Полный текст (23 804 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
رمضان فضله وفوائده
لفضيلة نائب رئيس الجامعة
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحابته ومن اهتدى بهداه.
أما بعد فيا أيّها المسلمون إنه قد أظلّكم شهر عظيم مبارك ألا وهو شهر رمضان شهر الصيام والقيام وتلاوة القرآن, شهر العتق والغفران, شهر الصدقات والإحسان, شهر تفتح فيه أبواب الجنات وتضاعف فيه الحسنات وتُقال فيه العثرات, شهر تجاب فيه الدعوات وترفع فيه الدرجات وتغفر فيه السيئات, شهر يجود الله فيه على عباده بأنواع الكرامات, يجزل فيه لأوليائه العطيات, شهر جعل الله صيامه أحد أركان الإسلام. فصامه المصطفى ﷺ وأمر الناس بصيامه, وأخبر ﵊ أنّ "من صامه إيمانا واحتسابا غفر الله له ما تقدم من ذنبه", شهر فيه ليلة خير من ألف شهر مَنْ حُرِمَ خيرها فقد حُرِم.
فاستقبلوه رحمكم الله بالفرح والسرور والعزيمة الصادقة على صيامه وقيامه والمسابقة فيه إلى الخيرات والمبادرة فيه إلى التوبة النصوح من سائر الذنوب والسيئات والتناصح والتعاون على البر والتقوى والتواصي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى كل خير لتفوزوا بالكرامة والأجر العظيم.
стр. 352
وفي الصيام فوائد كثيرة وحكم عظيمة, منها: تطهير النفس وتهذيبها وتزكيتها عن الأخلاق السيئة كالأشر والبطر والبخل, وتعويدها الأخلاق الكريمة كالصبر والحلم والجود والكرم ومجاهدة النفس فيما يرضي الله ويقرّب لديه. ومن فوائد الصوم أنه يعرّف العبد نفسه وحاجته وضعفه وفقره إلى ربه , ويذكره بعظيم نعم الله عليه, ويذكره أيضا بحاجة إخوانه الفقراء فيوجب له ذلك شكر الله سبحانه والاستعانة بنعمه على طاعته ومواساة إخوانه الفقراء والإحسان إليهم. وقد أشار الله إلى هذه الفوائد في قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ , فأوضح سبحانه أنه كتب علينا الصيام لنتقيه سبحانه فدل ذلك على أن الصيام وسيلة للتقوى, والتقوى: هي طاعة الله ورسوله بفعل ما أمر به وترك ما نهى عنه عن إخلاص لله ومحبة ورغبة ورهبة, وبذلك يتقي العبد عذاب الله وغضبه, فالصيام شعبة عظيمة من شعب التقوى, ووسيلة قوية إلى التقوى في بقية شؤون الدين والدنيا, وقد أشار النبي ﷺ إلى بعض فوائد الصوم في قوله ﷺ : "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج, ومن لم يستطيع فعليه بالصوم فإنه له وجاء" فبيّن النبي ﷺ أن الصوم وِجاء للصائم ووسيلة لطهارته وعفافه, وما ذاك إلا لأن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم والصوم يضيّق تلك المجاري, ويذكر بالله وعظمته فيضعف سلطان الشيطان, ويقوى سلطان الإيمان, وتكثر بسببه الطاعات من المؤمن وتقل به المعاصي.
وفي الصوم فوائد كثيرة غير ما تقدم تظهر للمتأمل من ذوي البصيرة, ومنها أنه يطهّر البدن من الأخلاط الرديئة ويكسبه صحة وقوة, وقد اعترف بذلك كثير من الأطباء, وعالجوا به كثيرا من الأمراض.
стр. 353
وقد ورد في فضله وفريضته آيات وأحاديث كثيرة قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ﴾ إلى أن قال : ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ . وفي الصحيحين عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "بني الإسلام على خمس؛ شهادة ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله, وإقام الصلاة, وإيتاء الزكاة, والصوم رمضان, وحج البيت", وأخرج الترمذي عن معاذ بن جبل ﵁ قال: قلت: يا رسول أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني على النار؟ قال: "لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسّره الله عليه, تعبد الله ولا تشرك به شيئا, وتقيم الصلاة, وتؤتي الزكاة, وتصوم رمضان, وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا", ثم قال النبي ﷺ : "ألا أدلُّك على أبواب الخير؟ الصوم جنة, والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار, وصلاة الرجل في جوف الليل"ثم تلا رسول الله ﷺ قوله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .. ثم قال ﵊: "ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ "قلت: "بلى يا رسول الله"فقال "رأس
стр. 354
الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله "ثم قال ﷺ : "ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قلت: "بلى يا رسول الله"قال: "كف عليك هذا", وأشار إلى لسانه.. فقلتك "يا رسول الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ "فقال ﷺ : "ثكلتك أمك يا معاذ, وهل يكبّ الناس في النار على وجوههم - أو قال على مناخرهم- إلا حصائد ألسنتهم".
أيها المسلمون: إن الصوم عمل صالح عظيم وثوابه جزيل ولا سيما صوم رمضان؛ فإنه الصوم الذي فرضه الله على عباده وجعله من أسباب الفوز لديه, وقد ثبت في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: "كل عمل ابن آدم له الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف, يقول الله : "إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به, إنه ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي", للصائم فرحتان: فرحة عند فطره, وفرحة عند لقاء ربه, ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك", وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة, وغلّقت أبواب النار, وسلسلت الشياطين ", وأخرج الترمذي وابن ماجه عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا كان أول ليلة من رمضان صفّدت الشياطين ومردة الجن, وفتحت أبواب الجنة, وأغلقت أبواب النار, فلم يفتح منها باب, وينادي مناد: "يا باغي الخير أقبل, ويا باغي الشر أقصر, ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة", وجاء عن النبي ﷺ أنه كان يبشر أصحابه بقدوم شهر رمضان ويقول لهم: "جاء شهر رمضان بالبركات فمرحباً به من زائر وآت", وأخرج ابن خزيمة عن سلمان الفارسي عن النبي ﷺ أنه خطب الناس في آخر يوم من شعبان فقال: "أيها الناس إنه قد أظلّكم شهر عظيم مبارك شهر فيه ليلة خير من ألف شهر, جعل الله صيامه فريضة وقيام ليله تطوعاً, من تقرّب فيه بخصلة من خصال الخير كان كمن أدّى فريضة فيما سواه, ومن أدّى فيه فريضة كان كمن أدى
стр. 355
سبعين فريضة فيما سواه, وهو شهر الصبر, والصبر ثوابه الجنة, وشهر المواساة, وشهر يزاد فيه رزق المؤمن" إلى أن قال: "فاستكثروا فيه من أربع خصال: خصلتين ترضون بهما ربكم, وخصلتين لا غناء بكم عنهما؛ فأما خصلتان اللتان ترضون بهما ربكم: فشهادة ألا إله إلا الله والاستغفار, وأما خصلتان اللتان لا غناء بكم عنهما: فتسألون الله الجنة وتعوذون به من النار"..
وفي الحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر الله ما تقدّم من ذنبه, ومن قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر الله ما تقدم من ذنبه, ومن قام ليلة القدر غفر الله ما تقدم من ذنبه", وثبت عنه ﷺ أنه كان في الغالب لا يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة, يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن, ثم يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن, ثم يصلي ثلاثا, وثبت عنه ﷺ أنه في بعض الليالي يصلي ثلاثة عشرة ركعة, وفي بعضها أقل من ذلك. وليس في قيام رمضان حد محدود لقول النبي ﷺ لما سئل عن قيام الليل قال: "مثنى مثنى, فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر ما قد صلى".
стр. 356
ولم يحدّد ﷺ للناس في قيام الليل ركعات معدودة بل أطلق لهم ذلك, فمن أحب إحدى عشرة ركعة أو ثلاثة عشرة ركعة أو ثلاثا وعشرين ركعة أو أكثر من ذلك أو أقل فلا حرج عليه, ولكن الأفضل هو ما فعله النبي ﷺ وداوم عليه في أغلب الليالي, وهو إحدى عشرة ركعة مع الطمأنينة في القيام والقعود والركوع والسجود, وترتيل التلاوة وعدم العجلة؛ لأن روح الصلاة هو الإقبال عليها بالقلب والخشوع فيها, وأداؤها كما شرع الله بإخلاص وصدق ورغبة ورهبة وحضور قلبٍ كما قال الله سبحانه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ, الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ , وقال النبي ﷺ : "وجعلت قرّة عيني في الصلاة", وقال للذي أساء في صلاته: "إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر ثم اقرأ ما تيسّر معك من القرآن ثم اركع حتى تطمئن راكعاً, ثم ارفع حتى تعتدل قائما, ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا , ثم ارفع حتى تطمئن جالسا, ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا, ثم افعل ذلك في صلاتك كلها", وكثير من الناس يصلي قيام رمضان صلاة لا يعقلها, ولا يطمئن فيها, بل ينقرها نقرا, وذلك لا يجوز بل هو منكر لا تصح معه الصلاة, فالواجب الحذر من ذلك, وفي الحديث عنه ﷺ أنه قال: "أسوأ الناس سرقة الذي يسرق صلاته", قالوا: "يا رسول الله كيف يسرق صلاته؟ "قال: "لا يتم ركوعها ولا سجودها", وثبت عنه ﷺ أنه أمر الذي نقر صلاته أن يعيدها.
стр. 357
فيا معشر المسلمين عظّموا الصلاة وأدوها كما شرع الله واغتنموا هذا الشهر العظيم وعظموه رحمكم الله بأنواع العبادة والقربات, وسارعوا فيه إلى الطاعات, فهو شهر عظيم جعله الله ميدانا لعبادة, يتسابقون فيه بالطاعات ويتنافسون في أنواع الخيرات, فأكثروا فيه رحمكم الله من الصلاة والصدقات وقراءة القرآن الكريم والإحسان إلى الفقراء والمساكين والأيتام, والتعاون على البر والتقوى, والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, والدعوة إلى الخير, وقد كان رسول الله ﷺ أجود الناس, وكان أجود ما يكون في رمضان, فاقتدوا به ﷺ في مضاعفة الجود والإحسان في شهر رمضان, وأعينوا إخوانكم الفقراء على الصيام والقيام, واحتسبوا أجر ذلك عند الملك العلاّم, واحفظوا صيامكم عما حرّمه الله عليكم من الأوزار والآثام, فقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه", وقال ﵊: "الصيام جنة فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يفسق فإن امرأ سابه أحد فليقل: إني امرؤ صائم", وجاء عنه ﷺ أنه قال: "ليس الصيام من الطعام والشراب وإنما الصيام من اللغو والرفث", وصح عن النبي ﷺ أنه قال: "الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر", وقال جابر بن عبد الله الأنصاري ﵁: "إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمحارم, ودع أذى الجار, وليكن عليك وقار وسكينة, ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء", فينبغي للصائم الإكثار من تلاوة القرآن بتدبر وتعقل, والإكثار من الصلوات والصدقات والاستغفار وسائر أنواع القربات في الليل والنهار, اغتناما للزمان ورغبة في مضاعفة الحسنات, ومرضاة فاطر الأرض والسموات, واحذروا - رحمكم الله - كل ما ينقص الصوم, ويُضْعِفُ الأجر, ويغضب
стр. 358
الرب , من سائر المعاصي كالتهاون بالصلاة والبخل بالزكاة وأكل أموال اليتامى وأنواع الظلم وعقوق الوالدين وقطيعة الرحم والغيبة والنميمة والكذب وشهادة الزور والدعاوي الباطلة والأيمان الكاذبة وحلق اللحى وتقصيرها وإطالة الشوارب والتكبر وإسبال الثياب واستماع الأغاني وآلات الملاهي وتبرج النساء وعدم تسترهن من الرجال والتشبه بنساء الكفرة في لباس الثياب القصيرة وغير ذلك مما نهى الله عنه ورسوله, وهذه المعاصي التي ذكرنا محرمة في كل زمان ومكان, ولكنها في رمضان أشد تحريماً وأعظم إثماً لفضل الزمان وحرمته, ومن أقبح هذه المعاصي وأخطرها على المسلمين ما ابتلي به الكثير من الناس من التثاقل عن الصلوات والتهاون بأدائها في الجماعة في المساجد, ولا شك أن هذا من أقبح خصال أهل النفاق ومن أسباب الزيغ والهلاك قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ . وقال النبي ﷺ : "من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر", وقال له ﷺ رجل أعمى: "يا رسول الله إني بعيد الدار عن المسجد وليس لي قائد يلائمني فهل لي أن أصلي في بيتي؟ فقال له النبي ﷺ : "هل تسمع؟ "قال: "نعم" قال: "أجب", وقال عبد الله بن مسعود ﵁ وهو من كبار أصحاب رسول الله ﷺ : "لقد رأيتنا وما يتخلّف عن الصلاة في الجماعة إلا منافق معلوم النفاق أو مريض", وقال ﵁: "لو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم", والتهاون بالصلاة في الجماعة من أعظم أسباب تركها بالكلية, وذلك كفر بالله سبحانه كما قال النبي ﷺ : "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر".
стр. 359
ومن أخطر المعاصي اليوم أيضا ما بلي به الكثير من الناس من استماع الأغاني وآلات الطرب وإعلان ذلك في الأسواق وغيرها ولا ريب أن هذا من أعظم الأسباب في مرض القلوب وصدّها عن ذكر الله وعن الصلاة, وعن استماع القرآن الكريم والانتفاع به. ومن أعظم الأسباب أيضاً في عقوبة صاحبه بمرض النفاق والضلال عن الهدى كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ . وقد فسّر أهل العلم لهو الحديث بأنه الغناء وآلات اللهو, وكل كلام يصد عن الحق, وقال النبي ﷺ : "ليكوننّ من أمتي أقوام يستحلون الحرَ والحريرَ والخمرَ والمعازفَ", والحِرَ: هو الفرج الحرام, والحرير معروف, والخمر هو كل مسكر, والمعازف هي آلات الملاهي كالعود والكمان وسائر آلات الطرب, والمعنى أنه يكون في آخر الزمان قوم يستحلّون الزنا ولباس الحرير وشراب المسكرات واستعمال آلات الملاهي, وقد وقع ذلك كما أخبر به ﷺ وهذا من علامات نبوته ودلائل رسالته ﵊, وقال عبد الله بن مسعود ﵁: "إن الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء الزرع".
فاتقوا الله أيها المسلمون واحذروا ما نهاكم الله عنه ورسوله واستقيموا على طاعته في رمضان وتواصوا بذلك وتعاونوا عليه لتفوزوا بالكرامة والسعادة والعزة والنجاة في الدنيا والآخرة. والله المسؤول أن يعصمنا والمسلمين من أسباب غضبه, وأن يتقبل منا جميعا صيامنا وقيامنا, وأن يصلح ولاة أمر المسلمين, وأن ينصر بهم دينه, ويخذل بهم أعداءه, وأن يوفق الجميع للفقه في الدين والثبات عليه, والحكم والتحاكم إليه في كل شيء. إنه على كل شيء قدير, وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه.
стр. 360
البرُّ لا يبلى
للشيخ عبد القادر شيبة الحمد
المدرس في الجامعة
روى عبد الرازق في جامعه عن أبي قلابة ﵀ بسند حسن أن رسول الله ﷺ قال: "البر لا يبلى, والذنب لا ينسى, والديان لا يموت, اعمل ما شئت, كما تدين تدان".
وقد ذكر الله تعالى أصول البر وخصاله العظمى والعنوان الحقيقي لأهل البر في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ . فأعظم خصال البر: الإيمان بالله؛ وهو اطمئنان القلب وسكونه ويقينه بالله فاطر السموات والأراضي, عالم الغيب والشهادة, القائم على كل نفس بما كسبت, المستحق وحده لا شريك له لأقصى غاية الحب مع أقصى غاية الذل, وهو الذي بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه, وله المثل الأعلى في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم, ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ .
стр. 361
ومن أصول البر وأعظم خصاله أن يؤمن الإنسان باليوم الآخر والبعث بعد الموت ليجزي المحسن على إحسانه والمسيء بإساءته, وعقيدة البعث تسارع إلى الإيمان بها النفوس الكاملة والعقول المستنيرة, فإنه لو لم يكن هناك بعث ولا نشور لكان خلق السموات والأرض وما بينهما باطلا, وحينئذٍ يستوي من يفسد في الأرض ومن يصلح فيها, ومن يحسن إلى الإنسانية ومن يسيء إليها. وكما قال تعالى: ﴿ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّار, أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ , وهذا لا يكون أبداً ولابد من البعث ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى, ومن أصول البر التصديق بملائكة الله وهم خلق الله تعالى جعلهم الله رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع, شأنهم الطاعة, ومسكنهم السموات, لا يعصون الله طرفة عين ويفعلون ما يؤمرون, ومنهم معقّبات للإنسان من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله, وفيهم الكرام الكاتبون, ومنهم خزنة النار, ومنهم الذين يدخلون على المؤمنين في الجنة من كل باب, ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ .
ومن أصول البر أن يؤمن الإنسان بأن الله أنزل كتبا من السماء لتكون نبراسا لأهل الأرض ودستورا لهم يقتدون بها إلى الصراط المستقيم والمنهج القويم ومنها التوراة والإنجيل والقرآن العظيم.
стр. 362
ومن أصول البر الإيمان بأنبياء الله ورسله الذين هم أكمل بني الإنسان, وأعرف خلق الله بالله, وأدلهم على الله, وأهداهم طريقا, وأحسنهم سلوكا, أرسلهم الله مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل, وقد فضّل الله بعضهم على بعض, وأعظمهم أولو العزم الخمسة: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام, وأعظم أولي العزم الخليلان محمد وإبراهيم عليهما الصلاة والسلام, وأعظم الخليلين محمد ﷺ .
стр. 363
ومن أصول البر بذل المال المحبوب للمحتاجين إليه وذوي القربى واليتامى والمساكين وابن سبيل والسائلين, وبذله كذلك في تحرير الرقيق, وقد وصف الله بذل المال في هذه الوجوه بأنه اقتحام العقبة، إذ يقول: ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ, وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ, فَكُّ رَقَبَةٍ, أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ, يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ, أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ . ومن أصول البر وأعظم خصال الخير الصلاة فإنها عمود الدين وهي تذهب السيئات وتكفّر الخطيات, وهي كنهر بباب الإنسان يغتسل فيه كل يوم خمس مرات, وقد قال رسول الله ﷺ : "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن ترك الصلاة فقد كفر", ومن أعظم أبواب الخير إخراج الزكاة للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن سبيل, على أن مال الإنسان الحقيقي هو الذي يبذله في وجوه البر, وفي ذلك يقول رسول الله ﷺ : "يا ابن آدم تقول مالي وليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأبقيت", ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ, يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ .
ومن أعظم أصول الخير وخصال البر الوفاء بالعهد, وقد أنذر الله الذين ينقضون العهد بأنهم لهم اللعنة ولهم سوء الدار, وقد جعلت الشريعة الإسلامية خلف الوعد من أمارات النفاق فقد قال رسول ﷺ : "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب, وإذا وعد أخلف, وإذا اؤتمن خان".
стр. 364
ومن أصول البر الصبر, وهو حبس النفس عن الجزع عند حلول البلوى, وقد أمر الله عز جل رسوله ﷺ ببشارة الصابرين فقال: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ, الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ, أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ .
وهذه هي أصول البر العظيمة التي ما تَقرّب العبد إلى الله تعالى بأحب إليه منها, وفيها من التكافل الاجتماعي ما يجعل المجتمع المستمسك بها أسعد المجتمعات.
وهناك أعمال إنسانية أخرى وصفتها الشريعة الإسلامية بأنها من البر وإن كانت دون ما ذكرناه, فإنها وعدت من يقوم به بجميل المثوبة، وعظيم الأجر.
فمن ذلك إماطة الأذى عن الطريق فقد روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك على الطريق فأخّرهُ فشكر الله له فغفر له", وفي رواية أخرى لمسلم قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لقد رأيت رجلا في الجنة في شجرة قطعها من طريق المسلمين", وفي لفظ أخر له قال: قال رسول الله ﷺ : "مر رجل بغصن شجرة على ظهر الطريق فقال: "والله لأُنحيَنّ هذا عن المسلمين لا يؤذيهم فدخل الجنة", وروى أبو داود ﵀ أن رسول الله ﷺ قال "نزع رجل -لم يعمل خيرا قط- غصن شوك عن الطريق قال: "أما كان في شجرة فقطعها وأما كان موضوعا فأماطه عن الطريق فشكر الله ذلك فأدخله الجنة".
وروى مسلم عن أبي ذر ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "عرضت عليّ أعمال أمتي حسنها وسيئها, فوجدت في محاسن أعمالها: الأذى يماط عن الطريق, ووجدت في مساوىء أعمالها النخامة تكون في المسجد لا تدفن".
стр. 365
ومن أعمال البر معونة ذي الحاجة الملهوف وقد روى البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن ﷺ قال: "على كل مسلم صدقة, قيل أرأيت إن لم يجد؟ قال: "يعتمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق", قال: "أرأيت إن لم يستطيع؟ "قال: "يأمر بالمعروف أو الخير", قيل: "أرأيت إن لم يفعل؟ "قال: "يمسك عن الشر فإنها صدقة".
وكذلك روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "على كل سلامي من الناس صدقة - أي على كل مفصل مفاصل الإنسان صدقة - كل يوم تطلع فيه الشمس, قال: تعدل بين الاثنين صدقة, وتعين الرجل في دابته صدقة, والكلمة الطيبة صدقة, وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة, وتميط الأذى عن الطريق صدقة".
وقد ضرب رسول الله ﷺ مثلا لأدنى خصال البر, وتعهد رسول الله ﷺ لمن عملها بالجنة, فقد روى البخاري عن كبشة السلولي ﵀ أن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أربعون خصلة أعلاها منيحة العنز, ما من عامل يعمل بخصلة منها رجاء ثوابها وتصديق موعودها إلا أدخله الله بها الجنة".
هذا وقد وصف الله تعالى عاقبة الأبرار الحسنى فقال جل من قائل: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ, عَلَى الأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ, تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ, يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ خِتَامُه, ُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ .
стр. 366
الإخلاص
للشيخ عبد المحسن العباد
المدرس في الجامعة
هو في اللغة: تخليص الشيء وتجريده من غيره, فالشيء يسمى خالصا إذا صفا عن شوبه وخلص عنه, ويسمى الفعل المصفى المخلص من الشوائب إخلاصا, وفي الأول قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خَالِصاً سَائِغاً لِلشَّارِبِينَ﴾ , فاللبن الخالص ما سلم وصفا من الدم والفرث ومن كل ما يشوبه ويكدر صفاءه, ومن الثاني قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ, لا شَرِيكَ لَهُ﴾ .
وفي الاصطلاح: تصفية ما يراد به ثواب الله وتجريده من كل شائبة تكدر صفاءه وخلوصه له سبحانه.
стр. 367
منزلته: الإخلاص هو أساس النجاح والظفر بالمطلوب في الدنيا والآخرة, فهو للعمل بمنزلة الأساس للبنيان, وبمنزلة الروح للجسد, فكما أنه لا يستقر البناء ولا يتمكّن من الانتفاع منه إلا بتقوية أساسه وتعاهده من أن يعتريه خلل فكذلك العمل بدون الإخلاص, وكما أن حياة البدن بالروح فحياة العمل وتحصيل ثمراته بمصاحبته وملازمته للإخلاص, وقد أوضح ذلك الله في كتابه العزيز فقال: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ, وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ , ولما كانت أعمال الكفار التي عملوها عارية من توحيد الله وإخلاص العمل له سبحانه جعل وجودها كعدمها فقال: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ . والإخلاص أحد الركنين العظيمين اللذين انبنى عليهما دين الإسلام, وهما إخلاص العمل لله وحده وتجريد المتابعة للرسول الله ﷺ , ولهذا قال الفضيل بن عياض في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ , قال: "أخلصه وأصوبه", قيل: "يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل, وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل, حتى يكون خالصا صوابا, فالخالص: ما كان لله, والصواب: ما كان على السنة". وقال شارح الطحاوية: "توحيدان لا نجاة للعبد من عذاب الله إلا بهما؛ توحيد المرسل سبحانه وتوحيد متابعة الرسول ﷺ , فيوحده ﷺ بالتحكيم والتسليم والانقياد والإذعان, كما يوحد المرسل بالعبادة والخضوع والذل والإنابة والتوكل".
стр. 368
محله: ومحل الإخلاص القلب, فهو حصنه الذي يقطن فيه, فمتى كان صالحا عامرا بسكناه وحده تبع ذلك صلاح الجوارح, ومتى كان خرابا سكن فيه الرياء وملاحظة الناس وكسب ودهم وتحصيل ثنائهم والطمع فيما عندهم, ويتبع ذلك سعي الجوارح لتحصيل هذه الأغراض الدنية, وليس أدل على ذلك وأوضح بيانا من قوله ﷺ : "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله, وإذا فسدت فسد الجسد كله, إلا وهي القلب", وقد أوضح ﷺ هذا المعنى وبيَّن تبعية الجوارح لما يقوم بالقلب بقوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات, وإنما لكل امرىء ما نوى, فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله, ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه".
والإخلاص مطلوب في الصلاة والزكاة والصيام والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وفي كل ما شرعه الله من قول أو فعل, فيقوم الإنسان بتأدية ما شرع له, والباعث له عليه امتثال أمر الله خوفاً من عقابه, وطمعاً فيما لديه من الأجر والثواب.
стр. 369
والإخلاص مطلوب أيضا فيما يلتزمه الإنسان من الأعمال فهو مطلوب من العامل, ومن المستشار والمؤتمن والموظف, ومن المعلم والمتعلم, وقد بين النبي ﷺ ما يترتب على طلب العلم والإخلاص فيه من النتائج الحميدة, وما يترتب على فقده من العواقب الوخيمة بقوله ﷺ : "من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة" رواه مسلم عن أبي هريرة ﵁, وروى عنه أيضا أن النبي ﷺ قال: "إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتي به فعرّفه نعمه فعرفها, فقال: "ما عملت فيها؟ "قال: "قاتلت فيك حتى استشهدت", قال: "كذبت؛ ولكنك قاتلت ليقال: جريء, فقد قيل", ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار, ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتي به فعرّفه نعمه فعرفها فقال: "ما علمت؟ "قال تعلمت العلم وعلمته وقرأت القرآن فيك"قال: "كذبت؛ ولكنك تعلمت ليقال: عالم وقرأت ليقال: قارىء, فقد قيل, ثم أمر به فسحب وجهه حتى ألقي على النار" الحديث.
ويروى أن معاوية ﵁ لما بغله هذا الحديث بكى حتى أغمي عليه, فلما أفاق قال: صدق الله ورسوله؛ قال الله : ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ﴾ , ويقول ابن مسعود ﵁: "لا تعلّموا العلم لثلاث؛ لتماروا به السفهاء, ولتجادلوا به الفقهاء, أو لتصرفوا وجهة الناس إليكم, وابتغوا بقولكم وفعلكم ما عند الله فإنه يبقى ويذهب ما سواه".
الحث عليه وبيان فضله:
стр. 370
ولما كان الإخلاص بهذه المنزلة التي تقدم وصفها جاء الشرع المطهر في الحث عليه والترغيب فيه وبيان فضله في آيات كثيرة وأحاديث عديدة, نذكر بعضها على سبيل التمثيل فمن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ﴾ , وقوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ , وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّه﴾ الآية.. وقوله: شقُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ, لا شَرِيكَ لَه﴾ (الأنعام: الآية ١٦٢- ١٦٣) , وقوله: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدا﴾ (الكهف: من الآية١١٠) , وقوله: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي﴾ (الزمر:١٤) .
ومن الأحاديث الصحيحة الواردة في ذلك عن رسول الله ﷺ قوله لأصحابه في غزوة تبوك: "إن بالمدينة رجالا ما سرتم سيرا, ولا قطعتم واديا إلاّ كانوا معكم حسبكم المرض" وفي رواية: "إلاّ شركوكم في الأجر" متفق عليه واللفظ مسلم, ومنها قوله ﷺ لسعد بن أبي وقاص: "إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلاّ أجرت عليها حتى ما تجعل في في امرأتك" متفق عليه.
стр. 371
ومنها قوله ﷺ : "إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم" رواه مسلم, ومنها قوله ﷺ في الحديث المتفق عليه: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" جوابا لمن سأله عن رجل يقاتل شجاعة ويقاتل الحمية ويقاتل رياء أيّ ذلك في سبيل الله, وقد أشار النبي ﷺ إلى ما يكتسبه الإنسان في الدنيا بسبب الإخلاص إلى جانب ما أعده الله له في الآخرة من مثوبة بما ذكره ﷺ من قصة الثلاثة الذين آووا إلى غار للمبيت فيه فانحدرت صخرة وسدّت عليهم باب الغار ففرج الله عنهم ذلك بسبب إخلاصهم الأعمال الصالحة له .
ما يضاد الإخلاص وبم تحصل السلامة منه:
وكما أن الإخلاص تصفية الشيء مما يشوبه فإذا لم تحصل تصفيته انتفى الإخلاص.
إذا قام الإنسان بعمل محمود والباعث له عليه ابتغاء وجه الله سمّي عمله إخلاصاً فإذا فقد ذلك الباعث على العمل أو وجد ولكنه مشوب بباعثٍ آخر كالرياء انتفت التسمية, فإخلاص العمل لله وحده ينافيه, ويقابله أن يحلّ في القلب قصد المخلوقين التماساً لحمدهم وثنائهم وطمعاً فيما عندهم, ولما كان ذلك ينافي الإخلاص جاءت الشريعة الإسلامية بذم الرياء ومقت المرائين فقد قال سبحانه: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ, الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ, الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ, وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ . وأخبر أن الرياء من صفات المنافقين فقال: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ , وروى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن الرسول الله ﷺ قال: قال الله تعالى: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك, من عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه".
ومن ابتلاه الله بهذا الداء العضال فعليه أن يسعى في تحصيل الأدوية النافعة التي تستأصله وتقضي عليه, ومن أبرزها شيئان:
стр. 372
أحدهما: أن يزهد فيما ينتظر من الناس من الثناء والعطاء.
والثاني: أن يحمل نفسه على إخفاء الأعمال.
وقد أوضح الأول منهما ابن القيم في الفوائد ص ١٤٨ فقال: " لا يجتمع الإخلاص في القلب ومحبة المدح والثناء والطمع فيما عند الناس إلاّ كما يجتمع الماء والنار والضب والحوت, فإذا حدثتك نفسك بطلب الإخلاص فأقبل على الطمع أولا فاذبحه بسكين الناس, وأقبل على المدح والثناء فازهد فيها زهد عشاق الدنيا والآخرة, فإذا استقام لك ذبح الطمع والزهد في الثناء والمدح سهل عليك الإخلاص. فإن قلت: وما الذي يسهل عليّ ذبح الطمع والزهد في الثناء والمدح؟ قلت: أما ذبح الطمع فيسهل عليك علمك يقينا أنه ليس من شيء يطمع فيه إلاّ وبيد الله وحده خزائنه لا يملكها غيره, ولا يؤتى العبد منها شيئا سواه, وأما الزهد في الثناء والمدح فيسهل عليك علمك أنه ليس أحد ينفع مدحه ويزين, ويضر ذمه ويشين إلاّ الله وحده, كما قال ذلك الأعرابي للنبي ﷺ : "إنّ مدحي زين وذمّي شين"فقال رسول الله ﷺ : "ذلك الله ", فازهد في مدح من لا يزينك مدحه ولا يشينك ذمه, وارغب في مدح مَنْ كل الزين في مدحه وكل شين في ذمه, ولن تقدر على ذلك إلاّ بالصبر واليقين, فمتى فقدت الصبر واليقين كنت كمن أراد السفر في البحر في غير مركب, قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ , وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ " انتهى كلام ابن القيم ﵀.
стр. 373
وقد أشار النبي ﷺ إلى إخفاء العبادة ابتعاداً عن الرياء بقوله ﷺ في الحديث المتفق عليه في السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلاّ ظله, "ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه, ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه".
فالحاصل أن العمل مذموم إذا كان الباعث عليه التماس حمد الناس وثنائهم, والطمع فيما عندهم, أما إذا عمل الإنسان العمل خالصا لله ثم ألقى الله له الثناء الحسن في قلوب المؤمنين بسبب ذلك العمل فارتاح لذلك واستبشر به لم يضره, ولم ينقص من أجره, بدليل أنّ النبي ﷺ لما سئل عن الرجل يعمل العمل محبة لله فيحمد الناس عليه قال:" تلك عاجل بشرى المؤمن" رواه مسلم عن أبي ذر ﵁.
стр. 374
إقبال شاعر الإسلام
للشيخ أحمد حسن المدرس بالجامعة
﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ, أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ, وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ, إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ .
وبعد فهذا شاعر من الذين آمنوا, يفعل ما يقول, ولا يهيم في كل واد, وإنما هو شاعر ثائر, وفيلسوف حكيم, ومصلح كبير, وقد أحببت أن يكون هذا النابغة موضوعا لمقالي؛ لأنه شاعر الحب والطموح والإيمان. وأشهد أني كلما قرأت شعره جاش خاطري, وثارت عواطفي, وشعرت بدبيب من المعاني والأحاسيس في نفسي.
واخترت الحديث عن هذا العظيم لأنه ولد في بلاد بعيدة عن مهد الإسلام، وانحدر من سلالة برهمية قريبة العهد بالهداية الإسلامية, وكانت بلاده خاضعة لحكم الإنكليز, وكانت السيادة فيها للثقافة الغربية, فدرس شاعرنا العلوم العصرية والآداب الغربية إلى أقصى حدودها, وفي أعظم مركزها, ثم اشتد إيمانه بالرسالة المحمدية, وإعجابه بشخصية محمد ﷺ , وثقته بالأمة الإسلامية ومواهبها ومستقبلها, واشتدت حماسته للإسلام, كما اشتد إنكاره لأسس الفلسفة الغربية والحضارة الأوروبية, وفي ذلك يقول: "لم يستطع بريق العلوم الغربية أن يبهر لبي, ويعشي بصري, وذلك لأني اكتحلت بإثمد المدينة" ويقول: "مكثت في أتون التعليم الغربي ,وخرجت كما خرج إبراهيم من نار النمرود", ويقول: "لم يزل ولا يزال فراعنة العصر يرصدونني, ويكمنون لي, ولكنني لا أخافهم فأنا أحمل اليد البيضاء, لا تعجبوا إذا اقتنصت النجوم, وانقادت لي الصعاب, فأنا من أتباع ذلك السيد العظيم, الذي تشرفت بوطأته الحصباء فصارت أعلى قدرا من النجوم, وجرى في أثر الغبار فصار أعبق من العبير".
стр. 375
ولقد استخدم إقبال عبقريته الشعرية ومواهبه الأدبية في نشر عقيدته ودعوته, وكان خير مثال للشاعر المؤمن والعالم الداعي والفيلسوف الحصيف, وقد أحدث إقبال هزة في الأفكار والآداب في قطر من أعظم الأقطار الإسلامية وأوسعها, وتجاوز تأثيره إلى أقطار بعيدة, وسمع له صدى في أنحاء العالم.
والسبب الثالث الذي دفعني للحديث عنه وقوفه مع أمتنا وقضاياها المواقف التي تتفق مع العقيدة التي آمن بها, والرسالة التي قضى حياته في سبيلها.
ففي قصيدته (هدية إلى الرسول) يتخيل أنه حضر عند النبي ﷺ فقال له النبي: "ماذا حملت لنا من هدية؟ ", فاعتذر الشاعر عن هدية الدنيا وقال: إ"نها لا تليق بمقامكم الكريم, ولكن جئتك بهدية, إنها زجاجة يتجلى فيها شرف أمتك, إن فيها دم شهداء طرابلس", وحينما طلبت فرنسا من إقبال أن يزور مستعمراتها في شمال إفريقية رفض دعوتها, وأبى أيضا أن يزور جامع باريز وأساتذته, وقال: "إن هذا ثمن بخس لتدمير دمشق وإحراقها".
ولما مرّ بصقلية في طريق عودته إلى بلاده من رحلته التي قام بها لأوروبا قال: "إبك أيها الرجل دماً لا دمعاً؛ فهنا مدفن الحضارة الحجازية".
ولا ينسى الشاعر أن يدحض مزاعم اليهود, ويردّ دعواهم على أعقابهم حينما يدّعون ملكية فلسطين؛ لأنهم سكنوها في قديم الزمان, فيقول ساخرا: "أما كان للعرب أن يطالبوا بأسبانيا, تلك التي ملكوا زمامها في غابر الأيام, وملأوا ربوعها علماً ونوراً".
وحينما زار الشاعر إسبانيا قال لمدير أحد الفنادق الكبرى في قرطبة: "أين أحفاد العرب في هذه البلاد؟ "فقال له المدير: "إنني منهم", ثم جمع له وجوهاً من خيارهم, فقال إقبال:
بأعينهن المراض الحسن
إلى اليوم تلك ظباء الحمى
على صيد أسد الشرى كل آن
وألحاظها لم تزل قادرات
وهذا النسيم عبير يمان
وتلك المحاسن طبع الحجاز
وإن زال سكان تلك الجنان
стр. 376
فحي الجنان وسكانها
ولم ينس الشاعر أن يزور مسجد قرطبة ويقرأ الآيات القرآنية المسطورة بالمداد الذهبي على جدارنه, وكان ذلك أثر كبير في نفسه, وأنه ليقول في ذلك: "لقد أحسست بالعطر والنسيم والجمال, وفهمت لماذا اختار العرب بلاد الأندلس, فهي المكان الذي لا يأسن فيه الماء, ولا يتغير مع هوائه الطعام, وعرفت لماذا اختار العرب, هذا الوطن الذي انبعثت منه مدنيات العالم الحديث, ولما قام فرانكو بالحرب الأسبانية الأهلية كان جنوده الفاتحون من مراكش, فقال بعض الناس لإقبال: "ها هم العرب مرة أخرى قاموا يفتحون الأندلس بعد خمسمائة عام, فقال إقبال: "هل قرأت قصيدتي عن قرطبة وأخذ يتلو منها:
جنة الحسن الذي يجلو النظر
أيها النهر الذي شاطئه
حلم الماضي الذي عنك استتر
فوق شطيك سرى في مقلتي
في حجاب خلف مجهول القدر
غير أن القوم في سكرتهم
قد تجلى لي ضحاها في السحر
وأرى في حلم ليلي يقظة
لو كشفت عن كنز الفكر
يزعج القوم ندائي للعلا
وإقبال هو الذي ينادي العرب من خلف السهوب ومن وراء البحار فيقول:
من سواكم حل أغلال الورى
أمة الصحراء يا شعب الخلود
صاح لا كسرى هنا لا قيصرا
أي داع قبلكم في ذا الوجود
أطلع القرآن صبحا للرشاد
من سواكم في حديث أو قديم
ليس غير الله ربا للعباد
هاتفا في مسمع الكون العظيم
وسل الحمراء واشهد حسن تاج
لا تقل أين ابتكار المسلمين
نحوها طوعا يؤدون الخراج
دولة سار ملوك العالمين
مظهر العزة والملك الحصين
دولة تقرأ في آياتها
دونها حارت قلوب العارفين
وكنوز الحق في طياتها
لنبي الله قدسي الجناب
أرسل الشكر إلى غير انتهاء
أوقد النور بكف من ترا
أشعل الإيمان نارا بالعراء
عزمة فل بها سيف الغير
وحباه الله من عليائه
سار فيها راكب خيل القدر
стр. 377
راكب الناقة في صحرائه
وصفوفا تحت ظل المسجد
كبروا الله في ظل الحروب
وارتقوا فيها مكان الفرقد
وثبة دانت لهم فيها الشعوب
وأرى بنيانكم منقسما
كل شعب قام يبني نهضة
لهف نفسي كيف صرتم أمما
في قديم الدهر كنتم أمة
فهو أولى الناس طرا بالفناء
كل من أهمل ذاتيته
كل من قلد عيش الغرباء
لن يرى في الدهر شخصيته
طالما كنتم جمالا للعصر
فكروا في عصركم واستبقوا
مرة أخرى بها روح عمر
واملأوا الصحراء عزما وابعثوا
لهذه الأسباب مجتمعة رغبت في إقبال والحديث عنه, ولا بد لي من الإشارة أولا وقبل كل شيء إلى أن ما كتب عن إقبال في العربية وما ترجم له من شعر لا يتناسب مع عظمة شخصيته وسلاسة شعره وكثرته, فأنا إذن لن أحدثكم على مميزات شعره ودقيق فلسفته؛ لأن ما ترجم له لا يكفي ذلك, ولكني سأقبس لكم من سيرته قبسات لتعيشوا معه لحظات.
حياته:
ولد شاعرنا العظيم في بلدة (سيالكوت) في إقليم البنجاب من الهند عام ثلاثة وسبعين وثمانمائة وألف, وفتح عينه على أنهار الجارية التي تنحدر عبر التلال الجميلة, حاملة في خريرها وتدافع أمواجها قصة الأزل, وسنة الأبد, ودرج إقبال على تلك السهول والسفوح بين الخمائل وتحت الظلال يستمتع بجمال بلاده وسحر طبيعتها.
وينتمي شاعرنا إلى سلالة وثنية برهمية, كانت تعيش في كشمير, غير أن الإسلام غزا قلوب هؤلاء البراهمة, فكان منهم والد الشاعر.
стр. 378
والد إقبال: كان والد إقبال تقيا زاهدا, يهتز فؤاده رهبة وإشفاقا, وتدمع عيناه خوفا ووجلا, كلما ذكرت كلمة النار, وكلما قرأ أو سمع عن هول يوم الحساب, ولنترك الحديث عن والد إقبال لإقبال نفسه يقول إقبال: "وقع على بابنا سائل وقوع القضاء, ورفع صوته كأنه نعيب غراب, وأخذ يهز الباب, ولما آلمني تصايحه وإلحافه خرجت إليه فأهويت على رأسه فبعثرت ما بيده مما جمعه طوال يومه, فلما رأى والدي تلك الحادثة اصفرّ وجهه الأحمر وانحدرت الدموع نهرا على خديه, وقال: "تذكّر يا بنيّ جلال المحشر يوم تجتمع أمة خير البشر, وأرجع البصر كرّةً إلى لحيتي البيضاء, ونحول جسمي المرتعش بين الخوف والرجاء, كن يا بني من البراعم في غصن محمد, وكن زهرة يحييها نسيم ربيع المصطفى".
إنّ الجرعات الدينية النقية لهي الدواء الناجع للبشرية الحائرة, وإنّ في الكؤوس الروحية الخالصة لنشوة سامية تنفي عن الإنسان ظلمات الشك, وتحجب عن عينيه أصنام اليأس والاستسلام, ولطالما ارتشف إقبال من تلك الكؤوس, فشفت من نفسه جراحا, وأبانت له عن طريق سليم واضح, وكشفت له عن أشياء ما كان ليكشف عنها, وينعم بجمالها لولا تلك الجرعات الدينية النافعة, وما أجمل قوله:
وصراخ أيماني وصوت منايا
اليوم أسمعك احتدام مشاعري
سأرى الخلية ما رأت عينايا
المستحيل بدا لعيني ممكنا
كمودة الإنسان للإنسان
لم ألق في هذا الوجود سعادة
أحتج إلى تلك التي في ألحان
لما سكرت بخمرها القدسي لم
ثقافته وعلومه:
стр. 379
ذهب إقبال منذ نعومة أظفاره إلى مكتب تحفيظ القرآن في (سيالكوت) , وما يكاد أن يتحرك النهار وينحسر ظلّ الليل رويداً رويداً, وتثب الشمس من الأفق الشرقي, حتى يكون إقبال جالساً يستقبل الفجر, وأنداء الصباح تتمسّح بوجهه البريء الصغير, فيهب في نشاطه المعهود, ويصلي من خلف أبيه الشيخ الزاهد, ثم يتلو القرآن, وقد حرص أبوه المربي الفاضل على أن لا تكون قراءة إقبال كلمات تلقى, وآيات تتلى, وإنما قال له: "يا بني إقرأ القرآن وكأنه أنزل عليك", وفي ذلك يقول إقبال: "ومنذ ذلك اليوم بدأت أتفهّم القرآن وأُقبل عليه فكان من أنواره ما اقتبست ومن بحره ما نظمت" ... ثم انتقل إقبال إلى مدرسة (سيالكوت) وما أن أتم دراسته الثانوية حتى التحق بكليتها, حيث تلقى أصول اللغة الفارسية والعربية على أستاذه السيّد (مير حسن) .. ولقد امتاز طوال هذه الفترة بذكائه الحاد وبديهته السريعة, وحوزه لقصب السبق بين أقران ولداته, ونتج عن ذلك أن نال الجوائز السنية ونال فرصة الدراسة بالمجان, وفتحت بعد ذلك كلية الحكومة في (لاهور) ذارعيها لاستقبال الشاب الذكي, ففاق على أقرانه, ونال ميداليتين ذهبيتين, ومساعدة الحكومة الشهرية له جزاء اجتهاده.
وفي كلية الحكومة بـ (لاهور) التقى إقبال بأستاذه الفيلسوف المستشرق (توماس أرنولد) الذي رحّب بميل تلميذه إلى الفلسفة, فكان له خير مرشد ومعين, وسرعان ما توثقت بينهما أواصر الصداقة, واستحكمت روابط الألفة, ثم نال إقبال شهادة في الفلسفة وعيّن أستاذا للفلسفة والسياسة المدنية بالكلية الشرقية في (لاهور) , ثم أستاذا للفلسفة واللغة الإنكليزية في كلية الحكومة هناك, وكان ذلك هو الدليل المادي على تقديرهم لغزارة علمه, ورجاحة عقله, وعظيم عبقريته.
стр. 380
وفي عام خمسة وتسعمائة وألف ولّى إقبال وجهه شطر بلاد الغرب, حيث وصل إلى لندن, والتحق بجامعة (كامبردج) وأخذ شهادة عالية في الفلسفة وعلم الاقتصاد, ومكث في عاصمة الدولة البريطانية ثلاث سنين يلقي محاضرات في موضوعات إسلامية, أكسبته الثقة والشهرة, وتولى في خلال تلك المدة تدريس آداب اللغة العربية في جامعة لندن مدة غياب أستاذه (أرنولد) , ثم سافر إلى ألمانيا وأخذ من جامعة (ميونخ) الدكتوراه في الفلسفة, ثم رجع إلى لندن وأخذ شهادة في المحاماة, ورجع إلى الهند عام ثمانية وتسعمائة وألف سالما غانما, ومن دواعي العجب أنّ كل هذا النجاح حصل لهذا النابغة هو لم يتجاوز الثانية والثلاثين من عمره.
ولقد توسّع إقبال في قراءته عن (نتشة) و (هيجل) و (شوبنهاور) وغيرهم وقارن بينهم وبين فلسفة الشرق أمثال ابن سيناء وابن رشد وإليكم رأيه في نتشه:
يقول إقبال عن نتشه: "خفق قلبه لضعف عناصر الإنسان, وخلق فكره الحكيم صورة أحكم وأمتن, فأثار بين الفرنج هياجا بعد هياج, مجنون ولج مصانع الزجاج, إذا بغيت نغمة ففر منه, فليس في نايه إلاّ قصف الرعد, قد دفع مبضعه في قلب الغرب, واحمرّت يده من دم الصليب, هذا الذي بنى معبداً للصنم على قواعد الحرم, قد آمن قلبه وكفر دماغه".
ولقد تعمّق إقبال في دراسته للفكر الهندي والإيراني, ونال قسطاً وافراً من منابع التراث الروماني واليوناني, ونهل قدراً وافياً من الثقافة الإنكليزية والألمانية والفرنسية والأمريكية, هذا فضلا عن الميراث الفكري الإسلامي والعربي الذي صرف فيه إقبال معظم مجهوداته.
أما اللغات التي أجادها إقبال فهي الأوردية, والفارسية, والإنكليزية, وكان عظيم الإتقان للألمانية والفرنسية, ولكنه كان يعرف العربية والسنسكريتية.
كتبه ودواوينه:
لقد ترك الشاعر باللغة الفارسية الدواوين الآتية:
стр. 381
أسرار خودي: يعني أسرار معرفة الذات, ورموز بيخودي: أي أسرار فناء الذات, وبيام المشرق: أي رسالة الشرق, في جواب كتاب (جوته) (تحية الغرب) , كما ترك زبور عجم, وجاويد نامه, وماذا ينبغي أن تعمل الشعوب الشرقية, ومسافر, وأرمغان حجاز: أي هدية الحجاز, وترك باللغة الأوردية بال جبريل: أي جناح جبريل, وضرب كليم: يعني: ضرب موسى, وغير هذه الكتب محاضرات ألقاها في مدينة (المدارس) طبعت باسم (تجديد التفكير الديني في الإسلام) , محاضرات ألقاها في جامعة (كامبردج) , وقد اعتنى بهذه المحاضرات المستشرقون وعلماء الفلسفة والدين اعتناء عظيماً وعلّقوا عليها أهمية كبيرة.
ومن وراء جبال (الهيملايا) ومن خلف التلال والهضاب سارع أحد علماء روسيا, متكلفا المشاق والأهوال, راكبا الأخطار والأوعار, حتى التقى بإقبال, ونقل عنه مبادئه وأصول فلسفته, التي أودعها ديوانه (أسرار خودي) .
أما في ألمانيا فقد قام الأستاذ (دايشور وسو) , والدكتور (فيشر) الأستاذ بجامعة (ليبرنغ) , وصاحب مجلة (إسلاميكا) , والشاعر الألماني الفيلسوف (هانسي) , قام هؤلاء جميعاً وترجموا لإقبال, وكتبوا عن شعره وفلسفته, وقارنوا بينه وبين (جوته) الشاعر الألماني العظيم و (نيتشه) , بل قامت هناك في ألمانيا جماعة اسمها جماعة إقبال, تشرف على ترجمة آثاره, ونشر مبادئه في ربوع البلاد, وفي أروقة الجامعات.
وهكذا فعل (اسكاريا) في ايطاليا, و (ميكنري) في أمريكا, و (نيكلسون) والمستشرق (براون) في إنكلترا, والدكتور عبد الوهاب عزام في مصر إذ كان له الفضل الأكبر في التعريف بـ (إقبال) في أرجاء العالم العربي.
ومرض إقبال في آخر حياته, وظل أياما طويلة رهين الفراش, ولم يزل لسانه يفيض بالشعر, وقد قال قبل وفاته بعشر دقائق:
"ليت شعري! هل تعود النغمة التي أرسلتها في الفضاء, وهل تعود النفخة الحجازية, قد أظلني موتي, وحضرتني الوفاة, فليت شعري هل حكيم يخلفني؟ ".
стр. 382
وقال وهو يجود بنفسه: "أنا لا أخشى الموت, أنا مسلم, ومن شأن المسلم أن يستقبل الموت مبتسما", ولفَظَ نفَسَهُ الأخير على حجر خادمه القديم, على حين غفلة من العواد والأصدقاء, وغربت هذه الشمس التي ملأت القلوب حرارة ونورا, قبل أن تطلع شمس الواحد والعشرين من نيسان عام ثمانية وثلاثين وتسعمائة وألف.
стр. 383
العدد ٣
فهرس المحتويات
١- الإسلام والصراع الطبقي: للدكتور محمود بابللي
٢- في إفريقية الخضراء: للشيخ محمد ناصر العبودي الأمين العام للجامعة
٣- آخر أيام غرناطة: للشيخ محمد المجذوب
٤- أفضل الأعمال: للشيخ عبد القادر شيبة الحمد
٥- التخطيط لمباني ومنشآت الجامعة الإسلامية - طريقته وأهدافه ومستقبله: المهندس محمد وهبي الحريري
٦- الثقافة التي نحتاج إليها: للدكتور محمد تقي الدين الهلالي
٧- رسائل لم يحملها البريد: للشيخ عبد الرؤوف اللبدي
٨- دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب: لفظيلة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي
٩- عقيدة أهل السنة والأثر في المهدي المنتظر: للشيخ عبد المحسن العباد
١٠- التضامن الإسلامي: لفضيلة نائب رئيس الجامعة الشيخ عبد العزيز بن باز
١١- مقومات النصر في حروب الإسلام: للشيخ أحمد مختار بزرة
١٢-منهج البحث العلمي في الإسلام: للشيخ إبراهيم السلقيني
١٣- نظرات في دعوة المبشرين: للشيخ ممدوح فخري
١٤- هذه إسلاميتنا. . ..: للشيخ ابي بكر جابر الجزائري
عمادة البحث العلمي - جميع الحقوق محفوظة ١٤٢٣ هـ / ٢٠٠٢ م
стр. 384
العدد ٣
الإسلام والصراع الطبقي
للدكتور محمود بابللي
تقوم بعض المذاهب الاجتماعية المعاصرة على فكرة الطبقية وتمايز بعض الطبقات على بعضها الآخر كما كانت عليه هذه الفكرة في العهود القديمة زمن اليونان والرومان, حيث كانت تسيطر هنالك طبقة السادة فقط, ولا قيمة للعبيد فيها. إذ أنهم مِلك يباع ويشترى ويتم التصرف فيهم استغلالا واستثمارا وتعذيبا على أبشع ما يمكن أن يتصور من الفوارق الصارخة بين هاتين الطبقتين.
حتى إن كلمة (ديمقراطية) لا تعني في مفهومها الحديث ما كانت تعنيه عند أهلها ومنشئي كلمتها, أي عند الأمة اليونانية, إذ أنها كانت تعني طبقة الشعب الحاكم, أي طبقة السادة, ولا وجود للطبقة المستغلة (العبيد) في مفهوم كلمة الديمقراطية القديم.
لذلك فإن كلمة (حكم الشعب للشعب) تعني آنئذ حكم طبقة السادة.
وكذلك الحال عند الرومانيين وما كانت عليه الطبقية لدى الفئة الحاكمة منهم, ومن يلوذ بها من أمراء وفرسان وغيرهم, ولا قيمة تذكر لفئات الفلاحين والطبقات المتوسطة والفقيرة وطبقة العبيد والأسرى.
وقد ظهرت فكرة الطبقية في زمننا الحاضر في مفهوم مغاير, وهو الصراع الطبقي بين الطبقة العاملة-من عمال وفلاحين-وبين طبقة الأغنياء أو متوسطي الحال, أو بين (الرأسمالية والاشتراكية) ومن بعدها الشيوعية, لأن الشيوعية هي الغاية للاشتراكية كما يعبر عن ذلك أصحابها.
وهذه الفكرة الطبقية أظهرت للوجود نوعان من الحكم المتسلط الغاشم باسم طبقة من الشعب ليس لها من هذا الحكم إلا الاسم ضد الطبقات الأخرى.
وتقوم هذه الفكرة على إثارة الصراع الدامي المستمر بين الطبقات وإيجاد الأسباب الدائمة لإثارته لإشغال الفئة المخدوعة به عن حقيقة أوضاعها
стр. 385
وكذلك تقوم هذه الفكرة على خلق جو من الاضطرابات والفوضى في كل بلد يمكن أن تعمل فيها هذه الأفكار لتتوهم الشعوب المخدوعة من أن الفردوس المنشود لا يتحقق إلا إذا قام هذا الصراع الدموي وانمحت الطبقات الغنية (الأرستقراطية والرأسمالية)
ولما كانت هذه الفكرة تستند إلى مذهب اجتماعي لا يؤمن بدين أو عقيدة لذلك فإنها تهدف إلى تهديم كل معتقد لا يكون مبنيا على الأسباب المادية وتعتبر أن الدين مخدر (أفيون) للشعوب, وتستغل تأخر بعض الشعوب المتدينة لتثبت لها من واقع تأخرها أن سبب هذا التأخر مردّه إلى هذا الدين الذي تعتنقه.
وأكثر ما يعتمد عليه أصحاب هذه الفكرة لترويجها هو واقع الشعوب وتأخر الكثير منها وسيطرة القوي منها على الضعيف, وأن هذه السيطرة ناشئة عن الفكرة الاستغلالية المتولدة عن الرأسمالية وأن التقدم العلمي لا يجتمع أو يأتلف مع الأفكار الدينية التي تشل من قدرة هذا التقدم عن أن يأخذ سبيله دون عائق.
ويعللون لمزاعمهم هذه بواقع الأمم الأوربية في العصور الوسطى عندما كانت الكنيسة مسيطرة, وما انقلبت إليه أحوال هذه الأمم بعد ما انعتقت من أسار هذه السيطرة الكهنونية حتى إنهم يسمون هذا المنطلق بداية عصر النهضة.
стр. 386
وقد انخدع بعض المثقفين ثقافة غربية من المسلمين وأخذوا بهذه الحضارة المادية وهذا التقدم الكبير وظنوا-وهما منهم-أن الدين الإسلامي عائق للأمة الإسلامية عن الانطلاقة في هذا الميدان وأنه يحرّم النظر والبحث في مثل هذه المسائل, وأن علم الدين يقتصر على الأمور التعبدية وبعض المعاملات المالية التي كانت معروفة في العصور الغابرة, وأن القرآن قد أدى مهمته في العصر الذي أنزل فيه وأنه لا يمكن أن يُتخذ دستورا-كمفهوم الدساتير الحديثة في هذا العصر-لأنه كتاب يتعلق بالأمور التعبدية ولم يقصد منه أن يكون كل شيء في حياة الناس وإن صح أن الإسلام فيه من المفاهيم الأخلاقية ما نجعله دعوة أخلاقية سامية, فإن هذه المفاهيم لا تكفي وحدها ليبنى عليها نهضة علمية كهذه النهضة المعاصرة, وشتان بين ما وصل إليه الغربيون والشرقيون من مستويات عالية جدا في شتى العلوم وبين ما عليه الأمة الإسلامية مع اختلاف الأجناس فيها. مما يؤكد أن الوحدة الجامعة التي تشد بهؤلاء إلى الوراء هي الدين والدين وحده.
هذه هي حجة بعض المثقفين الغربيين (من المسلمين) وحجة المخدوعين بهم وبالمظاهر المادية المتعددة الجوانب في الحضارة المعاصرة.
ولو محّصنا هذه الحجة تمحيصا دقيقا لوجدنا أنها حجة واهية لا تستند إلى أساس, وسنورد بعض النقاط الرئيسية التي يمكن أن تشير إلى ضعف هذه الحجة وعدم إمكانية اتخاذها مستندا لتبرير هجر التعاليم الإسلامية وعدم الأخذ بها.
وأول هذه النقاط, وأعتقد أنها أهم النقاط الأخرى وهى:
١- جهل هؤلاء المثقفين بعقيدتهم الإسلامية وبما تتضمنه هذه العقيدة من أسس قويمة.
وقد قيل في الأمثال العربية: "من جهل شيئا عاداه". وهؤلاء معذورون من هذه الناحية لأنهم يجهلون حقيقة الإسلام.
стр. 387
ولو سألت أحدا منهم أن يذكر لك ما يفقهه من الإسلام؟ لقال لك: إنني ولدت من أبوين مسلمين ووجدتهما يعتنقان الإسلام دينا فنشأت أقلدهما في هذا المعتقد وأقوم بما يقومان به من عبادات. أو أقلدهما فيما يقومان به دون أن أفقه الفائدة من هذه العبادات لأنني لم أجد لها مردودا أو أثر إيجابيا في نفسي كما لم أجد ذلك فيهما ولا في محيطي الذي أعيش فيه ولا في واقع المسلمين كلهم.
وإن هذه هي الحقيقة بالنظرة التي تنطبق على واقع الأكثرية من المسلمين. إذ هم الغالبية العظمى, فكيف تريد من هذه الكثرة أن تعطي انعكاسا صحيحا عن الإسلام ما دامت تعيش على هامشه ولا تعرف منه إلا صورا مشوهة من مظاهره فتزعم أنها أمة مسلمة وتحسب نفسها في عداد المسلمين, وليس بينها وبين الإسلام إلا صلة الاسم الوراثي.
والنقطة الثانية هي:
٢- الأسباب التاريخية في تخلف المسلمين الحالي:
стр. 388
تحفل كتب التاريخ بذكر الانقسامات التي حصلت في البلاد الإسلامية نتيجة لعوامل متعددة أهمها الترف وثانيها: انشغال أولي الأمر بأنفسهم للحفاظ على مكاسبهم الشخصية الكيد لبعضهم بعضا, وثالثها: انصراف العلماء عن أداء واجبهم من الجهر بالحق والوقوف إلى جانبه_باستثناء أفراد أفذاذ لا يخلوا زمان منهم-ورابعها: استغلال أعداء الدين وعلى رأسهم الشعوبيون لهذه التفرقة والعمل على توسعتها والحصول على مكاسب بسببها. وخامسها: انصراف الخاصة والعامة من المسلمين عن متابعة الجهد العلمي والتفوق قيه إلى مراقبة هذا الصراع المتجدد والمتعدد بين زعماء الأمة الإسلامية وانغماس أكثرهم فيه. وسادسها: حصول النكبات الطبيعية والهجمات البربرية التي قوضت أركان المعارف والعلوم مرات عدة. ومن ثم ما يعقب هذه الهزات من ركود طويل نسبيا إلى أن خالطت الأمم الغربية الأمة الإسلامية إبان الحروب الصليبية وأخذت عنها الكثير من حضارتها زيادة عما كانت اقتبسته منها عن طريق الأندلس أو البحر الأبيض المتوسط الذي كان يدعى آنئذ (بحر العرب) . واستمر هذا التقارب مدة طويلة من الزمن ينتج عنه التقارب مدة طويلة من الزمن ينتج عنه تدهور أوضاع الأمة الإسلامية وازدهار أحوال الأمم الغربية ولم تغير الخلافة العثمانية على ما كانت عليه في بداية منطلقها من قوة وصلابة من واقع هذه الأمة شيئا فبقيت على حالها بعيدة عن الأخذ بأسباب العلم, لأن لغة العلم التي كانت العربية قبيل التغلب العثماني على الدويلات والإمارات الإسلامية العديدة أهملت وأصبحت اللغة التركية هي اللغة الرسمية للأمة الإسلامية مما أثر على النتاج العلمي فأصبح في غالبيته يقوم على شرح المتون وشرح وتلخيص هذه الشروح.. إلى آخر ما وصل إلى أيدينا من مخلفات هذه العصور المتأخرة.
стр. 389
ولما أن تمكن الغرب من تقطيع أوصال الخلافة العثمانية عمل على أن يقتلعها من جذورها فكان له ذلك وعاونه على تحقيق هذه الغاية بعض أبناء هذه الأمة لأسباب متعددة. وأعقبت هذه النتيجة توسع سيطرة المستعمر الغربي على البلاد الإسلامية وخضوع أغلب هذه البلاد الإسلامية لهذه السيطرة بأشكال متعددة وظروف مختلفة, إلى أن تولد عن هذه السيطرة (الأجنبية) تيقظ بعض رجالات المسلمين فعملوا على تنبيه أمتهم من غفلتها وتحذيرها من الاستمرار في هذه الغفلة, وظهرت بعض الإشاعات الخفيفة في جنبات هذه الظلمة الواسعة التي عمّت البلاد الإسلامية فترة طويلة من الزمن وتلاحقت هذه الأنوار-رغم شدة الظلام المخيم على كثير من بلاد العالم الإسلامي-, ولكن النور لا يخفى أثره مهما اشتدت الظلمة.
وهكذا تكشّفت حقيقة الواقع المؤلم لبعض القلوب التي تفتحت بنور الإيمان وأخذت تعمل بإخلاص وجد في إيقاظ العالم الإسلامي وردّه بتؤدة وصبر وعزيمة إلى معتقده.
ولابد لهذه الجهود المخلصة أن تؤتي ثمارها, لأن النهضات لا تتحقق والعثرات لا تقال إلا بإخلاص العاملين من كل صنف وفي كل زمان.
وأرى أن بوادر الخير ظاهرة في الأمة الإسلامية رغم تلاحق الشدائد عليها, لأن من سنن الله سبحانه أن لا يضيع الشدائد لا تخرج عن كونها ابتلاءات تتمخض عن إنابة إلى الحق بإذن الله.
وثالث هذه النقاط:
٣- أن العقلية الغالبة-حتى الآن-على علماء العالم الإسلامي ورجالاته هي صفة الفردية, وعدم الاطمئنان للآخرين أو الثقة بهم وبهذا لا يتحقق التعاون المنشود بين رجالات العالم الإسلامي على جميع المستويات.
وداء الفردية داء فتاك في جسم الأمة, لأن العبقرية, مهما تكن فذة فإنها لا تبدع إن لم يكن إلى جانبها ما يشحذ من مضائها.
стр. 390
والحذر أو اليقظة شيء مطلوب ولكن شدّة الشك وعدم الاطمئنان أو الثقة بالآخرين يبعد الشقة بين الإخوة ويبقي ثغرات مفتوحة لكي يتسلل منها المخربون والمفسدون
وإن تبادل الزيارات- على جميع المستويات-بين رجالات الأمة الإسلامية وتولي وسائل الإعلام في بلاد العالم الإسلامي مهمة التقريب بين الشعوب الإسلامية يزيد في التقارب ويقضي على كثير من الخلافات التي صنعها الجهل والاستعمار وأعداء الإسلام.
واعتقد أن هذه النقاط الثلاث التي عرضتها آنفا يمكن أن تكون نقاطا رئيسية للأسباب التي نتج عنها التخلف الذي ورثه هذا الجيل المسلم عن آبائه وأجداده من العصور المتأخرة.
وإن إحساسه بهذا الواقع وشعوره بالتخلف عن الحضارة المادية ستدفع به لأن يغير من أوضاعه الشاذة ويعود إلى سلوك الجادة المستقيمة التي يدعوه إليها الإسلام.
وتبقى النقطة الأخيرة التي أود عرضها وهي في الحقيقة رد على تساؤلات الكثير من المسلمين أصحاب الثقافة الغربية الذين لاحظّ لهم من الإسلام إلا صلة النسب, وهي:
٤- هل الإسلام تسبب في هذا التخلف؟
إن التخلف العلمي الذي يشمل غالبية البلاد الإسلامية أمر لا نكران فيه فهل تسبب الإسلام بهذا التخلف؟ أو هل كان الإسلام سببا له؟
إن جوابي على هذا التساؤل هو دعوة (هؤلاء الجهال بدينهم) إلى أن يطلعوا على تعاليم هذا الدين من أبنائه أصحاب الاختصاص لا من (المستشرقين) أعداء الدين الإسلامي, وأن يخصصوا لذلك بعضا من وقتهم, وأن يدققوا في هذه التعاليم ومن ثم ّلا يترددون بإعطاء رأيهم فيما سيتوصلون إليه.
وإني على يقين أن غالبيتهم ستأخذها الدهشة والألم معا:
следующие страницы →