Полный текст (23 804 стр.). Показаны 3396–3435 · переход к 3401.
стр. 3396
أيها الأخ المسلم، أليس قد حذر الرسول ﷺ من دخول أقاربك وأقارب زوجتك الذين لا يحرمون عليها من الدخول عليها وقال في مثل ذلك: "الحمو الموت"، فما بالك بالخادم أيها الرجل، اتق الله في نفسك وفي أهلك، وفي خادمك، امتثل أمر الله وأمر رسوله ﷺ فالله يقول ﴿وتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ والرسول ﷺ يقول: "اتق الله حيثما كنت" ويقول: "احرص على ما ينفعك"، إن كان رجل يسمح لخادمه بالدخول على أهله في غيبته وحضوره والخلوة بها لمغرق في الدياثة والخسة المتناهية فاقد الكرامة والرجولة، خارج على تعاليم دينه، وولي المرأة _ أبوها أو غيره _ يعتبر كذلك ديوثا إذا علم بذلك وسكت عنه، وهذه الصفة الذميمة، ليست من أخلاق المسلمين بل هي مستوردة من أعداء الإسلام، وأعداء الشرف والكرامة الذين ماتت قلوبهم، وفقدوا شعورهم بمسئولياتهم وقد كان بعض المخنثين يدخل على أزواج النبي ﷺ _ وكان المخنث يعد من غير أولي الإربة _ فدخل النبي ﷺ يوما وأحدهم عند بعض نسائه وهو ينعت امرأة فأمر النبي ﷺ بالاحتجاب منه، ونهر عن دخوله عن النساء، أنظر نيل الأوطار: ج٦ ص١٢٣، هذه نصيحة أحببت أن أسديها للإخوان والأخوات أسأل الله أن يوفقني وإياهم للعمل بها وبغيرها من تعاليم الإسلام.
ولقد نصحتك إن قبلت نصيحتي
والنصح أغلى ما يباع ويوهب.
أنواع المال الذي يسأل عنه الخادم وما يجب عليه من الرعاية لكل نوع:
стр. 3397
والمال الذي يسترعى فيه الخادم قد يكون المقصود مجرد حفظه كالنقود والبضائع المختلفة من حبوب أو قماش وغيرها مما يؤمر الخادم بالحراسة عليه والواجب عليه في هذه الحالة الانتباه، وعدم الغفلة لئلا يتسلل السراق لأخذ المال، وقد يكون المقصود التجارة في المال من بيع وشراء، وهنا يجب عليه أن يصرف الأموال بيعا أو شراء بأمانة ولا يقصر في حق سيده كما أنه لا يجوز له في نفس الوقت أن يغش من يعامله، ولو كان في ذلك مصلحة عائدة على سيده، وسواء علم السيد أم لا. وقد يُراد من الخادم أن يراعى بعض الدواب كالإبل والبقر والغنم والخيل، والبغال والحمير وغيرها، فيجب عليه أن يقوم برعيها والحفاظ عليها ويحرم عليه أن يدعها تجوع أو تظمأ مع قدرته على عدم ذلك، ولا يجوز له أن يضرب الدابة أو يوجعها ضربا أو رجما مضرا، فإن قام الخادم بذلك دون تقصير فهو خادم أمين يستحق جزاءين، جزاء الأجر من سيده، والثواب من ربه، وكان من المحسنين الذين يتقون عملهم طمعا في ثواب الله، وخوفا من عقابه كما قال الرسول ﷺ : "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك".
ما يترتب على أمانة الخادم أو غشه في الدنيا والآخرة:
والخادم إذا قام بواجبه بأمانة وإخلاص، صدق وحزم استفاد من ذلك فائدتين عظيمتين:
الأولى: إقبال الناس إلى معاملته، وائتمانهم له على أموالهم وكثير من أمورهم فيسلم بذلك من البطالة ويستمر في العمل الذي يحصل له من ورائه سد خلته، وعدم احتياجه إلى سؤال الناس.
الثانية: ﵁ وإثابته إياه، على أمانته وإخلاصه وصدقه وبذلك يبقى محبوبا عند الخالق والمخلوق، وإذا لم يقم بواجبه فخان مستأجره وكذب عليه خسر خسارتين عظيمتين:
стр. 3398
الأولى: نبذ الناس إياه، وعدم ائتمانهم له في معاملته وبذلك يصبح عاطلا عن العمل لا يستخدمه أحد كاذبا لا يصدقه الناس ولو صدق، فيضطر إلى تكفف الناس وإراقة ماء وجهه مع قدرته على الابتعاد عن ذلك.
الثانية: غضب الله عليه ومجازاته على خيانته وكذبه وعدم إتقان عمله فيكون بغيضا عند الله وعند خلقه والكذب والخيانة من صفات المنافقين، عن أبي هريرة رضي الله عن رسول الله ﷺ قال: "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان ". متفق عليه. وفي رواية "وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم" ولقد جعل الله للعبد الذي يقوم بحق الله وحق سيده أجرين، ففي الصحيحين عن ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: "إن العبد إذا نصح لسيده وأحسن عبادة الله فله أجره مرتين" وفيهما عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "للعبد المملوك المصلح أجران"، والذي نفس أبي هريرة بيده لولا الجهاد في سبيل الله والحج وبر أمي لأحببت أن أموت وأنا مملوك.
مسئولية الإنسان عن الحيوان:
هذا ومن المستحسن أن أختم هذه المسئوليات بمناسبة العموم الذي في آخر الحديث: "وكلكم راع ومسئول عن رعيته" بمسئولية الإنسان عن الحيوان، ليعلم الجاهلون بالإسلام الذي يتبجحون بالرفق بالحيوان وهم يتصرفون تصرف الوحوش الضواري نحو الإنسان أن الإسلام اعتنى بالحيوان قبل أربعة عشر قرنا، ويكفي أن أسوق حديثين يتعلقان بهذا الموضوع أحدهما يثبت الأجر لمن قام بحق الحيوان، وأشفق عليه فسقاه أو أطعمه، والآخر يوجب العقاب الشديد لمن قصر في حق الحيوان أو عذبه.
стр. 3399
الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش فوجد بئرا، فنزل فيها فشرب ثم خرج فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني، فنزل البئر فملأ خفه ماء ثم أمسكه بفيه حتى رقي فسقى الكلب فشكر الله له فغفر له، قالوا يا رسول الله، وإن لنا في البهائم أجرا، فقال في كل كبد رطبة أجر".
الحديث الثاني: عن ابن عمر ﵄ أن النبي صلى اله عليه وسلم قال: "عذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت فدخلت فيها النار لا هي أطعمتها وسقتها إذ حبستها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض".
والحديثان في الصحيحين وغيرهما.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
стр. 3400
هل في القرآن من غير لسان العرب؟
بقلم الشيخ محمد بن محمد الأنصاري
دفعني إلى الكتابة في هذا الموضوع أمر لاحظته عندما أقرأ بعض المؤلفة أو الموضوعة في "تاريخ الأدب العربي"في هذا العصر.
وظهر لي أثناء بحثي فيها أن كتاب "تاريخ الأدب" لا يبالون في كثير من المسائل بالتحقيق العلمي المعتمد على دراسة علمائنا الأوائل الذين حملوا الأمانة العلمية ناصعة مهذبة كما شهد لهم التاريخ العالمي لا الإسلامي فحسب.
وهذه طريقة ومنهج في البحث يؤدي كل هؤلاء الكتاب إلى تغليب "المنهج الغربي"في البحث الذي كان متزمتا في الرأي الشخصي المتطرف والبت فيه ظاهر لمن لم تأسره الظواهر الغريبة البراقة ...
ومن ذلك ما يتواطأ عليه أولئك الكتاب الذين ملأت كتاباتهم في تاريخ الأدب العربي البر والبحر بدون تفصيل وتحقيق في الموضوع من المواضع المحققة قبلهم وهو: وجود ألفاظ من غير العربية في القرآن بتناولهم ذلك مسلما دون إشارة إلى الرأي المضاد لهذا الرأي وهذا يخالف الأمانة العلمية.
وكان هذا التصرف عجبا للباحث لما يعلم من اختلاف العلماء الأوائل وتحقيقاتهم في هذا "الموضوع"الذي يعرضه مؤرخو الأدب في عصر التقدم والتحقيق والمعرفة عرض المسلمات ...!! مع أن هذا المذهب في لغة التنزيل لم يذهب إليه إلا بعض الفقهاء المتأخرين ولم يكن دليلهم فيه ظاهرا فضلا عن أن يكون هو الحق الذي يتناول كما تناول المسلمات في دنيا البحث بلا نقاش وعدم ذكر ما يخالفه كالمذهب الذي يقول: "ليس في القرآن من غير لسان العرب"وهو للمتقدمين واللغويين الذين كان الميدان ميدانهم وهذا المذهب بالأدلة الواضحة مهذبا وبالتوجيه النقدي مدججا..
стр. 3401
وسنتناول في السرعة العاجلة الآتية موقف العلماء في الموضوع عن طريق تحليل نقاشهم وآرائهم.. أما تلك الألفاظ التي يدور البحث حولها فلا أذكر منها شيئا ومن أراد بيانها وحصرها فعليه بكتب "علوم القرآن " كالإتقان لجلال الدين السيوطي.
والكتب التي تعتني بجمع "المعرب في العربية" ومكان هذه الألفاظ في التفاسير. فأقول والله المستعان: لا خلاف بين العلماء في أنه ليس في القرآن كلام مركب من ألفاظ أعجمية تعطي معنى مستفادا حسب هذا التركيب.
كما أنه لا خلاف بينهم أن في القرآن "أعلام أعجمية "كنوح وإسرائيل ولوط من غير لسان العرب.
والخلاف إنما هو في ألفاظ مفردة ليست من هذا ولا ذاك فهل من لسان العرب أم من لسان غير العرب؟ كما قال القرطبي في مقدمة جامعه المشهور.
وخلاف العلماء هذا في اتجاهين بارزين: نفي وإثبات ولكل ناصر ومؤيد وقائل.
الأول:
مذهب الجمهور وهو عدم وجود ألفاظ أعجمية في القرآن. وممن يمثله الإمام الشافعي ﵀ في كتابه "الرسالة"وابن جرير الطبري إمام المفسرين في "مقدمة تفسيره"والقاضي أبو بكر بن الطيب في كتابه "التقريب". وجل أهل اللغة كالإمام أبي عبيدة وأبي الحسن بن فارس، وهذا هو الذي نصره الإمام بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي في كتابه "البرهان في علوم القرآن "فإنه قال بعد قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾ قال: وهذا يدل على أنه ليس فيه غير العربية لأن الله جعله معجزة شاهدة لنبيه ﵊، ودلالة قاطعة لصدقه وليتحدى العرب العرباء ويحاضر البلغاء والفصحاء والشعراء بآياته فلو اشتمل على غير لغة العرب لم يكن له فائدة، وقال أبو عبيدة فيما حكاه ابن فارس:
إنما أُنزل القرآن بلسان عربي مبين فمن زعم أن فيه غير العربية فقد أعظم القول - ذكره البرهان ونقله الجوالقي في المعرب الجزء الرابع.
الثاني:
стр. 3402
رأى يقول: إن في القرآن بعض ألفاظ من غير لسان العرب. وهو لبعض الفقهاء ومنهم ابن عطية وحكي ذلك عن ابن عباس ﵄.
وقد حكى ابن فارس عن أبي عبيد القسم بن سلام: أنه حكى الخلاف ونسب القول بالوقوع إلى الفقهاء وعدمه إلى أهل العربية.
وممن يرى الوقوع جلال الدين السيوطي في "الإتقان "وله كتاب خاص في ذلك سماه "المهذب في ما في القرآن من المعرب" وما ذكره في الإتقان تلخيصا منه.
وهناك كثير من الباحثين المتقدمين أرادوا التوفيق بين هذين المذهبين فقالوا: لا تناقض لأن من قال: إن هذه الألفاظ في الأصل أعجمية ثم عربت فصارت عربية، فمن قال: إنها أعجمية إنما نظر باعتبار الأصل ومن قال: إنها عربية قال باعتبار المثال. أدلة المذهب الأول قوله تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ إبراهيم - ٤.
وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾ الشورى- ٧.
وقوله تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ الشعراء- ١٩٥.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ الزخرف- ٣.
وقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ فصلت-٣
وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْماً عَرَبِيّاً﴾ الرعد- ٣٧.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ يوسف-٢.
стр. 3403
إلى غير ذلك من الآيات الناطقة بأن هذا القرآن عربي لا يشارك العربية فيه كلام أمة أخرى. قال الشافعي بعد ذكره بعض هذه الآيات: فأقام حجته بأن كتابه عربي في كل آية ذكرناها ثم أكد ذلك بأن نفى عنه جل ثناءه كل لسان غير لسان العرب في آيتين من كتابه: فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ النحل -١٠٣.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أَعْجَمِيّاً لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ﴾ فصلت-٤٤.
قلت: ولو وجد العرب حرفا واحدا من غير لسانهم في القرآن لراموا التطاول على هاتين الآيتين اللتين احتجتا عليهم بعدم العذر لفهم هذا القرآن بأسلوب توكيدي كما يرى الإمام الشافعي. والقوم كما يعلم كل ذي بصيرة في التاريخ في سيرة النبي في حواره معهم وفي أساليب القرآن وتحديه لهم: جادلوا النبي ﵊ في كل جليلة وحقيرة لا يفوتون فرصة قامت لهم في هذا الميدان.
وكيف تُتلى عليهم ألفاظ رومية وفارسية ونبطية وحبشية ولا يتحركون ويستسلمون؟!.
وهل نقل أنهم عارضوا هذه الألفاظ على أنها عجمية؟!.
أما أدلة المذهب الثاني فهي كما يلي: -
أولا - ذهب من قال بالوقوع بأن في القرآن خاصا يجهله بعض العرب.
ثانيا - وجود من كان ينطق من العجم بالشيء من لسان العرب.
ثالثا - أن جميع الرسل كانوا يرسلون إلى قومهم خاصة أما محمد صل الله عليه وسلم بُعث إلى الناس كافة فليكن في القرآن عموم في اللغات كعموم المنزل عليه إلى العالم.
هذه الأدلة ذكرها الشافعي "في الرسالة" لأولئك وناقشها مناقشة دقيقة وسنحلل ذلك في اختصار.
стр. 3404
وقد صدر الإمام الشافعي رأيه بتقسيم العلم إلى قسمين: الاجتماع والاختلاف. فقال بعد ذلك: ومن جماع سلم كتاب الله: العلم بأن جميع كتاب الله إنما أنزل بلسان العرب ... فالواجب على العالمين أن لا يقولوا إلا حيث علموا.
ثم ذكر رأي من قال: إن في القرآن من غير لسان العرب وأنه وجد من يقلده في رأيه دون حجة وعدم مبالاة لمن خالف ذلك وسبب هذا التقليد أغفل من أغفل والله يفغر لنا ولهم.. وبين الأدلة المذكورة للمجوزين ونقدها وهذا تلخيص نقده:
أولا - الجواب على الدليل الأول:
لسان العرب أوسع الألسنة مذهبا وأكثرها ألفاظا ولا نعلمه يحيط بجميع علمه إنسان غير نبي ولكنه لا يذهب شيء على عامة العرب حتى لا يكون موجودا فيها من يعرفه. وهو يرى أن لسان العرب كالألسنة التي لا يحيط بها أحد من أئمة الإسلام ومحدثيها ولا يفوت منها شيء على جميع الأمة..!
ونظرة الإمام الشافعي هذه دقيقة وعميقة ولها شواهد منها توقف ترجمان القرآن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ فلم يعرف معنى فاطر حتى وجد من بينه له من العرب فقال كما جاء في التفاسير: كنت لا أدري ما فاطر السموات والأرض حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما لصاحبه أنا فطرته أي بدأته. ومن هنا عرف ابن عباس معنى مبدي السموات والأرض.
وكذلك جرى لأبي بكر الصديق وأحد الصحابة ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبّاً﴾ فلم يعرفا ﴿وَأَبّاً﴾ فقال الصحابي: قد عرفنا الفاكهة فما الأب؟ ! وفي نفس الوقت لو سئل عنه طفل في اليمن لعرفه لأنه لغتهم وهو من النبات ومرعى الأنعام ودلالة الآية وسياقها يدلان على ذلك.
ثانيا - أما الجواب على الدليل الثاني:
стр. 3405
يقول الشافعي: فذلك يحتمل ما وصفت من تعلمه منهم فإن لم يكن ممن تعلمه منهم فلا يوجد ينطق إلا بالقليل منه ومن نطق بقليل منه فهو تبع للعرب فيه. ويزيد نقده وضوحا بذكر رأيه في الموضوع بألا يستنكر: أن يوافق لسان العجم أو بعضها قليلا من لسان العرب كما يتفق القليل من ألسنة العجم المتباينة في أكثر كلامها مع تنائي ديارها واختلاف لسانها وبعد الأواصر بينها وبين من وافقت بعض لسانه منها.
ومثل هذا قال الإمام الطبري فقال: ولم نستنكر أن يكون من الكلام ما يتفق فيه ألفاظ جميع أجناس الأمم المختلفة الألسن بمعنى واحد فكيف بجنسين منها كما قد وجدنا اتفاق كثير منهم في ما قد علمناه من الألسن المختلفة وذلك كالدرهم والدينار والدواة والقلم والقرطاس.
ونظرة الإمام الشافعي والطبري بعده في توافق اللغات يشهد لها بالواقع من اتفاق اللغات في كثير من ألفاظها شرقية وغربية وإفريقية وآسيوية. ويذهب الطبري في تحليل الموضوع فهو يرى أنه ليس هناك جنس أولى بهذه الأحرف في القرآن دون الجنس الآخر ومن يدعي تخصيصه يقول له الطبري: مدع أمرا لا يوصل إلى حقيقة صحته إلا بخبر يوجب العلم ويزيل الشك ويقطع العذر صحته.
والصواب عنده: أنه عربي وعجمي لأن الأمتين استعملتاه. ويقول: وإنما يكون الإثبات دليلا على النفي فيما لا يجوز اجتماعه من المعاني ... فأما ما جاز اجتماعه فهو خارج من هذا المعنى ويرى أن هذا هو مراد السلف - كما بين الشافعي - فيقول:
стр. 3406
وهذا المعنى الذي قلناه في ذلك هو معنى قول من قال: في القرآن من كل لسان عندنا. بمعنى والله أعلم: أن فيه من كل لسان اتفق فيه لفظ العرب ولفظ غيرها من الأمم التي تنطق به وبهذا تبين عنده: خطأ من زعم أن القائل من السلف: في القرآن من كل لسان إنما عني بقيله ذل أن فيه من البيان ما ليس بعربي ولا جائز نسبته إلى لسان العرب. ويقول الطبري مستدلا بالآيات التي مرت علينا الناطقة بعربية القرآن ونفي ما سوى العربية عنه:
وذلك أنه غير جائز أن يتوهم على ذي فطرة صحيحة مقر بكتاب الله ممن قرأ القرآن وعرف حدود الله أن يعتقد: أن بعض القرآن فارسي لا عربي وبعضه نبطي لا عربي وبعضه رومي لا عربي وبعضه حبشي لا عربي بعدما أخيرا الله تعالى ذكره عنه: أنه جعله قرآنا عربيا.
ولو أن هذه الأدلة غير موجودة لمن نفى عنه سوى العربية له أن يقول ما قاله الطبري في نقاشه هذا وهو:
لأن ذلك إن كان كذلك فليس بأولى بالتطويل من قول القائل هو عربي.
ثالثا- أما الجواب على الدليل الثالث:
قال الشافعي فيه: فإذا كانت الألسنة مختلفة بما لا يفهمه بعضهم عن بعض: فلا بد أن يكون بعضهم تبعا لبعض، وأن يكون الفضل في اللسان المتبع على التابع وأولى الناس بالفضل في اللسان من لسانه لسان النبي ولا يجوز والله أعلم - أن يكون أهل لسانه أتباعا لأهل لسان غير لسانه في حرف واحد بل كل لسان تبع للسانه، وكل أهل دين قبله فعليهم اتباع دينه.
أما الرأي الذي يوفق بين المذهبين بأن يرد هذه الألفاظ إلى اللغات الأعجمية في الأصل، وللعربية معربة في الحال. كفى في مناقشة ما سبق وما سيجده القارئ من أن الراجح المستند على الأدلة: هو أن هذا من باب توافق اللغات كما ذهب إليه الإمام الشافعي، والطبري وكثيرون وفسروا به مراد من تقدمهم..
стр. 3407
وبعد هذه السرعة في تحليل الموضوع يعلم مدى انحراف منهج كتّاب - تاريخ الأدب - في القرنين الأخيرين في صحته واستقرائه وتحريه في الأمانة العلمية والبحث الموضوعي المجرد عن الهوى والعاطفة التي تكدر منهج النقد المتزن القائم على أسس وقواعد.
وبهذا ابتعدوا عن طريقة السلف الذين دونوا اللغة العربية، ودرسوها دراسة، لا تقتصر على الناحية الأدبية واللغوية فحسب، بل تجاوزوها إلى مرعات مسالك العقيدة، والأصول.. وأن مساس ذلك كله لتفسير القرآن ولاستنباط الفنون منه قضية أولية، ومقصودة بذاتها، في دراستهم هذه اللغة وأدبها، حتى تكونتا لديهم ملكة هي سفينتهم في بُعد الآفاق ودقة النظر! ...
وإذا كان ذلك كذلك، لا يمكن لأي باحث في آثارهم أن يحقق مذهبا، ويطرق أبواب النقد في المجال الفكري والبحث العلمي، اللذين ذللوا صعابهما، وقيدوا لنا أوابدهما، ووسموا الدخيل في كل ذلك، ووصفوا الأصيل منة، بأدلة ودراسة مهذبة ساطعة تجلو لكل شاكر وحسود.. لا يمكن بحث في آثارهم وهو مقطوع الصلة بأولئك النجوم الذين احتلوا عروش البراعة، وحملوا الأمانة العلمية إلى الأجيال المتتالية.
وأخص الخصوصيات في دنيا البحث "اللغة العربية" وكل ما يتعلق بها، مادة وأدبا، ذوقا وأسلوبا. وهي اللغة التي تحول يد التحريف والتمزيق أن تنال منها وتكدر من صفائها وتسهر عين الحسد لطمس آثارها وهجر مراجعها الأولى، ومصادرها المؤمنة "القرآن والحديث والنحو والصرف والشعر والنثر القديمان".
стр. 3408
لولا أن جبلا من المناعة وستارا من الحصانة وسدا أصلب من زبد الحديد وقف أمام هذه الزوابع ورد سطوتها، وركز رايته في حناجر علماء الإسلام للذود عنها وهو: هذا القرآن المعلن فوق رؤوس العالمين وعلى رغم أنوف شياطين الإنس والجن ببلاغته الساحرة وجودته الساطعة وإعجازه المعجز.. قرآن كفاه من القوة والإعجاز اليوم ما سبق له ويعيش فيه من عداء الأعداء، ولم يثنه ذلك من صوته الراعد وهيمنته الفخمة، وإحاطته بكل شيء.. لقد أثبتت التجارب إعجازه، ومن حاول التطاول عليه وصارعه ينهزم وتقوم الدنيا ضده، ويهتز الكون لشذوذه، ويشهد عليه بالضلال وعدم العقل.. وهذه هي الآية الواقفة أمام كل تيار: إنا نحن نزلنا الذكرى وإنا له لحافظون.. ومما ذكرت يعلم الراجح في الموضوع، وانحراف منهج من يقتصر على ذكر رأي واحد في الموضوع متناسيا الآخر منه كفعل مؤرخي الأدب.
стр. 3409
دراسات في السنة النبوية
بقلم الشيخ: محمد ضياء الرحمن الأعظمي
الأمور التي ألغاها الإسلام وأنكرها فهي كثيرة جدا يطول بنا القول لو ذكرناها في العقيدة والعبادة والمعاملات والأخلاق والزواج والطلاق والحرب والقتال وغيرها من العادات والتقاليد.
وأما الأمور التي عدلها الإسلام من شريعة الجاهلية فهي كذلك باب واسع مبثوث في كتب الحديث والتفسير والفقه والعقيدة فمن شاء فليرجع إليها.
هذا هو موقف الإسلام الصحيح من الجاهلية لا كما يزعم بعض المخدوعين والدجاجلة الكفرة من أن السنة ليست لها قيمة شرعية ولا منزلة ذاتية بل هي من العادات الجاهلية التي أبقى عليها الإسلام تطييبا لخواطرهم وتعظيما لتقاليدهم فشرع الإسلام بعقائده وعباداته وأحكامه ونواهيه تام أكمله الله من فوق سبع سماوات من غير احتياج إلى العادات والتقاليد. وقد عز الله القائل:
﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [١] .
أما شبهات شاخت فهي نتيجة لعدم اطلاعه على تاريخ التشريع الإسلامي فجعل الإمام الشافعي مثلا أول قائل بحجية السنة واستشهد على ذلك ببعض النصوص التي أوردها الإمام في كتابه الأم [٢] حيث يذكر أن الإمام مالكا وأبا حنيفة ومحمد بن الحسن الشيباني أخذوا بالقياس والرأي في مقابلة السنة في بعض المواضع. ولكن الأمر الذي فات شاخت هو هل هذا الترك كان لعدم وقوفهم على السنة؟ أو لعدم احتجاجهم بالسنة؟ فإذا عجز شاخت عن فهم هذه الأصول فلماذا أقدم على أمر هو بعيد عن إدراكه؟. نحن نجيب عن هذه الأسئلة إن شاء الله ولو بقليل من التفصيل: ونسلك في هذا طريقة المنطقية:
стр. 3410
لم يعرف أحد من أئمة أهل السنة الذي قال بعدم حجية السنة ونحن نقيم على هذا أدلة قاطعة من كتب الحديث والفقه وتاريخ المسلمين إن شاء الله تعالى.
فهذا إمام من أئمة أهل السنة إمام دار الهجرة أبو عبد الله مالك بن أنس الذي شدت إليه الرحال وضربت له أكباد الإبل وازدحم الناس حوله، لقد عرف رحمه الله تعالى فقيها ومحدثا وهذا الوصف المطابق لم يزل ملازما الإمام مالك حتى انتقل إلى رحمة الله ورضوانه.
لقد توهم بعض الباحثين فقالوا إن مالكا كان يقدم القياس والرأي في مقابلة السنة، وهذا اتهام وبهتان فقد نقل عبد الوهاب الشعراني على لسان مالك قوله "إياكم رأي الرجال إلا إن أجمعوا عليه واتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم وما جاء عن نبيكم وإن لم تفهموا المعنى وسلموا لعلمائكم، ولا تجادلوا، فإن الجدال في الدين من بقايا النفاق" [٣] .
وفيه أيضا نقلا عن ابن حزم قوله: "أنه لما حضرته الوفاة قال وددت الآن أني أضرب على كل مسألة قلتها برأي سوطا ولا ألقى رسول الله ﷺ بشيء زدته، في شريعته وخالفت فيه ظاهرها" [٤] ومن هنا أخذ بعض الناس منع رواية الحديث بالمعنى للعارف خوفا أن يزيد الراوي في الحديث أو ينقص.
وقال الإمام مالك في رسالته الخالدة إلى الليث بن سعد [٥] "وفقنا الله وإياك لطاعته وطاعة رسوله في كل أمر وعلى كل حال" [٦] ومن منا لا يعرف قول الإمام مالك المشهور: كل يؤخذ بقوله ويرد إلا صاحب هذا القبر (مشيرا إلى قبر النبي ﷺ فهذه بعض النصوص حجة صريحة على من يتهم الإمام مالكا. نعم لقد تحير بعض الناس لما وقفوا على موطأ مالك ووجدوا أنه كتاب فقه وحديث، كتاب رواية ودراية، كتاب رأي وفتوى وهو مشهور بين أهل العلم بكتاب السنة، فكيف يجمع هذا في كتاب واحد وفي رجل واحد.
стр. 3411
فنقول هذا الانتقاد صحيح في حد ذاته ولكن المدقق البصير لتاريخ التشريع الإسلامي يعثر على شيء جمعه مالك دون غيره وهو اجتماع الرواية والفقه عنده، والسبب في ذلك أن الناس ما كانوا يفرقون بين الرواية والدراية في عصره، فالمحدث هو الفقيه والفقيه هو المحدث لقرب أصحاب النبي ﷺ . فإن الأمر المعروف في أصول الفقه أن قول الصحابي ينزل منزلة الرفع إذا لم يكن موضع اجتهاد، ولهذا كان من عادة الأئمة في استنباط الأحكام الشرعية أن يرجعوا إلى كتاب الله أولا ثم إلى سنة رسوله ﷺ ثم إلى قول أصحابه المتفق عليه ثم إلى أقضية الخلفاء الراشدين، هكذا روي عن الإمام أبي حنيفة فإذا وصل إلى رأي التابعين قال هم رجال ونحن رجال.
стр. 3412
وقد جاء عن بعض السلف قولهم "إن مالكا جمع بين الحديث والفقه ما لم يجمع غيره قط". قال ابن جرير الطبري أن أحمد بن حنبل لم يكن فقيها بل إنه كان محدثا ومالك وحده هو المحدث الذي يعد في الرعيل الأول بالإجماع والفقيه البصير بمواضع الفتوى ومصادرها بالإجماع. فهذا كتاب الموطأ الذي يحتوي على ألف وسبعمائة وعشرين حديثا برواية أبي بكر الأبهري قال السيوطي عنه "إن الأحاديث الموصلة المرفوعة إلى النبي ﷺ صحاح كلها بل هي في الصحة كأحاديث الصحيحين" [٧] . وقال الإمام الشافعي "لا أعلم كتابا في أكثر صوابا من كتاب مالك" [٨] حتى أن الإمام البخاري الذي يُعد كتابه أصح كتب الحديث وأقواها يعتبر سند مالك في بعض مروياته التي رواها أصح الأسانيد وهو مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة. وأصح الأسانيد عن أبي داود مالك عن نافع عن ابن عمر ولهذا استغرب الشافعي من مالك مسألة خيار المجلس، والحديث مروي عن مالك عن نافع عن ابن عمر فقال:"لا أدري هل أتهم مالك نفسه أو نافعا" [٩] . فكأنه اعتبر هذا السند من سلسلة الذهب. فهذه شهادات تدل على أنه كان عدلا ضابطا لا مجال للطعن فيه فكيف لأحد أن يعده من منكري السنة وغير المحتجين بها!.
هذه هي منزلة السنة عند مالك من حيث الأصول، وبحثنا مقتصر على الأصول وأما في الفروع فقد تلحقه شبهة وأعذار نذكر منها البعض في باب عمل أهل المدينة إن شاء الله تعالى.
أما من ناحية تقديم القياس على بعض السنة فنقول بعون الله تعالى:
لقد تضافرت الأدلة القاطعة على أن القياس أصل من أصول الفقه الإسلامي ولم يعارضه أحد إلا طائفة من الظاهرية وجماعة من الشيعة وشبهاتهم مذكورة في كتبهم ولا حاجة بنا إلى إعادة ذكرها.
стр. 3413
القياس على قسمين: قياس يخالف الكتاب والسنة وهو مردود ومذموم لم يأخذ به أحد، وقياس لا يخالف الكتاب والسنة، وهو إلحاق أمر غير منصوص على حكمه بأمر منصوص على حكمه لعلة جامعة بينهما. وهو أمر ضروري لا بد منه لوقوع كثرة الحوادث وعدم انتهاء المساءل وإلى هذا أشار معاذ بن جبل وأقره عليه رسول الله ﷺ [١٠] والعلماء والفقهاء من القرون المشهود لها بالخير إلى يومنا هذا لم يستغنوا عن استعمال المقاييس في أمور دينهم إذا لم يجدوا أمرا صريحا من الشارع لأن نظير الحق حق ونظير الباطل باطل، وعلى هذا الأساس فإن مالكا استعمل القياس وقال بما دل عليه قياسه متمسكا بشروطه وآدابه. وكيف لا يقول به مالك وقد قال به رسول الله صلى الله عليه سلم في مواضع كثيرة منها ما يروى عن عمر بن الخضاب قال: "صنعت يا رسول الله أمرا عظيما قبّلت وأنا صائم فقال له رسول الله ﷺ : أرأيت لو تمضمضت بماء وأنت صائم؟ فقلت لا بأس فقال: فصم" [١١] فقاس رسول الله ﷺ القبلة على المضمضة لأن كلا منهما مقدمة للإفطار فلا ذنب على مالك إن قاس الأمور الحادثة على أصولها.
стр. 3414
نعم وقد يظن قياسه مخالفا للسنة الثابتة فما السبب في ذلك؟ فنقول: هناك عدة أعذار عد بينها شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالته (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) وقال: جميع الأعذار ثلاثة أصناف. أحدها عدم اعتقاده أن النبي ﷺ قاله، والثاني عدم اعتقاده إرادة تلك المسألة بذلك القول، والثالث اعتقاده أن ذلك الحكم منسوخ. ثم فرع الأسباب على تلك الأصناف فجعل السبب الأول هو أن لا يكون الحديث قد بلغه ومن لم يبلغه الحديث لم يكلف إن يكون عالما بموجبه كما حصل لعمر وابنه فإنهما كانا ينهيان المحرم عن التطيب قبل الإحرام قبل الإفاضة إلى مكة بعد رمي جمرة العقبة ولم يبلغهما حديث عائشة ﵂ أنها طيبت رسول الله ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم ولحله قبل أن يطوف، وغيره من الأمثلة الكثيرة ذكرها ابن تيمية [١٢] رحمه الله تعالى وإلى هذا أشار الإمام الشافعي في قوله "لو صح حديث لحوم الإبل قلت به"ذكره الحافظ في التلخيص [١٣] فلماذا لا نحمل مالكا على أحد هذا الأعذار؟ فالأئمة المجتهدون والمحدثون الحاذقون والفقهاء المبصرون كلهم معذورون إذا قالوا شيئا يخالف سنة رسول الله ﷺ بل هم مأجورون على ذلك. فقد ثبت في الصحيحين عن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ قال: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر" [١٤] فتبين أن المجتهد له مع خطئه أجر وذلك لأجل اجتهاده، فإن إحاطة واحد لجميع أحاديث رسول الله ﷺ أمر لا يمكن ادعاؤه حتى أن الخلفاء الراشدين الذين هم أعلم الأمة وأفقه الفقهاء وباشروا رسول الله سفرا وحضرا لم يكونوا قد بلغوا الكمال في العلم، فهذا أبو بكر ﵁ لما سئل عن ميراث الجدة قال مالك في كتاب الله من شيء وما علمت لك في سنة رسول الله ﷺ من شيء، ولكن أسأل الناس فقال المغيرة بن شعبة وشهد له محمد بن مسلمة
стр. 3415
بأن النبي ﷺ أعطاها السدس.
وروي عن عمران بن حصين مثل ذلك. فإذا كان هذا من حال أبي بكر وعمر وابنه الذين شاهدوا التنزيل فأين أبو حنيفة ومالك وابن أبي ليلى وغيرهم من الأئمة رضوان الله عليهم أجمعين!
لقد تخبط بعض الباحثين من المستشرقين من أمثال جولد زهير في معنى السنة فظنوا أنها من باب العادات والتقاليد الموروثة من الجاهلية، واستشهدوا على ما ذهبوا إليه ببعض العادات التي أبقاها الإسلام من العادات القديمة. وقالوا أن السنة ليست من مصادر التشريع في الإسلام، فإن الأوائل لم يكونوا يرجعون إليها في المسائل الدينية والفتاوى الشرعية حتى ظهر بعض المسلمين في أواخر القرن الثاني وأوائل القرن الثالث، ونادوا بحجية السنة، وملأوا كتبهم بالأدلة والبراهين، وممن اشتهر في هذا العصر الإمام الشافعي فإنه قام بالرد على الإمامين السابقين أبي حنيفة ومالك رحمهما الله [١٥] .
وأخذ هؤلاء الباحثون ببعض الآثار المروية في هذا الباب، منها قول عمر ابن الخطاب "حسبنا كتاب الله "وحديث حدث به المهلب بن أبي صفرة ثنا ابن مناس ثنا محمد بن مسرور القيرواني ثنا يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب أخبرني شمر بن نمير عن حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب أن رسول الله ﷺ قال: "سيأتي ناس يحدثون عني حديثا فمن حدثكم حديثا يضارع القرآن فأنا قلته ومن حدثكم بحديث لا يضارع القرآن فلم أقله. إنما هو حسوة من النار" [١٦] .
стр. 3416
وهذا أثر ضعيف بل أوهن من بيت العنكبوت أخذوا به دليلا إلى ما ذهبوا إليه _ وقد قال عبد الرحمن بن مهدي "الزنادقة والخوارج وضعوا هذا الحديث". وقال محمد بن حزم: "الحسين بن عبد الله ساقط متهم بالزندقة" [١٧] ورد الشافعي والبيهقي هذا الحديث كليا. وبمثل هذه الأحاديث المكذوبة أوردها ابن حزم ورد عليها واحدة بعد واحدة. أما قول عمر بن الخطاب وهو ما أخرجه البخاري عن ابن عباس قال: لما حُضر رسول الله ﷺ وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب قال النبي ﷺ هلمّ أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده. فقال عمر: إن النبي ﷺ قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن. حسبنا كتاب الله [١٨] وفيه قال ابن عباس: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله ﷺ وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم [١٩] هذا القول لا يدل على الاستغناء بالسنة لأن عمر ابن الخطاب أراد أن يخفف على رسول الله ﷺ وجعه ولهذا سكت عليه النبي ﷺ وقد عاش بعده بأيام ولم يرد على عمر قوله، فلما وجد التخفيف والراحة أملى عليهم كما أخرج مسلم أن رسول الله ﷺ قال في أوائل مرضه وهو عند عائشة: "ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب كتابا فإني أخاف يتمنى متمن ويقول قائل ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر" [٢٠] . وهذا المعنى يؤيد سلوك عمر بن الخطاب في زمن خلافته فإنه كان يحرص على الأخذ بالسنة، وهذا باب واسع لا أرى الحاجة إلى إيراده.
بمثل هذه الأدلة أخذ منكرو السنة، فمن المستشرقين الذين اشتهروا بهذا الطعن جولد سهير قد قال في دائرة المعارف الإسلامية تحت كلمة (الحديث) وفي كتابه:
стр. 3417
(MUHAMMAD STUDY) ج١ ص٤١ واللفظ من الدائرة "كان السير على سنة الآباء الأولين (السنة هي المنهج القديم المأثور الذي يعتاده المرء في المبادلة والأخذ والعطاء) حتى يعد عند الكفار من العرب فضيلة من الفضائل ولما جاء الإسلام لم تستطع السنة أن تبقى على قديمها وهو اتباع عادات الآباء الكفار وأقوالهم، وكان لا بد للمسلمين من أن ينشئوا لهم سنة جديدة. فأصبح واجبا على المؤمن أن يتخذ من خلق الرسول ﷺ وصحابته مثلا يحتذيه في جميع أحوال معاشه، ولهذا بذل كل جهد ممكن في سبيل جمع أخبار النبي ﷺ وصحابته [٢١] .
فالفكرة التي يريد جولد سهير أن يعطيها لنا هي أن السنة ليس لها قيمة ذاتية نفسية بل جاءت من قبل العادات والتقاليد الجامعية. ولكن الأمر ليس كما يظن المستشرق فسوف نبين خطأ فكره في باب العادات الجاهلية بعون الله تعالى. ثم جاء بعده جوزيف شاخت فجعل السنة وليدة البيئة والمجتمع الإسلامي وعمل الخلفاء، وأنها ليست أمرا ثبتا في القرنين الأول والثاني حتى جاء الإمام الشافعي ونادى بحجية السنة وشن الغارات على منكريها [٢٢] .
ثم رأيت المرحوم الدكتور السباعي يُورد فصلا كاملا في كتابه (السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي) بعنوان ((السنة مع من ينكر حجيتها حديثا)) فأحببت أن ألخص كلامه هنا في أسطر لما فيه من الفوائد لطالب السنة.
يقول المرحوم: "وقد نشرت مجلة المنار للمرحوم السيد رشيد رضا في العددين ٧_١٢ من السنة التاسعة مقالين للدكتور توفيق صدقي تحت عنوان (الإسلام هو القرآن وحده) وشبهته:
أولا _ قوله: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ .
﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ .
ثانيا _ قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ فالله تعالى تكفل بحفظ القرآن دون السنة.
стр. 3418
ثالثا _ لو كان الحديث حجة لأمر النبي ﷺ بكتابته.
رابعا _ بعض الآثار المروية التي تدل على بعدم حجية السنة.
تلك هي خلاصة ما أورده الدكتور صدقي من الشبهات حول حجية السنة.وقد قام المرحوم الدكتور السباعي بالرد على هذه الشبهات واحدة فواحدة، ولا أريد أن أطيل البحث فمن أراد الوقوف عليها فليرجع إلى كتابه [٢٣] فإنه جاء بجواب مسكت مقحم فجزاه الله خيرا وتقبل سعيه.
فالآن نعود إلى موضوعنا وهو: (مقدار العادات الجاهلية في الإسلام) .
معنى الجاهلية وموقف الإسلام منها:
الجهل لغة: نقيض العلم، يقال جهل فلان جهلا وجهالة، والجهالة: أن تفعل فعلا بغير العلم ومنه المجاهل جمع مجهل.
قال مضرس بن ربعي:
أنا لنصفح عن مجاهل قومنا ونقيم سالفة العدو الأصيد [٢٤]
قال الراغب: الجهل على ثلاثة أقسام:
١ _ خلو النفس من العلم ومثاله قول خولة بنت حكيم امرأة عثمان ﵄ قالت: خرج رسول الله ﷺ ذات يوم وهو محتضن أحد ابني ابنته وهو يقول: "والله إنكم لتجبنون وتبخلون وتجهلون وإنكم لمن ريحان الله" أي يُشغل بهم الآباء عن طلب العلم.
٢ _ اعتقاد الشيء بخلاف ما هو عليه مثاله: "إن من العلم جهلا. قيل هو أن يعلم ما لا يحتاج إليه من دينه".
٣ _ فعل الشيء بخلاف ما حقه أن يفعل سواء اعتقد فيه اعتقادا صحيحا أم فاسدا كقوله تعالى: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [٢٥] فجعل فعل الهزو جهلا [٢٦] .
وقد يأتي الجهل بمعنى ضد الخبر كقوله تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ﴾ أي الذي ليس عنده خبرة.
стр. 3419
هذه هي معاني كلمة الجاهلية فهل يستطيع جولد سهير ومن معه أن يطبق هذه المعاني على السنة النبوية. فالمنتصح الدقيق يجد الفرق بينهما بينا باعتبار التضاد والتناقض. وقد حذر الشارع من اتباع سنن الجاهلية في مواطن كثيرة.
قال تعالى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّة﴾ [٢٧] !
وفي صحيح البخاري عن نافع عن جبير بن مطعم عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "أبغض الناس إلى الله ثلاث: ملحد في الحرم، ومبتغ في الإسلام سنة الجاهلية، ومطلّب دم امرئ بغير حق بهريق دمه". وفي سند الإمام أحمد عن أبي بن كعب عال: قال رسول الله ﷺ : "من تعزى بعزاء الجاهلية فاعضوه بهن أبيه ولا تكنوا" [٢٨] وفي مسلم أيضا عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : "أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركهن: الفخر بالأنساب والطعن في الأنساب والاستسقاء بالنجوم والنياحة" [٢٩] ، ومن هذا الباب ما أخرجه الشيخان عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله قال: غزونا مع رسول الله ﷺ وقد ثاب معه ناس من المهاجرين حتى كثروا وكان من المهاجرين رجل لعاّب فكسع أنصاريا فغضب الأنصاري غضبا شديدا حتى تداعوا، وقال الأنصاري: يا للأنصار. وقال المهاجري: يا للمهاجرين! فخرج النبي ﷺ وقال: "ما بال دعوى الجاهلية ... دعوها فإنها مُنتنة" [٣٠] . ومنه قول النبي ﷺ "إنك امرأ فيك جاهلية" [٣١] ، وأخرج أبو داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله قد أذهب عنكم غبية الجاهلية وفخرها بالآباء: مؤمن تقي أو فاجر شقي أنتم بنو آدم وآدم من تراب ليدعن رجال فخرهم بأقوام إنما هم فحم من فحم جهنم أو ليكونُنّ أهون على الله من الجعلان التي تدفع بأنفها النتن" [٣٢] ، وأخرج مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 3420
"من خرج من الطاعة وارق الجماعة فمات ميتة جاهلية" [٣٣] وغيرها من الأحاديث المروية في كتب السنة التي لا تُعد ولا تُحصى فتدل هذه الأحاديث على تقبيح أمور الجاهلية وذمها، وبالتالي تقتضي المنع من اتباعها. ولهذا قسم العلماء الزمان قسمين: قسم زمن الفترة قبل الإسلام يُسمى فترة الجاهلية، وهي الحال التي كانت عليها العرب قبل الإسلام من الجهل بالله ورسوله وشرائع الدين والمفاخرة بالأنساب والتكبر والتجبر. وقسم فترة الإسلام وهو زمن بزغت فيه شمس الإسلام وأشرقت الأرض بنور ربها وخرج الناس من الجاهلية الجهلاء إلى هدى الله وشرعه.
فهل يُعقل بعد هذه النصوص البينة أن يكون اتباع السنة النبوية من باب التقاليد الجاهلية؟ تعالى الله عمّا يقولون.
نعم هناك أمر ضروري لا بد أن عليه ولو بعبارة موجزة وهو أن الإسلام لم يأت بشرع جديد مطلق يخالف شرائع الأنبياء والمرسلين، بل جاء بالملة الحنيفة السمحة التي حرفها أهل الزيغ والضلال. بل أعلن الله تعالى على لسان خاتم الأنبياء محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ﴾ [٣٤] وقال تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [٣٥] وقال تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ [٣٦] وغيرها من الآيات والآثار.
إذا فما هو موقف الإسلام من أمور الجاهلية وعاداتها؟ فنقول بعون الله تعالى: إن العرب كانوا في الجاهلية بدو أو شبه بدو لم يكن عندهم قانون مدون ولا قواعد معروفة يرجعون إليها إلا ما حصل عندهم من العرف والتقاليد والتجارب والمعتقدات المحرفة من اليهودية والنصرانية، فجاء الإسلام وأقر بعضا وأنكر على بعض وعدل بعضا إذا وافق اللوح المحفوظ.
стр. 3421
مثال ما أقره الإسلام القسامة فقد أخرج مسلم عن رجل من أصحاب النبي ﷺ أن رسول الله أمر القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية وقضى بها بين أناس من الأنصار [٣٧] ، وصوم يوم عاشوراء، فقد أخرج الشيخان عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قدم المدينة فوجد اليهود يصومون صوم عاشوراء فقال لهم رسول الله ﷺ : "ما هذا اليوم الذي تصومونه؟ قالوا هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه وأغرق فيه فرعون وقومه فصامه موسى شكرا لله فنحن نصومه تعظيما له. فقال رسول الله ﷺ فنحن أحق بموسى منكم. فصامه رسول الله ﷺ وأمر بصيامه" [٣٨] . وقد أمر الإسلام بقرى الضيف وابن السبيل وحمل الكل وصلة الأرحام والإعانة في نوائب الحق، وهذه الأوصاف كانت تعتبر مزية من مزايا الجاهلية، وغيرها من أمور العبادة والطهارة من الجنابة وخصال الفطرة مثل الختان. ويروى أن أبا ذر كان يصوم ويصلي قبل أن يقدم إلى النبي ﷺ بثلاث سنين، وكذلك قس بن ساعدة الإيادي. وكان أهل الجاهلية يحجون بيت الله الحرام ويعظمون شعائره وكان فيهم من يوحد الله مثل ورقة بن نوفل الأسدي من أسد بن عبد العزى وزيد بن عمر وابن نفيل العدوي من عدي بن كعب وعثمان بن الحويرث الأسدي من أسد بن عبد العزى. هؤلاء من قريش وعبيد الله بن الجحش الأسدي من أسد بن خزيمة من حُلفاء قريش. يروى أنهم اجتمعوا مرة يوم عيد لأحد أصنامهم فقالوا: نعلن والله ما قومكم على شيء. لقد أخطأوا دين أبيهم إبراهيم. هذا حجر لا يبصر ولا يضر ولا ينفع. يا قوم التمسوا لأنفسكم فإنكم والله ما أنتم على شيء [٣٩] . ولقد سار عمرو بن لحي الخزاعي إلى بلاد الشام ورأى ما يفعله أهلها من تعظيم التماثيل والتقرب بها فمالت نفسه إلى الاقتداء بهم فأخذ بعض هذه التماثيل وأقامها على الكعبة التي كان هو سادنها ودعى العرب إلى تعظيمها فأجابوه،
стр. 3422
وقد رآه رسول الله ﷺ يجر قصبته (الأمعاء) في النار وقال: "إنه كان أول من غير دين إسماعيل فنصب الأوثان وبحر البحيرة وسيب السائبة ووصل الوصيلة وحمى الحامي" [٤٠]
ومن هنا تتضح لنا بعض الأمور التي أقرها الإسلام بدون تحريف وتبديل، وإلى هذا يشير قوله تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ وقوله ﷺ : "بعثت بالملة السمحة الحنيفية البيضاء".
--------------------------------------------------------------------------------
[١] الفتح: ٢٦.
[٢] راجع اختلاف مالك والشافعي ج/٧ ص١٧٧، كتاب جماع العلم ص٢٥٠ كتاب الرد على محمد بن الحسن ص٢٧٧، كتاب إبطال الإحسان ص٢٦٧.
[٣] الميزان ج١ ص٦٤.
[٤] المصدر السابق ص٦٥.
[٥] توفي سنة ١٧٥هـ.
[٦] ترتيب المدارك ج١ ص٦٥.
[٧] على هامش الباعث الحثيث ص٣٢.
[٨] المصدر السابق ص٣١.
[٩] المغني ج٣ ص٥٠٤.
[١٠] أخرجه الترمذي وقال: حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه وليس إسناده عندي بمتصل. وقال البخاري في التاريخ الكبير: الحرث بن عود بن أخي المغيرة عن أصحاب معاذ عن معاذ روي عنه أبو عون ولا يصح ولا يعرف إلا بهذا. جمع الفوائد ٤٩٢٣.
[١١] أبو داود صوم ٣٣، الدارمي صوم ٢١ سند أحمد ١/ ٢١.
[١٢] رفع الملام ص١.
[١٣] نقلا من تحفة الأحوذي ج١ ص٢٦٣.
[١٤] خ اعتصام باب ٢١.
م، اقضية١٥، واقضية٢، حم ج٢/١٨٧.
[١٥] هكذا يريد المستشرق ((شاخت)) أن يرد حجية السنة وسيأتي التفصيل عن هذا إن شاء الله تعالى.
[١٦] الإحكام لابن حزم ج٢ ص٧٦.
[١٧] الإحكام لابن حزم ج٢ ص٧٦.
[١٨] خ ج ٧ ص ١٠٤.
[١٩] المصدر السابق.
[٢٠] نقلا من فتح الباري ج١ ص١٨٦.
[٢١] دائرة المعارف الإسلامية ج٧ ص٣٣٠.
стр. 3423
[٢٢] هذه هي الفكرة الرئيسية في تأليفه. (MUHAMMADAN JURISPRUDENU)
وخاصة في الباب السابع SUNNA PRACTIEEND LIVING TRADITION) P٥٨.
[٢٣] السنة ص١٦٥.
[٢٤] لسان العرب ج١١ ص١٢٩.
[٢٥] البقرة: ٦٧.
[٢٦] البقرة: ٢٧٣.
[٢٧] آل عمران: ١٥٤.
[٢٨] خ تفسير سورة المنافقون.
[٢٩] مسلم جنائز ٢٩، حم٥/٣٤٢.
[٣٠] خ تفسير سورة المنافقون.
[٣١] خ أدب ٤٤، إيمان٢٢، م إيمان٣٨.
[٣٢] أبو داود: أدب ١١١.
[٣٣] مسلم أمارة: ٥٣.
[٣٤] الأحقاف: ٩.
[٣٥] الأنعام: ٩٠.
[٣٦] المائدة: ٤٤.
[٣٧] مسلم قسامة: ٧، النسائي قسامة٢، حم ٥/ ٤٣٢.
[٣٨] البخاري صوم: ٦٩.
[٣٩] البداية والنهاية، ج٢ ص٢٣٨.
[٤٠] ابن هشام ج١ ص٧٩.
стр. 3424
السفور
للشيخ محمد الحداد
المتخرج من كلية الشريعة بالجامعة
صبرت إلى أن ضاق صدري من الصبر.
ولا أحد يرثي لحالي ولا يدري.
أرى الفتنة الكبرى تعم بلادنا.
كأنا بباريسٍ على شاطئ النهر.
وباء من الغرب استباح ديارنا.
شبيه على الأفكار بالسم والسحر.
وقومي حيارى أو سكارى كما ترى.
فهل بعد هذا الليل يا قوم من فجر.
صبرنا ولكن كم يدوم اصطبرنا.
أصبر على شيء أحر من الجمر!.
فماذا ترى يبقى لنا من هدى وقد.
غدونا وأهل السبت في شركة الوزر!.
فكم ثم من راض بذلك معجب.
وآخر حب المال ألقاه في السكر!.
إذا كان ذا يا قوم في خير أمة.
إذن فَلَبطن الأرض خير من الظهر.
فكيف يلام المرء إذ ما تكشفت.
لديه فتاة كالغزال أو البدر.
فكم ذا يلاقي من عناء وشدة.
ونار الغضا ما بين أضلاعه تسري.
أيحجب عينيه بإلقاء برقع.
على وجهه بين العشاءين والعصر.
وهل غيرة يا قوم تشفي غليله.
لئلا يرى أهل المفاتن والعهر.
أرى الوقت معكوسا على أم رأسه.
فثوب الفتى ينجر في الدرب إذ يجري.
ولكن ربات الخدور تقدمت.
فتستورد الأثواب من بلد الكفر.
وعار عليها تلبس الثوب سابغا.
كذلك الفتى بالعكس يا قصمة الظهر.
فيا علماء الدين بالله ربكم.
فما عذركم يوم القيامة في الحشر.
ويا قومنا مالي أرى الدين ضائعا.
كشخص أسير كبلته يد الكفر.
فوالله إن الموت خير وراحة.
إذ البوم والغربان تعدو على الصقر.
نذير لكم يا أيها القوم فاسمعوا.
ولا تكن الآذان منه على وقر.
ألم تروا أن الله أقسم بالعصر
.
стр. 3425
بأن جميع الخلق في وهدة الخسر.
ولكنه استثنى من الكل أربعا.
عليكم بها عضوا عليها مدى العمر.
فأولها الإيمان والعمل الذي.
يلازمه واستتبع الحق بالصبر.
لقد حدث القرآن عن أهل قرية.
أتوا باحتيال كي يصيدوا من البحر.
فلما نسوا ما ذكروا أصبحوا لقىً.
ولم ينج إلا من أبى خطة الغدر.
وكانوا بخير ثم لما عصوا هووا.
وقد مسخوا حتى غدوا عبرة الدهر.
على الدين فلتنهل عيناك أدمعا.
ولا عذر حتى تصحب النهي بالأمر.
فلو شاهدت عيناك ما نصطلي به.
علمت بأنا قابضون على الجمر.
ولو أنني خيرت في العيش والردى.
لقلت لهم هيا اعجلوا واحفوا قبري.
ولو أن فاروق الحنيفة شاهد.
لأنهكهم ضربا، ولم يعي بالأمر
.
стр. 3426
العدد ٢٢
فهرس المحتويات
١- يجب تحكيم الشرع الإسلامي في الخاطفين: رئيس الجامعة الإسلامية عبد العزيز بن عبد الله بن باز
٢- من أعلام المحدثين - عمرو بن علي الفلاس ١٦٠ بعيدها - ٢٤٩هـ: للشيخ عبد المحسن العباد نائب رئيس الجامعة الإسلامية
٣- أضواء من التفسير: للشيخ عبد القادر شيبة الحمد
٤- رسائل لم يحملها البريد: بقلم الشيخ عبد الرؤوف اللبدي
٥- الجهاد.. الجهاد..: بقلم الشيخ محمود عبد الوهاب فايد
٦- رسالة إلى الأستاذ الدكتور أحمد زكي رئيس تحرير مجلة العربي المحترم: بقلم الدكتور محمد معروف الدواليبي
٧- وجوب الحكم بما أنزل الله: للشيخ عطية محمد سالم
٨- شعر المتنبي في ميزان الصاحب بن عبَّاد: بقلم الشيخ محمد المجذوب
٩- ليكن شعارنا الدائم- الله وحده: بقلم الشيخ السعيد الشربيني الشرباصي
١٠-سبع مسائل في علم الخلاف: بقلم الأستاذ عبد العزيز القارئ
١١-علم القرآن هو الأعلى: للشيخ محمد يوسف
١٢- الإسلام في سيراليون: بقلم الشيخ أحمد صالح محايرى
١٣- برقية: رئيس الجامعة الإسلامية عبد العزيز بن عبد الله بن باز
١٤- من الصحف والمجلات: إعداد العلاقات العامة
١٥- الحضارة الغربية كما يراها أحد أساطينها: عن كتاب (الإنسان ذلك المجهول) للدكتور الكسيس كاريل
١٦- ندوة الطلبة: الإيمان.. يوجب العمل: للطالب خالد محمد عبد الله الدخيل
١٧- المسلم: بقلم الطالب عارف عبد الله آل حسن
١٨- الفتاوى "أين يضع المصلي يديه بعد الرفع من الركوع": يتولى الرد على أسئلة القراء سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رئيس الجامعة الإسلامية
١٩- أخبار الجامعة: إعداد العلاقات العامة
عمادة البحث العلمي - جميع الحقوق محفوظة ١٤٢٣ هـ / ٢٠٠٢ م
стр. 3427
يجب تحكيم الشرع الإسلامي في الخاطفين
رئيس الجامعة الإسلامية عبد العزيز بن عبد الله بن باز
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:
فمن المعلوم لدى كل من له أدنى بصيرة أن اختطاف الطائرات وبني الإنسان من السفارات وغيرها من الجرائم العظيمة العالمية التي يترتب عليها من المفاسد الكبيرة والأضرار العظيمة وإخافة الأبرياء وإيذائهم ما لا يحصيه إلا الله كما أن من المعلوم أن هذه الجرائم لا يخص ضررها وشرها دولة دون دولة ولا طائفة دون طائفة بل يعم العالم كله ولا ريب أن ما كان من الجرائم بهذه المثابة فإن الواجب على الحكومات والمسؤولين من العلماء وغيرهم أن يعنوا به غاية العناية وأن يبذلوا الجهود الممكنة لحسم شرِّه والقضاء عليه، وقد أنزل الله كتابه الكريم تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين وبعث نبيه محمداً ﷺ رحمة للعالمين وحجة على العباد أجمعين وأوجب على جميع الثقلين الحكم بشريعته والتحاكم إليها ورد ما تنازع فيه الناس إلى كتابه وسنة رسوله محمد ﷺ كما قال : ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماًً﴾ . وقال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ .
стр. 3428
وقد أجمع العلماء ﵏ على أن الرد إلى الله هو الرد إلى كتابه الكريم وأن الرد إلى الرسول هو الرد إليه في حياته وإلى سنته الصحيحة بعد وفاته ﵊ وقال سبحانه: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ فهذه الآيات الكريمات وما جاء في معناها كلها تدل على وجوب رد ما تنازع فيه الناس إلى الله سبحانه وإلى الرسول ﵊ وذلك هو الرد إلى حكم الإسلام والحذر مما خالفه في جميع الأمور ومن أهم ذلك الأمور التي يعم ضررها وشرها كمسائل الاختطاف.
فإن الواجب على الدولة التي يقع في يدها الخاطفون أن تحكم فيهم شرع الله لأنه يترتب على جريمتهم الشنيعة حقوق لله وحقوق لعباده وأضرار كثيرة ومفاسد عظيمة منتشرة وليس لها حل يقطع دابرها ويحسم شرها إلا الحل الذي وضعه أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين في كتابه الكريم وبعث بها أنصح الخلق وأفضلهم وأرحمهم سيد الأولين والآخرين ورسول رب العالمين محمداً عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم وهو الحل الذي يجب أن يرضى به الجميع الخاطفون والمخطوفون ومن له صلة بهم وغيرهم وأن تنشرح له صدورهم إن كانوا مؤمنين فإن لم يكونوا مؤمنين فقد أمر الله نبيه ﷺ بتحكيم الشرع فيهم في قوله سبحانه: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ وقوله : ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ الآية.
وبناء على ما ذكرنا فإن الواجب على حكومة السودان في حادث السفارة السعودية في الخرطوم تكوين لجنة من علماء الشرع الإسلامي للنظر في القضية ودراستها من جميع جوانبها والحكم فيها بشرع الله.
стр. 3429
وعلى حكومة الكويت في حادث السفارة السعودية في باريس مثل ذلك ولا مانع من إيجاد محكمة كبرى تتفق عليها الحكومتان المذكورتان يندب إليها جماعة من علماء الشرع الإسلامي من علماء المذاهب الأربعة في الكويت أو السودان أو غيرهما لدراسة القضية وبيان حكم الشرع الإسلامي فيها وعلى هؤلاء العلماء أن يحكموا في القضية على ضوء الأدلة الشرعية من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وأن يستضيئوا في ذلك بما ذكره علماء التفسير عند آية المحاربين من سورة المائدة وما ذكره العلماء في كل مذهب في (باب حكم المحاربين) ثم يصدروا حكمهم معززاً بالأدلة الشرعية وعلى الحكومتين اللتين وقع الخاطفون في سلطانهما تنفيذ الحكم طاعة لله سبحانه وتعظيماً لأمره وتنفيذاً لشرعه وحسماً لمادة هذه الجرائم العظيمة ورغبة في القضاء عليها ورحمة للمخطوفين وإنصافاً لهم أما القوانين فكلها من وضع البشر ولا يجوز لأهل الإسلام التحاكم إليها وليس بعضها أولى بالتحاكم إليه من بعض لأنها كلها من حكم الجاهلية ومن حكم الطاغوت الذي حذر الله منه ونسب إلى المنافقين الرغبة في التحاكم إليه كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداًً وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً﴾ .
فلا يجوز لأهل الإسلام أن يتشبهوا بأعداء الله المنافقين بالتحاكم إلى غير حكم الله والصدود عن حكم الله ورسوله.
стр. 3430
ولا يجوز أن يحتج بما وقع فيه أغلب المسلمين اليوم من التحاكم إلى القوانين الوضعية فإن ذلك لا يبرره ولا يجعله جائزاً بل هو من أنكر المنكرات وإن وقع فيه الأكثرون وليس وقوع الأكثر في أمر من الأمور دليلاً على جوازه كما قال الله سبحانه: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأََرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾ . وكل حكم يخالف شرع الله فهو من حكم الجاهلية قال الله سبحانه: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ . وأخبر سبحانه أن الحكم بغير ما أنزل كفر وظلم وفسق فقال سبحانه في سورة المائدة: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُون. وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ. وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ . وهذه الآيات وما جاء في معناها توجب على المسلمين الحذر من الحكم بغير ما أنزل الله والبراءة منه والمبادرة إلى حكم الله ورسوله وانشراح الصدر به والتسليم له وإذا كانت الحادثة يعم ضررها كالخطف كان وجوب رد الحكم فيها إلى الله ورسوله آكد من غيرها وأعظم في الوجوب لأن الله سبحانه هو الحكيم الخبير وهو أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين وهو العالم بما يصلح عباده ويدفع عنهم الضرر، ويحسم عنهم الفساد في حاضرهم ومستقبلهم.
فوجب أن يردوا الحكم فيما تنازعوا فيه إلى كتابه وسنة نبيه ﷺ لأن فيهما الكفاية والمَقْنَع والحل لكل مشكل والقضاء على كل شر لمن تمسك بهما واستقام عليهما وحكم بهما وتحاكم إليهما كما سبق بيان ذلك في الآيات المحكمات.
стр. 3431
ولعظم هذا الحادث وخطورته رأيت أن من الواجب نشر هذه الكلمة نصحاً للأمة وبراءة للذمة وتذكيراً للعموم بهذا الواجب العظيم.
والله المسؤول أن يصلح أحوال المسلمين جميعاً ويهديهم صراطه المستقيم ويوفق حكوماتهم للحكم بالشريعة والتحاكم إليها والتمسك بها في جميع الأمور إنه جواد كريم وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه...
رئيس الجامعة الإسلامية
بالمدينة المنورة
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 3432
سبع مسائل في علم الخلاف
بقلم الأستاذ عبد العزيز القارئ
المدرس بمعهد الجامعة الإسلامية الثانوي
الاختلاف بين علماء المسلمين موضوع جسيم وفن مستقل عظيم لا تكفي عجالة قصيرة لتفصيله واستيفاء حقه، لكنني سأشير إلى مسائل أساسية تتعلق به لا يجوز لأي متعلم أن ينظر في قضايا الشرع وعلومه إذا كانت خافية عليه، بل يجب حينئذ أن ينحى عن هذا المقام ويحشر مع الجهلة والعوام.
المسألة الأولى:
هناك قضايا شرعية وقواعد دينية انقطع فيها الخلاف ووجب التسليم وهي ـ القطعيات ـ أي الأمور التي ثبتت ثبوتاً قطعياً وأجمع عليها علماء المسلمين: كأركان الإسلام الخمسة وأركان الإيمان الستة ووجوب الإيمان بها، وكعدد الصلوات الخمسة، وعدد ركعاتها، وكتحريم الزنا، والربا، والخمر، وقتل النفس التي حرم الله، وكذلك ما أجمع عليه العلماء من قواعد الشرع المعتبرة في أحكامه مثل: لا ضرر ولا ضرار، والحدود تدرأ بالشبهات، ورفع الحرج، وجلب التيسير ونحو ذلك، فتبين بهذا أن ـ القطعيات ـ تكون من الأنواع الثلاثة: العقائد، والفروع، والقواعد الأصولية.
فهذه كلها لا اجتهاد فيها ولا مجال للرأي والخلاف، بل هي أسس وقواعد لهذا الشرع العظيم لا تتغير بتغير الزمان ولا بتغير المكان ومن تردد في التسليم بها أو شك في أمرها فقد شذ عن الملة وشق عصا المسلمين فقوله مردود وخلافه باطل..
стр. 3433
أما ما سوى القطعيات من مسائل الشرع وقد يسميها بعضهم ـ الظنيات ـ فهي محل للاختلاف ومجال للاجتهاد، تتنوع فيها الأفهام وتختلف الآراء، وقد دعا الشرع إلى إعمال الفكر واستعمال العقل في إدراك معانيها واستخراج أحكامها وعللها وأوجهها ومراميها، وفتح الباب لأهل النظر وفي الفكر وذوي العقول والألباب ليجتهد كل حسب ما أوتي فإن شرعنا العظيم جاء لتحرير العقل من الأغلال التي كان يرزح تحتها ومنحبساً في سردابها، وأول قيد حطمه ـ الجمود والتقليد ـ فشنع على كل من عطل عقله وأسلم قياده لهما قال تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلّ﴾ الأعراف ـ ١٧٩.
وهل أنزل القرآن وفُصلت الآيات وضُربت الأمثال إلا ليتفكر الناس ويستعملوا عقولهم، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ النحل ـ ٤٤.
وقال: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ البقرة ـ ٢١٩.
وقال: ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ الحشر ـ ٢١.
وقد حث القرآن على التفكير وذم الجمود وتعطيل العقل ووصفه بالعمى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ﴾ الأنعام ـ ٥٠.
وشنع على التقليد الذي يمنع الإنسان من قبول الحق ويعطل فهمه وفكره وقد كان ذلك من أعظم أسباب ضلال الكفار وعنادهم ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ الزخرف ـ ٢٣.
المسألة الثانية:
стр. 3434
من لوازم فتح الباب للفكر والنظر والاجتهاد أن يقع الاختلاف بين ذوي العقول وأصحاب التفكير وأهل الاجتهاد لأن من سنن الله في خلقه أنه لم يسوِّ بين الأفهام والمدارك والعقول حتى تتفق على عقل واحد أو فهم واحد، بل تختلف الأفهام وتتنوع الآراء تبعاً لاختلاف درجات العقول والمدارك قوة وضعفاً وانغلاقاً وانفتاحاً قال تعالى: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ يوسف ـ ٧٦.
ولذلك نجد الشرع لم يشنع على الاختلاف الذي هو من هذا الباب بل أتاح المجال كما سبق بيانه، إلا أنه أدرك الأمة رحمة بها فبين لهم ماذا يصنعون إذا اختلفوا وأي سبيل يسلكون حتى لا ينحرفوا ويخرج بهم الاختلاف عن الجادة..
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأََمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ .
ففي هذه الآية إشارة إلى أن التنازع بين المؤمنين المتصفين بالطاعة لله وللرسول ولأولي الأمر لا مفر من وقوعه ولا ضرر إذا اتفق المتنازعون على الحَكَم الذي يحتكمون إليه ولا يخرجون عن سلطانه..
ومثل الآية في مدلولها قوله ﷺ : "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر" [١] .
إذ ليس معنى وجود مجتهدين ووجود مصيب ومخطئ إلا إقرار وقوع الاختلاف في فهم مسائل الشرع.
стр. 3435
هذا مع أن المتتبع لما ورد عنه ﷺ من الآثار الصحيحة يجد أن ذلك وقع بين يديه ﷺ وأقره فالصحابة اختلفوا في فهم أوامره وأقواله أفهاماً متغايرة فلم يعنف عليهم ولم يوبخهم بل كان يسكت أحياناً ويعينهم على فهم المراد أحياناً وأوضح دليل على ذلك حديث الصلاة في بني قريظة [٢] وحديث عدي بن حاتم فقد فَهِم من قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأََبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ ظاهر اللفظ فاتخذ خيطين في وسادته أبيض وأسود فلم يزد ﷺ على أن قال له: "إن وسادتك إذاً لعريض إنما هو سواد الليل وبياض النهار" [٣] .
وإنما ورد عنه ﷺ التعنيف على من تعرض للاجتهاد بغير علم وأفتى بغير بصيرة ولم يتثبت كما قال ﷺ في الذين أفتوا المشجوج في رأسه بوجوب الغسل فمات فقال ﷺ لما بلغه ذلك: "قتلوه قتلهم الله هلا سألوا إذا لم يعلموا إنما شفاء العيّ السؤال" [٤] .
следующие страницы →