Полный текст (23 804 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.
стр. 3536
رسالة
إلى الأستاذ الدكتور أحمد زكي رئيس تحرير مجلة العربي المحترم
بقلم الدكتور محمد معروف الدواليبي
وبعد فقد أخبرني منذ أيام بعض الأصدقاء من كبار هيئة العلماء في الرياض أن الدكتور أحمد عبيد الكبيسي مدرس الشريعة الإسلامية بجامعة بغداد قد نشر في مجلتكم الغراء في العدد ١٦٦ الصادر في شهر رجب ١٣٩٢ ـ سبتمبر (أيلول) ١٩٧٢م كلمة تحت عنوان (الحكم بقطع يد السارق في الشريعة الإسلامية) ، وأنه قد جاء فيها "أن بعض الباحثين، ومن هؤلاء معروف الدواليبي في كتابه (المدخل إلى علم أصول الفقه) الصفحة ٣٢١، قد ذهبوا إلى جواز إلغاء عقوبة السرقة أو تبديلها بعقوبة [١] أخرى تبعاً لتغير الأزمان والأحوال، وأن لولي الأمر الحق في تكييف عقوبة السرقة حسب الظروف والمقتضيات، وأن هؤلاء ومن وافقهم على أصل جواز تغيير الأحكام المنصوص عليها إذا دعت إلى تغييرها مصلحة حتى ولو تعارض ذلك مع نصوص الكتاب والسنة، وأنهم أخذوا بوقوع النسخ كدليل على جواز تغيير الأحكام المنصوص عليها وأنهم اعتبروا عدم قطع عمر لغلمان حاطب لما سرقوا تصرفاً في النص وتعطيلاً للحد"، ثم أنهى هذا الكاتب كلمته بقوله: "أما وقد تم التشريع الإسلامي وأكمل الله دينه، وعقوبة السرقة على حالها، فليس لأحد أن يدعي أنه يعلم من وجوه المصلحة ما غاب من علم الله تنزه ذكره، ومن شقي بادعاء ذلك فليسمع قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ .
стр. 3537
وإن الذي نقل إليّ هذه الكلمة كان استغرابه عظيماً لما نشر في هذا العدد منسوباً إليّ خاصة، وكنا في حديث عن ندوة كبار علماء الحقوق الأوروبيين الذين حضروا إلى المملكة السعودية في شهر مارس من هذا العام للاجتماع مع علماء المملكة والتعمق في حقيقة حقوق الإنسان في الإسلام، وقد أثاروا أحكام الحدود في الإسلام مستنكرين ومعلنين تنافيها مع حقوق الإنسان، وكان رَدّي عليهم كلمة الفصل وبحضور نخبة من كبار علماء المملكة برئاسة سماحة وزير العدل الشيخ محمد الحركان الذين شكروا لي موقفي وقوة حجتي في الدفاع عن شريعة الله وخاصة في الحدود وفي مقدمتها القطع والرجم، وكل ذلك لا يتفق في شيء مع ما نسبه إليّ الكاتب الدكتور أحمد عبيد الكبيسي، مع العلم بأن كتابي الذي نسب إليه هذا الباطل قد طبع خمس طبعات منذ سنة ١٩٤٩، ودرَّسته في كلية الشريعة في دمشق بضع سنوات، وكذلك في كلية الحقوق في دمشق، وكذلك في معهد القضاء العالي في الرياض بتكليف خطي لي من قبل المرحوم سماحة مفتي المملكة العربية السعودية الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀، ولم يفهم أحد مني أو من كتابي ما فهمه الكاتب الدكتور الكبيسي، وها أنا أستعرض ما سجله الكاتب المذكور من مفاهيم لا أصل لها في كتابي، مع الرد عليها واحدة فواحدة من نفس كتابي، وخلافاً لما نسبه إليّ.
وإنني أبدأ في الرد على ما نسبه إلى كتابي من نقاط أساسية مرتبة كما جاءت في كتابي من أصول ثم من فروع، مع لفت نظر الكاتب أولاً إلى أنني لست باحثاً في هذه الأمور ومبتدعاً، وإنما ناقلاً ومتمسكاً بما قرره العلماء، وعاملاً بفهمهم لا بما نسبه إليّ الكاتب الكبيسي من فهم ظالم.
стр. 3538
ومن أولى هذه النقاط الأساسية زعم الكاتب بأنني "من هؤلاء الباحثين ومن وافقهم على أصل جواز تغيير الأحكام المنصوص عليها إذا دعت إلى تغييرها مصلحة، حتى ولو تعارض ذلك مع نصوص الكتاب والسنة". وهذا بهتان عظيم أبرأ منه إلى الله وأستنكر نسبته إليّ فيما يخصني وذلك بدليل ما جاء في كتابي من نصوص واضحة صريحة ضد هذه المفاهيم الباطلة التي كان على الكاتب تصحيحها وتصحيح ما أبهم عليه من ألفاظ أحياناً وذلك بتحكيم تلك النصوص التي لا غموض فيها.
ومن هذه النصوص:
أولاً ـ أنني كلما ذكرت المصلحة للعمل بها فذلك "في كل مسالة لم يرد في الشريعة نص عليها ولم يكن لها في الشريعة أمثال تقاس عليها "ـ الصفحة ٣٠١، الفقرة ١، وكذلك في الصفحة ٣٠٩، الفقرة ٣.
ثانياً ـ أن العبرة في المصلحة إنما هو لمقصود الشرع لا للأهواء، وأن كل مصلحة علم أنها ليست من مقاصد الشرع كان الاعتماد عليها في الاجتهاد والحكم باطلاً لا يلحق الحكم بالشرع ـ الصفحة ٣٠٩، الفقرة ٣.
ثالثاً ـ "أن النسخ لا يصح إلا من قبل الشارع نفسه ... وقد اعتبرت الشريعة الإسلامية النسخ للأحكام الشرعية حقاً خاصاً بمن له سلطة الاشتراع"ـ الصفحة ٣١٦، ٣١٧، الفقرات ١، ٣.
رابعاً ـ "وأما تغيير الحكم الذي لم ينسخ نصه فهو عبارة عن العمل بنفس النص الثابت، ولكن بدليل مستوحى من ظروف النص تبعاً لمصلحة زمنية.."الصفحات ٣١٧، ٣١٨، الفقرة ٤.
خامساً ـ "أن العمل بمبدأ تغير الأحكام بتغير الأزمان هو عمل اجتهادي جليل ودقيق، يتطلب حساً مرهفاً في تلمس المصلحة للأمة ودفع المفسدة عنها، وإلا فإن إطلاق العمل به للمجتهدين يكون مدعاة لفوضى في التشريع والقضاء"الصفحة ٣١٩، الفقرة ٦.
стр. 3539
سادساً ـ "أن الفقهاء اختلفوا في المصلحة تجاه النصوص على أربع طوائف الشافعية، والحنابة، والمالكية، والغلاة في المصالح المرسلة كالطوفي"الصفحات ٢٣٧، ٢٣٨، الفقرة ٣٨ ـ ثم قلت: "ونرى لزاماً علينا أن نشير إلى ما في مذهب الطوفي وأمثاله من خطر الغلو في الأخذ بالمصالح المرسلة، وإن في ذلك تعطيلاً للنصوص بما يبدو للمجتهد من المصلحة، ولو جاز لتعطلت نصوص الشرائع وسادت الفوضى في العمل بالشريعة.. ولذلك وجدنا الأئمة الأربعة مجتمعين على رفض هذا الغلو"الصفحات ٢٤٤، ٢٤٥، الفقرة ٥٢.
سابعاً ـ "إن الإسلام لما اشتد ساعده وتوطد سلطانه رأى عمر ﵁ حرمان المؤلفة قلوبهم من العطاء المفروض لهم بنصوص القرآن، وليس معنى ذلك أن عمر قد أبطل أو عطل نصاً قرآنياً، ولكنه نظر إلى علة النص لا إلى ظاهره، واعتبر إعطاء المؤلفة قلوبهم معللاً بظروف زمنية تقتضي ذلك العطاء، وتلك هي تألفهم عندما كان الإسلام ضعيفاً، فلما قويت شوكة الإسلام وتغيرت الظروف الداعية للعطاء، كان من موجبات النص ومن العمل بعلته أن يمنعوا من هذا العطاء"الصفحة ٣٢١، الفقرة ٢ ومن هذا القبيل أيضاً اجتهاد عمر ﵁ عام المجاعة في وقف تنفيذ حد السرقة وهو قطع اليد، معتبراً أن السرقة ربما كان يندفع إليها السارقون بدافع الضرورة لا بدافع الإجرام، وفي ذلك شبهة في الجرم على الأقل، والحدود تدرأ بالشبهات"الصفحات ٣٢١، ٣٢٢، الفقرة ٣ "ومن المعلوم أن عمر ﵁ كان قد أمر أولاً بقطع أيدي غلمان حاطب لما سرقوا، ثم أمر بوقف القطع".
стр. 3540
ويتضح من هذه النصوص الواردة في كتابي "المدخل إلى علم أصول الفقه"أنني لم أقل بجواز إلغاء عقوبة السرقة تبعاً لتغير الأزمان، ولا قلت بالتصرف بالنص وتعطيل الحد، وإنما نقلت الحكم بوقف تنفيذ القطع عام المجاعة بعد الأمر بالقطع، وذلك لأن الحدود تدرأ بالشبهات، ولم أقل قط "بجواز تغيير النصوص أو تعطيلها إذا دعت إلى ذلك مصلحة "، كما عرف ذلك عن الطوفي، والفرق كبير خطير بين تغير الأحكام الزمنية، وبين الزعم بجواز تغيير النصوص الثابتة وتعطيلها، وهذا ما رددته رداً صريحاً وحذرت منه ودعوت إلى العمل بما أجمع عليه الأئمة الأربعة من رفض ذلك وعدم جواز الأخذ بالمصلحة "إذا تعارضت مع نصوص الكتاب والسنة"ولذلك لا يجوز للكاتب الأستاذ الكبيسي أن يأخذ بمفاهيمه المغلوطة وأن يهمل نصوصي الصريحة وأن ينسب إليّ ظلماً ما قد صارحت بالتحذير منه، وخاصة ما نسبه إليّ من سوء فهم لما استشهدت به من كلام ابن القيم ﵀ ظناً منه أنني استشهدت به لإسقاط النص أو للتصرف به وتعطيله مما أبرأ إلى الله منه ومن سوء فهمه.
стр. 3541
وأعجب من كل ذلك ما ظنه الأستاذ الكبيسي أنه اكتشاف لانخداعي بالعنوان الذي أدرج ابن القيم كلامه فيه تحت قوله: "فصل في تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد"، وقوله: إنني فهمت من عبارة "تغير الفتوى"تغير الحكم، وأنه ليس الأمر كذلك لأن الفتوى غير الحكم، وإنما هي بيانه، وهنا ألفت نظر الأستاذ الكبيسي إلى أنني لست صاحب القول الذي قال: "لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان" وإنما هو قول الأئمة المعتمدين، غير أن من قال بذلك لم يقل إن المراد من "تغير الأحكام"هو تغير النصوص وتعطيلها والتصرف بها، وإنما مراده "تغير الفتوى"، كما قال ابن القيم ﵀، وليست "الفتوى"عندما تطلب من المفتي إلا التعبير عن "الحكم" الشرعي في القضية المسؤول عنها، فلا خلاف إذن في المراد من اللفظين هنا، ولا انخداع ما دام المراد منهما هنا بعيداً عن الزعم "بتغير النصوص مع تغير الأزمان"فلا يجوز للأستاذ الكبيسي إلزام الآخرين بما يفهمه هو من فهم لم يجزه الآخرون، وإنما رفضوه وحذروا منه.
وملاحظة أخيرة على فهم الأستاذ الكبيسي فيما يتعلق بالنسخ، وزعمه بأنني أخذت بوقوع النسخ كدليل على جواز تغيير الأحكام المنصوص عليها، فهذا شيء لا أصل له إلا سوء الفهم الذي وقع فيه ورماني به، وذهب يطيل الكلام فيه إطالة لا حاجة إليها، فإنني فرقت ما بين النسخ الذي هو من عمل الشارع نفسه ويتعلق بالنصوص، وما بين تغيير فتوى المفتين والمجتهدين في بيان الأحكام عند تغير الظروف والأزمان، وذلك من عمل المجتهدين ومن دون مساس بالنصوص، بل قلت فيه: "إنه عبارة عن العمل بنفس النص الثابت، ولكن بدليل مستوحى من ظروف النص تبعاً لمصلحة زمنية"الصفحات ٣١٦، ٣١٧، ٣١٨.
стр. 3542
وأما ما نقلته في هذا المقام عن العلماء في فلسفة الشرائع وقولهم فيها: "إن التشريع الذي تلائم أحكامه أمة ويتفق ومصالحها قد لا تلائم أحكامه أمة أخرى ويعارض مصالحها"ثم تعليق الأستاذ الكبيسي عليه بقوله: "فهذا ما نستعيذ بالله من شر خطراته على الذهن" فأنا أيضاً أستعيذ بالله من شر خطراته على الذهن إذا فهم منه فاهم أننا نريد منه تعطيل نصوص الشريعة الإسلامية الثابتة. ولكن هذا الفهم حذرنا منه النص كما أشرنا إليه أعلاه ولم يورده علينا أحد قبله، ولذلك كان من الغفلة غير المتسامح بها أن يفهم منه ما فهمه الأستاذ الكبيسي على الرغم من رفضنا له نصاً وتأكيداً، وإنما يجب أن يبقى ذلك المعنى من فلسفة الشرائع مقروناً بما ذكرناه عقبه حول النسخ من قبل الشارع نفسه حيث قلنا نقلاً: "وهذه أصول تكاد تكون بديهية غير مفتقرة إلى برهان، وأصدق شاهد لها نسخ بعض الأحكام الشرعية ببعض في التشريع"الصفحة ٣١٨، الفقرة ٥ ـ وهذا صحيح وواقع.
وأختم بقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا.. وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾ وارحم معنا الأستاذ الدكتور الكبيسي سامحه الله.
بيروت في ٩/١٠/١٣٩٢ الموافق ١٥/١١/١٩٧٢.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] الصحيح: تبديل عقوبة أخرى بها بإدخال الباء على المتروك كقوله تعالى: ﴿أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير﴾ .
стр. 3543
وجوب الحكم بما أنزل الله
للشيخ عطية محمد سالم
القاضي بالمحكمة الشرعية بالمدينة
هذا المبحث من أهم مباحث القضاء الإسلامي، وألزم ما يعنى به في قسم الدراسة الخاص به في جميع مراحل التعليم والمعاهد العالية الإسلامية وأخص ما يكون بشعبة القضاء بالجامعة الإسلامية وهو الأصل وما عداه فرع عنه.
ولذا لزم البسط فيه قدر الطاقة واحتمال الجهد. وإيراد أقوال السلف واختيارات الخلف، والنظر في حال العالم اليوم مما يسير عليه من قضاء وضعي وتحاكم لغير ما أنزل الله.
وإن العناية بمثل هذه الدراسة ليست من ضروريات هذه الشعبة فحسب بل من ألزم ما تكون للعالم الإسلامي بل وغير العالم الإسلامي ليروا حقيقة الأمر ولتمد إليهم أيدي المساعدة. وتضاء لهم الطريقة ويوضح لهم المنهج ويوجهون إلى الجهة الصحيحة بهداية كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ونور الوحي المنزل من رب العالمين على سيد المرسلين وخاتم النبييين المبعوث رحمة للعالمين صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، وهذا الموضوع وإن كان بالأهمية بمكانته فإني أورد ما بلغه الوسع ومما يقرب دراسة هذا الموضوع تقسيمه إلى ثلاث نقاط:
الأولى: بيان من له حق الحكم والتشريع للخلق وتلزم طاعته وامتثال أوامره والخضوع له والانقياد لما شرع ومن ثم يملك الإلزام به والعقوبة على مخالفته والثواب على طاعته.
الثانية: من الذي شرع لجميع الأمم الماضية ولمن كان تحاكمهم وبيان مصدر التشريع لها والحكم فيها.
الثالثة: ما جاء في حق هذه الأمة من النصوص وما يترتب عليه من نتاج عاجلة وآجلة.
стр. 3544
أما من له حق الحكم والتشريع فإنه حق لله تعالى لأنه خالق الخلق وأعلم بمصالحهم مربيهم وأعلم بشؤونهم، وهو الحكيم العليم الرؤوف الرحيم سبحانه له مقاليد السموات والأرض وبيده ملكوت كل شيء وهو على كل شيء قدير، شرع لجميع الخلائق في جميع الأمم كما قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيه﴾ .
وجاء في النصوص متضافرة متوافرة على أن الحكم كله لله لا حكم لأحد سواه كما في قوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلا َّلِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ . وذكر القرطبي أنه قرئ ﴿يقض الْحَقَّ﴾ وكقوله: ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ ومنها قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ قال القرطبي: "أي ليس يتعقب أحد حكمه بنقض ولا تغيير".
ومن ناحية أخرى فإن امتثال الحكم طاعة والطاعة هي عين العبادة والعبادة لا تكون إلا لله وحده وقد جمع الحكم والعبادة معاً لله وحده في قوله: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاه﴾ فكما لا تجوز عبادة غير الله لا يجوز الحكم إلا لله.
وهذا الحق واجب لله تعالى على خلقه بموجب ولايته عليهم، وأيضاً قد جمعا معاً في قوله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً﴾ .
стр. 3545
وفي هذا كله دليل على أن الحق في الحكم وفي تشريع الأحكام لله تعالى وحده وأن من عداه يكون شركاً مع الله كما في قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ . وبالتالي يكون من أطاعهم فيما شرعوا مما لم يأذن الله به مشركاً مع الله، وهو المسمى شرك الطاعة المنوه عنه في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ .
فجعل تعالى طاعتهم فيما يوحون به شركاً، وذلك بعد قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ ، فقالوا ما قتلتموه يكون حلالاً وما قتله الله يكون حراماً، فأنزل الله الآية ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ .
وعن عكرمة قال: "الشياطين هنا مردة الأنس من مجوس فارس". وعن عبد الله بن الزبير أنه قيل له: "إن المختار يقول يوحى إليّ" فقال: "صدق إن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم". ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً﴾ .
ومن هنا كانت طاعة غير الله فيما لم يأذن به الله ربوبية لهم. قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّه﴾ وسئل حذيفة عن هذه الآية هل عبدوهم فقال: "لا. أحلوا لهم الحرام فاستحلوه. وحرموا عليهم الحلال فحرموه".
стр. 3546
وعليه حديث عدي بن حاتم عند الترمذي قال: "أتيت النبي ﷺ وفي عنقي صليب من ذهب فقال: ما هذا يا عدي اطرح عنك هذا الوثن وسمعته يقرأ في سورة براءة ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّه﴾ ". ثم قال: "أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئاً استحلوه وإذا حرموا عليهم شيئاً حرموه". وفي رواية "أن عدياً قال: "يا رسول الله ما كنا نعبدهم". فقال: "ألم يكونوا يحرمون عليكم ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون لكم ما حرم الله فتحلونه"، قال: "بلى". قال: "تلك عبادتكم إياهم".
وبهذا يظهر أن الحكم أصالة لله وحده وتشريع الأحكام له سبحانه وحده وليس لأحد سواه في ذلك حق.
وقد ظفرت في هذا المقام بما كتبه فضيلة والدنا الشيخ محمد الأمين حفظه الله لأضواء البيان فيما يعده للجزء السابع الذي لم يقدم للطبع وهو مبحث لم يسبق إليه في بيان موجبات التشريع وصفات من له الحق في ذلك لكمال ذاته وصفاته.
ذكر ذلك عند قوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ نوجزه من ما يحتمله المقام إلى أن يتم الله هذا الجزء وينعم علينا بظهوره. فيرجع إليه كل طلب، ويتزود منه كل راغب وقد ذكر فضيلته عن هذا الموضوع في مواضع مختلفة من الأضواء خاصة في الجزء الثاني وفي سورة النساء، والكهف، والمائدة، وبني إسرائيل، وكلها ولله الحمد وافية، ولكن ما أعده حفظه الله في هذا المقام أتم وأوفى ما كتب.
стр. 3547
قال حفظه الله: " (مسألة) : اعلم أن الله جل وعلا بيّن في آيات كثيرة صفات من يستحق أن يكون الحكم له. فعلى كل عاقل أن يتأمل الصفات المذكورة التي سنوضحها إن شاء الله، ثم يقابلها مع صفات البشر المشرعين للقوانين الوضعية فينظر هل تنطبق عليه صفات من له التشريع سبحان الله عن ذلك فإن كانت تنطبق عليهم ولن تنطبق، فليتبع تشريعهم، وإن ظهر يقيناً أنهم أصغر من ذلك فليقف بهم عند حدهم ولا يتجاوز بهم إلى مقام الربوبية أن يكون له شريك في عبادته أو حكمه أو ملكه.
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ . ثم قال مبيناً صفات من له الحكم بقوله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ، فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالأََرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ الأَنْعَامِ أَزْوَاجاً يَذْرَأُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ، لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ . فهل في الكفرة المشرعين للنظم الشيطانية من يستحق أن يوصف بأنه الرب الذي له هذه الصفات من الخلق وبسط الرزق.
стр. 3548
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ . فقوله تعالى فيها: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ﴾ كقوله في تلك ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ﴾ . وقد عجب نبيه ﵇ بعد قوله ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ﴾ من الذين يدعون الإيمان مع أنهم يريدون المحاكمة إلى من لم يتصف بصفات من له الحكم المعبر عنه بالطاغوت، وكل تحاكم إلى غير شرع الله تحاكم إلى الطاغوت وذلك في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً﴾ .
فالكفر بالطاغوت المصرح به هنا شرط في الإيمان كما بينه تعالى بقوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ ومن لم يتمسك بها فهو في مهواة مترد مع الهالكين.
الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً﴾ ، فهل في الكفرة من يستحق أن يوصف بشيء من هذه الصفات.
الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ . فهل في الكفرة المشركين من له هذه الصفة.
الآية الخامسة: قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ .
стр. 3549
الآية السادسة: قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُُولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ. قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ. وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ .
فهل في مشرعي القانون من يستحق أن يوصف بشيء من ذلك أو يستطيع ولو ادعاء أن يأتي بشيء من ذلك.
الآية السابعة: قوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ ألاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ .
الآية الثامنة: قوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ .
الآية التاسعة: قوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ فهل لأحد ممن يضع القوانين يدعي لنفسه شيئاً من ذلك.
الآية العاشرة: قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ. وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ . فهل في أولئك من له شيء من هذه الصفات.
стр. 3550
ويمكن أن يقال أيضاً: هل منهم من تمت كلمته لا تبديل ولا تغيير أم أنهم في كل وقت يغيرون ويبدلون ويعدلون بحسب ما يطرأ عليهم مما لا يعلمون عند وضعهم للقوانين أو كلما جاءت أمة غيرت ما وضعته الأمة قبلها فلم يثبت لهم وضع ولم يسلم لهم قانون.
الحادية عشرة: قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَاماً وَحَلالاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ . فهل من أولئك من ينزل الرزق للخلائق ويتصرف فيه فيملك التحريم والتحليل.
الثانية عشرة: قوله تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ .
وهنا تصريح بأن ما قننوه إنما هو ما تصف ألسنتهم الكذب افتراء على الله، وأنهم بذلك لا يفلحون ثم يثبت أنهم يمتعون قليلاً ثم يعذبون العذاب الأليم. وهذا واضح في تباعد صفاتهم من صفات من له حق التحليل والتحريم وفرض الحكم والزام الطاعة.
الثالثة عشرة: قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ . وهذا على قصد التعجيز عن بيان مستند التحريم.
فهذه الآيات كلها التي ساقها فضيلته حفظه الله في بيان من له حق الحكم والتشريع، وأن أخص ما فيها أنه تعالى له مقاليد السموات والأرض والخالق الرزاق الدائم الباقي العلي الكبير. يقلب الليل والنهار وتمت كلمته صدقاً وعدلاً، وما يكون من غيره كذب وافتراء، ولا يقيمون عليه شهادة ولا يفلحون ولهم عذاب أليم.
стр. 3551
ومن أهم ما يلفت النظر في هذه النصوص أنه تمت كلمته تعالى صدقاً وعدلاً؛ لأنها من عالم السر وأخفى يعلم غيب السموات والأرض لا تخفى عليه خافية.. وكلمات غيره افتراء وكذب مضطربة متغيرة ومبدلة من وقت لآخر. كما أن أولئك لا يفلحون بتشريعاتهم وغايتهم يمتعون قليلاً ولهم عذاب أليم. حتى لو ادعوا استقامة أمرهم وسلامة أوضاعهم في نظرهم فإن ذلك كله مؤقت ومتاع فإذا جاؤوا إلى الله كان لهم العذاب الأليم. وأي قيمة في متاع قليل يعقبه عذاب أليم..
بينما تشريع الله تعالى فيه سعادة الدنيا وفلاح الآخرة كما في قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ .
حتى قيل: إن الله ضمن لمن اتبع هداه أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة، ونحوها قوله: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاًً لِنَفْتِنَهُمْ فِيه﴾ أي بالعمل. ﴿وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً﴾ . كما حكم على من أعرض عن ذكره بالعكس ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ . لأن الأول يسير على هدى من الله ونور، والثاني يتخبط في دياجير الجهل على ما سيأتي بيانه إن شاء الله عند المقارنة بين الجانبين في بيان محاسن الشريعة الآتي:
تحكيم الشريعة في الأمم الماضية:
وقد تولى سبحانه الحكم والتشريع لجميع الأمم على ألسنة الرسل بواسطة الكتب وبما يوحيه سبحانه لمن شاء من عباده..
ابتداء من آدم ﵇ إلى مجيء نبينا محمد ﵊.. فكان حكم الله فيهم وكانوا يتحاكمون إليه بالقرابين كما تقدم [١] ..
стр. 3552
ثم جميع الأنبياء من بعد نوح ﵇ في قوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ فكان الناس أمة واحدة على التوحيد فاختلفوا فبعث الله النبيين من نوح وما بعده.
قيل كانوا على التوحيد حتى وقع الشرك في قوم نوح فبعث الله النبيين وأنزل مع كل نبي كتاباً بالحق ليحكم الله بكتابه أو يحكم النبي في قومه بكتاب الله، فيما اختلفوا فيه، فلم يترك الحكم لأحد من الخلق حتى الأنبياء، ولكن كان الحكم لله بمقتضى كتابه الذي ينزله على أنبيائه وهذا عام في الأنبياء.
ثم جاء في خصوص داود في تنصيبه خليفة للحكم بين الناس بالحق: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ فجعل استخلافه في الأرض للحكم بين الناس، وجعل حكمه بالحق ونهاه عن اتباع الهوى وحذره من عقاب الذين يضلون عن سبيل الله الذي هو الحق ...
وبعد داود أمة موسى. أنزل الله عليهم التوراة للحكم بما أنزل الله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأََحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ .
стр. 3553
فالتوراة أنزلت على نبي الله موسى يحكم بمقتضاها في قومه.. ثم يحكم بها من بعده النبيون من بني إسرائيل والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله أي التوراة، وكانوا عليه شهداء على أنها من عند الله.. ثم جاء من بعده عيسى ﵇، وأنزل عليه الإنجيل وأمر بالحكم بما فيه وأمر قومه أن لا يخرجوا عن حكمه..
قال تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾ أي من الهدى والنور..
وجعل من لم يحكم به منهم: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ثم جاء عقب ذلك مباشرة في سلك النظم في حق الأمة قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجا﴾ ..
وبهذا تكتمل حلقة الحكم بما انزل الله في جمع الأمم منذ أن كانوا أمة واحدة فاختلفوا، إلى داود إلى أنبياء بني إسرائيل إلى موسى وعيسى ثم إلى هذه الأمة..
الجديد في خصوص هذه الأمة
وبتأمل النصوص المختصة بهذه الأمة خاتمة الأمم نجده يتميز عما قبله بما يتناسب ورسالتها الدائمة إلى أن يرث الله الأرض من عليها، وهذه النصوص كالآتي:
стр. 3554
أولاً ـ قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾ ..
ثم أعيد الأمر مرة أخرى في الآية التالية لها بنفس النص:
﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ ..
ففي هذا النص عدة نقاط جديدة عما تقدم من الأمم:
أـ أن ما أُنزل على الرسول ﷺ لهذه الأمة مع أنه مصدقاً لما بين يديه من الكتاب فهو مهيمن عليه.
ب ـ التحذير مرتين عن اتباع أهوائهم عما جاء من الحق.
ج ـ انفراد كل أمة بمنهاج تشريعي يخصها.
د ـ التحذير من أن يفتنوه ﷺ عن بعض ما أنزل الله.
وفي النقطة الأولى بيان منزلة ما أنزل الله على هذه الأمة مما أنزله تعالى على الأمم الماضية من أنه مهيمن على كل ما سبقه من الكتب لاشتماله على كل ما فيها وزيادة عليه بما يلائم هذه الأمة فهو مهيمن على غيره ولا يهيمن غيره عليه.
وهذه الهيمنة هي التي جعلت هذه الأمة خير أخرجت للناس وكانت أمة وسطاً لتكون شهداء على الناس. وهي التي من أجلها غضب الرسول ﷺ لما رأى الصحيفة في يد عمر بن الخطاب ﵁ يتلوه من التوراة ويستحسنها. قال له: "ألم آت بها بيضاء نقية يا ابن الخطاب، والله لو أن موسى بن عمران حياً ما وسعه إلا اتباعي.." فلم يدع هذا الكتاب مجالاً لشيء من غيره..
стр. 3555
وفي النقطة الثانية: التحذير مرتين عن اتباع عما جاء من الحق، وأن أعداء الإسلام سيحاولون استمالة المسلمين والحكام خاصة عما جاءهم من الحق وأن ما يحاولون إليه هو الباطل والضلال لأنه ليس بعد الحق إلا الضلال ولا واسطة بينهما، ويشهد لهذا قوله تعالى:
﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَق﴾ ..
والنقطة الثالثة: تدل على أن مناهج تلك الأمم في التشريعات الفعلية والفرعية لا تتلاءم مع هذه الأمة، ويشهد لهذا أيضاً أن جميع العبادات مشروعة لمن قبلنا ولكنها ليست مثل ما هي مشروعة لنا كالصلوات والزكاة والصيام والحج وهذا معروف ومفصل في محلاته، فكذلك تشرع الأحكام في العقود والعقوبات والمعاملات ... الخ. فلا يصلح أخذ شيء مما كان مشروعاً لهم ولو أنه منزل من عند الله إليهم إلا يجيء لنا كما هو معروف في قاعد شرع ما قبلنا شرع لنا ما لم يأت في شرعنا ما يدل على أنه ليس بشرع لنا، ومعلوم أنه ما كان شرعاً لهم وجاء في شرعنا أنه ليس شرعاً لنا لا يحق لنا أن نأخذ به فكيف بتشريعات البشر ووضع القوانين الوضعية.
стр. 3556
والنقطة الرابعة: تدل على أنهم سيحاولون بكل وسع أن يفتنوا المسلمين ولو عن بعض ما أنزل الله، والتحذير من هذا البعض لأنهم إن تمكنوا من هذا البعض سيحاولون إلى بعض آخر وهكذا، ولا يكتمل التشريع إلا بتمامه ومن ناحية أخرى فلسنا بحاجة إلى أخذ بعض منهم لأن فيما أنزل إلينا تبياناً لكل شيء. ولا يحق للأمة أن تترك مما أنزل الله إليها ولا البعض منه وإن كان هذا مما اختص به مما أنزل الله على هذه الأمة فإن الله تعالى قد اختص رسوله ﷺ عمن قبله من الرسل في مجال الحكم في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ . فقد أعطى حق الحكم وأن حكمه بما أراه الله ولذا ألزموا لحكمه والتسليم لأمره في قوله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ .
إرساء قواعد الحكم السليم: وفي جملة ما تقدم إرساء لقواعد الحكم السليم الذي يقوم على أساس العلم والمعرفة لأنه بما أنزل الله وبما أراه الله وجاء في الحديث أن من ولي القضاء بدون طلب له وكل به ملك يسدده.
ومحاطاً بالنزاهة التامة لأنه مجانب لاتباع الهوى، وجاء في حديث القضاء ثلاثة: وقاض عرف الحق ولم يحكم به أي حكم بهواه فهو في النار. مستقلاً عن أي مؤثر، واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك.
وفي نهاية السياق بيان عاقبة من تولى عنه وأعرض في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ ..
стр. 3557
فقد اكتملت في هذا العرض أسمى عناصر القضاء والحكم المثالي مما ينادي به العالم اليوم لإصلاح القضاء من وحدة، واستقلال، وحرية، كما اكتمل للحاكم في منهج الإسلام عوامل الحكم السليم من العلم المعرفة والنزاهة.
وعلى هذا الاكتمال عقدت مقارنة بين منهجين في الحكم مختلفين:
أـ حكم الجاهلية.
ب ـ وحكم الله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ .
أما المنهج الأول: فيكفي لبطلانه ورده إسناده للجاهلية، وهو وصف يتنافى مع أبسط قواعد العدالة وزاده نكارة أنه عرض في صورة إنكاره أفحكم الجاهلية يبغون.
وأما المنهج الثاني: فيكفي للحرص على قبوله ووجوب العمل به أنه من عند الله ومن أحسن من الله حكماً لقوم يؤمنون والتذييل بقوم يؤمنون هنا تتبين للأذهان وإيقاظاً للضمائر واليقين في النفس لعظمة هذا الأمر، تحذير الأمة مما حذر منه الرسول ﷺ .
وقد حذر المؤمنين من أعدائهم كما حذر الرسول ﷺ من قبل فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ .
فهذا نداء تحذير لجميع المؤمنين أن يتخذوا اليهود والنصارى أولياء، وهذه الولاية المنهي عنها وإن كانت عامة فهي تتناول الولاية في الحكم الذي هو موضع السياق وهو عين التحذير الوارد في أول السياق الموجه للرسول ﷺ . وأحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك.
стр. 3558
وما استقر القانون الوضعي في البلاد الإسلامية بهذه المولاة المنهي عنها لأنه إن كان إيجاده ابتداء فرضاً من المستعمر بالقوة فقد ذهب المستعمر وبقي من يواليه وقد أخذت البلاد استقلالها سياسياً، ولم تستطع تحقيق استقلالها قضائياً، لا لشيء إلا للموالاة، وكأنها لا تريد أن تقطع صلتها بمن كان مستعمرها.
النص الثاني: والنص الثاني الخاص بهذه الأمة في وجوب الحكم بما أنزل الله أعم من الأول لاشتماله جميع الأمة بتكليفها بأداء الأمانة ونصب الحكام والحكم بين الناس والطاعة لأولي الأمر منهم.
في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأََمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأََمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ .
стр. 3559
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً. فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً. أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً. وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماًً. فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً. وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً. وَإِذاً لآَتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً. وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً. وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً. ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى
стр. 3560
بِاللَّهِ﴾ .
وهذا السياق كله في قضية الحكم وبيان موقف المنافقين من التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله. وبجانب ذلك منهج مزدوج يبين موقف الحكام من المحكومين وموقف المحكومين من الحكام. فأمر الجميع أولاً بأمر عام وهو أداء الأمانة إلى أهلها وأخصها أمانة الحكم عند الحكام وأمانة الحقوق عند المحكومين ثم خص كل منهما بما يلزمه وكلف به فخص الحكام بقوله: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ . وليس هذا قاصراً على الحكام في مجلس القضاء بل هو عام في كل حكم بين اثنين من شؤون المسلمين كما يشمل حكمي الزوجية وغيرهما.
ثم خص المحكومين بالأمر: بالسمع والطاعة لأولي الأمر وهم العلماء والأمراء وبالتالي الحكام.
وبالنظر في تكليف الأمة بالسمع والطاعة نجد أصلاً أصيلاً في حدود تلك الطاعة المأمور بها فيقول تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُول﴾ بتكرار لفظ الطاعة. أما أولوا الأمر فتأتي طاعتهم معطوفة على طاعة من قبلهم.
وبحكم تبعية المعطوف للمعطوف عليه تكون طاعة أولي الأمر تابعة لطاعة الله ورسوله. أي أنه لأولي الأمر حق الطاعة ما داموا طائعين لله ورسوله أو ما دامت طاعتهم موافقة لطاعة الله ورسوله. فإذا كانت مخالفة لطاعة الله ورسوله فلا طاعة لهم فيما يأمرون به لمخالفته لأوامر الله ورسوله.
وعليه الحديث "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ". وهذا خاص فيما يأمر به وينهى عنه لا فيما يأتي هو ويذر. وعليه الحديث "عليكم بالسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد حبشي "."والسمع والطاعة ما لم تروا كفراً بواحاً ". إلى غير ذلك من النصوص التي تضع حداً للسمع والطاعة وتفرق بين الحكم والحاكم.
стр. 3561
وفي هذا المقام يقيم المرجع بين الأمة فيما بينه وبينها وبين حكامها فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول أي لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ثم ربط هذا بالإيمان بالله واليوم الآخر وبيان النتيجة خير وأحسن تأويلا. مآلا في العاقبة عاجلاً وآجلاً.
وأيضاً مقارنته بين متحاكمين إلى منهجين مختلفين متحاكمين إلى الطاغوت وقد أمروا انظر: يكفروا به ومتحاكمين إلى كتاب اله وسنة رسوله ﷺ .
أـ فالمتحاكمون إلى الطاغوت بدعوة من الشيطان ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيداً.
ب ـ والتحاكمون إلى ما أنزل الله. بدعوة من الله. ولكن المنافقون يصدون عنه صدوداً.
وبمفهوم هذا فإن المؤمنين على خلاف ذلك، وقد بينه تعالى في قوله: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ .
بيان الدوافع التي سببت الإعراض ونتيجته
ومع هذه المقارنة الكاشفة بين الله تعالى نتيجة هذا الإعراض وأسبابه.
أما النتيجة ففي قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي الإعراض والصدود والتحاكم إلى غير ما أنزل الله فيجر عليهم كل المصائب بعدم الردع أو الزجر أي بضياع الأموال وانتهاك الأعراض وغير ذلك.
التمويه والتضليل: ثم يبين تعالى ما يتلبسون من مظاهر التمويه والتضليل بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً﴾ .
стр. 3562
وفي هذا المقام بيان لعين الدعوة القديمة المتجددة وهي عين الإحسان والإصلاح وهي عين ما يدعيه أولئك دعاة التغيير من قولهم نريد ما فيه المصلحة وما يتناسب والوضع الحاضر وما يساير التطور إلى غير ذلك مما لا يخرج من ادعاء السابقين من سلفهم حتى أدى ببعضهم أن تجرأ وقال حيثما وجدت المصلحة فثم شرع الله ز وهذا القول زاد في ضلاله عن قول المتقدمين لأنه ينزل بمستوى الشرع إلى هؤلاء الناس ويجعل الشرع تابعاً لما يسمونه مصلحة. إنا لنتساءل ما حدود هذه المصلحة المزعومة أهي في ربويات البنوك أم عقود الغرر أم في حرية الأفراد ومساواة المرأة وإشباع الرغبات. أم في أي مجال يريدون. وهل المصلحة هي ضابط التشريع أم العكس. وهل المصلحة إلا أمور نسبية فما يكون مصلحة لهذا يكون مضرة لذاك. ولو كانت المصلحة هي المتحكمة لما كانت للشرائع حاجة. ولكن الشرائع هي التي تحدد المصالح المعتبرة. وتحد من أنانيات البشر وطغيان المادة وشره النفوس ولذا يقول تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ . ولم يقل تتحقق مصلحة.
ولعل من قائل أن المصالح المرسلة أصل من أصول التشريع فيقال له: لا تنسى ما قيدت به من كونها مرسلة ولم تتعارض مع نص ينهى عنها ولها باب واسع.
ولبيان كون تلك دعاوى كاذبة ونابعة عن هوى ومرض في قلوبهم جاء قوله تعالى: جواباً على ادعائهم ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ من واقع التولي والإعراض. ولكأن هذا الجواب الموجه إلى ما في قلوبهم ونفوسهم إغفال واطراح وإلغاء لدعواهم إرادة الإحسان والتوفيق. فكان يقول لهم ليس لهذا الادعاء وجود فيما تدعونه وليس لدعواكم قيمة ولا اعتبار أو حقيقة.
стр. 3563
وإنما الحقيقة هي ما وقر في قلوبكم وصدقه العمل. ومع هذا كله فقد اتجه القرآن الكريم إلى تلك النفوس الضعيفة والقلوب المريضة بالموعظة ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً﴾ . لعل الله ينفعهم بذلك.
ثم قضية عامة في حق عموم الرسل: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ . أي فما كان من حقهم أن يخالفوه أو يعرضوا أو يتولوا عنه.
ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم بهذا الإعراض وبهذا التولي وسمعوا الموعظة وأثر فيهم القول البليغ جاؤوك فاستغفروا الله جاءوا تائبين مقلعين عما كانوا عليه راجعين إلى الله وإلى ما أنزل على رسوله ﷺ واستغفر لهم الرسول. ولعل في استغفار الرسول لهم إشعار بصدق توبتهم وقوة عزيمتهم وإخلاصهم في رجوعهم إلى الله. لوجدوا الله تواباً رحيماً.
وفي نهاية المطاف معهم يأتي الجواب والحكم بفصل الخطاب:
مؤكداً بالإقسام بالله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ولا يثبت لهم إيمان ولا يكونون ضمن عداد المؤمنين حتى يأتوك مذعنين و ﴿يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً﴾ ولا ضيقاً ولا تأففاً ولا غضاضة مما قضيت. ويروا فيه الإحسان المطلوب والتوفيق المنشود ويسلموا تسليماً. بدون تردد ولا ارتياب. وقد بيّن تعالى موجبات هذا التسليم والرضا بحكم الله وحكم رسوله ﷺ أولاً: في واقع الحال لأن حكم الله يحكم ما يشاء ويختار. وحكم رسوله ﷺ حكم بما أراه الله.
стр. 3564
ثانياً: في النص قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ ما كان لهم الخيرة سبحانه وتعالى عما يشركون. ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ أي ما تكن من دوافع يخفونها وما يعلنون من ادعاءات يلفقونها. وهو الله لا إله إلا هو له صفات الحمد والكمال في الآخرة والأولى وله الحكم وإليه ترجعون.
وكذلك الحال في قضاء رسول الله ﷺ ليس لأحد فيها اختيار أو بالأصح ليس لمؤمن فيها اختيار كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ . ومن يعص الله ورسوله: أي بمخالفة قضائه وأوامره: فقد ضل ضلالاً مبيناً، ثم تأتي قضية افتراضية تبيّن رحمة الله ولطفه بجانب حقه وقدرته: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً﴾ .
فلو حكم الله عليهم أن يقتلوا أنفسهم أو يخرجوا من ديارهم وهذا من أشق التكاليف وله الحق في إلزامهم به. ما فعلوه إلا قليل منهم..
стр. 3565
مع أنه سبحانه قد فرض على من قبلهم لذنب ارتكبوه. في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ أي ففعلوا وقتلوا أنفسهم طاعة لله.. وأمر إبراهيم ﵇ بذبح ولده إسماعيل ﵇: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ﴾ ..
فلو كان عندهم استعداد لتنفيذ هذا الحكم لو صدر عليهم لكان خيراً لهم وأشد تثبيتاً في إيمانهم كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً﴾ . ﴿وَإِذاً لآَتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً﴾ .
ثم تأتي الخاتمة بمثابة مقارنة بين من يطيع الرسول ومن تولى عنه فبعد أن عالج موقف المعرضين عن كتاب الله وعن طاعة رسول الله ﷺ قال: مبيناً من يطيع بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيماً﴾ أي بحقائق النفوس وخفايا الصدور ودوافع الإعراض ودعاوي الإحسان، وهو يعلم المفسد من المصلح.
وقد كشف القرآن في موقف آخر نفسياتهم على حقيقتها بأن دوافع الإعراض هي الأنانية والمادية القاتلة لا دعوى الإحسان والتوفيق كما زعموا..
стр. 3566
وذلك في مقارنة بين المؤمنين والمنافقين، بين المعرض عن التحاكم إلى كتاب الله وبين المطيعين لأوامر اله في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَات﴾ وهي آيات الكتاب ليحكم بينهم بما أنزل الله ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ .
ثم يعرض الفريقين ومواقفهم إزاء هذه الآيات المبينات:
أـ فالفريق الأول: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ . نفى عنهم الإيمان لتوليهم عما أنزل الله.
ثم بين واقعهم العملي: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ. وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ موقف غير ثابت وعمل ليس مطرداً..
فهل هي أنانية منهم أو مادية فيهم أو كما قال تعالى: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ : إنه عين الظلم أن يأتوا لحكم الله مذعنين إذا كان الحق لهم ويتولوا عنه معرضين إذا كان الحق عليهم..
ب ـ أما الفريق الثاني: وهم المؤمنون فبينه تعالى بقوله: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ، فالسمع والطاعة في كلتا الحالتين فيما لهم وما عليهم فكانوا مفلحين..
стр. 3567
وفي هذه المقارنة بيان للمبررات المتوارثة في كل جيل وفي كل أمة لأنها عين المبررات التي تذرع بها المعرضون من الأمم السابقة. وإن اختلف شكلها: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ ذلك أنهم قالوا لن تمسنا لنار إلا أياماً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ .
فكلا التعليلين افتراء لا حقيقة له. ولكن الله تعالى كشفها وبيّن حقيقة حالهم..
فهل يحق بعد ذلك الإعراض عما أنزل الله والتحاكم لغير كتاب الله وسنة رسوله ﷺ اللهم لا.
أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يؤمنون.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] تقدم في مبحث ضرورة نصب القضاء.
стр. 3568
شعر المتنبي في ميزان الصاحب بن عبَّاد
بقلم الشيخ محمد المجذوب
المدرس بكلية الدعوة وأصول الدين في الجامعة
السُّخْر لون من الأدب قديم، رافق الشعر العربي منذ قام على قدميه، ومرده إلى نوع من الاستخفاف لا يجد صاحبه سبيلاً للتعبير عنه إلا بالصور المضحكة، وهو بذلك أشد وقعاً في النفس من الهجاء الصريح القائم على التحقير المباشر. فقد يقذف الشاعر أو الكاتب مهجوه بلاذع الكلام، فينال من نفسه أكثر مما ينال من خصمه، إذ يسجل عليها الانسياق لسلطان من الغضب تضعف إرادته عن تصريفه، ولكنه حين يعمد إلى السخر فإنما يدلل على هدوء في أعصابه، يمكن له من تتبع نقائص الخصم في أناة، توهمك بأنه لا يريد تشفياً ولا انتقاماً، وإنما يريد عرض واقع من حق الناس كلهم أن يشركوه في تعرفه.. ولهذا كان السخر فناً جميلاً يحقق من المتعة للقارئ والأديب ما لا تحققه فنون التعبير الأخرى.
ومع ذلك فللسخر ضروب تتفاوت في ميزان الجمال، تفاوت النفوس الساخرة، وكثير من الأدباء لا يجد القدرة على إحسانه، لأن نفسه من النوع الذي لا يأتلف غير الجد، فإذا راح يؤلف الصورة أضحكك من نفسه أكثر مما يضحكك من خصمه. وإلى جانب هؤلاء آخرون فطروا على هذه الموهبة، فهم لا يجدون نصَباً ولا التواءً في حوك ما يقصدون إليه، فإذا هم يتحفونك بما يهزأ طرباً، وربما لا يعجزون أن يهزوا خصومهم بمثل هذا الطرب.
стр. 3569
وللسخر الجميل صور ماتعة في القرآن الكريم، وفي كثير من النصوص العربية، قديماً وحديثاً، تأتي حيناً هادئة رخية، وتأتي حيناً آخر عنيفة قوية، وفي كلتا الحالتين تعمل عملها في تحريك المشاعر وتحقيق الغرض. ومن الذين أحسنوا هذا الفن "الحطيئة"و"الأخطل"و"بشار"و"ابن الرومي"و"المعري"، ثم "الجاحظ"و"ولي الدين يكن". وهناك واحد من أدباء العصر العباسي لم يشتهر أمره بين الساخرين وقد ضرب فيه بسهم وافر، يجعله واحداً من هؤلاء الذين يُرْضُون هواة هذا الفن. ذلك هو الصاحب إسماعيل بن عباد من نابعي القرن الرابع.
وقد رأيت أن أقف حديثي هذا على عرض نماذج من سخره البارع الذي ينم عن ثقافة أدبية عميقة، وتصرف حاذق في فن القول.
ولد إسماعيل بن عباد عام ٣٢٦هـ وتوفي عام ٣٨٥هـ ونشأ في جو من العلم والأدب أحاطه به والده، ثم اتصل بأكابر علماء عصره وأدبائه، فأفاد ثروة وافرة من الثقافة إلى جانب ذخيرة من الخلق والعقل والصفات الكريمة، مما رفعه إلى مرتبة الوزراء، فكان يمين (ركن الدين بن بويه) ثم (فخر الدولة) أخيه مدى ثماني عشرة سنة وكان شديد الإخلاص لهما، نافذ الأمر عندهما، ومؤيد الدولة هو الذي أطلق عليه لقب (الصاحب) .
стр. 3570
أما ثقافته فحسبنا شاهداً على قيمتها قول عدوه (أبي حيان) في كتابه (الإمتاع) الذي حشاه بالطعن على الصاحب، يقول أبو حيان: "كان الصاحب كثير المحفوظ حاضر الجواب، فصيح اللسان قد نتف من كل أدب شيئاً، ومن كل فَن طرفاً، حسن القيام بالعروض والقوافي، يقول الشعر وليس بزالٍّ وبديهته غزار".. ولا شك أن مثل هذه الثقافة تؤهل صاحبها للكلام في الشعر، ونقد معانيه وأساليبه، وتُسعفه بما يعوز الناقد من فنون الكلام، عندما يتناول أحد الشعراء بتعديل أو تجريح. وبهذا السلاح من الذكاء المثقف اقتحم الصاحب ابن عباد حرم المتنبي، فراح ينقب بين ثناياه لاستقصاء سقطاته، في ألوان من السخر الناجح، لا يتمالك قارئه إلا أن يقابله بالإعجاب الكثير، والضحك الوفير.
أبت عنجهية المتنبي وكبرياؤه إلا أن تترفعا عن مديح الصاحب، وهو الذي كان بابه ملاذ المئات من شعراء التكسب، فأثار بذلك حفيظة ابن عباد، وهاج نقمته، فكان لا مندوحة له عن تتبع عيوبه، ليسهم مع خصومه في الغض من قيمته، فراح يستقصي مواطن ضعفه، في إنصاف حيناً وفي جور حيناً آخر، وكان لمالئ الدنيا وشاغل الناس أنصاره المعجبون، الذين لا يعدمون القدرة على الذياد عن حياضه، لذلك وجب على الصاحب الواثق من نفسه ألاّ يكتفي بالقول يرسله في مجالسه الخاصة، فعمد إلى القلم، وإذا هو يخرج لنا رسالته التي يسميها: "الكشف عن مساؤئ شعر المتنبي"والرسالة هذه صغيرة لا يتجاوز ما يخص المتنبي فيها الخمس عشرة من الصفحات، ولكنها ذخيرة من بلاغة الصاحب ومقدرته في النقد الساخر ... تقرؤها اليوم فتستعيد جو الحياة الأدبية الماتعة التي كانت تظل عهد كاتبها، وتتبين من خلالها دفقات من جيّد الكلام تكاد تكون نسيج وحدها في كل ما عرفه الأدب العربي من هذا الفن.
ولنأخذ الآن في استعراض [١] طائفة من هذا السخر الطريف.
يقول المتنبي في مدح سيف الدولة:
نحن من ضايق الزمان له فيك
стр. 3571
وخانته قربك الأيام
فيمسك الصاحب بتلابيبه ثم يقول: "إنه بيت، رقية العقرب أقرب إلى الأفهام منه، فإن قوله: (فيك) لو وقع في عبارات الجنيد والشبلي لتناءت عنه المتصوفة دهراً ...
ورقية العقرب هذه تذكرنا قول ابن الرومي في شعر البحتري:
رقى العقارب أو هذر البناة إذا
أضحوا على شعف الجدران في صخب
ويقلِّب الصاحب نظره في رثاء المتنبي لأم سيف الدولة، وفيه من الفخامة ما يليق بجلال الملوك، فإذا هو يقذف بالقهقهات المثيرة هنا وهناك، ثم يسجل ملاحظته في مثل هذه الكلمات: يقول الصاحب: ولما أبدع (المتنبي) في هذه المرثية واخترع قال:
صلاة الله خالقنا حنوط
على الوجه المكفن بالجمال
وقد زعم بعض من يغلو في المتنبي أن هناك استعارة، فقلت: صدقت. ولكنها استعارة حداد في عرس. ولا يفوتنا غرابة (الحداد في عرس) فهي من ابتداع الصاحب، فيما أظن، وقد بقيت ملكه حتى أخذها شاعر حديث فقال:
ضحك الأمس، فرنّت في الدجى
ضحكة الثاكل في ليلة عرس
ويقرأ الصاحب قول أبي الطيب:
إن كان مثلك كان أو هو كائن
فبرئت حينئذ من الإسلام
فلا يهمه ما في البيت من سخف المعنى والمبنى، بمقدار ما تسوؤه لفظة (حينئذ) لذلك يكشف عورتها وهو ينادي (إنها ههنا أنفر من عيَر منفلت!) .
وهكذا هو يصنع في ذلك البيت الآخر الذي يتساءل به المتنبي عن الطلول:
أسائلها عن المتديريها
فما تدري، ولا تُذْري دموعا
فإذا هو يقبض على هذه (المتديريها) بكلتا يديه، ويقول: "لو وقعت هذه اللفظة في بحر صاف لكدرته ولو ألقي ثقلها على جبل سام لهدته! ..."
ولَكَم ثار فضول الناس حول قول المتنبي الآخر:
أُحاد أم سداس في أُحاد
ليَُيْلَتُنا المنوطة بالتنادي!
стр. 3572
فلم ينتهوا إلى الكلمة الأخيرة فيه حتى اليوم، ولكن الصاحب لا يرى فيه إلا نوعاً من الهذر يجمع من الحساب ما لا يدرك بالارتماطيقي، وبالأعداد الموضوعة للموسيقى، ثم يجهز عليه بهذه الطعنة النجلاء إذ يقول: "هذا كلام الحكل ورطانة الزط.. وما ظنك بممدوح قد تهيأ للسماع من مادحه فصك سمعه بهذه الألفاظ الملفوظة، والمعاني المنبوذة! ..."
وقد يقع الصاحب على كلمة بارعة قالها أحد النقاد في شعر المتنبي، فيكتفي بها معبراً عن رضاه، كما صنع في هذا البيت:
فما للنوى، جُد النوى، قطع النوى
كذاك النوى قطاعة لوصال
فيورد عنه كلمة أحد شيوخ الأدب إذ يقول: "لو سلط الله على هذا البيت شاة لأكلت هذا النوى كله! ..."
ثم استمع إلى قول المتنبي هذا:
إذا كان بعض الناس سيفاً لدولة
ففي الناس بوقات لها وطبول
وقديماً شغل الشراح عن معنى هذا البيت بالجدل على (بوقات) .. بعضهم يصححها وبعضهم يخطئها، أما الصاحب فينصرف عن كل ذلك ليقول: "إن هذا التحاذق كغزل العجائز، ودلال الشيوخ! ...".
ويحلق الصاحب في فن التعبير، حين يقع على قول المتنبي:
جواب مُسائلي: أله نظير؟
ولا لك في سؤالك لا.. ألا لا
فإذا هو يعقب عليه بهذا السهم الذي شَفَى به واشتفى. يقول: "لقد سمعت بالتمتام ولم أسمع باللألاء، حتى رأيت هذا المتكلف المتعسِّف، الذي يقف حيث يعرف".
ويتابع الصاحب الساخر سقطات أبي الطيب، أو ما يراه هو سقطات، بهذا المبضع الذي لا يرحم، فما إن يصل إلى قوله:
عظمت فلما لم تكلم مهابة
تواضعت وهو العظم عظماً عن العظم
حتى يصرخ "ما أكثر عظام هذا البيت!..".
وما أروع عبارته حين يعرض لقول أبي الطيب، في وصف أسير أخذ منه الخوف حتى هبط إلى مرتبة الأطفال في اللفائف:
فغدا أسيراً قد بللت ثيابه
بدم، وبل ببوله الأفخاذا
فكأنه حسب الأسنة حلوة
стр. 3573
أو ظنها البرنيّ والآذاذا
وإذا علمت أن (البرني والآذاذ) من التمر أدركت جودة التعليق الذي أتحفنا به الصاحب عندما قال: "لا أدري أكان في الحرب أم في سوق التمارين في البصرة ...".
ولا ينكر ناقد منصف أم الصاحب لم يكن عادلاً في جميع نقده للمتنبي، فشذ ما جار عليه، وكثيراً ما أبرز لآلئه في صورة الخرز.. ولكنه لم يعدم التوفيق في كثير من تجريحه. ولعل أفضل ما يقع عليه قارئ هذه الرسالة، تلك النفحة التي بلغ بها قمة السخر الفني، حين يعرض قول أبي الطيب:
لو استطعت ركبت الناس كلهم
إلى سعيد بن عبد الله بعُرانا
ثم يعقب عليه بهذه الوخزة البارعة: "ومن الناس أمه ... فهل ينشط لركوبها؟! والممدوح أيضاً لعل له عصبة لا يحب أن يُركبوا إليه! ...".
وبعد فهذه طائفة من طرائف تلك الرسالة التي تنفس عنها صدر ذلك الأديب الناقم من كبرياء أبي الطيب.
وليس الصاحب بن عباد هو الناقم الوحيد الذي دفعه المتنبي إلى صفوف أعدائه بتعاليه وتعاظمه وعنجهيته، ولكنه واحد من الذين يحسنون الرمي عن خبرة.. فليس بوسعه أن يحشره بين عضاريط الفسطاط وشُوَيْعري بغداد ...
ونحن إذ نستعرض غمزاته هذه لا يسعنا أن نؤيده في كل ما ذهب إليه من رأي في النماذج التي تناولها من شعر أبي الطيب، ففي كثير من مآخذه تحامل بيّن، لا يمكن الزعم بأن الناقد على جهل منه، ولذلك اكتفينا من تلك الغمزات بما هو أقرب إلى الإنصاف، وقليل من التروي في تقييم [٢] هذه الأبيات المجروحة يؤكد صدق ما أطلقة الصاحب عليها من الأحكام ...
стр. 3574
ومن الحق أن نقول: "إن الصاحب لم يستسلم لهواه بإزاء أبي الطيب، إلى الحد الذي يخرجه عن كل تقدير له، فإلى جانب هذه الطعنات القليلة، إنصاف غير قليل، عالج به مجموعة من أمثال المتنبي، في كتاب خاص، لم يبخس فيه الشاعر الحكيم حقه، وهو نفسه لا يهجم على المتنبي في رسالته الساخرة هذه الهجوم المنكر لعبقريته، وإنما دفعه إلى تأليفها حديث دار بينه وبين بعض المتعصبين لأبي الطيب، فقد سأله هذا عن رأيه في شعره فأجابه بما يلي: "إنه بعيد المرمى كثير الإصابة، إلا أنه ربما يأتي بالفقرة الغراء مشفوعة بالكلمة العوراء.. فلم يرق ذلك للسائل، بل تحداه أن يثبت زعمه كتابة، فاضطر الصاحب إلى تأليف هذه الرسالة تسويغاً لما ذهب إليه ..."
على أن من طرائف القدر أن يُبْتلى الصاحب نفسه بمثل ما ابتُلِيَ به المتنبي من خصومته... فلقد رماه الدهر بباقعة من فطاحل كتاب العربية، لا يعجزه أن يجعل من الحق باطلاً، ومن الباطل حقاً.. ذلك هو أبو حيان، صاحب كتاب (الإمتاع والمؤانسة) الذي خص الصاحب بصفحات من النقمة المبدعة، توشك أن تجعل منه ضحكة الأبد.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] لم يستعمل الأقدمون هذا الفعل بما نريده الآن، ولكنه عند المولدين كثير، ونرى قبوله بدلالة حروف الزيادة على الطلب. الكاتب
[٢] بعض اللغويين ينكر هذه الصيغة ويأبى إلا رد الياء إلى أصلها (الواو) ونرى أن الصيغة صحيحة على أساس أن اشتقاقها من (القيمة) مباشرة كاشتقاق (التعييد) من العيد الذي هو في الأصل بالواو. الكاتب.
стр. 3575
ليكن شعارنا الدائم:
الله وحده
بقلم الشيخ السعيد الشربيني الشرباصي
المدرس بكلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة
وبعد: فهذه كلمة أريد بها تسجيل حقيقة مركوزة في نفوس المسلمين ولكنهم ينسونها، ومستقرة في عقول الموحدين ولكنها قد تغيب عنهم، رغبة مني في رد الأمور إلى نصابها، ومذكراً بتطهير عقائدنا من سلطان لغير الله. وهي تأتي لا عن دراسة مني ولكن عن تجربة مريرة عشت فيها سنوات، ظننت خلالها أنني أستطيع بوسائلي ووسائل الناس أن أصنع شيئاً لنفسي ينقذني مما أنا فيه، ولكن ضاعت كل هذه الوسائل وخرجت بالنتيجة التي استقرت في قلبي ومشاعري وضميري وما أذكره هنا من حقائق ليس تعبيراً عن هذه التجربة ولكن استدلالاً عليها وتبياناً لها..
لقد خاطب القرآن الكريم محمداً ﵊ بقوله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً، لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً﴾ .
فالله هو الذي فتح على محمد ﵊، وهو الذي جعله فتحاً مبيناً شاملاً كاملاً، ومع هذا الفتح العظيم الذي أقر به عيون المؤمنين وثبت به قلوب الموحدين وأرسى به قواعد الدين، غفر الله له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر ـ فضلاً وكرماًـ ثم هداه صراطاً مستقيماً.
هذه النعم المتلاحقة على خير المجاهدين وأعظم الموحدين هل كانت إلا منحاً ربانية بدأت من الله وانتهت إلى الله الغفور الرحيم.
следующие страницы →