← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 3781–3820 · переход к 3786.

стр. 3781

العدد ٢٤ فهرس المحتويات ١- وجوب الصدق والنصح في المعاملات: رئيس الجامعة الإسلامية عبد العزيز بن عبد الله بن باز ٢- من أعلام المحدثين - أبو الحسن الدارقطني ٣٠٦ - ٣٨٥ هـ: للشيخ عبد المحسن العباد ٣- أضواء من التفسير: للشيخ عبد القادر شيبة الحمد ٤- حديث مع زائر كريم:لفضيلة الدكتور محمد تقي الدين الهلالي ٥- حكم من لم يحكم بكتاب الله: بقلم الشيخ عطية محمد سالم ٦- تمثيل رسول الله وتمثيل آل بيته وأصحابه رضوان الله عليهم: لفضيلة الشيخ محمد المنتصر الكتاني ٧- العدوان على بنت عدنان: بقلم الدكتور يوسف عبد الرحمن الضبع ٨- زائرة الليث: بقلم الشيخ محمد المجذوب ٩- لا محاباة في الإسلام: لفضيلة الشيخ محمود عبد الوهاب فايد ١٠- من أعلام الهدى: بقلم الشيخ عبد الله الغنيمان ١١- حول إعجاز القرآن الكريم - الابتداء بأسلوب: بقلم الدكتور علي حسن العماري ١٢- قضايا أساسية في تطوير المكتبة العربية والإسلامية: بقلم عيد عبد الله السيد ١٣- ليكن شعارنا الدائم الله وحده (٢) : للشيخ السعيد الشربيني الشرباصي ١٤- ليبلوكم أيكم أحسن عملا: لفضيلة الشيخ ربيع بن هادي ١٥- المسلمون في الولايات المتحدة - حقيقة أليجا محمد وجمعيته المسماة بـ (المسلمين السود) : بقلم المسلم الأمريكي عمر فاروق عبد الله ١٦- هكذا دَربُنا: بقلم الشيخ عبد الله قادري ١٧- برقية: رئيس الجامعة الإسلامية عبد العزيز بن عبد الله بن باز ١٨- مذكرة جمعية الإصلاح الاجتماعي في الكويت ١٩- بين الكتب: إعداد العلاقات العامة ٢٠- من الصحف والمجلات: إعداد العلاقات العامة ٢١- مقتطفات من كتاب الكنز المَرصود في قواعد التلمود (٢) : ترجمه من اللغة الفرنساوية الدكتور يوسف حنا نصْر الله ٢٢- ندوة الطلبة - أضغاث أحلام: بقلم الطالب محمد محمود جاد الله ٢٣- أهمية صلاة الاستسقاء في الإسلام والاستغاثة المشروعة: للطالب محمد عزيزو المغربي ٢٤- وداعاً. . يا أماه! : بقلم الطالب سفر بن عبد الرحمن الحوالي ٢٥- الفتاوى: يتولى الرد على أسئلة القراء سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رئيس الجامعة الإسلامية ٢٦- أخبار الجامعة: إعداد العلاقات العامة عمادة البحث العلمي - جميع الحقوق محفوظة ١٤٢٣ هـ / ٢٠٠٢ م

стр. 3782

وجوب الصدق والنصح في المعاملات رئيس الجامعة الإسلامية عبد العزيز بن عبد الله بن باز الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فإن الله أوجب على المسلمين الصدق والنصح في جميع المعاملات وحرّم عليهم الكذب والغش والخيانة وما ذاك إلاّ لما في الصدق والنصح وأداء الأمانة من صلاح أمر المجتمع والتعاون السليم بين أفراده والسلامة من ظلم بعضهم لبعض وعدوان بعضهم على بعض ولما في الغش والخيانة والكذب من فساد أمر المجتمع وظلم بعضه لبعض وأخذ الأموال بغير حقها وإيجاد الشحناء والتباغض بين الجميع ولهذا صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: "الدين النصيحة قيل لمن يا رسول الله قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم". خرجه مسلم في صحيحه. وفي الصحيحين عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: "بايعت النبي ﷺ على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم."وفي الصحيحين أيضا عن حكيم بن حزام ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا أو قال حتى يتفرقا فإن صدقا وبيّنا بورك لهما في بيعهما وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما". وصح عن النبي ﷺ أنه قال: "من غشنا فليس منا". وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: "مرّ النبي ﷺ على صبرة من طعام فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللا فقال ما هذا يا صاحب الطعام؟ قال أصابته السماء يا رسول الله, قال أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس من غش فليس منا.." فهذه الأحاديث الصحيحة وما جاء في معناها كلها تدل على وجوب النصح والبيان والصدق في المعاملات وعلى تحريم الكذب والغش والخيانة في ذلك, كما تدل على أن الصدق والنصح من أسباب البركة في المعاملة, وأن الكذب والغش من أسباب

стр. 3783

محقها. ومن النصح والأمانة بيان العيوب الخفية للمشتري والمستأجر, وبيان حقيقة الثمن والسوم عند الإخبار عنهما, ومن الغش والخيانة الزيادة في السوم أو الثمن ليبذل المشتري أو المستأجر مثل ذلك أو قريبا منه, وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : "ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم رجل على فضل ماء بالفلاة يمنعه من ابن السبيل, ورجل بايع رجلا بسلعة بعد العصر فحلف له بالله لأعطى بها كذا وكذا فصدقه وهو على غير ذلك, ورجل بايع إماما لا يبايعه إلا للدنيا فإن أعطاه منها وفا وإن لم يعطه منها لم يف". فالواجب على جميع المسلمين تقوى الله في المعاملة والحذر من أسباب غضب الله وأليم عقابه الذي توعد به أصحاب الغش والخيانة والكذب كما يجب على الجميع التواصي بالصدق والنصح وتقوى الله في جميع الأمور؛ لأن في ذلك سعادة الدنيا والآخرة وصفاء القلوب وصلاح المجتمع, وفي ذلك أيضا حصول البركة في المعاملة, والسلامة من أكل الحرام ومن ظلم المسلم لأخيه. وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا وشبك بين أصابعه" وقال ﵊: "مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد, إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى". وأسأل الله سبحانه أن يصلح أحوال المسلمين, ويجمع قلوبهم على التقوى, ويصلح قادتهم ويمنحهم جميعا الصدق والنصح في جميع الأمور, والتعاون على البر والتقوى. إنه جواد كريم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وأله وصحبه ...

стр. 3784

من أعلام الهدى بقلم الشيخ عبد الله الغنيمان: المدرس بكلية الشريعة بالجامعة ابن أبي زيد القيرواني أبو محمد عبد الله بن أبي زيد عبد الرحمن النغزي القيرواني شيخ المالكية بالمغرب، كان إماماً بارعاً في العلوم، واسع الثقافة والاطلاع، متبعاً طريق السلف الصالح، داعياً إليه بالقلم واللسان والعمل، كثير الحفظ, واسع العلم والرواية، فصيح اللسان والقلم, يقول الشعر ويجيده مع صلاح وورع وعفة, قال عنه القاضي عياض: "حاز رياسة الدنيا والدين وكان يُسمى مالكا الصغير، انتفع به خلق كثير في العلم والأخلاق ورحل إليه من أقطار الأرض وكثر الآخذون عنه وعظم شأنهم، عُني بمذهب مالك فلخصه ونشره وملأ البلاد بتآليفه العظمية الفائدة.." له مع أهل البدع والأهواء مواقف مشكورة ومواقع معروفة, وكان مع سعة علمه وكثرة حفظه ذا بيان ومعرفة بما يقول، بصيراً بالرد على أهل الزيغ والانحراف. وكان سريع الانقياد إلى الحق وحيث أنه كان شديد الحب للسنة والتعظيم لها اشتد نكيره على المخالفين لها، ولا سيما في الاعتقاد فرد عليهم وبيّن قبح فعالهم ولهذا نالوا منه بألسنتهم التي لم يسلم منها صاحب سنة، وشنعوا عليه كما هو شأن كل مصلح في أي وقت كان. ثناء العلماء عليه: تقدم قول القاضي عياض أنه جمع رياسة الدين والدنيا، وقال ابن فرحون فيه: "اجتمع فيه الورع والعلم والفضل والعقل"، وقال القابسي: "هو إمام موثوق به في ديانته ورايته"، وقال أبو الحسن بن عبد الله القطان: "ما قلدت أبا محمد حتى رأيت النسائي يقلده". وقال الذهبي:"كان ابن أبي زيد من العلماء العاملين وكان غاية في علم الأصول". مؤلفاته: ابن أبي زيد مؤلف مجيد واسع الفكر دقيق التحقيق وقد كثرت مؤلفاته في حياته وملأت البلاد، ذكر القاضي عياض له ما يقارب من ثلاثين مؤلف ثم قال:"وكل تواليفه مفيدة بديعة غزيرة العلم".

стр. 3785

ومن شعره قوله: تأبى قلوبٌ قلوب قوم. وما لها عندها ذهوب. وتصطفي أنفس نفوسا. وما لها عندها نصيب. ما ذاك إلا لمضمرات. أضمرها الشاهد الرقيب. عقيدته: كان ابن أبي زيد ﵀ سلفيا في عقيدته وسلوكه، بعيدا عن البدع والتحريف معتمدا على كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ غير آبه بمن خالفهما كائنا من كان نصر السنة المحضة والطريقة السلفية لا يداهن في ذلك ولا يماري بل يقول الحق ويجهر به لا يخشى في الله لومة لائم، وشناعة مبتدع سليط اللسان فالله يجزيه خيرا. أنموذج من كتابته في العقيدة: قال في مقدمة رسالته المشهورة: "باب ما تنطق به الألسنة وتعتقده الأفئدة من واجب أمور الديانات": من ذلك الإيمان بالقلب والنطق باللسان أن الله إله واحد لا إله غيره ولا شبيه له ولا نظير له ولا ولد له ولا والد له ولا صاحبة له ولا شريك له. ليس لأوليته ابتداء ولا لآخريته انقضاء لا يبلغ كنه صفته الواصفون ولا يحيط بأمره المتفكرون. يعتبر المفكرون بآياته ولا يتفكرون في ماهية ذاته ولا يحيطون بشيء من علمه إلاّ بما شاء ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ .

стр. 3786

العالم الخبير المدبر القدير السميع البصير العلي الكبير، وأنه فوق عرشه المجيد بذاته [١] , وهو بكل مكان بعلمه, خلق الإنسان ويعلم ما توسوس به نفسه وهو أقرب إليه من حبل الوريد، وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلاّ في كتاب مبين, على العرش استوى وعلى الملك احتوى وله الأسماء الحسنى والصفات العلى, لم يزل بجميع صفاته وأسمائه, تعالى أن تكون صفاته مخلوقة, وأسماؤه محدثة, كلم موسى بكلامه الذي هو صفة ذاته لا خلق من خلقه, وتجلى للجبل فصار دكا من جلاله، وأن القرآن كلام الله ليس بمخلوق فيبيد ولا صفة لمخلوق فينفد، والإيمان بالقدر خيره وشره حلوه ومره وكل ذلك قد قدره الله ربنا ومقادير الأمور بيده ومصدرها عن قضائه، علم كل شيء قبل كونه فجرى على قدره لا يكون من عباده قول ولا عمل إلاّ وقد قضاه وسبق علمه به, ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ , يضل من يشاء فيخذله بعدله ويهدي من يشاء فيوفقه بفضله, فكل ميسر بتيسيره إلى ما سبق من علمه وقدره من شقي أو سعيد، تعالى أن يكون في ملكه ما لا يريد, أو يكون لأحد عنه غنى, أو يكون خالقا لشيء, ألا هو رب العباد, ورب أعمالهم, والمقدر لحركاتهم وآجالهم, الباعث الرسل إليهم لإقامة الحجة عليهم ثم ختم الرسالة والنذارة والنبوة بحمد نبيه ﷺ فجعله آخر المرسلين بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً, وأنزل عليه كتابه الحكيم, وشرح به دينه القوي, م وهدى به الصراط المستقيم, وأن الساعة آتية لا ريب فيها, وأن الله يبعث من يموت, كما بدأهم يعودون، وأن الله سبحانه ضاعف لعباده المؤمنين الحسنات, وصفح لهم بالتوبة عن كبائر السيئات, وغفر لهم الصغائر باجتناب الكبائر, وجعل من لم يتب من الكبائر صائرا إلى مشيئته، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾

стр. 3787

، ومن عاقبه الله بناره أخرجه منها بإيمانه فأدخله به جنته، ومن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، يخرج منها بشفاعة النبي ﷺ من شفع له من أهل الكبائر من أمته، وأن الله سبحانه قد خلق الجنة فأعدها دار خلود لأوليائه وأكرمهم فيها بالنظر إلى وجهه الكريم وهي التي هبط منها آدم نبيه وخليفته إلى أرضه بما سبق في سابق علمه، وخلق النار فأعدها دار خلود لمن كفر به وألحد في آياته وكتبه ورسله وجعلهم محجوبين عن رؤيته، وأن الله ﵎ يجئ يوم القيامة والملك صفا صفا لعرض الأمم وحسابهم. وتوضع الموازين لوزن أعمال العباد ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ , ويؤتون صحائفهم بأعمالهم فمن أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا ومن أوتي كتابه وراء ظهره فأولئك يصلون سعيرا. وأن الصراط حق يجوزه العباد بقدر أعمالهم فناجون متفاوتون في سرعة النجاة عليه من نار جهنم وقوم أوبقتهم فيها أعمالهم. والإيمان بحوض رسول الله ﷺ ترده أمته لا يظمأ من شرب منه ويذاد عنه من بدل وغير. وأن الإيمان قول باللسان وإخلاص بالقلب وعمل بالجوارح يزيد بزيادة الأعمال وينقص بنقصها فيكون بها النقص وبها الزيادة ولا يكمل قول الإيمان إلا بعمل، ولا قول ولا عمل إلا بنية، ولا قول وعمل ونية إلا بموافقة السنة. وأنه لا يكفر أحد بذنب من أهل القبلة. وأن الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون وأرواح أهل السعادة باقية ناعمة إلى يوم يبعثون وأرواح أهل الشقاوة معذبة إلى يوم الدين. وأن المؤمنين يفتتنون في قبورهم ويسألون، ويثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وأن على العباد حفظة يكتبون أعمالهم ولا يسقط شيء من ذلك عن علم ربهم. وإن ملك الموت يقبض الأرواح بإذن ربه. وأن خير القرون الذين رأوا رسول الله ﷺ وآمنوا به ثم الذين يلونهم.

стр. 3788

وأفضل الصحابة الخلفاء الراشدون المهديون أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ﵃ أجمعين. وأن لا يذكر أحد من صحابة الرسول إلا بأحسن ذكر والإمساك عمّا شجر بينهم وأنهم أحق الناس أن يلتمس لهم المخارج ويظن بهم أحسن المذاهب. والطاعة لأئمة المسلمين من ولاة أمورهم وعلمائهم واتباع السلف الصالح واقتفاء آثارهم والاستغفار لهم وترك المراء والجدال في الدين وترك كل ما أحدثه المحدثون وصلى الله على سيدنا محمد نبيه وعلى آله وأزواجه وذريته وسلم تسليما كثيرا انتهى. توفي ابن أبي زيد ﵀ في النصف من شعبان سنة ٣٨٦ هـ سنة وثمانين وثلاثمائة، ودفن في داره بالقيروان ﵀ وعفا عنه. ((الصدق)) عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة. وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا. وإياكم والكذب. فإن الكذب يهدي إلى الفجور. وإن الفجور يهدي إلى النار. وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا ... " متفق عليه. -------------------------------------------------------------------------------- [١] ذكر الحافظ الذهبي جماعة من السلف أطلق هذه العبارة, انظر كتاب العلو صفحة ١٧١ط السلفية.

стр. 3789

حول إعجاز القرآن الكريم الابتداء بأسلوب بقلم الدكتور علي حسن العماري: المدرس بكلية الشريعة بالجامعة من الحقائق الثابتة المقررة التي لا سبيل إلى الشك فيها أن القرآن الكريم كتاب عربي مبين، وأن ألفاظه هي الألفاظ التي كان يستعملها العرب في نثرهم وشعرهم، _ وإن كان يمتاز بالدقة البالغة في اختيار اللفظ لموقعه الذي أريد له _ وأن تراكيب القرآن هي تراكيبهم، وأن الطرق التي سلكها في أداء أغراضه ومعانيه هي طرقهم، ولكنه يمتاز _ أيضا _ ويتفرد بسمو التراكيب، وعلو الطريقة، والروعة المعجزة في اختيار هذه وتلك. غير أن القرآن الكريم خالف نهج العرب وطريقتهم في شيء واحد، هو ذلك البناء الكلي للآية، وللآيات، وللسور، فهو متميز ببناء فريد لم يكن قبله، ولم يأت بعده ما يماثله. وقد أدرك فصحاء العرب ذلك منذ اللحظة الأولى لنزول القرآن الكريم، فمما روي من ذلك ما جاء على لسان الوليد بن المغيرة حين سمع من النبي _ ﷺ _ آيات من القرآن فكأنه رقّ لها، فبلغ ذلك أبا جهل، فأتاه فقال: يا عم, إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالاً ليعطوكه لئلا تأتي محمدا لتعرض لما قاله. قال الوليد: قد علمت قريش أني من أكثرها مالا، قال: فقل فيه قولا يبلغ قومك أنك كاره له. قال: وماذا أقول؟ فوالله ما فيكم أحد أعلم بالشعر مني، ولا برجزه، ولا بقصيده، ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي يقول شيئا من ذلك [١] . وفي رواية أخرى أن الوليد جاء يوماً إلى قريش، فقال: إن الناس يجتمعون غداً في الموسم، وقد فشا أمر هذا الرجل في الناس، فهم سائلوكم عنه فمادا تردون عليهم؟ فقالوا: مجنون يخنق. فقال: يأتونه فيكلمونه، فيجدونه صحيحا فصيحا عادلا فيكذبونكم. لقد ولد بين أظهركم لم يغب عنكم ليلة واحدة ولا يوما فهل رأيتموه يخنق قط؟

стр. 3790

قالوا: نقول: هو شاعر, قال: هم العرب، وقد رووا الشعر، وفيهم الشعراء. وقوله ليس يشبه الشعر فيكذبونكم. قالوا: نقول: هو كاهن. قال: إنهم لقول الكهان فإذا سمعوا قوله لم يجدوه يشبه الكهنة فيكذبونكم [٢] . ومن ذلك ما روي عن عتبة بن ربيعة حين سمع النبي ﷺ يتلو سورة (فصلت) ، وأنصت لها، وألقى يديه خلف ظهره معتمداً عليهما، فلما رجع إلى قريش، وسألوه ما وراءك؟ قال: ورائي أني سمعت قولاً، والله ما سمعت بمثله قط، وما هو بالشعر، ولا السحر، ولا الكهانة [٣] . ويؤيد هذين ما جاء في إسلام (أبي ذر) _ ﵁ _: روي أنه قال: "قال لي أخي أنيس: إن لي حاجة إلى (مكة) ، فانطلق، فراث، فقلت: ما حبسك؟ قال: لقيت رجلا يقول: إن الله تعالى أرسله. فقلت: فما يقول الناس؟ قال: يقولون: شاعر، ساحر، كاهن، قال أبو ذر: وكان أنيس أحد الشعراء. قال: تالله، لقد وضعت قوله على أقراء الشعر [٤] ، فلم يلتئم على لسان أحد، ولقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم، والله إنه لصادق، وإنهم لكاذبون. فهذه شهادات ذوات بال من هؤلاء الفصحاء تؤكد أن القرآن الكريم لون مختلف عن ألوان القول التي كان العرب يعرفونها. هو شاعر، هو كاهن. هاتان التهمتان هما أول ما بدأ العرب يتهمون بهما الرسول _ ﷺ _، وقد أبطل القرآن الكريم هاتين التهمتين بصورة قاطعة: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لا تُبْصِرُونَ. إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ. وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ. وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [٥] .

стр. 3791

فمشركو العرب ادعوا أن القرآن شعر، وادعوا أنه كهانة، ومعنى هذا أن شبه القرآن عندهم بالشعر، وبكلام الكهان هو الذي يمكن أن يذيعوه، وهم حريصون على أن يقولوا ما يمكن أن يُصدّقوا فيه، فهم _ بذلك _ يقرون أنه ليس كسائر الكلام، وإنما هو نوع خاص منه، وقد نفى بعض فصحائهم أن يكون القرآن شعراً، أو أن يكون قول كاهن، كما نفى القرآن الكريم ذلك، فثبت أن القرآن في أسلوبه وطريقة أدائه ومبناه الكلي مخالف لكلام العرب، ومتميز عنه، وإن كانت ألفاظه ألفاظهم، وتراكيبه تراكيبهم. ومرت حقب، وظهر البحث في إعجاز القرآن الكريم، وفي بيان أسرار هذا الإعجاز، وفي الحديث عنه بعامة، وكادت تتفق كلمة العلماء على أن القرآن الكريم جاء بأسلوب جديد، غير الأساليب التي يعرفها العرب، فليس هو بشعر، وليس هو بخطابة، ولم يجئ على طريق الحكم والوصايا والأمثال التي أثرت عنهم، ولا الرسائل، ولكل من هذه الأنواع (قالب) خاص معروف لدى العرب، والقالب الذي جاء عليه القرآن الكريم غير كل هذه القولب. ذكر عيسى بن علي الرماني (م ٣٨٦ هـ) في رسالته (النكت في إعجاز القرآن) أن القرآن جاء بأسلوب جديد حيث قال: "وأما نقض العادة فإن العادة كانت جارية بضروب من أنواع الكلام معروفة: منها الشعر، ومنها السجع، ومنها الخطب، ومنها الرسائل، ومنها المنثور الذي يدور بين الناس في الحديث، فأتى القرآن بطريقة مفردة خارجة عن العادة لها منزلة في الحسن، تفوق كل طريقة" [٦] .

стр. 3792

وسار على هذا المنهج أبو بكر الباقلاني فأطال القول في هذا المعنى، ومن ذلك قوله: "إنه نظم خارج عن جميع وجوه النظم المعتاد في كلامهم، ومباين لأساليب خطابهم، ومن ادعى ذلك لم يكن له بد من أن يصحح أنه ليس من قبيل الشعر، ولا من قبيل السجع، ولا الكلام الموزون غير المقفى، لأن قوما من كفار قريش ادعوا أنه شعر، ومن الملحدة من يزعم أن فيه شعراً، ومن أهل الملة من يقول: إنه كلام مسجع، إلا أنه أفصح مما قد اعتادوه من أسجاعهم، ومنهم من يدعي أنه كلام موزون. فلا يخرج بذلك عما يتعارفونه من الخطاب" [٧] . ثم أخذ الباقلاني يبرهن على أن القرآن مخالف لكل واحدمن هذه الأنواع، بل نراه يقول في بعض كلامه: "ولو كان القرآن سجعاً لكان غير خارج عن أساليب كلامهم، ولو كان داخلاً فيها لم يقع بذلك إعجاز". وفي موضوع ثالث يقول: "فاستدللنا بتحريهم في أمر القرآن على خروجه عن عادة كلامهم، ووقوعه موقعا يخرق العادة، وهذه سبيل المعجزات". وظل يردد هذا كثير من العلماء حتى في عصرنا الحديث، فقد قال الدكتور طه حسين، وهو يتحدث عن النثر الفني: "ولكنكم تعلمون أن القرآن ليس نثرا، كما أنه ليس شعرا، إنما هو قرآن، ولا يمكن أن يُسمى بغير هذا الاسم، ليس شعرا، وهذا واضح، فهو لم يتقيد بقيود الشعر، وليس نثرا لأنه مقيد بقيود خاصة به لا توجد في غيره، وهي هذه القيود التي يتصل بعضها بأواخر الآيات، وبعضها بتلك النغمة الموسيقية الخاصة، فهو ليس شعرا ولا نثرا، ولكنه: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ . فلسنا نستطيع أن نقول: إنه نثر، كما نص على أنه ليس شعرا. كان وحيدا في بابه، لم يكن قبله، ولم يكن بعده مثله، ولم يحاول أحد أن يأتي بمثله، وتحدى الناس أن يحاكوه، وأنذرهم أن لن يجدوا إلى ذلك سبيلا". [٨]

стр. 3793

وهذا تأييد لرأي المتقدمين من علمائنا، ولكن فيه بعض الأوجه التي يباين بها القرآن الكريم النثر العربي، فهو مقيد بما يتصل بأواخر الآيات، وهو ذو نغمة موسيقية خاصة _ وإن كنت لا أستريح لوصف ما نحسه في كلمات القرآن بأنه نغمة موسيقية. ونستطيع أن نزيد على ما قاله الدكتور طه: (الجو الخاص) الذي تتسم به كل سورة على حدة، حتى إن المتذوق للقرآن يدرك بحسه أن لكل سورة روحا خاصة، وطابعا خاصا، وطعما خاصا _ إن صح هذا التعبير _ وهو يستطيع أن يدرك حتى ولو كان نسي ما حفظ من القرآن أن هذه الآية من هذه السورة أو ليست منها. وهذا شيء وجدته في نفسي، فقد كانت تمر بي الآية لا أعرف مكانها من سور القرآن فإذا خطر لي أنها من سورة كذا اطمأنت النفس إلى ذلك، أو نفرت منه، لأن فيها جواً خاصاً لكل سورة تستطيع باستحضاره أن تحس بأن هذه الآية من هذا الجو أو ليست منه. وهذا المعنى يجول في نفسي منذ زمن بعيد، وأحس به إحساسا قويا، وقد هممت أكثر من مرة أن أعبر عنه، وأكشف بأسلوب واضح عن جو كل سورة، ولكني لم أستطع، أو قل ولكن وضوح هذا في ذهني لم يكن بالدرجة التي تستطيع قدرتي في اللغة أن تكشف عنه، فهو واضح في حسي كل الوضوح، ولكنه غامض عندما يريد العقل أن يعبر عنه بألفاظ اللغة. وكم تمنيت أن يستطيع أحد من المتذوقين للقرآن الكريم أن يعبر عن هذا الإحساس ولو بأسلوب مقارب، إن لم تسعفه قدرته اللغوية على أن يكشف بوضوح تام. ولأضرب لذلك بعض الأمثلة, أنظر _ مثلاً _ في سورة (النبأ) , وفي سورة (النازعات) وهما سورتان متجاورتان في المصحف، وفواصلهما أكثرها على الألف، ولكنك تجد إحساسك بإحداهما غير إحساسك بالأخرى، وأدل الدليل على ذلك أنك لو أخذت آية من إحداهما وأدخلتها بين آيات الأخرى لنبا بها مكانها، ليس فقط من جهة أن معناها ربما لا يتفق مع سياق الآيات التي أدمجت فيه، ولكن لأن نظمها وطابعها وطعمها، كل ذلك مختلف.

стр. 3794

بل إن القصة القرآنية لها في كل سورة طابع غير طابعها في السورة الأخرى، مع اتحاد المضمون، وهي في ذلك متفقة مع الطابع العام للسورة، حتى إنك _ لو كنت متذوقا للقرآن _ تستطيع أن تقول إن هذه القصة بهذا الأسلوب تشبه أن تكون في سورة كذا. ومما يقرب ذلك بعصر التقريب أنك لو فعلت ذلك في نثر أي كاتب من الكتاب المعرفين بأساليب خاصة. ففي كتاب العربية عدد قليل في القديم والحديث عُرف كل واحد منهم بأسلوب خاص، فلو أنك أخذت فقرة بل فقرات من رسالة كاتب من هؤلاء ووضعتها في رسالة أخرى له لم تشعر بأي تغيير في الأسلوب ما دامت المعاني متلائمة. ومما امتاز به البيان القرآني التلاؤم التام بين مفرداته وتراكيبه ومعانيه، فلو أنك رفعت كلمة من موضعها ووضعت مكانها كلمة مرادفة لها لأدركت بذوقك وإحساسك _ لأول وهلة _ ما اعترى الكلام من الخلل والضعف. نقل الزركشي في (البرهان) عن (ابن عطية) في مقدمة التفسير قوله: "وكتاب الله سبحانه لو نزعت منه لفظة، ثم أدير لسان العرب على لفظه أحسن منها لم توجد". وكذلك لو عبر عن المعنى الذي تضمنته الآية بأي أسلوب آخر لكان الأداء ناقصا، لا سيما عندما ينعم الإنسان النظر فيما تحتويه الآية من معنى. وعند (ابن حزم) الظاهري أن القرآن ليس من نوع بلاغة الناس [٩] ، وأنه ليس من نوع كلام المخلوقين لامن أعلاه ولا من أدناه ولا من أوسطه [١٠] وأن آية ذلك الأقسام التي في أوائل السور، والحروف المقطعة التي لا يعرف أحد معناها، قال: "وبرهان هذا أن إنسانا لو أدخل في رسالة له أو خطبة أو تأليف أو موعظة حروف الهجاء المقطعة لكان خارجاً عن البلاغة المعهودة بلا شك، فصح أنه ليس من نوع بلاغة الناس أصلاً".

стр. 3795

وذكر أن مما تميّز به القرآن عن بلاغة الناس (إدخال معنى بين معنيين ليس بينهما، كقوله تعالى: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِك﴾ . وليس هذا من بلاغة الناس في ورد ولا صدر، ومثل هذا في القرآن كثير. وابن حزم يوافق بذلك ما قاله الباقلاني، ولكنه أكد هذا المعنى لغرض آخر لم يتورع عن إظهاره، فعنده أن القرآن معجز، ولكن إعجازه جاء من منع الله العرب أن يعارضوه، ويسرف في ذلك إسارفاً غير مقبول ولا معقول حيث يقول: "وليس هو في أعلى درج البلاغة لأنه؛ لو كان كذلك _ وقد أبى الله أن يكون _ ما كان حينئذ معجزا، لأن هذه صفة كل باسق في صفته، والشيء الذي هو كذلك، وإن كان قد سبق في وقت ما فلا يُؤمن أن يأتي في غد ما يقاربه، بل ما يفوقه، ولكن الإعجاز في ذلك إنما هو أن الله حال بين العباد وبين أن يأتوا بمثله، ورفع عنهم القوة في ذلك" [١١] . ومن غريب ما ذكره هذا العالم الكبير في هذا الفصل أن كل كلمة قائمة المعنى إذا تليت على أنها من القرآن معجزة، لا يقدر أحد على المجئ بمثلها أبداً، وأن الكلمة المذكورة متى ذكرت في خبر على أنها ليست قرآنا فهي غير معجزة ". قال: "وهذا هو الذي جاء به النص، والذي عجز عنه أهل الأرض مذ أربعمائة عام وأربعمائة عام وأربعين عاما". فابن حزم من القائلين (بالصرفة) وهو مذهب باطل، وقد أثبتُّ بطلانه في غير هذا الموضع [١٢] . ثم إن من العلماء من اعتبر هذا التمايز هو سر الإعجاز، أو هو أحد وجوه الإعجاز، كما مرّ بنا في رأي الباقلاني، ومنهم من سلّم بالتمايز ولكنه أنكر أن يكون هذا هو سر الإعجاز، أو أحد الأسرار فيه.

стр. 3796

ولقد عرض الفخر الرازي لهذا الرأي وفنده في كتابه (نهاية الإيجاز في دراية الإعجاز) قال: "ومن الناس من جعل الإعجاز في أن أسلوبه مخالف لأسلوب الشعر والخطب والرسائل لا سيما في مقاطع الآيات مثل يعلمون ويؤمنون. وهو _ أيضا _ باطل من خمسة وجوه: الأول: لو كان الابتداء بالأسلوب معجزاً لكان الابتداء بأسلوب الشعر معجزاً. الثاني: أن الابتداء بأسلوب لا يمنع الغير من الإتيان بمثله. الثالث: يلزم أن الذي تعاطاه مسيلمة من الحماقة في: (إنا أعطيناك الجماهر، فصل لربك وجاهر) وكذلك: (والطاحنات طحناً) في أعلى مراتب الفصاحة. الرابع: أنا لما فاضلنا بين قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ , وبين قولهم: (القتل أنفى للقتل) لم تكن المفاضلة بسبب الوزن. والإعجاز إنما يتعلق بما به ظهرت الفضيلة. الخامس: وهو أن وصف بعض العرب القرآن "بأن له حلاوة، وإن عليه لطلاوة لا يليق بالأسلوب". هذا. وقد ذكر صاحب (البرهان) من بين الآراء التي قبلت في الإعجاز رأيين: الأول: الفصاحة وغرابة الأسلوب، والسلامة من جميع العيوب وغير ذلك مقترناً بالتحدي. قال: "واختاره الإمام فخر الدين". الثاني: ما في القرآن من النظم والتأليف والترصيف، وأنه خارج عن جميع وجوه النظم المعتاد في كلام العرب، ومباين لأساليب خطاباتهم، واختاره القاضي أبو بكر [١٣] . فيبدو أنه يفرق بين (غرابة الأسلوب) وبين (خروج القرآن عن جميع وجوه النظم المعتاد في كلام العرب) أو كما عبّر عنه بعضهم (الابتداء بأسلوب جديد) . فيبدو أنه يظهر الفرق بين الأمرين، وإنما الفرق بين هذين الوجهين أن القائل الأول يجعل (غرابة الأسلوب) أحد أسرار الإعجاز، فهو وجه منضم إلى غيره من الفصاحة والسلامة من جميع العيوب.

стр. 3797

وقد سبق أن نقلت إبطال الرازي للوجه الثاني من هذين الوجهين، فهل هو قائل بالوجه الأول، كما نقل عنه السيوطي في (الإتقان) ؟. الفخر في كتابه (نهاية الإيجاز) ذكر أربعة مذاهب في الإعجاز، وأبطلها جميعاً، وهي الصرفة (مذهب النظام ومن نهج نهجه) ، والأسلوب المخالف لأسلوب الشعر والخطب والرسائل، وعدم الاختلاف والتناقض في القرآن، وعدم اشتماله على العيوب. ثم قال: "ولما بطلت هذه المذاهب، ولا بد من أمر معقول حتى يصح التحدي به، ويعجز عنه الغير، ولم يبق وجه معقول في الإعجازسوى الفصاحة علمنا أن الوجه في كون القرآن معجزاً هو الفصاحة". ثم يفسر (الفصاحة) بأنها "المزايا التي ظهرت لهم في نظم القرآن، والبدائع التي راعتهم من مبادئ الآيات ومقاطعها، وفي مضرب كل مثل، ومساق كل خبر، وصورة كل عظة وتنبيه وإعلام وتذكير". على أن الرازي نهج في رده على القائلين بأن وجه الإعجاز هو الابتداء بأسلوب نهج القاضي عبد الجبار المعتزلي، فأكثر الردود التي ذكرها الرازي أخذها مما كتابه هذا المؤلف [١٤] . وسواء كان الأسلوب المنفرد وجه الإعجاز، أو أحد الوجوه، أو ليس وجهاً في الإعجاز، فالذي لا شك فيه أن القرآن الكريم في بنائه مخالف لكل أبنية الأدب العربي، ولكنه _ مع ذلك _ لم يترك وجهاً من وجوه فصاحتهم وبلاغتهم إلا اشتمل عليه. فهو من ناحية البناء الكلي متميز عن ضروب شعرهم وألوان نثرهم، ومن ناحية استخدام الألفاظ، واستعمال التراكيب آخذ بكل مظاهر بلاغتهم وفصاحتهم. -------------------------------------------------------------------------------- [١] الإتقان في علوم القرآن ح٢ ص١١٧. [٢] الرسالة الشافية للإمام عبد القاهر الجرجاني (ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن) ص١١١. [٣] المصدر السابق ص١١٣. [٤] الأقراء: القوافي. واحدها قرء. [٥] سورة الحاقة ٣٨_٤٣.

стр. 3798

[٦] ص ١٠٢ ضمن ثلاث رسائل. [٧] إعجاز القرآن ص٧٥. ط. دار المعارف. وتلاحظ أنه يجعل من الكلام (موزونا غير مقفى) ويبدو أنه يريد به (النثر الفني) . [٨] من حديث الشعر والنثر ص٣١. [٩] الفصل في الملل والنحل ح١ ص٨٧. [١٠] المصدر السابق ح٣ ص١٢. [١١] ح١ ص٨٧. [١٢] انظر كتابنا (حول إعجاز القرآن) . [١٣] ح٢ ص٩٧. [١٤] انظر كتاب المغني للقاضي عبد الجبار ح١٦ ص١١٦،٢١٧.

стр. 3799

قضايا أساسية في تطوير المكتبة العربية والإسلامية بقلم عيد عبد الله السيد: خبير مكتبة الجامعة تحدثنا في العدد السابق عن نشأة المكتبة الإسلامية وعن اهتمام الإسلام بالعلم وتدوينه وعن ازدهار المكتبات الإسلامية وانتشارها وضربنا أمثلة لذلك بخزانة الحكمة في بغداد وبالمكتبات الإسلامية في الأندلس وفي مصر الفاطمية. ثم تساءلنا عن مدى الاهتمام بالمخطوطات وتحدثنا عن خير الوسائل لحفظ التراث العربي الإسلامي. ثم تحدثنا عن ماهية المكتبة في العصر الحديث وعن موقع أمين المكتبة من الخدمة المكتبية وموقفه من المعرفة الإنسانية. وتحدثنا في شيء من الصراحة عن نواحي النقص الرئيسية التي تعاني منها المكتبات العربية. ثم تساءلنا بعد ذلك عمّا إذا كان من الممكن تقويم أداء المكتبة وبيان مدى ما تحققه من خدمة حالية وما يمكن أن تقدمه من خدمات مستقبلا؟ الجواب على هذا السؤال هو الذي نعالجه في مقالنا هذا إن شاء الله. وبعد فإن أداء المكتبة - أي مكتبة - لوظيفتها يشمل تنظيم أقسام المكتبة وتوزيع الاختصاصات بينها وتحديد صلاتها بعضها ببعض ويشمل العمليات الإدارية المختلفة بالمكتبة من حيث الموظفون والمبنى والأثاث والأجهزة ويشمل كل العمليات المالية المتعلقة بإنفاق المكتبة لمخصصاتها ويشمل اختيار المواد العلمية من كتب ومطبوعات وغيرها ومن ثم إعدادها للاستعمال خلال إجراءات فنية خاصة ويشمل صيانتها وترميمها وتجليدها والتخلص من بعضها وتيسير استعمالها عن طريق إعارتها أوعن طريق إرشاد القراء لكيفية الانتفاع بها. وأداء الخدمة المكتبية قد يشمل فوق ذلك جهود المكتبة في توثيق التعاون مع مجتمعها أو مع غيرها من مكتبات أو مؤسسات علمية داخلية أو خارجية. ومن الجوانب الأساسية التي تثار عند تقويم مكتباتنا للحكم لها أو عليها.

стр. 3800

١- موارد المكتبة: (أي تمويلها ونظمها الإدارية وموظفيها ومجموعاتها من الكتب ومواد القراءة) . ٢- خدمات المكتبة: (وتشمل إعداد المجموعات وإعارتها وخدمة المراجع وإرشاد القراء وتعليم الكبار واستعمال المواد التي لا تعار والدعوة المكتبية. والمقصود بإعداد المجموعات في المكتبة هو العمليات الفنية بالمكتبة كالتصنيف والفهرسة والببليوجرافيات وغير ذلك من وسائل. ويعتمد تقويم المكتبة على سجلاتها وإحصائياتها، إلاّ أن كثيرا من المكتبات في عالمنا العربي لا تعني بسجلاتها عناية كافية أو تجمعها على أسس خاطئة لا قيمة لها من حيث المدلول العلمي. على أن استعمال المكتبة وخدماتها التعليمية وصلاتها الاجتماعية هي مجالات لم تحظ عندنا حتى الآن بإشراف أو تفتيش أو تقويم، بل ولم تتعرض لأي نوع من النقد الذاتي والتقويم الذاتي داخل مكتبات قد لا يدري أمناؤها حدود مهنتهم بمعناها الكامل في العصر الحديث، وفي أكثر الأحيان لأسباب لا دخل لهم فيها. وسأقتصر هنا على تقويم إعداد المجموعات العلمية داخل المكتبة وبمعنى آخر سأخصص حديثي للأعمال الفنية في المكتبات العربية وبخاصة الفهرسة والتصنيف ورءوس الموضوعات. أولا- الفهرسة الوصفية: مهمة الفهرس في المكتبة هو الإجابة عن الأسئلة التي بذهن القارئ: أي كتاب يقرأ؟ لأي مؤلف يقرأ؟ في أي موضوع يقرأ؟ لكن في أي شكل يعد هذا الفهرس؟ هل يكون على شكل بطاقات؟ أو يكون فهرسا محزوما؟ أو يكون فهرسا مطبوعا؟ وأي أنواع هذه الفهارس أفضل للاستعمال؟ وأيسر للقارئ؟ تستخدم معظم المكتبات الفهرس البطاقي ومنها ما يستخدم الفهرس المصنف على شكل كتاب مطبوع ولا زال قليل من المكتبات تستخدم الفهرس المحزوم كما هو الحال في المكتبة العامة لجامعة القاهرة [١] .

стр. 3801

وفهرس المكتبة بيان شامل لمحتوياتها من المطبوعات والمخطوطات والخرائط والمصورات وغير ذلك ينظم وفق ترتيب خاص ييسر الحصول على الكتاب المطلوب من المكتبة بأسرع ما يمكن. وقد شاع في المكتبات الإسلامية في عصر ازدهارها فهارس منظمة بدقة حسب محتوياتها كما كانت تلصق قائمة بأسماء الكتب التي تحتويها دواليب هذه المكتبات على كل دولاب بالمكتبة. بجانب كل كتاب في هذه القوائم رقمه الخاص به على أن هذه النظم وغيرها قد اندثرت عند اختفاء هذه المكتبات وتفرقها. على أن أيسر الطرق لفهرسة الكتب في العصر الحاضر هي الطريقة التي ترتب الكتب في الفهرس حسب حروف الهجاء التي كتبت بها هذه الكتب. وغالبا ما يكون في المكتبات في العصر الحاضر فهارس بالمؤلف وأخرى بالعنوان وثالثة بالموضوع وكلها تستخدم الترتيب الهجائي بالإضافة إلى نوع رابع من الفهارس هو الفهرس المصنف أي الذي يصف الكتب طبقا لأرقام تصنيفها. ويستخدم في إعداد فهرس البطاقات بطاقات من أحجام مختلفة منها ما هي ١٢×٧ سم أو ١٣×٩سم وهذا المقياس يجري العمل به في معظم المكتبات في كل دول العالم وتثقب البطاقة في منتصف طرفها الأسفل لتجمع مع مثيلاتها في قضيب معدني ضمن صندوق البطاقات التي سبقت فهرستها ويمكن أن تكون هذه البطاقات من ألوان مختلفة فيكون اللون الأبيض للبطاقات الخاصة بالمؤلفين مثلا ولون آخر لبطاقات العناوين ولون ثالث لبطاقات الموضوعات، ومهمة ذلك التيسير على المطالع في التعرف على الفهارس بمعرفة ألوانها. ومن مزايا فهرس البطاقات سهولة الاستعمال وإضافة الكتب الجديدة التي ترد إلى المكتبة إليه في حينها دون تأخير وربما كان أطول عمراً من الفهارس المطبوعة نفسها.

стр. 3802

وتعتمد معظم المكتبات في إعداد فهارسها على قواعد الفهرسة الوضعية المتبعة بمكتبة الكونجرس الأمريكية وعلى تلك التي أعدها الدكتور محمود الشنيطي والدكتور محمد المهدي في شكل كتاب باللغة العربية وربما استخدمت المكتبات في الفهرس المصنف [٢] الجدول الثالث من نظام ديوي المعدل بمعرفة الدكتور الشنيطي والدكتور أحمد كابش. وكانت المكتبات إلى عهد قريب تعتبر العنوان مدخلاً رئيسياً للكتاب كما كان الحال في دار الكتب المصرفية وغيرها حتى أكثر من عامين مع عمل بطاقات إضافية بالمؤلفين والموضوع وما إلى ذلك وفي إعادة إنشاء فهارس المكتبة يراعى حاليا آخر ما وصلت إليه قواعد الفهرسة الوصفية ومنها أن يكون المدخل الرئيسي للكتاب في بطاقات الفهارس بالمؤلف بدلاً من العنوان. ومما يواجه المفهرس عند مزاولة عمله في أي مكتبة عربية مشكلة مداخل الأسماء العربية القديمة والحديثة وقد استقر رأي كثير من المفهرسين على أن يدخل الكتاب بالاسم الكامل للمؤلفيها عدا الأسماء العربية القديمة للكتب التي ألفت قبل سنة ١٨٠٠ م أي سنة ١٢٠٠هـ فهي تدخل في عرف هؤلاء المفهرسين تحت اسم الشهرة. فمثلا كتاب (الأم) بن إدريس الشافعي يدخل في الفهرس البطاقي تحت اسم الشافعي مع عمل بطاقة إحالة (انظر) هكذا: محمد بن إدريس الشافعي انظر الشافعي ............... وهكذا أما كتاب (المكتبات العامة بين التخطيط والتنفيذ) لأحمد أنور عمر أستاذ علم المكتبات بجامعة القاهرة فيدخل تحت اسم أحمد أنور عمر دون تعديل أو تقديم أو تأخير في الاسم. ولعل أفضل أن تكون مداخل الكتب باسم الشهرة في جميع الأسماء لأنها هي الأسماء المعروفة لدى القارئ والمعروف بها المؤلف حتى ولو كان قد ولد بعد سنة ١٨٠٠ م. فمثلا كتاب (الميراث) للشيخ محمد عبد الرحيم منصور الكشكي وهو أستاذ معاصر بجامعة الأزهر ومعروف في الأوساط العلمية والطلابية بالشيخ الكشكي.

стр. 3803

نرى أنه من المفضل أن يدخل تحت اسمه الذي اشتهر به وكذلك عباس محمود العقاد اشتهر بالعقاد ومصطفى صادق الرافعي بشهرته الرافعي. . . إلى غير ذلك من أمثلة كثيرة. وفي رأيي أن اسم الشهرة أدل على صاحبه دائما أما ما عدا ذلك من أسماء فيكون المدخل بالاسم الكامل للمؤلف وتكتب الأسماء الأجنبية بالخط العربي باسم الأسرة (Family Name.) كما هو متبع في لغته الأصلية. فمثلا كتاب ول. ديورانت (قصة الحضارة) يدخل تحت (ديورانت، ول.) ومؤلفات شكسبير تدخل تحت (شكسبير) وهكذا. ولا خلاف في أن هناك كثيراً من التصانيف والتآليف تحتاج إلى معالجة خاصة في الفهرسة فبعض الكتب له حاشية وتعليق, وتعليق على التعليق وحاشية على الحاشية أي أنه يكون في الواقع عدة كتب في كتاب أو مجلد واحد. وتعالج هذه المشكلة وما يناظرها - غالباً - أسفل البطاقة الرئيسية ببيان ما يشير إلى ذلك باقتضاب واختصار. فمثلاً يكتب في أسفل البطاقة بالكتاب: شروح وهوامش وتعليق. . . الخ من أمور تفيد في وصف الكتاب وتقرب صورته للقارئ. ومن الأمور المهمة أن تعتمد المكتبات العربية في تحقيق الأسماء العربية على كتب التراجم وكتب الببليوجرافيا مثل تراجم الفقهاء وطبقات الشافعية وطبقات الصحابة ومعجم الأدباء والضوء اللامع وتاريخ بغداد والفهرست لابن النديم وكشف الظنون لحاجي خليفة. . . ونحن ننتظر اليوم الذي نتمكن فيه من عمل قائمة خاصة بهذه الأسماء تفيد في هذه الأمور، إلا أن الجهاز الحالي بمكتباتنا العربية لا يمكنه إنجاز مهمة ضخمة كهذه، ومن ثمة فسنظل لوقت طويل نعتمد على كتب التراجم ما ذكرت منها وما لم أذكر إلى أن يتم عمل بديل لذلك.

стр. 3804

هذا، وتصنف البطاقات في الفهرس دائماً هجائياً تحت اسم المؤلف وهجائيا تحت العنوان وهجائياً بالموضوع. أما فهارس المواد - غير الكتب - كالدوريات والخرائط والمواد السمعية والبصرية والأفلام والمخطوطات والاسطوانات وغير ذلك فليس لها وجود بكثرة في المكتبات العربية بل قد لا يكون لنفس هذه المواد وجود. وفي حالة وجودها والرغبة في فهرستها نرى اتباع الطريقة المستعملة بشأنها في دار الكتب المصرية ومكتبة الكونجرس الأمريكية. ويمكن القول أن الفهرسة الوصفية في العالم العربي - حتى الآن - ليست موحدة ولا مقننة ونرى أن تبذل جهود جادة يتم بمقتضاها في القريب العاجل عمل الفهرس البطاقي الموحد لا بالنسبة لدولة عربية على حدة بل بالنسبة لكل الناطقين بالضاد كما هو الحال في مكتبة الكونجرس الأمريكية والمكتبات الأمريكية والإنجليزية الأخرى. ثانيا - التصنيف: يحتل التصنيف مكان الصدارة بين فروع علم المكتبات إذ هو يتناول التنظيم المقنن للمعرفة البشرية كما هي ممثلة في الكتب ومواد القراءة وهذه هي العملية الرئيسية الأولى من بين العمليات التي تقوم بها المكتبة لترتيب كتبها حتى يتيسر لها أداء الخدمة المكتبية للقارئ في أقل وقت ممكن ولهذا يعتبر الكثيرون أن التصنيف هو أساس علم المكتبات. لذا اهتم كثير من المشتغلين بالمكتبات بنظم التصنيف وخاصة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. ففي سنة ١٨٧٦ م صدرت الطبعة الأولى من التصنيف العشري للمكتبات الذي يعد بمثابة نقطة هامة بل وحاسمة في تاريخ علم المكتبات. ولعل علماء التصنيف أو بالأحرى واضعي خطط التصنيف هم أشهر علماء المكتبات وقد أصبح (ملفل ديوي) علماً على هذه المهنة في أمريكا وفي أجزاء أخرى من بلدان العالم. كما وضع (كنز) خطة التصنيف الواسعة التي تلافي فيها العيوب العملية في خطة ديوي في رأي كثير من الناقدين.

стр. 3805

وفي بريطانيا وضع (براون) التصنيف الموضوعي رغبة منه في أن يفي باحتياجات المكتبة البريطانية التي أهملها ديوي. . وقد حقق أوتليه ولافونتين في قارة أوروبا حلم الببليوجرافيا العالمية كما وضعت مكتبة الكونجرس الأمريكية نظاماً خاصاً بها. وغير هؤلاء كثيرون نذكر منهم ريتشاردسون ثم رانجاناثان صاحب المدرسة الخاصة في التصنيف والذي تتلمذ عليه ملز صاحب كتاب. Amodern out Line Library Classification وقد ترجمه زميلنا الدكتور عبد الوهاب أبو النور مدرس علم المكتبات بجامعة القاهرة بعنوان (نظم التصنيف الحديثة في المكتبات) . ولم تظهر حتى الآن مؤلفات كثيرة في التصنيف فيما يتعلق بالمكتبة العربية الإسلامية. وترتب الكتب بالمكتبات العربية النامية طبقا لخطة ديوي العشرية المعدلة وخاصة الجدول الثالث مضافا إلى ذلك الحرف الأول والثاني والثالث من اسم المؤلف وترتب على الرفوف طبقا لهذه الطريقة وربما استخدم الكثير من المكتبات حتى الآن الأرقام المسلسلة لورود الكتب في ترتيبها على الرفوف. وتستخدم بعض المكتبات الفهرس المصنف أو الفهارس الموضوعية ومن فوائد الفهرس المصنف أنه يفيد في جرد المكتبة وفي حصر عدد الكتب في مختلف فروع المعرفة بالمكتبة. ونحن نرى أن التعديل الذي استحدثه الدكتور محمود الشنيطي وزميله الدكتور أحمد كابش والذي يعتمد على الطبعة الثامنة لخطة ديوي لا يكفي بشكله الحالي للعمل بالمكتبات العربية ولكنه يحتاج إلى تفريعات أدق. ونعتزم أن نقوم بذلك بجهودنا الذاتية أو بمعاونة من يهمه أمر تطوير العمل بالمكتبات العربية والإسلامية إن شاء الله.

стр. 3806

على أن الأمر بالنسبة لتصنيف المكتبة العربية يحتاج بلا شك إلى خطة عربية خالصة تراعي طبيعة التراث الإسلامي والعربي وتعتمد في نفس الوقت على الخطط الأخرى المستعملة في التصنيف ما ذكر منها هنا وما لم يذكر، ونرى مشاركة في وضع أساس مثل هذه الخطة أن تتم على النحو التالي: تقسم المعرفة الإنسانية عشرة أقسام أو أكثر دون التقيد بمنطق ديوي في المعالجة. فمثلًا يمكن أن نبدأ الخطة بالديانات وتنتهي بالمعارف العامة وأن تبدأ بالموضوعات وتنتهي بالأعمال الشاملة وهي مخالفة أصلية وجوهرية لما بخطة ديوي العشرية. فالديانات تقسم إلى: ١- الدين الإسلامي. ٢- الدين المسيحي. . . إلى غير ذلك من الديانات الأخرى مرتبة حسب أهميتها في التصنيف الحديث للمكتبات ومنتهية بالتفريعات التي تخص الدين عموماً. على أن يتم في الخطة وضع الفلسفة بعد الديانات لا قبلها لأن الديانات أسبق وجوداً من الفلسفة ثم التاريخ فالتراجم فالعلوم الاجتماعية والاقتصاد والقانون على أن تركز الخطة على معالجة التاريخ الإسلامي وفي كل ذلك تختم الخطة بالأعمال الشاملة في العلم بدلاً من البدء بها وإن كان ذلك لا يؤثر كثيراً في وضع التصنيف إلا أنه يعطي ملامح جديدة لخطة عربية خالصة. يلي ذلك اللغة فالأدب فالفن ثم العلوم البحتة والتطبيقية ثم المعارف المتنوعة أو العامة في النهاية. وبذلك يكون هذا التصنيف أكثر منطقية من تصنيف ديوي لأنه ربط بين التاريخ والعلوم الاجتماعية, وبين اللغة والأدب والفن, وبين العلوم البحتة والتطبيقية, وعالج الدين بما يستحق من تقدم على الفلسفة وجوداً وأثراً. وفي النية إن شاء الله تقديم تصنيف يحمل مثل هذه السمات. ثالثا - رؤوس الموضوعات: ولكن الشيء المهم هو توحيد النظم الفنية في المكتبات العربية ومنها التصنيف ذلك أن تطبيق نظام شائع قد يفضل على نظام أكثر صحة ولا يتمتع بمثل ذلك الشيوع.

стр. 3807

وبالنسبة لاختيار رؤوس الموضوعات والإحالات فيمكن للمكتبات بصفة مبدئية استخدام جداول ديوي المترجمة في هذا الصدد بالنسبة للكتب العربية وقائمة سيرز بالنسبة للكتب الإفرنجية ولا مانع أن تستعين المكتبة - في اختيار رؤوس الموضوعات - بالمعلومات الواردة في كتاب إحصاء العلوم للفارابي والفهرست لابن النديم وكشف الظنون لحاجي خليفة ومفتاح السعادة لطاس كبرى زاده وغير ذلك من الكتب العربية، وخاصة فيما يتعلق بالعلوم العربية والإسلامية ويمكن بالاستعانة بأمثال هذه الببليوجرافيات العربية عمل قائمة موحدة لرؤوس الموضوعات تستخدم في المكتبات العربية كلها. ويجب أن نختار رؤوس الموضوعات الدقيقة مع استخدام مصطلح واحد للدلالة عليها وعمل الإحالات المناسبة إلى الموضوع المستخدم من المصطلحات الأخرى ولم تتضح بعد الحاجة الشديدة إلى رؤوس الموضوعات الأجنبية لخلو التراث الفكري في كثير من المكتبات العربية من كتب أجنبية ولأن قوائم رؤوس الموضوعات الأجنبية متوفرة ومستخدمة بالفعل. إما عن طريقة صياغة رؤوس الموضوعات فبالنسبة للرؤوس المفردة يختار رأس الموضوع الأكثر دلالة عليه وترتب هذه الموضوعات هجائيا. أما رؤوس الموضوعات المكونة من أكثر من كلمة أي التي من عدة كلمات كالصفة والموصوف والمضاف والمضاف إليه فتعالج كما هو ترتيبها في اللغة العربية بلا تغيير وذلك بالنسبة للكتب العربية وقد يكون الأمر عكس ذلك بالنسبة للغات أخرى كالإنجليزية وغيرها. وقد يكون من المستحسن ألا تلجأ المكتبة كثيراً إلى القلب في رؤوس الموضوعات فيما عدا بعض الحالات بالنسبة للأفراد والهيئات ولا سيما الجغرافيا العربية التي قد تكون الضرورة ملحة لقلبها في بعض الحالات. ويجوز أن تجزأ رؤوس الموضوعات في المكتبة حسب الشكل أو الزمان أو المكان وذلك حسب ما تقتضيه طبيعة الكتب أو المواد العلمية وما تفرضه كيفية استعمالها.

стр. 3808

ولا بد أن تستخدم المكتبات الإحالات في رؤوس الموضوعات من الموضوع غير المستخدم إلى رأس الموضوع المستخدم، مستخدمة بطاقة (انظر) إذا كان رأس الموضوع مطابقاً للموضوع المستعمل، أما إذا كان قريباً منه أو يمت إليه بصلة معينة فنستخدم بطاقة (انظر أيضاً) . ولا بد أن تراجع رؤوس الموضوعات المستخدمة باستمرار وأن تغير حسب الحاجة بالاستعانة بالكتب العربية القديمة كإحصاء العلوم وغيره مما ذكر. والمشكلة التي تواجه أمناء المكتبات في اختيار رؤوس الموضوعات العربية هي بالضبط مشكلتهم بالنسبة لخطة تصنيف عربية إذ الأمر يحتاج إلى رؤوس موضوعات موحدة أو قوائم رؤوس موضوعات للمكتبات العامة وأخرى للمكتبات المتخصصة وثالثة للمكتبات الجامعية وهكذا. ولا يمكن الاعتماد على الترجمة عن خطة أجنبية بالنسبة لقائمة رؤوس موضوعات عربية، بل لا بد من الرجوع إلى مصادر التراث العربية الببليوجرافي في هذا الشأن لمخالفة التراث العربي الإسلامي لغيره في الجوهر والشكل ونوعية الاهتمام. فإلى كل غيور على مستقبل الثقافة العربية وحفظ التراث الإسلامي أكتب هذه الكلمات لعلنا نسعى إلى استجلاء ذلك المستقبل فنحاول شق الطريق إليه. من مراجع هذا المقال وسابقه: ١- الفهرست لابن النديم. ٢- كشف الظنون لحاجي خليفة. ٣- مقدمة ابن خلدون وتاريخه. ٤- السلوك للمقريزي. ٥- تاريخ التربية الإسلامية لأحمد شبلي. ٦- السنة قبل التدوين - محمد عجاج. ٧- المكتبة والبحث والمصادر - محمد عجاج. ٨- دراسات في الكتب والمكتبات - عبد اللطيف إبراهيم. ٩- تاريخ الكتاب - سفندال. ١٠- المكتبات العامة بين التخطيط والتنفيذ - أحمد أنور عمر. ١١- نظم التصنيف الحديثة في المكتبات - ملز. ١٢- موجز التصنيف العشري - ملفل ديوي. ١٣- تاريخ مكتبة الإسكندرية - محمد حسين. عدا الكتب الأجنبية.

стр. 3809

(تجارة رابحة) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ . -------------------------------------------------------------------------------- [١] يراد بالمحزوم ذلك النوع من الفهارس الذي يشمل بطاقات طولية الشكل غالبا بها بيانات مطبوعة عن الكتاب تملأ بمعرفة المفهرس وترتب أبجديا ثم تخرم معا بطريقة تيسر وضع بطاقات أخرى إليها عند الضرورة. [٢] يقوم تصنيف ديوي على تقسيم المعرفة الإنسانية إلى عشرة أقسام. وتفريع كل قسم إلى عشرة أفرع وتوزيع كل فرع إلى عشرة أجزاء وهكذا إلى ما لا نهاية. وتجزئ الفروع إلى أجزاء هو ما يطلق عليه الجدول الثالث أو الرتبة الثالثة من نظام ديوي. أي المرحلة الثالثة من التقسيم.

стр. 3810

ليكن شعارنا الدائم الله وحده (٢) للشيخ السعيد الشربيني الشرباصي المدرس في كلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة وإذا استقرت في نفوسها تلك الحقيقة الثابتة التي هي أم الحقائق وغاية الغايات ونهاية النهايات، وأصبحت محور وجودنا منها نندفع ولها نعمل وإليها نعود، فلم نر في هذا الوجود سوى الله وحده، وأن ما عداه صدر عنه ونشأ منه وخضع له واستكان لعزته ودان لسلطاته وخشع لجبروته، لا إله إلا هو الواحد القادر القهار، إذا استقرت في نفوسنا تلك الحقيقة أصبح الإيمان بالله هو الطاقة التي تخلق فينا الحياة، وتصنع لنا الوجود، وصار صدورنا له وورودنا منه وتلاشت الخلائق وما يبدو لها من قوة أو سلطان أو طغيان. انظر معي عبر الزمن إلى فئات المعذبين من المؤمنين وهم حول محمد وعيسى وموسى وإخوانهم المرسلين ـصلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ـ وهم لا يقيمون وزناً لما يصيبهم من عدوان أو طغيان، وعندما كان يقال لهم: إن الناس قد جمعوا لكم. فما يزيدهم هذا التجمع إلا إيماناً على إيمان. وانظر معي إلى قمم الهداية وهي تتعرض لعواصف الجهل وزوابع الكفر وحماقات الشرك فتلقى ذلك كله بالرضا والقبول، وتعطي في مقابل ذلك بسمات ودعوات وتضرعاً إلى صاحب السلطان ومالك الأمر والنهي متفقة بهم وهي تقول: "اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون". وهكذا كان الجهل وعدم العلم هو سر الأسرار في انغلاق الأفهام والأبصار، ولو أن الإنسانية فتحت عيونها على الكون متجردة من الغرض والمرض لوجدت الحقيقة الباهرة التي تجذب الأنظار وتزلزل القلوب والمشاعر:

стр. 3811

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ . ولكن أين العقل؟ أين العقل والهوى غلاب، والشهوة تطغى، والضعف يعجز، والتقليد أيسر من الاجتهاد، أين العقل بل أين الرشاد؟ والإيمان قوة علوية تمد المؤمن بكل الطاقات التي تدفعه إلى التغلب على الصعاب والظفر بما يريد وأنه ليخلق في الفرد رقابة قوية تحاسبه وتسائله وتقيمه وتقعده، فإذا أحسن قصد بإحسانه وجه الله وحده، وذا اشتد كانت شدته غيرة على حدود الله تعالى وحده، وإن قسا كانت قسوته للإصلاح لا للانتقام. وهذه الرقابة أعظم سلطة وأدق قانون وأكبر باعث على التنفيذ، ومعها لا تحتاج الجماعة إلى دعاة أو نهاة، ولا تحتاج الجيوش إلى إثارة حماس أو إلهاب مشاعر ... ... والوحدانية شيء وشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله بداية لهذا الشيء العظيم وإشارة إلى هذه الحقيقة الكبرى. وإن مئات الملايين من المسلمين يرددون هذا القسم مرارا وتكرارا ولا أقول إنه صدر نفاقا أو رياء، بل إنه صدر عن تسليم ورضا، واعتراف وإذعان. ولكن أين حقيقته؟ أين هؤلاء الاخوة الأحباب من حقيقة هذه الحقيقة؟ هل جعلوه الشعار العلوي لمبادئهم وأخلاقهم وتصرفاتهم؟ وهل تجردوا في أعمالهم وأقوالهم وقوانينهم من كل معارضة لهذا الشعار؟

стр. 3812

في كل زمان يتخذ الناس أربابا من دون الله تسيطر على تفكيرهم، وتصرفهم عن حقيقة الحقائق ويحسون أنها تصرف أمورهم ولا أقول: إنهم يعترفون بهذه الآلهةو الحمد لله ـ أو يدينون لها ويصلون من أجلها، ولكنهم من غير اعتراف منهم يتصرفون بوحي منها، وبتأثيرها عليهم، ناسين المصدر الأعلى والمنبع الزاخر لكل حس وكل نفس وكل حركة، وصدق الله العظيم حين كشف هؤلاء ... ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً﴾ . فالقوة الحقيقية لله, والقوة الفعالة له وحده.. وكثيرون يتخذون هؤلاء الأنداد وهم لا يشعرون ... هذا الذي يثق في عون فلان، أو يخيل له أن فلاناً هذا يقدم أو يؤخر وينفع أو قد يضر.. ثم هؤلاء المرؤوسون الذين يطأطئون رؤوسهم لسادتهم وكبرائهم ويصدرون عن رغباتهم وأهوائهم ولو تعارضت مع العدل أو تناطحت مع الحق، وما يصح أن تحنى الرؤوس إلا لخالقها، أو تميل ركوعاً إلا لموجدها. لقد حارب الإسلام بصورة رائعة كل هذا الانحراف منذ البداية، وضرب أمامنا القدوة الكريمة وأعطى العظة البالغة للتخلص من كل شبهة والتجرد لله وحده، والقرآن يحدد وضعه فيقول: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ . ثم لماذا نميل يمنة أو يسرة ونحن نرى الله أقرب إلينا من حبل الوريد، نجده تجاه عيوننا، وفي قلوبنا وأبصارنا. وحقيقة الحقائق تطالعنا في كل ضوء مع كل ظل، ولا تعزب عن خاطر المنصف لحظة..

стр. 3813

انظر معي هذه الشمس التي تملأ الدنيا ضياء، وهي مع ما تعطي من دلالات عن مصدرها وخلقها تعطي في الوقت نفسه دلالات أصلية على صدق هذه الحقيقة بحركتها وانتقالها وأشعتها، فالضوء والظل وهما ظاهرة مستمرة دائبة تعطي لنا هذه الظاهرة قصة حزينة عن طبيعة هذا العلم المتغير الفاني. إن الظل يمثل الحياة تماماً، وهو في امتداده لا يستقر على حال بل وفي لحظات استقراره -كما يخيل لنا- يتحرك وينتقل ويتغير.. وفي مقابله الضوء يقوم بمثل هذه التغييرات.. وما هي إلا ساعات وتنقلب الحال، ويأخذ النور مكان الظلام، ويأخذ الظلام مكان النور، وتصبح الشمس في المغرب بعد أن كانت في المشرق. هذا البرمج اليومي الذي تعرضه العناية الإلهية بالضوء والحس كل يوم لا يحتاج فقط إلى توجيه او تنبيه. وإنما يحتاج فقط إلى (لحظة تأمل) فتحة عين، نظرة فكر، وعلى أثر ذلك تحدث الهزة النفسية والإشراقة الروحية والتفتح القلبي لرؤية النور ولمعرفة الطريق. وما هو إلا تجرد من الأوهام وتخلص من الجمود وانطلاق من الجهالة إلا ونرى الحقيقة العميقة، الحقيقة الرائعة ونسعد بالإيمان الصحيح يتبعه اعتراف صادع بعظمة الخلاق وإقرار قوي بسلطته المطلقة التي لا يشاركه فيها سواه. إني أطلب تركيز هذه الحقائق في نفوسنا وضمائرنا ومشاعرنا لتظل عيوننا معلقة بالسماء، مقدرة لحق الله تعالى، فلا تنصرف إلى سواه ولا تتعلق بما عداه. ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ. .﴾ أيها الإيمان العظيم حينما تنزل إلى قلوبنا وتستقر بين جوانحنا نستطيع أن نكون قوة فعالة تستعذب المر، وتستطيب العلقم وتستذل الجبروت وتحتقر كل متاع الوجود، وتغير جهالات العالم، وتطهر دروبها، وتنير آفاقها. .

стр. 3814

ليبلوكم أيكم أحسن عملا لفضيلة الشيخ ربيع بن هادي: الدراسات العليا بمكة المكرمة الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله إمام الموحدين وقائد الغر الميامين محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وبعد: فإن الله العليم الحكيم في خلقه وشرعه وقدره وفي أقواله وأفعاله قد خلق هذا الكون الكبير السموات والأرض وما فيها من آيات عظيمة مما يشاهد وما لا يشاهد وما يعلمه الإنسان وما لا يعلمه لحكمة عظيمة وغاية جليلة هي ابتلاء البشر في هذه الحياة الدنيا واختبارهم أيهم أحسن عملاً، كما ذكر ذلك في محكم ذكره ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ , وهذا الابتلاء هو المذكور في قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ وهو المقصود في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ﴾ ومن هنا يعلم الإنسان مكانته في هذا الوجود ويعرف قيمته.

стр. 3815

وأن هذا الامتحان والابتلاء الذي أعده الله له أمر له خطره بحيث سخر من أجله هذا الكون العلوي والسفلي فالسماوات بأفلاكها وكواكبها وشمسها وقمرها قد سخرت لك أيها الإنسان لتقوم بأداء هذا الامتحان على أكمل الوجوه، قال الله ﵎: ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ وشكر الله المذكور في الآية يتحقق بالقيام بتلك الغاية التي خلقت من أجلها, والتفكير الجاد يؤدي إلى القيام بهذا الشكر، والله تباك وتعالى يلفت أنظار عباده إلى حسن عنايته بالإنسان ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ﴾ , فيها حض لعباده الواعين الذين أدركوا المهمة التي خلقوا من أجلها أن يغتنموا الفرصة التي أتيحت لهم فلا يضيعوها, ثم بيّن لهم أنه قد أعدّ لهم كل ما من شأنه أن يساعدهم على القيام بواجبهم على أتم الوجوه وأن لهم منزلة عظيمة عند الله بحيث أن ما يشاهدونه مما بين أيديهم وما خلفهم من السموات والأرض قد سخر لهم حتى يشعروا بعظم النعمة وجسامة المسؤولية ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنْسَانَ

стр. 3816

لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ . إمكانية الإنسان وإن الله سبحانه قد زود الإنسان بطاقات ومواهب ترفعه إلى مستوى المسؤولية التي ألقيت على كاهله وتؤهله للخلافة في الأرض فزوده بما يلي: ١- بالعقل الذي يميز به بين الحق والباطل والضار والنافع وأناط التكاليف وربطها بوجوده ورفع التكاليف عند فقدانه. ٢- وهيأ تكوينه وتركيبه الجسمي أحسن تهيئة وأعده أحسن إعداد وخلقه في أحسن تقويم يتلائم تمام التلاؤم والموافقة مع ما كلفه الله به من أعمال وواجبات فيزاولها ويقوم بها بسهولة ويُسر فهو يختلف عن سائر الحيوانات بهذا التركيب الجميل الممتاز والتقويم الأحسن، كلفه بالطهارة على اختلاف أنواعها وتكوينه الجسمي يساعده على القيام بها. وكلفه بالصلاة وهيئته قد أعدها الله أحسن إعداد للقيام بهذا الواجب فهو يستطيع كل أفعال الصلاة من قيام وركوع وسجود كما يستطيع أن يؤدي كل الأقوال من قراءة وتسبيح وسائر الأذكار.

стр. 3817

٣- وزوده إلى جانب ما ركزت فيه من فطرة الاعتراف بالله بإرسال الرسل وإنزال الكتب التي فيها يترتب تفاصيل وبيان كل الواجبات والتكاليف التي يجب أن ينهض بها وما يترتب عليها من سعادة ونعيم وجزاء حسن إن هو قام بها وأداها على الوجه المطلوب، وقبل هذا زوده إلى جانب ما فُطر عليه من فطرة الله وما يؤيد هذه المعرفة من آيات كونية باهرة يشاهدها بعينه ويسمعها بأذنه فتوحي إلى قلبه بما فيها من روعة وجمال وعظمة وإبداع بقدرة خالقها الهائلة وعمله المحيط الشامل وحكمته العليا التي تضع كل شيء في موضعه, زوده بما يعرف به من صفات خالقه ونعوت جلاله مما يزيده علماً وبصيرة ومحبة وتعلقاً بهذا الرب العظيم, وعلى ضوء ما سبق من ذكر الخالق العظيم الموصوف بصفات الكمال ونعوت الجلال, ومن ذكر العبد الذي زوده الله بوسائل عظيمة تؤهله لمعرفة الله وعبادته والقيام بالخلافة في أرضه نستطيع أن نقول إن توحيد الله الذي جاءت به الرسل ودعت إليه ونزلت لبيانه الكتب السماوية نوعان: ١- توحيد المعرفة والإثبات. ٢- توحيد الطلب والقصد. فتوحيد المعرفة والإثبات - وهو يشمل توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات, هو إثبات حقيقة ذات الرب تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله على أساس تنزيهه عن مشابهة المخلوقين, وهذا المبدأ وهو مبدأ التنزيه يرتكز على أدلة وبراهين من القرآن العظيم مثل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ , ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ , ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ .

стр. 3818

وبتعبير آخر نقول إنه يجب الإيمان بما ورد في القرآن والسنة من صفات الله من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل, وهذا المنهج هو منهج السلف الصالح وهو الصراط المستقيم الذي يضمن للمؤمن السلامة من التخبط في ظلمات التشبيه والتعطيل, إذا المشبه كما يُقال يعبد صنماً والمعطل يعبد العدم, وأدلة هذا النوع من التوحيد كثيرة جداً نذكر ما يتيسر، قال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ, هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ, هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ , جمعت هذه الآية بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات، وقال تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ, هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ, هو هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ الحديد. وقال تعالى: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى. إِلاَّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى. تَنْزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى. الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ

стр. 3819

اسْتَوَى. لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى. وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى. اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ . وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ, يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ السجدة. وقال تعالى: ﴿الم اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ , وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ , دلت هذه الآيات على صفات كمال تليق بجلاله وعظمته وهي الإلهية وعلم الغيب والشهادة والرحمة والملك والقدوسية والهيمنة والعزة والجبروت والكبرياء وكونه السلام المؤمن الخالق البارئ المصور والمختص بالأسماء الحسنى وخضوع أهل السماوات والأرض له والعزة والحكمة الأولية والتفرد بالإحياء والإماتة والقدرة الشاملة والأولية المطلقة التي لم يسبقها شيء والآخرية التي ليس بعدها شيء والاستواء على العرش وكونه في السماء على الوجه اللائق به وله صفات أخرى مثل السمع والبصر والإرادة دلت عليها أدلة أخرى من الكتاب والسنة لا يتسع المقام لذكرها كلها يجب أن يكون موقف المؤمن إزاءها موقف الإيمان الكامل والتسليم المطلق وأن يتلقاها بصدر رحب ونفس مطمئنة لا يتسرب إليها حرج

стр. 3820

أو شك, إلا أنه مع الأسف قد لعب الشيطان برؤوس أناس اختلفت نظراتهم ومواقفهم من هذه الصفات ما بين غال في الإثبات إلى أن انحدر إلى مستوى لا يليق به فشبه الله بخلقه ولم يقرأ مثل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ , مما يفيد التنزيه وما بين معطل جريء جحد صفات الكمال ونعوت الجلال وهم ما بين شجاع أعلى هذا الجحد وأبدى صفحته غير هياب ولا متلعثم وما بين مختف وراء ستار من التحريفات سميت تأويلات, وبين ذلك الإفراط وهذا التفريط منهج السلف الصالح وعلى رأسهم رسول الله وصحابته الكرام والتابعون لهم بإحسان وأئمة الهدى, هذا المنهج هو كما قدمنا الإيمان بما وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل ولنذكر هنا ثلاث صفات يتجلى له من خلال الكلام عليها أن الحق كان فيها حليف أهل السنة والجماعة وأن طريقهم هو الطريق المستقيم الذي لا يجوز العدول والإنحراف عنه.
следующие страницы →