Полный текст (23 804 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
وقد انخدع بعض المثقفين ثقافة غربية من المسلمين وأخذوا بهذه الحضارة المادية وهذا التقدم الكبير وظنوا-وهما منهم-أن الدين الإسلامي عائق للأمة الإسلامية عن الانطلاقة في هذا الميدان وأنه يحرّم النظر والبحث في مثل هذه المسائل, وأن علم الدين يقتصر على الأمور التعبدية وبعض المعاملات المالية التي كانت معروفة في العصور الغابرة, وأن القرآن قد أدى مهمته في العصر الذي أنزل فيه وأنه لا يمكن أن يُتخذ دستورا-كمفهوم الدساتير الحديثة في هذا العصر-لأنه كتاب يتعلق بالأمور التعبدية ولم يقصد منه أن يكون كل شيء في حياة الناس وإن صح أن الإسلام فيه من المفاهيم الأخلاقية ما نجعله دعوة أخلاقية سامية, فإن هذه المفاهيم لا تكفي وحدها ليبنى عليها نهضة علمية كهذه النهضة المعاصرة, وشتان بين ما وصل إليه الغربيون والشرقيون من مستويات عالية جدا في شتى العلوم وبين ما عليه الأمة الإسلامية مع اختلاف الأجناس فيها. مما يؤكد أن الوحدة الجامعة التي تشد بهؤلاء إلى الوراء هي الدين والدين وحده.
هذه هي حجة بعض المثقفين الغربيين (من المسلمين) وحجة المخدوعين بهم وبالمظاهر المادية المتعددة الجوانب في الحضارة المعاصرة.
ولو محّصنا هذه الحجة تمحيصا دقيقا لوجدنا أنها حجة واهية لا تستند إلى أساس, وسنورد بعض النقاط الرئيسية التي يمكن أن تشير إلى ضعف هذه الحجة وعدم إمكانية اتخاذها مستندا لتبرير هجر التعاليم الإسلامية وعدم الأخذ بها.
وأول هذه النقاط, وأعتقد أنها أهم النقاط الأخرى وهى:
١- جهل هؤلاء المثقفين بعقيدتهم الإسلامية وبما تتضمنه هذه العقيدة من أسس قويمة.
وقد قيل في الأمثال العربية: "من جهل شيئا عاداه". وهؤلاء معذورون من هذه الناحية لأنهم يجهلون حقيقة الإسلام.
стр. 387
ولو سألت أحدا منهم أن يذكر لك ما يفقهه من الإسلام؟ لقال لك: إنني ولدت من أبوين مسلمين ووجدتهما يعتنقان الإسلام دينا فنشأت أقلدهما في هذا المعتقد وأقوم بما يقومان به من عبادات. أو أقلدهما فيما يقومان به دون أن أفقه الفائدة من هذه العبادات لأنني لم أجد لها مردودا أو أثر إيجابيا في نفسي كما لم أجد ذلك فيهما ولا في محيطي الذي أعيش فيه ولا في واقع المسلمين كلهم.
وإن هذه هي الحقيقة بالنظرة التي تنطبق على واقع الأكثرية من المسلمين. إذ هم الغالبية العظمى, فكيف تريد من هذه الكثرة أن تعطي انعكاسا صحيحا عن الإسلام ما دامت تعيش على هامشه ولا تعرف منه إلا صورا مشوهة من مظاهره فتزعم أنها أمة مسلمة وتحسب نفسها في عداد المسلمين, وليس بينها وبين الإسلام إلا صلة الاسم الوراثي.
والنقطة الثانية هي:
٢- الأسباب التاريخية في تخلف المسلمين الحالي:
стр. 388
تحفل كتب التاريخ بذكر الانقسامات التي حصلت في البلاد الإسلامية نتيجة لعوامل متعددة أهمها الترف وثانيها: انشغال أولي الأمر بأنفسهم للحفاظ على مكاسبهم الشخصية الكيد لبعضهم بعضا, وثالثها: انصراف العلماء عن أداء واجبهم من الجهر بالحق والوقوف إلى جانبه_باستثناء أفراد أفذاذ لا يخلوا زمان منهم-ورابعها: استغلال أعداء الدين وعلى رأسهم الشعوبيون لهذه التفرقة والعمل على توسعتها والحصول على مكاسب بسببها. وخامسها: انصراف الخاصة والعامة من المسلمين عن متابعة الجهد العلمي والتفوق قيه إلى مراقبة هذا الصراع المتجدد والمتعدد بين زعماء الأمة الإسلامية وانغماس أكثرهم فيه. وسادسها: حصول النكبات الطبيعية والهجمات البربرية التي قوضت أركان المعارف والعلوم مرات عدة. ومن ثم ما يعقب هذه الهزات من ركود طويل نسبيا إلى أن خالطت الأمم الغربية الأمة الإسلامية إبان الحروب الصليبية وأخذت عنها الكثير من حضارتها زيادة عما كانت اقتبسته منها عن طريق الأندلس أو البحر الأبيض المتوسط الذي كان يدعى آنئذ (بحر العرب) . واستمر هذا التقارب مدة طويلة من الزمن ينتج عنه التقارب مدة طويلة من الزمن ينتج عنه تدهور أوضاع الأمة الإسلامية وازدهار أحوال الأمم الغربية ولم تغير الخلافة العثمانية على ما كانت عليه في بداية منطلقها من قوة وصلابة من واقع هذه الأمة شيئا فبقيت على حالها بعيدة عن الأخذ بأسباب العلم, لأن لغة العلم التي كانت العربية قبيل التغلب العثماني على الدويلات والإمارات الإسلامية العديدة أهملت وأصبحت اللغة التركية هي اللغة الرسمية للأمة الإسلامية مما أثر على النتاج العلمي فأصبح في غالبيته يقوم على شرح المتون وشرح وتلخيص هذه الشروح.. إلى آخر ما وصل إلى أيدينا من مخلفات هذه العصور المتأخرة.
стр. 389
ولما أن تمكن الغرب من تقطيع أوصال الخلافة العثمانية عمل على أن يقتلعها من جذورها فكان له ذلك وعاونه على تحقيق هذه الغاية بعض أبناء هذه الأمة لأسباب متعددة. وأعقبت هذه النتيجة توسع سيطرة المستعمر الغربي على البلاد الإسلامية وخضوع أغلب هذه البلاد الإسلامية لهذه السيطرة بأشكال متعددة وظروف مختلفة, إلى أن تولد عن هذه السيطرة (الأجنبية) تيقظ بعض رجالات المسلمين فعملوا على تنبيه أمتهم من غفلتها وتحذيرها من الاستمرار في هذه الغفلة, وظهرت بعض الإشاعات الخفيفة في جنبات هذه الظلمة الواسعة التي عمّت البلاد الإسلامية فترة طويلة من الزمن وتلاحقت هذه الأنوار-رغم شدة الظلام المخيم على كثير من بلاد العالم الإسلامي-, ولكن النور لا يخفى أثره مهما اشتدت الظلمة.
وهكذا تكشّفت حقيقة الواقع المؤلم لبعض القلوب التي تفتحت بنور الإيمان وأخذت تعمل بإخلاص وجد في إيقاظ العالم الإسلامي وردّه بتؤدة وصبر وعزيمة إلى معتقده.
ولابد لهذه الجهود المخلصة أن تؤتي ثمارها, لأن النهضات لا تتحقق والعثرات لا تقال إلا بإخلاص العاملين من كل صنف وفي كل زمان.
وأرى أن بوادر الخير ظاهرة في الأمة الإسلامية رغم تلاحق الشدائد عليها, لأن من سنن الله سبحانه أن لا يضيع الشدائد لا تخرج عن كونها ابتلاءات تتمخض عن إنابة إلى الحق بإذن الله.
وثالث هذه النقاط:
٣- أن العقلية الغالبة-حتى الآن-على علماء العالم الإسلامي ورجالاته هي صفة الفردية, وعدم الاطمئنان للآخرين أو الثقة بهم وبهذا لا يتحقق التعاون المنشود بين رجالات العالم الإسلامي على جميع المستويات.
وداء الفردية داء فتاك في جسم الأمة, لأن العبقرية, مهما تكن فذة فإنها لا تبدع إن لم يكن إلى جانبها ما يشحذ من مضائها.
стр. 390
والحذر أو اليقظة شيء مطلوب ولكن شدّة الشك وعدم الاطمئنان أو الثقة بالآخرين يبعد الشقة بين الإخوة ويبقي ثغرات مفتوحة لكي يتسلل منها المخربون والمفسدون
وإن تبادل الزيارات- على جميع المستويات-بين رجالات الأمة الإسلامية وتولي وسائل الإعلام في بلاد العالم الإسلامي مهمة التقريب بين الشعوب الإسلامية يزيد في التقارب ويقضي على كثير من الخلافات التي صنعها الجهل والاستعمار وأعداء الإسلام.
واعتقد أن هذه النقاط الثلاث التي عرضتها آنفا يمكن أن تكون نقاطا رئيسية للأسباب التي نتج عنها التخلف الذي ورثه هذا الجيل المسلم عن آبائه وأجداده من العصور المتأخرة.
وإن إحساسه بهذا الواقع وشعوره بالتخلف عن الحضارة المادية ستدفع به لأن يغير من أوضاعه الشاذة ويعود إلى سلوك الجادة المستقيمة التي يدعوه إليها الإسلام.
وتبقى النقطة الأخيرة التي أود عرضها وهي في الحقيقة رد على تساؤلات الكثير من المسلمين أصحاب الثقافة الغربية الذين لاحظّ لهم من الإسلام إلا صلة النسب, وهي:
٤- هل الإسلام تسبب في هذا التخلف؟
إن التخلف العلمي الذي يشمل غالبية البلاد الإسلامية أمر لا نكران فيه فهل تسبب الإسلام بهذا التخلف؟ أو هل كان الإسلام سببا له؟
إن جوابي على هذا التساؤل هو دعوة (هؤلاء الجهال بدينهم) إلى أن يطلعوا على تعاليم هذا الدين من أبنائه أصحاب الاختصاص لا من (المستشرقين) أعداء الدين الإسلامي, وأن يخصصوا لذلك بعضا من وقتهم, وأن يدققوا في هذه التعاليم ومن ثم ّلا يترددون بإعطاء رأيهم فيما سيتوصلون إليه.
وإني على يقين أن غالبيتهم ستأخذها الدهشة والألم معا:
стр. 391
الدهشة من اكتشاف أن الدين ليس دينا كهنوتيا كمفهوم الدين لدى الغربيين, وإنما هو نظام دقيق جامع لشؤون الحياة, دنيا وأخرى, لا يرتضي لأتباعه التخلف والجمود والضعف والجهل, وإنما يدعوهم للأخذ بأسباب الحياة بكل ما لهذه الكلمة من معنى.
وسيأخذهم الألم لهذه الغربة التي اكتشفوها في أنفسهم عن الإسلام الذي ينتسبون إليه, وعن هذه القوى المهدورة من جهودهم وأوقاتهم التي ضاعت في غير تثبيت مفاهيم الإسلام في أنفسهم وعن هذا المثل السيئ الذي يعطونه عن المثقف الذي يجهل حقيقة ما يتصل به اتصال نسب وتاريخ وحضارة.
وسيتبين لهم أن الإسلام يريد من أتباعه أن يكونوا متميزين عن غيرهم في كل شيء تميزا لجهة الفضيلة والصلاح, ويريدهم أن يكونوا متفوقين في كل شيء تفوق ارتقاء وسمو في معاني الإنسانية ومفاهيمها.
ويحرص على أن يكون أتباعه روادا للحق ودعاة للخير وأمثلة حية لذلك.
وإن دعوة الإسلام إلى العلم دعوة مفتوحة لا حدود لها [١] إلا فيما لا خير فيه, وإننا لن نجد في غير الإسلام تقديرا للعلم وإشادة بالعلماء كما نجده فيه. وان أبرز ما في هذا الدين الإسلامي أنه لا يحجز العقل والمواهب الأخرى التي يتمتع بها الإنسان عن إن تؤدي وظيفتها على أحسن وجه وأتمه.
وسوف يتحقق لهؤلاء (المخدوعين) بالثقافة الغربية أن الإسلام لا يحول دون الأخذ بالصالح من هذه الثقافة وأن الإسلام لا يدعو أتباعه إلاّ لكل ما هو مفيد ونافع ومثمر.
وسيتبين لهم أن تخلف المسلمين ناشئ عن عدم تفهمهم لتعاليم دينهم وعن عدم أخذهم بالأسباب التي تجعل منهم خير أمة أخرجت للناس.
وأن الحضارة المادية المعاصرة بحاجة إلى الرجل المسلم الذي يرتفع به عن الطريق المنحرف إلى الصراط المستقيم لتؤدي خير ما فيها لبني الإنسان وتحول بينهم وبين شرورها, لأن الوازع الديني والعامل الأخلاقي وفق التعاليم الإسلامية غير متوفر برجالات هذه الحضارة.
стр. 392
والكتاب القيم "ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين"للداعية الإسلامي الكبير أبي الحسن الندوي فيه الكثير من النقاط التي يجب أن يعيها الشاب المسلم المثقف على مدى هذه الخسارة التي حاقت بأسره من جراء هذا التخلف.
وإنني أرجوا من هؤلاء ومن كل مسلم أن يرجع إلى تعاليم دينه, وإلى النبع الأساسي الذي بنيت عليه التعاليم الإسلامية, وهو الكتاب والسنة خاصة, وأن يتحققوا بأنفسهم من صلاحية هذا الدين الإسلامي لأن يكون دين الإنسانية قاطبة. ولا أريدهم أن يتأثروا بما أقول دون تثبت من صحة ذلك لأن الإسلام هو الدين الوحيد الذي تلتقي عنده هذه الإنسانية, فهو وحده الذي أعلن تكريمه لعنصرها وتفضيله على سائر المخلوقات, ولأنه الدين الوحيد الذي يجمع أبناء الإنسانية على صعيد واحد لا فرق بينهم بسبب العرق أو اللون أو النسب وإنما التفاصيل بينهم بالتقوى وبعمل الخير, ولأن هذا الدين أعلن المساواة بين الناس فلا طبقية ولا تصارع وإنما هو وحدة ومساواة.
وإن الإنسانية لا يهنأ لها عيش إن لم تسد هذه المبادئ وتتغلب على نوازع الشر ومواطن السوء.
وإن الصراع الطبقي الذي يسود في بعض العقائد المنحرفة على اختلاف أنواعه, بما في ذلك التفرقة العنصرية في عصر المدنية والتفوق العلمي, لا وجود له في الإسلام ولا يقبل به إطلاقا.
لهذا كله فإن الإنسانية بحاجة إلى مسلمين إسلام الحنيفية السمحة ليعودوا بها إلى الجادة التي انحرفت عنها فضلّت وتاهت في ظلمات الشرك والوثنية وعبادة المادة ودعوات الإلحاد والعلمانية.
وصدق الله العظيم:
﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (الأنعام ١٥٣) .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 393
--------------------------------------------------------------------------------
[١] انظر المقالين المنشورين في جريدة المدينة العدد (١٣٤٣و١٣٦١) بعنوان: الإسلام والتسابق العلمي المعاصر، ودعوة الإسلام إلى العلم
стр. 394
التضامن الإسلامي
لفضيلة نائب رئيس الجامعة الشيخ عبد العزيز بن باز
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد فلا ريب أن الله سبحانه خلق الخلق ليعبدوه وحده لا شريك له كما قال : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ وقد أمر الله عباده بهذه العبادة وبعث الرسل عليهم الصلاة والسلام وأنزل الكتب لبيان هذا الحق وتفصيله والدعوة إليه كما قال : ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ وقال سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ ومعنى قضى في هذه الآية أمر ووصّى وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ وقال سبحانه ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاًَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ .
وقال تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ وقال تعالى: ﴿هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ ففي هذه الآيات الكريمات الأمر بعبادته سبحانه والتصريح بأنه خلق الثقلين لهذه العبادة وأرسل الرسل وأنزل الكتب لبيانها والدعوة اليها٠
стр. 395
وحقيقة هذه العبادة هي طاعة الله ورسوله ﷺ بالإخلاص لله في جميع الأعمال والامتثال لأوامره والحذر من نواهيه والتعاون في ذلك كله وتوجيه القلوب إليه سبحانه في كل ما يهمها وسؤاله عزوجل جميع الحاجات عن ذل وخضوع وإيمان وإخلاص وصدق وتوكل عليه سبحانه ورغبة ورهبة مع القيام بالأسباب التي شرعها لعباده وأمرهم بها وأباح لهم مباشرتها٠
وبهذا كله يستقيم أمر الدنيا والدين وتنتظم مصالح العباد في أمر المعاش والمعاد ولا صلاح للعباد ولا راحة لقلوبهم ولا طمأنينة لضمائرهم إلا بالإقبال على الله والعبادة له وحده والتعظيم لحرماته والخضوع لأوامره والكف عن مناهيه والتواصي بينهم بذلك والتعاون عليه والوقوف عند الحدود التي حد لعباده كما قال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ ومن المعلوم أنه لا يتم أمر العباد فيما بينهم ولا تنتظم مصالحهم ولا تجتمع كلمتهم ولا يهابهم عدوهم إلا بالتضامن الإسلامي الذي حقيقته التعاون على البر والتقوى والتكافل والتناصر والتعاطف والتناصح والتواصي بالحق والصبر عليه٠ولا شك أن هذا من أهم الواجبات الإسلامية والفرائض اللازمة وقد نصت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية ٠على أن التضامن الإسلامي بين المسلمين أفرادا وجماعات حكومات وشعوبا من أهم المهمات ومن الواجبات التي لابد منها لصلاح الجميع وإقامة دينهم وحل مشاكلهم وتوحيد صفوفهم وجمع كلمتهم ضد عدوهم المشترك٠
стр. 396
والنصوص الواردة في هذا الباب من الآيات والأحاديث كثيرة جدا، وهي وإن لم ترد بلفظ التضامن فقد وردت بمعناه وما يدل عليه عند أهل العلم والأشياء بحقائقها ومعانيها لا بألفاظها المجردة فالتضامن معناه التعاون والتكاتف والتكافل والتناصر والتناصح والتواصي وما أدى هذا المعنى من الألفاظ ويدخل في ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله سبحانه وإرشاد الناس إلى أسباب السعادة والنجاة وما فيه صلاح أمر الدنيا والآخرة ويدخل في ذلك أيضا تعليم الجاهل وإغاثة الملهوف ونصر المظلوم ورد الظالم عن ظلمه وإقامة الحدود وحفظ الأمن والأخذ على أيدي المفسدين والمخرّبين وحماية الطرق بين المسلمين داخلا وخارجا وتوفير المواصلات البرية والبحرية والجوية والاتصالات السلكية واللاسلكية بينهم لتحقيق المصالح المشتركة الدينية وتسهيل التعاون بين المسلمين في كل ما يحفظ الحق ويقيم العدل وينشر الأمن والسلام في كل مكان ويدخل في التضامن أيضا الإصلاح بين المسلمين وحل النزاع المسلح بينهم وقتال الطائفة الباغية حتى تفيء إلى أمر الله عملا بقول الله : ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ وقوله سبحانه: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾
стр. 397
ففي هذه الآيات الكريمات أمر الله المسلمين جميعا بتقواه سبحانه والقيام بالإصلاح بينهم عموما وبالإصلاح بين الطائفتين المقتتلتين منهم خصوصا وقتال الطائفة الباغية حتى ترجع عن بغيها وأن يكون الصلح على أسس سليمة قائمة على العدل والإنصاف لا على الميل والجور، وفيها التصريح بأن المؤمنين جميعا إخوة وإن اختلفت ألوانهم ولغاتهم وتناءت ديارهم فالإسلام يجمعهم ويوحّد بينهم ويوجب عليهم العدل فيما بينهم والتصافي والكف من عدوان بعضهم على بعض ويوجب على إخوانهم الإصلاح بينهم إذا تنازعوا ٠ثم ختم الله هذه الآية بالأمر بالتقوى وعلّق الرحمة على ذلك فقال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ فدلّ ذلك على أن تقوى الله في كل الأمور هي سبب الرحمة والعصمة والنجاة وصلاح الأحوال الظاهرة والباطنة ويدخل في التضامن أيضا تبادل التمثيل السياسي أو ما يقوم مقامه بين الحكومات الإسلامية لقصد التعاون على الخير وحلّ المشاكل التي قد تعرض بينهم بالطرق الشرعية واختيار الرجال الأكفاء في عملهم ودينهم وأمانتهم لهذه المهمة العظيمة، ويدخل في التضامن أيضا توجيه وسائل الإعلام إلى ما فيه مصلحة الجميع وسعادة الجميع في أمر الدين والدنيا وتطهيرها مما يضاد ذلك، ومما ورد في هذا الأصل الأصيل وهو التضامن الإسلامي والتعاون على البر والتقوى قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أمر الله سبحانه في هذه الآية الكريمة عباده المؤمنين بأن يتقوه حق تقاته ويستمروا على ذلك ويستقيموا عليه حتى يأتيهم الموت وهم على ذلك، وما ذاك إلا لما في تقوى الله من صلاح الظاهر والباطن وجمع الكلمة وتوحيد الصف وإعداد العبد لأن يكون صالحا مصلحا وهاديا مهديا باذلا النفع لإخوانه كافا للأذى عنهم معينا لهم على خير ولهذا أمر الله المؤمنين بعد ذلك بالاعتصام بحبله فقال:
стр. 398
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ وحبل الله سبحانه هو دينه الذي أنزل به كتابه الكريم وبعث به رسوله الأمين محمدا ﷺ والاعتصام به هو التمسك به والعمل بما فيه والدعوة الى ذلك والاجتماع عليه حتى يكون هدف المسلمين جميعا ومحورهم الذي عليه المدار ومركز قوتهم هو اعتصامهم بحبله وتحاكمهم إليه وحل مشاكلهم على نوره وهداه وبذلك تجتمع كلمتهم ويتحد هدفهم ويكونون ملجأ لكل مسلم في أطراف الدنيا وغوثا لكل ملهوف وقلعة منيعة وحصنا حصينا ضد أعدائهم وبهذا الاجتماع وهذا الاتحاد وهذا التضامن تعظم هيبتهم في قلوب أعدائهم ويستحقون النصر والتأييد من الله ويحفظهم سبحانه من مكائد العدو ومهما كانت كثرتهم كما وقع ذلك (بالفعل) لنبينا محمد ﷺ وصحابته الكرام ﵃ وأتباعهم بإحسان في صدر هذه الأمة ففتحوا البلاد وسادوا العباد وحكموا بالحق وحقق الله لهم وعده الذي لا يخلف كما قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ .
стр. 399
وقال سبحانه: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وقال سبحانه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾ وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ ففي هذه الآيات الكريمات حثّ المسلمين وتشجيعهم على التمسك بدينهم والقيام بنصره وذلك هو نصر الله فإنه في غاية الغنى عن عباده وإنما المراد بنصره هو نصر دينه وشريعته وأوليائه والله ناصر من نصره وخاذل من خذله وهو القوي العزيز وفي هذه الآيات أيضا البشارة العظيمة بأن الله ينصر من نصره ويستخلفه في الأرض ويمكن له ويحفظه من مكائد الأعداء فالواجب على المسلمين جميعا أينما كانوا هو الاعتصام بدين الله والتمسك به والتضامن فيما بينهم والتعاون على البر والتقوى ومناصحة من ولاه الله أمرهم والحذر من أسباب الشقاق والخلاف والرجوع في حلّ المشاكل إلى كتاب ربهم وسنّة نبيهم ﷺ والتواصي في ذلك كله بالحق والصبر عليه مع الحذر من طاعة النفس والشيطان وبذلك يفلحون وينجحون ويسلمون من كيد أعدائهم ويكتب الله لهم العز والنصر والتمكين في الأرض والعاقبة الحميدة ويؤلف بين قلوبهم وينزع منها الغل والشحناء وينجيهم من عذابه يوم القيامة٠
стр. 400
وفي هذا المعنى يقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: "إن الله يرضى لكم ثلاثا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، وأن تُنَاصحوا من ولاه الله أمركم" أخرجه مسلم في صحيحه ومما ورد في التضامن الإسلامي قوله جل وعلا: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ وهذه الآية الكريمة من أصرح الآيات في وجوب التضامن الإسلامي الذي حقيقته ومعناه التعاون على البر والتقوى كما سلف بيان ذلك وفيها تحذير المسلمين من التعاون على الإثم والعدوان لما في ذلك من الفساد الكبير والعواقب الوخيمة والتعرض لغضب الله سبحانه وتسليط الأعداء وتفريق الكلمة واختلاف الصفوف وحصول التنازع المفضي إلى الفشل والخذلان٠ نسأل الله للمسلمين العافية من ذلك وفي قوله سبحانه في ختام الآية: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ تحذير للمسمين من مخالفة أمره وارتكاب نهيه فينزل بهم عقابه الذي لا طاقة لهم به، ومن الآيات الواردة في التضامن أيضا قوله : ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ وهذه الصفات العظيمة هي جماع الخير وعنوان السعادة وسبب صلاح أمر الدنيا والآخرة ولهذا علّق رحمتهم على هذه الصفات الجليلة فقال: ﴿أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ فتبين بذلك أن الرحمة والنصر على العدو وسلامة العاقبة كل ذلك مرتب على القيام بحق الله وحق عباده ولا يتم ذلك إلا بالتناصح والتعاون والتضامن والصدق في طلب الآخرة والرغبة فيما عند الله والإنصاف من النفس وتحري سبيل العدل وفي هذا
стр. 401
المعنى يقول عز زجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ ويقول في سورة المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ وفي هاتين الآيتين أمر المؤمنين أن يقوموا لله بالقسط وأن يشهدوا له بذلك في حق العدو والصديق والقريب والبعيد تحذيرهم من أن يحملهم الهوى حتى يحكموه فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضى ويسلموا تسليما٠ وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ ومما ورد من الأحاديث الشريفة في التضامن الإسلامي الذي هو التعاون على البر والتقوى قول النبي ﷺ : "الدين النصيحة"قيل لمن يا رسول الله؟ قال: "لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم" أخرجه مسلم في صحيحه وقوله ﷺ : "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا"وشبك أصابعه. وقوله ﷺ : "مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر" أخرجهما البخاري ومسلم في صحيحهما٠٠ فهذه الأحاديث وما جاء في
стр. 402
معناها تدل دلالة ظاهرة على وجوب التضامن بين المسلمين والتراحم والتعاطف والتعاون على كل خير٠ وفي تشبيههم بالبناء الواحد والجسد الواحد ما يدل على أنهم بتضامنهم وتعاونهم وتراحمهم تجتمع كلمتهم وينتظم صفهم ويسلَمون من شر عدوهم ومما يبشّر بخير ومستقبل أفضل أن جلالة الملك فيصل وفقه الله قد تبنى الدعوة لهذا الأمر الجليل وهو تضامن المسلمين وتعاونهم على كل ما فيه إقامة دينهم وحفظ كيانهم وحصول مصالحهم المشتركة وحل مشاكلهم وقد بذل جلالته في هذا السبيل جهودا مشكورة وقام باتصالات موفقة بعدد من الملوك والزعماء لشرح هذه الفكرة العظيمة والغرس النبيل وقد تكللت (بحمد الله) هذه الاتصالات بنجاح كبير وحصل لها في الأوساط الإسلامية آثار حسنة وانتشرت هذه الدعوة بين المسلمين وتناقلتها أجهزة الإعلام في كل مكان٠ولا ريب أن جلالته يشكر شكرا جزيلا على ما بذله في هذا السبيل من الجهود المباركة التي أدرك كل منصف آثارها الصالحة ونتائجها الطيبة. نسأل الله أن يجزل مثوبته وأن يمنحه القوة والنشاط في مواصلة جهوده الطيبة في هذا السبيل الخير وان يكلل بالنجاح إنه خير مسؤول٠
стр. 403
ومن المعلوم أن الدعوة إلى هذا الأمر أعني التضامن الإسلامي وبذل ما يمكن من الجهود في تحقيقه من أهم الأمور ومن الواجبات المشتركة المتأكدة على جلالة الملك فيصل وعلى غيره من ملوك المسلمين وزعمائهم وعلمائهم وأعيانهم ولكن خادم الحرمين الشريفين أولى الناس بالقيام بهذا الأمر وتحمل أعبائه وتكريس الجهود الممكنة في تحقيقه لكونه في الحقيقة هو قائد المسلمين ورائدهم في هذا العصر وموضع آمالهم الكبيرة (بعد الله ولديه من كرم الله وجوده من الإمكانات ما يعينه على ذلك والمسلمون في كل مكان يرجون من جلالته مضاعفة الجهود في هذا السبيل والصبر على ذلك حتى يحقق الله للمسلمين على يديه ما يرجون من عزة وكرامة وجمع كلمة واتحاد صف وحفظ كيان وانتشار للحق وإقامة للعدل ونشر للأمن والسلام في أرجاء المعمورة ويرجو المسلمون أيضا من سائر ملوكهم وزعمائهم وعلمائهم وأعيانهم أن يضموا أصواتهم إلى صوت جلالة الملك فيصل وجهودهم إلى جهوده وأن يشاركوه في تحمل عبء هذه الرسالة العظيمة والمسؤولية الكبرى التي في تحقيقها سعادة الجميع وعزتهم في الدنيا والآخرة وان يبذلوا جميعا ما يستطيعون من الوسائل في نشر هذه الدعوة ومساندة الداعين إليها وشرح محاسنها ومصالحها لجميع الناس على اختلاف طبقاتهم حتى يتحقق للجميع إنشاء الله ما وراء هذه الدعوة المباركة من خير وأمن وسلام للجميع عملا بقول الله سبحانه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ . وقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ وأمام الجميع في هذه الدعوة العظيمة وقدوتهم في هذا السبيل القيم هو نبيهم وسيدهم وقائدهم الأعظم نبينا محمد رسول الله ﷺ فهو أول
стр. 404
من دعا هذه الأمة إلى توحيد ربها والاعتصام بحبله وجمع كلمتها على الحق والوقوف صفا واحدا في وجه عدوها المشترك، وفي تحقيق مصالحها وقضاياها العادلة عملا بقوله تعالى مخاطبا له: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ وقوله : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ .
وقد سار على نهجه القويم صحابته الكرام وأتباعهم بإحسان ﵃ وأرضاهم فنجحوا في ذلك غاية النجاح وحقق الله لهم ما وعدهم به من عزة وكرامة ونصر كما سبق التنبيه على ذلك والإشارة اليه في أول هذه الكلمة، ولا ريب أن الله إنما حقق لهم ما تقدمت الإشارة إليه بإيمانهم الصادق وجهادهم العظيم وأعمالهم الصالحة وصبرهم ومصابرتهم وصدقهم في القول والعمل وتضامنهم وتكاتفهم في ذلك لا بأنسابهم ولا بأموالهم٠
стр. 405
كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ وكما قال النبي ﷺ : "من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه" وقال ﵊: "إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم" أخرجهما مسلم في صحيحه فمن سار على سبيلهم ونهج نهجهم أعطاه الله كما أعطاهم وأيّده كما أيدهم فهو القائل في كتابه: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ وهو القائل سبحانه: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ وهو القائل : ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ والله المسؤول أن يجمع كلمة المسلمين على الهدى وأن يفقههم في دينه وأن يصلح ولاة أمرهم ويهديهم جميعا صراطه المستقيم وأن يمنحهم الصدق في التضامن بينهم والتناصح والتعاون على الخير وأن يعيذهم من التفرق والاختلاف ومضلات الفتن وأن يحفظهم من مكائد الأعداء إنه ولي ذلك والقادر عليه وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسان الى يوم الدين٠
نائب رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 406
مقومات النصر في حروب الإسلام
للشيخ أحمد مختار بزرة المدرس في الجامعة
الحمد لله رب العالمين، ولي المؤمنين، وناصر المخلصين، وعدا عليه حقا في القرآن العظيم، الذي فتح أبواب الجنة للمجاهدين: الشهداء والمنتصرين، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين، وخير المجاهدين الذي أمده ربّه بالملائكة مردفين، وأنزل عليه النصر المبين، وجعله للمؤمنين شفيعا يوم الدين.
لا يماري أحد في أن الانتصارات العظيمة التي حققها الإسلام في فجر بزوغه وانتشاره يكمن سرها في قدرة المسلمين أنفسهم على تمثل هذا الدين عقيدة وإقامته عبادة وعملا، وفي اندفاعهم وامتثالهم لإنفاذ الأوامر الإلهية في أدق صورة يستطيع مؤمن أدائها.
ولا يماري أحد أن سرّ ذلك يكمن في طاقة الجهاد العظمى التي فجّرها هذا الدين في نفوس أتباعه على مثال لا يعرف تاريخ البشر له شبيها.
والحق أن قصة الإسلام الأولى هي مراحل الجهاد الشاق العنيف المتواصل الذي بدأه رسول الله ﷺ ثم غزا شعاعه نفوس الداخلين في دين الله أفواجا حتى هجمت بهم صدور الخيل على سور الصين ولجج بحر الظلمات.
إن المسلم ليتغنى بأنشودة عذبة ساحرة، أنشودة الأمجاد الخالدة التي ابتناها المؤمنون السابقون.
وإننا لنستبقي نحن المسلمين ذكرى هذه الانتصارات حية في غدّونا ورواحنا نرنو إليها بمزيد من الحنو ونتوجه إليها بكثير من الشوق والحنين وإنها لتزداد توهجا في ضمائرنا في هذه الأيام الحالكات إذ الهزائم تنزل بنا، ونحن من العجز حسرى، ومن الفم سكارى، وفي براثن العذاب أسارى، لا يكون منا إلا التوجع والشكوى، فنطبق الأجفان على واقع أليم، ونشط بالذكرى إلى ملاحم الإسلام وانتصارات الأجداد الفاتحين صرفا لأنفسنا عن اليأس وتزودا بالرجاء وتمسكا بما فيه عزا.
стр. 407
ولكننا لانفعل بأنفسنا خيرا إن أََمتنا شعورنا بالواقع بما نورد عليه من جميل الذكريات الخالدات، وهربنا من شقوتنا وتعاستنا إلى حمى سعادة غابرة ليس من حقنا أن ننعم بها لأنا لسنا محققيها: هل نحن حققنا تلك السعادة؟ هل نحن رفعنا أعمدة المجد الشامخ؟؟ كلا.. إننا قطعنا حلقة الاتصال بيننا وبين أصحابها، لكننا لسنا بأحفاد أولئك الذين ينتشي التاريخ بالحديث عن بطولاتهم ومآثرهم ومكرماتهم الإنسانية؟.
كيف يكون الخير إذن في تذكارها؟ وكيف ننتفع بها في وصل ما انقطع من أيام الإسلام المجيدة؟
إن الانتفاع بها لعظيم، وإن فيها الوقدة الذاكية القادرة على أن تضرم في قلوب الملايين من المسلمين حميّة الجهاد وحب الاستشهاد، وأن تهز القلوب والأعصاب منهم هزا، وأن تنفض الكرى والسبات عنهم نفضا، وأن تخرجهم من التبلد والخمول إخراجا.
ولكن كيف تستطيع أيام الإسلام أن تفعل في أنفسنا هذه المعجزة المنتظرة؟
إنّ ذكرى بدر وحنين واليرموك والقادسية وحطين تغمر نفوسنا غمرا ولكن لا يحسن بنا أن نرضى منها بالأطياف بل لا بد أن تفعم قلوبنا بمبادئها وأهدافها وأن نعي خططها لنصنع أنفسنا في معملها صنعا مجددا، وإننا نحياها حق الحياة إذا استنتجنا منها الدرس العملي التطبيقي في تحقيق النصر الأكبر، وليس من شك أنّ هذه الحروب هي التي صاغت المسلمين كما شاء الله لهم أن يكونوا ورفعت لهم أمجادهم، وهي وحدها قادرة على أن تصنعنا بمشيئة الله وقد جعل الله لنا منها قدوة، وجعل لنا في أصحابها أسوة. وإننا مضطرون إن كنا جادين في طلب النصر إلى العودة إليها للتحري والتقصي عما فيها من الأعمال والخطى التي رجعت بالنصر المبين.
إن الله تعالى علّم المسلمين الأولين كيف يصنعون النصر بأيديهم، وما أحوجنا أن نتعلم كما تعلموا.
стр. 408
إننا مدعوون شئنا أم أبينا إلى خوض معركة فاصلة مع أعدائنا يكتب لنا فيها البقاء أو الفناء، وهذه المعركة هي أشد ما تعرّض له المسلمون من محن في تاريخهم لأنها لا تستهدف من الغلبة الاستيلاء على الحكم فحسب وإنما تستهدف ذات وجودنا روحا وقلبا ووطنا فإما أن نبقى وإما أن نذهب إلى الفناء.
أقول: إننا مدعوون راضين أو كارهين إلى المعركة الفاصلة، فإن لم نتقدم إليها بتخطيطنا وتصميمنا استقدَمنا إليها أعداؤنا استقداما، فهم جادون في تنفيذ ما حلموا به قرونا وأزمانا وما أيسر انتصارهم علينا إن جرونا إليها جرا لا يكون أمرنا أصعب من أمر الأنعام التي تساق إلى المسلخ مقهورة وما أمنعنا وأشدنا إن كنا نحن البادئين المفاجئين قد عقدنا العزم وأعددنا العدة، وأمسكنا بزمام الأمر وأخذنا مطالع السبل وأحطنا بالعدو ثم أدرنا عليه الدائرة.
وقد جعل الله للنصر أسبابا وللظفر سبلا هدى إليها المؤمنين المخلصين فكانوا بها الغالبين والفاتحين، ولو أخذنا في إحصائها لوجدنا من أهمها:
أ- بناء الحياة الإسلامية على قاعدة الجهاد:
علينا أن نبادر إلى إقرار حقيقة لا تُدفع هي: أن الانتصارات العظمى في تاريخ الأمة الإسلامية قد قامت على قاعدة راسخة تجعل من الجهاد في سبيل الله الأساس في كيان الجماعة الإسلامية ومنطلقهم إلى العالم والحياة، إن الوجود الراكد لا يقبله ديننا، بل هو في جوهره إخراج الناس من الركود إلى الحركة، أو من الحركة المشتتة المخربة إلى الحركة المنظمة البناءة التي تهب السعادة وتنشر البشر والخير، وهي القاعدة التي أقام الله عليها الوجود الإنساني كله، قال تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [١]
стр. 409
ولقد أكمل الله الدين للمسلمين وأتم عليهم نعمته، ومن ذينك الكمال والتمام أن يجعل منهم القوة الدافعة في الأرض لتجتث جذور الكفر ولإفساد.
إن إكرام الله للمسلمين لن يجعل منهم جنده المنتصرين المنصورين.
تلك هي الحقيقة يزيدها سطوعا ما أعلمناه الله من استغنائه عن خلقه، واستقلاله بالنصرة دونهم لمن شاء من عباده، وأنه ما حمّلهم أمانة الجهاد والانتصار لله إلا إنقاذاً لهم وتكريما، فعرّف المؤمنين ما كان من نصره للرسل وحده وللنبي محمداً ﷺ فقال تعالى: ﴿إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [٢] فأين كانوا وكيف كانوا يوم أنزل جنوده وحمى نبيه.!
وفي محكم الكتاب آيات مفصلات لكثير من المواقف الحرجة التي تنزل فيها نصر الله على رسله وعباده الصالحين في ساعة اليأس، فقد نصر الله يوسف ﵇ بعد أن ألقاه إخوته في غيابة الجب في بيداء منقطعة ثم مكّن له في الأرض، وأنقذ موسى وقومه من فرعون الطاغية ولم يقاتلوا ولم يناوشوا فضرب لهم في البحر طريقا يبسا وأغرق فرعون وجنوده بعد أن كاد الهلع يأتي على قلوب بني إسرائيل، كذلك منّ على أصحاب الكهف لما خافوا أن يغلبوا على أمرهم وأن يفتنوا عن دينهم فلجئوا إلى الله لا يرون ربا غيره ولا يطيبون عن إيمانهم نفسا، فنادوا متضرعين مستنجدين. ﴿رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً﴾ [٣] فآواهم إلى الكهف وضرب عليهم النوم قرونا وحماهم بمعجزة عليا هو وحده عليها قادر.
تلك هي معجزات الله لو شاء الله أن يستغني عنا في نصرة الدين لفعل، ولكن كان التكليف بها منة منه علينا وإفضالا وإكراما؟ إنها ثقة الله في عباده المؤمنين الطائعين.
стр. 410
وحسبنا أن نعلم أن الأمة المسلمة تدين بوجودها وبقائها لما أيدها الله به من انتصارات وفتوحات باهرات.
فإن الجماعات التي تعجز في الدفاع عن كيانها تنتهي كما انتهى كثير من شعوب الأرض-إلى الزوال.
وقد كان المسلمون في فجر الدعوة والهجرة قلة مستضعفين لم تسلم لهم القبائل والبلاد المحيطة بهم باعتراف رسمي، وكانوا هدفا للعدوان يخشون أن ينصب عليهم من جهات الأرض، فاستل الله من قلوبهم الخوف إذ قادهم بأمره وتقديره إلى بدر ليجربوا بلائهم لأول مرة وليستمرئوا طعم الظفر حتى يمعنوا في طلبه، وليمن عليهم بنصر علوي يرفعهم لذروة الفخار والاعتزاز فلا يرضون بعدها بخسف أو ذل، وليشعروا بأنهم قادرون على حمل أعدائهم على أن يخلوا بينهم وبين أنفسهم يعبدون الله أحرار ويدعون إلى سبيله أحرارا.
أيها الإخوة.
إننا مدينون بدين صعب الوفاء لهؤلاء البدريين-رضوان الله عليهم-الذين صنع الله على أيديهم النصر الأول قاعدة مجاهدة الأعداء بالسيف.
وقد أمر الله المؤمنين أن يذكروا معتبرين ذلك اليوم العظيم الذي وطّد كيانهم وأخرجهم من الخوف إلى الأمن ومن التردد إلى الحزم ومن التوقف إلى العمل، ومن الدفاع إلى الهجوم، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون﴾ [٤]
ولاشك أن الله سبحانه إذ فُرض القتال على المسلمين طريقا إلى النصر اختار لهم منهجا سويا سليما يحفظهم من آفات الحضارة، ومن أمراض النفس ودواعي الخزي والذل والموت إذ ركّب الله في النفس البشرية قوتين متعارضتين وميلين متناقضين:
стр. 411
الميل إلى الدعة والسكون والتبلّد، والميل إلى النشاط والفعالية والتوثب ومستقبل الإنسان بينهما فإن بسط الأول عليه سلطانه كان أدنى إلى الحيوان المتمتع المستهلك، وإن غلب عليه الثاني كان الإنسان الفعال المنتج ويتجاذب الإنسان هذان الميلان فإن انتصرت إيجابيته على سلبيته كان هذا النصر الداخلي مقدمه للنصر الخارجي فإن لم ينتصر الإنسان على نفسه فلا رجاء في أي انتصار خارجها.
ومن ثم أمرنا الله أن نقهر في ذواتنا رغبات القعود، وبيّن لنا أنه قد خلقنا لأمانة كبرى لا ينهض بها إلا أولو العزم من المجاهدين، وأن إهمال هذه الأمانة حطّّ للإنسان من قدر ذاته وهوان يجره بتقاعسه على نفسه، وحذرنا من الإخلاد إلى الأرض فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيل﴾ [٥] فقد جعل الله جلت حكمته من القتال معهدا يتخرّج فيه المجاهدون في السبيل الله، ومن الحروب مصنعا ينتج أبطالا متفوقين يستصغرون الدنيا ويستعذبون الموت، فتنصهر بهذه الممارسة العملية والمعاناة الجادة للصعوبات والتضحيات القوى الفعالة البنّاءة في النفس وتنهزم الشهوات والاستسلام للدعة والترف ومغريات الأرض.
إنّ الجهاد في حقيقته تربية لنفوس صحية سليمة واقعية، إذ يضعها دائما في ظروف مشحونة بالأخطار لتتغلب عليها وتنجو منها، فتتعود فيها الصبر والاحتمال وتصبح الأخطار مهنتها المتقنة ومجالها المفضل الذي تحقق فيه ذاتها وتكشف عن إمكانياتها وإذا وصلت النفوس إلى هذا المستوى من الشدة وردود الفعل الناجحة اقتربت من نصر الله.
стр. 412
وهذا هو الانتصار الداخلي في النفس الذي لا يكون النصر المسلح إلا به، وإن أية تجربة عسكرية لا ترتكز إليه مقضي عليها بالإخفاق، وكان الله عليما حكيما إذ أخرج المؤمنين في السنة الثانية من الهجرة من المدينة حيث الظل والشجر والأمن إلى بدر وكان فريق منهم ألفوا هذه الحياة المطمئنة فأرادوا عيشا يسيرا من غير جهد، وأراده الله لهم مجبولا بالعرق، غاليا كالمهج وصور لنا نفوسهم فقال تعالى مخاطبا رسوله ﷺ : ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ [٦]
لقد قضت سنة الله أن يحق الحق بسيوف عباده الذين انتدبهم لنصرة الحق، وهم لا يقدرون على النصر حتى يؤثروا الجهاد على ارتباطات الحياة كلها، ولا يجدوا في الموت ضيرا ومن ثم أوجب الله تعويد النفوس حب ما تكره من القتال، وكره ما تحب من ملازمة الأرض وإيثار السلامة.
قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُون﴾ . [٧]
стр. 413
ذلك أن طلبها للسلامة يزيّن لها الاستسلام فتمرض مرضا عصي، وتفسد حياتها فسادا ذريعا، فلا يبرؤها إلا أن تحب ما كرهته من الانتقاض على القعود ولا يتم لها هذا إلا بمعارضة نفسية داخلية تصرع فيها حوافز الكفاح والنضال المثبطات والمعوقات الذاتية، حتى يصبح الكفاح قاعدة الحياة وغايتها ولا يتحقق ذلك إلا بالمعاناة المريرة وإقحام النفس في المسالك الوعرة والشعاب الشاقة التي يتعثر فيها الصاعدون فتتمزق بالأحجار الناتئة أقدامهم وأيديهم وهم يتشبثون بأطراف الصخور ليصلوا إلى الأعالي، فمنهم من يستشهد ومنهم من يبلغ القمة ويركز فيها الراية. إن هذا لهو البلاء الحسن الذي ذكره الله تعالى فقال: ﴿وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً﴾ [٨]
أجل إنه البلاء الذي يصنع نفوس الأبطال ويخرج خير الأمم والشعوب وبذاك يعيش المؤمنون تجربة الإيمان حية دفاقة قد دفعوا في ثمنها من دمائهم، فتغلو لديهم وتعلو، وتصبح الجزء الذي لا يتجزأ من وجودهم، بل تسمو عليه فلا يجدون الموت من أجلها كثيرا أو صعبا، فصار الدين بذلك أنفس النفائس لدى المؤمنين.
وإذا غدا القتال طريق الأمجاد ونشيد الفخار تسابق إليه المتسابقون وكثير طلابه، وخجل من تركه من خشي على نفسه السقوط في الاعتبارين الإلهي والاجتماعي وكل خطير من الأمور تهابه النفوس ابتداء ثم تألفه اعتيادا، وتحرص عليه لما يعطيها من خير، كذلك كان شأن المسلمين قبل بدر منهم من يؤثر الغنيمة الباردة، فلما وشفوا من رضاب النصر الأمل مجت أفواههم غيره، ودبت الغيرة في النفوس فصار الذين لم ينالوا شرف البدرية يتمنون لقاء العدو ليفوزوا بالأجر والفخر كما فاز بهما إخوانهم في بدر.
ما أسعد الأمة وأمنعها إذا كانت البطولة والجهاد مثلها الأعلى وما أشقاها وأهونها إذا رضيت باللين والترف والتخنث حظا وقسما.
стр. 414
وهكذا نجد أن الجهاد باعتباره قاعدة الحياة يبعث في نفوس أتباعه القدرة على الانتصار الذاتي أولا ثم ينهض بهم إلى قهر خصومهم وتثبيت مركزهم وتأثيل ملكهم، ثم يحبب إليهم الاستزادة من الانتصارات والارتقاء في سلم السؤدد والمكرمات.
على أننا بوصفنا الجهاد بأنه قاعدة الوجود الإسلامي الدنيوي نعطيه نصف الحقيقة والحقيقة التامة أن الجهاد ركيزة حياة المؤمن في الدنيا والآخرة معا: إنه جواز سفره إلى الجنة قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [٩] إن الانتصارات الحربية تصبح تافهة الشأن إذا قيست بالهدف العلوي الذي يسعى إليه المسلمون المجاهدون.. أقدامهم ثابتة في أرض المعركة وآمالهم في السماء يتحينون النصر أو الشهادة طمعا بالجنة. وهؤلاء المؤمنون الذين يحملون بين جنوبهم قلوبا يعمرها الإيمان بالله والشوق إلى جنانه هم الذين أمروا بالقتال، قال تعالى: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ [١٠]
وهكذا يطيف الجهاد بالمؤمنين من جوانب حياتهم كلها: في حاضرهم ومستقبلهم، فهو السد المنيع لهم من الخذلان في الدنيا، والجنة من عذاب لله في الآخرة.
стр. 415
وليس أدل على كونه أساسا وسياجا من أن الله هددنا بالذل المقيم والعذاب الأليم في الدنيا والآخرة إن نحن قعدنا عنه ورمينا بهذا الواجب عرض الحائط فقد أعلمنا الله أنه ما خلقنا إلا لنجاهد في سبيله فإن لم يجدنا أهلا لأمانة الجهاد وأعباء القتال قضى علينا بالفناء وكرم غيرنا بنصرة دينه فقال: ﴿إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [١١]
أجل إننا لا نضر الله شيئا إذ له جنود السماوات والأرض وما نضر إلا أنفسنا بحرمانها شرف الجهاد فوق الاعتبارات والارتباطات المادية والعاطفية كلها في الحياة حتى لا يحول بيننا وبينه حائل، ولا ينفعنا بتركه اعتذار فهو فوق العواطف الأبوية والبنوية والأخوية والزوجية والقبلية والوطنية وفوق الرغبات المادية، فإن قدمنا شيئا منها عليه تخوفنا على أنفسنا من الله سخطا عظيما وقد أوعد الله به في معرض الدعوة إلى قتال المشركين: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [١٢]
نسألك اللهم إلا تحقق فينا وعيدك وأن تعيننا على أنفسنا وأن ترفع عنا ما أصابنا من الخزي والعجز، وأن تجعل منا جندك المخلصين.
٢- إنشاء جيش مسلم فريد في خصائصه:
стр. 416
لقد بينا أن القتال هو الفقار والصلب في حياة المسلمين، لا يستطيعون له تركا، أو تساهلا به وإنهم لفي صراع دائم لأعداء الدين إذا أرادوا أن يكونوا دائما موضع مرضاة ربهم، والخلفاء في الأرض الذين لا ينقطعون عن الكيد لهم، وعن تبييتهم بالمؤامرات، والغارة عليهم ما أصابوا منهم نهزة، فقد أبى هؤلاء الدخول في ديننا وهم يحولون بيننا وبين الدعوة إلى كلمة الله فلا معدي لنا عن منازلتهم، وإحباط خططهم، وتشتيت قوتهم حتى يسلم لدولة الإسلام الأمن والاستقلال والسيادة لذلك كان نشوء جيش إسلامي نشوءا تلقائيا طبيعيا أمر تفرضه الضرورة وطبيعة الدين الإسلامي.
وهذا الجيش ذو خصائص نادرة مختصة به ثابتة فيه، لا يكون جيشا إسلاميا إلا بها، ولم يتمتع بها أحد من شعوب الأرض قديما أو حديثا إلا جيوش بعض الأنبياء والصالحين: كجنود طالوت وذي القرنين، وهؤلاء قد انقطع الزمان بهم، أما الجيش الإسلامي فهو ممكن الوجود في أي حقبة يستجمع أفراده هذه الصفات الخاصة عاملين بالتوجيه الإلهي..
إنه جيش الله المتجدد ما حافظ المؤمنون على الإيمان الحق، فإذا خلت صفوفهم من هؤلاء الجنود النادرين تراجعوا رجوعا ظاهرا.
فما أبرز خصائص الجيش الإسلامي؟
١- القتال من أجل هدف علوي:
فإذا كانت الأمم ترسل بجيوشها إلى الجبهات حلا لأزماتها: كالتزايد في السكان أو التضخم في الإنتاج، أو لتأمين مواد أولية وأسواق لمصانعها أو للسيطرة على بقاع من الأرض وبسط النفوذ على شعوب تسخرهم فيما يلائم مصالحها وحاجاتها فإن المسلمين لم يقاتلوا لواحدة من هذه أو أشباهها، ولا ينبغي لهم أن يقاتلوا لمثل هذه الأغراض، بل نحق الحق إذا قلنا إن الله بعثهم يقاتلون ذات الإغراض، ويقدمون للإنسانية مثلا جديدا من أمثال التحرك الإنساني: تحركا يثير الخير، ويئد الشر.
стр. 417
إن الجندي المسلم يبرز للنزال وهو خالي الذهن من أي غرض ذاتي أو حاجة دنيوية ليس له من هم إلا أن يعلم الله مكانه ويرى بلاءه، ويفوز بمرضاته منتصرا أو شهيدا. لقد حل ارتباطات نفسه من الأرض ووصلها بربه الذي به آمن وعليه اتكل، وأحبه حبا يسرع به إلى رضاه ولو اصطلحت عليه الأخطار وترصد له الردى. ولا نبالغ إذا ادعينا أن المؤمن المحارب يكاد يشعر أن وسط الأخطار والمحن والزلازل والتضحيات وسطه الحقيقي فإنه ينفذ منه إلى الجنة ومازلنا نذكر كيف ألقى عمير بن الحمام، أخو بني سلمة ثمرات كانت بيده يأكلهن قائلا: "بخ بخ، أفما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء ثم قذف التمرات من يده، وأخذ سيفه، فقاتل القوم حتى قتل" [١٣] كان عمير ﵁ يعالج بقتاله باب الجنة حتى فتح له.
لقد قضى الجندي المسلم على شبح الخوف من الموت، فلم يبق له حساب في سير المعركة، يقينا منه أن الاستشهاد فيها خير من ثمرات البقاء التي يقاتل لها الكفرة، قال-تعالى: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُون وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ [١٤]
وهل يخاف الذاهب إلى ربه! إنه لن يضيع أبدا وما كان الله ليضيعه وقد لبى نداءه وحمل رايته وضرب في سبيله، لا يرى الموت إلا منه من الله عليه! إذ قال –تعالى-لكل مؤمن ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُم﴾ [١٥]
стр. 418
وكيف يشعر بالضياع وهو عارف مستقبله يراه في يقين رأي العين؟ ألم يحدثه الله عن هذا المستقبل العظيم؟ ألم يخبره بما أعد له من نعيم في دار البقاء ومن التكريم في أعلى درجات الجنة؟ إن الشهادة عنده هي الفوز: هي بدأ الحياة الحقيقية: حياة الخلود إنه سمع قول الله ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [١٦]
سمع قول الله فوعاه وعي المؤمن المصدق فكان الخوف من الموت شيئا منسيا.
وليس من حقنا أن نبرئ المسلم من حرصه على المنفعة الذاتية، بل هو يطلبها لنفسه طلبا حريصا وما كان ليبذل مهجته سدى، وما يعطيها إلا بحقها، وإنه يتقاضى الثمن من الله : إذ عقد معه بيعا رابحا: فهو يبيع لله نفسه بجنة عرضها السماوات والأرض قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [١٧]
стр. 419
هؤلاء المحاربون الذين يبلغون هذا المدى من العمق الإيماني يقبلون طواعية على هذه الصفقة الرابحة، وعلى أيديهم يجعل الله النصر إن شاء ولا يصل الجندي المسلم هذا المستوى الرفيع حتى يحقق لذاته صفات وخلالا تجعل كيانه إيمانيا عمليا كله، تبتدئ في سلوكه من جزيئات سلوكه المغموسة بالإيمان غمسا، وأول مسلك له أن يتوب إلى الله من ذنوبه فإن فن طلب التوبة اعترافا بالتقصير واستعدادا للبذل والتضحية ثم يقبل على عبادة الواحد الأحد عبادة يتجلى فيها الإخلاص قولا وعملا، حامدا ربه على نعمة الإيمان وما خص به من الإكرام في تكليفه بالواجبات، وعلى ما منحه من حرية الجهاد وقد كانت الطواغيت تخنق قلبه وتكبل يديه ثم لا يفتر عن التسبيح والتهليل ولا يسهو عن الصلاة ولا يخطو خطوة إلا ليأمر بمعروف وينهى عن منكر، فلا تفارقه التقوى ولا يتجاوز حدود الله. وهذه الصفات أو الشروط في المجاهد ليست من اقتراح إنسان وإنما نص الله على وجوب توفرها في جنده المحاربين فذكرها مفصلة بعد الآية السابقة التي حدث فيها عن اشتراء أنفس المؤمنين بالجنة فقال : ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [١٨]
وقد ربح بيع المؤمنين الذين لم يكونوا شيئا مذكورا ثم صاروا أمة تقاتل معهم الملائكة وتستغفر لهم وتشد أزرهم ثم يمكن الله لهم في الأرض إن هذا لهو الفضل المبين.
٢- القدرة على احتمال الزلزلة في القتال:
стр. 420
ومن خصائص هذا الجيش أن أفراده المبشرين بالنصر لا يجنون ثمرته حتى يستفرغوا جهدهم في القتال، ويثبتوا ثباتا يقطع عزم الأعداء، لأن هذه القدرة من الاحتمال هي البرهان العملي على ما وقر في القلب من حل التضحية قال تعالى: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [١٩] ثم يخرجون من هذه التجارب أصلب من الصخور الراسية لا تجتاحهم عاصفة من رهبة ولا سيل من غزو، وقد وضع الله المسلمين الأولين في ميادين الاختبار ورماهم بالعدو الكثير العنيد الحقود فظفروا بمرضاة الله وكانوا أحق بها وأهلها وذكر الله ما لقوا من عدوهم في غزوة الأحزاب فقال: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً﴾ [٢٠]
وقد جعل الله لهذه المعاناة للزلزلة سنة خالدة في الأولين والآخرين يأخذ سبيلها من أراد أن يرتفع إلى مقام الأبطال وأن تفتح له أبواب الجنة فقال: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [٢١]
стр. 421
أجل إن نصر الله قريب.. قريب في هذه اللحظة التي يشعر فيها المؤمن المقاتل أن لم يبق بينه وبين الجنة إلا ضربة بسيف أو طعنة برمح أو قذف بقنبلة أو انقضاض بطائرة في هذه اللحظة بالذات تأخذ الغيوم تتقشع وتتسرب أشعة الشمس من خلال الشقوق بين السحب الدكناء ويتبدى النصر للمجاهدين قليلا قليلا وهم يعانون المآسي ويحتملون الآلام ويبذلون التضحيات إنهم لا يستروحون عبير النصر حتى يشرفوا على لحظات اليأس، وإذ ذاك يتدفق الأمل في النفوس حيا ثجاجا عجاجا ويتنزل النصر من عند الله فيتمسكون به ويضنون به، وإذا تعودت النفوس العزة كبر عليها الذل فتخجل من النكوص على العقبين ومن الارتداد إلى الهزيمة.
أجل إن نصر الله قريب ولكنه ليس قريبا إذا استجدى المسلمون إيقاف القتال وعدوهم عليهم ظاهر ولم يكن طعم من ردود الفعل إلا الدموع والتظلم والشكوى.
٣- المصابرة والمرابطة والثبات:
ومن ثم صدرت الأوامر من الله إلى الجيش الإسلامي بالمصابرة والمرابطة والثبات، فإنها أعمدة النصر المنتظر إن رفعت على تقوى الله والتزام حدوده فقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [٢٢]
والسر في ذلك أن الصبر من الحرب كالروح من الجسد، وأن الفريق الأجلد والأصبر هو الفائز بالنتائج الرابحة في المعركة ولذلك أمرنا الله أن نصابر الكافرين في القتال حتى نغلبهم في الصبر وقد أرشدنا سبحانه إلى القوة التي يستمد منها الصبر وتعين عليه ألا وهي تقوى الله، فإن الفار يبوء بغضبه ومن يخشه يمتثل أمره ويثبت قدميه في مستنفع الموت لا يرتدون خائبين وبالصبر أحبط المسلمون يوم الخندق خطة الأحزاب وكان من دواعي فخرهم إن صبروا ويشهد بذلك شعر قاله كعب بن مالك رضوان الله عليه يوم الخندق:
ولو شهدت رأتنا صابرينا
وسائلة تسائل ما لقينا
стр. 422
صبرنا لا نرى لله عدل
وبين أن للصبر غاية منبعها التقوى:
نكون عباد صدق مخلصينا
لننصر أحمد والله حتى
وأحزاب أتوا متحزبينا
ويعلم أهل مكة حين ساروا
وأن الله مولى المؤمنينا [٢٣]
بأن الله ليس له شريك
والمرابطة من المصابرة ولكنها الصبر المستديم غير المبتوت الجامع للحذر والتيقظ والرصد الدائم لتحركات العدو. ولا يحفظ بلاد الإسلام إلا المرابطون في الثغور والحدود يصدون عنها الطامعين ومنها ينطلقون فاتحين فهم في حالة دائمة من الاستعداد والتنبيه والتوثب وقد عرف رسول الله ﷺ دور هؤلاء المرابطين فبشرهم بالثواب الطيب فقال من حديث له: "طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله أشعث رأسه مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له وإن يشفع لم يشفع" [٢٤]
ولو أنعمنا النظر في كثير من حروب الإسلام الهامة لوجدنا أن الثبات العظيم الذي لبسته فئة مختارة من المجاهدين كان له الأثر البليغ في تلك المعارك وفي مستقبل المسلمين.
стр. 423
ففي معركة أحد جهد المشركون للوصول إلى نبينا محمد ﷺ والحقوا به أذى حتى ظنوا أنه قد قتل ولكن نفرا من الصحابة استماتوا في حياطته والدفاع عنه، فجالدوا جلادا عنيفا، وكان منهم أبو دجانة (ترس دون رسول الله ﷺ بنفسه، يقع النبل في ظهره وهو منحن عليه، حتى كثر فيه النبل) [٢٥] ومنهم سعد ابن أبي وقاص وكان يرشقهم بالنبل رشقا دون رسول الله ﷺ والرسول يناوله السهام وهو يقول: "ارم، فداك أبي وأمي" [٢٦] وأظهر بعضهم من نادر البطولات، في الدفاع عن رسول الله ﷺ ، ووقايته من المشركين ما رفعهم إلى منزلة الشهداء وهم أحياء فكان رسول الله ﷺ يقول في طلحة بن عبيد الله-وكان له في أحد المنجد المعوان-: "من أحب أن ينظر إلى شهيد يمشى على وجه الأرض، فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله" [٢٧]
ويوم حنين ولى المسلمون عن رسول الله ﷺ حتى خيل للمرتابين هزيمتهم، وما إن أمر رسول الله ﷺ عمه العباس ﵁ أن ينادى: (يا معشر الأنصار، يا معشر أصحاب الشجرة [٢٨] حتى تيقظت في النفوس الذكريات، وتأججت العواطف الخالدة فأجابوا: "لبيك لبيك" [٢٩] وأسرعوا إليه، وما أن تجمع منهم مائة حتى حمى الوطيس، كما قال رسول الله ﷺ ، وثبتوا للعدو، وأخذوا في زحزحته وتقطيعه، (فما رجعت راجعة الناس من هزيمتهم حتى وجدوا الأسارى مكتفين عند رسول الله ﷺ [٣٠] فحقق الله نصره بسيوف هذه المائة من الصابرين وبقلوبهم المؤمنة.
٤- القوة المعنوية العظمى.
стр. 424
وقد جعل الله الثبات والصبر في متناول المسلمين، لما نفحهم به من روح معنوية غالبة على إمكانيات العدو النفسية كلها: إذ أمرهم ألا يسمحوا للوهن أن يجد إلى نفوسهم مدخلا، وبين لهم أن المؤمن الذي يريد أن يسلم له الإيمان نقيا من الشوائب بريئا من المفسدات، هو الذي يضل الخوف عن قلبه شلا، قال-تعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [٣١] فلا يحق للمؤمن في تعاليم الله أن يدخل عليه الإحساس بالضعف والفتور، فإن فتر فقد مركز المتفوق والعلو.
стр. 425
ذلك أن الوهن النفسي أول الهزيمة ولا يسببه إلا استعظام الموت والجراحات ولا يبعده إلا تناسيها وتهوين أمر المصائب وهي من طبائع الحروب، ولا حرب من غير خسائر تنزل بالفريقين معا: قال تعالى: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [٣٢] وقد أولى الله هذا العامل النفسي اهتماما كبيرا لأثره الفعال في تقرير مصير المجاهدين، فكان القرآن حريصا على أن يسمو بروحهم المعنوية في المعركة، وقبل أن يدخلها، وبعد أن يخرجوا منها، يتتبع حركات نفوسهم، ولا يسمح لهم بتنازل-وإن قل-في شعور الاستعلاء على العدو، وينهاهم عن السعي إلى السلم فرارا من الزحف قال تعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [٣٣] والسبب في ذلك جلي الجلاء الساطع فإننا إن نخرج من المعركة ضعاف النفوس تكن خسارتنا مضاعفة في الجانب المعنوي والجانب المادي معا أما إذا خرجنا بنفوس مستعيلة فلم نخسر ماديا إلا مثل ما أصبنا به أعداءنا فنحن وهم في القروح سواء ونفضلهم بالإيمان وعظم النفس فتبقى لنا الغلبة عليهم.
следующие страницы →