← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.

стр. 3361

ومن خصائص القضاء في الإسلام أن يدعو إلى التسامي عن مواقف العناد أو المقاصة ويسمو بنفس صاحب الحق إلى التسامح والعفو من ذلك: ١- قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ. وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلا بِاللَّهِ﴾ . فهنا يعطي المدعي حق المعاقبة بالمثل. ولكنه يندبه للصبر ويفضل الصبر للصابرين. ٢- وقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ .ثم قال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ . ٣- وقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ . فقد تقرر أن الجزاء بالمقاصة مثلا بمثل ولكن ندب إلى العفو والصبر والإصلاح. ٤- وفي قصاص الجروح: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ.. إلى: وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ ثم يقول تعالى: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ . ٥- وأعظم من هذا كله في قصاص النفس: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ . مساوئ القانون الواقع أنه لا يتأتى تعداد مساوئ القانون الوضعي ولا تتبعها في كل مسألة كما لم يتأت تعداد محاسن الشريعة في كل مسألة أوحكم ,وكما أشرنا إلى محاسن الشريعة على سبيل الإجمال فنشير هنا أيضا إلى مساوئ القانون على سبيل الإجمال. ويتلخص هذا في الآتي: ١- نشأة القانون. ٢- وجوده في البلاد الإسلامية.

стр. 3362

٣- عوامل تدعيمه والإبقاء عليه. ٤- الطعن على الشريعة والرد عليها. ٥- مقارنته بين الشريعة والقانون في مسائل الطعن كالقطع والرجم. نشأة القانون: إن المعتبر الآن من القانون الوضعي يرجع في الأصل إلى القانون الفرنسي مع ما أضيف إليه في كل بلد بحسب حاجاتها ومفاهيمها. والقانون الفرنسي يتكون في أصله من عدة أصول جاءت محكية في كتاب المقارنة بين القانون الفرنسي والمذهب المالكي للأستاذ سيد عبد الله حسن ١٣٦٦- ١٩٣٧. قال: أولا: القانون الروماني وكان في جنوب فرنسا إلى سنة ١٧٨٥م. ثانيا: القانون الجرماني وكان في شمال فرنسا. ثالثا: قانون الكنيسة الكاثوليكية وكان حول الزواج وما يتبعه. رابعا: قانون الملكية المطلقة بأوامر لويس ١٤- ١٥ - ١٦. خامسا: قانون الثروة. ثم وحدت في قانون واحد سنة ١٨٠٤ وهو الذي كان موجودا بمصر سنة ١٩٢٦م. أما القانون الروماني فقد دخل إلى فرنسا سنة ٥٠ قبل الميلاد حين غزاها الرومان إلى سنة ٤٧٦ بعد الميلاد. أما القانون الروماني فدخلها سنة ٤٧٦ إلى سنة ٩٨٦. ثم جاء قانون العوائد وبالتالي مزجت تلك القوانين كلها بعد الثورة الفرنسية وجُعلت قانونا واحدا. ولد في أوروبا ونشأ فيها ثم انتقل إلى غيرها. تواجد القانون في البلاد الإسلامية أما تواجده في البلاد الإسلامية فإنه ليست لدينا المراجع الكافية للتفصيل في ذلك ولكن على سبيل المثال والإيجاز نذكر عن وجوده في مصر وسوريا والعراق والبلاد العربية. ولم نذكر السعودية لأنه ولله الحمد لم يدخلها قط وكانت دائما تحكم من أبنائها سواء في نجد أو الحجاز وبتحكيم الشريعة.

стр. 3363

أ- أما وجوده في مصر: فكان بدء ذلك سنة ١٨٥٦ وقبلها كان الحكم للإسلام. ولكن بدأ في هذا التاريخ منذ أنشأت مجالس قضائية محلية. بجوار المحاكم الشرعية المحلية أيضا. ثم تشعب القضاء ووجدت الامتيازات والحماية. وفي سنة ١٨٧٦ ظهرت المحاكم المختلطة على يد نوبار باشا في عهد إسماعيل باشا وكان قانونها مكونا من القانون الفرنسي والإيطالي والبلجيكي وواضعه ((مسيو مونري)) المحامي الفرنسي الذي كان موجودا بمصر آنذاك. فكان في البلاد والمحاكم المختلطة لجميع الأجانب بزعم التخلص من المحاكم المختلطة فكانت على نظامها وأوضاعها. وأنشأت سنة ١٨٧٣ في ١٤ يونيو بأمر عال من الخديوي توفيق باشا فألغيت مجالس الأحكام. وبقيت المحاكم الشرعية للأحوال الشخصية فقط. والمحاكم الأهلية للأحوال المدنية. وهكذا قضي على القضاء الإسلامي بالقضاء القانوني في خطوات سريعة لم تستغرق أكثر من خمس وعشرين سنة. أما سوريا فإنه دخلها دفعة حيث نقل إليها القانون المصري الفرنسي فقط سنة ١٩٤٩ ميلادي. عوامل تدعيم القانون وبقائه: ولما لم يكن لهذا القانون ما يسانده في هذه البلاد وكان مفروضا فرضا ولم يستند على شيء إلا لوجود المستعمر رسم الخطة لتدعيمه ومساندته فأنشأ كلية الحقوق لدراسة القانون وهيأ المراتب والوظائف في الدول لخريجيها ليتولوا زمام الحكم. وأعلى من شأنهم في الوظائف والمرتبات مما صرف النظر إليها ورغب فيها، بينما قلل من فرص العمل أمام رجال الفقه والشريعة وقلل من مرتباهم. حتى لا يتجه إلى تعليم الشريعة إلا ذو العقائد القوية والدين السليم رغبة في الدين ومرضاة لله. الطعن على الشريعة: ومن ناحية أخرى سلط الطعن على الشريعة من حيث عدم صلاحيتها للقضاء ومن ثم عدم صلاحيتها للحكم. وقال الأستاذ سيد عبد الله أن نقاط الطعن هي: ١- اختفاء العدالة ووجود الفوضى وتفشي الرشوة وعدم تنفيذ الأحكام غالبا.

стр. 3364

٢- تشعب القضاء الإسلامي لوجود الحكم بالمذاهب المختلفة: المالكي ثم الشافعي وأخيرا الحنفي..الخ ٣- قسوة الأحكام الشرعية كالقطع والرجم ويقول الأستاذ الشهيد عبد القادر عودة إن الذين يوجهون مثل هذا الطعن على الشريعة قسمان: قسم درس القانون ولم يدرس الشريعة. قسم لم يدرس الشريعة ولا القانون. ومثل هؤلاء لا يحق لهم أن يحكموا بشيء على الشريعة لعدم دراستهم إياها. ثم يقول إن طعنهم مبني على قياسهم الشريعة على القانون من حيث مبدأ التطور والتجديد في القانون كلما تطورت الحياة المدنية والحضارة فيرون أن الشريعة بناء على ذلك يجب أن تتطور لأنها منذ عهد بعيد وفي أوضاع مدنية مختلفة. وقد يكتفي الإنسان برد ادعائهم بأنهم يجهلون الشريعة وكفى ولكن نورد ما يفند مزاعمهم لئلا يغتر بها من كان مثلهم. أما ادعاؤهم وجود الفوضى والرشوة وغير ذلك من الفساد فليس ذلك راجعا إلى عدم صلاحية الشريعة للحكم. ولكن مرجعه إلى تعطيل الشريعة وفساد الحكام وفرق بين فساد الحكام ونظام الحكم كالفرق تماما بين ضعف المدرس وضعف المنهج. بل إن قوة المدرس تعطي المنهج قوة وحيوية وكذلك قوة الحاكم وكان الإصلاح السليم هو إصلاح المجتمع وإعداد الحكام والقضاة إعدادا سليما كما فعل المستعمر لقانونه ففتح كليات لتربي حماة لنظامه فهل فتحت معاهد خاصة للقضاة الإسلاميين في جميع المجالات شخصية ومدنية وجنائية. ب - وأما تشعب القضاء الإسلامي بتعدد المذاهب فإن ذلك أوسع فرصة لوجود نصوص فقهية قضائية وكان الإصلاح هو تقوية القضاة أي مرتبطا بالأول ليكونوا على حالة تمكنهم من إيجاد حل لكل قضية مهما كانت ومن أي مذهب كان. وإن أحد هذه المذاهب التي لا تخرج في مجموعها عن الكتاب والسنة واجتهاد سلف الأمة لهو أولى وأحرى ألف مرة من أخذ قانون أوروبي وضعه محام فرنسي أو افترضه مستعمر ظالم.

стр. 3365

ج - أما قسوة التشريع الإسلامي: فهذه هي محط الرحل وهي التي جعلت ناشئة القانون يتمسكون به ويفرون من تشريع بلادهم ودين آبائهم وأجدادهم. بل وحق الله تعالى عليهم. وفاتهم المساكين أن تشريع الله لخلقه أرحم وأرأف وألطف من تشريع المستعمر لهم. ولقد كان مشركوا مكة أعقل منهم وإن كانت في دعوى عصبية إذ قال صفوان: لأن يريني رجل من قريش يعني رسول الله ﷺ خير من أن يريني رجل من هوازن. وأيضا فاتهم أنه الحليم قد يقسوا رحمة بمن يرحمهم كقول الشاعر: قسى ليزدجروا ومن يك حازما فليقس أحيانا على من يرحم وإنا لنورد مقارنة بين الشريعة والقانون فيما اعتبروه قسوة المقارنة: أولا - في قطع يد السارق: يرى دعاة القانون أن قطع يد السارق وحشية وغلظة ولا يساير الحضارة والمدنية الحديثة لأن المجرم مريض في المجتمع ويجب أن نعالجه. والجواب على ذلك من وجوه: أولا: ومن قريب ما أجاب به جلالة الملك فيصل حفظه الله في مؤتمر صحفي بأمريكا لما سئل هل لا زلتم تقطعون يد السارق في بلادكم ولِمَ؟ فقال: نعم لا زلنا نقطع يد السارق. ولأن الله هو الذي أمر بذلك. أي أنه حكم الله الذي خلقه وهو أعلم بما يصلحه وهو أرحم به. ثانيا: بما وقع على جواب من سلفهم حينما قال أبو العتاهية: يد بخمس مئين عسجد وديت ما بالها قطعت في ربع دينار فأجاب بعض المؤمنين مبينا الحكمة في ذلك بقوله: عز الأمانة أغلاها وأرخصها ذل الخيانة فافهم حكمة الباري

стр. 3366

ثالثا: نقول لهم أليس الشرع أو القانون لحماية الجميع فلم تعملون على حماية السارق المجرم ولا تعملون على حماية المسروق منه الوادع الآمن. ولم تتوجعون لآلام السارق وهو المعتدي الذي يفوت على العاملين نتائج أعمالهم. ولا تتوجعون على العامل الكادح طيلة عمره وقد يكون ذا عيال وأسرة ضيق على نفسه في النفقة وأرهق نفسه في شبابه ليدخر لكبره وعوزه وأطفاله فيأتي السارق في خفاء بيد أثيمة ويذهب بكل ما جمعه المسكين ويدعه عالة على المجتمع. فقيرا بعد غنى ذليلا بعد عز. ثم يذهب يبددها دون مبالاة ولا يعلم من أين اكتسبت حيث لم يعرق له فيها جبين. فأي الفريقين أحق بالأمن. والآن: هل نفعت شفقتكم عليهم وهل أصلحت من مرضهم أم أنها جنت على المجتمع الآمن. إن حوادث السرقة في أرقى البلاد مدنية اليوم وقد وصلت إلى ما لم تصل إليه من قبل. اعتراف بفضل الشريعة: وهاهي بعض البلاد وتضع في قوانينها الحكم بالإعدام لجرائم السرقة إذا وقعت ما بين غروب الشمس وطلوعها وكان موجودا مع السارق سلاح ولو لم يستعمل. أو بالحبس مؤبدا وبعضها يعاقب بالإعدام مطلقا إذا استعمل الهجوم المسلح ولو لم يقتل فيه أحد. وما ألجأهم لذلك إلا عدم صلاحية اللين والتسامح مع المجرمين ولو نفذوا من قبل قطع اليد لما احتاجوا إلى قتل النفس. والواقع أن نفسية السارق تعالج بالرفق أو التسامح لأنها ليست ذات وفق ولا يسامح. فلا يصلح معها إلا ما يردعها. ثم أي فائدة للدولة في حبس إنسان تتولى الإنفاق عليه طيلة عمره مع ضياع أهله وأولاده إن كان له أهل وأولاد. وهل في قتله أو حبسه على التأبيد علاج لمرضه أو القضاء عليه حسا أو معنى. فأي القضائين أرحم له وآمن للوطن.

стр. 3367

أما رجم الزاني أو جلده: فلو كان لدعاة القانون عقل واعٍ لما ذكروه في هذا السياق ولجعلوه ولو مكابرة موجبا للطعن بالضعف لا بالقسوة لأنه أحيط في الشريعة بشروط في الإثبات لا تكاد توجد إلا بندرة. وما يثبت في تاريخ الإسلام حد الرجم إلا بالاعتراف. وفي غاية من القلة والندرة يمكن عده على الأصابع والاعتراف محض إرادة واختيار ورغبة في التطهر من آثام الإثم فهي نزعة دينية كريمة آثر الآخرة على الدنيا. ولو امتنع من الحضور إلى القاضي لما طلبه ولو رجع عن إقراره لما حده. بل يدرأ عنه الحد بالشبهة. ومع هذا فالمقارنة بين العالمين الإسلامي الذي يحكم كتاب الله وسنة رسوله ﷺ لأنه دين وبين المجتمع القانوني وخاصة أرعى بلاد العالم المتحضر في نظر المتمدنين بل واضعوا القانون نجد الفرق المذهل. أولا: في أمريكا أصبح معدل الجريمة كالآتي: أ- جريمة قتل كل دقيقة. ب- جريمة سرقة مسلحة كل دقيقة. ج- جريمة اغتصاب كل عشرين دقيقة. د- جريمة دون اغتصاب لم يجر إحصاؤها. ثانيا- في ألمانيا: سجل الإحصاء جرائم القتل عام ١٩٦٩م فوق ألفي جريمة. في عام ١٩٧١م وصلت إلى ثلاثة آلاف وزيادة مطردة. ثالثا- في بريطانيا: سنة ١٩٧٠م سجلت الإحصائيات ٤١٠٨٨ قتل وجرائم السطو بلغت في عامين نصف مليون. رابعا- في فرنسا: زادت نسبة الجريمة إلى ٣٢هـ عن مجلة الجامعة الإسلامية رجب ٩٢هـ. هذا هو وضع أوروبا وأمريكا أما روسيا فلا حاجة إلى ذكرها لأنها تعيش في سجن كبير وحياتها كلها جريمة.

стр. 3368

أما البلاد العربية التي تحكم بالقانون فلم نقف لها على إحصاء ولكنها لم تكن بالوضع الذي تحمد عليه. بينما هذه البلاد التي أكرمها الله بالحياة في ظل الشريعة الإسلامية لم تتجاوز فيها هذه الجرائم عدد الأصابع في العام وأكبر دليل لهو الواقع المشاهد لكل قاص وداني من مسلم وكافر والفضل ما شهدت به الأعداء، وبالأمس القريب في جولة رئيس وزراء أمريكا كان يطوف بجولة في سيارته المصفحة إلا عند وصوله المملكة تخلى عن سيارته المصفحة وأخذ يجوب بالأسواق والشوارع في ظل هذا الأمن الوارف الذي لم يجده في حياته كلها ولا حتى في بلده ومحل سلطانه وأمثلة ذلك عديدة والتاريخ الإسلامي أكبر شاهد للعالم كله على ما نَعِمَ به المسلمون وغيرهم في ظل الإسلام وفي قصة الهرمزان مع عمر ليست خافية وكلمته المشهورة حكمة: فعدلت فأمنت فنمتت. ولعل هذا يكون فيه شيء من الأخبار والإحصاء. ولكن لنأخذ نصوص القانون: تعتبر القوانين الوضعية كلها أن الزنا حق شخصي ولا علاقة له بالمجتمع فيمتنع نهائيا إثارة دعوى الزنا إلا من أحد الزوجين أو أقرب المرأة غير المتزوجة إلى الدرجة الثالثة. وينص القانون العراقي أن الزوج إذا أسقط حق المطالبة عن زوجته سقط حق المطالبة أيضا عن الزاني وبعض القوانين لا يعطي حق إثارة دعوى الزنا إلا إذا كان ذلك على فراش الزوجية أو كان بالإكراه. أما إذا كان بعيدا عن فراشه خارج بيته وكان برضاها يسقط حقه في ذلك. ومن هنا نعلم إلى أي مدى تفسد الأنساب وتتفكك العائلة فتتقطع أواصر الروابط. فتتخلخل قواعد المجتمع كله. قضية عين: ومن المؤسف والموجع في تاريخ القضاء القانوني قضية عين وقعت في بلد مسلم مجاور من القضايا الزوجية تتلخص في الآتي: تزوج امرأة ولم يدخل بها ومكث عدة سنوات فطالبته الزوجة بالنفقة ونصف المهر. وصدر القرار بالحكم تحت رقم ٣٣٢ بتاريخ ٢٤/٦/٧٢م على الزوج يقدم المهر ونفقة شهرين.

стр. 3369

فطعن الزوج في هذا الحكم، وقدم المحامي وكيله هذا الطعن إلى المحكمة وبناه على عدة أسباب والمؤسف والموجع حقا هو مبنى الطعن إذ أنه قال: إن عقد زواجه باطل. ولم يقع دخول. وعليه فالاستمرار في زواجه هذا باطل مخالف للنظام العام. وعلل بطلان زواجه بأنه قد زنا بوالدة الزوجة. وأن الحرمة تثبت بمجرد النظر إلى العضو المختص للمرأة بشهوة. وقد حكمت الأكثرية برفض الطعن ولم تسمح له بإيراد الشهود عليه.وقد نشر ذلك في مجلة المحامات لذلك البلد ومع نشرها لذلك فإنها تتوجع لذلك الأمر. وتقول: يتضح أن الزوج هو الذي طلب إبطال العقد بادعائه وطء أم الزوجة بطريق التزاني. فلئن كان كاذبا فإنه من أوجع الحالات التي مرت على القضاء والتي لا يتورع فيها الزوج عن أية فرية دفعا لإلزامه بالمهر والنفقة. ولئن كان صادقا فالسؤال: أيقبل قوله وقد شهد على نفسه بالفسق؟ وفي الحالة نرى أي ترى المجلة أن قرار القاضي ومحكمة النقض كان حكيما وأكثر صونا للأعراض والكرامات وانطباقا على القواعد الشرعية الكلية. فكان تعليقنا ١- إذا كانت المجلة تتوجع لدعوى الزوج على أم زوجته ليطعن في الحكم فهلا توجعت لجرأة زميلها المحامي في رفع هذا الاعتراض إلى هيئة القضاء. وكان عليه ألا يرضى لنفسه رسولا لهذا الزوج ليكسب القضية بأي وسيلة ولو على شرف المهنة وكرامة شخصه. ٢- وإذا كان حكم محكمة النقض بالأكثرية. فماذا كان رأي الأقلية إذن؟ وهل يؤثر على حكم القاضي الأول عدم الموافقة من الأقلية علما بأن المحكوم به هو نصف الصداق وهذا حق مستقر بمجرد العقد الثابت وبموجب قانون تلك البلد بالمادة رقم ١٤٨ من قانون الأحوال الشخصية التي نصها:

стр. 3370

إذا أقر أحد لامرأة أنها زوجته وليس تحته محرم لها ولا أربع سواها وصدقته وكانت خالية عن زوج وعدة ثبت زوجيتها له بإقراره وتلزم نفقتها ويتوارثان وزواجها ثابت قبل الدعوى باثنتي عشرة سنة. ولم ينكر زواجه منها. وفي المادة (٨٥) النص على أن الفرقة إذا كانت من جهة الزوج فإنها تنصف المهر قبل الدخول سواء كانت طلاقا أو فسخا أو فعله ما يوجب حرمة المصاهرة بأصولها وفروعها. اهـ. وهذا عين ما في هذه القضية. فهذه مواد قانون تلك البلد يلزم الزوج بنصف المهر فماذا كان يريد المحامي أولا من تقديم هذا الطعن ويتجاهل كل ذلك. وماذا كان يريد الأقلية من قضاة محكمة النقض. ومرة أخرى مع الأكثرية في محكمة النقض والقاضي الأول في إصدار الحكم ما هو موقف الجميع من الزوج في إقراره بما ادعاه على والدة زوجته من تعزير إن لم يكن حدا. ومع المجلة حين تقول إنها تتوجع إذا كان كاذبا في ادعائه وترد شهادته فقط إن كان صادقا. أليس افتراض صدقه أشد إيجاعا. ولكن تقول حكم القاضي وهيئة النقض كان حكيما وأكثر صونا للأعراض والكرامات وانطباقا مع القواعد الشرعية الكلية. فأي التشريعين أحكم وأكثر صونا للأعراض: التشريع الإسلامي أم هذا الذي يسمح له بهذا الادعاء أمام هيئة القضاء. وأي انطباق في هذا الحكم مع قواعد الشرع الكلية وقواعد الشريعة تدينه بأحد أمرين إما القذف إن كان كاذبا وإما الزنا إن كان صادقا وفي كل منهما حد معلوم. فأي التشريعين أحق بصون الأعراض وحفظ الكرامة وأصون للنسب وأشرف للقضاء وأسلم للمجتمع. وليست مساوئ القانون قاصرة على ذلك بل أنها لأبعد من هذا كالآتي: أولا: أن أشد مساوئ القانون أن يكون بديلا عن شرع الله تعالى المنزل. ثانيا: أن الأديان السماوية متفقة كلها على حفظ الجواهر الست المسماة بالضروريات كما قيل في لامية الجزائري قديما. قد اجتمع الأنبيا والرسل قاطبة

стр. 3371

على الديانة في التوحيد بالملل وحفظ نفس ومال معهما نسب وحفظ عقل وعرض غير مبتذل وقد شاهدنا موقف التشريع الإسلامي من هذا كله بالتحريم وإقامة الحدود لصيانتها. موقف القانون منها: أما موقف القانون منها فكالآتي: ١- أما الأديان فإنه يبيح حرية الأديان وهذا وإن استحسنته البعض إلا أنه مما يؤدي إلى الاستخفاف بالأديان وأي قيمة لها بعد ذلك. ثم هو يؤدي إلى الفوضى لا بالعبادات فحسب بل وفي الحقوق لأن لكل دين حقوق. وارتباطات فيكون اليوم مسلما ويرتبط مع المسلمين بمصاهرة ونسب وعقود وغدا مسيحيا فيرتبط بالمسيحيين كما ارتبط بالمسلمين ثم بعد غد يهوديا وهكذا فيضيع حق المسلمين ثم حق النصارى وهكذا. فهذا أصل قد ضاع بسبب القانون أو ضاع في حماية القانون. ٢- أما الدماء فالقوانين لا تعرف دية ولكن تجعل تعويضا للورثة بحسب ما فاتهم بموت مورثهم فإن كان جامعيا مثلا كطبيب أو مهندس حكمت له وعلى سبيل الواقع فعلا بخمس وثلاثين ألف ليرة. وإن كان دون ذلك كطالب في كلية الصيدلة حكمت لورثته بخمسة عشر ألفا. وإن كان عاملا عاديا حكمت له بخمسة آلاف ليرة فتضع الإنسان موضع السلع ومساوم عليه. بينما الشريعة جعلت دية الغني والفقير والشريف والوضيع سواء ولم تفرق بل أنها تضاعف الدية في الأشهر الحرم وفي الحرم والمحارم. ٣- أما العقل فلم تتعرض لحمايته فالخمر مباحة ولا عقاب على المسكر إلا إذا سكر ووجد معربدا في المجتمعات العامة.

стр. 3372

٤- أما النسب والعرض فإنه لا يدخل في ارتكاب فاحشة الزنا ولا اللواط إلا في حالة الإكراه أو صغر السن أو عند شكوى من له الحق. أو كانت الجريمة مع ذات محرم منه (مادة ٣٨٥) قانون عقوبات، واللذين لهم الحق هما الزوجان في حالة وقوع الزنا على فراش الزوجين أو بالإكراه خارج البيت. أو لولي المرأة غير المتزوجة إن كان من الطبقة الثالثة ومن عداهما أو فيما عدا ذلك تنص القوانين أن لا حق لأحد في إثارة دعوى الزنا، إن كان بالتراضي بين الطرفين. وتنص أيضا على أن الزوج أو من له الحق إذا تنازل عن دعواه في حق الزوجة توقفت الدعوى وسقطت حق المطالبة في حق الزاني وإذا تزوج بها أوقف النظر في الدعوى وإذا كان قد صدر فيها حكم أوقف تنفيذه (مادة٣٩٨) . ٥- أما المال: فمن الواضح البين أنها إن لم تتسلط عليه بضريبة أو إلزام آخر فإنها لا تتعرض لنواح عديدة وتترك العقد للمتعاقدين وما تراضوا عليه وتقول القوانين: العقد شرعة المتعاقدين. وتقر وتحكم بالعقود الربوية صريحة إلا أنها تمنع الزيادة عن النسبة المحددة في نظامها كخمسة أو سبعة في المائة مثلا. في الوقت الذي تعتبر بعض القوانين الأخذ من التمر سرقة وتعاقب عليها كسرقة المنقول بمجرد عطفها أي ولو لم يأكلها بعد. وقد يحبس مؤبدا بينما الشريعة لا تعتبر ذلك سرقة ولا تعاقب عليها بعقوبة السرقة وقد يكون جائعا وفي حاجتها ما لم يتخذ خبنة أي يحمل معه.

стр. 3373

فأي النظامين أرحم وأصون لمصالح الأمة أفرادا وجماعات وختاما لقد أسفر الصبح لذي عينين وتوجهت دول القوانين إلى نور التشريع الإسلامي لتأخذ نظام النكاح والطلاق عنه وليس ببعيد أن تأخذ بغيره إذا عرفت حقيقته فهل بعد هذا يظل أبناء التشريع الإسلامي بعيدين عنه. اللهم أهدِ العباد لصالح البلاد وما يرضيك وخير ما يوجه للعالم الإسلامي كله في ذلك قوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ . وبالله التوفيق.. -------------------------------------------------------------------------------- [١] ج٩ ص١٠٥.

стр. 3374

وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين للشيخ حسن السيد متولي المدرس بكلية الدعوة وأصول الدين في الجامعة قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ . إن الأمة الإسلامية لا يتم لها الاستقرار في الأرض ولا تتمكن من القيام بالدعوة إلى الله إلا إذا كانت قوية تخافها أعداؤها وتخشى مواجهتها لأنها قادرة على الدفاع عن نفسها وقهر أعدائها. ولذا أمر الله هذه الأمة بالاستعداد الحربي دائما لتكون مرهوبة الجانب فقال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ . وفرض الله الجهاد على المؤمنين وهو مكروه لدى النفوس بطبيعتها لما تتعرض له من الموت في محاربة أعدائها. وقد عالج الله هذه الطبيعة البشرية ببيان عاقبة الجهاد وكل ما يشق على النفوس من التكاليف بقوله تعالى ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ . فالمؤمن يجب أن تتغير موازين الأمور في حياته حسب ما فيها من خير ونفع أو شر وضرر فيقبل على كل خير ويبتعد عن كل شر.

стр. 3375

لأنه إذا ترك الإنسان وشأنه بدون التوجيه الإلهي بنى أعماله في حياته على ما يحبه ويشتهيه يسعى لطلبه ويبذل في سبيله كل ما في وسعه، وأما ما يكرهه فيبتعد عنه ويتجنبه وليس عنده من القدرة والإدراك ما يعرف عاقبة أعماله من خير وشر ولا يستطيع الوصول إلى خيرية الأعمال وضررها فليس عنده إلا مجرد الميل والمحبة أو البغض والكراهة وقد يكون الخير فيما كره والشر فيما أحب. فالقتال في سبيل الله فريضة شاقة لأنه يكلف الإنسان بذل حياته وهو يكره كل عمل يؤدي إلى الموت. ومع هذا فالجهاد ركن من أركان الإسلام وأعظم الأسس التي ترتكز عليها الدعوة إلى الله وفيه كل الخير للبشرية وللحق والعدل والإصلاح. والإسلام لا ينكر مشقته ولا يهون من شأنها ولكنه يعالجها ببيان ما فيه من خير للأمة ويسلط نور الكشف عن حقائق المجهول المستور وراء ما تكرهه النفس ببيان حكمة فرضه على الأمة وما يترتب عليه من ثواب عند الله تُهَوّن مشقة وتحوّل النفوس إلى أن يكون الجهاد في سبيل الله مطلبها الأسمى في هذه الحياة.

стр. 3376

والله العليم بالغايات المطلع على الغيب هو وحده الذي يعلم الخير العميم والطريق الموصل إليه، هكذا يوجه الإسلام الفطرة مربيا لها على الطاعة والانقياد ومُفسحا لها في الرجاء وكاشفا عمّا أعده من الخير والثواب العظيم. لأن الجهاد في سبيل الله عزة وسعادة في الدنيا ورضوان من الله تعالى ونعيم مقيم تتمتع به في الجنة أرواح الشهداء ميزة وتكريما لهم قال تعالى ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ ولهذا يبذل المسلمون المجاهدون الذي هو أدنى بالذي هو خير وفاء منهم بعهد الله حيث قال ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ . وحينما تشعر النفس المؤمنة بالفضل الإلهي تتقبل التكاليف مع ما فيها من مشقة قائلة سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير. عندئذ يذهب منها كل خوف وتندفع بإيمانها إلى تنفيذ ما كلفت به وهي تعلم أن الخير كامن وراء ما تكره وأن اليسر يخلف العسر وقد تكون الحسرة عاقبة للمتعة والمكروه مختبئا وراء المحبوب، هذا طريق الله واضح في كتابه الكريم وسنة رسوله ﷺ فهما دستور الحياة الصحيحة لمريدها والله يعلم النفوس وما تنطوي عليه فيعالجها بالحق والصدق. لا بالإيحاء الكاذب والتمويه الخادع كما يفعله أرباب القيادات التي لا تستند في عملها إلى منهج الله في الحياة.

стр. 3377

والحق أن الله يعلم والناس لا يعلمون وماذا يعلم الناس من العواقب وهو قد يخطئون في إدراك ما يبصرون. وماذا يعلم الناس من الحقائق والهوى والجهل والقصور من لوازم ذاتهم لأنهم مخلوقون بِقُدَرٍ محدودة. فإن لم يكن نور الوحي يضيء لهم طريق الحلية فلا علم ولا معرفة وكم ضل أقوام على مدى العصور لأنهم لم يستهدوا إلى الوحي ورسالات الله فظلوا تائهين غير مهتدين. وإذا فلا استقرار ولا اطمئنان لحياة الأفراد والأمم إلا بالإيمان بأن الخير فيما رسمه الله لحياة الناس والسعادة في طاعته واستجابة دعوته. قال تعالى ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ . والجهاد في سبيل الله بذل وتضحية والموت والحياة بيد الله فلا الخوف يطيل الأجل ولا الجهاد يقطع العمر المقدر كائن ولا يغني حذر عن قدر فالحذر لا يجدي والفزع والهلع لا يزيدان الحياة ولا يردان القضاء والله واهب الحياة وسالبها وهو صاحب الفضل حين يهب وحين يسترد هبته ومصلحة الناس متحققة في هذا وذاك وفضل الله في الأخذ والعطاء سواء. قال تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ. وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ . لقد منّ الله على هذه الأمة بالقرآن الكريم ليكون رائدا لها يقود أجيالها إلى الخير جيلا بعد جيل حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

стр. 3378

منّ عليها بالقرآن يربيها ويعدها لقيادة الأمم كلما اهتدت بهديه واستمسكت بعهده واعتصمت بحبله واستمدت دستور حياتها منه واستعلت به على جميع المناهج والنظم التي لا تستند إليه. ذلك لأن القرآن ليس كلاما يتلى فحسب وإنما هو دستور عام للتربية والحياة العملية عرض الله فيه تجارب بشرية لتكون أمام المسلمين يأخذون منها العبرة وتنير لهم الطريق مع ما اكتسبوه من تجارب حياتهم فهو زاد الأمة في جميع أطوار حياتها لتقوم بالدعوة إلى الله وتستند في سلوكها إلى هذا الرصيد العظيم من تجارب الحياة للدعوة إلى الله من آدم إلى سيد المرسلين ﷺ . لقد أحب المسلمون أن ينالوا تجارة قريش وهي عائدة من الشام بقيادة أبي سفيان ولكن الله يعلم أن الخير لهم في قتال المشركين لا في حيازة أموالهم. يقول الله تعالى ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ . فوّت عليهم العير فأصبحوا لا مناص لهم من مواجهة الكفار ونشب القتال بينهم في غزوة بدر وانتصروا انتصارا عظيما تأسست به الدولة الإسلامية لأنهم أقبلوا على الجهاد مخلصين يريدون إعلاء كلمة الله ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ . قال تعالى ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً﴾ . فالمؤمنون في معركتهم مع الكفار يستندون إلى الله لأنهم يقاتلون في سبيله فليست معركتهم لأمر آخر سوى الله ، إنهم يقاتلون لإقرار شريعة الله في الأرض ورفع راية الحق ونشر رحمة الله على العباد.

стр. 3379

أما الذين كفروا فيقاتلون للشيطان وحزبه وهو وليهم والله ولي المؤمنين. فالقوة في جانب المؤمنين والضعف والخذلان للكافرين ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ . وقد كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز والمجاهدون في سبيل الله حزب الله وأولئك حزب الله هو المفلحون. قال تعالى ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ . وشتان بين حياة وحياة وبين هدف وهدف مع اتحاد النتيجة بالنسبة لقياس العمر فالذين يعيشون للدنيا وحدها ويريدون ما فيها من متاع دون غيره حياتهم كحياة الدواب والأنعام ثم يموتون في موعدهم المكتوب. والذين يريدون الآخرة إنما يحيون حياة الإنسان الذي كرمه الله وشرفه بخلافته في الأرض ثم إذا جاء أجلهم يموتون ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَاباً مُؤَجَّلاً﴾ . والآن وبعد أن نام المسلمون هذا النوم العميق الذي أفقدهم كل قواهم لأنهم ركنوا إلى الراحة وأعداؤهم يعملون دائبين على الأخذ بعوامل القوة والحياة وقطعوا شوطا بعيدا في التقدم المادي ووصلوا إلى بعض ما أودعه الله في المادة من خصائص كانت أساسا لاختراعاتهم خصوصا في أدوات الحرب ومعداته حتى سيطروا على العالم يعيثون في الأرض فسادا.

стр. 3380

وتمكنوا من فتنة المسلمين عن دينهم حتى تركوا الأخذ بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ وقلدوا الكفار في كل ما يحطم حياتهم كأمة تعيش وسط هذا العالم لها كيانها. وظن المسلمون أن التقرب إلى هذه الأمم الكبيرة القوية يهيئ لهم الحياة الصحيحة فأخذوا بتعاليم الكفار في معاملاتهم واتخذوا أنظمتهم ودساتيرهم قوانين يحتكمون إليها في شئون حياتهم ونسوا الله فنسيهم وقضى الأعداء على البقية من وجودهم كأمة إلا ما شاء الله ولم ينظروا إلى نواحي القوة في هذه الدول ليأخذوا بها. ثم هالهم ما هم فيه حين وجدوا أنفسهم وسط عالم يتنازعهم يظهر بعضه الود لهم ويعلن البعض الآخر الحرب عليهم ولم يجدوا أثر الصداقة واكتووا بنار من جهروا بعدائهم وتكشف لهم أن أمم الكفر أمة واحدة هدفها واحد بالنسبة للمسلمين ومع هذا لم يحاولوا معالجة ما انكشف لهم من أعدائهم وممن ادعوا صداقتهم ولا زالوا يخدعون أنفسهم بالشكوى إلى مجلس الأمن وهيئة الأمم المتحدة ومع تكرر الشكوى سنوات ولا أثر لها فيما يريدون لم يكف هذا دليلا على أن علاج الأمر غير ما سلكوه. وهل ينصفك عدوك إلا إذا رضي عنك والله يقول ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ . وقد تضاعف البلاء على المسلمين بتفرق كلمتهم وإغارة بعضهم على بعض وانطبق علينا ما وصف الله به اليهود حين قال: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ ونحن نخرب بيوتنا بأيدينا وأيدي الكفار ومنا من يواد الكفار ويعادي المسلمين ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ .

стр. 3381

هذا حالنا الآن تحزبت علينا أمم الكفر وعاش بيننا ملحدون ومنافقون ومن يوادون الأعداء وعصفت بنا الفرقة مع تحذير الله لنا بقوله ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ ومع كثرة الأمم الإسلامية وبها مئات الملايين من الرجال لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم. في مشارق الأرض يُبادُ المسلمون لأنهم قلة وسط كثرة من الكفار كما في الفلبين وفي الباكستان تعصف بهم ريح الكفر فتفرق كلمتهم وتريق دماءهم وفي الدول العربية تتحداهم شرذمة من اليهود يسندها أمم الكفر يغتصبون أرضهم ويطردونهم من ديارهم ويسفكون دماءهم. فليواجه المسلمون الحقائق في موقفهم ويسلكوا الطريق الذي رسمه الله لهم فهو العلاج لما نحن فيه الآن. وذلك بالرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله وتوحيد كلمتنا ولن نتحد إلا على ما اتحد عليه أسلافنا وأمرنا الله به في قوله ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ وليكن إمامنا كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . فالله لا يقبل من المسلمين أن يستمروا على ما هم عليه جاعلين لحياتهم طرقا متعددة المسالك فطريق لعبادتهم مستمد من شريعتهم وطريق في سلوكهم مزيج من خلق إسلامي وآخر غربي أو شرقي وطريق للمعاملات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية مستمد من النظم الشرقية الشيوعية أو النظم الغربية الرأسمالية. لا يقبل الله منا هذا أبدا , لا يقبل الإيمان ببعض الكتاب والكفر ببعضه وقد قال ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِه﴾ . علينا الآن أن نختار إما طريق الله وهو واحد مستمد من كتاب الله وسنة رسوله وضعه الله دستورا لأمة الإسلامية في عبادتها وشعائر دينها وآدابها واقتصادها وأخلاقها وسياستها وهو الطريق الذي سلكه أسلافنا فسيطروا على الحياة في الأرض وامتد سلطانهم من الصين شرقا إلى الأندلس غربا.

стр. 3382

وإما أن نختار ما نحن عليه الآن وقد نالنا منه الضعف والذل والهوان يتركنا الله لأعدائنا ولن تقوم لنا قائمة. ولا شك أن الطريق الأول يتعين الأخذ به بسرعة فنحتكم فيما بيننا إليه كما أمرنا الله حيث قال ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ . وننفذ أمر الله في قوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ . إن أعداءنا يُرْهِبوننا بإمداد اليهود بأحدث المعدات حتى نظل على موقفنا لا نتحرك وأمامنا كتابنا يوضح لنا الطريق، طريق الذين يخافون أعداءهم وطريق المجاهدين الصابرين المتوكلين على ربهم. فأما الذين يخشون قوة أعدائهم فهم الخاسرون الضائعون المشردون واقرأ قوله تعالى عن موسى وقومه: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ. قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ. قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَداً مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ . فكان جزاء هذا الخوف أن حكم الله عليهم بقوله ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ﴾ .

стр. 3383

وأما الذين يخافوا من أعدائهم بل جاهدوا مع قلتهم معتمدين على ربهم فقد أيدهم الله ونصرهم، اقرأ قول الله تعالى في قصة طالوت وجنوده مع الملك الجبار جالوت الذي أذل بني إسرائيل وقتل رجالهم وسبى نساءهم. توجه طالوت بجنده لمحاربة جالوت ولما جاوزوا النهر في طريقهم إلى جالوت قال جنده: لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين_ وارتد من جيشه ضعفاء القلوب وقاتلت القلة المؤمنين مستندة إلى الله طالبة منه أن يثبت أقدامهم وينصرهم فكانت معجزة النصر لهم يقول الله ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ. فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ﴾ فهذا الجبار قتله داود الذي لم يبلغ بعد مبلغ الرجال إرادة الله لنصرهم وإنما آمرُه إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون وأقرب الأمثلة لنا حالة المؤمنين في غزوة الخندق وعمل المسلمين ليلا ونهارا لمواجهة أعدائهم وقد خطط اليهود مع مشركي الجزيرة العربية تخطيطا لإبادة المسلمين وقال لهم إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فعلى المسلمين أن يخوضوا المعركة مع الكفار ولا يخشون قوتهم ويقولون مؤمنين بنصر الله لهم ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ . وقد صور الله حال المسلمين في غزوة الأحزاب بما هو أشد من حالتنا الآن مع الكفار فقال تعالى وهو يذكرهم بنعمة النصر:

стр. 3384

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً. إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا. هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً﴾ . هذا حال المؤمنين الذين وهبوا حياتهم للجهاد في سبيل الله وكانت نهاية أعداء الله كما قال الله ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً. وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَأُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً﴾ . والآن وقد تحزبت علينا أحزاب الكفر فلا طريق لنا إلا الاقتداء برسول الله ﷺ والصحابة ﵃. فأين المؤمنون؟ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ .

стр. 3385

السفور للشيخ محمد الحداد المتخرج من كلية الشريعة بالجامعة صبرت إلى أن ضاق صدري من الصبر ولا أحد يرثي لحالي ولا يدري أرى الفتنة الكبرى تعم بلادنا كأنا بباريسٍ على شاطئ النهر وباء من الغرب استباح ديارنا شبيه على الأفكار بالسم والسحر وقومي حيارى أو سكارى كما ترى فهل بعد هذا الليل يا قوم من فجر صبرنا ولكن كم يدوم اصطبرنا أصبر على شيء أحر من الجمر! فماذا ترى يبقى لنا من هدى وقد غدونا وأهل السبت في شركة الوزر! فكم ثم من راض بذلك معجب وآخر حب المال ألقاه في السكر! إذا كان ذا يا قوم في خير أمة إذن فَلَبطن الأرض خير من الظهر فكيف يلام المرء إذ ما تكشفت لديه فتاة كالغزال أو البدر فكم ذا يلاقي من عناء وشدة ونار الغضا ما بين أضلاعه تسري أيحجب عينيه بإلقاء برقع على وجهه بين العشاءين والعصر وهل غيرة يا قوم تشفي غليله لئلا يرى أهل المفاتن والعهر أرى الوقت معكوسا على أم رأسه فثوب الفتى ينجر في الدرب إذ يجري ولكن ربات الخدور تقدمت فتستورد الأثواب من بلد الكفر وعار عليها تلبس الثوب سابغا كذلك الفتى بالعكس يا قصمة الظهر فيا علماء الدين بالله ربكم فما عذركم يوم القيامة في الحشر ويا قومنا مالي أرى الدين ضائعا كشخص أسير كبلته يد الكفر فوالله إن الموت خير وراحة إذ البوم والغربان تعدو على الصقر نذير لكم يا أيها القوم فاسمعوا ولا تكن الآذان منه على وقر ألم تروا أن الله أقسم بالعصر

стр. 3386

ولكنه استثنى من الكل أربعا. عليكم بها عضوا عليها مدى العمر. فأولها الإيمان والعمل الذي. يلازمه واستتبع الحق بالصبر. لقد حدث القرآن عن أهل قرية. أتوا باحتيال كي يصيدوا من البحر. فلما نسوا ما ذكروا أصبحوا لقىً. ولم ينج إلا من أبى خطة الغدر. وكانوا بخير ثم لما عصوا هووا. وقد مسخوا حتى غدوا عبرة الدهر. على الدين فلتنهل عيناك أدمعا. ولا عذر حتى تصحب النهي بالأمر. فلو شاهدت عيناك ما نصطلي به. علمت بأنا قابضون على الجمر. ولو أنني خيرت في العيش والردى. لقلت لهم هيا اعجلوا واحفوا قبري. ولو أن فاروق الحنيفة شاهد. لأنهكهم ضربا، ولم يعي بالأمر .

стр. 3387

المسؤولية في الإسلام للشيخ عبد الله قادري: المشرف الاجتماعي تربية الأولاد إن مهمة الأم المتعلقة بتربية أولادها الجسمية والعقلية، والروحية من أعظم مهامها، فيجب أن تكرس جهودها في القيام بتربيتهم غذاء، وتنظيفا، وتأديبا، ولقد أجاد العلامة ابن القيم رحمه القول في كتابه (تحفة الودود بأحكام المولود) فيما يتعلق بتربية الأولاد، ولهذا فإني سأنقل منه الفقرات المناسبة لهذا الموضوع لعظيم فائدتها، قال ﵀، الباب السادس عشر في فصول نافعة في تربية الأطفال تحمد عواقبها عند الكبر: ينبغي أن يكون رضاع المولود من غير أمه بعد وضعه بيومين أو ثلاثة _ وهو الأجود _ لما في لبنها ذلك الوقت من الغلظ والأخلاط، بخلاف لبن من قد استقلت على الرضاع وكل العرب تعتني بذلك حتى تسترضع أولادها عند نساء البوادي كما استرضع النبي ﷺ في بني سعد. وينبغي أن يُمنع من حملهم والتطواف بهم، حتى يأتي عليهم ثلاثة أشهر فصاعدا، لقرب عهدهم ببطون الأمهات، وضعف أبدانهم. ينبغي أن يقتصر بهم على اللبن وحده إلى نبات أسنانهم، لضعف معدتهم وقوتهم الهاضمة عن الطعام، فإذا أنبتت أسنانه قويت معدته وتغذى بالطعام فإن الله سبحانه، أخر إنباتها إلى وقت حاجته إلى الطعام، لحكمته ولطفه، ورحمة منه بالأم وحلمة ثديها فلا يعضه الولد بأسنانه. وينبغي تدريجهم في الغذاء فأول ما يطعمونهم الغذاء اللين فيطعمونهم الخبز المنقوع في الماء الحار واللبن الحليب، ثم بعد ذلك الطبيخ والأمراق الخالية من اللحم ثم بعد ذلك ما لطف جدا من اللحم بعد إحكام مضغه، أو رضه رضا ناعما.

стр. 3388

فإذا قرب من وقت التكلم، وأريد تسهيل الكلام عليه، فليدلك ألسنتهم بالعسل والملح الأندراني لما فيهما من الجلاء للرطوبات الثقيلة المانعة من الكلام، فإذا كان وقت نطقهم فليلقن لا إله إلا الله، محمدا رسول الله، وليكن أول ما يقرع مسامعهم، معرفة الله سبحانه وتوحيده، وأنه سبحانه فوق عرشه، ينظر إليهم ويسمع كلامهم وهو معهم أين ما كانوا ... ولهذا كان أحب الأسماء إلى الله: عبد الله وعبد الرحمن، بحيث إذا وعى الطفل وعقل علم أنه عبد الله وأن الله هو سيده ومولاه. وإذا حضر وقت نبات الأسنان فينبغي أن يدلك لثاهم كل يوم بالزبد والسمن ويمرخ جدر العنق تمريخا كثيرا ويحذر عليهم كل الحذر، وقت نباتها إلى حين تكاملها، وقوتها من الأشياء الصلبة ويمنعون منها كل المنع لما في التمكن منها من تعريض الأسنان لفسادها وتعويجها، وخللها. ولا ينبغي أن يشق على الأبوين بكاء الطفل وصراخه _ ولا سيما لشربه اللبن إذا جاع _ فإنه ينتفع بذلك البكاء، انتفاعا عظيما، فإنه يروض أعضاءه ويوسع أمعاءه، ويفسح صدره ويسخن دماغه ويحمي مزاجه ويثير حرارته الغريزية، ويحرك الطبيعة لدفع ما فيها من الفضول ويدفع فضلات الدماغ من المخاط وغيره. وينبغي أن لا يهمل أمر قماطه ورباطه ولو شق عليه، إلى أن يصلب بدنه وتقوى أعضاؤه ويجلس على الأرض فحينئذ يمرن ويدرب على الحركة والقيام قليلا إلى أن يصير له ملكة وقوة ويفعل ذلك بنفسه.

стр. 3389

وينبغي أن يوقى الطفل كل أمر يفزعه من الأصوات الشديدة الشنيعة، والمناظر الفظيعة والحركات المزعجة، فإن ذلك ربما أدى إلى فساد قوته، العاقلة لضعفها فلا ينتفع بها بعد كبره، فإذا عرض له عارض من ذلك فينبغي المبادرة إلى تلافيه بضده وإيناسه بما ينسيه إياه وأن يلقم ثديه في الحال ويسارع إلى رضاعه ليزول عنه حفظ ذلك المزعج، ولا يرتسم في قوة الحافظة فيعسر زواله، ويستعمل تمهيده بالحركة اللطيفة، إلى أن ينام فينسى ذلك ولا يهمل هذا الأمر فإن في إهماله، إسكان الفزع والروع في قلبه فينشأ على ذلك ويعسر زواله ويتعذر. وينبغي للمرضع إذا أرادت فطامع أن تفطمه على التدريج ولا تفاجئه بالفطام وهلة واحدة، بل تعوده إياه، وتمرنه عليه لمضرة الانتقال عن الألف والعادة مرة واحدة. ومن سوء التدبير للأطفال أن يمكنوا من الامتلاء من الطعام وكثرة الأكل والشراب، ومن أنفع التدبير لهم أن يعطوا دون شبعهم، ليجود هضمهم وتعتدل أخلاطهم، وتقل الفضول في أبدانهم وتصح أجسادهم، وتقل أمراضهم لقلة الفضلات في (ـكذا) الغذائية. ومما ينبغي أن يحذر أن يحمل الطفل على المشي قبل وقته لما يعرض في أرجلهم بسبب ذلك من الانتقال والاعوجاج، بسبب ضعفها وقبولها لذلك، واحذر كل الحذر أن تحبس عنه ما يحتاج إليه من قيء أو نوم أو طعام أو شراب أو عطاس أو بول أو إخراج دم، فإن لحبس ذلك عواقب رديئة في حق الطفل والكبير.

стр. 3390

ومما يحتاج إليه الطفل غاية الاحتياج الاعتناء بأمر خلقه فإنه ينشأ عما عوده المربي في صغره، من حرد وغضب، ولجاج وعجلة، وخفة مع هواه وطيش وحدة وجشع، فيصعب عليه في كبره تلافي ذلك وتصير هذه الأخلاق، صفات وهيئات راسخة له، فلو تحرز منها غاية التحرز فضحته ولا بد يوما ما، ولهذا تجد أكثر الناس منحرفة أخلاقهم وذلك من قبل التربية التي نشأ عليها، وكذلك يجب أن يجتنب الصبي إذا عقل مجالس اللهو والباطل والغناء، وسماع الفحش والبدع ومنطق السوء، فإنه إذا علق بسمعه عسر عليه مفارقته في الكبر، وعز على وليه استنقاذه منه، فتغيير العوائد من أصعب الأمور، يحتاج صاحبه إلى استجداد طبيعة ثانية والخروج عن حكم الطبيعة عسر جدا، وينبغي لوليه أن يجنبه الأخذ من غيره غاية التجنب فإنه متى اعتاد الأخذ صار له طبيعة، ونشأ بأن يأخذ لا بأن يعطي ويعوده البذل والإعطاء، وإذا أراد الولي أن يعطي شيئا أعطاه على يده ليذوق حلاوة الإعطاء، ويجنبه الكذب والخيانة أعظم مما يجنبه السم الناقع فإنه متى سهل له سبيل الكذب والخيانة أفسد عليه سعادة الدنيا والآخرة وحرمه كل خير، ويجنبه الكسل والبطالة، والدعة والراحة بل يأخذه بأضدادها ولا يريحه إلا بما يجمم نفسه وبدنه للشغل فإن الكسل والبطالة عواقب سوء ومغبة وندم، وللجهد والتعب عواقب حميدة، إما في الدنيا وإما في العقبى وإما فيهما، فأروح الناس أتعب الناس، وأتعب الناس أروح الناس، فالسيادة في الدنيا والسعادة في العقبى لا يوصل إليها إلا على جسر من التعب، قال يحيى بن أبي كثير: لا ينال العلم براحة الجسم، ويعوده الانتباه آخر الليل فإنه وقت قسم الغنائم وتفريق الجوائز فمستقل، ومستكثر، ومحروم، فمتى اعتاد ذلك صغيرا، سهل عليه كبيرا.

стр. 3391

ويجنبه فضول الطعام والكلام والمنام ومخالطة الأنام، فإن الخسارة في هذه الفضلات وهي تفوت على العبد خير دنياه وآخرته، ويجنبه مضار الشهوات المتعلقة بالبطن والفرج غاية التجنب، فإن تمكينه من أسبابها والفسح له فيها يفسده فسادا، يعز عليه بعده صلاحه، وكم من أشقى ولده وفلذة كبده، في الدنيا والآخرة بإهماله وترك تأديبه وإعانته له على شهوته، ويزعم أنه يكرمه وقد أهانه وأنه يرحمه وقد ظلمه وحرمه، ففاته انتفاعه بولده وفوت عليه حظه في الدنيا والآخرة، فإذا اعتبرت الفساد في الأولاد، رأيت عامته من قبل الأباء _ قلت والأمهات _. والحذر كل الحذر من تمكينه من تناول ما يزيل عقله، من مسكر وغيره أو عشرة من يخشى فساده، أو كلامه له أو الأخذ من يده فإن ذلك الهلاك كله، ومتى سهل عليه ذلك فقد سَهُل الدياثة ولا يدخل الجنة ديوث، فما أفسد الأبناء مثل تفريط الآباء وإهمالهم واستسهالهم شرر النار بين الثياب، فأكثر الآباء يعتمدون مع أولادهم أعظم ما يعتمده العدو الشديد العداوة مع عدوه وهم لا يشعرون فكم من والد حرم ولده خير الدنيا والآخرة وعرضه لهلاك الدنيا والآخرة، وكل هذا عواقب تفريط الآباء في حقوق الله وإضاعتهم لها وإعراضهم عما يوجب الله عليهم من العلم النافع والعمل الصالح حرمهم الانتفاع بأولادهم، وحرم الأولاد خيرهم، وهو من عقوبة الآباء. ومما ينبغي أن يعتمد حال الصبي وما هو مستعد له من الأعمال ومهيأ له منها، فيعلم أنه مخلوق له فلا يحمله على غيره ما كان مأذونا فيه شرعا، فإنه إن حمل على غير ما هو مستعد له لم يفلح فيه، وفاته ما هو مهيأ له فإذا رعاه حسن الفهم صحيح الإدراك جيد الحفظ واعيا فهذه من علامات قبوله وتهيئته للعلم، لينقشه في لوح قلبه ما دام خاليا فإنه يتمكن فيه ويستقر ويزكو معه.

стр. 3392

وإن رآه بخلاف ذلك من كل وجه وهو مستعد للفروسية، وأسبابها من الركوب والرمي واللعب بالرمح وأنه لا نفاذ له في العلم ولم يخلق له مكنه من أسباب الفروسية والتمرن عليها، فإنه أنفع له وللمسلمين وإن رآه بخلاف ذلك وأنه لم يخلق لذلك ورأى عينة مفتوحة إلى صنعة من الصنائع مستعدا لها قابلا لها وهي صناعة مباحة، نافعة للناس، فليمكنه منها، هذا كله بعد تعليمه له ما يحتاج إليه في دينه فإن ذلك ميسر على كل أحد، لتقوم حجة الله على العبد فإن له على عباده الحجة البالغة كما له عليهم النعمة السابغة ثم قال بعد بحث طويل: فإذا صار له سبع سنين دخل في سن التمييز وأُمر بالصلاة كما في المسند والسنن من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ "مروا أبناءكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر سنين وفرقوا بينهم بالمضاجع"، ثم قال: إذا صار ابن عشر ازداد قوة وعقلا واحتمالا للعابدات فيضرب على ترك الصلاة كما أمر به النبي ﵇ وهذا ضرب تأديب وتمرين. ثم قال: فإذا تيقن بلوغه جرى عليه قلم التكليف، وثبت له جميع أحكام الرجل. اهـ ما أردت نقله مع اختصار لبعض الجمل. أيها الأخ المسلم والأخت المسلمة _ وأنت المعنية في هذا السياق _ ليقم كل منكما بما يخصه وما يقدر عليه من متربية طفله فإن طفلكما قد يصبح خليفة أو أميرا، أو وزيرا أو قائدا، أو قاضيا، أو غير ذلك من المناصب، فإن أحسن فلكما حظ عظيم من إحسانه، وإن أساء فعليكما وزر كبير من إساءته، وفي هذه الفصول التي اختصرتها من كتاب (تحفة الودود في أحكام المولود) للعلامة ابن القيم ﵀ فوائد عظيمة في تربية الأطفال، الجسمية والروحية والعقلية الاجتماعية، فليعض عليها بالنواجذ من يريد أن تحمد عقباه وعقبى أولاده في الدنيا والآخرة.

стр. 3393

بقي أن أقول لك أيتها الأخت المسلمة: ينبغي أن تعتني بنظافة طفلك في جسمه وثيابه وأن تظهريه بالمظهر الجميل، فإن الله جميل يحب الجمال، وإظهاره بذلك يزيد من محبة والده له، ويشجعه على مخالطته وتدريبه، كما يجعله يحترمك ويحبك على صنيعك والعكس بالعكس. ونظافة طفلتك تدل على نظافتك، واسمحي لي أن أقول إن وساخته ومظهره البشع قد يدل على ما عندك من الوساخة والمظهر البشع. وأما ابنتك فاعتني بها زيادة على ما مضى بتدريبها على الخبرة بشؤون المنزل ومعاشرة الزوج، وتربية الأولاد، وإجادة الطبخ، ومهنة الخياطة وغير ذلك مما تشعرين بأنه من مهامك، فإنها عما قريب تصبح مكلفة مثلك ببيت وزوج وولد وغير ذلك. الباب الرابع مسئولية الخادم "والخادم راعٍ في مال سيده ومسئول عن رعيته"

стр. 3394

الخادم قد يكون عبدا مملوكا، وقد يكون أجيرا كما مضى، وسبق أن على السيد أن يعتني بعبده ومخدومه فيعلمه ما يهمه من أمور دينه، حتى يعرف ما يجب عليه لربه ولسيده وغير ذلك ليقوم بما كلف به، بصدق وإخلاص وأمانة، سواء كان الخدم عبدا أم أجيرا، فقد حمله الرسول ﷺ مسئوليته التي يجب أن ينهض بها، دون تقصير ولا خيانة وينبغي للسيد إذا استأجر أجيرا، أو أراد شراء عبد أن يختار من يترجح عنده أنه أمين لا يخون في عمله، قوي لا يقصر فيه، خبير به لا يدخله الخلل بسبب جهله. وقد نوه القرآن الكريم بذلك في المسئوليات الكبيرة والصغيرة فيوسف ﵇ حينما رأى أموال مصر تبعثر في غير فائدة بسبب عدم أهلية المسئولين، للقيام عليها طلب من عزيز مصر أن يوليه شئونها وعلل ذلك بقوله ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ والحفظ شامل للأمانة والقدرة على التنفيذ، وابنة صاحب مدين الذي لجأ إليه موسى ﵇ فارا بنفسه من فرعون طلبت من أبيها أن يستأجر موسى لرعاية أغنامهم وعللت ذلك بقولها ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ . فالمسئولية الأولى_ مسئولية يوسف _ مسئولية كبيرة لأنها ولاية على حفظ أموال الدولة كلها، وهي التي يُطلق عليها الآن وزرة المالية والاقتصاد. والمسئولية الثانية _ رعاية موسى للغنم _ من المسئوليات الصغار لأنها قيام على حفظ مال فرد واحد، وليست منصبا كبيرا في الدولة ومع ذلك فقد اشترط في المسئول عن الثانية ما اشترط في المسئول عن الأولى وإذا كان خادم الرجل أمينا، اطمأن على أمواله وغيرها في البيت وخارجه، وبخلاف ما إذا كان خائنا فإنه يخشاه دائما على أمواله وأهله وعلى العمل الذي يُسند إليه بأن لا يتقنه.

стр. 3395

هذا ما يجب من جانب السيد وهو الاختيار الحسن، وأحب أن أشير إلى أمر مهم جدا يجب أن السيد أن يراعيه وهو الحذر من تمكين الخادم من الدخول على أهله، والاختلاء بهم فإن في ذلك من الفساد ما لا تُحمد عقباه وهو ما يفعله كثير من الناس اليوم حيث يستأجر أجيرا، في عنفوان شبابه أو مراهقا ويمكنه من الدخول على زوجته أو غيرها من نساء بيته في حضوره وغيبته دون أن تحتجب منه بل تظهر له جسدها ومحاسنها كما تظهرها لزوجها ويدخل عليها ويخرج في كل وقت بحجة الخدمة وهل تظن أيها الأخ المسلم أن أجيرا هذه صفاته يخلو له الجو في البيت مع امرأة ذاب شهوة مثله هل تظن أنهما سيسلمان من إغواء الشيطان لهما؟ أرجو أن تذكر معي قصة يوسف ﵇ التي دبرتها له امرأة العزيز وما حصل له من البلاء الذي لم يخلصه منه إلا ربه حيث ناداه قائلا ﴿وَإِلا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ .

стр. 3396

أيها الأخ المسلم، أليس قد حذر الرسول ﷺ من دخول أقاربك وأقارب زوجتك الذين لا يحرمون عليها من الدخول عليها وقال في مثل ذلك: "الحمو الموت"، فما بالك بالخادم أيها الرجل، اتق الله في نفسك وفي أهلك، وفي خادمك، امتثل أمر الله وأمر رسوله ﷺ فالله يقول ﴿وتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ والرسول ﷺ يقول: "اتق الله حيثما كنت" ويقول: "احرص على ما ينفعك"، إن كان رجل يسمح لخادمه بالدخول على أهله في غيبته وحضوره والخلوة بها لمغرق في الدياثة والخسة المتناهية فاقد الكرامة والرجولة، خارج على تعاليم دينه، وولي المرأة _ أبوها أو غيره _ يعتبر كذلك ديوثا إذا علم بذلك وسكت عنه، وهذه الصفة الذميمة، ليست من أخلاق المسلمين بل هي مستوردة من أعداء الإسلام، وأعداء الشرف والكرامة الذين ماتت قلوبهم، وفقدوا شعورهم بمسئولياتهم وقد كان بعض المخنثين يدخل على أزواج النبي ﷺ _ وكان المخنث يعد من غير أولي الإربة _ فدخل النبي ﷺ يوما وأحدهم عند بعض نسائه وهو ينعت امرأة فأمر النبي ﷺ بالاحتجاب منه، ونهر عن دخوله عن النساء، أنظر نيل الأوطار: ج٦ ص١٢٣، هذه نصيحة أحببت أن أسديها للإخوان والأخوات أسأل الله أن يوفقني وإياهم للعمل بها وبغيرها من تعاليم الإسلام. ولقد نصحتك إن قبلت نصيحتي والنصح أغلى ما يباع ويوهب. أنواع المال الذي يسأل عنه الخادم وما يجب عليه من الرعاية لكل نوع:

стр. 3397

والمال الذي يسترعى فيه الخادم قد يكون المقصود مجرد حفظه كالنقود والبضائع المختلفة من حبوب أو قماش وغيرها مما يؤمر الخادم بالحراسة عليه والواجب عليه في هذه الحالة الانتباه، وعدم الغفلة لئلا يتسلل السراق لأخذ المال، وقد يكون المقصود التجارة في المال من بيع وشراء، وهنا يجب عليه أن يصرف الأموال بيعا أو شراء بأمانة ولا يقصر في حق سيده كما أنه لا يجوز له في نفس الوقت أن يغش من يعامله، ولو كان في ذلك مصلحة عائدة على سيده، وسواء علم السيد أم لا. وقد يُراد من الخادم أن يراعى بعض الدواب كالإبل والبقر والغنم والخيل، والبغال والحمير وغيرها، فيجب عليه أن يقوم برعيها والحفاظ عليها ويحرم عليه أن يدعها تجوع أو تظمأ مع قدرته على عدم ذلك، ولا يجوز له أن يضرب الدابة أو يوجعها ضربا أو رجما مضرا، فإن قام الخادم بذلك دون تقصير فهو خادم أمين يستحق جزاءين، جزاء الأجر من سيده، والثواب من ربه، وكان من المحسنين الذين يتقون عملهم طمعا في ثواب الله، وخوفا من عقابه كما قال الرسول ﷺ : "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك". ما يترتب على أمانة الخادم أو غشه في الدنيا والآخرة: والخادم إذا قام بواجبه بأمانة وإخلاص، صدق وحزم استفاد من ذلك فائدتين عظيمتين: الأولى: إقبال الناس إلى معاملته، وائتمانهم له على أموالهم وكثير من أمورهم فيسلم بذلك من البطالة ويستمر في العمل الذي يحصل له من ورائه سد خلته، وعدم احتياجه إلى سؤال الناس. الثانية: ﵁ وإثابته إياه، على أمانته وإخلاصه وصدقه وبذلك يبقى محبوبا عند الخالق والمخلوق، وإذا لم يقم بواجبه فخان مستأجره وكذب عليه خسر خسارتين عظيمتين:

стр. 3398

الأولى: نبذ الناس إياه، وعدم ائتمانهم له في معاملته وبذلك يصبح عاطلا عن العمل لا يستخدمه أحد كاذبا لا يصدقه الناس ولو صدق، فيضطر إلى تكفف الناس وإراقة ماء وجهه مع قدرته على الابتعاد عن ذلك. الثانية: غضب الله عليه ومجازاته على خيانته وكذبه وعدم إتقان عمله فيكون بغيضا عند الله وعند خلقه والكذب والخيانة من صفات المنافقين، عن أبي هريرة رضي الله عن رسول الله ﷺ قال: "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان ". متفق عليه. وفي رواية "وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم" ولقد جعل الله للعبد الذي يقوم بحق الله وحق سيده أجرين، ففي الصحيحين عن ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: "إن العبد إذا نصح لسيده وأحسن عبادة الله فله أجره مرتين" وفيهما عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "للعبد المملوك المصلح أجران"، والذي نفس أبي هريرة بيده لولا الجهاد في سبيل الله والحج وبر أمي لأحببت أن أموت وأنا مملوك. مسئولية الإنسان عن الحيوان: هذا ومن المستحسن أن أختم هذه المسئوليات بمناسبة العموم الذي في آخر الحديث: "وكلكم راع ومسئول عن رعيته" بمسئولية الإنسان عن الحيوان، ليعلم الجاهلون بالإسلام الذي يتبجحون بالرفق بالحيوان وهم يتصرفون تصرف الوحوش الضواري نحو الإنسان أن الإسلام اعتنى بالحيوان قبل أربعة عشر قرنا، ويكفي أن أسوق حديثين يتعلقان بهذا الموضوع أحدهما يثبت الأجر لمن قام بحق الحيوان، وأشفق عليه فسقاه أو أطعمه، والآخر يوجب العقاب الشديد لمن قصر في حق الحيوان أو عذبه.

стр. 3399

الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش فوجد بئرا، فنزل فيها فشرب ثم خرج فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني، فنزل البئر فملأ خفه ماء ثم أمسكه بفيه حتى رقي فسقى الكلب فشكر الله له فغفر له، قالوا يا رسول الله، وإن لنا في البهائم أجرا، فقال في كل كبد رطبة أجر". الحديث الثاني: عن ابن عمر ﵄ أن النبي صلى اله عليه وسلم قال: "عذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت فدخلت فيها النار لا هي أطعمتها وسقتها إذ حبستها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض". والحديثان في الصحيحين وغيرهما. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

стр. 3400

هل في القرآن من غير لسان العرب؟ بقلم الشيخ محمد بن محمد الأنصاري دفعني إلى الكتابة في هذا الموضوع أمر لاحظته عندما أقرأ بعض المؤلفة أو الموضوعة في "تاريخ الأدب العربي"في هذا العصر. وظهر لي أثناء بحثي فيها أن كتاب "تاريخ الأدب" لا يبالون في كثير من المسائل بالتحقيق العلمي المعتمد على دراسة علمائنا الأوائل الذين حملوا الأمانة العلمية ناصعة مهذبة كما شهد لهم التاريخ العالمي لا الإسلامي فحسب. وهذه طريقة ومنهج في البحث يؤدي كل هؤلاء الكتاب إلى تغليب "المنهج الغربي"في البحث الذي كان متزمتا في الرأي الشخصي المتطرف والبت فيه ظاهر لمن لم تأسره الظواهر الغريبة البراقة ... ومن ذلك ما يتواطأ عليه أولئك الكتاب الذين ملأت كتاباتهم في تاريخ الأدب العربي البر والبحر بدون تفصيل وتحقيق في الموضوع من المواضع المحققة قبلهم وهو: وجود ألفاظ من غير العربية في القرآن بتناولهم ذلك مسلما دون إشارة إلى الرأي المضاد لهذا الرأي وهذا يخالف الأمانة العلمية. وكان هذا التصرف عجبا للباحث لما يعلم من اختلاف العلماء الأوائل وتحقيقاتهم في هذا "الموضوع"الذي يعرضه مؤرخو الأدب في عصر التقدم والتحقيق والمعرفة عرض المسلمات ...!! مع أن هذا المذهب في لغة التنزيل لم يذهب إليه إلا بعض الفقهاء المتأخرين ولم يكن دليلهم فيه ظاهرا فضلا عن أن يكون هو الحق الذي يتناول كما تناول المسلمات في دنيا البحث بلا نقاش وعدم ذكر ما يخالفه كالمذهب الذي يقول: "ليس في القرآن من غير لسان العرب"وهو للمتقدمين واللغويين الذين كان الميدان ميدانهم وهذا المذهب بالأدلة الواضحة مهذبا وبالتوجيه النقدي مدججا..
следующие страницы →