← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.

стр. 3256

من أدب الإسلام بقلم الدكتور: طه محمد الزيني المدرس في كلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: "نهى النبي ﷺ أن يبيع الرجل على بيع أخيه، وأن يخطب الرجل على خطبة أخيه، حتى يترك الخاطب قبله، أو يأذن له" رواه البخاري وغيره. حرص الإسلام على أن سود الوئام ويعم الصفاء بين المسلمين، فدعا إلى ما يجلبهما، وحذر مما يسبب البغضاء، ويؤدي إلى التنابز والشحناء حتى تكون الأمة الإسلامية يداً واحدة على قلب رجل واحد، وجسداً واحداً يتألم كل جزء فيه لألم سواه، فأوجب التراحم والتعاطف والتساند والتعاون بين المسلمين، وذم الأنانية وحذر منها ووصف المتصف بها بانعدام إيمانه أو ينقص إيمانه فقال الرسول ﷺ : "ترى المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى". وقال أيضاً: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" وقال أيضاً: "المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم" والحديث الذي معنا ينهى عن مظهرين كبيرين من أسباب التباغض والشحناء بين المسلمين. أما الأول: فهو أن يبيع الرجل على بيع أخيه، ولا شك أن مسألة البيع والشراء من أسباب تحصيل الرزق والسعي إلى إدراك لقمة العيش التي لا يستطيع الإنسان الحياة بدونها فالبيع على البيع، والشراء على الشراء، محاربة في الرزق ووقوف في سبيل العيش، وهذا أشد ما يؤثر في النفوس ويغيظها ويكدرها وقد يجود الإنسان ببذل حياته رخيصة في سبيل رزقه، فانقطاع الرزق يؤدي إلى الموت جوعاً، والموت في سبيل المحافظة على الرزق أكرم من الموت جوعاً. ولبيع الرجل على بيع أخيه صورتان:

стр. 3257

الأولى: أن يشتري رجل من أخيه شيئاً على أن له الخيار في رده إذا لم يعجبه أو ظهر فيه عيب، فيأتي رجل آخر يعرض على المشتري مثل هذا الشيء بثمن أقل، فيرد المبيع لبائعه، ويأخذ ممن عرض عليه بالسعر الأقل. الثانية: وهي أبشع من الأولى، أن يشتري رجل من أخيه شيئاً وهما في المجلس لم يتفرقا، فيأتي رجل آخر فيعرض على المشتري مثل المبيع بثمن أقل فيرد المشتري المبيع ويأخذ ممن عرض عليه بالثمن الأقل، أو يضطر البائع الأول إلى إنقاص الثمن بقدر ما عرض الرجل الثالث فيضار البائع الأول بذلك، وقد يؤدي هذا إلى العناد بين البائعين فيظل كل منهما ينقص من ثمن مبيعه حتى يبيع أحدهما بثمن فيه خسارة محققة. ومن أمثلة ذلك ما نراه في الأسواق من البائعين المتجاورين، ينادي أحد الباعة على سلعة بثمن فينادي جاره على هذه السلعة نفسها بثمن أقل، فيغتاظ الأول فينقص من ثمن سلعته، ويتبع الأخر في النقص وهكذا إلى أن يرحل أحدهما أو يتشاجرا شجاراً قد يؤدي في بغض الأحيان إلى الموت أو الإصابة بالعاهات، وهذا حادث في كثير من بلاد الإسلام.

стр. 3258

ومثل البيع على البيع الشراء على الشراء.. والصورتان اللتان في البيع تأتيان أيضاً في الشراء على الشراء بأن يذهب رجل إلى بائع في مدة الخيار ويقول له: إن الثمن الذي بعت به رخيص وأنا أشتري منك بأكثر أو عندي مشتر بأكثر، أو يقف رجل يرقب بيع رجلين فيعرض على البائع أكثر مما يعرضه المشتري أو يقول له عندي مشتر بأكثر فيمتنع البائع عن البيع، وقد يؤدي هذا إلى العناد أيضاً بين المشتريين، فيظل كل منهما يزيد في الثمن حتى يتجاوز ثمنه الأصلي، إلى أن يكف أحدهما عن الزيادة أو يتشاجرا شجاراً تكون آخرته جريمة وقد عرف الشرع الحكيم ما يترتب على بيع الرجل على بيع أخيه وشرائه على شرائه فنهى عن ذلك، وحث المسلمين على حب بعضهم لبعض، وبعدهم عما يسبب الشحناء والبغضاء. وحكم البيع مع ذلك أنه صحيح، ولكن يحرم على من باع على البيع أو اشترى على الشراء ويكفيه أنه باع رضى الله بثمن بخس. أما الثاني: فهو أن يخطب الرجل على خطبة أخيه قبل أن يكف الخاطب الأول نظره عن خطبته، أو يسمح لأخيه ويتنازل له عنها، ومسألة الخطبة والزواج تأتي في الدرجة الثانية بعد تحصيل الرزق، لأن متعة الرجل وسعادته في زوجته، فإذا اختارها كما يحب وتجمعت فيها الصفات التي تحبها نفسه ويهيئها له خياله كان سعيداً في حياته مسروراً في صباحه ومسائه، مطمئناً في غدوه ورواحه، ولما كانت مسألة الخطبة والزواج فوق أنها سبب السعادة والاطمئنان تمس ناحية حساسة من الإنسان، إذ يعتقد إذا رفض طلبه في خطبة أو زواج أنه طعن في رجولته، وأنه ليس له من القيمة ما يسمح لولي الزوجة بإجابة رغبته، ولا سيما إذا أجيبت رغبة غيره، فإن ذلك يحز في نفسه وقد يرى أنه ليس أهلاً للحياة فيقدم على الانتحار، أو يقتل من اعتدى عليه في رجولته، وكدر عليه صفوة عيشه أو يتلف زرعه أو ماشيته، أو يسلط اللصوص على ماله، إلى غير ذلك من الجرائم التي فشت هذه الأيام.

стр. 3259

وصور الخطبة على الخطبة كثيرة: فمن ذلك أن يذهب رجل يطلب يد فتاة، فيأتي آخر أغنى منه أو أرفع منه شأناً ومنزلة في المجتمع بسبب علم أو نسب أو قرابة لحاكم فيطلب يدها قبل أن يكف الأول، فيميل أهل الفتاة إلى الثاني ويرفضون الأول. ومنها أن يتقدم رجل إلى أسرة فتاة وترضى به زوجاً لفتاتها وربما يدفع شيئاً من المال (شبكة) ويقدر المهر، فيأتي رجل مثل الخاطب أو أقل منه مالاً ونسباً وعلماً وغير ذلك، فيعرض (شبكة) أغلى ومهراً أكثر وقد تكون أسرة الفتاة تؤثر المادة أو واقعة في أزمة مالية، فتفضل الخطيب الأخير، وليس ذلك كل ما يحدث بل قد يكتب العقد ويختلط الرجل بالفتاة وبأسرتها فيأتي بعد ذلك خاطب جديد أفضل من الأول، فتحتال الفتاة وأسرتها في مضايقة الزوج حتى يطلقها ويظفر بها الخاطب الأفضل، وهذا مما يغرس العداوة في النفوس. والحكم الشرعي أن النكاح ينعقد للثاني، ولكن يحرم عليه ويعاقب بفعله في الآخرة، متى كان عالماً بخطبة الأول ورضا الأسرة به، أما إذا كان لم يعلم أو علم أنه خطب ولكنه رد ولم تقبله الأسرة فلا إثم عليه حينئذ، هذا هو رأي جماعة الفقهاء وهو المعول عليه، ولكن الظاهرية قالوا: يفسخ نكاح الثاني ولا يبرم أخذاً بظاهر الحديث. بقيت مسألة تتعلق بهذا البحث هي: هل النهي في الحديث عام أو خاص؟ بمعنى هل تحرم خطبة كل رجل على خطبة كل رجل، فتحرم خطبة المؤمن على خطبة البر والفاجر، ولا تحرم إلاّ خطبة الرجل على خطبة أخيه الصالح؟. اختلف العلماء في ذلك فقال بعضهم: النهي عام، وقال آخرون: النهي خاص، وحجة المخصصين أن الحديث يقول: "على خطبة أخيه" والأخوة بين المؤمن الصالح والفاسق منحلة عراها أو تكاد، فلا إثم في خطبة المؤمن على خطبة الكافر والفاسق.

стр. 3260

وحجة المعممين أن الأخوة موجودة بين الجميع، فهما إخوان في الإنسانية. وفي الدين والفسق لا يمنع الإسلام، والذي تقتضيه سماحة الإسلام ويتمشى مع الغرض من تحذير الرسول ﷺ عموم النهي، لأن الخطبة على الخطبة - مهما كانت- مسببة للبغضاء والنفور بين الناس، وفيها من قلة الحياء وعدم الكرامة ما يأباه الإسلام ويحث على منعه، نسأل الله أن يوفقنا إلى ما يحبه ويرضاه.

стр. 3261

رَسَائِل لمْ يَحمِلهَا البَريْد بقلم الشيخ: عبد الرؤوف اللبدي المدرس في كلية الشريعة بالجامعة جاري الفأر: لقد فاجأتني رسالتك، وما كان يدور لي بخلد أن مخلوقاً ضعيفاً صغيراً مثلك يستطيع ذلك البيان، وأغلب الظن أن قد غلب على ظنك أني قط غر صغير، يصدق ما يقال، ويخدع بما يسمع، ويستهويه زخرف القول، فكتبت ما كتبت، ثم جلوته على في أبهى حلة. حقاً، أيها الفأر المجاور، أن كادت رسالتك لترديني، وتخرجني من يقيني، قرأتها أول مرة، فظننت أنها دعوة حق، ومقالة صدق، وأخذت أردد ما قلت: "ما أطيبها دعوة، وما أمتها حياة! وهل هناك حياة أروع وأمتع من حياة السلم والسكينة، والأمن والطمأنينة، مع راحة وهناء، وطعام دون عناء؟ علام هذا الخصام بين مخلوقات الله؟ لو تراضى الخلق بالمساواة، وأخذ كل مخلوق ما كفاه، لعاشوا جميعاً عيشة هادئة وادعة، لا قلق فيها ولا اضطراب، ولا دماء ولا حراب". ولكنني من بعد لأي أفقت من هذه الأحلام الجميلة، والرؤى الخادعة، وأخذت أغدو ببصري وأروح، أغدو به بين جسمي وجسمك، وأروح به بين طباعي وطباعك، فتلاشى ما كان على بصري من غشاوة، وتزيل ما ران على قلبي من باطل، وتبين لي أنني كنت في ضلال بعيد. لقد نظرت إليك، فرأيت فيك خلقاً صغيرا حقيراً جباناً تكثر الفساد في البيوت، وتفسد الطعام على الناس، يسير الخراب حيث سرت، وينزل الأذى حيث تنزل، فلا عجب أن تضيق بك الصدور والدور، وأن يكيد لك الناس، فينصبوا المصايد، ويبثوا السموم، ثم تلقى على أيديهم عذاب الحريق. لقد نظرت إلى نفسي، فإذا بي جثة ضخمة تملأ العيون، وقلب جريء لا يخشى المنون، وسلاح ماضي الشفرتين ستذوق طعمه بعد حين، هذا إلى ما أتمتع به من عطف بالغ على الأبواب، ووداد صادق في البيوت، وسلامة من خبائث الأخلاق والأمراض.

стр. 3262

فهل تراها منصفة بعد هذا أن يستوي خلق مثلي وخلق مثلك؟ هيهات هيهات أن يتراضى الخلق بالمساواة، وهم لم يخلقوا سواء، ولم يكونوا ذات يوم أكفّاء!! مثل آخر أحب أن أسوقه إليك، وما أن بصاحب أمثال أضربها، لولا أمثال جاءت بها رسالتك، ونهج في البيان سبقتني إليه: انظر إلى صاحبة هذه الدار، كم حاولت أن تعلم هذه الخادم أشياء كثيرة تكسبها حذقاً في اليدين، وحسناً في التدبير، وبصراً في الأمور، وذوقاً في التنسيق والتركيب، ولكن الخادم بقيت حيث هي، لا تزيد على أن تخم البيت، وتمسح البلاط، وتغسل آنية المطبخ. فهل تراها منصفة بعد هذا أن تعيش هذه وتلك على حد سواء. ومالي أذهب بعيداً هنا وهناك لم لا أضرب الأمثال فيك وفي قومك؟! هل ترضى أنت أيها الفأر أن تعيش كما يعيش سائر الفيران في هذا البيت، وأنت الزعيم ذو الحول والطول؟! أليس لك امتياز عليهم في الذكاء والرأي والقوة والقيادة وسياسة الأمور، أفلا تكون جديراً بعد هذا بحق امتياز في المبيت والمأكل والمشرب، وفضل نفوذ في الأمر والنهي. كيف تزعم الإمتيازات قد ولت مدبرة ولم تعقب، وها أنت ذا تميس في حللها بكرة وعشياً، وتتذوق حلاوتها على دروب السلب والنهب؟! أما حياة السلم والسكينة، والأمن والطمأنينة، تلك التي زعمتها في رسالتك، فحياة ظاهرها الرحمة والبر، وباطنها الذل والصغار، أي حياة هذه التي تقوم على لقيمات إحسان ألبس بها ثياب الضعف والخنوع، كيف انجحر في زاوية من زوايا بيت وهو ملعب الصبا ومسرح الحياة؟! أتظنني أستطيع التظاهر بالعمى وأنا أبصرك تصول وتجول في أرجاء البيت تسلب وتنهب؟! ما أعجب شأني حين أزعم العجز وأنا القادر على أن أمزق جموعكم شر ممزق،وأن أشرد بكم في كل جحر. ماذا أصنع بهذه المخالب التي تفري اللحم، وهذه الأنياب التي تحطم العظم، وهذه العظلات المفتولة التي خلقت للضرب والوثب والقتال؟!

стр. 3263

لقد وهب الله لي أسباب القوة الضاربة، فكيف تريدني أن أعيش ضعيفاً؟! ووهب لي أسباب العزة والقعساء، فكيف تدعوني إلى الضعة والذل؟! ووهب لي أسباب النصر العزيز، فكيف أكتب على نفسي الهزيمة؟! لقد خلقت أنت عطلاً من كل أولئك،ولكنك بالدهاء والمكيدة تريد أن تسلبينها جميعاً. ما أعجبها من حياة حين أكون أنا من القاعدين، وتكون أنت الكاسب، وأعيش أنا مع العفاة المعترين، وتكون أنت السيد المطاع. لقد أبعدت في الضلال أيها الفأر حين ظننت أن والدتي لو استقبلت من أمرها ما استدبرت لأجابت هذا الذي تدعوني إليه، لا أزال أذكر كلماتها الأخيرة، وقد أحاط بها الموت، وعصفت بها رياح المنية: "أي بني، إنه ليحزنني أن أموت تاركاً ورائي أعداء كثيرين، ذوي دهاء ومكيدة، وإني لأخشى عليك أن تصبح في هذا البيت غريباً ضعيفاً عاجزاً، تهزم وفيك أسباب القوة، وتذل وطريق العزة أمام عينيك واضح مستقيم، انهج نهج آبائك الأولين تعز وتبر، والاف"وألف نفسي! لم يمهلها الموت حتى تتم ما تريد، ولكنني فهمت الفهم كله ما الذي كانت تعني، وأي شيء كانت تود أن تقول. كانت تود أن تقول إذا لم تحافظ على قطيتك، ولم تعمل بما تؤمن به القطط، ضعت في عالم الحيوان، وحقرتك جميع الخلائق، وخسرت ما ورثته عن أجدادك الأولين من مآثر عظيمة، ومغانم كثيرة، وحسن أحدوثة لا تزال تتناقلها الألسنة، ويرويها التاريخ.

стр. 3264

كانت سذاجة بلهاء من آبائي الأدنين ألاّ يتدبروا شأن آبائك وأجدادك حين لجأوا إلى هذا المكان وهم شرذمة قليلون، لا حول لهم ولا طول، لقد استهانوا بأمرهم وحقروا شأنهم، وما دروا أن القطرات المتفرقة تصبح سيلاً جارفاً، وأن الشرارة الصغيرة تسمى حريقاً مخيفاً، لقد عاشوا لأنفسهم، وشغلتهم اللذة العابرة والحياة الدنيا عن الرأي الجميع والمصير المشترك، فقضوا حياتهم يتنازعون بينهم، وأيّهم أعز مكاناً وأيّهم أوسع نفوذاً، لقد وجدوا آباؤك وأجدادك الفرصة المواتية في هذا النزاع الطويل والخصام الوبيل، فتكاثروا في ظله واتسعت لهم الأرض، فأوسعوها جحولاً وإنفاقاً، وها أنتم أولاء تتحدثون عن السلم والحرب حديث الأبطال، وأنتم تعلمون أن فيكم ضعفاً، ولا طاقة لكم على القتال، ولكنكم رأيتمونا - معاشر القطط - أشتاتاً لا يجمعنا قلب ولا طريق، فهان أمرنا عليكم وعلى غيركم، ولم نعد في هذا العالم شيئاً مذكوراً. هبني صالحتك على ما تريد، وتظاهرت لأصحاب البيت بالأمانة والإخلاص، فتربصت بكم خداعاً تربص الحامي الأمين، وطاردتكم كذاباً مطاردة الحارس اليقظ، ثم طرحتم أنتم إلى من يموت فيكم موت شيخوخة أو مرض، فأكلته على مرأى من أصحاب البيت، ولطخت فمي بدمه على مشهد منهم، ثم ظلت خيانتي وخستي وعاري أشياء خافية لا يعلمها الناس، هبني صالحتك على هذا الذي تهوى، ومثلت لك هذا الدور الخادع الذي تريد، وتقبلت أنت وقومك في أعطاف النعيم، فأكلتم من هذا البيت ما طاب، وشربتم فيه ما عذب، ثم تطاول الأمد على ذلك حتى مسني الكبر، ووطئتني الشيخوخة، وأمسيت لا أقدر على العراك القوى والحراك الوحي، أتراك إذا صرت إلى مثل هذه الشيخوخة، أو إلى ما هو أسوأ منها من مرض مقيم، أو عمى مقعد، ولم يعد هناك مصالح مشتركة، ولا منافع متبادلة، أتراك واقفاً مني موقف الشامت الزاري، والضعيف الحاقد، وذي الوتر سنحت له فرصة الدهر فلم يتركها تفلت.

стр. 3265

كيف أطمئن إلى وفائك بما تعد، وأنى لي الثقة بما تدعي وتقول، وأنت الذي تريد أن تقوم العلاقات فيما بيننا على المصالح المشتركة، والمنافع المتبادلة، تلك التي لا ثبات لها ولا استقرار، ولا تكافؤ فيها ولا توازن. لو ممن يؤمنون بالدين، ويتقون يوماً ترجعون فيه إلى الله، لكان من الممكن أن أجد في كلامك ريح الصدق, وأن أذوق في وعدك طعم الوفاء، ولكنك تجحد الأديان وتنعاها، ولا ترى في الخلق صلاحاً وصالحين، ولا ذوي فضل مختارين، وترى المروءة والوفاء والصدق والأمانة.. أشياء قد ولت مدبرة ولم يبق منها إلاّ أطلال دوارس. إن أولئك الذين يعيشون في أنفاق خبيئة تحت الأرض، ولا يخرجون منها إلاّ في غسق الليل، لا يستطيعون أن يروا ضوء النهار، ولا أن يحسوا دفء الشمس، ولا أن يتبينوا كم لها فوق هذه الأرض من فضل على الناس، فلا عجب أن تكون أمانيك وأماني أمثالك من القنافذ والمناجذ والخفافيش أن تمضي هذه الحياة الدنيا عبثاً، وألاّ تكون هناك حياة أخرى كل نفس فيها بما كسبت رهينة. تقول إني لك جار، فإذا كان هناك جوار حقاً، فمن حق هذا الجوار أن أقول لك في صراحة وصدق، خير لك أن ترحل عن هذه الدار إلى دار أخرى، وأن تقيم في بيت غير هذا البيت، أمّا في هذا الدار، فلن يكون لك فيها أمن ولا استقرار، ستقضي ليلك مختلس الرقاد، وستأكل خبزك مأدوماً بالخوف، وأمّا شربك فحسو العصافير المروعة. كتبت تهددني بقدرتك على الإفساد، وكثرة القبيل والأولاد، ذاك سلاح يخشاه الضعفاء، ويفرق له الرعاديد، أولئك الذين يجعلون أصابعهم في آذانهم عن سماع الحق، ويطبقون شفاههم بأيديهم خشية قول الصدق، ويثنيهم حب السلامة عن الجهاد في سبيل ما يؤمنون به.

стр. 3266

وأنا لست من هؤلاء، ولن أكون منهم، وإني لمناصبك العداء جهاراً، ومتربص بك المنايا ليلاً ونهاراً، ولسوف أحلك دار البوار عما قريب والآن، وفي نهاية رسالتي هذه إليك أود أن أقول لك كلمة هادئة وادعة، ليس فيها وقد عواطف، ولا حميا شباب، لقد أفرغت على نفسي ذنوباً من ماء بارد قبل أن أخطها إليك: عسير علي أيها الفأر أن أخرج على جبلتي، وأن أتكلف ما ليس في طبيعتي، وعسير عليك أن تكون محسناً وفي طبعك الإساءة والغدر، وأن تكون مسالماً وقد فطرت على الأذى والمكر، ولن يخدعني لسانك الرطب، ولا كلامك العذب، ولا ما تضربه من الأمثال. دعنا أيها الفأر نعيش على الفطرة التي فطرنا الله عليها فأظل أنا قطاً، وتظل أنت فأراً، لا داعي إلى أن نتخذ المعاهدات والاتفاقيات، نوقعها ثم لا نحفظ لها وداً، ولا نقيم لها وزناً، ولا نتكلف لها وفاءً.. تلك سنة الله في خلقه، ولن تجد لسنة الله تحويلاً ولا تبديلاً. عدوك المجاور القط

стр. 3267

ربِّ عفوًا للشاعر السوري: مصطفى عكرمة مبعث المصطفى على الدهر عيد هرم الكون وهو غض جديد هو أسمى من أن يقاس، فمن آثاره الغر في الزمان الخلود إنه الفجر قد أظل فيا أر ـض اطمئني، واستيقظوا يا رقود طويت صفحة الشقاء عن الخلـ ـق، وفكت عن العقول القيود فإذا شملنا الشتيت كيان ليس فيه إلاّ الحليم الرشيد ود كل لو يفتدي غيره بالر ـوح. . فالروح في الغذاء زهيد حارت النائبات فيهم فما تد ـري إذا ما ما دهت من المقصود الأولى آثروا الجميع على النفس - مع البؤس - حقهم أن يسودوا مسحة من يد الرسول عليهم فإذا العرب شعلة ووقود حملوا بعدها هموم بني الدنيا فساد الهدي.. وعم الجود ما لغير الهدى وجود بني قومي.. وجل الهدى، وجل الوجود روض الله في نفوسهم الكبر، وأوحى إليهم: أن سودوا بلّغوا هذه الرسالة للدنيا وعن شرع أحمد لا تحيدوا وعلت صيحة الجهاد فيا بيد أفيقي. . وهللي يا نجود ولد العرب فوق ظهر المذاكي واستقرت في كف قومي البنود كلما شاب في المعارك كهل شب في الساح للجهاد وليد أعشب الرمل حين مر عليه جحفل الفتح، وانتشت منه يد حيثما شئت من هدانا منار أينما سرت من ندانا شهود فاستنارت من هدى أمتنا الدنيا وتاهت، وأورق الجلمود ما علمنا قبل الرسول رياضاً بلظى البيد قلبها معمود حبة الرمل في صحارى بلادي أصبت الثغر، واشتهاها الجيد كيف لا؟! والرحال عطرها الفتح وعطر الفتوح عطر فريد فإذا مجدهم عزاء الليلي وإذا هم على الشفاه نشيد ما تسامى الإنسان في الأرض إلاّ وله من سنا الرسول المزيد المبادى. . _ إلاّ شريعته السمحة _ فيها الضياء والتعقيد

стр. 3268

قد يحيط الإنسان بالكون علماً وهو عن نفسه جهول نعيد كيف يقوى على اختراع الهدايات جهول بقدره محدود: مجد قومي إضاعة اليوم بعد عن سنا هدى أحمد وجحود فإذا الأهل فرقة وعداد وإذا القوم ظالم وحسود قد أضعنا ذواتنا حين ضاع الشرع فينا ... فعمنا التنكيد أمم الأرض قد تنادت علينا وحدت بينها وشدت حقود قد غزتنا مذاهب ودعاوات ضلال يشيب منها الوليد عبدوها يا رب ظلماً وجهلاً دعونا. . فكان منا الصمود عيّرونا بأننا لك يا رب دعاة. . ووجهك المقصود فعلى الجفن والعيون رقيب وعلى النطق واللسان قيود وإذا استعذب النعيب توارى خجلاً خلف كبره الغريد لهف نفسي!! أفي ترى قدس قومي يزدهي اليوم غاصبون يهود؟! المناكيد تحت أرصفة الدهر، أتعلوا لهم علينا بنود؟! رب عفواً يكاد يخنقني الدمع ودمعي -كما علمت - عنيد ما دموعي يا رب إلاّ دعاء علك اليوم بالصلاح تجود حز في النفس أن ترانا حيارى أو يرضيك تيهنا أو تريد! الأماني كل ما يملك العرب وأولى بالأمنيات قعيد يصبغ الوهم بالفتون أمانينا ويلهوا بنا الخيال الشرود اللذاذات همنا وهوانا ومني النفس ربنا المعبود ربنا ضاعت العقيدة فينا فاحتوانا الضياع والتشريد يلتقي الناس في الشدائد وازدادت خلافاتنا.. وعز الرشيد العليم العليم فينا عليم كيف يجتاح صحبه ويصيد وعلى أهله وكل ضعيف القوي الشديد فينا شديد أوجع الداء جهلك الداء حتى لست تدري الأذى ولا ما يفيد قد جهلنا حتى العدو من الصحب فسيان ناصح ولدود وبذل نرجو الدواء من الداء فيأتي لكن! ! كما لا نريد سبقتنا إلى الربيع السنونو واحتمى خلف والديه الوليد وأضعنا الربيع والأب والأم وركناً هو الركين الوطيد

стр. 3269

يا لبؤس الأحفاد منا إذا ما ذكر الأهل والجدود حفيد شغل الناس بالحقائق والعلم فسادوا وهمنا التقليد كل يوم لهم جديد مفيد وقصارى جهودنا الترديد الوعود الكبار عدتنا الكبرى وخزي لدى النفير الوعود الوغى حولنا جحيم تلظى ومناناً على الجحيم جليد وإذا مل نصرة الحق سيف فهو في صدر ربه مغمور أيظل الأعراب شتى حيارى؟! بأسهم بينهم رهيب شديد تحصد الحرب كل يوم مئات من بينهم ... وللعدو الحصي د اللواء المهزوز من قبضة الظلم على الأهل..هزه رعديد وإذا السيف لم يجرد لرفع الظلم يوماً أذله التجريد رب ما زال في الأعاريب خير رب منك الهدى، ومنك الجود رب فيا الوجود كان سعيداً أو يرضيك أنه منكود؟! ربنا رددنا إليك ومر أن تمسح الذل والنحوس سعود ربنا أو اجعل الخلاص قريباً فلقد طال في الكهوف الرفود

стр. 3270

بالإسلام تَسْعَد الأمَّة وتنهَض الدَّوْلة بقلم: الشيخ محمود عبد الوهاب فايد المدرس في كلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة الإسلام دين كامل فيه لكل مسالة حكم، ولكل مشكلة حل- وهو- كما يعلم الذين درسوه من مصادره المعتمدة- لا يعيش بمعزل عن الفرد، ولا في عزلة عن الجماعة والدولة بل يعيش معهم جميعاً في دنيا الواقع، يلقي عليهم أشعته الوهاجة فيهديهم سبل السلام، ويخرجهم من الظلمات إلى النور، ويسمو بهم إلى حياة أفضل في ظلال قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [١] . للإسلام نظام خاص في السياسة والحكم والاجتماع والاقتصاد لا يمكن أن يندرج تحت عنوان من العناوين البراقة المعاصرة التي انخدع بها كثير من الناس ثم ظهر زيفها وخبثها وقصورها عند التطبيق في معالجة شؤون الحياة.

стр. 3271

وكيف يندرج تحتها وهي عنوان عن فكر إنساني قاصر مشوب بالأهواء قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ [٢] وهو وحي سماوي، وشعاع رباني وصبغة إلهية قال تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ [٣] لقد أراد الله أن يكون الإسلام خاتم الأديان، وأراد أن يكون دين البشر جميعاً في كل مكان وزمان، ولهذا أنزل كتابه، وتولى بنفسه حفظه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [٤] وضمنه القواعد الكلية، وترك التفاصيل الجزئية ليساير ظروف البشرية، وفي القرآن ومذكرته التفسيرية النبوية نجد كل عناصر الخير، وأسباب السعادة، ومقومات الحياة، ووسائل القوة والعزة، فلم نعد في حاجة إلى أن نمد أيدينا، ونتسول المبادئ من الشرق أو من الغرب، ولقد قال الله تعالى وهو أصدق القائلين: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً﴾ [٥] تمت النعمة، وكمل الدين، فلسنا من ناحية المبادئ في نقص نحتاج إلى استكماله من المخالفين. إن من اللازم على كل دولة دينها الإسلام - حينما تطرح قضية على بساط البحث - أن تسترشد فيها بنوره وتهتدي بهديه، وتسير وفق تعاليمه وعند الاختلاف يجب أن يذعن أبناؤها لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [٦] . من اللازم على كل دولة إسلامية أن يتمسك أبناؤها بحبل الإسلام، ففيه- والحمد لله- ما يكفي ويغني، فيه ما يجلب الخير ويدفع الضر، ويحقق الهناءة والاستقرار والأمن، ولنتأمل هذه الأسس التي وضعها:

стр. 3272

١- الإسلام يعلي شأن الإنسان ويستخلفه في هذه الأرض، ويعمل على تحقيق الإنسانية الصحيحة الرشيدة في هذا العالم، وربطها بمصدر وجودها، فلا يسمح بأن يتعالى الإنسان حتى يصبح إلهاً طاغياً، ولا أن ينزل حتى يكون حيواناً سافلاً أو شخصاً مهيناً، ولا يقبل أن ينقطع المخلوق عن خالقه، ومصدر نعمته، بل يعمل على ربط الناس بعضهم ببعض على أساس من التعاون والتآلف والوفاء، ويعمل أيضاً على ربط الناس بخالقهم على أساس من الإخلاص والتقوى والصفاء، وفي مقابل هذا كتب الله لهم التمكين والعزة والأباء يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [٧] . ويقول: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ [٨] . ويقول: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [٩] . ويقول: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [١٠] . ويقول: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلّ﴾ [١١] . ويقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [١٢] . ويقول: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [١٣] .

стр. 3273

دخل أحد الفاتحين العرب المسلمين على قائد جيش الفرس في قصره وبيده رمح يدق به الأرض وما فوقها من طنافس حريرية دون أن يبالي، وجرى بينهما حديث حاول قائد جيش الفرس أن يغري الفاتح العربي المسلم باللذات والنعيم، فكان جواب العربي المسلم: "لقد جئنا لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام". إن الإسلام كما فهمه أسلافنا، لا يرضى بالذلة، ولا يقبل الاستعلاء بغير حق، ولا يبيح الخضوع لمستبد أو طامع لا هدف له إلاّ الغصب والسلب وإهدار كرامة الإنسان وحقه في الحياة الهنيئة، ولقد أرسل الله الرسل وأنزل الكتب، وشرع الجهاد لهداية الناس وإشاعة الخير، وإقرار الحق ورفع الجور قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [١٤] . وقال: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً, وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً, الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً﴾ [١٥] وسبيل الله هو سبيل الحق والخير والسلام وسبيل الطاغوت هو سبيل الباطل والشر والفساد والضلال والعدوان.

стр. 3274

٢- ينظر الإسلام إلى المجتمع على أنه جسم واحد يتكون من أعضاء مختلفة الوظائف متفاوتة الرتب تحس كلها بإحساس واحد، وتتعاون كلها وإن اختلفت درجاتها وقدراتها على جلب المنافع، ودفع المضار. نلمس هذا في قول الرسول ﷺ : "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" أخرجه مسلم وأحمد عن النعمان بن بشير وهكذا يؤلف الإسلام من أبناء الأمة على اختلاف أوضاعهم ورتبهم ووظائفهم وأعمالهم وحدة متناسقة متكاملة متعاونة مؤتلفة يهتم كل فرد فيها بأداء واجبه نحو نفسه ونحو غيره، ولتحقيق هذا أوجب الله على القادرين أن يساعدوا العاجزين، وعلى الأغنياء أن يساعدوا المحتاجين، وعلى الأقوياء أن يؤازروا المستضعفين، وعلى الحكّام أن يسهروا على راحة المحكومين. (أ) ونظرة الإسلام إلى المال نظرة سامية، ومعالجته للفقر معالجة دقيقة: فالمال ملك لله كما قال: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [١٦] . ولكنه استخلفنا فيه وملكه لنا على أن نؤدي منه ما أوجبه علينا من حق خاص أو عام قال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [١٧] وقال: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [١٨] . وحين يكون الإنسان سفيهاً يسلبه حق التصرف فيه، وحين يمتنع عن دفع الحقوق الخاصة أو العامة يجبر عليها بقوة السلطان والسلطان لا تبرأ ذمته إلاّ إذا سدت للفقير حاجته، ويسرت له مئونته وتحقق للدولة كل أسباب القوة والعزة.

стр. 3275

وللسلطان أن يأخذ من مال الأغنياء ما يكفي حاجة الفقراء قال ﷺ : "إن الله فرض على أغنياء المسلمين في أموالهم بقدر الذي يسع فقرائهم، ولن يجهد الفقراء إذا جاعوا وعروا إلاّ بما يصنع أغنياؤهم ألا وإن الله يحاسبهم حساباً شديداً ويعذبهم عذاباً أليماً" رواه الطبراني في الأوسط والصغير، ولما قفل أصحاب رسول الله ﷺ من غزو ووقع بعضهم في ضرورة ملحة، وضائقة شديدة قال ﷺ : "من كان له فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان عنده فضل زاد فليعد به على من لا زاد له ", قال أبو سعيد الخدري راوي الحديث: "فذكر من أصناف المال ما ذكر حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل"أخرجه مسلم. ولأول مرة في التاريخ أعلنت الحرب ضد الأغنياء من أجل الفقراء وذلك في عهد أبي بكر حاكم المسلمين فقد قال حين امتنع بعض الأغنياء من دفع الزكاة: "والله لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونها على عهد رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها" أخرجه الستة. إن الإسلام وهو يطلب من الحكام والأغنياء أن يسدوا حاجة الفقراء لم ينس أن يعبد للفقراء سبيل الرزق ويحضه على سلوكه، ويفتح له باب العمل، ويشجعه على ولوجه قال تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [١٩] وقال: ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [٢٠] وقال ﷺ : "من أمسى كالاً من عمل يده أمسى مغفوراً له" أخرجه الطبراني.

стр. 3276

بهذا وبغيره من مباديء الإسلام التي لا يمكن جمعها في مقال حارب الإسلام الفقر وعالج مشكلته علاجاً جذرياً فطرياً، فلم ينكر الملكية الفردية المشروعة بل احترمها وعاقب المعتدي عليها بغير حق، لم يجرد الناس من كسبهم وثمرة كدهم، ونتيجة عرقهم وجهدهم تجريداً يدفعهم إلى الإهمال ويحملهم على التفريط في حفظ الأموال، ويثنيهم على التجديد والابتكار، وعن المضي في سبيل الرقى والازدهار. لم يفعل ذلك بل أباح لهم أن يمتلكوا ما هو حلال عن طريق حلال على أن يستغل في الحلال بلا ضرر ولا إضرار وبلا تقتير ولا إسراف، وبلا نسيان لحق الجماعة الذي أوجبه الله. وبهذا تمشى الإسلام مع الغريزة البشرية غريزة التملك لكنه هذبها وخفف من شرتها، وعدل من طبيعتها وتسامى بها حتى عادت بالخير على الفرد والجماعة والدولة، ولا عجب فقد حارب الربا والاحتكار، والاكتناز ورفع الأسعار وكل ما فيه إضرار قال ﷺ : "من احتكر طعاماً أربعين ليلة فقد بريء من الله وبريء الله منه" وقال: "من دخل في شيء من أسعار المسلمين ليغليه عليهم كان حقاً على الله ﵎ أن يقعده بعظم من النار يوم القيامة" وقال: "لا ضرر ولا ضرار" أخرجه الثلاثة وأحمد. (ب) ونظرة الإسلام إلى الحكم نظرة واقعية ومثالية.. فالدولة لابد لها من حاكم يقوم على رعاية مصالحها الداخلية والخارجية ويعمل على إشاعة الأمن والعدل في البلاد، ويوفر لأبنا الأمة كل ما يطلبونه من أمن وغذاء، ومسكن وكساء، وطب ودواء، حماية لهم من غوائل الفقر والمرض والجهل ويقف إلى جوار الضعيف والمسكين والمظلوم حتى يرفع عنهم الغبن ويدفع الظلم، ويكفيهم الحاجة ويهيء لأفراد الشعب فرصاً متكافئة، ويقدم العون لأرباب الحاجات، وييسر لهم سبل العيش وأبواب الرزق، ويعمل على تأمين الدولة من الداخل والخارج. ولكي يكون الحكم نعمة على الأمة قرر الإسلام ما يلي:

стр. 3277

١- الحاكم بعد الرسول ﷺ غير معصوم وليست له قداسة تجعله يرتفع عن مستوى النقد ولا تجب طاعته حين يضل الطريق قال ﷺ : "الدين النصيحة قالوا لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم" أخرجه مسلم. وقال ﷺ : "السمع والطاعة حق على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع عليه ولا طاعة" أخرجه الستة. ٢- الحاكم عليه أن يتشاور مع المسلمين فيما لا نص فيه ليهتدي إلى ما فيه الخير، وليتجنب ما فيه مضرة أو مشقة، ولتتقبل الأمة ما يكلفها به عن تفهم ورضا قال تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [٢١] . وقال رسول الله ﷺ : "أما إن الله ورسوله لغنيان عنها ولكن جعلها الله تعالى رحمة لأمتي فمن استشار منهم لم يعدم رشداً ومن تركها لم يعدم غياً﴾ أخرجه البيهقي عن ابن عباس. ٣- الحاكم مطالب بالعدل والإحسان إلى الرعية قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ وقال ﷺ : "من ولى من أمر الناس شيئاً فاحتجب عن أولي الضعف والحاجة احتجب الله عنه يوم القيامة" رواه أحمد, وقال: "ما من أمير يلي على أمور المسلمين ثم لا يجهد لهم وينصح لهم كنصحه وجهده لنفسه إلاّ لم يدخل معهم الجنة" رواه الطبراني. ومن العدل الواجب ألاّ يولي أحداً لقربه منه أو قرابته أو وساطته بل يسند العمل لمن كان أهلاً له قال ﷺ : "من قلد رجلاً عملاً على عصابة وهو يجد في تلك العصابة أرضى منه فقد خان الله ورسوله وخان المؤمنين" أخرجه الحاكم. ومن اللازم على الحاكم أن يكون قدوة للأمة في تجنب الظلم واستغلال النفوذ ولنا في رسول الله ﷺ أسوة حسنة.

стр. 3278

عن أم سلمة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ في بيتي وكان بيده سواك فدعا وصيفة له أولها حتى استبان الغضب في وجهه وخرجت أم سلمة إلى الحجرات فوجدت الوصيفة وهي تلعب ببهمة فقالت: ألا أراك تلعبين بهذه البهمة ورسول الله ﷺ يدعوك فقالت: لا والذي بعثك بالحق ما سمعتك. فقال رسول الله ﷺ :"لولا خشية القود لأوجعتك بهذا السواك " رواه أحمد, كما في الترغيب والترهيب ج٤ص٢٦٦. وعن أبي سعيد الخدري قال: "بينا رسول الله ﷺ يقسم قسماً أقبل رجل فأكب عليه فطعنه ﷺ بعرجون كان معه فجرح وجهه ثم قال له: "تعالى فاستقد. قال: بل عفوت يا رسول الله" أخرجه أبو داود والنسائي. إن شعور الرهبة كان يسيطر على النبي ﷺ وهو ينادي الخادمة، وهو يطلب من الرجل أن يأخذ بحقه، إنه الخوف من الله أن يقتص منه لخادمة تغيبت عنه وظل يناديها فلم ترد عليه، لقد أبى النبي ﷺ في ثورة الغضب أن يمسها بالسواك مخافة القصاص، وفي هذا تحذير بليغ لأولئك الذين يتفننون في إيذاء الناس، ويستعذبون تعذيبهم ويبغون في الأرض بغير حق، غافلين عن أن الله لا ينام وأنه عزيز ذو انتقام وأنه سريع الحساب شديد العقاب. إن نبي الإسلام حريص كل الحرص على أن يربي في المسلمين خصوصاً حكامهم شعوراً جاداً وحاداً بالمسئولية يدفعهم إلى أن يقيموا الحق ويرفعوا الظلم ولو وقع على كاهل حيوان فضلاً عن إنسان. عن عبد الله بن جعفر قال: "دخل النبي ﷺ حائطاً لرجل من الأنصار فإذا فيه جمل فلما رأى النبي ﷺ حنّ وذرفت عيناه فأتاه رسول الله فمسح ذفراه [٢٢] فسكت فقال: من رب هذا الجمل؟ فقال فتى من الأنصار: هو لي يا رسول الله فقال: أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها فإنه شكا إلي أنك تجيعه وتدئبه".

стр. 3279

وعن ابن مسعود قال: "كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فانطلق لحاجته فرأينا فيه حمرة معها فرخان فأخذنا فرخيها فجاءت الحمرة فجعلت تعرش فجاء النبي ﷺ فقال: من فجع هذه بولديها؟ ردوا ولديها إليها " أخرجهما أبو داود. في هذين الحديثين تتجلى روح النبي ﷺ ..أنه يحارب الظلم وإن نزل بطير أو حيوان إنه يحذر أن نعذب خلق الله وأن نجيع عباده ونشق عليهم في العمل ونفرق بين الأهل والعشيرة دون ذنب وجريرة. إن الجمل الذي لا يعي ولا يبين والحمرة التي لا تعقل ولا تنطق قوى لديهما الإحساس بأن شخصية الرسول ﷺ شخصية فذة رحيمة عادلة يلجأ إليها الخائف فيأمن والجائع فيطعم والمكدود فيستريح والمظلوم فينصف. ولا عجب إذا قدم كل منهما شكايته إلى رسول الله ﷺ . ولا عجب إذا بادر رسول الله ﷺ بنظر شكايتهما والعمل على إنصافهما ليعلم الحكام من بعده أن يترفقوا بالمحكومين ويسارعوا إلى دفع الظلم عن المظلومين ورفع الغبن وضمان العيش الهنيء لجميع العالمين. ٤_ الحاكم مطالب بأن يراقب الله في أموال الدولة فلا يعبث ولا يسرف ولا ينفق إلاّ فيما يجب الإنفاق فيه وبالقدر اللازم له ويتحاشى أن تمتد إليها يده أو يد أقاربه أو يد المقربين إليه بغير حق ولنا في رسول الله ﷺ أسوة حسنة. فقد روى أحمد في مسنده أن علياً وفاطمة أتيا النبي ﷺ فقال علي: "يا رسول الله. والله لقد سنوت حتى اشتكيت صدري"، وقالت فاطمة:"لقد طحنت حتى مجلت يداي وقد جاءك الله بسبي وسعة فأخذ منا "فقال رسول الله ﷺ : "والله لا أعطيكم وأدع أهل الصفة تطوى بطونهم من الجوع ولكن أبيعكم وأنفق عليهم أثمانهم". هكذا حارب الرسول ﷺ المحسوبية، وأعطانا درساً في العدالة الإجتماعية.

стр. 3280

وعلمنا أن ندقق في صرف أموال الدولة، فلا تصرف في مهم وهنا ما هو أهم ولا تنفق على الأقرباء ويترك الغرباء بل تصرف حسب ما تقضي به حاجة الأمة وتتطلبه ومصلحتها. ٥_ الحاكم مطالب بأن يحافظ على دماء أفراد الرعية وأموالهم وأعراضهم وحريتهم وأمنهم وكرامتهم، فلا تمتد إليها يده أو يد أحد آخر بغير حق، قال ﷺ : "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، التقوى ههنا ويشير إلى صدره ثلاث مرات بحسب امريء من الشر أن يحقر أخاه المسلم كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه" أخرجه مسلم. وعن عامر بن ربيعة أن رجلاً أخذ نعل رجل فغيبها وهو يمزح فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال النبي ﷺ : "لا تروّعوا المسلم فإن روعة المسلم ظلم عظيم" رواه البزار والطبراني. وقال ﷺ : "من نظر إلى مسلم نظرة يخيفه فيها بغير حق أخافه الله يوم القيامة" رواه الطبراني. وقال ﷺ : "من ظلم معاهداً أو انتقصه حقه أوكلّفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفسه فأنا حجيجه يوم القيامة" رواه أبو داود. هذه هي أهم الأسس التي بني عليها الحكم الإسلامي وبها قامت دولة المسلمين في أزهى عصورهم. وجدير بنا أن نمتع الأنظار ببعض الروائع والبدائع التي سجلها التاريخ لحكام المسلمين لتكون شاهد صدق على ما نقول:

стр. 3281

طلب نفر من عمر ﵁ أن يتوسع على نفسه من بيت المال فقال: "إنما مثلي ومثل هؤلاء - أي الرعية - كمثل جماعة سافروا فأعطوا نفقاتهم إلى رجل منهم فهل يحل له أن يستأثر بشيء منها". وحضر رجل مع أبي موسى الأشعري في غزو فغنموا مغنماً فأعطاه أبو موسى بعض سهمه فأبى أن يقبله إلاّ جميعاً فجلده أبو موسى وحلق شعره فجمع الرجل شعره ورحل إلى عمر ثم رمى به في وجهه وقال: "والله لولا النار". فقال عمر: "صدق الله لولا النار"ثم سأله ما قصته فأخبره فكتب إلى أبي موسى: إن كنت ضربته في الملأ فاجلس إليه ليضربك في الملأ، وإن كنت ضربته في الخلاء فاجلس إليه ليضربك في الخلاء فقدم الرجل على أبي موسى فقال له الناس: أعف عنه، فقال: لا, والله لا أدعه لأحد من الناس فلما قعد أبو موسى ليقتص منه قال له: هل أحد يمنعك مني الآن؟ قال: لا. قال: الآن عفوت عنك لوجه الله الذي مكنني منك". ومرة وجد علي كرم الله وجهه درعه في يد يهودي فقال لليهودي: "الدرع درعي لم أهب ولم أبع"فقال اليهودي: "درعي وفي يدي"فلم يمد على يديه إليها وهو أمير المؤمنين بل أعلن خضوعه للقانون الذي يسري على عامة الرعية فرفع الأمر إلى القضاء فلما وقف أمام القاضي شريح سوى شريح بينه وبين خصمه وبدأ علي يعرض شكايته فطلب منه شريح بينة فقال علي:"قنبر والحسن يشهدان بأنها لي "فقال شريح:"شهادة الإبن لأبيه لا تجوز "فقال له علي:"رجل من أهل الجنة لا تجوز شهادته سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة " فقال اليهودي: "أمير المؤمنين قدمني إلى قاضيه وقاضيه لم يحكم له أشهد أن هذا هو الحق أشهد أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله وأن الدرع درعك". هذه بعض روائع الحكم الإسلامي فلنعد إليه عسى أن نتنسّم نسيم الحرية ونظفر بحياة طيبة وعيش كريم ونعيم مقيم ومنزلة سامية بين العالمين.

стр. 3282

-------------------------------------------------------------------------------- [١] سورة المائدة آية ٢. [٢] سورة القصص آية ٥٠. [٣] سورة البقرة آية ١٣٨. [٤] سورة الحجر آية ٩. [٥] سورة النساء آية٥٩. [٦] سورة المائدة آية ٣. [٧] سورة الإسراء آية٧٠. [٨] سورة فاطر آية ٣٩. [٩] سورة القصص آية٨٣. [١٠] سورة آل عمران آية٧٩. [١١] سورة الأعراف آية١٧٩. [١٢] سورة الحجرات آية١٣. [١٣] سورة المنافقون آية٨. [١٤] سورة الحديد آية٢٥. [١٥] سورة النساء آية ٧٤-٧٦. [١٦] سورة النور آية ٣٣. [١٧] سورة الحديد آية ٧. [١٨] سورة النساء آية ٣٦. [١٩] سورة الملك آية ١٥. [٢٠] سورة الجمعة آية ١٠. [٢١] سورة آل عمران آية ١٥٩. [٢٢] الذفرى من البعير: مؤخر رأسه وهو الموضع الذي يعرق من قفاه.

стр. 3283

أمضوا حيث شئتم للشيخ: محمد المجذوب المدرس في كلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة كانوا ستين راكباً يقدمهم الثلاثة المعظمون، الذين لا يختلف على تقديمهم اثنان من أهل نجران.. أما العاقب عبد المسيح فهو أمير القوم وذو رأيهم وصاحب مشورتهم، الذي لا يصدرون إلاّ عن رأيه، ثم السيد الأيهم وهو قائد الركب، وإليه تنظيم أمرهم في رحيلهم ونزولهم، ولا تتأخر مرتبة ثالثهم أبي حارثة بن علقمة البكري عن كلا الإثنين، إذ كان أسقفهم الأعلى، الذي إليه ترجع نجران كلها في فقه دينها والفصل في أحكامه، ومن أجل ذلك كان موضع إجلال الجميع، حتى ملوك الروم أنفسهم الذين عرفوا له قدره العلمي، وإخلاصه لمذهب الدولة، فأحاطوا، بضروب الإكرام والإنعام، فلم يردوا عليه طلباً، ولم يرفضوا إليه رغبة. وكانت وجهتهم يثرب ... لذلك كان معظم الحديث بين هؤلاء الثلاثة حولها، وفي شأن الدعوة التي انتقلت من مكة إليها، ثم ما زالت أخبارها تتناقل على ألسنة الوافدين إلى مكة ويثرب والصادرين عنهما إلى مختلف أنحاء الجزيرة ... ولم يكن دور العاقب والسيد على جلالة قدرهما، يتجاوز ذكر ما بلغهم عن ذلك القرشي، الذي أحدثت دعوته كل هذه الضجة، واجتذبت من سكان البوادي والحواضر كل ذلك الإهتما م.. حتى بلغت أذهان كبار الدواة الرومية، فبعثوا يستفسرون عن محمد ودعوته أحبار نجران، يريدون أن يتحققوا من أمرهما ويحيطوا بواقعهما دون زيادة أو نقصان، وكما هو شأن كل مسيحي تقي في نجران كان على العاقب والسيد أن لا يعقبا بشيء على ما يذكران من أمر هذه المشكلة الجديدة، ثقة منهما بأنها من اختصاص كبار المقدسين من أحبار الكنيسة، الذين أراحوا أتباعهم من أعباء التفكر بكل طاريء من شئون الدين، فليس عليهم إلاّ أن يسمعوا قولهم حتى يسرعوا إلى قبوله، على أنه الحق الذي لا ريب فيه..

стр. 3284

ومن أحق من الحبر الثقة أبي حارثة بأن يرجع إليه في مثل هذا الأمر الخطير.. على أن أبا حارثة ظل مشغول الفكر عما يديرون من ذلك الحديث، لا يكاد يشاركهم في شيء منه.. فلم يسعهم إلاّ احترام صمته، إذ قدروا أنه لابد غارق في صلاة قلبية تقطعه عما حوله.. وقد قدّر هو بدوره موقفهم منه، فكان لا يظن عليهم بالإلتفات والكلام كلما أحوجهم رأيه في أمر الإبهام الذي يستحوذ على كثرتهم في شأن السيد المسيح (ع) .. ذلك أن اجتماعهم على عقيدة الدولة في تأليهه.لم يمنعهم من الإختلاف على تحديدها، فهو في مفهوم بعضهم عين الله، ولدى غيرهم ولد الله، وعند الآخرين ثالث ثلاثة يؤلفون بمجموعهم ذات الله.. ولم يكن الموضوع أكثر وضوحاً في ذهن أسقفهم الجليل منه في أذهانهم.. فكان كل ما يملكه من رأي في هذا الشأن هو أن يردد عليهم كلام الأحبار، الذين اتخذوا قرارهم بتأليه السيد المسيح في مجمع نيقية، وفقاً للفلسفة الأفلوطينية التي تشربتها من قبل، والتي تقرر ثلاثية الأقانيم في ذات واحدة، ومعتبرين كل من يخالفهم في هذا الإتجاه، فيقبل عقيدة أريوس في بشرية المسيح، كافراً محروماً من نعمة الميسحية ... فإذا رأى أن كلامه غير واضح الدلالة في أذهان الرجلين قطع كل تردد بقوله: "إن الأمر فوق تصورات العقل البشري.. فما على المسيحي المستقيم سوى التسليم"..

стр. 3285

وصدر أمر السيد الأيهم إلى الركب بالنزول لقضاء الليل.. ورفعت لأبي حارثة خيمته الخاصة المنسوجة بالوبر والإبريسم، والتي أهديت إليه من قيصر الروم، وتقدم كرز أخوه آخذاً بزمام بغلته إليها، حتى إذا قاربها عثرت بأحد الأوتاد فأهوت قليلاً ثم اعتدلت، ومع عثورها انطلق لسان كرز بكلمة سوء، ترجمت كرهه الشديد لصاحب الرسالة الإسلامية الذي استغرق الكلام عنه وعن دعوته الكثير من حديثهم أثناء الطريق، ولكنه سرعان ما تلقى رد أخيه على قولته بهذه العبارة المثيرة "بل أنت تعست يا كرز بن علقمة!.."وكانت صدمة غير متوقعة لدى كرز، الذي كان على مثل اليقين بأن أخاه الأسقف هذا لن يقبل عنه بغضاً لمحمد بن عبد الله ﷺ .. ولهذا لم يتمالك أن سأله في دهشة بالغة:"ولم يا أخي"؟ ولم يشأ أبو حارثة أن يجيب بشيء قبل أن ينحدر عن بغلته ويستقر على مرتبته، وهناك دعا بأخيه كرز وقال له بمثل الهمس: "والله إنه لنبي الذي كنا ننتظر.." وأطرق كرز يفكر بما يسمع، ثم رفع رأسه ليقول لأخيه في صوت جاف متهدج خفيض: "النبي.. الذي كنا ننتظر"؟ "- نعم يا كرز..ألا تذكر الوضائع - المخطوطات - التي ورثناها عن كبار الأحبار..أن فيها والله لبشرى عيسى بمحمد.. ووصف مبعثه ومهجره.. وشمائله ودعوته..". "- إذا كنت تعلم هذا.. فما يمنعك العمل به؟ .. ألست أحق الناس باتباعه وتوجيه رعيتك إلى متابعته "؟ وأمسك الأسقف لا يحير.. ثم أرسل زفرة طويلة أعقبها بقوله الهامس: "يمنعني يا كرز ما صنع بنا هؤلاء القوم. شرفونا ومولونا وأكرمونا وأخدمونا.. وقد أبوا إلاّ مخالفته.. فلو فعلت ما أشرت به نزعوا منا كل ما ترى..".

стр. 3286

وانتهى ركب نجران إلى مشارق يثرب.. وهناك توقفوا قليلاً ليصلحوا من شأنهم، ينفضون عنهم غبار السفر، ويرتدون أنفس ما يحملون من برود اليمن، مما يعد نادر الوجود في معظم أنحاء الجزيرة ثم واصلوا سيرهم حتى وضعوا رحالهم على مداخل المسجد، الذي علموا أنه موضع استقبال رسول الله، ثم انطلقوا إلى داخله، يجرون حبراتهم ويتقدمهم معظموهم الثلاث حتى صاروا إلى الغاية التي ينشدون. وبادر الوفد نبي الله بتحيتهم الخاصة (الله معكم) .. ثم أخذوا مجالسهم على جانبي رؤسائهم الذين انتظموا في مواجهته.. وتكلم الأسقف ثم تلاه العاقب فأثنيا على الله، وأفاضا في ذكر فضائل دينهما، وما يحض عليه من البر والتواضع وحسن الخلق.. وكأنما أرادا بذلك التوكيد على ما بين دعوته ودينهما من القرب والتلاقي، وكأن رسول الله قد أراد إحاطتهما بأن كل خير سيظل أبتر ما لم ينطلق عن الأساس الأول والأعظم، وهو إفراد الله وحده بالألوهية والربوبية والحاكمية، فلا تعنوا الوجوه لغيره، ولا يرفع دعاء إلى سواه، فقال لهما:"أسلما".. ولكنهما لم يريدا أن يكونا صريحين في الإجابة فعمدا إلى التورية باستعمال مفهوم الإسلام على الأصل اللغوي دون الشرعي فقالا: "قد أسلمنا"يريدان بذلك أنهما وقومهما إنما يبغيان في كل ما يأتيان وجه الله، فهم إذا مسلمون أزمتهم لله دون غيره. وما كان لمثل هذا الالتواء أن يرضي صاحب الرسالة البينة، فرفض ادعاءهما، وأصرا على زعمهما، فلم يكن بد من مواجهتهما بالكلمة الحاسمة فقال: "كذبتما.. يمنعكما من الإسلام دعاؤكما لله ولداً وعبادتكما الصليب وأكلكما الخنزير".. وكان في هذا التقرير ما أخرس الرجلين فلم يجدا مندوحة عن الإقرار بما يضمران، والدفاع عما يعتقدان.

стр. 3287

وأنزل الله وحيه على نبيه بالأجوبة المفحمة لكل ادعاء في المسيح يخالف حقيقته، وينسب إلى الله ﵎ ما ينافي كماله ووحدانيته، مقاطع محكمات خالدات حاسمات، تستغرق صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية. وكان لابد لبغاة الجدل أن ينقطعوا أمام تلك الحقائق الدامغة، فلا يجدوا سبباً يتشبثون به سوى محض العناد، وبذلك وقف عمل الحجة وجاء دور التحدي فأنزل الله على رسوله حكمه الرهيب ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ﴾ - في المسيح - ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ - بحقيقته - ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ .. وبلغ رسول الله القوم إنذار ربه، فدعاهم - إن لم يذعنوا لأمر الحق - على اللجوء للدعاء يسألون به الله أن يظهر الصادقين، وينزل لعنته على الكاذبين. وبهت القوم لا يعلمون ما يعملون.. واتجهت أبصارهم جميعاً إلى أسقفهم، الذي إليه أسلموا قياد عقولهم، وكان على هذا أن يبت بالأمر قبل أن تختلف الكلمة فيحدث ما لا تحمد عقباه، فقال لرسول الله: "دعنا ننظر في أمرنا ثم نأتيك بما نريد أن نفعل في ما دعوتنا إليه".

стр. 3288

وكانت ليلة ليلاء أقضت مضاجع الوفد النجراني فلم يستطع إلى النوم سبيلاً.. وأمسك الحبر أبو حارثة عن الاسترسال في الكلام ليستبين اتجاه القوم، وترك للعاقب عبد المسيح أن يعالج المشكلة بما يملك من حسن السياسة.. فعمد هذا إلى الرؤساء الأربعة عشر، فخلا بهم على حدة ثم قال لهم، في تصميم الرجل الذي يقدر عبء المسئولية الملقاة على عاتقه: "والله يا معشر النصارى لقد عرفتم أن محمداً لنبي مرسل، ولقد جاءكم بالفصل في خبر صاحبكم الذي تختلفون عليه. ولقد علمتم مالا عن قوم نبياً قط فبقي كبيرهم، ولا نبت صغيرهم، وإنه للاستئصال منكم إن فعلتم، فإن كنتم قد أبيتم إلاّ ألف دينكم، والإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم - السيد المسيح - فوادعوا الرجل، ثم انصرفوا إلى بلادكم".. وتلقى الرجال موعظة أميرهم في تدبر عميق.. ولم يشكوا في أنه قد أخلص لهم النصيحة، وإن لم يكن معظمهم على كبير استعداد لفهم ما ذهب إليه من رأى غريب جديد في المسيح. وبدافع من خوف المصير المجهول آثروا جانب الموادعة، ثم لم يلبثوا إلاّ ريثما ارتفع مد الضحى حتى انطلق هؤلاء إلى الرسول يبلغونه قرارهم.. وتكلم صاحب أمرهم فقال: "يا أبا القاسم.. قد رأينا ألا نلاعنك، وأن نتركك على دينك، ونرجع على ديننا.. ولكن ابعث معنا رجلاً من أصحابك ترضاه لنا، يحكم بيننا في أشياء اختلفنا فيها من أموالنا، فإنكم عندنا رضا".. وكدأب رسول الله ﷺ في تجنب الإكراه لم يأب عليهم ما سألوا.. وأنظرهم قائلاً: "إيتوني بالعشية أبعث معكم القوي الأمين". ولما حان الموعد نظر رسول الله عن يمينه وعن يساره، حتى رأى أبا عبيدة عامر بن الجراح، فدعاه وقال: "أخرج معهم فاقض بينهم بالحق فيما اختلفوا فيه".. وغادر الركب المدينة في طريقه عائداً إلى نجران..

стр. 3289

وغرق الثلاثة ومعهم كرز بن علقمة في غمرة من الصمت، كادت تذهلهم عن لغو القافلة من حولهم، وكان كرز أكثرهم تلفتاً إلى معالم المدينة، فكأنما يودع فيها شيئاً عزيزاً أحبه.. حتى إذا أوشكت تغيب عن بصره وقف ناقته، ثم توجه إلى أخيه الأسقف الساهم الوجه، الغائر العينين، يخاطبه وصاحبيه بقوله: "إنكم لأعزة والله علي.. ولكن الحق الذي آمنت به قلوبكم أحب ألي من صحبتكم.. فامضوا حيث شئتم، وتشبثوا بما رغبتم، أمّا أنا فلن أوثر على الحق وعلى مرضاة الحق أي شيء..". وضرب وجه ناقته لتأخذ سبيلها باتجاه المدينة.. وفي غبطة روحية لا عهد لكرز بمثلها من قبل جعل ينشد مناجياً - من وراء الغيب - ذاك النبي العربي الذي أحبه أكثر من حبه لنفسه وأهله وماله: معترضاً في بطنها جنينها إليك يعدو قلقاً وضيتها مخالفاً دين النصارى دينها

стр. 3290

العدد ٢١ فهرس المحتويات ١- حكم الصلاة في الجماعة: رئيس الجامعة الإسلامية عبد العزيز بن عبد الله بن باز ٢- أضواء من التفسير: للشيخ عبد القادر شيبة الحمد ٣- من أعلام المحدثين - أبو بكر ابن أبي شيبة (١٥٩-٢٣٥ هـ) : للشيخ عبد المحسن العباد ٤- محاسن الشريعة ومساوئ القوانين الوضعية: للشيخ عطية محمد سالم ٥- وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين: للشيخ حسن السيد متولي ٦- السفور: للشيخ محمد الحداد ٧- المسؤولية في الإسلام: للشيخ عبد الله قادري ٨- هل في القرآن من غير لسان العرب؟ : بقلم الشيخ محمد بن محمد الأنصاري ٩- دراسات في السنة النبوية: بقلم الشيخ: محمد ضياء الرحمن الأعظمي ١٠- من الصحف والمجلات - توثيق العلاقة بين الجامعة الإسلامية والمعاهد الدينية في جنوب شرق آسيا: نشرت جريدة الجزيرة ١١- ناداك ربك: للشاعر السوري: مصطفى عكرمة ١٢- حكمة الصيام من الوجهة الطبية: بقلم الطبيب أحمد محمد سليمان ١٣- ندوة الطلبة - عتاب: بقلم: محمد محمود جاد الله ١٤- ماذا يجري في الوطن الإسلامي؟ : بقلم: محمد صديق برماوي ١٥- من أسس الشيوعية؟ : بقلم الطالب عبد الفتاح علي عبد الله ١٦- خالف النفس: بقلم محمد عبد الرحمن شميله الأهدل ١٧- الزاوية الطبية: بإشراف أطباء الجامعة الإسلامية ١٨- الفتاوى: يتول الرد على أسئلة القراء سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رئيس الجامعة الإسلامية ١٩-أخبار الجامعة ٢٠- السفير الأوغندي في القاهرة يزور الجامعة الإسلامية عمادة البحث العلمي - جميع الحقوق محفوظة ١٤٢٣ هـ / ٢٠٠٢ م

стр. 3291

حكم الصلاة في الجماعة رئيس الجامعة الإسلامية عبد العزيز بن عبد الله بن باز الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه، أما بعد: فلقد عظمت المصيبة بتهاون الكثير من المسلمين بأداء الصلاة في الجماعة والتشبه بالمنافقين في التخلف عنها واحتجاج بعضهم بتسهيل بعض العلماء في ذلك فوجب علي أن أبين عظم هذا الأمر وخطورته وأنه لا ينبغي للمسلم أن يتهاون بأمر عظم الله شأنه في كتابه العظيم وعظّم شأنه رسوله الكريم عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم. ولقد أكثر الله سبحانه من ذكر الصلاة في كتابه الكريم وعظّم شأنها وأمر بالمحافظة عليها وأدائها في الجماعة وأخبر أن التهاون بها والتكاسل عنها من صفات المنافقين فقال تعالى في كتابه المبين ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ . وكيف تعرف محافظة العبد عليها وتعظيمه لها وقد تخلف عن أدائها مع إخوانه وتهاون بشأنها، وقال تعالى ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ , وهذه الآية الكريمة نص في وجوب الصلاة في جماعة والمشاركة للمصلين في صلاتهم، ولو كان المقصود إقامتها فقط لم تظهر مناسبة واضحة في ختم الآية بقوله سبحانه ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ , لكونه قد أمر بإقامتها في أول الآية، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ الآية.

стр. 3292

فأوجب سبحانه الصلاة في جماعة في حال الحرب فكيف بحال السلم؟ ولو كان أحد يسامح في ترك الصلاة في جماعة لكان المصافون للعدو المهددون بهجومه عليهم أولى بأن يسمح لهم في ترك الجماعة، فلما لم يقع ذلك علم أن أداء الصلاة في جماعة من أهم الواجبات، وأنه لا ينبغي لأحد التخلف عن ذلك، وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر رجلا أن يصلي بالناس ثم أنطلق برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم" الحديث. وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "لقد رأيتنا وما يتخلف عن الصلاة إلا منافق علم نفاقه أو مريض ان كان المريض ليمشي بين الرجلين حتى يأتي الصلاة، وقال: إن رسول الله ﷺ علمنا سنن الهدى وإن من سنن الهدى الصلاة في المسجد الذي يؤذن فيه", وفيه أيضا عنه قال: "من سره أن يلقى الله غدا مسلما فليحافظ على هذه الصلوات حيث ينادي بهن فإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى وإنهن من سنن الهدى ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة ويرفعه بها درجة، ويحط عنه بها سيئة، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلاّ منافق معلوم النفاق ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف". وفي صحيح مسلم أيضا عن أبي هريرة ﵁ أن رجلا أعمى قال يا رسول الله إنه ليس لي قائد يلائمني إلى المسجد فهل لي رخصة أن أصلي في بيتي؟ فقال له النبي ﷺ : "هل تسمع النداء بالصلاة، قال: نعم، قال: فأجب".

стр. 3293

والأحاديث الدالة على وجوب الصلاة في الجماعة وعلى وجوب إقامتها في بيوت الله التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه كثيرةٌ جداً، فالواجب على كل مسلم العناية بهذا الأمر والمبادرة إليه والتواصي به مع أبنائه وأهل بيته وجيرانه وسائر إخوانه المسلمين امتثالاً لأمر الله ورسوله، وحذراً مما نهى الله عنه ورسوله وابتعادا عن مشابهة أهل النفاق الذي وصمهم الله بصفة ذميمة من أخبثها تكاسلهم عن الصلاة, فقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلا قَلِيلاً. مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً﴾ . ومتى ظهر الحق واتضحت أدلته لم يجز لأحد أن يحيد عنه لقول فلان أو فلان، لأن الله سبحانه يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ ، ويقول سبحانه: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ . ولا يخفى ما في الصلاة في الجماعة من الفوائد الكثيرة والمصالح الجمة ومن أوضح ذلك التعارف والتعاون على البر والتقوى والتواصي بالحق والصبر عليه وتشجيع المتخلف وتعليم الجاهل وإغاظة أهل النفاق والبعد عن سبيلهم وإظهار شعائر الله بين عباده، والدعوة إليه سبحانه بالقول والعمل إلى غير ذلك من الفوائد الكثيرة.

стр. 3294

وفقني الله وسائر المسلمين لما فيه رضاه وصلاح أمر الدنيا والآخرة، وأعاذنا جميعا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، ومن مشابهة الكفار والمنافقين إنه جواد كريم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

стр. 3295

من الصحف والمجلات نشرت جريدة الجزيرة هذا الخبر تحت عنوان: توثيق العلاقة بين الجامعة الإسلامية والمعاهد الدينية في جنوب شرق آسيا تلبية لدعوة تلقتها الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة من الجامعة الوطنية في ماليزيا لزيارتها لذلك فقد تقرر أن يغادر المدينة المنورة قريبا كل من فضيلة الأمين العام للجامعة الشيخ محمد ناصر العبودي وفضيلة الشيخ عبد العزيز القويفلي عميد كلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة متوجهين إلى ماليزيا في زيارة لجامعتها الوطنية كممثلين للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.. وتجدر الإشارة إلى أن فضيلتهما سيقومان بالإضافة إلى ذلك بزيارة الجامعات والمعاهد الإسلامية في كل من إندونيسيا وماليزيا وتايلاند لإجراء اتصالات مع المسئولين فيها بغية توثيق العلاقات الإسلامية بين الجامعة الإسلامية وتلك المعاهد.. هذا وتستغرق هذه الزيارة مدة شهر تقريبا.. نشرت مجلة المجتمع العدد ١٥٥ ما يلي: من المهازل التي أرقت حياة المواطنين وعكرت صفوهم وآذتهم في أسرهم برامج ما يطلبه المستمعون سواء في الإذاعة أو في التلفزيون. أسوأ الأغاني.. وأشدها انحلالا وتخلفا في المعنى تذاع بكثرة في الكم.. وبامتداد طويل في الزمن. إن التلفزيون ينظم برامج على أساس افتراض أن مجتمعنا كله سقيم المزاج. صريع الانحلال. وإلا فما معنى. ما جدوى بث الأغاني المبتذلة في أمة طال بها الظمأ إلى قيم الجد والمروءة.. أمة يتهددها الخطر.. القريب والبعيد. إذا استغرب الناس تصرف رجل طائش يقتحم بيتا فاضلا.. يري أن يغني فيه الأغاني الخليعة فيجرح حياء أهل البيت ويعتدي على فضائلهم. إذا استغرب الناس هذا التصرف فبنفس المنطق ولنفس السبب يستغربون تصرف الإذاعة والتلفزيون.
следующие страницы →