← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 3501–3540 · переход к 3506.

стр. 3501

ولما كان تصنيف الكتب وفهرستها أصبح من العلوم الضرورية في هذا العصر وقررت بعض الجامعات قسماً خاصاً لتعليم هذه المادة والتخصص فيها لتيسير البحث العلمي وجعله في متناول القارئ بسرعة حتى لا يضيع وقت القارئ في البحث عن الكتاب فقد أدرك المسؤولون فائدة هذا النوع من التخصص واستقدموا خبيراً في تصنيف الكتب من كلية الشريعة بالأزهر ليقوم بتصنيف وفهرسة مكتبات الجامعة الإسلامية بالتعاون مع موظفي هذه المكتبات من أجل تحقيق هذه المهمة وعمّا قريب إن شاء الله سيتم العمل في هذا المجال الهام في عالم المكتبات ومن ناحية أخرى فلا يزال العمل يجري بهمة ونشاط في وضع اللمسات الأخيرة على المكتبة العامة الجديدة التي أوشكت على الانتهاء ويجري الآن تأثيثها وتجهيزها بكافة الأدوات والأجهزة المتطورة الحديثة حيث تنتقل المكتبة بقسميها المنفصلين إلى المبنى الجديد لتكون مكتبة كبيرة واحدة وقد صمم مبنى المكتبة الجديد وفق أحدث التصاميم المتقدمة الجديدة وخصصت بها صالة كبيرة واسعة لمطالعة الكتب تتسع لأكثر من مائة ألف كتاب كما هيئت في المبنى الجديد الأقسام الإدارية والفنية التي يتشكل منها الجهاز الوظيفي للمكتبة كما خصصت بعض الغرف للباحثين في مختلف المجالات العلمية وخصصت كذلك صالة للمراجع الأجنبية وغرفة بها جهاز مكروفلم لقراءة الأشرطة المسجلة وقسم لتجليد الكتب ومعرض للكتب الجديدة وغير ذلك من الأقسام الأخرى. قام يوم الأحد الموافق ١٢/٨/٩٣هـ الشيخ يوسف الرفاعي وزير الدولة وعضو مجلس الأمة الكويتي بزيارة للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة اجتمع خلالها بسماحة رئيس الجامعة الشيخ عبد العزيز بن باز ثم بفضيلة الأمين العام للجامعة الشيخ محمد بن ناصر العبودي قام بعدها بزيارة لأقسام الجامعة وفي ختام زيارته قدمت له بعض الكتب والمجلات هدية تذكارية بمناسبة الزيارة.

стр. 3502

صدر قرار سماحة رئيس الجامعة الإسلامية بترفيع الأستاذ سالم بريك الردادي إلى المرتبة السابعة. تلقت الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة من وزارة الخارجية أن وزارة الخارجية المغربية أبلغت سفارة جلالته في الرباط بأن لجنة المعادلات التابعة لوزارة التربية الوطنية قد وافقت على معادلة شهادة الإجازة العالمية (الليسانس) التي تمنحها كلية الشريعة بالجامعة الإسلامية بالمدينة مع شهادة إجازة التعليم الممنوحة من جامعة محمد الخامس وذلك اعتباراً من أول أكتوبر ٧٢م. عاد إلى المدينة قادماً من الحبشة الأستاذ عبد الله الفوزان مدير المعهد الثانوي التابع لإدارة الجامعة الإسلامية بعد أن أنهى المهمة الرسمية التي انتدب من أجلها. قام يوم الثلاثاء ٢٨/٨/٩٣هـ بزيارة الجامعة الإسلامية الأستاذ أحمد المهدي العلوي مندوب الخزانة الملكية في المغرب. والأستاذ المهدي عبد الغني بن البشير المستشار في محكمة النقض في المغرب، وقد اجتمعا بسماحة رئيس الجامعة الإسلامية الشيخ عبد العزيز بن بار ومساعد الأمين العام الشيخ عمر محمد ثم قام الضيفان بزيارة لكلية الشريعة، وكلية أصول الدين والمكتبات العامة في الجامعة وقبيل مغادرتهم مبنى الجامعة أهدت لهم الجامعة كمية من الكتب القيمة والنشرات العلمية والثقافية، هذا وقد أقام سماحة رئيس الجامعة الشيخ عبد العزيز بن باز حفل غداء في منزله تكريماً للضيفين الكريمين وبهذه المناسبة فقد أهدت الجامعة إلى الخزانة الملكية مجموعة جديدة من الكتب والمجلات وسيتم التبادل فيما بين الجامعة والخزانة. قام بزيارة الجامعة الإسلامية الحاج محي الدين كتي المليباري رئيس المجلس التشريعي في ولاية كيرالا في الهند وقد اجتمع مع فضيلة رئيس الجامعة الشيخ عبد العزيز بن باز بمكتبه ورمزاً لزيارته فقد أهدت الجامعة له بعض الكتب والنشرات.

стр. 3503

غادرنا قبل أيام إلى جدة في طريقه إلى المغرب الأستاذ سليم سلمان الحازمي مساعد الأمين العام لشئون التعليم بالجامعة الإسلامية وذلك في مهمة رسمية تستغرق بضعة أيام. بمناسبة بدء العام الدراسي الجديد فقد بدأ قسم الإشراف الاجتماعي والرياضي بالجامعة الإسلامية بنشاطه ومما تجدر إليه الإشارة أنه يوجد حالياً في الجامعة ثلاثة من المشرفين وسيصل قريباً للجامعة أحد المشرفين أيضاً لينضم للمجموعة بحيث يعمل الإشراف ٢٤ ساعة متوالية دون انقطاع. قام الأستاذ رفاعي محمود السكرتير الثاني لسفارة جمهورية نيجريا الفدرالية بزيارة للجامعة الإسلامية اجتمع خلالها بالطلاب النيجيريين الدارسين في كافة المراحل التعليمية في الجامعة وذلك بمناسبة العام الدراسي الجديد ٩٣/٩٤هـ ومما تجدر إليه الإشارة أن قرابة ٤٥ طالباً من نيجيريا يتلقون تعليمهم في الجامعة الإسلامية بالمدينة. وصل إلى المدينة قادماً من القاهرة الأستاذ محمد أحمد بخيت لينضم إلى أسرة الإشراف الاجتماعي بالجامعة الإسلامية بالمدينة ليعمل خبيراً للإشراف الاجتماعي وسعادة الأستاذ محمد من الحائزين على العالمية مع إجازة التربية وخبرة ٢٥ عاماً في العمل الاجتماعي في مختلف المجالات والمستويات وكان آخر عمل قام به مديراً عاماً للشئون الاجتماعية في محافظة سوهاج بجمهورية مصر العربية وقد باشر عمله. تمنياتنا له بالتوفيق والسداد. غادرنا إلى جدة في طريقه إلى الكونغو كنشاسا على رأس وفد من رابطة العالم الإسلامي فضيلة الشيخ محمد ناصر العبودي الأمين العام للجامعة الإسلامية في مهمة تستغرق بضعة أيام. هذا ويقوم فضيلة الأمين العام المساعد الشيخ عمر محمد بأعباء الأمانة العامة للجامعة مدة غياب فضيلته.

стр. 3504

بدأت الدراسة في دار الحديث بالمدينة ودار الحديث المكية يوم السبت الماضي الموافق ١٨/٨/٩٣هـ ومما تجدر إليه الإشارة أن الدارين المشار إليهما تابعتين للجامعة الإسلامية بالمدينة إدارياً. لا تزال طلبات الكتب تنهال على الجامعة الإسلامية بشكل يلفت النظر من كافة أنحاء العالم ولجنة توزيع الكتب بالجامعة تحرص دائماً على تزويد المحتاجين بما توزعه الجامعة وإدارة العلاقات العامة تتولى الإجابات والاستفسارات وإرسال الكتب إلى الجهات المعنية. تعاقدت الجامعة الإسلامية بالمدينة مع مجموعة من حملة (الماجستير) للعمل في الكليات والمعاهد التابعة للجامعة. وقد وصل منهم إلى الجامعة حتى الآن: الأستاذ محمد أبو طالب شاهين الأستاذ عبد الرحيم جمعه أحمد الشريف الأستاذ محمد عبد العزيز البهنسي الأستاذ عبد العزيز علي إبراهيم عباس الأستاذ أنور السيد حسين عزام الأستاذ شعبان علي خليل الأستاذ عبد المعطي مصطفى دندوح الأستاذ محمد عبد السميع شبانه الأستاذ عبد العزيز عبد الرحمن الجاس الأستاذ منصور رمضان مصطفى حبيب الأستاذ عبد الفتاح عشماوي الأستاذ زهير إبراهيم الخالد. قام يوم أمس السيد أونكو محسن عبد القادر وزير الثقافة والشباب في ماليزيا بزيارة خاصة للجامعة الإسلامية بالمدينة وقد اجتمع معاليه بسماحة رئيس الجامعة الشيخ عبد العزيز بن باز ثم قام بجولة تفقدية لأقسام الجامعة يرافقه مدير العلاقات العامة بالجامعة الإسلامية. وقد اجتمع معاليه بالطلاب الماليزيين الذين يتلقون تعليمهم في كافة المراحل التعليمية في الجامعة وقد أهديت لمعاليه بعض المجلات رمزاً للزيارة. عقد مجلس الجامعة الإسلامية بالمدينة جلسة خاصة في دار الحديث التابعة للجامعة الإسلامية برئاسة سماحة رئيس الجامعة الشيخ عبد العزيز بن باز لمناقشة بعض الأمور الهامة المتعلقة بالجامعة.

стр. 3505

بناء على موافقة ديوان الموظفين العام أصدر سماحة رئيس الجامعة الإسلامية الشيخ عبد العزيز بن باز قراراً بتعيين الأساتذة التالية أسماؤهم مدرسين بالمعهد الثانوي والمتوسط بالجامعة وهم: أحمد عطية الغامدي، عبد العزيز راجي الصاعدي، مرزوق هياس الزهراني، سليمان شتوي سعيد، سليم مسعد الأحمدي، محمد علي زيد مدخلي، عبد الله محمد غضوان. ومما تجدر الإشارة إليه أن هؤلاء الأساتذة من خريجي كليات الجامعة الإسلامية للعام الدراسي الماضي ٩٢/٩٣هـ.

стр. 3506

من أعلام المحدثين عمرو بن علي الفلاس ١٦٠ بعيدها - ٢٤٩هـ- للشيخ عبد المحسن العباد نائب رئيس الجامعة الإسلامية نسبه ونسبته وكنيته: هو عمرو بن علي بن بحر بن كنيز بضم الكاف وفتح النون آخره زاي. كنيته: أبو حفص. يقال له: الباهلي نسبة إلى قبيلته ويقال له البصري نسبة إلى وطنه ويقال له: الصيرفي الفلاس نسبة إلى مهنته فيما يتبادر إلى الذهن. ممن روى عنهم: روى عن كثير من الأئمة فروى عن عبد الوهاب الثقفي ويزيد بن زريع وخالد بن الحارث وأبي داود الطيالسي وأبي عاصم النبيل وعبد الله ابن داود الخريب-ي وعبد الأعلى بن عبد الأعلى وعبد الرحمن بن مهدي وغندر وعبد الله بن إدريس ومعاذ بن معاذ ويحيى بن سعيد القطان ووهب بن جرير بن حازم ويزيد بن هارون وسفيان بن عيينة ومحمد بن فضيل ووكيع بن الجراح وأمم سواهم. ممن رووا عنه: روى عنه أصحاب الكتب الستة بدون واسطة وروى عنه النسائي أيضاً بواسطة وأبو زرعة وأبو حاتم الرازيان وعبد الله بن أحمد وابن أبي الدنيا ومحمد بن يحيى بن منده وجعفر الفريابي والحسن بن سفيان ومحمد بن جرير الطبري وغيرهم. من خرّج حديثه: خرّج حديثه البخاري ومسلم في صحيحيهما وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه في سننهم كل منهم روى عنه مباشرة فهو شيخ لأصحاب الكتب الستة ونقل الحافظ ابن حجر في ترجمته في تهذيب التهذيب أن البخاري روى عنه سبعة وأربعين حديثاً ومسلم حديثين. ثناء العلماء عليه:

стр. 3507

روى ابن أبي حاتم عن أبيه قال: "كان عمرو بن علي أرشق من علي بن المديني وهو بصري صدوق، وروى عن أبيه عن ابن عباس العنبري. قال: "ما تعلمت الحديث إلا من عمرو بن علي". وقال حجاج بن الشاعر: "عمرو بن علي لا يبالي أحدَّث من حفظه أو من كتابه". وقال النسائي: "ثقة صاحب حديث حافظ". وقال أبو زرعة: "ذاك من فرسان الحديث لم يُرَ بالبصرة أحفظ منه ومن ابن المديني والشاذكوني". وقال الدارقطني: "كان من الحفاظ وبعض أصحاب الحديث يفضلونه على ابن المديني ويتعصبون له وقد صنف المسند والعلل والتاريخ وهو إمام متقن". وذكره ابن حبان في الثقات وقال الحسين بن إسماعيل المحاملي: "ثنا أبو حفص الفلاس وكان من نبلاء المحدثين". وقال ابن أشكاب: "كان عمرو بن علي يحسن كل شيء". وقال مسلمة ابن قاسم: "ثقة حافظ وقد تكلم فيه علي بن المديني وطعن في روايته عن يزيد بن زريع"انتهى. قال الحافظ: "وإنما طعن في روايته عن يزيد لأنه استصغره فيه". وذكر هذا الحافظ في مقدمة الفتح وذكر أن البخاري لم يخرِّج له من روايته عن يزيد بن زريع شيئاً. وأقول: يزيد بن زريع توفي سنة اثنتين وثمانين ومائة وأبو حفص الفلاس وُلد بعيد الستين ومائة كما في تذكرة الحفاظ للذهبي، فلو قلنا على أكثر تقدير أن ولادته سنة خمس وستين ومائة يكون عمره حين وفاة ابن زريع سبع عشرة سنة وتعبير الذهبي بقوله: "بعيد الستين ومائة"، يشعر بأنه قبل خمس وستين ومائة فما وجه هذا الاستصغار؟ إلا أن ما رواه الخطيب بإسناده إلى عمرو بن علي قال: "حضرت مجلس حماد بن يزيد وأنا صبي وضيئ فأخذ رجل بخدي ففررت ولم أعد". قد يؤيِّد ما قاله ابن المديني وكانت وفاة حماد بن زيد تسع وسبعين ومائة إلاّ أن يكون حضوره ذلك قبل زمن وفاة حماد بمدة طويلة ثم إنه لو تحمل في حال صغره بعد تمييزه وأداه بعد بلوغه فإن سماعه معتبر عند جمهور المحدثين والله أعلم.

стр. 3508

وقال عباس العنبري: "لو روى عمرو بن علي عن عبد الرحمن بن مهدي ألفاً لكان مصدقاً"وقال يحيى بن معين: "أبو حفص الصيرفي صدوق"وقال الذهبي في العبر: "أحد الأعلام"وقال في تذكرة الحفاظ: "الحافظ الإمام الثبت أحد الأعلام"وقال: "أكثر وأتقن وجوَّد وأحسن". وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في مقدمة فتح الباري: "أحد الأعلام الحفاظ". وقال في تقريب التهذيب: "ثقة حافظ". آثاره: قال الذهبي في العبر: "سمع معتمر بن سليمان وطبقته وصنَّف وعني بهذا الشأن"ونقل الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب عن الدارقطني أنه قال: "وقد صنَّف المسند والعلل والتاريخ"وقال الخطيب في تاريخه (٢ - ٢٣٢) في ترجمة محمد بن الحسين القطان: "وروى عن عمرو بن علي الفلاس كتاب التاريخ". وفاته: توفي أبو حفص الفلاس سنة تسع وأربعين ومائتين أرَّخ وفاته في هذه السنة البخاري في التاريخ الكبير والذهبي في العبر وكذا في تذكرة الحفاظ وزاد بسامرا في ذي القعدة. وقال ابن القيسراني في الجمع بين رجال الصحيحين: "قال السراج مات بالعسكر سنة تسع وأربعين ومائتين في آخر ذي القعدة". وكذا الخزرجي في الخلاصة إلا أنه لم يذكر شهر وفاته، وذكر الخطيب في تاريخه عن ابن أبي خيثمة أنه مات بالعسكر ونقل عن محمد بن عبد الله الحضرمي وأبي عمر بكر بن محمد بن عبد الوهاب القزاز ومحمد بن إسحاق الذهبي أنهم قالوا: "مات عمرو بن علي سنة تسع وأربعين ومائتين". قال أبو عمر: "ب- (سر من رأى) " وقال الثقفي: "بالعسكر في آخر ذي القعدة". ونقل الخطيب في تاريخه أيضاً عن أبي الحسن سهل بن نوح بن يحيى البزاز قال: "مات يوم الأربعاء لخمس بقين من ذي القعدة سنة تسع وأربعين ومائتين". وأرَّخ وفاته في هذه السنة أيضاً ابن كثير في البداية والنهاية وابن حجر في تقريب التهذيب وابن العماد في شذرات الذهب.

стр. 3509

أما سنة ولادته ومدة عمره فلم أرَ من تعرض لذكرهما سوى ما أسلفته عن الذهبي في التذكرة أنه ولد بعيد الستين ومائة ﵀. ممن ترجم له: ١- ترجم له البخاري في التاريخ الكبير (٢/٣/٣٥٥) . ٢- وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (١/٣/٢٤٩) . ٣- والذهبي في العبر (١/٤٥٤) ، وتذكرة الحفاظ (٢/٧١) . ٤- وابن حجر في تهذيب التهذيب (٨/٨٠) . وتقريب التهذيب (٢/٧٥) . ومقدمة الفتح (٢/١٩٩) . ٥- والخزرجي في الخلاصة (٢٤٧) . ٦- والخطيب في تاريخه (١٢/٢٠٧) . ٧- وابن القيسراني في الجمع بين رجال الصحيحين (٣٦٧) . ٨- وأبو نعيم في أخبار أصبهان (٢/٢٩) . ٩- وابن العماد في شذرات الذهب (٢/١٢٠) . ١٠- وكحالة في معجم المؤلفين (٨/١١) .

стр. 3510

أضواء من التفسير للشيخ عبد القادر شيبة الحمد المدرس بكلية الشريعة قال تعالى: ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ، جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ، هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ، وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ، هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لا مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ، قَالُوا إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ، قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ، وَقَالُوا مَا لَنَا لا نَرَى رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الأشْرَارِ، أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيّاً أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأَبصَارُ، إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ . المناسبة: لمَّا بيَّن الله حال السعداء للترغيب، أتبعه ببيان حال الأشقياء للترهيب. القراءة: قرأ الجمهور ﴿وَغَسَّاقٌ﴾ بتشديد السين، وقرئ بتخفيفها. وقرأ الجمهور ﴿وَآخَرُ﴾ على الإفراد، وقرئ ﴿وأُخر﴾ بالجمع. وقرئ ﴿مِنْ شَكْلِهِ﴾ بفتح الشين وبكسرها. وقرئ ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ﴾ بهمزة القطع للاستفهام. وقرئ بهمزة الوصل. وقرئ ﴿سِخْرِيّاً﴾ بضم السين وقرئ بكسر السين. وقرئ ﴿تَخَاصُمُ﴾ بالرفع، وقرئ بالنصب أيضاً. المفردات:

стр. 3511

﴿اِلطَّاغِينَ﴾ أي الكفار المتجاوزين حدود التوحيد إلى الشرك. ﴿لَشَرَّ مَآبٍ﴾ لقبيح مرجع. ﴿جَهَنَّمَ﴾ النار المحرقة البعيد القاع من الجهنام وهي البئر العميقة. ﴿يَصْلَوْنَهَا﴾ يدخلونها ويعذبون بها. ﴿بِئْسَ﴾ قبح وذم. ﴿الْمِهَادُ﴾ الفراش. ﴿فَلْيَذُوقُوه﴾ فليختبروا طعمه ويحسوا به، وهذا على سبيل التبكيت. ﴿حَمِيمٌ﴾ الماء الشديد الحرارة. ﴿وَغَسَّاقٌ﴾ بالتشديد والتخفيف هو اسم ما يجري من صديد أهل النار أو عين في جهنم يغمس فيها الكافر فيتساقط جلده ولحمه، وقيل: هو الزمهرير. وقيل: هو وصف من غسق بمعنى سال يقال غسقت العين إذا سال دمعها. وقد حذف هنا موصوفه والتقدير ومذوق غساق أي سائل من جلود أهل النار. والوصف في المشدد أظهر لأن فعّالا بالتشديد قليل في الأسماء كالغَيّاد لذكر البوم، والخطَّار لدهن يتخذ من الزيت، والعقَّار لما يتدواى به من النبات. ﴿وَآخَرُ﴾ أي مذوق آخر أو عذاب آخر. وبالجمع ومذوقات أخر أو أنواع عذاب أخر. ﴿أَزْوَاجٌ﴾ أصناف وأجناس. ﴿فَوْجٌ﴾ جمع كثير يعني من أتباعهم في الضلال. ﴿مُقْتَحِمٌ﴾ أي داخل وسط شدة مخيفة. ﴿مَرْحَباً﴾ من الرُحب بضم الراء وهو السعة. ﴿قَدَّمْتُمُوهُ﴾ سببتموه. ﴿الْقَرَارُ﴾ المقر. ﴿ضِعْفاً﴾ أي زائداً مضاعفاً. ﴿نَعُدُّهُمْ﴾ نعتبرهم. ﴿الأشْرَارِ﴾ الأراذل الذين لا خير فيهم، يعنون فقراء المسلمين. ﴿سِخْرِيّاً﴾ بضم السين من السخرة والاستخدام. وبكسرها من السخر وهو الهزء. ﴿زَاغَتْ﴾ مالت ﴿الأَبصَارُ﴾ العيون. ﴿لَحَقٌّ﴾ صدق ولا بد أن يجري بينهم. ﴿تَخَاصُمُ﴾ تدافع. ﴿أَهْلِ النَّارِ﴾ يعني الكفار المستحقين لها. التراكيب:

стр. 3512

قوله ﴿هَذَا﴾ خبر مبتدأ محذوف كما قال الزجاج أي الأمر هذا. وقيل هو مبتدأ خبره محذوف أي هذا للمؤمنين. والإشارة إلى ما ذكر مما أعد للمؤمنين. وقوله: ﴿وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ معطوف على ما قبله، وقوله: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ جهنم بدل اشتمال مما قبله، ويصلونها حال من جهنم وقوله فبئس المهاد المخصوص بالذم تقديره محذوف هي يعني جهنم والفاء للترتيب الذكري قوله: ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ هذا مبتدأ وحميم خبره وغساق معطوف عليه. وجملة ﴿فَلْيَذُوقُوهُ﴾ اعتراضية كقولك زيد فافهم رجل صالح. ويجوز على مذهب الأخفش أن يكون هذا مبتدأ وجملة فليذوقوه الخبر كقولك زيد فاخر به وقول الشاعر: وقائلةُ خولانُ فانكح فتاتهم

стр. 3513

وعلى هذا فحميم خبر لمبتدأ محذوف تقديره هو، وغساق معطوف عليه. وقوله: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ آخر خبر مبتدأ محذوف أي هذا مذوق آخر أو هذه مذوقات أخر والجملة معطوفة على التي قبلها. وقوله: ﴿مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ صفتان لآخر أو أخر. وتوحيد الضمير في شكله دون تثنيته أو جمعه مع أنه راجع للحميم والغساق على معنى من شكل المذكور. وإنما ساغ جعل أزواج صفة لآخر على قراءة الإفراد وإن كان مفرداً فإنه جمع في المعنى لصدقه على متعدد. ويحتمل أن يكون آخر أو أخر مبتدأ ومن شكله صفته وأزواج خبره، وهذا على قراءة الجمع ظاهر أما على قراءة آخر بالإفراد فلما ذكرنا من أنه وإن كان مفرداً فهو جمع في المعنى. وقوله: ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ يجوز أن يكون حكاية لما تقوله ملائكة العذاب لرؤساء الضلال عند دخول النار تقريعاً لهم، ويجوز أن يكون حكاية كلام المتبوعين بعضهم مع بعض. وعلى كل فالجملة مقول لقول مقدر أي يقال لهم. وقوله: ﴿لا مَرْحَباً بِهِمْ﴾ من كلام المتبوعين في أتباعهم. ومرحباً منصوب بفعل مقدر أي لا أتيتم مرحباً أو لا سمعتم مرحباً. ويجوز أن يكون منصوبا على المصدرية بفعل محذوف تقديره: لا رحبت بهم الدار مرحباً. والجملة مستأنفة سيقت للدعاء عليهم وقوله ﴿بِهِمْ﴾ بيان للمدعو عليهم. وقوله: ﴿إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ﴾ تعليل للدعاء عليهم وهو من حكاية قول القادة. قوله: ﴿إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ﴾ من حكاية قول الأتباع لمتبوعيهم رداً عليهم. وقوله: ﴿أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا﴾ تعليل لأحقيتهم بذلك. وضمير الغيبة في ﴿قَدَّمْتُمُوهُ﴾ للعذاب المفهوم من المقام. أو للصلي الذي تضمنه ﴿صَالُو النَّارِ﴾ والفاء في قوله: ﴿فَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ للترتيب في الذكر. وقوله: ﴿قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ﴾ الضمير في قالوا للأتباع. و ﴿مَنْ﴾ يحتمل أن تكون شرطية

стр. 3514

ويحتمل أن تكون موصولة ودخلت الفاء في خبرها على هذا لما في الموصول من شبه الشرط. و ﴿فِي النَّارِ﴾ يجوز أن يكون ظرفاً لـ ﴿زِدْهُ﴾ أو نعتاً لـ ﴿عَذَاباً﴾ . وقوله: ﴿مَا لَنَا لا نَرَى رِجَالاً﴾ ﴿مَا﴾ مبتدأ و ﴿لَنَا﴾ خبره وجملة ﴿لا نَرَى رِجَالاً﴾ حال. والاستفهام المفاد بـ ﴿مَا﴾ تعجبي. وقوله تعالى: ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيّاً﴾ على قراءة الاستفهام هو استئناف لا محل له من الإعراب، وعلى قراءة إسقاط الهمزة يجوز أن تكون مقدرة لدلالة أن عليها. ويجوز أن يكون الكلام إخباراً والجملة صفة ثانية لـ ﴿رِجَالاً﴾ . والياء في ﴿سِخْرِيّاً﴾ للنسب. وإنما جيء بياء النسب للدلالة على قوة الفعل فالسخري أقوى من السخر كما قيل في الخصوص خصوصية للدلالة على قوة ذلك. وقوله: ﴿أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأَبْصَارُ﴾ ﴿أَمْ﴾ منقطعة كأنهم أضربوا عن إنكار الاستسخار وأنكروا على أنفسهم ما هو أشد منه وهو أنهم جعلوهم محقرين لا ينظر إليهم بوجه. والتعبير بـ ﴿زَاغَتْ﴾ دون أزغنا للمبالغة كأن العين بنفسها تمجهم لقبح النظر إليهم. وقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ الإشارة فيه إلى التفاوض والتقاول والتدافع الذي حكى عنهم، و ﴿تَخَاصُمُ﴾ بالرفع على قراءة الجمهور خبر لمبتدأ محذوف أي هو تخاصم والجملة في محل نصب بيان لاسم الإشارة. والإبهام ثم التبيين لزيادة التقرير. وأما على قراءة النصب فهو بدل من اسم الإشارة أيضاً. المعنى الإجمالي:

стр. 3515

الأمر هذا الذي وصفنا، وإن للمتجاوزين حق التوحيد إلى الكفر لقبيح مرجع. النار المحرقة البعيدة القاع يدخلونها ويعذبون بها، ويفترشونها، فقبح وذم وساء الفراش جهنم. هذا العذاب فليحسوا به ـ ماء شديد الحرارة، وقيح وصديد يجري من أجساد أهل النار، أو عين في جهنم ينغمسون فيها. يصهر به ما في بطونهم والجلود. وعذاب آخر من مثل المذكور في الشدة والفظاعة أنواع، ويقال للرؤساء عند دخول النار: هذا جمع كثير داخل وسط شدة مخيفة في صحبتكم! فيقول الرؤساء: لا سعة عليهم، إنهم داخلوا النار، قال الأتباع للرؤساء: بل أنتم سببتم لنا هذا العذاب. فبئس المقر جهنم قالوا: سيدنا ومالكنا من سبب لنا هذا العذاب فزده عقاباً مضاعفاً في جهنم. قالوا: أي شيء حدث لنا حال كوننا لا نبصر رجالاً في جهنم كنا نعتبرهم في الدنيا من الأراذل؟ ننكر على أنفسنا الآن الاستهزاء بهم في الدنيا أو جعلهم مسخرين، بل ننكر على أنفسنا ما هو أفظع وأشد وهو جعلهم محقرين حتى كأنَّ العين بنفسها تمجهم لقبح النظر إليهم. إن هذا التدافع والتفاوض والتقاول لا بُد من وقوعه البتة، وهو تقاول أهل النار. ما ترشد إليه الآيات: ١ـ بيان حال أهل النار. ٢ـ تنوع عقابهم. ٣ ـ تبرؤ الذين اتُبِعوا من الذين اتّبَعُوا. ٤ـ الدعاء عليهم. ٥ـ دعاء الأتباع على المتبوعين. ٦ـ وصمهم بأنهم سبب بلائهم. ٧ـ تبكيتهم لأنفسهم على ما قدموا من الإساءة للفقراء. ٨ـ الواقعة خافضة رافعة. ٩ـ تخاصم أهل النار حق لا بُد من وقوعه

стр. 3516

قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّار، رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ، قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ، أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ، مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلأِ الأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ، إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ، إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ، إِلاًَ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ . المناسبة: لما كان من الغرض الذي سيقت له هذه السورة هو إثبات الرسالة وتقرير التوحيد، وقد حكى الله عن الكفار في أول السورة أنهم أنكروا الرسالة والتوحيد فقالوا ساحر كذاب. أجعل الآلهة إلهاً واحداً.. وقص الله من أحوال بعض المرسلين ما قص، من التجائهم إلى الله وحده لتفريج كربهم لما فتنوا، وفي هذا تقرير الرسالة والتوحيد، رد هنا على منكري الرسالة والتوحيد بتقريرهما وإثباتهما بقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ وذكر أدلة قاطعة على ذلك. القراءة: قرأ الجمهور ﴿إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ بفتح همزة ﴿أَنَّمَا﴾ وقرئ بكسرها. المفردات:

стр. 3517

﴿مُنْذِرٌ﴾ مخوِّف. ﴿إِلَهٍ﴾ مألوه محبوب مستحق للعبودية. ﴿الْوَاحِدُ﴾ الأحد الذي لا شريك له، ولا يشبهه شيء. ﴿الْقَهَّارُ﴾ الغلاَّب العالي على جميع الخلائق. ﴿الْعَزِيزُ﴾ القوي الذي يَغلب ولا يُغلب وهو يجير ولا يُجار عليه. ﴿الْغَفَّارُ﴾ الستَّار لما يشاء من هفوات عباده وسيئاتهم. ﴿نَبَأٌ﴾ خبر خطير. ﴿عَظِيمٌ﴾ جليل. ﴿أَنْتُمْ﴾ أيها الكفار من قريش وغيرهم. ﴿مُعْرِضُونَ﴾ صادُّون. ﴿مِنْ عِلْمٍ﴾ من سابق معرفة. ﴿بِالْمَلأِ﴾ بالجماعة الأشراف الذين يملئون العيون رواء والنفوس جلالة وبهاء. والمراد بالملإ هنا جماعة الملائكة وآدم وكان معهم إبليس. ﴿الأَعْلَى﴾ العلو هنا حس لأنهم كانوا في السماء. ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾ يتقاولون. ﴿يُوحَى إِلَيَّ﴾ يلقى إليَّ الوحي وينزل عليَّ الملك، وأبعث إليكم. ﴿مُبِينٌ﴾ بيِّن الإنذار. ﴿خَالِقٌ﴾ مُوْجِد. ﴿بَشَراً﴾ جسماً كثيفاً يلاقي ويباشر، أو خلقاً بادي البشرة بلا صوف ولا شعر ولا وبر، والمراد به آدم. ﴿سَوَّيْتُهُ﴾ صورته وعدلته. ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ﴾ دفعت فيه. ﴿مِنْ رُوحِي﴾ من الحياة التي أملكها وأحيي بها الخلق. ﴿فَقَعُوا﴾ فخروا. ﴿سَاجِدِينَ﴾ ساقطين على وجوهكم. إبليس هو أبو الجن وكان من سكَّان السموات بين صفوف الملائكة وهو إفعيل من الإبلاس وهو الإياس من الخير وفيه معنى الندم والحسرة كما قال رؤبة: وحضرت يوم الخميس الأخماس وفي الوجوه صفرة وإبلاس يعني به اكتئاباً وكسوفاً. ﴿اسْتَكْبَرَ﴾ اعتبر نفسه كبيراً. التراكيب:

стр. 3518

القصر في قوله: ﴿إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ﴾ إضافي. والعطف في قوله: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللَّهُ﴾ لإفادة أن له ﷺ صفة الدعوة إلى توحيده أيضاً مع صفة النذارة فالأمران مستقلان بالإفادة. ومن فيها لاستغراق النفي أي ما إله مستحق للعبودية أصلاً إلاّ الله. والحصر في قوله: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللَّهُ﴾ حقيقي. ولما كان المقام لتقرير الرسلة والتوحيد وكانت الرسالة هي السبيل الذي يعرف منه التوحيد ذكرها أوَّلاً ثم ثنى بالتوحيد ولما كان التوحيد هو الغاية التي بعث لأجلها المرسلون عقب قوله: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللَّهُ﴾ بخمس صفات لله كلها لتقرير التوحيد. أما الوصف بالواحد فظاهر، وأما القهَّار فلأنه لو وجد إله غيره لم يكن قهَّاراً له لأنه لو قهره لم يكن المقهور إلهاً بالضرورة. ولو قهره الآخر لا يكون إلهاً تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. وأما الوصف بالربوبية فلأن الرب هو سيد كل شيء ومليكه ومربيه وهذا ينافي أن يكون هناك إله آخر. وأما العزيز فلأنه يقتضي أن يَغلب غيره ولا يَغلبه غيره ومع الشركة لا يتم ذلك. وأما الوصف بالغفار فلأنه يقتضي أن يغفر ما يشاء لمن يشاء فلو وجد إلهاً آخر ربما شاء مغفرة لأحد وشاء الآخر عقابه ولا بُد أن يفوت مراد أحدهما ومن فات مراده ليس بإله تعالى الله عن الشركاء والأنداد علواً كبيراً.

стр. 3519

وقوله: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ الضمير فيه راجع إلى القرآن المشتمل على الإنذار والتوحيد. وجملة ﴿أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ صفة ثانية لنبأ. وقوله: ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلأِ الأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ استئناف مسوق لتحقيق النذارة حيث أنبأ عن الملأ الأعلى نبأ مفصلاً دون سابق معرفة ولا مباشرة سبب من أسباب المعرفة المعتادة. فكان ذلك حجة بيِّنة دالة على أن ذلك بطريق الوحي من عند الله تعالى. وقوله: ﴿بِالْمَلأِ﴾ متعلق بعلم لتضمنه معنى الإحاطة. والملأ اسم جمع ولذلك وصف بالمفرد وأعيد عليه ضمير الجمع. وقوله: ﴿إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ متعلق بمحذوف يقتضيه المقام إذ المراد نفي علمه ﵊ بحالهم، والتقدير ما كان لي من علم بحال الملأ الأعلى وقت اختصامهم. والتعبير بالمضارع بدل الماضي لاستحضار حكاية الحال لأنه أمر غريب. وقوله: ﴿إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ اعتراض بين قوله: ﴿إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ المفيد لاختصامهم إجمالاً، وبين قوله: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ﴾ المفيد لاختصامهم تفصيلاً وإنما جيء بهذه الجملة المعترضة لزيادة تقرير النذارة أيضاً وتعيين سبب علمه ﵊، ونائب الفاعل إما ضمير عائد على الحال المقدر والتقدير: ما يوحى إليّ حالهم إلاّ لأني نذير مبين من جهته تعالى. ومن قرأ ﴿أَنَّمَا﴾ بالفتح فعلى تقدير اللام. أما على قراءة الكسر فالتقدير: لم أومر إلا بأن أقول لكم إنما أنا نذير مبين. أي دون أن أقول لكم أنا أعلم الغيب بدون وحي. فالحصر هنا إضافي وقوله: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ﴾ شروع في تفصيل ما أجمل من الاختصام. و ﴿إِذْ﴾ فيه بدل من ﴿إِذْ﴾ الأولى، وليس من ضرورة البدلية دخولها على نفس الاختصام بل يكفي اشتمال ما في حيزها عليه. وقيل ﴿إذ﴾ منصوب بمقدر هو اذكر. وقوله: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ

стр. 3520

أَجْمَعُونَ﴾ توكيدان. أما الأولى فلإفادة أنه لم يبق منهم أحد إلا سجد، وأما الثاني فلإفادة أن سجودهم كان بطريق المعية وأنه لم يتأخر أحد عن أحد، وهو في هذا يفيد ما يفيده الحال ويزيد عليه معنى التوكيد. والفاء أفصحت عن مقدر أي فخلقه فسواه فنفخ فيه الروح فسجد الملائكة. هذا وإذا أمر الله تعالى بالسجود لآدم لا يكون السجود عبادة لآدم بل عبادة الله الآمر بالسجود طاعة له. وإنما فيه تكريم لآدم كالسجود لجهة الكعبة. وقوله ﴿إِلاًَ إِبْلِيسَ﴾ الاستثناء منقطع لأنه كان من الجن فهو من باب قام القوم إلا حماراً. فإن قيل: إذا كان إبليس من الإبلاس كما مرّ فهلا صرف؟ أجيب بأنه إنما لم يصرف إذ كان اسماً لا نظير له من أسماء العرب فشبهته العرب بأسماء العجم فمنعته من الصرف. المعنى الإجمالي: قل يا محمد ما أنا إلا رسول يعلمكم عن ربه، ويخوفكم، ولا معبود بحق إلا الله الذي لا شريك له العالي على جميع خلقه سيد كل شيء ومليكه ومربيه، الغالب الذي يستر سيئات عباده وهو قادر على أن يؤاخذهم بها. قل يا محمد: هذا القرآن خبر خطير جليل أنتم عنه صادون غافلون. من أين أعلم حال الملائكة وقت تراجعهم في شأن آدم وامتناع إبليس عن السجود فأنا أميٌّ لم أقرأ كتاباً ولم أتخلف إلى من يعلمني، ما علمته إلا من طريق الوحي، وما أوحي إليّ إلاّ لأني نذير بيِّن الإنذار واضحه. من أين أعلم حال الملأ الأعلى إذ قال ربك للملائكة إني موجد إنساناً بادي البشرة من طين، فإذا عدلته وأتممت خلقه، وبعثت فيه الحياة فخروا له على وجوهكم ساقطين، فلما خلقه وعدله، ونفخ فيه الحياة، سجد الملائكة لم يتخلف منهم أحد، ولم يتأخر أحد في السجود عن أحد، إلا إبليس تعاظم وصار من الجاحدين العاصين. ما ترشد إليه الآيات: ١_ تقرير النذارة. ٢ـ تقرير التوحيد. ٣ـ إعلام الله الملائكة بآدم قبل خلقه. ٤ـ تكريم آدم.

стр. 3521

٥ـ طاعة الملائكة لله وسرعة امتثالهم لأمره. ٦ـ امتناع إبليس عليه اللعنة عن السجود. ٧ـ علة امتناعه الكبر.

стр. 3522

رسائل لم يحملها البريد بقلم الشيخ عبد الرؤوف اللبدي المدرس بكلية الشريعة بالجامعة شقيقي الراحل: لقد باعد الموت ما بيننا، أمَّا أنا فلا أزال في الأحياء، أدِبُّ فوق الثرى إلى أجل مسمى يعلمه الله، وأمَّا أنت فقد اعتبطت الموت، وارتحل بك إلى الدار الآخرة، تواريت تحت التراب تنتظر يوم الحساب. كان ذلك في ليلة مكفهرة عابسة في أعجاز الخريف، قد امتلأت آفاقها بالسحب، فلم يطلع لها نجم، ولا أضاء فيها قمر، وكانت الأرض قد صوح نبتها، ومات عودها، وأصبح ما على وجهها هشيماً تذروه الرياح. كانت السماء تبكي في تلك الليلة، كانت تبكي على الأرض، لتطفئ ظمأها، وتحيي هشيمها، وتكسوها حلة قشيبة موشاة تميس فيها لآذار ونيسان. وكانت السماء تبكي عليك في تلك الليلة، وأنت من فوق ألواح الخشب على ظهر الشاحنة الكبيرة الصاعد في سفوح وادي الموجب، ذلك الوادي السحيق العميق الذي تزوغ في أحشائه الأبصار. لقد كان مقعدك إلى جوار السائق دافئاً أميناً، بعيداً عن الخطر والمطر والبرد والعواصف، فلِمَ غادرته لتمطي الأمواج وتكافح الرياح، وتتلقى الماء المنهمر؟! ما الذي كان يدعوك إلى أن تركب هذا المركب الخشن؟! ولِمَ حمَّلت نفسك تلك الصعاب، وأذقتها ذلك العذاب؟! نعم، لقد كنت أميناً عند الناس وعند الوزارة، فخشيت أن تسّاقط ألواح الخشب في سواد الليل البهيم وأنت لا تدري، فتساقط معها أمانتك التي كنت حريصاً عليها كل الحرص، وفيّاً لها كل الوفاء. والتَوَت الطريق على الشاحنة الكبيرة، وخرج بها عن الجادة ظلمات الليل، وتتابع الودق، وسوء خلق السائق، فألقت بنفسها وبمن فيها وما عليها على الأرض، كما يلقي المتعب الواهن بنفسه إذا ناء كاهله بما يحمل، ولم تقوَ ساقاه على طول الطريق.

стр. 3523

وقفزت من على الشاحنة تريد النجاة من الموت، ولكن الموت كان يترصدك على أسنة الصخور الحادة التي كسرت أعظمك، وأسالت دمك، وتركتك لقي على الأرض، لا ترى من حولك أُمّاً ترسل الدمع، ولا إلى جانبك أخاً يتوجع، ولا على مقربة منك عابر سبيل يحمل الوصية. كنت أنا في مدينة الرياض بعيداً عنك مئات الأميال، وجاءني ورقة صغيرة فيها كلمات تسمى (برقية) ، تسلمتها في صباح يوم من أيام التدريس، تسلمتها على قلق، وقرأتها عجلان في لهفة، فإذا هي تنعاك إليّ، قرأتها مرة بعد مرة بعد مرة، وفي كل مرة كأني لم أقرأها من قبل، يا لله للمصائب المفاجئة! كأنما اتخذت عند الرحمن عهداً ألا تسبقني إلى الموت. قرع الجرس، وجاء موعد الدرس، فطويت الورقة الحزينة، وأسكنتها جيبي في غير سكينة، ودخلت غرفة التدريس ... لقد مضى على ذلك سبعة عشر خريفاً، وإني لأذكر اليوم كأنما كان الساعة. كان درساً في تاريخ الأدب عن ابن تيمية ﵀، وألمت بي في أثناء الإلقاء فترات صمت وذهول وشرود، ولكن الطلاب كانوا يحسنون الظن بي، فظنوا أني أتذكر معلومات نسيت، وأتصيد أفكاراً ندّت! وانتهت الحصة، وعدت إلى البيت، فقال أهله: ماذا هناك؟! فقلت لهم ما كان هنالك، فكان صمت، وكان تجهم ووجوم. ومضت الساعات والأيام والليالي والأشهر، مضت بطيئة الخطو، ثقيلة العبء، مرَّة المذاق، أعاني فيها فقدك، وأعاني فيها مرض السكر الذي كنت لا أدريه. ثم ... ثم بعد طول عذاب وطول غياب يجيء يوم العودة، ويعود المدرسون إلى أهليهم وذويهم بعد فراق تسعة أشهر. وكان العائدون في مطار الرياض يتحركون بخفة ورشاقة، وكانوا يتكلمون ببشر وطلاقة، كأنما هم عصافير الصباح. أما أخوك فكان يتكلم، ولكنه لم يكن بليل الريق، وكان يتحرك، ولكن بغير جناح.

стр. 3524

كان العائدون في مطار الرياض يمدون بأبصارهم وخيالهم بعيداً بعيداً، إلى أرض الوطن، فيرون على أرض مطاره، وعلى أبواب دياره، وفي أفنية المنازل، يرون وجوهاً ضاحكة مستبشرة، تفتح الأذرع، وتمد الأعناق. أما أخوك فكان يمدّ ببصره كما يمدون، ويحلق بخياله كما يحلقون، ولكنه لم يكن يرى إلا عيوناً أطفأها الدمع، ووجوهاً أذواها الأسى. وآب الغيّاب إلى أهليهم، وآب أخوك إلى أهله ... وفي أول الطريق المؤدي إلى بيتك لقيني طفلك الأكبر، بوجهه المشرق الأزهر، يلعب ويثب مع أطفال الشارع، قال ـ وقد فوجئ بلقيانا ـ: جيتم؟! حتى إذا زالت عنه دهشة الفجاءة عاد يقول: عمي، أبي قد مات، قالها ببراءة وطلاقة ودون مبالاة، وهو لا يدري أي سهم رمى، ولا أي قلب أصمى، وابتدر الدمع إلى عينيّ، ولكنني حبسته بعد غلاب، ومشينا في الطريق إلى البيت، أحمل حقيبة كبيرة في يدي، وطفلك هذا يقفز ويثب من حولي فرحاً مسروراً، يحاول بين الفينة والفينة حمل الحقيبة التي كانت أثقل منه، ووصلنا إلى باب الدار، وعلى عتبة بابها الخارجي كانت أروى ذات العامين تجلس، لقد تركناها حين سفرنا دون فطام، فلم تعرفنا حين العودة، ولم تبد لاستقبالنا أي حراك، لم أقف عندها غير قليل، ثم تجاوزت العتبة إلى من هم وراء العتبات والأبواب ينتظرون، وجدت الوالدة في إحدى زوايا الغرفة تبكي، ومن خلفها زوجك تباكيها، وابنك الأصغر الرضيع مستلقياً على ظهره يحرك يديه ورجليه في خفة ونشاط، دون أن يدري شيئاً مما حوله، كان سلامنا عبرات مهراقة، وقصصاً كثيرة تروي عن مصرعك وجنازتك ودفنك.

стр. 3525

وذهبت مع شقيقنا الأكبر، حتى إذا انتهينا إلى المقبرة سلمنا على أصحابها، وأخذنا نجوس خلالها إلى أن قال لي: ههنا ... فوقفت وسلمت، ونظرت فإذا حفرة كاد يعيفها الريح والمطر لولا حجارة صغيرة طوقتها من كل جانب. يا للموت!! لقد اتسعت هذه الحفرة الصغيرة لقامتك الفارغة، ولآمالك المضيعة، ولهمومك الكثيرة، ولِمَ لا تتسع؟! فالأموات في بطن الأرض ليسوا في حاجة إلى غرف استقبال يتباهون بما فيها من سجاد وكنب وزينة وتحف، وليسوا في حاجة إلى غرف نوم يستريحون فيها وينعمون ويحملون ويكسلون، وما بهم من حاجة إلى غرف للطعام يأكلون فيها أكثر مما ينبغي لهم، ليسوا في حاجة إلى هذا كله، ولا إلى ما يتصل به، ولا إلى ما هو أدنى من ذلك ولا أكثر، لقد ضل عنهم ما كانوا على ظهر الأرض يفعلون. أما أمك فقد ظلت بقية عمرها مكلومة الفؤاد، لا تكاد ترقأ لها دمعة، أو تخمد لها لوعة، حتى لحقت بك. يا للأمهات ويا لقلوب الأمهات!! يظللن وفيَّات طول العمر، وعلى نوائب الدهر. أما زوجك فقد حزنت ما حزنت، حتى إذا عرض لها الزوج الذي ترتضيه تركت بقايا حزن كانت لا تزال عالقة بأذيال ثوبها، وألقت بأولادك الثلاثة إليّ، كما يلقي المسافر بمتاع أثقل عاتقيه، وحنى قائم صلبه، وأقبلت على حياتها الجديدة كما يقبل عباد الله الذين تصيبهم الجراحات حيناً من الدهر، ثم تندمل على كر الغدايا ومرّ العشايا. لست أدري أكنت في حياتك الدنيا تذهب مذهب القائل: أهيم بدعدٍ ما حييت فإن أمت فلا صلحت دعد لذي خلة بعدي أم كنت ترى هذا القائل أنانيّاً غيوراً ظلوماً؟

стр. 3526

وأياً ما كان رأيك وهواك، فقد سلكت زوجك الطريق الذي كنت أنت سالكه، لو ماتت هي وبقيت أنت حياً في شرخ الشباب ونضارة الصبا، فلا تثريب عليها فيما فعلت ولا عتاب، والنساء اللائي يصبرن على مكاره العيش ولأواء الحياة، وينشرن أجنحة الرحمة على أطفالهن مؤثرات نعيمهم وراحتهم على راحتهن ونعيمهن، أولئك نسوة قلائل، وقلائل جداً. وقد تسالني في لهفة وحسرة، وخوف وإشفاق، وماذا صنعت أنت بأطفالي؟! أطفالي الذين كانوا همي وتفكيري وأنا أودِّع هذا العالم، وأكابد غصص الموت، أطفالي الذين طالما وضعت الخطط لمستقبلهم، وبنيت الآمال الكبار على شبابهم، أطفالي الذين تركتهم كزغب القطا ثم لا ماء ولا شجر، أطفالي ...؟! ما صنعت بهم إلاّ خيراً، وسوف أقص عليك نبأهم بعد حين. دعني الآن أصلي وأسلم على رسول الله وأقول له: صلاة الله وسلامه عليك يا رسول الله، ما أكثر ما سمعت قولك: " أنا وكافل اليتيم له أو لغيره كهاتين في الجنة " وتشير بإصبعك السبابة والوسطى. ما أكثر ما سمعت هذا القول، ولكن أذني وحدها التي تسمع، ثم لا يلبث تسمعه أن يطويه النسيان. أما اليوم فإني لأسمعه بحواسي الخمس، وأذكره ليل نهار، صباح مساء، وأدركه عن بلاء وعناء وتجربة. عانيت يا رسول الله تلك الكفالة التي ذكرت، وتذوقت طعامها الحلو المر، وسمعت نداءها الصاخّ والهامس، ولمست ما خشن منها وما لان، وملأ أنفي منها عطر ودخان، ورأت عيناي لها كثيراً من الصور، فعرفت لماذا أجزلت لها في العطاء، وأعليت شأنها ذلك الإعلاء، وأدركت أن ما قلته لم يكن من بابة الترغيب المحض والإغراء، ولا إسرافاً في الثواب والجزاء، وإنما كان منطق الحق والصدق والهدى والتجربة. أما الآن فأعود إليك أيها الأخ الكريم الراحل، أعود إليك لأحدثك حديث أبنائك الذين تركتهم صغاراً، وأصبحوا اليوم كباراً، ...

стр. 3527

وإني لأخالك لهفان عجلان إلى أخبار ابنك الكبير ... فقد تركته وعلى محياه مخايل الذكاء، وفي عينيه بريق الألمعية. قصته قصة لم تنته بعد، ولقد بدأ بداية طيبة مرتجاة، حتى إذا هبت عليه عواصف المراهقة، واستبدت به عواطف الشباب، وفقد القدوة الصالحة في المدرسة وفي الشارع، وبعدت عنه أعين الرقباء ـ أخذت ساقاه تضطربان من تحته، وعيناه يغشاهما الضباب؛ وإنه ليخيل إليّ أنك من هول الصدمة تتميز من غيظ، وتصرخ من حسرة، وتسأل من عجب: وأين غاب النصح والإرشاد وإصلاح الفساد؟! لم يعد للبيت سلطان على شباب هذا الجيل، وما يصلحه البيت ـ إن كان هناك إصلاح ـ تفسده المدرسة حيناً، ويفسده الشارع حيناً آخر، وفي كثير من الأحيان تفسده صحف ومجلات وقصص ووسائل إعلام أخرى. لقد أصبح عطاء كثير من المدرسة والجامعات عطاء معلومات وحشو معارف، وأصبح همُّ الطلاب نجاحاً في امتحانات وحمل شهادات، لقد فقد الطلاب في مدارسهم هذه وفي جامعاتهم تلك، فقدوا القدوة الصالحة والمثال العالي، فقدوا ما يثبت الإيمان في القلب، وما يغرس الفضيلة في النفس، وإذا ما قلت لك لقد وجدوا فيها ما يزعزع الإيمان في الأفئدة، وما يقتل الفضائل في الأنفس، فما جانبت حقاً ولا قلت زوراً. إن كثيراً من المدرسين ذووا مؤهلات علمية جيدة، ولكنهم ـ وا أسفاه ـ ليس لهم نور يسعى بين أيديهم وعن أيمانهم وشمائلهم يراه الطلاب فيسيرون على هديه. لقد أصبحت العلاقة بين المدرسة وتلاميذها علاقة بائع ومشتر، أما ما كان بينهما منذ أزمان من أسباب المودة والعطف والحنان، والإخلاص والنصح، فما أظنه إلاّ راقداً في رمس من هذه الرموس التي من حولك. لا أريد أن أشرح لك الأسباب، وأبيِّن لك العلل، فذلك شأن من شؤون هذه الدنيا، وأولئك الذين هم يعيشون في الدار الآخرة لا يعنيهم هذا، ولا ينبغي لهم.

стр. 3528

لن أطيل عليك، فابنك هذا قد أخذ شهادته الجامعية بجدارة، وشرع يزاول عملاً يطعمه الخبز المأدوم، ويسقيه الماء القراح، وهو إلى جانب ذلك يقول الشعر، ويكتب الأدب، ويحب القراءة، على أني لا أدري أيظل في ضلاله القديم، أم يتخذ له طريقاً في الحياة رشداً. وأما ابنتك الصغيرة التي تركتها ذات عامين، فلم تأخذ من التعليم إلاّ حظاً قليلاً، ولا أدري أكان في ذلك الخير لها أم الشر، ومهما يكن من أمر فأولو البنات هذه الأيام يصطفون لبناتهم من الأزواج من كان ذا مال وعقار، أو كان من الموظفين الكبار، ثم من كان ذا حسب ونسب، وقد يعبئون بذي الدين، وكثيراً ما يكون عيب الخاطب أنه ذو دين، وقد تعجب وتسأل، فيقول قائلهم أريد أن أؤمن حياتها، وأن أطمئن إلى راحتها، وليس أفضل في هذا المجال من ذي مال. أما أنا فقد ذقت طرفاً من الفقر، وشيئاً من الغنى، فما وجدت الراحة هناك، وما وجدتها هنا، وجدتها طمأنينة نفس وعلاقة بالله صامتة، ليست بذات نفاق وضجيج وتجارة، فآثرت أن تنتقل ابنتك إلى بيت فيه صلاة وصيام، فيه خشية من الله وابتغاء مرضاته، ففي مثل هذه البيوت تكون الراحة، وفي مثل هذه البيوت يكون الأمان والاطمئنان. أما ولدك الثالث الذي تركته رضيعاً لم يبلغ الفطام، فورقة صفراء من أوراق الخريف، ما هو بالعليل الذي تغشاه صفرة الموت، ولا بالهزيل الذي عضه الجوع وأذواه، لا، فجسمه يفيض نشاطاً وحياة وصبا، ولكنه في روحه ونفسه كسائر أبناء جيله وجنسه، خواء وخلاء، ضياع وقلق، وهيام في كل واد، يسيرون على كل طريق، ولكنهم لا يعرفون بيوت الله إلا قليلاً، ويتعلمون الدين، ولكنهم يسقون كما يسقى المريض دواءه المر، ويصغون إلى نداء الناصح الشفيق كأنما هم في حلم. لا أريد أن أظلمه حقاً، أو أنقصه قدراً، فلقلبه الغافل بعض الأحايين صحو أرجو الله أن يطول، ولسمائه الغائمة بعض الأماسيّ وميض رغبة أسال الله أن يضطرم.

стр. 3529

على أنه مما يعزيك ويعزيني أنه ليس من أؤلئك الشبان الذين اتخذوا لهم في اللباس والمظهر صبغاً جديداً، وزيّاً شروداً، فربّوا أظافيرهم كحوافر الخيل، وأطلقوا شعورهم منفوشة كأصواف الخراف، وزينوا معاصمهم بالأساور، وعلقوا القلائد في الأعناق، ولبسوا البناطيل ضيقة الأعالي واسعة الأسافل، وهبطوا بالأحزمة العريضة على الأعجاز، ثم لا شيء وراء ذلك يثقل في الميزان من عمل صالح، أو علم نافع، أو اعتناق لدين، أو احترام لعرف، أو اعتراف بفضيلة. لا تحزن أيها الأخ الراحل أن تموت شاباً، وأن يجيئك الموت مرة واحدة، فالذين عاشوا من بعدك، على الرغم من طول أعمارهم، يموتون في كل يوم مرة أو مرتين.

стр. 3530

الجهاد.. الجهاد.. بقلم الشيخ محمود عبد الوهاب فايد المدرس بكلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة العدو الصهيوني خسيس خبيث، استطاع بمكره ودهائه أن يحتل جزءاً من أراضينا، ويسيء إلى سمعتنا، وينال من كرامتنا، والصراع بيننا وبينه يزداد عمقاً وعنفاً، واليوم وقد اشتعلت الحرب بيننا وبينه يجب علينا أن نثبت في المعركة ونستبسل في الكفاح، ونأخذ بأسباب القوة، وعوامل الظفر والنجاح، ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلاً﴾ . ١ـ علينا أن ندرك أن الجهاد فريضة محكمة أوجبه الله علينا بالعبارة التي أو جب بها الصوم فكما قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ قال في السورة نفسها، وبعد الآية بقليل ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ . القتال قد تنفر منه النفوس، ولكنه أحياناً لا تجد الأمة بديلاً عنه ويكون بالنسبة لها أطيب ثماراً، وأعظم آثاراً وأجدى في تحقيق عزتها، وصون كرامتها. وفي القرآن يتوعد الله الذين يتخلفون عن الجهاد فيقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إلاَّ قَلِيلٌ إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .

стр. 3531

فواجب أن يجاهد كل فرد منا خصومنا الصهيونيين أعداء الوطن والدين قال ﷺ : "جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم" أخرجه أبو داود والنسائي. وقال: "من جهز غازياً في سبيل الله فقد غزا أو من خلف غازياً في أهله بخير فقد غزا" رواه الشيخان. ٢ـ وعلينا وقد عزمنا على حرب عدونا أن نصل أنفسنا بالله، ونتوب إليه، ونتوكل عليه ونخلص في طاعته ونصدق في محبته، ونوالي من والاه، ونعادي من عاداه، ونكف عن المآثم والمظالم، ونتجنب حياة المجون والخلاعة والدعة، لتصفو نفوسنا، وتأتلف قلوبنا وتقوى عزائمنا، ويرضى عنا ربنا، ونظفر بتأييد ونصره ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ . ٣ـ وعلينا أن نذكر أن الموت لا مهرب منه ولا منأى عنه قال تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ ـ ﴿لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ . ولأن نموت مقبلين خير من أن نموت مدبرين، والطعن في الصدور خير منه في الأعجاز والظهور. وما أكثر من قتلوا وهم في بيوتهم آمنون، وما أكثر من نجوا وكانوا في ميادين الحرب يقاتلون، ويرحم الله خالد بن الوليد إذ يقول: "والله لقد شهدت مائة حرب أو زهاءها وما بقي بجسدي موضع شبر إلاّ وفيه ضربة بسيف أو طعنة برمح، وهأنذا أموت على فراشي كما يموت العير فلا نامت أعين الجبناء وما من عمل أرجى من لا إله إلاّ الله وأنا متترس بها".

стр. 3532

٤ـ وعلينا أن نستيقن أن مآلنا في الجهاد إحدى الحسنين: النصر أو الشهادة قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾ . وقال: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّخَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ . وعلينا أولاً وأخيراً أن نقوي إيماننا بالله وثقتنا في نصره فنقتلع جذور اليأس من نفوسنا فلا نهيب كثرة العدو ولا عدته، فعند الله جنود لا تحصى ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ والأَّض﴾ . ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ . ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ . ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ .

стр. 3533

ومن واجبنا هنا أن نذكر غزوة الأحزاب لنطرد اليأس ونصحب الأمل فقد ألَّب يهود بني النضير كفار مكة ومن حولها على رسول الله ﷺ وخرجوا في جيش جرار وعقدوا العزم على إبادة الدعوة والداعية واستمالوا يهود بني قريظة فخانوا المسلمين وانضموا إليهم، واشتد الخطب على أصحاب رسول الله ﷺ في ذلك الحين وقال المنافقون يومئذ: "إن محمداً كان يعدنا كنوز كسرى وقيصر وأحدنا اليوم لا يأمن أن يذهب إلى الخلاء وحده". ولكن إيمان المؤمنين فتح في وجوههم أبواب الأمل، وبدد ظلمات اليأس، وأنار أمامهم الدنيا بأجمعها فنصرهم الله بريح من لدنه ساقها إلى الكفار فأعمت عيونهم وردتهم على أعقابهم خاسرين، وبعدئذ تفرَّغ رسول الله ﷺ ليهود بني قريظة أولئك الذين خانوا عهده، ونقضوا مواثيقه، وأصبحوا حرباً على المسلمين فأمر رسول الله ﷺ بالإسراع إليهم، والإجهاز عليهم، واستجاب المؤمنون لرسولهم، وانطلقوا سراعاً نحوهم وحاصروهم حتى نزلوا على حكمهم، وعاد المسلمون بالنصر والغنيمة، وباء الخونة بالخذلان والهزيمة.

стр. 3534

ونزل في هذه الغزوة قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأبصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلا َّغُرُوراً وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً﴾ . ونزل في وصف حال المؤمنين قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ . ونزل في شأن اليهود قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَأُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراًً﴾ . أيها المسلمون:

стр. 3535

هذا تاريخكم الأغر فاعتبروا به وصلوا حاضرهم بماضيكم، وحسِّنوا نياتكم، وأخلصوا لربكم، وتصافوا فيما بينكم، وأعدوا العدة لأعدائكم، وجاهدوا في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ .

стр. 3536

رسالة إلى الأستاذ الدكتور أحمد زكي رئيس تحرير مجلة العربي المحترم بقلم الدكتور محمد معروف الدواليبي وبعد فقد أخبرني منذ أيام بعض الأصدقاء من كبار هيئة العلماء في الرياض أن الدكتور أحمد عبيد الكبيسي مدرس الشريعة الإسلامية بجامعة بغداد قد نشر في مجلتكم الغراء في العدد ١٦٦ الصادر في شهر رجب ١٣٩٢ ـ سبتمبر (أيلول) ١٩٧٢م كلمة تحت عنوان (الحكم بقطع يد السارق في الشريعة الإسلامية) ، وأنه قد جاء فيها "أن بعض الباحثين، ومن هؤلاء معروف الدواليبي في كتابه (المدخل إلى علم أصول الفقه) الصفحة ٣٢١، قد ذهبوا إلى جواز إلغاء عقوبة السرقة أو تبديلها بعقوبة [١] أخرى تبعاً لتغير الأزمان والأحوال، وأن لولي الأمر الحق في تكييف عقوبة السرقة حسب الظروف والمقتضيات، وأن هؤلاء ومن وافقهم على أصل جواز تغيير الأحكام المنصوص عليها إذا دعت إلى تغييرها مصلحة حتى ولو تعارض ذلك مع نصوص الكتاب والسنة، وأنهم أخذوا بوقوع النسخ كدليل على جواز تغيير الأحكام المنصوص عليها وأنهم اعتبروا عدم قطع عمر لغلمان حاطب لما سرقوا تصرفاً في النص وتعطيلاً للحد"، ثم أنهى هذا الكاتب كلمته بقوله: "أما وقد تم التشريع الإسلامي وأكمل الله دينه، وعقوبة السرقة على حالها، فليس لأحد أن يدعي أنه يعلم من وجوه المصلحة ما غاب من علم الله تنزه ذكره، ومن شقي بادعاء ذلك فليسمع قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ .

стр. 3537

وإن الذي نقل إليّ هذه الكلمة كان استغرابه عظيماً لما نشر في هذا العدد منسوباً إليّ خاصة، وكنا في حديث عن ندوة كبار علماء الحقوق الأوروبيين الذين حضروا إلى المملكة السعودية في شهر مارس من هذا العام للاجتماع مع علماء المملكة والتعمق في حقيقة حقوق الإنسان في الإسلام، وقد أثاروا أحكام الحدود في الإسلام مستنكرين ومعلنين تنافيها مع حقوق الإنسان، وكان رَدّي عليهم كلمة الفصل وبحضور نخبة من كبار علماء المملكة برئاسة سماحة وزير العدل الشيخ محمد الحركان الذين شكروا لي موقفي وقوة حجتي في الدفاع عن شريعة الله وخاصة في الحدود وفي مقدمتها القطع والرجم، وكل ذلك لا يتفق في شيء مع ما نسبه إليّ الكاتب الدكتور أحمد عبيد الكبيسي، مع العلم بأن كتابي الذي نسب إليه هذا الباطل قد طبع خمس طبعات منذ سنة ١٩٤٩، ودرَّسته في كلية الشريعة في دمشق بضع سنوات، وكذلك في كلية الحقوق في دمشق، وكذلك في معهد القضاء العالي في الرياض بتكليف خطي لي من قبل المرحوم سماحة مفتي المملكة العربية السعودية الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀، ولم يفهم أحد مني أو من كتابي ما فهمه الكاتب الدكتور الكبيسي، وها أنا أستعرض ما سجله الكاتب المذكور من مفاهيم لا أصل لها في كتابي، مع الرد عليها واحدة فواحدة من نفس كتابي، وخلافاً لما نسبه إليّ. وإنني أبدأ في الرد على ما نسبه إلى كتابي من نقاط أساسية مرتبة كما جاءت في كتابي من أصول ثم من فروع، مع لفت نظر الكاتب أولاً إلى أنني لست باحثاً في هذه الأمور ومبتدعاً، وإنما ناقلاً ومتمسكاً بما قرره العلماء، وعاملاً بفهمهم لا بما نسبه إليّ الكاتب الكبيسي من فهم ظالم.

стр. 3538

ومن أولى هذه النقاط الأساسية زعم الكاتب بأنني "من هؤلاء الباحثين ومن وافقهم على أصل جواز تغيير الأحكام المنصوص عليها إذا دعت إلى تغييرها مصلحة، حتى ولو تعارض ذلك مع نصوص الكتاب والسنة". وهذا بهتان عظيم أبرأ منه إلى الله وأستنكر نسبته إليّ فيما يخصني وذلك بدليل ما جاء في كتابي من نصوص واضحة صريحة ضد هذه المفاهيم الباطلة التي كان على الكاتب تصحيحها وتصحيح ما أبهم عليه من ألفاظ أحياناً وذلك بتحكيم تلك النصوص التي لا غموض فيها. ومن هذه النصوص: أولاً ـ أنني كلما ذكرت المصلحة للعمل بها فذلك "في كل مسالة لم يرد في الشريعة نص عليها ولم يكن لها في الشريعة أمثال تقاس عليها "ـ الصفحة ٣٠١، الفقرة ١، وكذلك في الصفحة ٣٠٩، الفقرة ٣. ثانياً ـ أن العبرة في المصلحة إنما هو لمقصود الشرع لا للأهواء، وأن كل مصلحة علم أنها ليست من مقاصد الشرع كان الاعتماد عليها في الاجتهاد والحكم باطلاً لا يلحق الحكم بالشرع ـ الصفحة ٣٠٩، الفقرة ٣. ثالثاً ـ "أن النسخ لا يصح إلا من قبل الشارع نفسه ... وقد اعتبرت الشريعة الإسلامية النسخ للأحكام الشرعية حقاً خاصاً بمن له سلطة الاشتراع"ـ الصفحة ٣١٦، ٣١٧، الفقرات ١، ٣. رابعاً ـ "وأما تغيير الحكم الذي لم ينسخ نصه فهو عبارة عن العمل بنفس النص الثابت، ولكن بدليل مستوحى من ظروف النص تبعاً لمصلحة زمنية.."الصفحات ٣١٧، ٣١٨، الفقرة ٤. خامساً ـ "أن العمل بمبدأ تغير الأحكام بتغير الأزمان هو عمل اجتهادي جليل ودقيق، يتطلب حساً مرهفاً في تلمس المصلحة للأمة ودفع المفسدة عنها، وإلا فإن إطلاق العمل به للمجتهدين يكون مدعاة لفوضى في التشريع والقضاء"الصفحة ٣١٩، الفقرة ٦.

стр. 3539

سادساً ـ "أن الفقهاء اختلفوا في المصلحة تجاه النصوص على أربع طوائف الشافعية، والحنابة، والمالكية، والغلاة في المصالح المرسلة كالطوفي"الصفحات ٢٣٧، ٢٣٨، الفقرة ٣٨ ـ ثم قلت: "ونرى لزاماً علينا أن نشير إلى ما في مذهب الطوفي وأمثاله من خطر الغلو في الأخذ بالمصالح المرسلة، وإن في ذلك تعطيلاً للنصوص بما يبدو للمجتهد من المصلحة، ولو جاز لتعطلت نصوص الشرائع وسادت الفوضى في العمل بالشريعة.. ولذلك وجدنا الأئمة الأربعة مجتمعين على رفض هذا الغلو"الصفحات ٢٤٤، ٢٤٥، الفقرة ٥٢. سابعاً ـ "إن الإسلام لما اشتد ساعده وتوطد سلطانه رأى عمر ﵁ حرمان المؤلفة قلوبهم من العطاء المفروض لهم بنصوص القرآن، وليس معنى ذلك أن عمر قد أبطل أو عطل نصاً قرآنياً، ولكنه نظر إلى علة النص لا إلى ظاهره، واعتبر إعطاء المؤلفة قلوبهم معللاً بظروف زمنية تقتضي ذلك العطاء، وتلك هي تألفهم عندما كان الإسلام ضعيفاً، فلما قويت شوكة الإسلام وتغيرت الظروف الداعية للعطاء، كان من موجبات النص ومن العمل بعلته أن يمنعوا من هذا العطاء"الصفحة ٣٢١، الفقرة ٢ ومن هذا القبيل أيضاً اجتهاد عمر ﵁ عام المجاعة في وقف تنفيذ حد السرقة وهو قطع اليد، معتبراً أن السرقة ربما كان يندفع إليها السارقون بدافع الضرورة لا بدافع الإجرام، وفي ذلك شبهة في الجرم على الأقل، والحدود تدرأ بالشبهات"الصفحات ٣٢١، ٣٢٢، الفقرة ٣ "ومن المعلوم أن عمر ﵁ كان قد أمر أولاً بقطع أيدي غلمان حاطب لما سرقوا، ثم أمر بوقف القطع".

стр. 3540

ويتضح من هذه النصوص الواردة في كتابي "المدخل إلى علم أصول الفقه"أنني لم أقل بجواز إلغاء عقوبة السرقة تبعاً لتغير الأزمان، ولا قلت بالتصرف بالنص وتعطيل الحد، وإنما نقلت الحكم بوقف تنفيذ القطع عام المجاعة بعد الأمر بالقطع، وذلك لأن الحدود تدرأ بالشبهات، ولم أقل قط "بجواز تغيير النصوص أو تعطيلها إذا دعت إلى ذلك مصلحة "، كما عرف ذلك عن الطوفي، والفرق كبير خطير بين تغير الأحكام الزمنية، وبين الزعم بجواز تغيير النصوص الثابتة وتعطيلها، وهذا ما رددته رداً صريحاً وحذرت منه ودعوت إلى العمل بما أجمع عليه الأئمة الأربعة من رفض ذلك وعدم جواز الأخذ بالمصلحة "إذا تعارضت مع نصوص الكتاب والسنة"ولذلك لا يجوز للكاتب الأستاذ الكبيسي أن يأخذ بمفاهيمه المغلوطة وأن يهمل نصوصي الصريحة وأن ينسب إليّ ظلماً ما قد صارحت بالتحذير منه، وخاصة ما نسبه إليّ من سوء فهم لما استشهدت به من كلام ابن القيم ﵀ ظناً منه أنني استشهدت به لإسقاط النص أو للتصرف به وتعطيله مما أبرأ إلى الله منه ومن سوء فهمه.
следующие страницы →