← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 3746–3785 · переход к 3751.

стр. 3746

رَسَائِل لمْ يَحْمِلهَا البَريْد بقلم الشيخ عبد الرؤوف اللبدي المدرس في كلية الشريعة في الجامعة إنني أنا جارتك (القهوة) ، هذه التي لا يفصلها عنك سوى هذا الشارع الصاخب الواسع، وغير هذه العمارات القليلة الأنيقة الذاهبة في السماء، فأنت على مرأى مني ومسمع، أرى المصلين على أبوابك غدواً ورواحاً، وذهاباً وإياباً، وأسمع نداءاتك الخمسة في كل يوم تجوب الأرض والسماء، داعية عباد الله إلى عبادة الله. ولكن ما هذا النحيب الذي أسمعه منك في جوف الليل والناس نيام؟! أرجو ألا يسبق إلى ظنك أني أسترق السمع إليك تحت جنح الظلام، أو أني أتلمس أخبارك من خلف الأبواب المغلقة، معاذ الله أن أكون قد فعلت ذلك أو حاولت أن أفعله، فنحييك هذا لم يعد سراً يخفيه الليل، أو خبيئاً تواريه الحجب، لقد تعالى كنداء الصريخ، وتوالى كأنين الثكلى، وأمسى حديث سمر تتجاذب أطرافه هذه العمارات المتجاورة من حولك، حين تخلو شوارعها من السيارات والسائرين، وحين يرقد ساكنوها في فراشهم آمنين حالمين. ولقد سمعتهم ليلة أمس يتحدثن عنك وعمّا أصابك، وما أكثر ما يتحدثن هذه الليالي! وما أكثر ما تكون أنت موضوع الحديث! قالت أقرب العمارات إليك، تلك العمارة الضخمة البيضاء: ألا ترين إلى هذا المسجد، كيف أقفر من المصلين، ولم يعد له في القلوب ذلك الحب المكين؟! فأجابتها العمارة المصاقبة الخضراء: إني لأشعر ما تشعرين، ولقد آلمني والله - بكاؤه، وعز عليّ ما يلقاه من إعراض وصد.

стр. 3747

فقالت عمارة ثالثة حمراء، حديثة البناء، جميلة الهندسة، قالت في شيء من الصلف والعجب: ومن هذا الذي تتحدثان عنه في حسرة، وترثيان لحاله في ألم؟! أو لا يكون في هذا النسيم الرخيّ البليل، وفي جمال هذا القمر الوضيء الجميل، وفي سماء هذه الليلة الصافية الإضحيانة، وفي مواكب هذه النجوم الباسمة الفتانة، أولا يكون في هذا كله ما يشغل عن البكاء والألم، ويدعو إلى الفرح والمرح والابتسام؟! فأخذت العمارتان القديمتان تتبادلان نظرات الدهش، وتنظران إلى العمارة الجديدة الحمراء في استغراب، إلى أن قالت عمارة رابعة أقيم أنا في طابقها الأول: مه مه، أيتها العمارة الجميلة الحمراء! إنهما تتحدثان عن مسجد قائم في هذا الحي من قبل أن تكوني أنت فيه قائمة، ومن قبل أن يقيم فيه أهلوك وسكانك. قالت العمارة الحمراء: أو تعنين ذلك البناء القديم ذا القباب العظيمة، والمئذنة العالية؟ قالت العمارة التي أقيم فيها: نعم! إنه هو المسجد الحي الذي يدعو الناس إلى الصلاة كلما حان وقت الصلاة، لينيبوا إلى ربهم ويذكروه بعد ساعات انغماس في شؤون هذه الدنيا، وربما كنت أنت عنه في شغل، فليلك موسيقى وطرب، ونهارك كسب وتجارة، أما جارتاك هاتان فلهما مع هذا المسجد صلات وثيقة، ومودات قديمة عميقة، فلا عجب أن تحزنا لحاله، وأن ترثيا لمآله.

стр. 3748

قالت العمارة الحمراء: الحق - يا جارتا - أني لا أعرف عن هذا المسجد الذي تقولين إلا هذه الصورة التي تراها عيناي، وهذا النداء الذي تسمعه أذناي، ولا أرى أحداً من سكاني ينقل الخطا إليه، أو يثني عليه. بل سمعت إحدى الساكنات تقول لجارات لها إننا سنرحل عمّا قريب إلى عمارة أخرى، فهذا المسجد يفسد علينا نومنا في الأسحار، ومن بعد الظهيرة، ويشعرنا دائماً أننا في هذا الحي غرباء، فقالت الجارات الساكنات: إننا لنقاسي ما تقاسين، ولقد عزمنا على الرحيل من قبل مرات عديدة، ولكن جوار هذه (القهوة) وما توفره من لهو ومتع لأزواجنا وأبنائنا كان عزاء وسلوى. وإني لأخشى أيتها الجارة أن يرحل عني سكاني، وتخلو شققي من الناس وفي ذلك قضاء على مستقبلي، وبلاء عظيم.. آه أيتها الجارة! إني لأغبطك على هذه (القهوة) الجميلة التي تقيم في طابقك الأول، فهي ضمان لمستقبلك، وعون لك على النوائب. قالت عمارتي: يا لكِ من جارة صغيرة غريرة! أنتِ لا تفكرين إلا في المستقبل وضمانات المستقبل، وما المستقبل - فيما يخيل إليّ - إلا كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء، حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً. قالت الحمراء: وأي شيء غير المستقبل جدير بالاهتمام والتفكير، أيتها الجارة العزيزة؟! قالت عمارتي: كان ينبغي أن يكون لكِ في جوار هذا المسجد عظة بالغة، وأن يكون لك في جارتيْ هذا المسجد قدوة صالحة. قالت العمارة الحمراء: ما أرى المسجد إلا شيئاً قد أتى إلى هذه الدنيا، فكان له شباب وسلطان، وكان عليه إقبال وفيه رغبة، ثم أصباه شيخوخة، ضعف، وها هو ذا يسير على طريق الفناء، شأنه شأن غيره من الأشياء أو هذه هي العظة التي تريدينها؟! أما هاتان العمارتان فقد عاشتا حياة غير هذه الحياة، وليس لديهما إلا ذكريات قديمة تجترانها بكرة وعشيا، فكيف تكونان لي قدوة صالحة، وكيف أجد على آثارهما الهدى؟!

стр. 3749

قالت عمارتي: يا جويرتي الصغيرة؟! في هذه الحياة أفكار وحقائق لا يصيبها هرم وإن تقدم بها العمر، وفي هذه الدنيا أعمال وشعائر لا يلحق بها شيخوخة وإن طال عليها الدهر، وما كان القدم ليزري بكل شيء ويدسه في التراب، وما كانت الجدة لتزين كل شيء وتعلى له المنازل. قالت العمارة الحمراء: معذرة أيتها الجارة العزيزة، أنا عمارة فتاة، لا أزال في دنيا الأطفال، لا أفهم إلا الواقع، ولا أدرك إلا الحس، فقولي قولاً سهلاً هيناً، لعلي أجد فيما تقولين هدى. قالت عمارتي: هذا هو المسجد على مقربة منا، عليك أن تزوريه، وهناك يتفتح لكِ ما استغلق، ويتضح لكِ ما استبهم، وهناك تعرفين أموراً كثيرة ما ينبغي لك أن تجهليها، وأحر بذات اللب أن تشم الأزهار في حدائقها فذاك أروح للنفس وأصفى، وأن تشرب الماء من منابعه، فذلك أروى للغليل وأشفى. ثم هاتان جارتان ذواتا تقوى وصلاح، خير لك أن تصحبيهما، وأن تستمعي إلى أحاديثهما، وسوف تجدين في هذه الصحبة وذاك الاستماع راحة نفس، واطمئنان قلب، وشفاء من هذا القلق الذي تكابدين. قالت الحمراء: أختي العزيزة! إنني عمارة حديثة النشأة، قد خططني مهندسون أجانب، وأشرف على بنائي (مقاولون) غرباء، وها أنت ذي ترين ما أتمتع به من نوافذ واسعات تستقبل الهواء والشمس، وشرفات شامخات تطل على كل طريق، وذؤابات تتلفع بالسحب وتسمع همس النجوم، وقواعد في الأرض مسلحة صلبة كأنما قد أعدت لتقوم عليها الجبال، ولا تسألي عن حالي في الداخل، فلن أستطيع أن أصف، ولن تستطيعي أن تتصوري، لقد أفرغ فن العمارة الحديث فيّ كل ما يستطيعه من جمال وإتقان وزخرفة ألوان وأسباب متعة وراحة. أفبعد هذا كله، ومع هذا كله، تنصحين لي أن أزور مسجداً قد هجره أهله، وضيّعه ذووه، وتشيرين عليّ أن أصحب عمارتين قديمتين قد شاختا، تعيشان في عصر العلم والحضارة عيش الغرباء؟!

стр. 3750

قالت عمارتي: يا حسرتا عليكِ - يا صغيرتي - فيما فرطت!! إنكِ لتقولين ما تلقنين، وتهرفين بما لا تعرفين، ها هو ذا المؤذن يدعو لصلاة الصبح، فهلمّ إلى المسجد ... جاري الكريم: هذا ما كان في تلك الليلة من حوار، أتراك قد سمعته فأنت منه في هذا النحيب، أم تراك تنتحب لأمر آخر ذي بال لم يخطر لي على بال. ومهما يكن من أمر، فأنا أود أن أتعجل شيئاً قبل أن أنساه أو أشغل عنه أود أن أدفع عن نفسي تهمة طالما رماني بها الناس، وأنزع ظنا ما إخالك إلا قد ظننته. يقولون إنني قد أفسدت عليك أصحابك، وأفسدت على البيوت أربابها، ومزقت ما بين الأسر من روابط. ويل لهم مما قالوا!! وويل لهم مما يدعون!! ما كنت يوماً مفسدة ولا داعية إفساد، أنّى لي هذا، والناس يأتون إليّ خيرة، ويلجون عليّ الأبواب من غير ما دعوة.

стр. 3751

ما طلبت إليهم يوماً أن يصموا آذانهم والمؤذن يدعوهم إلى الصلاة، ولا سألتهم ذات ليلة أن يفروا من بيوتهم تاركين زوجاتهم وذريتهم للوحشة والقلق والضياع والعبث ... بل كثيراً ما مرّت بي ساعات غضب هممت فيها أن أقذف بالمقاعد ومن هم عليها قعود إلى عرض الشارع، ولا أزال أذكر حتى اليوم ساعة جلس أربعة على شرفة من شرفاتي يطاردون بأبصارهم كل عابر للشارع وعابرة، وفجأة سمعتهم يهتفون بزميل لهم جاء من بعيد، قال له قائل منهم: ما شرّفت (القهوة) هذا الصباح كما اعتدت في أيام العطل! فرد عليه زميل ثانٍ: أنسيت أن صاحبنا قد (تمشيخ) وأن هذا اليوم هو يوم الجمعة؟!، وإذا بثالثهم يواصل التهكم ويقول: وطبعاً أمضى هذا الصباح يغتسل، ويتطيب، ويرتدي (بدلته) النظيفة المكوية، ويبكر إلى المسجد، ليقرأ القرآن، ويسمع الخطبة، ويشهد الصلاة، و. . . .، ولكن زميلهم هذا (المتمشيخ) لم ينتظر أكثر من هذا، فألقى عليهم نظرات زارية، وتولى عنهم دون أن ينبس ببنت شفة، وانتبذ منهم مكاناً قصياً، وأخذ يمتع نظره بما في الشارع من حياة وحركة، أو يردد بصره في صفحات كتاب كان يحمله، ولما أن سمع المؤذن يدعو لصلاة المغرب أجاب حثيث الخطا. أما زملاؤه الذين كانوا منه يسخرون، فقد هاجت فيهم ذكريات قديمة: قال الأول: أما أنا فقد عرفت الصلاة في البيت، وعرفتها في المسجد، وعرفتها في المدرسة إلى أن صرت طالباً في المرحلة الثانوية، وحينئذ بدأت ألاحظ أن مدرسينا لا يصلون إلا قليلاً، وأن مدرسي الدين يدرسون الدين بسبب من الوظيفة والتخصص، لا بسبب من الإخلاص للعقيدة، فأخذ الحرص عليها يتلاشى شيئاً فشيئاً حتى لم يبق منه شيء.

стр. 3752

فقال الثاني: أما أنا فقد عرفتها صغيراً، وبقيت أحافظ عليها كبيراً، فقد كان أبي وأمي حريصين عليها، وكانا يؤنبانني كلما رأيا مني غفلة، وكان أن توظفت وانتقلت إلى بلد آخر بعيداً عنهما، ولم يكن في ذلك البلد إلا المسجد واحد وإمام واحد، وكان الإمام أيام الجمعة يلتزم خطباً معينة لا يحيد عنها ولا ينحرف، يكررها عاماً بعد عام، ويسمعها المصلون صابرين سنة بعد سنة، وإني حتى هذا اليوم لا أزال أذكر كثيراً من موضوعات تلك الخطب، وأحفظ كثيراً من الأحاديث النبوية التي كانت تختتم بها. وقد تبدلت الدنيا غير الدنيا، وتبدل الناس غير الناس، وأصبحت المفاسد يموج بعضها في بعض، ومع هذا كله يخيل إليك أن جماعة من خطباء المساجد لا يعيشون فوق هذه الأرض، ولا يسمعون أخبار هذه الدنيا. فقال زميله الأول: الحق - يا أخي - أن خطبة الجمعة قد أصبحت عند بعض الخطباء عملاً (وظيفياً) كأعمالنا - معاشر الموظفين - ونحن - كما ترى - نقوم بما تيسر من أعمال، ثم نقبض المرتب على كل حال. فاندفع ثالثهم يقول: الثقافة السطحية المحدودة، والضعف الأدبي في التعبير هما سبب ما نراه عند بعضهم من التزام خطب معينة يأخذونها من الكتب يكررونها حيناً بعد حين، وعاماً بعد عام، هم يرون ما في حياتنا من مفاسد، ويسمعون ما فيها من خداع وغش، ولكنهم لا يملكون أكثر من الحوقلة والترجيع، فعاد الثاني يواصل كلامه ويقول: ومهما تكن الأسباب، فقد كرهت خطبة الجمعة من ذاك الإمام، وكرهت الصلاة خلفه، ثم اشتد بي الكسل، فقعد بي عن سائر الصلوات، على أنني لا أزال أشعر بالخزي والعار، كلما رأيت المصلين يقبلون على المسجد وأنا أوليه الأدبار. أما ثالثهم فقد تشاغل عن زملائه، وأخذ يمد عينيه إلى الشارع، وتلهى بما فيه، حين أحس أن دوره في الكلام قد جاء، ولكن زملاءه جاذبوه أطراف ملابسه وقالوا إلى أين؟ تعال هنا، وهات ما عندك.

стр. 3753

قال: ولكن علاتي تافهة صغيرة، تضحكون بها مني وتسخرون. قالوا: دعنا نضحك اليوم منك ونسخر. قال: ولكني أعتذر إليكم هذا اليوم. قالوا: لا عذر لك. فأنشأ يقول - وقد رأى أن لا مفر - أما أنا فشاب أحب الملابس وأهيم بها، وأبذل في سبيلها كل جهد ومال، أختار (بدلاتي) من أجود الأصواف الإنكليزية وأجملها، ثم أحرص على نظافتها كل الحرص، وأحافظ على أن تظل مكوية قائمة مصقولة كل الحفاظ. وكان من سوء حظي أن يقع المسجد الذي أصلي فيه في وسط السوق، فكان يأتيه كثير من المصلين في ثياب العمل، وهي ثياب فيها كثير من أنواع الأذى، وزاد سوء حظي أن نام خدام المسجد عن نظافته والعناية به، فتركوا الغبار والتراب وغير ذلك يتراكم، ويعلو بعضه فوق بعض، وفي هذا أذى أيّ أذى للمصلين والمسجد. فكان من ذلك أن صرت أصلي في البيت، والصلاة في البيوت تدعو إلى الكسل في الأداء، وإلى ضم الصلوات بعضها إلى بعض في قضاء، ثم إلى النسيان والترك في النهاية. أما رابعهم فجعل يقول من قبل أن يسأل: أما أنا فقد كان والدي حريصاً على أن (يضمن) لي بعد التخرج عملاً مريحاً مربحاً، وكان حريصاً على أن تكون أبواب العمل أمامي واسعة مفتحة، فزين له بعضهم أن أتعلم في مدرسة أجنبية ففيها يتقن الطالب مختلف اللغات، وينال شهادة مفضلة لدى كثير من الشركات والوكالات والمؤسسات، فكان أن تخرجت فيها لا أحسن قراءة القرآن في المصحف، ولا أعرف كيف تؤدى الصلاة. . . جاري الكريم: كان المصلون ينتشرون في الشوارع بعد صلاة المغرب حين انتهى هؤلاء الأربعة من ذاك الحديث، وكان أن ضاق بهم صدري، وأصبحت في حيرة من أمري، وإذا أنا. . . بأحد الدعاة إلى الله يدخل الباب، ويمد عينيه إلى كل ناحية، فتقعان على أولئك الأربعة، وعلى ما هم فيه، فتدركان أي رجال كانوا وسرعان ما يمم شطرهم لا يعوج على شيء، ثم سلم وجلس.

стр. 3754

كان ذا وجه مشرف، وابتسامة مضيئة، وهندام حسن، لا تملك العين حين تراه إلا أن تهابه وتحبه، فما كان من هؤلاء الأربعة إلا أن فسحوا له في المجلس، وردوا تحيته بأدب. لم أدر ما دار بينهم من حديث، ولكني كنت أرى على بُعد وجوهاً مشرقة، وابتسامات متبادلة، ووددت لو أني سمعت ما قال وما قالوا لأكتبه إليك، ولكني - وَأسفا - شغلت باستقبال الوافدين هناك وهناك. كان هذا الداعية من حين إلى حين يختلس النظر إلى من حوله من الناس، ولما أن رأى فيهم كثرة وقف بقامته الفارعة وسمته الحسن، وشرع يخطب الحاضرين بلسان مبين ولهجة فصيحة. لا أستطيع - أيها الجار الكريم - أن أكتب إليك كل ما قال، ولكنني سأكتب إليك ما تزال الذاكرة تذكره. كان مما قال، بعد أن حمد الله وأثنى عليه، وصلى الله على رسوله: أيها الإخوة الحاضرون: أنا لا أنكر أن للمقاهي مصالح اجتماعية كثيرة تقتضيها، ودواعي مدنية حديثة تطلبها، فهي قد تصلح لغريب لا يعرف أحداً ولا يعرفه أحد، وقد تصلح لسائر في الشارع، أصابه ظماً ولحق به جهد، وقد تصلح للرجلين أو الرجال يعرض لهم الأمر، أو للأصدقاء قد تباعدت دورهم أو تعذرت وهم يريدون أن يتدارسوا مسألة، أو لجماعة من العمال أو ذوي الأعمال أو التجار أو الموظفين يريدون أن يتحدثوا في شؤون أعمالهم، قد تصلح لهؤلاء وأمثال هؤلاء، ولكنها على كل حال ليست مواطن كسل وخمول وعبث ومجون، ليست مجالس همز ولمز للداخلين والخارجين وعابري الطريق، ليست مجالس لنهش الأعراض وكشف العورات وإذاعة السيئات، ليست لشيء من هذا كله، ولا ينبغي أن تكون له.

стр. 3755

ومن المحزن حقاً - أيها الإخوان - أن يجلس فيها بعض الأزواج إلى منتصف الليل هرباً من زوجاتهم، ومن مطالب بيوتهم، ومن مشكلات أولادهم، فالزواج قيادة ومسئولية، قبل أن يكون إمتاعاً وتسلية وألهية، والزوجة التي لا ترى زوجها في البيت يؤانس ويستمع ويسهم في حل المشكلات، سوف تضيق به في آخر الأمر، وتلبس له ثوب العداوة، وتحمل بيديها المعول تهدم به بيتها وبيته. والأولاد الذين لا يرون أباهم إلا على طعام الغذاء، أو على فراش المرض، أو ساعات استقبال الزائرين والأضياف هم أولاد مضيعون تائهون، لا يدرون أين يذهبون، ولا كيف يذهبون. أولادكم أيها الأخوة في حاجة ماسة إلى هذه الساعات الطويلة الثقيلة التي تضيعونها في المقاهي، في حاجة إلى أن يعرضوا لكم أمورهم، وأن يشكوا إليكم أحوالهم، وأن يجدوا أنفسهم مسئولين أمامكم.. هم في حاجة إلى عطف روحي، وحنان أبوي، في حاجة إلى دفء جناحي طائر يجثم على بيضه، إن حاجات النفس والروح والقلب أشد وأعظم من لقمة طعام دسمة توضع في الفم، أو حلة جميلة تلقى على الجسم، فالإنسان بخلقه وقلبه لا بمعدته ثوبه. إن أولاد الأغنياء منكم لا يربون بملء جيوبهم بالمال، وإن أولاد الفقراء منكم لا يربون بالوعود الكاذبة والتسويف والمطال. عليكم بالشجاعة والصبر وسعة الصدر، اجلسوا مع أولادكم طويلاً، واملئوا قلوبهم بحنانكم وعطفكم ووجودكم بينهم، وأشعروهم دائماً أنكم جميعاً أصابع في يد واحدة. إن أولئك الأزواج الذين يظنون الحياة الزوجية قطعة من الحلوى يأكلونها وهم متكئون على الأرائك - هم سكارى أو حالمون، فالحياة الزوجية جهاد وكبد، وعليكم أيها الأزواج أن تجاهدوا في هذه الحياة، وأن تكابدوا لخيري الدنيا والآخرة، واستعينوا بالله دائماً واشكروا على ما رزقكم قلّ أم كَثُر، وإياكم، إياكم أن تتركوا سفنكم يقودها الموج الأرعن فيقذفها حطاماً على الشاطئ.

стр. 3756

جاري المسجد الكريم: هذا ما أزال أذكره من تلك الخطبة، ولقد جلس قليلاً بعد أن انتهى منها، لعل سائلاً يريد أن يسأل عن حكم شرعي أو مشكلة شخصية، فجاء إليه بعض الحاضرين يستفتونه أو يستشيرونه، وكانوا يصدرون عنه وعلامات الرضا بادية على وجوههم، حتى إذا انتهى من الناس وانتهوا منه عطف إلى أولئك الأربعة، فودعهم باسماً وودعوه بلطف، وخرج من أبوابي وعيون الحاضرين كلها عالقة به، على أنه مما يسرني ويسرك أن أخبرك أنني لم أرَ أحداً من أولئك الأربعة بعد تلك الليلة قد سمع النداء ولم يجب. جارتك (القهوة) حلم سيتبدد قالوا: نجوت، وكانت تلك معجزةً فاهنأ بما نلت من برء وتجديدِ وكيف يعزب عنهم أنّه حُلُمٌ. - مهما يطل - صائرٌ يوماً لتبديدِ لئن تأخر بي يومي فإن غداً. أدنى لناظره من لفتة الجيد وما سلمتُ لأبقى، بل لتسلمني يد المنون ليومٍ غير مرودِ وما السعادة ساعات تطول ولـ كن السعادة تقوى الله ذي الجود وديعةُ الله هذي النفس في يدنا وليس إلاّ مزكّيها بمحسودِ فليحفظ الله ما أبقاه من أجلي في واسع من رضاه غير محدودِ ويا شقائي إن جافيت شرعته ورحت أخبط في ليل الأخاديدِ عن ديوان (همسات القلب)

стр. 3757

مِنَ المنهَل الصَّافي قل الله أعبد مخلصا له ديني للشيخ عبد الله المحمد الغنيمان المدرس في كلية الشريعة في الجامعة أحمد الله ربي وأساله العون والتوفيق وصلى الله وسلم على عبده ورسوله إمام الحنفاء وخاتم المرسلين وبعد: سأحاول أن أضع بين يدي القارئ كلمات يسيرة في أهم الواجبات وأصل الأصول توحيد الله ومعرفة مستمداً ذلك من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ . من المعلم المسلم به عند علماء الدين والاجتماع أن العبادة في الإنسان ركيزة فطرية. فلا بدله من معبود فإن لم يعبد الله المستحق للعبادة عبد عدوه الشيطان ولا بد، على اختلاف مظاهره أما في مظهر إنسان محبوب أو شيخ معظم أو رئيس أو قبر أو حجر وربما معدته وشهوته قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ حتى أولئك الملاحدة الذين يقولون أن الدين أفيون الشعوب هم في الحقيقة لا ينفكون عن العبادة إما عبادة بطونهم وفروجهم وشهواتهم أو عبادة رؤسائهم وسادتهم. الخلق كلهم عباد الله تعالى: العبد في اللغة يأتي بمعنى المبعد الذي عبده الله وذلله وصرفه ودبره كيف شاء وبهذا المعنى فالخلق كلهم عباد لله برهم وفاجرهم مؤمنهم وكافرهم إذ هو ربهم ومليكهم وقاهرهم لا يخرجون عن مشيئته وقدرته فما شاء كان وإن لم يشاؤوا وما شاؤوا لم يكن إن لم يرده فهو تعالى خالقهم ومدبرهم، محييهم ومميتهم لا رب لهم سواه ولا مالك لهم غيره سواء أقروا بهذا أم جحدوه علموه أو جهلوه. العبادة النافعة المأمور بها شرعاً:

стр. 3758

ويأتي العبد بمعنى العابد أي الذي يعبد الله لا يعبد غيره فيطيع أمره وأمر رسوله ويوالي أوليائه المؤمنين ويعادي أعداءه الكافرين والفاسقين والعبد بهذا المعنى هو الذي جاء به القرآن أما المعنى الأول فلم يأتِ إلا قليلاً، فالثاني كقوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً﴾ ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ﴾ ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ﴾ ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوب﴾ ﴿لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ ونحو ذلك كثير ولهذا قال كثير من المفسرين في الاستثناء في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ إنه منقطع كما قاله ابن كثير وغيره ومما ورد في القرآن في المعنى الأول قوله تعالى: ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَنَا﴾ والمعنى والله أعلم أن هؤلاء لما كان عندهم من القوة وشدة البأس والكبر والعظمة وصفهم تعالى بأنهم عباد له مذللون تحت قهره وتصريفه ليكون ذلك داعياً إلى الرجوع والإنابة إليه وأن الأشياء كلها بمشيئته وإرادته.

стр. 3759

وعبادة الله هي طاعته وامتثال ما أمر الخلق به واجتناب ما نهاهم عنه على ألسنة رسله وهي حق الله على عباده يرضاها لهم ويحب وقوعها منهم ولأجلها خلق الخلق كما قال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ وبها أرسل الرسل وأنزل الكتب وهي أول واجب على العبد وأفضل الحسنات وأعظم الصلاح والعدل وهي حق لله على الخلق واجب متعين قال تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ﴾ ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ .وعبادة الله هي توحيد بأمره ونهيه أي أفعال العباد التي تصدر منهم موافقة لشرع الله كالسجود والخوف والرجاء والذبح والنذر وطلب النفع الغيبي وطلب دفع الضر الغيبي أو الذي لا يدفعه إلا الله. كما أن التوحيد يشمل الإقرار بأن الله رب كل شيء ومليكه والمسيطر عليه المتصرف فيه كيف يشاء الخالق الرازق المحي المميت ما شاء كان ولو لم يشأ الخلق وما شاءوا لم يكن إن لم يشأ. لا راد لأمره ولا معقب لحكمه، والإقرار أيضاً بأن الله بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير، وأنه الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم، له المشيئة النافذة والحكمة البالغة، يحب ويرضى ويسخط ويغضب، ويفعل ما يريد، السميع البصير الرؤوف الرحيم على العرش استوى، والملك بيده له الأسماء الحسنى، والصفات العليا، وهذا قد كان غلب الناس مقرين به لظهوره ووضوحه، والشرك فيه قليل وإنما الذي وقعت فيه الخصومات والمجادلات بين الرسل وأممهم توحيد المعاملة مع الله تعالى وهو أن يجعل العمل الذي أمر به العبد لله وحده لا يشرك فيه معه أحد من الخلع فمبناه على إخلاص التأله لله من المحبة والخوف والرجاء والتوكل والرغبة والرهبة والإنابة

стр. 3760

والاستعانة والاستغاثة والدعاء والذبح والتوبة والرغبة في دفع المكروهات وغير ذلك ممن أنواع العبادة، فإخلاص هذا وما أشبهه من العبادات لله وحده هو معنى لا إله إلا الله فإن الإله هو الذي يألهه القلب بالحب والخوف والإجلال والتعظيم والخشية وهذا لا يصلح إلا لله، فيجب أن يكون خالصاً له وهذا هو الذي أرسلت له الرسل وبه نزلت الكتب من الله بل من أجله خلق الله الخلق والجنة والنار وبه صار الناس فريقين: أشقياء أعداء لله بعداء من رحمته وكرمه وهم الذين لم يقبلوه ولم يعملوا به، وسعداء أحباء لله مقربين لديه لهم النعيم الذي لا ينقطع قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ وقال هود ﵇ لقومه: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ وهكذا كل رسول يأمر قومه بأن يجعلوا العبادة لله وحده وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ أخبر تعالى أنه أرسل في كل طائفة من الناس رسولاً يدعوهم إلى توحيده بالعبادة ومجانبة الطاغوت والطاغوت هو كل معبود دون الله حاشا رسل الله وأولياءه الساخطين لذلك وكذا من نازع الله في أمره وتشريعه للعباد فجعل قانوناً يعمل به عوضاً عن قانون الله وشرعه فالفاعل لذلك من أكبر الطواغيت التي يجب الكفر بها والابتعاد عنها وذكر جل وعلا أن الناس بعد إرسال الرسول انقسموا إلى فريقين فريق منّ الله عليه بالهداية إلى التوحيد فقبله وعمل به وآخر أبى ذلك ورد دعوة الرسول فحقت عليه الضلالة ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا

стр. 3761

فَاعْبُدُونِ﴾ ومثل هذه الآيات في القرآن كثير بل جل القرآن في ذلك، إما أمر به أو نهي عن ضده أو ما ينقصه ويذهب كماله أو في جزاء أهله عاجلاً وآجلاً أو في ذكر ما فعل الله بمن أباه وامتنع من قبوله من العذاب المؤلم وما سيلقاه عند مرده إلى خالقه. حاجة الخلق إلى تحقيق التوحيد: ومع ذلك فحاجة الخلق إلى تحقيق هذا التوحيد فوق كل حاجة لأنهم لا يدركون الصلاح واللذة والفلاح والنعيم بدونه فمن أعرض عنه فله في الدنيا معيشة ضنكا ويحشره الله يوم القيامة أعمى وحقيقة العبد قلبه وروحه ولا يطمئن القلب وتسكن الروح إلا بالله بأن يكون وحده إلهه ومحبوبه دون ما سواه ولو حصل للعبد راحة وفرح وسكون ولذة بغير الله فإن ذلك لا يدوم بل سرعان ما ينقلب بؤساً وشقاء وحسرة. ولا بد من مرد الخلق إلى الله فهم فقراء إليه وفقرهم ملازم لهم لا ينفك عنهم وهو الغني بذاته عن كل ما سواه ومع ذلك فالإيمان بالله وعبادته ومحبته والإنابة إليه غذاء الإنسان وقوته الحقيقي وليست عبادة الله تكليفاً ومشقة لمجرد الامتحان والاختبار والتعويض بالأجرة كما يقوله من لم يذق طعم الإيمان من المعتزلة وغيرهم وإذا وقع في أوامر الله وشرعه ما هو على خلاف هوى النفوس مما يشق عليها فإن ذلك ليس هو المقصود بالأصالة وإنما وقع ضمناً وتبعاً وغلب أوامر الشرع قرة العيون وسرور القلب ولذات الأرواح وكمال النعيم مع إرادة وجه الله الإنابة إليه لأنه الإله الحق الذي تطمئن القلوب بذكره.

стр. 3762

والناس ليس عندهم للعبد نفع ولا ضر ولا هدى ولا ضلال ولا عز ولا ذل ولا خفض ولا رفع إلا بإذن الله بل الرب تعالى هو الذي خلق العبد ورزقه وبصره وهداه ووالى عليه نعمه تترى فإذا مسه الله بضر فلا يكشفه غيره وإذا تفضل عليه بنعمة لم يرفعها عنه أحد سواه وضر الخلق ونفعهم لا يكون إلا بإرادته وبعد إذنه وهذا لا ينافي فعل الأسباب فهو تعالى الذي جعل لكل شيء سبباً وشرع فعلها للعبد غير أنه لا يجوز له أن يغلق قلبه بغير فاطره وإلهه الحق ولا يعتمد ويتكل على السبب بل يفعل السبب ويتوكل على الله تعالى ويعتمد عليه فإن السبب من جملة المخلوقات التي الاعتماد عليها والتوكل عليها يوجب الضرر والخذلان قال تعلى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ وما علق العبد رجاءه ورغبته على غير الله إلا خاب وخذل وقد قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً﴾ .

стр. 3763

قصَصٌ لا تُنسى وعاد في صمت إلى مزرعة بقلم الشيخ محمد المجذوب المدرس في كلية الدعوة وأصول الدين في الجامعة لم يذق طعم النوم قط. إنه يتقلب على فراشه الضيق الخشن منذ أوى إليه عند منصف الليل.. وقد حاول بكل طاقته إخلاص فكره من ذلك التشويش القلق الذي يراوده، ولكن عبثاً.. لقد كانت محولاته وسيلة أخرى لإطلاق مقادير غير متوقعة من ذلك التشويش، فهو لا يتغلب على بعضها حتى يحتويه بعضها الآخر.. وراح يحدق عبر الظلام لعله يلمح شيئاً يصرفه عن أوهامه التي لم يستطع لها تحديداً ولا توضيحاً.. فيرتد بصره حسيراً، إذْ لا يرى سوى تلك الخيام المنتشرة في بطن هذه الصحراء الممتدة حول (معان) .. وقد سكن كل شيء فيها إلا أقدام الحراس تتحرك هنا وهناك، فتطلق ما يشبه الحديث المهموس.. وفجأة هب من فراشه، وكأنما هز قلبه خاطر.. ومدّ يديه يتلمس قربة الماء على عمود الخيمة، ثم أخذ يصب منها على يديه ووجهه، حتى إذا أسبغ وضوءه، عمد إلى غطائه فبسطه ثم أقبل يصلي فوقه.. وما إن أتم ركعتيه حتى أتبعهما بأُخْرَيَيْنِ.. ولم يشأ أن يزعج الراقدين من زملائه في الخيام المجاورة، فلم يجهر بقراءته، على الرغم مما وجده من شوق إلى ذلك، إذ أحس في تلك الركعات نشوة لا يذكر أنّه تذوّق مثلها من قبل.. ولعل ذلك عائد إلى بُعد عهده بصلاة الليل، بل بالصلاة كلها، التي كاد يقطع بها صلته، منذ ساقته الأقدار إلى الاندماج في تلك الجمعية، التي استولت عليه وعلى الكثرة من مواطنين الدمشقيين، الذين كانوا يتلقون علومهم العسكرية في عاصمة الخلافة..

стр. 3764

لقد نشأ فخري.. في وسط إسلامي محافظ، وبدأ دروسه الأولى على أيدي الفضلاء من مشايخ دمشق، الذين عليهم قرأ القرآن، وباشر مطالعة الحديث، وتلقى مبادئ الفقه، فلما التحق بالمدارس الرسمية لم يبتعد عن هذا الجو النقي، إذ كانت مناهجها ذات صلة وثيقة بتلك المعاني، واستمر في هذه السبيل حتى انتقل إلى استانبول.. وهناك فقط بدأ يتحلل من تلك الروابط الروحية، إذ وجه نفسه مأخوذاً بصحبة شباب ذوي ثقافة أخرى، يتلقونها في اجتماعاتهم الخاصة، على أيدي رجال عادوا من أوروبة حديثاً، مزودين بمفهومات عن الدولة والقومية والتطور لم يستطع مقاومة إغرائها، فإذا هو ينساق في تيارهم شيئاً فشيئاً، حتى لم يعد يحس بأي قلق إذا هو أخرّ وقت صلاته، أو أغفلها كلياً.. وساقته الذكريات المتفاعلة إلى أمسه البعيد.. إلى أيام استانبول تلك.. وما سبقها.. فإذا هو يستعيد، على غير توقع، بعض ما فقده من ذلك الروح الذي أشرق على قلبه لأول مرة في دمشق، التي يذوب حنيناً إلى لقائها.. والتي كان إلى وقت قريب على مثل اليقين أنه يكدح من أجلها.. من أجل استرداد جلالها، الذي تألقت به تاجاً على مفرق الدنيا أيام معاوية وخلفائه، ثم جاءت الكوارث تضرب في أكنافها، حتى جردتها من عزة السلطان، وجعلتها ذيلاً لغيرها من العواصم..ثم لم تكتفِ حتى أتت على سيادة الجنس العربي كله، إذ انتزعت منه زمام القيادة، لتضعه في أكف الغرباء من هؤلاء الأتراك الذين خرج عليهم مع هؤلاء الخارجين من إخوانه وأبناء جلدته.. وأطرق فخري يتأمل خلال هذه الأحداث، فلا يتمالك أن يتمتم في حيرة لا يستطيع كتمانها: أحقاً نحن في الطريق إلى عزة العرب! ... وتتفجر التساؤلات الحائرة متتابعة وراء ذلك: - أليس من سبيل لهذه العزة إلا بالخروج على دولة الخلافة؟.. - والخروج على الخلافة.. أليس خروجاً على الإسلام؟.. - وهل صحيح أن العروبة حقيقة مجردة عن الإسلام؟..

стр. 3765

- ولماذا نقاتل دولة الخلافة مع الإنجليز؟.. مع ألد أعداء الإسلام؟.. واستحال عليه أن يجد جواباً حاسماً لأي من هذه الأسئلة، ومن هنا تفاقمت حيرته، وانطلق خياله يحوك له أشباح الأحداث في صورة مثيرة لا يقع فيها على ما يَسُر.. إنه ليتذكر الآن المشهد الذي واجهه ذات يوم في تصرفات (لورنس) .. ذاك الذي يصر على أن يلقب بصديق العرب.. إذ كان يشرف على نسف الخطوط الحديدية بأيدي جنوده من العرب المسلمين، فما إن يقتلعون منها قطعة حتى تضج كفاه بالتصفيق لهم، وما إن ينسفون جسراً حتى يقبل على مفجري ألغامه يعانقهم، ويمطر بالقبلات الحارة رؤوسهم.. ولا يكتفي بهذا حتى يطرح نفسه فوق أطلال تلك الخرائب، كأنه يهب لها أيضاً نصيبها من قبلاته!.. ولمَ كل هذا الفرح؟!.. ولأول مرة يحرك فخري شفتيه بهذا الجواب: لأن لورنس كان يعلم أنه يسجل بكل ضربة لهذا المشروع انتصاراً للصليبية المطاردة للإسلام!.. أليست سكة حديد الحجاز هذه هي الرباط العصري الذي يشد أجزاء الوطن الإسلامي إلى مركز الخلافة؟.. أليست هي الخطوة الكبرى والأولى في سبيل تعميق وحدة المسلمين، للصمود في وجه القوة الباغية، التي يحركها الحقد الصليبي المزمن لتدمير الإسلام!.. ومع ذلك.. يتبرع العرب المسلمون بتحقيق هذه الجريمة تحت قيادة صديقهم (لورنس) .. الذي فتنوا به، وبأسلوبه الشيطاني، حتى ليسمون بعض أبنائهم باسمه!.. وكانت أشعة الفجر قد بدأت تتمطى وراء الكثبان البعيدة، فتغتسل الصحراء بأضوائه الرمادية الحزينة.. وكأن يداً خفية تجتذب ذراع فخري فينهض من مصلاه ليحرك خطاه خارج خيمته في أناة، ودون أن يحدد لقدميه اتجاهاً. ومرّ ببصره على مئات الخيام القائمة هنا وهناك.. وتذكر أن ألوفا يرقدون الآن تحتها، دون أن يفكروا بالمصير الذي يقادون إليه.. إلا حلماً رقيقاً هو أن يقوم للعرب كيان جديد، يؤمن لكل عربي حياة أفضل..

стр. 3766

وانتهت الخطى بفخري إلى خارج حدود المعسكر.. وتفتقت ذاكرته عن مشاهد جديدة طرية.. لم يحن أوان جفافها بعد.. إنه ليتذكر رحلته إلى الهند، يوم أن انتدبه لورانس لتحريك المسلمين من أجل التطوع في صفوف الإنجليز.. فمضى وهو يحسب أنه يقوم بخدمة للثورة العربية، إذ يقدم لحلفائها رافداً من القوة يساعد على التعجيل بنهاية الحرب.. ولكنه ما إن بدأ محاولته مع علماء الإسلام وزعماء المسلمين حتى شرع يواجه الحقيقة التي قد نسيها تماماً.. لقد اصطدم بعقبات من الوعي الإسلامي لم تدع له أي أمل بنجاح رحلته.. إن المسلمين في الهند - حتى العامة منهم - يعتبرونها معركة بين الإسلام والصليبية، وينظرون إلى الخليفة كرمز لوحة العالم الإسلامي، فالخروج عليه إنما هو خروج من الإسلام إلى الكفر.. إنهم لا ينكرون أن ثمة أخطاء في مسيرة دولة الخلافة، ولكنهم موقنون بأن تصحيحها ليس في تأييد أعدائها. وقد بلغ تشدد مسلمي الهند في هذا الموقف إلى حد أن إرهاب الإنجليز، على قسوته وهوله، لم يحل بينهم وبين الجهر بمبادئهم هذه، وهؤلاء علماؤهم، وفي مقدمتهم مولانا محمد علي، ينهضون بعبء الدعوة للتمرد على الإنجليز، ويعلنون بكل الوسائل وجوب النصرة لإمام المسلمين في هذه الحرب.. ويرفعون الشعار القائل: إن كل متطوع في جيش الإنجليز لحرب الخليفة خارجٌ عن ربقة الإسلام، مرتد عن سبيل المؤمنين.. وقد صدع مولانا محمد علي بذلك حتى أمام المحكمة التي شكلها الإنجليز لمحاكمته وإخوانه من علماء الإسلام، فاتخذ من قفص المحكمة منبراً لإعلان حكم الشريعة الذي لا يقبل رداً ولا نقضاً..

стр. 3767

لقد عاد فخري من رحلته تلك صفر اليدين لم يصب أي غرض.. بل عاد وفي قلبه تلك التساؤلات التي ما تفتأ تقلقه وتثير أرقه.. وكثيراً ما ردد على نفسه، كلما أتيح له أن يخلو إليها، مثل هذا القول: لماذا كناّ نحن العرب أسرع استجابة لإغواء الإنجليز من مسلمي الهند؟.. لماذا نكون أقل منهم غيرة على حرم الإسلام؟!.. وانتزعه من تأملاته خفق نعل متحفظ خلفه.. ثم سمع صوتاً يخاطبه في عربية أجنبية: هالو فَكْري.. إلى أين؟.. وعرف فخري مخاطبه من لهجته. إنه مدير الاستخبارات الإنجليز جون.. الذي يمتاز على كل من عرفه من أبناء جنسه بصراحته الغريبة.. وتوقف فخري ريثما انتهى إليه صاحبه، ورد تحيته، وصافح يده الممدودة، واستأنفا السير معا.. ولم يشأ الفتى الشامي أن يخرج عن صمته الذي كان عليه، فلم يسع الكهل السكسوني إلا أن يبدأ هو بالكلام فقال، وهو يلوح بغليونه ليساعده على الاشتعال: أراك مشغول الفكر.. فهل ثمة ما يُزإجك؟!.. وصمت فخري قليلاً كأنه يستفتي عقله في الجواب..ثم قال: لا بد.. - تَبْأً.. أنت في شوكٍ إلى دمشق.. إتْمئِن.. سوف تدخلها كريباً.. - هذا ما أتوقعه بعد انتصاركم على الجيش العثماني في معركة القناة.. - تَبْأً.. تَبْأً.. فما الذي يشغلك إذن؟!.. - اسمع يا مستر جون.. إني أسأل نفسي عن مصير هذه الشركة بيننا وبينكم.. وكأن الكهل السكسوني لم يسمع غير ما توقع.. فلم يبدُ عليه انفعال، وبكل هدوء عقب على كلام الفتى بقوله: على كل حال.. سنظل أسدكاء.. وانصرف فخري بوجهه إلى الرجل ليقول له: القضية أكبر من الصداقة يا.. مستر جون.. إني أتساءل عن مصير العهود التي بيننا وبينكم.. - كن سريهاً.. يا فكري بك.. - سأكون في منتهى الصراحة.. فهل تعدني بمثلها؟.. - نَأمْ.. نَأمْ.. كُلْ ما تريد..

стр. 3768

- لقد عاهدناكم على القتال بجانبكم، وعلى بذل كل ما نملك لنصرتكم، فوفّينا، وسنفي حتى النهاية، فهل أنتم وافون لنا بما عاهدتمونا؟.. وكان في وسع جون أن يستغني بابتسامته عن كلامه، ولكنه آثر أن يحقق ما وعد به من الصراحة فقال، وهو ينظر إلى صاحبه من خلال دخانه: ألْكَدِيّةُ ليست أرَبِيّة فَكَتْ يا.. مستر فَكْرِي.. إنها دولية.. آلمية..إنها تَخُسُّ هُلفاء بريتانيا أيْداً.. وفي حرقة لم يطق فخري إخفاءها قال: فمن أجل عيون حلفائكم إذن خرجنا على ديننا، وسفكنا دماءنا، وخربنا ديارنا، وحاربنا إخواننا!!.. ولم يستطع أن يملك أعصابه فإذا هو يضرب جبهته بباطن راحته.. وكانت ضربة محكمة كما يبدو، لم تلبث أن انتزعته من حُلمه الثقيل الطويل.. ليجد نفسه على سريره في مزرعته التي لجأ إليها، فراراً من التدهور السياسي الذي لم يعد يطيق معايشته.. وتناول فخري من خادمه الوفي قدح القهوة وهو لا يزال على فراشه.. وشيئاً فشيئاً استرد كامل وعيه، ولكنه لم يستطع أن ينفض رأسه من آثار تلك الوقائع التي انطوت فوقها صفحات ثلاثة عقود من السنين.. وراح يستعيدها في يقظته، فلا تكاد تزيد عمّا شهده قبل قليل في غفوته.. وسرعان ما اتصلت أحداث ذلك الماضي، النائم في زوايا عقله الباطن، بما تلاها من أحداث لا تزال تلاحقه منذ ذلك اليوم، دون أن يستطيع منها فكاكاً..

стр. 3769

وترك لخياله أن يعرض من أطيافه ما شاء.. فإذا هو تلقاء شريط لا يكاد يحيط بمضمونه.. إنه ليتابع ذاته المتحركة خلال هاتيك المشاهدات، فيراها مسيّرةً بقوة الاستعمار مع تلك المجموعات الزاحفة باتجاه دمشق.. ثم يرى إلى هذا الفتى وقد غاص إلى أذنيه في مشكلات بلاده، فهو عضو في (كتلة) ألفت بينها وحدة الاتجاه لتحرير الوطن من طغيان هذا الاستعمار، الذي أعقب انتصار الحلفاء ونقضَ الإنجليز لعهودهم التي يجف مدادها بعد.. ثم يراه وقد اندفع يثير حمية الشباب ليلهب طاقاتهم في هذه المعركة. وبأسلوبه المرح وسلوكه الشعبي استطاع أن يحقق الكثير، حتى لقد أصبح بحق (زعيم الشباب) كما كانوا يلقبونه.. وخاض فخري مع رفاقه قادة تلك الكتلة معارك طويلة ضد الفرنسيين، الذين أعلنوا منذ اليوم الأول لاحتلالهم دمشق، وبلسان طاغيتهم الجنرال غورو، إنهم طليعة حملة صليبية جديدة، جاءت لتغيير الواقع الذي فرضه انتصار صلاح الدين على أسلافهم في حطين.. وكانت أصداء هذا التصميم تتجاوب في كل مكان وطئته أقدام الحلفاء من ديار الإسلام، ففي استانبول يدمرون قواعد الخلافة على يد عميلهم الدونمي [١] مصطفى كمال، وفي فلسطين يطلق قائد الجيش الإنجليزي (ألَنبي) نذيره الدامي بإعلانه الوقح: أن الحروب الصليبية التي بدأها أجداده قبل ثمانية قرون قد انتهت بسحق القوى الإسلامية نهائياً. ولتوكيد هذا التصميم يبدؤون إقامة قواعد الدولة اليهودية في قلب فلسطين الإسلامية، لتكون منطلق الصليبية لتحطيم كل تحرك إسلامي..

стр. 3770

وهكذا قُدّر لفخري ورفاقه أن يتولوا كُبر هذا النضال، الذي رفع طاقة الشعب السوري إلى القمة.. وقُدّر له تبعاً لذلك أن ينال نصيبه من الاعتقال والتشريد، ثم يعود مع إخوانه لاستئناف الزحف دون هوادة ولا مهادنة، حتى شاء الله أن يحقق الرجاء، فيسلط على المستعمر الفرنسي زميله الإنجليزي بنهاية الحرب العالمية الثانية، فلا يزال هذا يحرض عليه، ويتيح السوريين أن يسوقوا الضربات إليه، حتى غادر الشام خاسئاً مدحورا.. وبذلك تسنى لكتلة أن تفرغ من مرحلة الكفاح إلى مرحلة الحكم، فتقيم الجمهورية - بعد الملكية العابرة - وتمكّن للشعب أن يترجم عن إرادته باختيار نوابه لأول مرة.. فيكوّن ثمة دولة حديثة، تتوفر لها كل وسائل التقدم.. ولكن.. هل وجد فخري في ذلك كله ما يخفف القلق الذي ما زال يشحن صدره منذ أيام معان؟؟ وهل استطاعت الزعامة التي تبوأها بعد الاستقلال أن تسكت ذلك القرع الذي ما انفك يدق في جنبات قلبه حتى الآن؟.. لقد أدرك فخري ببداهته أن المسيرة قد بدأت من نقطة الخطأ، وكان ذلك منذ آثر العاملون لها استبدال العصبية بالإسلام، فأعانوا أعداءهم على أنفسهم، وركنوا إلى الذين ظلموا فمستهم نار الدنيا قبل نار الآخرة.. إنهم - جميعاً - ليحسون بالأخطار تحدق بهم من كل مكان، وتنذرهم بألوان الحدثان..ولكنكم مع ذلك لا يعرفون سبيل إلى تداركها وصدها.. إنهم مسوقون إلى حيث لا يعلمون.. وإن أقدامهم لتنزلق كل يوم إلى حيث لا يتوقعون ولا يريدون. ومع استيقانهم ذلك كله لا يستطيع التوقف، فهم كالمنحدر في السفح، يرى هول ما هو صائر إليه، ولكنه لا يملك القدرة على اجتنابه ... وذات يوم بلغ التوتر أقصاه في أعصاب فخري وفي توقعاته.. فأقبل على رفيقه المسئول الأول يصرخ به: أيها الرجل.. إن الماء يجري من تحتك..

стр. 3771

ألم تحس به بعد!.. لقد طالما نصحناك وإخوانك بالتخلص من (القلاع) التي استبقاها الفرنسيون لتدمير البلد.. فأبيتم أن تسمعوا.. حتى أوشك هي أن تتخلص منكم.. إن أخطاءنا اليومية قد فتحت الثغرات أمام الأفكار الهدامة، لتغزو قلب الجيل الناشئ، وتسلحه بكل أدوات التخريب.. فبأي علاج تواجهون هذه السموم؟ .. وبأي سلاح ستصدون هذا الهجوم؟!.. إن جهاز الحكم الذي يتكئ على المرتزقة لا يملك صلاحية الصمود طويلاً أمام الأحقاد التي يؤججها التنظيم الحزبي المضلل.. فمتى تفطنون إلى هذا الواقع؟ .. إذا لم ترحموا بلدكم.. فارحموا أنفسكم على الأقل. وكان فخري يهدر بهذه النُذرُ في حماسة طاغية أنسته واجبات المجاملة، وصرفت ذهنه على ملاحظة الأبهة التي تحيط بمقام الرئاسة.. وبدا في موقفه، وقد صبغت الحمرة عينيه الواسعتين، وتقلصت عضلات وجهه الوردي، وباعد التهيج ما بين يديه، كأنه ملاكم يتحدى خصمه.. على أن حماسة فخري لم تغير شيئاً من تفكير الرئيس ولا مَن حوله من خواص رجال الحكم.. وللمرة العشرين - على الأقل - يسمع مثل هذا الجواب الذي لا يزيده إلاّ حَنَقاً ويأساً: هَوِّنْ عليك يا فخري بك.. إن كل شيء على ما يرام.. ومنذئذ آلى فخري على نفسه ألاّ يعود إلى مثل ذلك الموقف، وأن يهجر العمل السياسي.. ومن ثم أخذ طريقه في صمت إلى مزرعته، لينفض عن مكتبته غبار الزمن، وليستعيد معها بعض عهده الذي كاد ينساه.. وكان فخري غارقاً في مقدمة ابن خلدون عندما انتزعه من غمرته تلك قرع الهاتف الذي أبى أن يسكت، فمدّ يده إليه دون أن يصرف نظره عمّا بين يديه من الكتاب.. - آلو.. فخري بك؟.. - من حضرتك؟.. وما تريد منه؟.. - هنا حسني ... - حسني!.. نعم.. عرفتك.. ماذا تريد؟.. - أريد أن أراك.. إنني بانتظارك.. هنا في قصر المهاجرين.. - في قصر المهاجرين!

стр. 3772

- نعم يا فخري بك.. في قصر المهاجرين!.. في قصر الرئاسة. - إذن.. هناك انقلاب عسكري!.. - نعم انقلاب عسكري.. لقد أنهينا عهد الفوضى.. وقبضنا على أزمة السلطة لإنقاذ البلاد.. إن السيارة في الطريق إليك.. نريد أن ننتفع بآرائك يا.. فخري بك.. وانقطع الحوار.. وأعاد فخري السماعة.. ثم أسند رأسه إلى راحته في هدوء غير طبيعي.. وكأنه كان على موعد مع الحدث، فلم يبد عليه أي أثر للاستغراب، وجعل يتمتم: محضتهمو نصحي يمنعرج اللوى. فلم يستبينوا النصح إلاّ ضحى الغد!. وما هي إلا لحظات حتى كانت سيارة عليها شارة الحرس الجمهوري تجتاز مدخل المزرعة لتستقر عند باب المنزل. ويهبط منها بعض الضباط لإبلاغه دعوة (الزعيم) .. وفي صمت كئيب يمضي معهم إلى السيارة، التي أخذت تنهب بهم الطرق، ثم تجتاز الشوارع، التي انتثر خلالها الجند بخوذهم الفولاذية وأسلحتهم الرشاشة.. حتى احتواهم القصر، الذي كان آخر عهده به يوم تلقى سمعه من سيده تلك الكلمة التي دفعته إلى عزلته (.. كل شيء على ما يُرام..) . وعلى الكرسي نفسه الذي غادر صديقه عليه ذلك اليوم.. استقبله صاحب الانقلاب في بشاشة صارمة وهو يقول: أهلاً بزعيم الشباب ... وأجاب فخري بلهجته المطمئنة المرحة: ولكن عهد الشباب قد انتهى يا.. سيادة الزعيم. وعقب الزعيم وهو يهز يده: أجل.. لقد بدأ عهد جديد.. وعلى كل سوري أن ينصره بكل مواهبه. وطبيعي أن يكون فخري بك في مقدمة مؤيديه.. وبعد لحظة صمت قال فخري: كل ما يملكه ابن سبعين مثلي أن يسأل الله لبلده الهداية والوعي الصحيح.. وأردف الزعيم: أوليست حركتنا هذه طليعة الاستجابة لدعائك!. - ذلك ما أتمناه.. ولكن.. - ولكن.. ماذا؟!.. وبصراحته التي لم يستطع التخلي عنها يوماً قال: لقد فقدنا القدرة على الرؤية منذ اليوم الذين خرجنا على الخلافة..

стр. 3773

-------------------------------------------------------------------------------- [١] نسبة إلى الدونمة، وهم فرقة من اليهود تظاهروا بالإسلام.

стр. 3774

دراسات في السُّنَّة النبوِيَّة بقلم الشيخ محمد ضياء الرحمن الأعظمي ولد مالك بالمدينة في قرب نهاية القرن الأول [١] وتلقى العلم على جماعة من التابعين وأهل الفتوى وصرف همه إليه في جد ونشاط وصبر على شدة الحر والجوع، وقد وهبه الله ذاكرة قوية يميز بها الضعفاء من الثقاة على حين كَثُر الكذابون والدجالون الذين يضعون الأحاديث على لسان رسول الله ﷺ . لقد أثر عنه أنه قال: "إن هذا العلم دين فانظروا عمّن تأخذونه. لقد أدركت سبعين ممن يقول قال رسول الله ﷺ عند هذه الأساطين فما أخذت عنهم شيئا، وإن أحدهم لو أؤتمن على بيت مال لكان أميناً إلا أنهم لم يكونوا من أهل هذا الشأن [٢] ". وفي رواية ابن وهب وحبيب وابن عبد الحكم عند مطرف عنه قال: "أدركت جماعة من أهل المدينة ما أخذت عنهم شيئا من العلم " [٣] . هكذا كان مالك يتحرى في أخذ الحديث فما كان يتصدى لأخذه إلا إذا تيقن من صحته، واجتمع عليه أهل المدينة ثقة بدينه وتحرزه من الكذب على رسول الله ﷺ كما قال زيد بن ثابت: "إذا رأيت أهل المدينة على شيء فاعلم أنه السنّة " [٤] .

стр. 3775

وقد جاءت الآثار الكثيرة عن النبي ﷺ في اختصاص المدينة بفضل العلم، فمنها ما روى كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: "إن الدين ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها" [٥] ومعنى هذا الحديث أن الإسلام يقوم بأهل المدينة كما قال القاضي عياض:"والله ما يأرز إلا إلى أهله الذين يقومون به ويشرعون شرائعه ويعرفون تأويله ويقومون بأحكامه، وفي ذلك من مدح رسول الله ﷺ لا للأرض والدور ولكن لأهلها" [٦] . وقال ابن أبي أويس سمعت مالكاً يقول في معنى هذا الحديث: "بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ" أي يعود إلى المدينة كما بدأ منها" [٧] فمن هنا أخذ مالك قوله بعمل أهل المدينة. والباب واسع ما أردت الإحاطة ولكن ليس معنى ذلك أن السنة الثابتة إذا جاءت من ثقاة ضابطين وخالفها عمل المدينة فكان مالك يقدم العمل حاشا وكلا أن يكون هذا مراد مالك، بل معناه أن مخالفة عمل أهل المدينة للسنة الثابتة المتواترة أمر مستحيل لما كان لهم من فضل وتقدم ومشاهدة التنزيل وكيف تجتمع الأمة على ضلاله بعد خبر النبي ﷺ ، فإن قلنا إن المراد بالأمة هنا الأمة الإسلامية عامة يجاب عنه بأن أهل المدينة أولى بهذا لقرب عهد الصحابة ووجودهم بالمدينة بكثرة هائلة كبيرة لم يرَ مثلها في أي بلد من البلاد، فقد عاش السائب بن يزيد بعد وفاة النبي ﷺ ٨٤ عاماً ومرثد بن عبد الله ٧٩ عاماً وسهل بن سعد ٨١ عاماً وعبد الله بن جعفر ٨٠، وسلمة بن الأكوع ٦٤، ورافع بن خديج٦٤، وسعيد بن خالد الجهني ٦٣، وأسماء بنت أبي بكر ٦٣، وعبد الله بن عمر ٦٣، وعوف بن مالك الأشجعي ٦٣، والبراء بن عازب ٦٢، وجابر بن عبد الله الأنصاري ٦٨ وغيرهم من الصحابة. ثم وجود الفقهاء السبعة: عروة بن الزبير والقاسم بن محمد وخارجة بن زيد، وأبو بكر بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار وعبيد الله بن

стр. 3776

عبد الله بن عتبة، ثم من أهل الفتوى: أبان بن عثمان وسالم ونافع وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف وعلي بن الحسين وأبو بكر بن حزم ومحمد بن المنكدر ومحمد بن شهاب الزهري وغيرهم من التابعين رضوان الله عليهم أجمعين فقد عاش هؤلاء في القرن الأول في المدينة المنورة، فهذا الفضل العظيم لم تجمعه أرض تحت السماء إلى يومنا هذا وإلى هذا أشار الإمام مالك في رسالته إلى الليث بن سعد فقال: "إن الله تعالى يقول في كتابه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ..﴾ فإنما الناس تبع لأهل المدينة إليها كانت الهجرة وبها نزل القرآن وأحل الحلال وحرم الحرام إذ رسول الله بين أظهرهم يحضرون الوحي والتنزيل ويأمرهم فيطيعونه ويسن لهم فيتبعونه" [٨] . هذه بعض وجهة نظر مالك ولست الآن في صدد ذكر أدلته وإقامة الحجة لأصولهن فإن هذا بحث مستقل ولكن أردت أن أنبه شاخت وأمثاله بأن مالكاً لم يكن منكراً لحجية السنة كيف وقد روي عن الإمام يقول:"إنما أنا بشر أُخطئ وأصيبُ فانظروا في رأيي فما وافق الكتاب والسنة فخذوا به وما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه" [٩] ونكتفي بهذا القدر من الدفاع عن مالك.

стр. 3777

ونبدأ بالرد على شاخت في الطعن على الحنفية فنقول: قد أثر عن الإمام أبي حنيفة أنه قال: "إياكم وآراء الرجال. ودخل عليه رجل والحديث يُقرأ عنده فقال الرجل دعونا من هذه الأحاديث. فزجره الإمام أشد الزجر وقال له لولا السنة ما فهم أحد منا القرآن، ثم قال للرجل ما تقول في لحم القرد وأين دليله في القرآن فأفحم الرجل. وكان من عادة الإمام أن يقول:"حرام على من لم يعرف دليلي أن يفتي بكلامي" [١٠] وقد روى أبو جعفر الشيزاماري بسنده المتصل إلى الإمام أبي حنيفة أنه كان يقول: "كذب والله وافترى علينا من يقول عنا إننا نقدم القياس على النص وهل يحتاج بعد النص إلى القياس وكان يقول نحن لا نقيس إلا عند الضرورة الشديدة وذلك أننا ننظر أولاً في دليل تلك المسألة من الكتاب والسنة ثم أقضية الصحابة فإن لم نجد دليلاً قسنا حينئذ.. سكوتاً عنه على منطوق به بجامع اتحاد العلة بينهما"وقال أبو مطيع:"كنت يوما عند أبي حنيفة في جامع الكوفة فدخل عليه الثوري ومقاتل بن حيان وحماد بن سلمة وجعفر الصادق وغيرهم من الفقهاء فكلموا الإمام وقالوا قد بلغنا أنك تكثر من القياس في الدين وإنا نخاف عليك منه فإن أول من قاس إبليس. فناظرهم الإمام من بكرة نهار الجمعة إلى الزوال وعرض عليهم مذهبه وقال إني أقدم العمل بالكتاب ثم بالسنة ثم بأقضية الصحابة مقدماً ما اتفقوا عليه على ما اختلفوا فيه، وحينئذ أقيس فقاموا كلهم وقبلوا يده وركبته وقالوا له أنت سيد العلماء فاعف عنا فيما مضى منا من وقيعتنا فيك بغير علم. فقال غفر الله لنا ولكم" [١١] .ومثل هذا الكلام نقل عنه في رسالته التي أرسلها إلى الخليفة أبي جعفر المنصور حين لامه بتقديم القياس على الحديث.

стр. 3778

وهذه الخصوصية ليست لأبي حنيفة فجميع الأئمة قاسوا الأمور عند عدم وجود النص كما قال الإمام الشافعي:"إذا لم نجد في المسألة دليلاً قسناها على غيرها". فمن اعترض على أبي حنيفة فكأنما اعترض على جميع الأمة. نعم هناك أمر لا بد من الانتباه إليه هو أن الأقيسة قد كثرت عن أبي حنيفة بالنسبة لغيره من الأئمة. والسبب في ذلك هو عدم رحلته إلى الأمصار والمدن والقرى لجمع الأحاديث كما فعل الصحابة والمحدثون والفقهاء. والسبب الثاني هو ما ذكره السرخسي قال:"قلّت الرواية عن أبي حنيفة حتى قال بعض الطاعنين إنه لا يعرف الحديث، وليس الأمر كما ظنوا بل كان أعلم عصره في الحديث وكلن لمراعاة شرط كمال الضبط قلّت روايته" [١٢] . فهذا التشديد جاء لسبب انتشار الكذب على رسول الله ﷺ وخاصة في بلاد العجم ومقر الشيعة والخوارج وعدم تمييز الصحيح من غير الصحيح، ولم يتم في عصره وضع الموازين لنقد الأحاديث، ولم تدون الصحاح من غيرها، ولهذا لم يقبل العلماء خبر الآحاد في الأمور الاعتقادية، لأن العقيدة لا تؤخذ إلاّ بالأدلة القطعية كما هو معروف في أصول الشريعة. وقد طعن بعض الناس في أبي حنيفة بعدم أخذه بخبر الآحاد ولكن الصحيح هو أخذه به وهذا مبسوط في آثار محمد بن الحسن الشيباني وفي كتاب أصول فخر الإسلام وفي الميزان للشعراني وغيرها من كتب الفقه. فلماذا لا نقول بعد هذه الشبهات الواردة والأعذار الصريحة بأن الإمام أبا حنيفة لم يقصد بكثرة قياسه توهين حجية السنة بل فعل هذا معذوراً، فلو دونت الأحاديث الصحيحة وعثر عليها الإمام لأخذ بها وترك كل قياس قاسه إذا كانت السنة تخالفه. هكذا ينبغي للباحث أن يضع الأمور في موضعها ولا يفرط ولا يقصر ولا يتعصب ولا يتحزب، فكل بني آدم خطاؤون وخير الخطائين التوابون.

стр. 3779

وهذا الذي ننتظر من إخواننا المسلمين الذين ينتسبون إلى مذهب من المذاهب إذا بان لهم الحق ليكونوا معه. نسأل الله التوفيق والسداد. المراجع والمصادر على حروف الهجاء ١ الإحكام في أصول الأحكام: ابن حزم الطبعة الأولى سنة ١٣٤٥ ٢ أصول الحديث النبوي: للدكتور الحسيني المكتبة الأزهرية ٣ أضواء على السنة المحمدية: محمود أبو ريه الطبعة الأولى سنة ١٣٧٧ ٤ الباعث الحثيث: ابن كثير تحقيق أحمد شاكر الطبعة الثانية سنة ١٣٧٠ ٥ البداية والنهاية: ابن كثير الطبعة الأولى سنة ١٣٤٨ ٦ ترتيب المدارك: القاضي عياض الطبعة الأولى سنة ١٣٨٧ ٧ تحفة الأحوذي: المباركفوري الطبعة الثانية سنة ١٣٨٣ ٨ تفسير ابن كثير: ابن كثير دار إحياء الكتب ٩ جامع بيان العلم: ابن عبد البر الطبعة الأولى ١٠ جامع الترمذي ١١ حياة أبي حنيفة: أبو زهرة الطبعة الثانية سنة ١٣٦٦ ١٢ دائرة المعارف الإسلامية لجنة الترجمة سنة ١٣٥٣ ١٣ الرسالة:الإمام الشافعي تحقيق أحمد شاكر سنة ١٣٥٨ ١٤ رفع الملام عن الأئمة الأعلام شيخ الإسلام ابن تيمية ١٥ سنن أبي داود: مطبعة السعادة الطبعة الثانية سنة ١٣٦٩ ١٦ سنن الدارمي الطبعة الأولى سنة ١٣٤٩ ١٧ سنن النسائي: مكتبة التجارة الطبعة الأولى سنة ١٣٤٨ ١٨ سيرة ابن هشام مطبعة الحلبي سنة ١٣٥٥ ١٩ السنّة: الدكتور السباعي الطبعة الأولى سنة ١٣٨٠ ٢٠ صحيح البخاري: مكتبة النهضة الحديثة الطبعة الأولى سنة ١٣٧٦ ٢١ صحيح مسلم: دار الطباعة العامرة الطبعة الأولى سنة ١٣٢٩ ٢٢ فتح الباري: ابن حجر الطبعة الأولى سنة ١٣٠٠ ٢٣ كتاب الأم: للإمام الشافعي الطبعة الأميرية سنة ١٣٢١ ٢٤

стр. 3780

لسان العرب الطبعة الأولى سنة ١٣٧٤ ٢٥ المستدرك: أبو عبد الله الطبعة الأولى ٢٦ المغني: محمد بن قدامة مطبعة العاصمة ٢٧ الميزان: عبد الوهاب الشعراني الطبعة الأولى سنة ١٢٧٩ ٢٨ النهاية: ابن الأثير الطبعة الأولى سنة ١٣٨٣ -------------------------------------------------------------------------------- [١] ترتيب المدارك ج١ ص١٢٣. [٢] المصدر نفسه. [٣] المصدر السابق. [٤] المصدر السابق. [٥] ترتيب المدارك ج١ ص٦١. [٦] حم ج١ ص١٨٤، خ مدينة ٦. [٧] المصدر السابق ج١ ص٦١. [٨] ترتيب المدارك ج١ ص٦٤. [٩] الميزان للشعراني ج١ ص٦٣. [١٠] المصدر السابق ج١ ص١٤٧. [١١] الميزان للشعراني ج١ ص٧١. [١٢] كشف الأسرار ج٢ ص٧١٨ نقلا عن حياة أبي حنيفة لأبي زمعرة.

стр. 3781

العدد ٢٤ فهرس المحتويات ١- وجوب الصدق والنصح في المعاملات: رئيس الجامعة الإسلامية عبد العزيز بن عبد الله بن باز ٢- من أعلام المحدثين - أبو الحسن الدارقطني ٣٠٦ - ٣٨٥ هـ: للشيخ عبد المحسن العباد ٣- أضواء من التفسير: للشيخ عبد القادر شيبة الحمد ٤- حديث مع زائر كريم:لفضيلة الدكتور محمد تقي الدين الهلالي ٥- حكم من لم يحكم بكتاب الله: بقلم الشيخ عطية محمد سالم ٦- تمثيل رسول الله وتمثيل آل بيته وأصحابه رضوان الله عليهم: لفضيلة الشيخ محمد المنتصر الكتاني ٧- العدوان على بنت عدنان: بقلم الدكتور يوسف عبد الرحمن الضبع ٨- زائرة الليث: بقلم الشيخ محمد المجذوب ٩- لا محاباة في الإسلام: لفضيلة الشيخ محمود عبد الوهاب فايد ١٠- من أعلام الهدى: بقلم الشيخ عبد الله الغنيمان ١١- حول إعجاز القرآن الكريم - الابتداء بأسلوب: بقلم الدكتور علي حسن العماري ١٢- قضايا أساسية في تطوير المكتبة العربية والإسلامية: بقلم عيد عبد الله السيد ١٣- ليكن شعارنا الدائم الله وحده (٢) : للشيخ السعيد الشربيني الشرباصي ١٤- ليبلوكم أيكم أحسن عملا: لفضيلة الشيخ ربيع بن هادي ١٥- المسلمون في الولايات المتحدة - حقيقة أليجا محمد وجمعيته المسماة بـ (المسلمين السود) : بقلم المسلم الأمريكي عمر فاروق عبد الله ١٦- هكذا دَربُنا: بقلم الشيخ عبد الله قادري ١٧- برقية: رئيس الجامعة الإسلامية عبد العزيز بن عبد الله بن باز ١٨- مذكرة جمعية الإصلاح الاجتماعي في الكويت ١٩- بين الكتب: إعداد العلاقات العامة ٢٠- من الصحف والمجلات: إعداد العلاقات العامة ٢١- مقتطفات من كتاب الكنز المَرصود في قواعد التلمود (٢) : ترجمه من اللغة الفرنساوية الدكتور يوسف حنا نصْر الله ٢٢- ندوة الطلبة - أضغاث أحلام: بقلم الطالب محمد محمود جاد الله ٢٣- أهمية صلاة الاستسقاء في الإسلام والاستغاثة المشروعة: للطالب محمد عزيزو المغربي ٢٤- وداعاً. . يا أماه! : بقلم الطالب سفر بن عبد الرحمن الحوالي ٢٥- الفتاوى: يتولى الرد على أسئلة القراء سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رئيس الجامعة الإسلامية ٢٦- أخبار الجامعة: إعداد العلاقات العامة عمادة البحث العلمي - جميع الحقوق محفوظة ١٤٢٣ هـ / ٢٠٠٢ م

стр. 3782

وجوب الصدق والنصح في المعاملات رئيس الجامعة الإسلامية عبد العزيز بن عبد الله بن باز الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فإن الله أوجب على المسلمين الصدق والنصح في جميع المعاملات وحرّم عليهم الكذب والغش والخيانة وما ذاك إلاّ لما في الصدق والنصح وأداء الأمانة من صلاح أمر المجتمع والتعاون السليم بين أفراده والسلامة من ظلم بعضهم لبعض وعدوان بعضهم على بعض ولما في الغش والخيانة والكذب من فساد أمر المجتمع وظلم بعضه لبعض وأخذ الأموال بغير حقها وإيجاد الشحناء والتباغض بين الجميع ولهذا صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: "الدين النصيحة قيل لمن يا رسول الله قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم". خرجه مسلم في صحيحه. وفي الصحيحين عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: "بايعت النبي ﷺ على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم."وفي الصحيحين أيضا عن حكيم بن حزام ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا أو قال حتى يتفرقا فإن صدقا وبيّنا بورك لهما في بيعهما وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما". وصح عن النبي ﷺ أنه قال: "من غشنا فليس منا". وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: "مرّ النبي ﷺ على صبرة من طعام فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللا فقال ما هذا يا صاحب الطعام؟ قال أصابته السماء يا رسول الله, قال أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس من غش فليس منا.." فهذه الأحاديث الصحيحة وما جاء في معناها كلها تدل على وجوب النصح والبيان والصدق في المعاملات وعلى تحريم الكذب والغش والخيانة في ذلك, كما تدل على أن الصدق والنصح من أسباب البركة في المعاملة, وأن الكذب والغش من أسباب

стр. 3783

محقها. ومن النصح والأمانة بيان العيوب الخفية للمشتري والمستأجر, وبيان حقيقة الثمن والسوم عند الإخبار عنهما, ومن الغش والخيانة الزيادة في السوم أو الثمن ليبذل المشتري أو المستأجر مثل ذلك أو قريبا منه, وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : "ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم رجل على فضل ماء بالفلاة يمنعه من ابن السبيل, ورجل بايع رجلا بسلعة بعد العصر فحلف له بالله لأعطى بها كذا وكذا فصدقه وهو على غير ذلك, ورجل بايع إماما لا يبايعه إلا للدنيا فإن أعطاه منها وفا وإن لم يعطه منها لم يف". فالواجب على جميع المسلمين تقوى الله في المعاملة والحذر من أسباب غضب الله وأليم عقابه الذي توعد به أصحاب الغش والخيانة والكذب كما يجب على الجميع التواصي بالصدق والنصح وتقوى الله في جميع الأمور؛ لأن في ذلك سعادة الدنيا والآخرة وصفاء القلوب وصلاح المجتمع, وفي ذلك أيضا حصول البركة في المعاملة, والسلامة من أكل الحرام ومن ظلم المسلم لأخيه. وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا وشبك بين أصابعه" وقال ﵊: "مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد, إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى". وأسأل الله سبحانه أن يصلح أحوال المسلمين, ويجمع قلوبهم على التقوى, ويصلح قادتهم ويمنحهم جميعا الصدق والنصح في جميع الأمور, والتعاون على البر والتقوى. إنه جواد كريم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وأله وصحبه ...

стр. 3784

من أعلام الهدى بقلم الشيخ عبد الله الغنيمان: المدرس بكلية الشريعة بالجامعة ابن أبي زيد القيرواني أبو محمد عبد الله بن أبي زيد عبد الرحمن النغزي القيرواني شيخ المالكية بالمغرب، كان إماماً بارعاً في العلوم، واسع الثقافة والاطلاع، متبعاً طريق السلف الصالح، داعياً إليه بالقلم واللسان والعمل، كثير الحفظ, واسع العلم والرواية، فصيح اللسان والقلم, يقول الشعر ويجيده مع صلاح وورع وعفة, قال عنه القاضي عياض: "حاز رياسة الدنيا والدين وكان يُسمى مالكا الصغير، انتفع به خلق كثير في العلم والأخلاق ورحل إليه من أقطار الأرض وكثر الآخذون عنه وعظم شأنهم، عُني بمذهب مالك فلخصه ونشره وملأ البلاد بتآليفه العظمية الفائدة.." له مع أهل البدع والأهواء مواقف مشكورة ومواقع معروفة, وكان مع سعة علمه وكثرة حفظه ذا بيان ومعرفة بما يقول، بصيراً بالرد على أهل الزيغ والانحراف. وكان سريع الانقياد إلى الحق وحيث أنه كان شديد الحب للسنة والتعظيم لها اشتد نكيره على المخالفين لها، ولا سيما في الاعتقاد فرد عليهم وبيّن قبح فعالهم ولهذا نالوا منه بألسنتهم التي لم يسلم منها صاحب سنة، وشنعوا عليه كما هو شأن كل مصلح في أي وقت كان. ثناء العلماء عليه: تقدم قول القاضي عياض أنه جمع رياسة الدين والدنيا، وقال ابن فرحون فيه: "اجتمع فيه الورع والعلم والفضل والعقل"، وقال القابسي: "هو إمام موثوق به في ديانته ورايته"، وقال أبو الحسن بن عبد الله القطان: "ما قلدت أبا محمد حتى رأيت النسائي يقلده". وقال الذهبي:"كان ابن أبي زيد من العلماء العاملين وكان غاية في علم الأصول". مؤلفاته: ابن أبي زيد مؤلف مجيد واسع الفكر دقيق التحقيق وقد كثرت مؤلفاته في حياته وملأت البلاد، ذكر القاضي عياض له ما يقارب من ثلاثين مؤلف ثم قال:"وكل تواليفه مفيدة بديعة غزيرة العلم".

стр. 3785

ومن شعره قوله: تأبى قلوبٌ قلوب قوم. وما لها عندها ذهوب. وتصطفي أنفس نفوسا. وما لها عندها نصيب. ما ذاك إلا لمضمرات. أضمرها الشاهد الرقيب. عقيدته: كان ابن أبي زيد ﵀ سلفيا في عقيدته وسلوكه، بعيدا عن البدع والتحريف معتمدا على كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ غير آبه بمن خالفهما كائنا من كان نصر السنة المحضة والطريقة السلفية لا يداهن في ذلك ولا يماري بل يقول الحق ويجهر به لا يخشى في الله لومة لائم، وشناعة مبتدع سليط اللسان فالله يجزيه خيرا. أنموذج من كتابته في العقيدة: قال في مقدمة رسالته المشهورة: "باب ما تنطق به الألسنة وتعتقده الأفئدة من واجب أمور الديانات": من ذلك الإيمان بالقلب والنطق باللسان أن الله إله واحد لا إله غيره ولا شبيه له ولا نظير له ولا ولد له ولا والد له ولا صاحبة له ولا شريك له. ليس لأوليته ابتداء ولا لآخريته انقضاء لا يبلغ كنه صفته الواصفون ولا يحيط بأمره المتفكرون. يعتبر المفكرون بآياته ولا يتفكرون في ماهية ذاته ولا يحيطون بشيء من علمه إلاّ بما شاء ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ .
следующие страницы →