قولاً حكاه الحافظ في تهذيب التهذيب عن أبي حاتم أنه توفي سنة ثمان وستين أي ومائتين أما سنة ولادته فقد سئل عنها فقال:"ولدت سنة مائتين"نقل ذلك ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة وذكر بن كثير في البداية والنهاية قولاً آخر في سنة ولادته وأنها في سنة تسعين ومائة ولا شك أن الأرجح في ذلك ما ذكره هو عن نفسه ومدة عمره على هذا أربع وستون سنة ﵀.
وروي أنه عند وفاته اجتمع عنده عدد من العلماء الرازيين فأرادوا تلقينه فاستحيوا منه فرأوا أن يتذاكروا في حديث التلقين فشرع أحدهم بإسناد حديث ثم وقف أثناءه فقال أبو زرعة ﵀ حدثنا بندار وساق إسناده إلى رسول الله ﷺ أنه قال: "من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلاّ الله" وتوفي ﵀.
ممن ترجم له:
١- ترجم له ابن أبي حاتم في مقدمة الجرح والتعديل ٣٢٨.
٢- والذهبي في العبر ٢-٢٨ وتذكرة الحفاظ ٢-١٣٦.
٣- وابن حجر في تهذيب التهذيب ٧-٣٠ وفي التقريب ١-٥٣٦.
٤- والخزرجي في الخلاصة ٢١٣.
٥- وابن القيسراني في الجمع بين رجال الصحيحين ٣٠٦.
٦- والخطيب في تاريخ بغداد ١٠- ٣٢٦.
٧- وابن كثير في البداية والنهاية ١١- ٣٧.
٨- والعليمي في المنهج الأحمد ١- ١٤٨.
٩- وابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة ١- ١٩٩.
١٠- وابن عماد في شذرات الذهب ٢- ١٤٨.
١١- وابن الجوزي في صفة الصفوة ٤- ٦٩.
١٢- وكحالة في معجم المؤلفين ٦- ٢٣٩.
стр. 3256
من أدب الإسلام
بقلم الدكتور: طه محمد الزيني
المدرس في كلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة
عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: "نهى النبي ﷺ أن يبيع الرجل على بيع أخيه، وأن يخطب الرجل على خطبة أخيه، حتى يترك الخاطب قبله، أو يأذن له" رواه البخاري وغيره.
حرص الإسلام على أن سود الوئام ويعم الصفاء بين المسلمين، فدعا إلى ما يجلبهما، وحذر مما يسبب البغضاء، ويؤدي إلى التنابز والشحناء حتى تكون الأمة الإسلامية يداً واحدة على قلب رجل واحد، وجسداً واحداً يتألم كل جزء فيه لألم سواه، فأوجب التراحم والتعاطف والتساند والتعاون بين المسلمين، وذم الأنانية وحذر منها ووصف المتصف بها بانعدام إيمانه أو ينقص إيمانه فقال الرسول ﷺ : "ترى المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى". وقال أيضاً: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" وقال أيضاً: "المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم" والحديث الذي معنا ينهى عن مظهرين كبيرين من أسباب التباغض والشحناء بين المسلمين.
أما الأول: فهو أن يبيع الرجل على بيع أخيه، ولا شك أن مسألة البيع والشراء من أسباب تحصيل الرزق والسعي إلى إدراك لقمة العيش التي لا يستطيع الإنسان الحياة بدونها فالبيع على البيع، والشراء على الشراء، محاربة في الرزق ووقوف في سبيل العيش، وهذا أشد ما يؤثر في النفوس ويغيظها ويكدرها وقد يجود الإنسان ببذل حياته رخيصة في سبيل رزقه، فانقطاع الرزق يؤدي إلى الموت جوعاً، والموت في سبيل المحافظة على الرزق أكرم من الموت جوعاً. ولبيع الرجل على بيع أخيه صورتان:
стр. 3257
الأولى: أن يشتري رجل من أخيه شيئاً على أن له الخيار في رده إذا لم يعجبه أو ظهر فيه عيب، فيأتي رجل آخر يعرض على المشتري مثل هذا الشيء بثمن أقل، فيرد المبيع لبائعه، ويأخذ ممن عرض عليه بالسعر الأقل.
الثانية: وهي أبشع من الأولى، أن يشتري رجل من أخيه شيئاً وهما في المجلس لم يتفرقا، فيأتي رجل آخر فيعرض على المشتري مثل المبيع بثمن أقل فيرد المشتري المبيع ويأخذ ممن عرض عليه بالثمن الأقل، أو يضطر البائع الأول إلى إنقاص الثمن بقدر ما عرض الرجل الثالث فيضار البائع الأول بذلك، وقد يؤدي هذا إلى العناد بين البائعين فيظل كل منهما ينقص من ثمن مبيعه حتى يبيع أحدهما بثمن فيه خسارة محققة. ومن أمثلة ذلك ما نراه في الأسواق من البائعين المتجاورين، ينادي أحد الباعة على سلعة بثمن فينادي جاره على هذه السلعة نفسها بثمن أقل، فيغتاظ الأول فينقص من ثمن سلعته، ويتبع الأخر في النقص وهكذا إلى أن يرحل أحدهما أو يتشاجرا شجاراً قد يؤدي في بغض الأحيان إلى الموت أو الإصابة بالعاهات، وهذا حادث في كثير من بلاد الإسلام.
стр. 3258
ومثل البيع على البيع الشراء على الشراء.. والصورتان اللتان في البيع تأتيان أيضاً في الشراء على الشراء بأن يذهب رجل إلى بائع في مدة الخيار ويقول له: إن الثمن الذي بعت به رخيص وأنا أشتري منك بأكثر أو عندي مشتر بأكثر، أو يقف رجل يرقب بيع رجلين فيعرض على البائع أكثر مما يعرضه المشتري أو يقول له عندي مشتر بأكثر فيمتنع البائع عن البيع، وقد يؤدي هذا إلى العناد أيضاً بين المشتريين، فيظل كل منهما يزيد في الثمن حتى يتجاوز ثمنه الأصلي، إلى أن يكف أحدهما عن الزيادة أو يتشاجرا شجاراً تكون آخرته جريمة وقد عرف الشرع الحكيم ما يترتب على بيع الرجل على بيع أخيه وشرائه على شرائه فنهى عن ذلك، وحث المسلمين على حب بعضهم لبعض، وبعدهم عما يسبب الشحناء والبغضاء. وحكم البيع مع ذلك أنه صحيح، ولكن يحرم على من باع على البيع أو اشترى على الشراء ويكفيه أنه باع رضى الله بثمن بخس.
أما الثاني: فهو أن يخطب الرجل على خطبة أخيه قبل أن يكف الخاطب الأول نظره عن خطبته، أو يسمح لأخيه ويتنازل له عنها، ومسألة الخطبة والزواج تأتي في الدرجة الثانية بعد تحصيل الرزق، لأن متعة الرجل وسعادته في زوجته، فإذا اختارها كما يحب وتجمعت فيها الصفات التي تحبها نفسه ويهيئها له خياله كان سعيداً في حياته مسروراً في صباحه ومسائه، مطمئناً في غدوه ورواحه، ولما كانت مسألة الخطبة والزواج فوق أنها سبب السعادة والاطمئنان تمس ناحية حساسة من الإنسان، إذ يعتقد إذا رفض طلبه في خطبة أو زواج أنه طعن في رجولته، وأنه ليس له من القيمة ما يسمح لولي الزوجة بإجابة رغبته، ولا سيما إذا أجيبت رغبة غيره، فإن ذلك يحز في نفسه وقد يرى أنه ليس أهلاً للحياة فيقدم على الانتحار، أو يقتل من اعتدى عليه في رجولته، وكدر عليه صفوة عيشه أو يتلف زرعه أو ماشيته، أو يسلط اللصوص على ماله، إلى غير ذلك من الجرائم التي فشت هذه الأيام.
стр. 3259
وصور الخطبة على الخطبة كثيرة: فمن ذلك أن يذهب رجل يطلب يد فتاة، فيأتي آخر أغنى منه أو أرفع منه شأناً ومنزلة في المجتمع بسبب علم أو نسب أو قرابة لحاكم فيطلب يدها قبل أن يكف الأول، فيميل أهل الفتاة إلى الثاني ويرفضون الأول.
ومنها أن يتقدم رجل إلى أسرة فتاة وترضى به زوجاً لفتاتها وربما يدفع شيئاً من المال (شبكة) ويقدر المهر، فيأتي رجل مثل الخاطب أو أقل منه مالاً ونسباً وعلماً وغير ذلك، فيعرض (شبكة) أغلى ومهراً أكثر وقد تكون أسرة الفتاة تؤثر المادة أو واقعة في أزمة مالية، فتفضل الخطيب الأخير، وليس ذلك كل ما يحدث بل قد يكتب العقد ويختلط الرجل بالفتاة وبأسرتها فيأتي بعد ذلك خاطب جديد أفضل من الأول، فتحتال الفتاة وأسرتها في مضايقة الزوج حتى يطلقها ويظفر بها الخاطب الأفضل، وهذا مما يغرس العداوة في النفوس.
والحكم الشرعي أن النكاح ينعقد للثاني، ولكن يحرم عليه ويعاقب بفعله في الآخرة، متى كان عالماً بخطبة الأول ورضا الأسرة به، أما إذا كان لم يعلم أو علم أنه خطب ولكنه رد ولم تقبله الأسرة فلا إثم عليه حينئذ، هذا هو رأي جماعة الفقهاء وهو المعول عليه، ولكن الظاهرية قالوا: يفسخ نكاح الثاني ولا يبرم أخذاً بظاهر الحديث.
بقيت مسألة تتعلق بهذا البحث هي: هل النهي في الحديث عام أو خاص؟ بمعنى هل تحرم خطبة كل رجل على خطبة كل رجل، فتحرم خطبة المؤمن على خطبة البر والفاجر، ولا تحرم إلاّ خطبة الرجل على خطبة أخيه الصالح؟.
اختلف العلماء في ذلك فقال بعضهم: النهي عام، وقال آخرون: النهي خاص، وحجة المخصصين أن الحديث يقول: "على خطبة أخيه" والأخوة بين المؤمن الصالح والفاسق منحلة عراها أو تكاد، فلا إثم في خطبة المؤمن على خطبة الكافر والفاسق.
стр. 3260
وحجة المعممين أن الأخوة موجودة بين الجميع، فهما إخوان في الإنسانية. وفي الدين والفسق لا يمنع الإسلام، والذي تقتضيه سماحة الإسلام ويتمشى مع الغرض من تحذير الرسول ﷺ عموم النهي، لأن الخطبة على الخطبة - مهما كانت- مسببة للبغضاء والنفور بين الناس، وفيها من قلة الحياء وعدم الكرامة ما يأباه الإسلام ويحث على منعه، نسأل الله أن يوفقنا إلى ما يحبه ويرضاه.
следующие страницы →