← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 3676–3715 · переход к 3681.

стр. 3676

* كما صدرت الموافقة السامية على إرسال ستة من المدرسين إلى المدرسة السلفية في بلجرشي للتدريس هناك من خريجي الجامعة الإسلامية بالمدينة اعتباراً من العام الدراسي ٩٣ -١٣٩٤هـ. * قام بزيارة الجامعة الإسلامية فضيلة الشيخ سعيد بن عبد الله بن طالب المدرس في كلية الشريعة في الجامعة الإسلامية الحكومية في جاكرتا في جاوا الوسطى بإندونيسيا وقد اجتمع مع نائب رئيس الجامعة الشيخ عبد المحسن العباد. وفضيلة الأمين العام المساعد الشيخ عمر محمد. وقد زود ببعض الكتب والنشارات رمزاً لزيارته. * عاد إلى المدينة قادماً من المغرب الأستاذ سليم سلمان الحازمي مدير عام التعليم بالجامعة الإسلامية بعد أن مثل الجامعة في المهمة الرسمية التي انتدب من أجلها وقد باشر عمله. صَدَرَ حَديثاً ١ التجويد الميسر للأستاذ عبد العزيز القارئ المدرس في المعهد الثانوي بالجامعة ٢ أفكار إسلامية للشيخ محمد مصطفى المجذوب المدرس بكلية الدعوة بالجامعة ٣ نظرات تحليلية في القصة القرآنية طبعة ٢ " " " ٤ الآيات الثلاث " " " ٥ صور من حياتنا طبعة ٢ " " " ٦ دروس من الوحي طبعة٢ " " " ٧ دماء وأشلاء طبعة٣ " " "

стр. 3677

القاديَانيَّة بقلم الشيخ عبد القادر شيبة الحمد المدرس في كلية الشريعة في الجامعة الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيد المرسلين، وخاتم النبيين، وعلى آله وصحابته أجمعين، أما بعد: فإن القاديانية (ويقال لها كذلك الأحمدية) فرقة حديثة العهد نشأت في بلاد الهند في فترة اندفع فيها المسلمون في شبه هذه القارة ليطردوا عن بلادهم (كابوس) الاحتلال الإنجليزي الجاثم آنذاك على صدورهم، وعندئذ رأى المحتلون أن أنجع الوسائل لتفريق كلمة المسلمين وإطفاء جذوة صدورهم، الإيحاء إلى رجل يقال له: غلام أحمد القادياني المنتمي في الأصل إلى أسرة تنتمي إلى الإسلام، ليعلن ديناً جديداً، يفارق به إجماع المسلمين، وينقض به أصول الإسلام، وينكر ما علم بالضرورة أنه من هذا الدين، فزعم أن الوحي لم ينقطع، وأنّه مرسل من الله لإلغاء الجهاد ووجوب مسالمة المحتلين الإنجليز، وأنهم رحمة الله التي بعثها إلى أرض الهند. من هو غلام أحمد؟ يعرف هذا الغلام نفسه في ص٧٢ من كتابه (الاستفتاء) المطبوع بمطبعة النصرة بربوة بباكستان سنة ١٣٧٨هـ فيقول: "إني أنا المسمى بغلام أحمد بن ميرزا مرتضى"، ثم يقول في نفس الصفحة: "وسمعت من أبي أن آبائي كانوا من الجرثومة المغولية، ولكن الله أوحى إليّ أنهم كانوا من بني فارس لا من الأقوام التركية". ثم يتناقض الغلام مع نفسه فيعلن دون حياء أو خجل من تناقض وحيه الشيطاني في ركاكة اللفظ ويقول في نفس الصفحة: "ومع ذلك أخبرني ربي بأن بعض أمهاتي كنّ من بني الفاطمة".

стр. 3678

وقد ولد غلام أحمد هذا في قرية قاديان إحدى قرى البنجاب الهندية عام ١٨٣٥م أو عام ١٨٣٩م أو عام ١٨٤٠م وقد بدأ شبابه بقراءة قليل من الفارسية ونبذ في النحو والصرف غير أن الأمراض التي لازمته منذ طفولته - ومنها الماليخوليا (نوع من الجنون) كما تقول دائرة المعارف القاديانية - لم تمكنه هذه الأمراض من متابعة دراسته. وقد انتقل في صدر شبابه إلى سيالكوت واضطر إلى العمل فجلس أمام إحدى المحاكم ليكتب للعوام صور الادعاءات في نظير أجر زهيد يساوي خمس عشرة روبية في الشهر وذلك في عام ١٨٦٤م وفي أثناء إقامته بسيالكوت اتصل به رجل من كبار المنحرفين يقال له: نور الدين البهيروي المولود في بهيرة من مديرية شاه بور المعروفة الآن باسم (سركودها) ، في غرب باكستان بالبنجاب. وقد درس الطب القديم في لكنهؤ على يد الحكيم علي حسن وعين طبيباً خاصاً في ولاية (جمون) بمنطقة كشمير الجنوبية ثم عزل عن الوظيفة عام ١٨٩٢م، وقد توثقت عرى الصداقة بينه وبين غلام أحمد وأغراه بدعوى أنه مجدد وأنه المهدي المنتظر والمسيح الموعود فبدأ الغلام يؤلف كتاباً سمّاه (براهين أحمدية) وبدأ نور الدين هذا يؤلف كتاباً سمّاه (تصديق براهين أحمدية) ثم أخذ يغريه بدعوى النبوة فذكر في كتاب (سيرة المهدي) ص٩٩ أنه قال آنذاك: "لو ادّعى هذا الرجل يعني الغلام أنه نبي صاحب شريعة ونسخ شريعة القرآن لما أنكرت عليه".

стр. 3679

ولما انتقل الغلام إلى قاديان لحق به هذا الرجل وصار فيما يبدو للناس أكبر أتباع الغلام. وكان الغلام قد بدأ دعواه بأنه مجدد ثم زعم للناس أنه المهدي المنتظر ثم أوعز إليه الطبيب نور الدين أن يدعي أنه المسيح الموعود فأعلن الغلام عام ١٨٩١م أنه المسيح الموعود "لقد أرسلت كما أرسل الرجل (المسيح) بعد كليم الله موسى فلما جاء الكليم الثاني محمد كان لابدّ أن يكون بعد هذا النبي الذي هو في تصرفاته مثل الكليم من يرث قوة مثيل المسيح وطبعه وخاصيته، ويكون نزوله في مدة تقارب المدة التي كانت بين الكليم الأول والمسيح ابن مريم" يعني القرن الرابع عشر الهجري. وقد دس له نور الدين - كما صرح بذلك غلام أحمد في (إزالة أوهام) بصفحة ١٠٠ - أن دمشق التي ينزل فيها المسيح ليست هي دمشق المعروفة ولكن المراد بدمشق قرية يسكنها رجال طبيعتهم يزيدية وأن كلمة دمشق استعارة. ثم يقول إن قرية قاديان شبيهة بدمشق فأنزلني لأمر عظيم في دمشق هذه (يعني قاديان) بطرف شرقي عند المنارة البيضاء من المسجد الذي من دخله كان آمناً. يعني الذي بناه بقاديان ليحج إليه أتباعه المرتدون عن الإسلام مضاهاة للمسجد الحرام وقد جعل عنده منارة بيضاء ليضلل الناس أنها التي سينزل عليها المسيح يعني نفسه. وقد عين الغلام رجلاً يقال له عبد الكريم ليكون إماماً لمسجده هذا وكان هذا الرجل أحد جناحيه كما كان عبد الحكيم نور الدين الجناح الآخر. وفي سنة ١٩٠٠ ألقى عبد الكريم خطبة الجمعة وذكر فيها - والغلام حاضر - أن الميرزا غلام أحمد مرسل من الله والإيمان به واجب.

стр. 3680

وقد أثارت هذه الخطبة جدالاً ونقاشاً بين أتباع الغلام الذين كانوا يعتقدون أنه مجدد ومهدي معهود ومسيح موعود. فلما أنكروا عليه ألقى خطبة أخرى في الجمعة الثانية والتفت إلى الغلام وقال: "أنا أعتقد أنك نبي ورسول فإن كنت مخطئاً فنبهني على ذلك"، ولما انتهوا من الصلاة وهمّ الغلام بالانصراف أمسك به عبد الكريم فقال الغلام:"هذا الذي أدين به وأدعيه"، ثم انصرف إلى بيته فوقع هياج بين عبد الكريم وبين بعض الرجال وارتفعت أصواتهم فخرج الغلام من بيته وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيّ﴾ . ومن ذلك التاريخ أخذ الغلام يدعي أن باب النبوة لا يزال مفتوحاً ويقول الغلام نفسه في صفحة ١٤ من (رسالة التعليم) طبع الربوة سنة ١٣٨٦ هـ "ولا تحسبن أن الوحي كان فيما مضى ولم يعد له وجود في هذه الأيام، وأن روح القدس كان ينزل فيما مضى، وليس له أن ينزل الآن، الحق والحق أقول: إن كل باب يمكن أن ينسد، لكن باب روح القدس سيضل مفتوحاً إلى الأبد". ويقول في صفحة ٩ من (رسالة التعليم) : "إنه لا إله إلا هو الذي أوحى إلي، وأرى لأجلي آيات عظيمة، والذي جعلني المسيح الموعود لهذا العصر، لا إله إلا هو لا في السماء ولا في الأرض، وإن الذي لا يؤمن به سيلقى الشقاء والحرمان، إننا تلقينا منه وحياً هو أجلى من الشمس وأظهر". ثم يزداد في ضلالته وتبجحه وجهله وإفكه فيقول في ص ١٢ من كتابه (الاستفتاء) طبع الربوة سنة ١٣٧٨ هـ "إني مرسل من الله"ويقول في ص ١٧:"سماني الله نبيا"ويقول في ص ٢٠: "بعثني الله على رأس المائة لأجدد الدين وأنور وجه الملة"ثم يقول "وأنا المسيح الموعود والمهدي المعهود".

стр. 3681

ثم ازداد غروراً وضلالاً فادعى أنه أفضل من بعض الرسل ويدس دسيسة نصرانية فيدعي أن لله ولداً وأنه هو نفسه أفضل من هذا الولد فيقول في ص ٨٢ من (الاستفتاء) "أنت مني بمنزلة توحيدي وتفريدي فحان أن تعان وتعرف بين الناس، أنت مني بمنزلة عرشي، أنت مني بمنزلة ولدي، أنت مني بمنزلة لا يعلمها الخلق. ." وقد نسي هذا الأفاك أو تناسى قوله : ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ . وقوله : ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً. تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً. أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً. وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً. إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً. لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً. وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً﴾ . ويقول ابنه بشير أحمد الخليفة الثاني للقاديانيين في كتاب حقيقة النبوة ص ٢٥٧: "إن غلام أحمد أفضل من بعض أولى العزم من الرسل"وفي صحيفة (الفضل) لسان حال القاديانين في المجلد الرابع عشر المؤرخ في ٢٩ من ابريل سنة ١٩٢٧ م "أنه كان أفضل من كثير من الأنبياء ويمكن أن يكون أفضل من جميع الأنبياء".

стр. 3682

ولم يبال هذا الغلام المفتون، ولا تلاميذه المغرورون بالقرآن ولا بالسنة ولا بإجماع الأمة القاطعة بأن محمداً ﷺ هو خاتم النبيين ولا نبي بعده فإن الله ﵎ يقول: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "كانت بنوا إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي وأنه لا نبي بعدي" كما روى البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتاً فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ " قال: "فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين" وفي رواية مسلم من حديث جابر ﵁ "فأنا موضع اللبنة جئت فختمت الأنبياء" وقد انعقد إجماع المسلمين على ذلك وأصبح من المعلوم من دين الإسلام بالضرورة وأن من ادعى هذا المقام بعد رسول الله ﷺ فهو كافر كذاب أفاك دجال وضال مضل.

стр. 3683

وبالرغم من أن دائرة المعارف القاديانية نصت على أن هذا الغلام كان مصاباً بالماليخوليا (نوع من الجنون) فإن شواهد الحال من تناقضه تنبئ بذلك فهو ينكر نزول المسيح ﵇ أحياناً ويثبته أحياناً ويؤوله أحياناً وينكر رفع المسيح أحياناً ويثبته أحياناً ويؤوله أحياناً فهو يقول في ص ٤٧ (مكتوب أحمد) "وقد سمعتم أنا قائلون بنزول المسيح والمقرون به بالبيان الصريح وأنه حق واجب" ويقول في ص ١١ من كتاب (حمامة البشرى) : "وكنت أظن بعد هذه التسمية أن المسيح الموعود خارج وما كنت أظن أنه أنا حتى ظهر السر الخفي. ."ويقول في ص ٤١ من هذا الكتاب: "وقالوا: إن المسيح ينزل من السماء ويقتل الدجال ويحارب النصارى فهذه الآراء كلها قد نشأت من سوء الفهم وقلة التدبر في كلمات خاتم النبيين". وقد خلط كذلك فزعم أن الملائكة جوارح الله تعالى الله عما يقول هذا الأفاك علواً كبيراً. فهو يقول في ص ٩٨ من حمامة البشرى: "وانظر إلى الملائكة كيف جعلهم الله كجوارحه"ويقول هذا الأفاك في ص ٣٤ من تحفة بغداد: "وإنا نؤمن بملائكة الله ومقاماتهم وصفوفهم ونؤمن أن نزولهم كنزول الأنوار لا كترحيل الإنسان من الديار إلى الديار ولا يبرحون مقاماتهم". هذا ومما يكشف طبيعة هذا الضال ويبين أسباب ادعاءاته وافتراءاته أن الإنجليز كانوا وراء دعوته للعمل على تفريق كلمة المسلمين وإلغاء الجهاد الذي يراه أعداء الإسلام حجر عثرة في سبيل أطماعهم وأهدافهم. فهو يقول في ص ١٥ من كتاب (ترياق القلوب) : "لقد قضيت معظم عمري في تأييد الحكومة الإنجليزية ونصرتها، وقد ألفت في منع الجهاد، ووجوب طاعة أولي الأمر الإنجليز من الكتب والنشرات ما لو جمع بعضها إلى بعض لملأ خمسين خزانة".

стр. 3684

ويقول في ملحق كتاب (شهادة القرآن) ص ١٠ الطبقة السادسة: "لقد ظللت منذ حداثة سني - وقد ناهزت اليوم الستين - أجاهد بلساني وقلمي لأصرف قلوب المسلمين إلى الإخلاص للحكومة الإنجليزية، والنصح لها والعطف عليها، وأنفي فكرة الجهاد التي يدين بها بعض جهالهم، والتي تمنعهم من الإخلاص لهذه الحكومة". ويقول في ص١٢٣ ج١ من نصيحته المندرجة في تبليغ الرسالة: "ففكروا قليلاً أي أرض في الدنيا تؤويكم إن فارقتم ظل هذه الحكومة، اذكروا لي حكومة واحدة تقبلكم في كنفها، إن كل حكومة من الحكومات الإسلامية تعض عليكم الأنامل من الغيظ، وتتربص بكم الدوائر، وتتحين الفرص لقتلكم، لأنكم قد أصبحتم في نظرها كفاراً ومرتدين، فاعرفوا لهذه النعمة الإلهية (نعمة وجود الحكومة البريطانية) قدرها، واعلموا علم اليقين أن الله تعالى لم يقم الحكومة الإنجليزية في هذه البلاد إلا لخيركم وصالحكم، فإن حلت بهذه الحكومة آفة من الآفات، فستبيدكم هذه الآفة أنتم أيضاً، وإذا أردتم برهاناً على ما أقول فاستظلوا بحكم غيرها وعندئذ ستعلمون ما ينزل بكم، ألا إن الحكومة البريطانية رحمة لكم وبركة، وهي الحصن الذي أقامه الله لوقايتكم فاعرفوا قدرها من أعماق قلوبكم ومهجكم، والإنجليز خير لكم ألف مرة من هؤلاء المسلمين، الذين يخالفونكم لأنهم لا يريدون إذلالكم ولا يرون وجوب قتلكم". وقد تجاهل هذا الغلام آيات الجهاد في كتاب الله كما تجاهل ما تواتر من الأحاديث عن رسول الله ﷺ عن الجهاد وفضله وما ثبت أنه ماض إلى يوم القيامة.

стр. 3685

وقد قام علماء الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها بإعلان كفر القاديانيين وقال الدكتور إقبال في رسالة وجهها إلى كبرى صحف الهند الإنجليزية: "إن القاديانية محاولة منظمة لتأسيس طائفة جديدة على أساس نبوة منافسة لنبوة محمد ﷺ "وقد ذكرت جريدة الفضل الناطقة بلسان القاديانيين في عددها الصادر في ٣٠ يوليه سنة ١٩٣١م بأن غلام أحمد قال: "إننا نخالف المسلمين في كل شيء: في الله، وفي الرسول، وفي القرآن، وفي الصلاة، وفي الصوم، وفي الحج، والزكاة، وبيننا وبينهم خلاف جوهري في كل ذلك". وبهذا يتقرر بما لا مجال للشك فيه أن القاديانية مرتدون خارجون عن دين الإسلام..

стр. 3686

مع صاحب الفضيلة والدنا الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ بقلم الشيخ عطيه محمد سالم القاضي بالمحكمة الشرعية بالمدينة الحمد لله المستحق لصفات الجلال وكمال الأسماء، المتفرد بالدوام وبالبقاء. خلق الخلق من عدم وقضى عليهم بالموت والفناء. وجعل الدنيا مزرعة الآخرة، حصادها الثواب والجزاء. واختار من عباده رسلاً يبلغون عنه فهم بينه وبين خلقه وسطاء. واصطفى خاتمهم محمداً ﷺ فهو صفوة الأصفياء، بعثه رحمة للعالمين فجاء بالحنيفية السمحاء. أطل فجرها بمكة من قمة حراء. وأشرقت شمس نهارها بطيبة الفيحاء. ظلت مهاجر صحبه في ألفة ووفاء فتحمل الصحب الكرام تراثه. ما ورثوه منه هداية وضياء. وورثوه من بعدهم توريث الآباء للأبناء. وغدت المدينة مشرقة أنوارها يشع منها للعالم نور وسناء. وتوالت الأجيال تلو أجيال إنتاجها للعالم صفوة العلماء، ممن قاموا لله حقاً وأخلصوا لله صدقاً ونشروا العلم في عفة وإباء. نهلوا من المنهل الصافي من منبعه قبل أن يخالطه الترب أو تكدره الدلاء. في مهبط الوحي محط رحالهم. وفي الروضة غدوهم ورواحهم في غبطة وهناء. درسوا كتاب الله حكماً وحكمة حتى غدت آياته لمرضى الصدور شفاء، وتكشفت حجب المعاني فانجلت من تحتها أشمس وضياء. وترسموا سنن النبي محمد، وكذاك سنة الخلفاء، وكذا الصحابة والتابعون فإنهم لهم بهم أسوة واقتداء. فهم النجوم في ليل السرى، وهم الهداة لطالب الهدى وأدلاء، وهم الأئمة قدوة الأمة وعلى الدين أمناء. ونحن بالمدينة وفي هذا الجوار الكريم أشد إحساساً بمكانة العلم ومنزلة العلماء، وأسرع فرحاً بهم وأشد حزناً على موتهم وألماً لفراقهم، إن في موت العلماء لغربة للغرباء. ولا شك أن هذه الآلام تزداد وهذا الحزن يشتد أكثر وأكثر حينما نكون قد عرفنا هذا العالم أو عاصرناه ولمسنا فضله واستفدنا علمه.

стр. 3687

وهذا القدر كلنا فيه سواء نحو علماء المسلمين عامة وشيخنا الأمين خاصة. وإني كأحد أبنائه ومن جملة تلاميذه أقف اليوم معزياً متعزياً. ومترجماً مترحماً وقد عظم المصاب وعز فيه العزاء. ولو استحق أحد التعزية لشخصه لاستحقها ثلاثة أشخاص: الشيخ عبد العزيز بن باز لزمالته ٢١ سنة وماله عنده من منزلة، والشيخ عبد العزيز بن صالح أول من عرفه وتسبب في جلوسه، وصاحب السمو الملكي الأمير عبد الله بن عبد الرحمن لمحبته وتقديره. نعم أقف معزياً متعزياً مترجماً مترحماً كما قال القاضي عياض عن بعض مشايخه "ما لكم تأخذون العلم عنا وتستفيدون منا، ثم تذكروننا فلا تترحمون علينا", إنه ربط أصيل بين العلم والعالم وتنبيه أكيد على أن الاعتراف بفضل العالم شكر وتقدير لنفس العلم. رحم الله شيخنا رحمة واسعة ورحم الله علماء المسلمين في كل زمان ومكان. وقد قام الخلف بحق السلف في حفظ تاريخهم بالترجمة لهم خدمة لتراثهم وإحياء لذكرهم وما أثر عن السخاوي أنه قال:"من ورخ مؤمناً فكأنما أحياه". أي من ترجم له وأرخه وها هم علماء الأمة يعايشون كل جيل بسيرتهم وتاريخهم في أمهات الكتب. وإني لاعتقد حقاً أن تراجم الرجال مدارس الأجيال أي في علومهم ومعالم حياتهم. وإن مثل شيخنا الأمين رحمة الله لحقيق بتخليده بترجمته والاستفادة من منهج حياته في تعلمه وتعليمه. وإني لأستعين الله فيما أقدم وأستلهمه فيما أقول: إلى رحمة الله وحسن جواره فقيد العلم يا علم الرجال، نعاك العلم في حلق السؤال. نعم فقيد الدرس يا علم الرجال، نعاك الدرس في فصل المقال.

стр. 3688

انتقل إلى رحمة الله وحسن جواره صاحب الفضيلة وعلم الأعلام الشيخ الجليل والإمام الهمام زكي النفس رفيع المقام كريم السجايا ذو الخلق الرزين، عف المقال حميد الخصال، التقي الأمين والدنا الشيخ محمد الأمين الشنقيطي. توفي ضحى يوم الخميس ١٧-١٢-٩٣هـ وكانت وفاته بمكة المكرمة مرجعه من الحج ودفن بمقبرة المعلاة وصلى الله عليه سماحة رئيس الجامعة الإسلامية فضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز في الحرم المكي مع من حضر من المسلمين بعد صلاة الظهر من ذلك اليوم. وفي ليلة الأحد ٢٠-١٢ أقيمت عليه صلاة الغائب بالمسجد النبوي وصلى عليه صاحب الفضيلة الشيخ عبد العزيز بن صالح آل صالح إمام وخطيب المسجد النبوي ورئيس الدوائر الشرعية بالمدينة ومحاكم منطقة المدينة بعد صلاة العشاء مباشرة وصلى عليه من حضر من الحجاج ما لا يُحصى عدداً. ومن غريب الصدف وحسن التفاؤل أن يقرأ الإمام في صلاة العشاء قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً﴾ إلى آخر السورة، وفي الركعة الثانية ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً﴾ . وقد سألت فضيلته عن هذه القراءة أهو قاصد لهذه الآيات ومختار لها أم جاءت عفواً، فقال حفظه الله بل عفواً فما الملاحظة عليها؟ قلت إنها من أغرب الصدف لأنك صليت على الشيخ الأمين ﵀ بعدها فظننت أنك قصدت إليها، ولكنه من المناسبات الحسنة تغمد الله الفقيد برحمته وأسكنه فسيح جنته إنه جواد كريم رؤوف رحيم، كما صلي عليه بالجامعة الإسلامية وفي مساجد الدوادمي. مات رحمه الله تعالى بعد أن أحيا علوماً درست، وخلف تراثاً باقياً, وربى أفواجاً متلاحقة تعد بالآلاف من خريجي كليات ومعاهد الإدارة العامة بالرياض والجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.

стр. 3689

ما مات إلا بعد أن أصبح له في كل دائرة من دوائر الحكومة في أنحاء البلاد ابناً من أبنائه، وفي كل قطر إسلامي بعثة من البعثات الإسلامية لمنح الجامعة الإسلامية التعليمية بالمدينة المنورة. ما مات إلا بعد أن ترك في كل مكتبة وفي كل منزل (أضواء البيان) تبدد الظلام وتهدي السبيل. فلا يبعد ولا يغالي من يقول ما مات من خلف هذا التراث وأدى تلك الرسالة في حياته يبقى أثراً خالداً له على مر الأجيال والقرون. لقد أدى رسالة عظمى وانتقل إلى الرفيق الأعلى، ليحصد ما زرع ويجني ثمار ما غرس وينعم بما قدم ﵀ رحمة واسعة. لقد عاش ﵀ في هذه البلاد منذ سنين حين قدم لأداء فريضة الحج ثم اعتزم المقام وعمل في كبريات معاهد العلم وجامعاته وألف وحاضر ولم تُكتب عنه كلمة ولم يكن يرضى بالكتابة عنه. لقد كانت أعماله تترجم عنه ومؤلفاته تعرف به حتى عرفه الصغير والكبير والقاصي والداني والعالم والعامي، فلم تكن وفاته رزءاً على فرد أو أسرة أو جماعة أو قطر ولكن على العالم الإسلامي كله. وما كتبت عنه سوى كلمة موجزة استقيتها منه ﵀ عند طبع أول محاضرة له بالجامعة الإسلامية في آيات الصفات وطبعت في مقدمتها. ومات ﵀ ولم تكتب عنه أيضاً إلا تعريف موجز بالنشأة والمولد وما إلى ذلك. والآن وقد تحتمت الكتابة عنه لا تعريفاً به فهو أعرف من أن يُعرف فهو العلم الخفاق والطود الأشم والشمس المشرقة فليست الكتابة للتعريف ولكن لرسم خطاه وبيان منهجه مما سمعت منه ﵀ ولمسته من حياتي معه المدة الطويلة، وإني لأسجل هذا عنه ﵀ للقريب والبعيد لكل من عرفه عالماً ولم يعرفه طالباً، أو عرفه هنا ولم يعرفه هناك في بلاده فأقول أولاً: إني لا أستطيع إيفاء المقام حقه لعظم مقامه ﵀ وكبير منزلته وإن كل كتابة عن أي شخص تعتبر ذات جانبين:

стр. 3690

جانب ترجمة له وبيان لحقيقته وتعريف بشخصه ومنزلته، وجانب سيرته ومنهجه بما يمكن أن يكون نهجاً يُسار عليه ومنهجاً يُقتدى به ومؤثر يؤثر على غيره ممن أراد السير في سبيله والنسج على منواله والاستفادة من أقواله وأفعاله. والكتابة عن أي شخص من هذين الجانبين تعتبر بمثابة شخصيته في إبراز صورته وبيان مكانته وفيها تقييمه في عظمته أو توسطه أو غير ذلك، وأي عالم أو طالب علم فإن له شخصية مزدوجة في حياته العامة وسلوكه العام، وحياته الخاصة في طلب العلم ومنهجه في تحصيله ونشره والكتابة بهذا الاعتبار تكون عن الترجمة الشخصية، والسيرة العلمية. وقد ملئت المكتبات الإسلامية بتراجم وسير الأعلام من الرجال من عصر الصحابة ﵃ إلى عصور التدوين وامتدت إلى اليوم حفظاً للتراث الإسلامي وتسجيل للرعيل الأول، ولم تكن الكتابة عن أي شخص وافية كاملة إلا بتعدد الكتاب عنه، وتستخلص الحقيقة من مجموع ما كُتب عنه لأن كل كاتب عن أي شخص لن يخلو من أحد أمور ثلاثة: ١- إما موال متأثر: فقد يقع تحت تأثير العاطفة فينظر من زاوية واحدة، فيقال فيه "وعين الرضا عن كل عيب كليلة". ٢- وإما معاد منفعل: فيقع تحت طائلة الانفعال فيصدق عليه تتمة البيت السابق "كما أن عين السخط تبدي المساويا". ٣- وإما بعيد معتدل: يرغب التقييم بميزان الاعتدال، ومثل هذا قد يفوته ما لم يكن حريصاً عليه بدون تقصير. ومن هنا لم تكن كتابة كاتب عن إنسان ما مطابقة كل التطابق ومكتملة غاية الاكتمال. وقد يتحرج الأصدقاء مخافة التهمة والتأثر بالألفة أو يتوقف الأعداء مكتفين بالإغضاء، أو يتردد الآخرون خشية التقصير، ولهذا فقد تذهب الشخصية الفذة دون كتابة عنها فيفتقده الحاضرون ويفقد سيرته القادمون، علماً بأن سيرة الرجال مدرسة الأجيال.

стр. 3691

وفضيلة الوالد الشيخ محمد الأمين ﵀ له شخصية متميزة وسيرة واضحة يعرفها كل من لقيه أو حضر مجلسه أو استمع درسه أو قرأ كتبه أو حتى سمع عنه، وقد طبقت شهرته الآفاق. وإن الكتابة عن مثله ﵀ لمن أشق ما يكون لتعدد جوانب الشخصية وانفساح مجالاته العلمية، والحال أنه لا مرجع لمن يكتب عنه إلا الخلطة وطول العشرة وتصيد الأخبار من ذويه الأخيار. وحيث أن أحق الناس بالكتابة عنه هم تلاميذه وأبناؤه، وإني وإن كنت قد أكرمني الله بصحبته وطول ملازمته ليل نهار وكثرة مرافقته في الظعن والأسفار، داخل وخارج المملكة، وسمعت منه ﵀ الشيء الكثير والكثير جداً فإني لأجدني تتجاذبني عوامل الإقدام والإحجام، فإذا استحضرت كل ما سمعته منه وتصورت كل ما لمسته فيه أجدني أحق الناس بالكتابة عنه. وإذا تذكرت مكانته وتراءت لي منزلته وأحسست تأثيره على نفسي تلاشت من ذهني كل معاني الكتابة أمام تلك الشخصية المثالية تراجعت بعيداً عن ميادين الكتابة عنه. ولكن إذا كان كل كاتب لا يستطيع تقييم كل شخصية تقييماً حقيقياً يدل على الشخص دلالة مطابقية وفي أسلوب المساواة، لا موجزاً ولا مطنباً، إذا كان هذا حال كل كاتب مع كل شخص. وإذا كان تلميذ الشيخ أحق بالكتابة عنه فمالي لا أدلي بدلوي بالدلاء وأعمل قلمي مع الأقلام، وأبدي ما عندي سواء ما سمعته منه مباشرة أو عنه بواسطة، أو لمسته من جوانب حياته وسيرته. دون انطلاق مع العاطفة إلى حد الإطناب، ودون إحجام مع الوجل والتهيب والوجل إلى حد الإيجاز. إنه لشيخي وأعز علي من والدي. إنه حقاً والدي حساً ومعنى لقد عشت في كنفه سنوات معه في بيته وقد يظلنا سقف واحد في غرفة واحدة أمداً طويلاً. وقد وجدت منه رحمة الله العناية والرعاية كأحد أبنائه كأشد ما يرعى الوالد ولده، وقد أجد منه الإيثار على نفسه في كثير من أحيانه مما يطول ذكره ولا يُنسى فضله.

стр. 3692

وأعز من الإيثار ما منحني من العلوم والآثار، والتوجيه الأدبي والفضل الخلقي والسمو النفسي في مجالسه وأحاديثه ودروسه من غير ما حد وبدون تقيد بوقت إذ كان ﵀ كل مجالسه مجالس علم وكل أحاديثه أحاديث أدب وتوجيه، ولم يكن يحتاج إلى تحضير لدرس ولا مراجعة لجواب على سؤال. ولم يكن لي معه ﵀ من وقت معين مع كثرة الإخوان الدارسين عليه المقيمين معه في بيته إلا وقت واحد هو ما بين المغرب والعشاء لمدة سنتين دراسيتين ونحن بالرياض، قرأت في خلالها تفسير سورة البقرة. كانت تلك الدراسة عليه ﵀ هي رأس مالي في جل تحصيلي وعليها أساس دراستي الحقيقية سواء في المقررات أو غيرها، لأن فيها جميع أبواب الفقه، وعلى مباحثها تنطبق جل قواعد الأصول، ولا يبعد من يقول إن ما بعدها من السور يُعتبر تفسيراً لها أو أن من أتقن تفسيرها سهل عليه تفسير ما بعدها، وقد كانت دراستها سبباً في تأليف كتابي دفع إيهام الاضطراب، وأضواء البيان، وكل منهما إثر سؤال وجواب. مع ما درست من الأصول ومبادئ في المنطق ودقائق في البلاغة وغير ذلك. لقد وجدت منه ﵀ ما لم أجده من غيره على الإطلاق كما وأظن أن أحداً لم يجد منه ما وجدته أنا منه، فلئن شرفت بخدمته فلقد حظيت بصحبته فجزاه الله عني أحسن الجزاء. وإن صاحب مثل هذه العلاقة مع مثل هذه الشخصية ليحس بثقل ديونه على كاهله ويلمس عظم المنة تطوق عنقه، فهل أستطيع توفية هذا الجانب فحسب فضلاً عن الجوانب العامة التي هي موضوع الترجمة والسيرة، وهل يتأتى مني الإحجام عن الكتابة وأنا مدين بمثل تلك الديون مكبل بتلك المنن مما يجعلني أحق بقول القائل: كليني لهم يا أميمة ناصب وليل أقاسيه بطيئ الكواكب تطاول حتى قلت ليس بمنقض وليس الذي يرعى النجوم بآيب وصدر أراح الليل عازب همه تضاعف فيه الحزن من كل جانب

стр. 3693

علي لعمر نعمة بعد نعمة لوالده ليست بذات عقارب ولئن قيل: وتجلدي للشامتين أريهمو أني لرب الدهر لا أتضعضع فإني لأقول وتجلدي للسامعين أريهمو شمس الحقيقة من سناه تطلع وإني ملزم بالكتابة ولو تأثرت بالعاطفة فإني معذور: وإن قصرت عن حقه فلا عذر لي في التقصير. وإني لأعتبر ما أقدمه بداية لا نهاية وتذكرة للآخرين من حاضرين وغائبين لعلهم يتمون ما بقي، ويكملون ما نقص. وإذا كانت التراجم والسير تنقسم إلى ذاتية وغير ذاتية، والذاتية هي ما يكتبها الشخص عن نفسه من طفولته إلى رجولته، ويسجل ما جرى له وعليه، وهي أصدق ما تكون إن كان صاحبها معتدلاً أميناً. وقد ترجم بعض العلماء والفلاسفة لأنفسهم منهم: ١- ابن سينا المتوفى سنة ٤٢٨ كانت ترجمته لنفسه مرجعاً لكل من كتب عنه من تلاميذه. ٢- والعماد الأصفهاني المتوفى سنة ٥٩٧ في مقدمة كتابه (البرق الشامي) . ٣- وابن الخطيب المتوفى سنة ٧٧٦. ٤- وابن خلدون، المتوفى ٨٠٥، والسيوطي وغيرهم. والترجمة غير الذاتية ما يكتب غيره عنه. وإن ما أقدمه في هذا المجال ليجمع بين القسمين الذاتي وغير الذاتي لأنه يشتمل على ما قاله هو عن نفسه وسمعته منه مباشرة، كما تشتمل على ما عرفته ولمسته من حياته مدة صحبتي له. والله أسأل أن يجعل من سيرته خير قدوة لتلامذته، وأن يجعل في ولديه خير خلف لخير سلف، وأن يأجرنا في مصيبتنا ويخلفنا خيراً منها، ونسأله تعالى أن يتغمده بوافر رحمته ويسكنه فسيح جنته وأن يجزل له العطاء ويجزيه أحسن الجزاء عما بذله من جهد، وخلفه من علم. إنه جواد كريم (إن أول ما يبدأ به في مثل هذا المقام لهو الاسم واللقب والنسب والنشأة والموطن) ... الخ. وهذه ترجمته ﵀ كما سمعتها منه مباشرة: الاسم: هو محمد الأمين، وهو علم مركب من اسمين وذكر محمد تبرك.

стр. 3694

واللقب: آبا. بمد الهمزة وتشديد الب اء من الإباء. واسم أبيه: محمد المختار بن عبد القادر بن محمد بن أحمد نوح بن محمد بن سيدي أحمد ابن المختار من أولاد أولاد الطالب أوبك وهذا من أولاد أولاد كرير بن الموافي بن يعقوب بن جاكن الابر جد القبيلة الكبيرة المشهورة المعروفة بالجكنيين. ويُعرفون بتجكانت. نسب القبيلة: ويرجع نسب هذه القبيلة إلى حمير، كما قال الشاعر الموريتاني محمد فال ولد العينين مستدلا بفصاحتهم على عروبتهم: إنا بنو حسن دلت فصاحتنا أنا إلى العرب الأقحاح ننتسب إن لم تقم بينات أننا عرب ففي (اللسان) بيان أننا عرب أنظر إلى ما لنا من كل قافية لها تذم شذور الزبرج القشب وبيّن شاعر آخر مرجع تلك القبيلة إلى حمير بقوله: يا قائلا طاعناً في أننا عرب قد كذبتك لنا لسن وألوان وسم العروبة بادٍ في شمائلنا وفي أوائلنا عز وإيمان أساد حمير والأبطال من مضر حمر السيوف فما ذلوا ولا هانوا لقد كانت خصائص العروبة ومميزاتها موفورة لدى الشيخ ﵀ ولدى أهله وذويه في النظم وفي النثر، كما توفرت العلوم والفنون في بيته وقبيلته: وقد بيّن أحد شعرائهم أصالة العروبة فيهم وارتضاعهم إياها من أمهاتهم في قوله يخاطب من ينكرها عليهم: لنا العروبة الفصحى وإنا أحق العالمين بها اضطلاعا عن الكتب اقتبستموها انتفاعا. بما فيها ونرضعها ارتضاعا المولد: ولد ﵀ في عام ١٣٢٥هـ. الموطن: كان مسقط رأسه ﵀ عند ماء يسمى (تَنْبه) من أعمال مديرية (كيفا) من القطر المسمى بشنقيط وهو دولة موريتانيا الإسلامية الآن. علماً بأن كلمة شنقيط كانت ولا تزال اسماً لقرية من أعمال مديرية أطار في أقصى موريتانيا في الشمال الغربي.

стр. 3695

نشأته ﵀: وقبل الحديث عن نشأته يحسن إيجاز نبذة عن البيئة في تلك البلاد: تعتبر الحياة الاجتماعية في تلك البلاد بحسب المواطنين قسمين عرب وعجم والعربية لغة الجميع، أما العمل فالعجم أكثر أعمالهم الزراعة والصناعة وسلالتهم من الزنوج. وأما العرب فقسمان: طلبة وغير الطلبة، والطلبة من يغلب عليهم طلب العلم والتجارة وغيرهم من يغلب عليهم التجارة والإغارة. وهم قبائل عدة ومن القبائل من يغلب عليها الطلب ومنها من يغلب عليها الإغارة والقتال. وقبيلة الجكنيين خاصة قد جمعت بين طلب العلم وفروسية القتال مع عفة عن أموال الناس، وفي هذا الجو كان طلب العلم على قدم وساق سواء في حلهم أو ترحالهم كما قال بعض مشايخهم العلامة المختار بن بونا: ونحن ركب من الأشراف منتظم. أجل ذا العصر قدراً دون أدنانا قد اتخذنا ظهور العيس مدرسة بها نبين دين الله تبيانا أما كرم الطبع فهذا سجية في جميعهم وأمر يشب فيه الصغير ويشيب عليه الكبير، وقد ألفوا الضيف لنجعة منازلهم ومن عاداتهم إذا نزل وفد على بيت فإن أهل هذا المنزل يرسلون لأهل بيت المضيف مما عندهم قل أو كثر مشاركة في قرى الضيف وتعاوناً مع المضيف حتى لو كان معدماً غدا واجداً ويرحل الوفد وهو في غاية الرضا. وهكذا دواليك. وفي هذا الجو وتلك البيئة نشأ ﵀ كما سمعته يقول: "توفي والدي وأنا صغير أقرأ في جزء عمّ وترك لي ثروة من الحيوان والمال، وكانت سكناي في بيت أخوالي وأمي ابنة عم أبي وحفظت القرآن على خالي عبد الله بن محمد المختار بن إبراهيم بن أحمد نوح جد الأب المتقدم". طلبه للعلم: حفظ القرآن في بيت أخواله على خاله عبد الله كما تقدم وعمره عشر سنوات.

стр. 3696

قال ﵀: "ثم تعلمت رسم المصحف العثماني (المصحف الأم) على ابن خالي سيدي محمد بن أحمد بن محمد المختار، وقرأت عليه التجويد في مقرأ نافع برواية ورش من طريق أبي يعقوب الأزرق وقالون من رواية أبي نشيط وأخذت عنه سنداً بذلك إلى النبي ﷺ وذلك وعمري ستة عشر سنة". أنواع الدراسة في القرآن: تعتبر الدراسة في علوم القرآن منهجاً متكاملاً لا تقتصر على الحفظ والأداء بل تتناول معرفة رسم المصحف أي نوع كتابته ما كان موصولاً أو مفصولاً وما رسم فيه المد أو كان يمد بدون وجود حرف المد وقد يكون حرفاً صغيراً أو نحو ذلك. ثم ضبط ما فيه من منشأيه في الرسم أو التلاوة ومن المشهور عندهم في هذا الرجز (محمد ابن بوجه) المشهور المعروف بالبحر تعرض فيه لكل كلمة جاءت في القرآن مرة واحدة أو مرتين أو ثلاث مرات إلى سبع وعشرين مرة أي من الكلمات المشتبهة وأفرد كل عدد بفصل فمثلاً: كلمة (أعينهم) بالرفع جاءت ثلاث مرات قال فيها: أعينهم بالرفع من غير حضور من بعد كانت وتولت وتدور ومن الثنائي: كلمة (الأشياع) بالعين قال فيه: أشياع بالعين فهل من مدكر في سبأ من قبل بأنهم ذكر وقد درس هذا كله في طفولته وكانت له زيادة نظم على ذلك تذييلا لزيادة الفائدة كما قال: على البيت الأخير مبيناً حركاته وإعرابه: في سورة القمر خاطب وانصبا وجره وغيبنه في سبا أي في سورة القمر تكون تلاوتها الخطاب والنصب ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ . وفي سورة سبأ تكون تلاوتها بالغيبة والجر ﴿كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ﴾ وهذه دراسة لا تكاد توجد إلا ما شاء الله وهي من المهام العلمية لحفظها رسم القرآن من التغيير والتبديل وهي من أثار تعهد الله بحفظ هذا القرآن المنزل من عنده سبحانه.

стр. 3697

ثم قال ﵀: وفي أثناء هذه القراءة درست بعض المختصرات في فقه مالك كرجز الشيخ ابن عاشر وفي أثنائها أيضاً درست دراسة واسعة في الأدب على زوجة خالي أم ولد الخال أي أن ولد خاله يعلمه العلوم الخاصة بالقرآن وأمه تعلمه الأدب قال أخذت عنها مبادئ النحو كالأجرومية وتمرينات ودروس واسعة في أنساب العرب وأيامهم والسيرة النبوية ونظم الغزوات لأحمد البدوي الشنقيطي وهو يزيد على ٥٠٠ بيتاً وشروحه لابن أخت المؤلف المعروف بحماد ونظم عمود النسب للمؤلف وهو يعد بالآلاف وشرحه لابن أخته المذكور على خصوص العدنانيين لأنه مات قبل شرح ما يتعلق بالقحطانيين. هذه دراسته في علوم القرآن والأدب والسير والتاريخ كانت في بيت أخواله على أخواله وأبناء أخواله وزوجات أخواله أي كان بيت أخواله المدرسة الأولى إليه، أما بقية الفنون فقال: ١- أولاً الفقه المالكي وهو المذهب السائد في البلاد درست مختصر خليل بدأ دراسته فيه على الشيخ محمد بن صالح إلى قسم العبادات ثم درس عليه النصف من ألفية ابن مالك، ثم أخذت بقية الفنون على مشايخ متعددة، في فنون مختلفة وكلهم من الجكنيين ومنهم مشاهير العلماء في البلاد منهم: ١ الشيخ محمد بن صالح المشهور بابن أحمد الأفرم ٢ والشيخ أحمد الأفرم بن محمد المختار ٣ والشيخ العلامة أحمد بن عمر ٤ والفقيه الكبير محمد النعمة بن زيدان ٥ والفقيه الكبير أحمد بن مُودْ ٦ والعلامة المتبحر في الفنون أحمد فال بن آدُه وغيرهم من المشايخ الجكنيين. قال ﵀: "وقد أخذنا عن هؤلاء المشايخ كل الفنون: النحو والصرف والأصول والبلاغة، وبعض التفسير والحديث. أما المنطق وآداب البحث والمناظرة فقد حصلناه بالمطالعة". هذا ما أملاه علي ﵀ وسجلته عنه.

стр. 3698

علماً بأن الفن الذي درسه على المشايخ أو مطالعة من الكتب لم يقتصر في تحصيله على دراسته بل كان دائماً يديم النظر ويواصل التحصيل حتى غدا في كل منه كأنه متخصص فيه بل وله في كل منه اجتهادات ومباحث مبتكرة سنلم بها إن شاء الله عند إيراد المنهج العلمي لدراسته وآثاره العلمية. منهجه العلمي في الدراسة: وقبل إيراد المنهج العلمي له ﵀ في دراسته نلم بالمنهج العام السائد في بلاده لكافة طلبة العلم وطريقة تحصيله. تعتبر طريقة الدراسة في تلك البلاد جزءاً من حياة البوادي حلاً وارتحالاً. وإذا أقام أحد المشايخ في مكان توافد عليه الطلاب للدراسة عليه ومكث حتى يأخذوا عنه وقد يقيم بصفة دائمة لدوام الدراسة عليه ويُقال له (المرابط) نظراً لإقامته الدائمة لنشر العلم. ولا يأخذ المرابط من طلابه شيئاً وإن كان ذا يسار ساعد المحتاجين من طلابه وقد يساعد أهل ذاك المكان الغرباء من الطلاب. فينزلون حول بيته ويبنون لهم خياماً أو مساكن مؤقتة، ويكون لهم مجلس علم للدرس والمناقشة والاستذكار. وقد يكون المرابط مختصاً بفن واحد وقد يدرس عدة فنون، فإذا كان مختصاً بفن واحد فإن دروسه تكون في هذا الفن موزعة في عدة أماكن منه بحسب مجموعات الطلاب فقد تكون مجموعة في البداية منه ومجموعة في النهاية وأخرى في أثنائه وهكذا.. فتتقدم كل مجموعة على حدة فتدرس على الشيخ ثم تأتي المجموعة الأخرى وهكذا. وإذا كان يدرس عدة فنون فإنه يقسم طلاب كل فن على النحو المتقدم. إفراد الفنون: ولا يحق لطالب أن يجمع بين فنين في وقت واحد بل يدرس فناً حتى يكمله كالنحو مثلاً ثم يبدأ في البلاغة حتى يكملها وهكذا يبدأ مثلاً في الفقه حتى يفرغ منه ثم يبدأ في الأصول حتى يكمله، سواء درسها على عدة مشايخ أو على شيخ واحد.

стр. 3699

طريقة الدراسة اليومية: يبدأ الطالب بكتابة المتن في اللوح الخشبي فيكتب قدر ما يستطيع حفظه ثم يمحوه ثم يكتب قدراً أخر حتى يحفظ مقرأ من الفن حسب التقسيم المعهود فمثلاً النحو تعتبر الألفية أربعة مقارئ ويعتبر متن خليل في الفقه نحواً من ذلك. فإذا حفظ الطالب مقرأ من الفن تقدم للدراسة فيشرحه له الشيخ شرحاً وافياً بقدر ما عنده من تحصيل دون أن يفتح كتاباً أو يحضر في مرجع ثم يقوم هؤلاء للاستذكار فيما بينهم ومناقشة ما قاله الشيخ وقد يأخذون بعض الشرّاح لمقابلته على ما سمعوه أو يرجعون إلى بعض الحواشي ولا يجتازون ذاك المكان من الدرس حتى يروا أنهم قد حصلوا كل ما فيه، وليس عليهم من سرعة أو إنهاء كتاب بقدر ما عليهم من فهم وتحصيل ما في الباب وقد ذكروا عن بعض الطلاب ممن عرفوا بالذكاء والقدرة على التحصيل أنه كان لا يزيد في متن خليل على سطرين فقط فقيل له: "لمَ لا تزيد وأنت قادر على التحصيل"فقال: "لأنني عجلان لأعود إلى أهلي". فقالوا له إن العجلان يزيد في حصته. فقال: "أريد أن أتقن ما أقرأ حتى لا أحتاج إلى إعادة دراسته فأتأخر". الحياة الدراسية: دراسة الشيخ ﵀: على هذا المنهج كانت دراسة الشيخ ﵀ إلا أنه تميز ببعض الأمور قل أن كانت لغيره. نوجز منها الآتي: ١- في مبدأ دراسته: تقدم أنه أتيح له في بادئ دراسته ما لم يتح لغيره حيث كان بيت أخواله مدرسته الأولى، فلم يرحل في بادئ أمره للطلب، وكان وحيد والديه فكان في مكان التدلل والعناية.

стр. 3700

٢- قال ﵀ كنت أميل إلى اللعب أكثر من الدراسة حتى حفظت الحروف الهجائية وبدأوا يقرئونني إياها بالحركات: با فتحة با بي كسرة بي بُ ضمة بو وهكذا ث د ث. فقلت لهم أو كل الحروف هكذا قالوا نعم فقلت كفى إني أستطيع قراءتها كلها على هذه الطريقة كي يتركونني. فقالوا اقرأها فقرأت بثلاثة حروف أو أربعة وتنقلت إلى آخرها بهذه الطريقة فعرفوا أني فهمت قاعدتها واكتفوا مني بذلك وتركوني، ومن ثم حُببت إلي القراءة. ٣- وقال ﵀: ولما حفظت القرآن وأخذت الرسم العثماني وتفوقت فيه على الأقران عُنيت بي والدتي وأخوالي أشد عناية وعزموا على توجهي للدراسة في بقية الفنون، فجهزتني والدتي بجملين أحدهما عليه مركبي وكتبي، والآخر عليه نفقتي وزادي، وصحبني خادم ومعه عدة بقرات وقد هيئت لي مركبي كأحسن ما يكون من مركب وملابس كأحسن ما تكون فرحاً بي وترغيباً لي في طلب العلم، وهكذا سلكت سبيل الطلب والتحصيل. تقوم الحياة الدراسية على أساس منع الكلفة وتمام الألفة سواء بين الطلاب أنفسهم أو بينهم وبين شيخهم مع كمال الأدب ووقار الحشمة، وقد تتخللها الطرف الأدبية والمحاورات الشعرية ومن ذلك ما حدثنيه ﵀ قال: قدمت على بعض المشايخ لأدرس عليه ولم يكن يعرفني من قبل فسأل عني من أكون وكان في ملإ من تلامذته فقلت مرتجلا: هذا فتى من بني جاكان قد نزلا به الصبا عن لسان العرب قد عدلا رمت به همة علياء نحوكم إذ شام برق علوم نوره اشتعلا فجاء يرجو ركاماً من سحائبه تكسو لسان الفتى أزهاره حللا إذ ضاق ذرعاً بجهل النحو ثم أبا ألا يميز شكل العين من فعلا قد أتى اليوم صبا مولعاً كلفا بالحمد لله لا أبغي له بدلا يريد دراسة لامية الأفعال:

стр. 3701

وقد مضى ﵀ في طلب العلم قُدماً وقد ألزمه بعض مشايخه بالقرآن، أي أن يقرن بين كل فنين حرصاً على سرعة تحصيله وتفرساً له في القدرة على ذلك، فانصرف بهمة عالية في درس وتحصيل. وقد خاطبه بعض أقرانه في أمر الزواج فقال في ذلك وفي الحث على طلب العلم: دعاني الناصحون إلى النكاح غداة تزوجَتْ بيض الملاح فقالوا لي تزوج ذات دل خلوب اللحظ جائلة الوشاح تبسم عن نوشرة رقاق يمج الراح بالماء القراح كأن لحاظها رشقات نبل تذيق القلب آلام الجراح ولا عجب إذا كانت لحاظ لبيضاء المحاجر كالرماح فكم قتلا كميّا ذا ولاحى ضعيفات الجفون بلا سلا فقلت لهم دعوني إن قلبي من العي الصراح اليوم صاحي ولي شغل بأبكار عذارى كأن وجوهها ضوء الصباح أراها في المهارق لابسات براقع من معانيها الصحاح. أبيت مفكراً فيها فتضحى لفهم الفدم خافضة الجناح أبحت حريمها جبراً عليها وما كان الحريم بمستباح. نعم إنه كان يبيت في طلب العلم مفكراً وباحثاً حتى يذلل الصعاب وقد طابق القول العمل.

стр. 3702

حدثني ﵀ قال: جئت للشيخ في قراءتي عليه فشرح لي كما كان يشرح ولكنه لم يشف ما في نفسي على ما تعودت ولم يرو لي ظمئي، وقمت من عنده وأنا أجدني في حاجة إلى إزالة بعض اللبس وإيضاح بعض المشكل وكان الوقت ظهراً فأخذت الكتب والمراجع فطالعت حتى العصر فلم أفرغ من حاجتي فعاودت حتى المغرب فلم أنته أيضاً فأوقد لي خادمي أعواداً من الحطب أقرأ على ضوئها كعادة الطلاب وواصلت المطالعة وأتناول الشاهي الأخضر كلما مللت أو كسلت والخادم بجواري يوقد الضوء حتى انبثق الفجر وأنا في مجلسي لم أقم إلا لصلاة فرض أو تناول طعام وإلى أن ارتفع النهار وقد فرغت من درسي وزال عني لبسي ووجدت هذا المحل من الدرس كغيره في الوضوح والفهم فتركت المطالعة ونمت وأوصيت خادمي أن لا يوقظني لدرسي في ذلك اليوم اكتفاء بما حصلت عليه واستراحة من عناء سهر البارحة. فقد بات مفكراً فيها فأضحت لفهم الفدم خافضة الجناح وإن هذا لدرس لأبنائه ومنهج لطلاب العلم في الصبر والدأب والمثابرة وقد نفعني الله بهذه الحادثة في دراستي وتدريسي وخاصة في صورة مشابهة في الفرائض لم أكن درستها على أحد وكان الاختيار في المقروء لا في المقرر. وتلك هي آفة الدراسة النظامية اليوم وكنت كلما ضجرت في تحقيقها تذكرت قصته ﵀ فصبرت حتى حصلتها ولله الحمد والمنة وكان من بعد الظهر إلى هزيع من الليل، ولكن كم كانت لذتي وارتياحي. ومع هذه الشاعرية الرقراقة والمعاني العذاب الفياضة والأسلوب السهل الجزل فقد كان يتباعد ﵀ عن قول الشعر مع وفرة حفظه إياه وله في ذلك أبيات يقول فيها: أنقذت من داء الهوى بعلاج شيب يزين مفارقي كالتاج قد صدني حلم الأكابر عن لمي شفة الفتاة الطفلة المغناج ماءُ الشبيبة زارع في صدرها رمانتي روض كحق العاج وكأنها قد أدرجت في برقع يا ويلتاه بها شعاع سراج

стр. 3703

وكأنما شمس الأصيل مذابة تنساب فوق جبينها الوهاج. يعلى لموقع جنبها في خدرها فوق الحشية ناعم الديباج. لم يبك عيني بينُ حي جيرة شدوا المطي بأنسع الأحداج نادت بأنغام اللحون حداتهم فتزيلوا والليل أليل داجي لا تصطبيني [١] عاتق في دلّها رقت فراقت في رقاق زجاج مخضوبة منها بنان مديرها إذ لم تكن مقتولة بمزاج طابت نفوس الشرب حيث أدارها رشأ رمى بلحاظ طرف ساجي أو ذات عود أنطقت أوتارها بلحون قول للقلوب شواجي فتخال رنات المثاني أحرفاً قد رددت في الحلق من مهتاج وقد سألت ﵀ عن تركه الشعر مع قدرته عليه وإجادته فيه فقال: "لم أره من صفات الأفاضل. وخشيت أن أشتهر به وتذكرت قول الشافعي فيما ينسب إليه: ولولا الشعر بالعلماء يزري لكنت اليوم أشعر من لبيد ولأن الشاعر يقول في كل مجال، والشعر أكذبه أعذبه، فلم أكثر منه لذلك". ومع هذا فقد كانت له ﵀ عدة مؤلفات نظماً في عدة فنون سيأتي بيانها إن شاء الله. أعماله في البلاد: كانت أعماله ﵀ كعمل أمثاله من العلماء: الدرس والفتيا ولكنه كان قد اشتهر بالقضاء وبالفراسة فيه ورغم وجود الحاكم الفرنسي إلا أن المواطنين كانوا عظيمي الثقة فيه فيأتونه للقضاء بينهم ويفدون إليه من أماكن بعيدة أو حيث يكون نازلاً.

стр. 3704

طريقته في القضاء: كان إذا أتى إليه الطرفان استكتبهما رغبتهما في التقاضي إليه وقبولهما ما يقضي به ثم يستكتب المدعي دعواه جواب المدعي عليه أسفل كتابة الدعوى ويكتب الحكم مع الدعوى والإجابة ويقول لهما اذهبا بها إلى من شئتما من المشايخ أو الحكام، أما المشايخ فلا يأتي أحدهم قضية قضاها إلا صدقوا عليها، وأما الحكام فلا تصلهم قضية حكم فيها إلا نفذوا حكمه حالاً، وكان يقضي في كل شيء إلا في الدماء والحدود، وكان للدماء قضاء خاص. قضاء الدماء: كان الحاكم الفرنسي في البلاد يقضي بالقصاص في القتل بعد محاكمة ومرافعة واسعة النطاق وبعد تمحيص القضية وإنهاء المرافعة وصدور الحكم يعرض على عالمين جليلين من علماء البلاد ليصادقوا عليه ويسمي العلمين لجنة الدماء ولا ينفذ حكم الإعدام في القصاص إلا بعد مصادقتهما عليه. وقد كان ﵀ أحد أعضاء هذه اللجنة ولم يخرج من بلاده حتى علا قدره وعظم تقديره وكان علماً من أعلامها وموضع ثقة أهلها وحكامها ومحكومها. خروجه من بلاده ﵀: كان خروجه من بلاده لأداء فريضة الحج وعلى نية العودة وكان سفره براً كتب فيه رحلة ضمنها مباحث جليلة كان آخرها مبحث القضايا الموجهة في المنطق مع علماء أم درمان بالمعهد العلمي بالسودان.

стр. 3705

وبعد وصوله إلى هذه البلاد تجددت نية بقائه، ولعل من الخير وبيان الواقع ذكر سبب بقائه: لقد كان في بلاده كغيره يسمع الدعاية ضد هذه البلاد باسم الوهابية إلا أن بعض الصدف قد تغير من وجهات النظر (وإذا أراد الله أمرا هيأ له الأسباب) ومن عجيب الصدف أن ينزل ﵀ في بعض منازل الحج بجوار خيمة الأمير خالد السديري دون أن يعرف أحدهما الآخر وكان الأمير خالد يبحث مع جلسائه بيتاً في الأدب وهو ذواقة أديب، وامتد الحديث إلى أن سألوا الشيخ لعله يشاركهم فوجدوا بحراً لا ساحل له ومن تلك الجلسة وذاك المنزل تعدلت الفكرة بل كانت تلك الخيمة بداية منطلق لفكرة جديدة وأوصاه الأمير إن هو قدم المدينة أن يلتقي بالشيخين الشيخ عبد الله الزاحم ﵀ والشيخ عبد العزيز بن صالح حفظه الله. وفي المدينة التقى بهما ﵀، وكان صريحاً معهما فيما يسمع عن البلاد وكانا حكيمين فيما يعرضان عليه ما عليه أهل هذه البلاد من مذهب في الفقه ومنهج في العقيدة. وكان أكثرهما مباحثة معه فضيلة الشيخ عبد العزيز بن صالح، وأخيراً قدّم للشيخ كتاب المغني كأصل للمذهب وبعض كتب شيخ الإسلام كمنهج للعقيدة فقرأها الشيخ وتعددت اللقاءات وطالت الجلسات فوجد الشيخ مذهباً معلوماً لإمام جليل من أئمة أهل السنة وسلف الأمة أحمد بن حنبل ﵀، كما وجد منهجاً سليماً لعقيدة السلف تعتمد الكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة فذهب زيف الدعايات الباطلة وظهر معدن الحقيقة الصحيحة وتوطدت العلاقة بين الطرفين، وتجددت رغبة متبادلة في بقائه لإفادة المسلمين، ورغب ﵀ في هذا الجوار الكريم وكان يقول: "ليس من عمل أعظم من تفسير كتاب الله في مسجد رسول الله ﷺ وتم ذلك بأمر من جلالة الملك عبد العزيز ﵀ وكان الشيخان أقرب الناس إليه ودرس الشيخ عبد العزيز بن صالح الصرف والبيان عليه. رحم الله الموتى وحفظ الله الأحياء.

стр. 3706

وهنا كلمة يجب أن تقال للحقيقة ولطلبة العلم خاصة، نضعها في ميزان العدالة وقانون الإنصاف: لقد كان لجلوس الشيخ ﵀ فائدة مزدوجة استفاد وأفاد. أما استفادته فأمر حتمي ومنطقه علمي للآتي: وهو أن منهج الدراسة في بلاده كان منصباً أكثر ما يكون على الفقه وفي مذهب مالك فقط، وعلى العربية متناً وأسلوباً، والأصول والسيرة والتفسير وتقدم أنه ﵀ درس المنطق بالمطالعة ولم تكن دراسة الحديث تحظى بما يحظى به غيرها للاقتصار على مذهب مالك. وكان الشيخ ﵀ إماماً في كل ما تقدم مما هو شائع في البلاد. ولما عزم على البقاء وبدأ التدريس في المسجد النبوي وخالط العامة والخاصة وجد من يمثل المذاهب الأربعة ومن يناقش فيها ووجد في المسجد النبوي دراسة لا تقتصر على مذهب مالك، بل ولا على غيره فكان لا بد من دراسة بقية المذاهب بجانب مذهب مالك وبما أن الخلاف المذهبي لا ينهيه إلا الحديث أو القرآن فكان لزاماً من التوسع في دراسة الحديث وقد ساعد الشيخ على هذا التوسع والاستيعاب وقوة الاستدلال ودقة الترجيح ما هو متمكن فيه من فن الأصول والعربية مع توسعه في دراسة الحديث وبالأخص المجاميع كنيل الأوطار وفتح الباري وغيرها. وقد ظهر ذلك في منهجه في أضواء البيان حينما يعرض لمبحث فقهي مختلف فيه فيستوفي أقوال العلماء ويرجح ما يظهر له بمقتضى الدليل عقلاً كان أو نقلاً. وهذا المنهج هو سبيل أهل التحصيل الدأب على الدراسة ومواصلة المطالعة والتنقيح.

стр. 3707

أما في العقيدة فقد بلورها منطقاً ودليلاً، ثم لخصها في محاضرة آيات الأسماء والصفات في أول محاضرات الجامعة ثم بسطها ووضحها إيضاحاً شافياً في أخريات حياته في كتابي آداب البحث والمناظرة دليلاً واستدلالاً وعرضاً وإقناعاً. ومن آثار بيانه لها وأسلوبه فيها ما قاله فضيلة الشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم آل الشيخ ﵀ لما سمع بيان الشيخ لعقيدة السلف في مسجد الشيخ محمد ﵀ قال: "جزى الله عنا الشيخ محمد الأمين خيراً على بيانه هذا فالجاهل عرف العقيدة والعالم عرف الطريقة والأسلوب". وهذه الحقيقة تضع بين يدي طالب العلم منهج الاستزادة في التحصيل وطموحه فيه كما قال ﷺ : "منهومان لا يشبعان أبداً طالب العلم وطالب المال". هذا جانب استفادته أما جانب إفادته فهو ما سنتحدث عنه إن شاء الله. أولاً في المسجد النبوي: يعتبر التدريس في المسجد النبوي من أهم التدريس في كبريات جامعات العالم في نشر العلم، وهو الجامعة الأولى للتشريع الإسلامي منذ عهد النبوة وحين كان جبريل ﵇ يأتي لتعليم الإسلام في مجالس الرسول ﷺ ، ومنذ كانت مجالس الخلفاء الراشدين وعلماء الصحابة ﵃ أجمعين، إذ كانت المدينة العاصمة العلمية، وظلت محافظة على مركزها العلمي ولم تخل في زمن من الأزمان من عالم يقوم بحق الله فيها. وقبل مجيء الشيخ ﵀ كان قبله الشيخ الطيب ﵀ نفع الله به كثيراً وتوفي سنة ١٣٦٣هـ فكان جلوس الشيخ ﵀ للتدريس في المسجد النبوي امتداداً لما كان قبله مع من كان من العلماء بالمسجد النبوي آنذاك من تلاميذ الشيخ الطيب وغيرهم، وكان درس الشيخ في التفسير ختم القرآن مرتين.

стр. 3708

منهجه في درسه: من المعلوم أن التفسير لا ينحصر في موضوع فهو شامل عام بشمول القرآن وعمومه، فكان المنهج أولاً بيان المفردات ثم الإعراب والتصريف ثم البلاغة مع إيراد الشواهد على ما يورد. ثم يأتي إلى الأحكام إن كان موضوع الآية فقهاً فيستقصي باستنتاج الحكم وبيان الأقوال والترجيح لما يظهر له، ويدعم ذلك بالأصول وبيان القرآن وعلوم القرآن من عام وخاص ومطلق ومقيد وناسخ ومنسوخ وأسباب نزول وغير ذلك. وإذا كانت الآية في قصص أظهر العبر من القصة وبين تاريخها وقد يربط الحاضر بالماضي كربط تكشف النساء اليوم بفتنة إبليس لحواء في الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما، وفتنته للجاهلية حين طافوا بالبيت عرايا رجالاً ونساء وهاهو يستدرجهن في التكشف شيئاً فشيئاً، بدأ بكشف الوجه ثم الرأس ثم الذراعين ... الخ. فكان أسلوباً علمياً وتربوياً في آن واحد، كما كان أحكاماً وحكماً. وكان درسه أشبه بحديثة غناء احتوت أشهى الثمار وأجمل الأزهار في تنسيق الغرس وجمال الجداول تشرح الصدر وتشفي القلب وتروق للعين، فيستفيد منه جميع الناس ويأخذ كل واحد ما طاب له وما وسعه. وقد يستطرد للقاعدة بمبحث كامل كما استطرد في الرد على ابن حزم في رده القياس بإتيانه بأنواعه عند قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ وقد طبع في نهاية مذكرة الأصول تعميماً للفائدة وبهذا الشمول والاستقصاء لم يكن يترك مجالاً لسؤال ولم يبق لذي حاجة تساؤل. وأذكر كلمة لقاضي قرية (قرو) في موريتاني بعد أن سئل ﵀ عن مهام من المسائل العلمية وأجاب إجابة مستفيضة مفصلة كافية قال قاضي قرو لم يبق لأحد هنا كلام فقد ظهر الحق. ولا سؤال فقد زال اللبس وإن الحضور بين أحد رجلين عالم فقد عرف الحق فلم يبق له سؤال وجاهل فلا يحق له أن يسأل. فكان نفعه ﵀ في المسجد النبوي للمقيم والقادم للقاصي والداني نفعاً عظيماً.

стр. 3709

ثانياً: في سنة ١٣٧١هـ افتتحت الإدارة العامة بالرياض على معهد علمي تلاه عدة معاهد وكليتا الشريعة واللغة. واختير للتدريس في المعهد والكليتين نخبة من العلماء من داخل وخارج المملكة. وكان ﵀ ممن اختير لذلك فتولى تدريس التفسير والأصول إلى سنة ١٣٨١هـ حين افتتحت الجامعة الإسلامية بالمدينة. آثاره في الرياض: كانت مدة اختياره للتدريس بالرياض عشر سنوات دراسية يعود لقضاء العطلة بالمدينة وما كان عمله في التدريس بالمعهد والكلية كغيره من المدرسين. ولكن لبيان أثره حقيقة نورد نبذه عن الحالة العلمية آنذاك بالرياض. كانت الرياض عاصمة نجد علمياً وسياسياً وكان يفد إليها طلاب العلم من أنحاء نجد لأخذ العلم عن آل الشيخ. وكان مركز الدراسة والتدريس في المساجد إلا خواص الطلاب لدى سماحة المفتي فيدرسون عليه بعض الدروس في بيته ضحى، وكانت الدراسة عمادها التوحيد والفقه والتفسير وكذلك الحديث والسيرة والنحو وكانت دراسة مباركة تخرج عليها جميع علماء نجد حتى جاءت تلك الحركة العلمية الجديدة أو تنظيم الدراسة الجديد في عام ١٣٧١هـ.

стр. 3710

نشأة هذه الحركة: كانت نشأتها كما سمعت منه ﵀ استجابة لرغبة المرحوم جلالة الملك عبد العزيز ﵀. قال لجماعة العلماء وهم في مجلسه الخاص: لقد كانت الرياض ملية بالعلماء عامرة بالدروس. وانتقل الكثير منهم إلى رحمة الله ولم يخلفهم من يماثلهم وأردت تعاونكم مع سماحة المفتي في تربية جيل من طلبة العلم على العلوم الصحيحة والعقيدة السليمة فنحن وأنتم مشتركون في المسئولية فكانت هذه النهضة ترعاها عناية ملكية وتقوم عليها كفاءة علمية تولي إدارة المعهد الشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم ورئاسته لسماحة المفتي وافتتحت الدراسة على طلاب حلق المساجد الأكفاء وفيهم خواص طلاب فضيلة الشيخ محمد ﵀ وأبناؤه. صنفت الدراسة على ثلاث سنوات ثانوية ومنها إلى الكلية يغذي هذا القسم تمهيدي يأخذ من رابعة ابتدائي ويدرس خامسة وسادسة ومن ثم للمعهد الثانوي فالكليتين.

стр. 3711

المنهج العلمي: وضع المنهج العلمي لتلك الدراسة على أساس في العلوم الدينية والعربية وتكميل من المواد الاجتماعية وعلوم الآلة من مصطلح وأصول حتى الحساب والتقويم والخط والإملاء والتجويد. فكان قوياً في موضوعه شاملاً في منهجه. وكان الطلاب من الصفوة الذين درسوا في المساجد المتعطشين للعلوم متطلعين للتوسع وكان القائمون على التدريس نخبة ممتازة من الأجلة الفضلاء من وطنيين وأزهريين. فكان الجو حقاً جداً علمياً التقت فيه همة عالية من طلاب جيدين مع عزيمة ماضية من مشايخ مجتهدين. كان يسودهم الشعور بأن هذه طليعة نهضة علمية واسعة، كان ﵀ كوالد للجميع وكان درسه التفسير والأصول. فكان في التفسير المجال الواسع لجميع المواد والعلوم. وكان مع التزامه بالمنهج والحصص إذا تناول بحثاً في أي مادة يخاله السامع مختصاً فيها فعرف له الجميع قدره وتطلع الجميع إلى ما عنده حتى المدرسون: وقد رغب المدرسون آنذاك في قراءة بعض كتب شيخ الإسلام ابن تيمية واستيعاب دقائقه فلم يكن أولى بذلك من فضيلته ﵀. خصص لذلك مجلس خاص في صحن المعهد بدخنه بين المغرب والعشاء. في مسجد الشيخ: وفي مسجد الشيخ محمد ﵀ بدأ درس الأصول لكبار الطلبة في قواعد الأصول حضره العامة والخاصة وكان يتوافد إليه من أطراف الرياض، وكان الشيخ عبد الرحمن الإفريقي ﵀ يدرس الحديث وكان درس الأصول بمثابة فتح جديد في هذا الفن. في بيته ﵀: ولما كان الدرس في الأصول في المسجد عاماً وفي الطلبة من خواصهم رغبوا في درس خاص في بيته ﵀ فكان لهم درس خاص بعد العصر. وكان بيته ﵀ كمدرسة سواء لأبنائه الذين رافقوه للدراسة عليه وقد أملى شرحاً على مراقي السعود في بيته على أخينا أحمد الأحمد الشنقيطي.

стр. 3712

لقد كان لتدريسه هذا سواء رسمياً في المعهد والكليتين أو في المسجد أو في المنزل كان له أثر طيب ونتائج حسنة لا يسع متحدث التحدث عنها بقدر ما تحدثت هي عن نفسها في أعمال كافة المتخرجين من تلك المعاهد والكليتين المنتشرين في أنحاء المملكة المبرزين في أعمالهم وفي أعلى مناصب في كافة الوزارات. ولا يُغالي من يقول إن كل من تخرج أو يتخرج فهو إما تلميذ له أو لتلاميذه فهم بمثابة أبنائه وأحفاده كفى. تقدير المسؤولين له: لقد كان بعلمه ونصحه وجهده وعفته موضع تقدير من جميع المسئولين وبالأخص أصحاب الفضيلة آل الشيخ وصاحب الجلالة الملك عبد العزيز وصاحب السمو الملكي الأمير عبد الله بن بعد الرحمن وكان من أشد الناس تقديراً له. وقد منحه جلالة الملك ﵀ أمراً بالجنسية لجميع من ينتمي إليه وفي كفالته ثقة به وإكراماً له. ولما زار الملك محمد الخامس ملك المغرب الرياض استأذن في صحبة الشيخ إلى المدينة فرافقه تقديراً وإكراماً وألقى محاضرته بالمسجد النبوي بحضور الملك محمد الخامس بعنوان: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً﴾ وقد طبعت مرتين. وهكذا قدم الرياض ﵀ في ترحيب وإكرام وانتقل منها في إعزاز وإكبار بعد أن ترك فيها أطيب الآثار. وساهم في أكبر نهضة علمية في البلاد. دوره ﵀ في الجامعة الإسلامية: إن من يعرف نشأة الجامعة الإسلامية وقد عرف الحركة العلمية الحديثة بالرياض ليقول أن افتتاح الجامعة الإسلامية امتداداً للحركة العلمية الحديثة بالرياض. والمتتبع للحركات العلمية في العالم الإسلامي ليقول إن افتتاح الجامعة الإسلامية في ذلك التاريخ عناية من الله وتداركاً للتعليم الإسلامي حينما أصيبت بعض دور العلم الكبرى بهزات في برامجها.

стр. 3713

فكان إيجادها امتداداً للحركة العلمية الحديثة بالرياض ومجيئها آنذاك تداركاً لبعض ما فات ولعلها جزء من تحقيق الحديث: "إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها". ومعلوم أن الإيمان عقيدة وعمل والعلم قبله. ومن هنا نجدد أو نتذكر أهمية الجامعة الإسلامية ومدى وجودها بالمدينة المنورة وبالتالي مجيء أبناء العالم الإسلامية إليها للدراسة وللتربية في هذا الجو الروحي لتبرز لنا قيمة العمل في الجامعة وأن رسالتها تربوية بجانب أنها علمية وأنها منعت الانتساب دون الحضور لهذا الغرض نفسه. وقد كان لوالدنا ﵀ في هذه المجالات اليد الطولى والمجهود الأكبر فلم يدخر وسعاً في تعليم ولم يتوانى في توجيه سواء في دروسه أو أحاديثه أو محاضراته وسواء مع الطلاب أو المدرسين فكان كالأب الرحيم والداعية الناصح الأمين. تحمل عنه تلاميذه إلى أنحاء العالم الإسلامي حينما وصلت منح الدراسة بالجامعة الإسلامية لبلدان العالم الإسلامي فهل يمكن أن نقول ولو ادعاء أو تجوزاً إنه كان بحق في منزلة شيخ الإسلام في هذا الوقت. ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. وقد كان بجانب التعليم عضو مجلس الجامعة ساهم في سيرها ومناهجها كما ساهم في إنتاجها وتعليمها. وفي سنة ٨٦هـ افتتح معهد القضاء العالي بالرياض برآسة فضيلة الشيخ عبد الرزاق عفيفي وكانت الدراسة فيه ابتداء على نظام استقدام الأساتذة الزائرين فكان ﵀ ممن يذهب لإلقاء المحاضرات المطلوبة في التفسير والأصول.

стр. 3714

امتداد نشاطه خارج المملكة: إذا كانت الجامعة الإسلامية قد فتحت للبلاد نوافذ تطل منها على العالم الإسلامي كله وجعلت لها أبناء في شتى أقطارها فإن من حق أولئك الأبناء ما يجب من رعايتهم وحق تلك الأقطار ما يلزم من تقوية أواصر الروابط. فكانت فكرة إرسال بعثات إلى الأقطار الإسلامية وخاصة إفريقيا فكان ﵀ على رأس بعثة الجامعة إلى عشر دول إفريقية بدأت بالسودان وانتهت بموريتانيا موطن الشيخ ﵀. كان لهذه البعثة في تلك البلاد أعظم الأثر وأذكر في مجلس من أفاضل البلاد بموريتانيا وفي حفل تكريم للبعثة وكل إلى فضيلته ﵀ كلمة الجواب فكان منها إن الذكريات لتتحدث وإنها لساعة عجيبة أدارت عجلة الزمان حيث نشأ الشيخ في بلادكم ثم هاجر إلى الحجاز ثم ها هو يعود إليكم على رأس وفد ورئاسة بعثة فقد نبتت غرسة علمه هنا عندكم فذهب إلى الحجاز فنمت وترعرعت فامتدت أغصانها حتى شملت بوارف ظلها بلاد الإسلام شرقاً وغرباً وها نحن في موطنه نجني ثمار غرسها ونستظل بوارف ظلها. فكانت تلك الرحلة حقاً حلقة اتصال وتجديد عهد وإحياء معالم للإسلام. وكان له ﵀ العديد من المحاضرات والمحادثات سجلت كلها في أشرطة لا تزال محفوظة آمل أن أوفق لنقلها وطبعها إتماماً للفائدة إن شاء الله. ونضم إليها منهجه وسلوكه مع الحكام وصغار الطلاب والعوام مما يرسم الطريق الصحيح للدعوة إلى الله على بصيرة وبالحكمة والموعظة الحسنة. في هيئة كبار العلماء: وكما شكلت هيئت كبار العلماء بعد سماحة المفتي ﵀ وهي أكبر هيئة علمية في البلاد كان ﵀ أحد أعضائها. وقد ترأس إحدى دوراتها فكانت له السياسة الرشيدة والنتائج الحميدة. سمعت فضيلة الشيخ عبد العزيز بن صالح حفظه الله وهو عضو فيها يقول: ما رأيت قبله أحسن إدارة منه مع بُعد نظر في الأمور وحسن تدبر للعواقب.

стр. 3715

في الرابطة: وفي رابطة العالم الإسلامي كان عضو المجلس التأسيسي لم تقل خدماته فيه عن خدماته في غيرها. أذكر له موقفاً حدثني به جنب الرابطة مأزقاً كاد أن يدخل عليها شقاقاً أو انثلاما. حينما قدم مندوب إيران وقدم طلباً باعتراف الرابطة بالمذهب الجعفري ومعه وثيقة من بعض الجهات العلمية الإسلامية ذات الوزن الكبير تؤيده على دعواه وتجيبه إلى طلبه. فإن قبلوا طلبه دخلوا مأزقاً وإن رفضوه واجهوا حرجاً. فاقترحوا أن يولى الأمر فضيلته ﵀ في جلسة خاصة. فأجاب في المجلس قائلاً: لقد اجتمعنا للعمل على جمع شمل المسلمين والتأليف بينهم وترابطهم أمام خطر عدوهم ونحن الآن مجتمعون مع الشيعة في أصول هي: الإسلام دين الجميع والرسول ﷺ رسول الجميع. والقرآن كتاب الله والكعبة قبلة الجميع والصلوات الخمس وصوم رمضان وحج بيت الله الحرام ومجتمعون على تحريم المحرمات من قتل وشرب وزنا وسرقة ونحو ذلك. وهذا القدر كاف للاجتماع والترابط. وهناك أمور نعلم جميعاً أننا نختلف فيها وليس هذا مثار بحثها فإن رغب العضو الإيراني بحثها واتباع الحق فيها فليختر من علمائهم جماعة ونختار لهم جماعة ويبحثون ما اختلفنا فيه ويعلن الحق ويُلتزم به. أو يسحب طلبه الآن. فأقر الجميع قوله وسحب العضو طلبه. وهكذا كان ﵀ حكيماً في تعليمه حكيماً في دعوته حكيماً في بحثه وإقناعه. وقد ظهر ذلك كل الوضوح في مؤلفاته. مؤلفاته ﵀: لا شك أن كل مؤلف يحكي شخصية مؤلفه في علمه وفي عقله بل وفي اتجاهه كما قالوا: من ألف فقد استهدف أي لأنه يعرض ما عنده على أنظار الناس. وللشيخ تآليف عديدة منها في بلاده ومنها هنا. فما كان في بلاده هو: ١ في أنساب العرب نظما ألفه قبل البلوغ يقول في أوله: سميته بخالص الجمان في ذكر أنساب بني عدنان
следующие страницы →