← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 3921–3960 · переход к 3926.

стр. 3921

ومن ذلك أنه حرم التقدم بين يديه بالكلام حتى يأذن، وحرم رفع الصوت فوق صوته، وأن يجهرله بالملام كما يجهر الرجل للرجل، وأخبر أن الذين ينادونه وهو في منزله لا يعقلون، لكونهم رفعوا أصواتهم عليه، ولكونهم لم يصبروا حتى يخرج إليهم. قال: وأخبر أن ذلك سبب حبوط العمل، فهذا يدل على أنه يقتضي الكفر، لأن العمل لا يحبط إلا به. وأخبر أن الذين يغضون من أصواتهم عنده هم الذين امتحنت قلوبهم للتقوى، وأن الله يغفر لهم ويرحمهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ. إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ. إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ. وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . قال: ومن ذلك: أن الله حرّم على الناس أن يؤذوه بما هو مباح أن يعامل به بعضهم بعضا، تمييزا له، مثل أن ينكح أزواجه من بعده ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً﴾ . قال: ومن ذلك أنه خصه بالمخاطبة بما يليق به فقال: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً﴾ . فنهى الله أن يقول أحد من الناس: يا محمد, أو: يا أحمد, أو: يا أبا القاسم, ولكن يقولون: يا رسول الله, يا نبي الله.

стр. 3922

قال أبو علي: وإذا ذكر في غيبته حيا أو ميتا يقولون: رسول الله ﵌, نبي الله صلى الله وعليه وآله وسلم، فقد قال: "البخيل كل البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي". قال أبو العباس ابن تيمية ﵀: "وكيف لا يخاطبه الناس بذلك والله أكرمه في مخاطبته إياه بما لم يكرم به أحدا من الأنبياء، فلم يدعه باسمه في القرآن قط، بل يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ﴾ , ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ..﴾ , ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ , ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ , ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً﴾ , ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ , ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ﴾ , ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ ". قال: "مع أنه قد قال للأنبياء قبله: ﴿يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ﴾ , ﴿يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِم﴾ , ﴿يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ , ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ , ﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاس﴾ , ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ﴾ , ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾ , قال: "وقد أوجب الله على جميع الخلق أن يقابلوه من الصلاة والسلام والثناء والمدحة والمحبة والتعظيم والتعزير والتوقير والأدب معه في الكلام والطاعة للأمر والنهي. قال: "ومن ذلك أن الله رفع له ذكره فلا يذكر الله سبحانه إلا ذكر معه، ولا تصح للأمة خطبة ولا تشهد حتى يشهدوا أنه عبده ورسوله، وأوجب ذكره في كل خطبة، وفي الشهادتين اللتين هما أساس الإسلام، وفي الأذان الذي هو شعار الإسلام، وفي الصلاة التي هي عماد الدين". قال:

стр. 3923

"وقرن الله ذكره بذكره، وجمع بينه وبينه في كتابة واحدة، وجعل بيعته بيعة له، وأذاه أذى له، إلى خصائص لا تحصى. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ , ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُهِيناً﴾ قال: "وكان من ربه بالمنزلة العليا التي تقاصرت العقول والألسنة عن معرفتها ونعتها، وصارت غايتها من ذلك بعد التناهي في العلم والبيان، الرجوع إلى عيها وصحتها". قال: "فمن ذلك أن الله تعالى أمر بالصلاة عليه والتسليم بعد أن أخبر أن الله ملائكته يصلون عليه، والصلاة تتضمن ثناء الله عليه، ودعاء الخبر له، وقربته منه ورحمته له، والسلام عليه يتضمن سلامته من كل آفة، فقد جمعت الصلاة عليه والتسليم جميع الخيرات، ثم إنه يصلي سبحانه عشرا على من يصلي عليه مرة واحدة، حضا للناس على الصلاة عليه، ليسعدوا بذلك، وليرحمهم الله بها. ويقول أبو علي - كما أبو العباس ﵀:"فلرسول الله ﵌ الوسيلة والفضيلة والمقام المحمود ولواء الحمد الذي تحته كل حماد، صلى الله عليه وعلى آله أفضل الصلوات وأعلاها وأكملها، وأنماها كما يحب أن يصلى عليه، كما ينبغي أن يصل على سيد البشر، والسلام على النبي ورحمة الله وبركاته أفضل تحية وأحسنها وأولاها وأبركها وأطيبها وأزكاها، صلاة وسلاما دائمين إلى يوم الثناء، باقيين بعد ذلك أبدا رزقا من الله ما له من نفاذ".

стр. 3924

فممثل رسول الله متلاعب به ومتماجن، ومفتر عليه كاذب، ومستهين برسول الله وحقه, لا أدب عنده معه وغير معظم له، ولا محترم ولا معزز له ولا موقر، ومن كان كذلك من الناس فهو عاص لله ولرسوله، مخالف لكتاب الله وسنة نبيه، وعليه ما على العصاة من لعنة وطرد وعقوبة ومقت. وبذلك صح الاجماع من الأمة على أن التمثيل برسول الله حرام، والاجتماع حجة ثالثة، وكتاب ابن تيمية الصارم المسلول، هو بصفحاته الستمائة بيان لهذا الإجماع ودليل تفصيلي عليه. وأما تمثيل آل بيت نبينا، وهو كذلك استهتار بهم وسوء أدب معهم، لم تطهرهم من رجس اللعب والمجون من الكذب عليهم والافتراء بالقول والحركات والملامح والشارات - من مثلهم أو مثل واحدا منهم وقد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً..﴾ وقد ورد في تفسير الآية عن رسول الله صلوات الله وسلامه عليه فيما صح عنه وتواتر ورواه عنه عشرة من الصحابة رجالا ونساء ودونته عنه أمهات السنّة. فعن أم سلمة أم المؤمنين عند سنن الترمذي وصححه، وصحيح الحاكم، وسنن البيهقي، وغيرهم قالت: "في بيتي نزلت: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ . وفي البيت فاطمة وعلي والحسن والحسين ﵈، فجللهم رسول الله ﷺ بكساء كان عليه ثم قال: هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا".

стр. 3925

وروته عائشة أم المؤمنين عند أحمد في المسند، ومسلم في الصحيح، ورواه أبو سعيد الخدري عند معجم الطبراني, وسعد عند صحيح الحاكم, وواثلة بن الأسقع عند أحمد في المسند، والحاكم في الصحيح، والبيهقي في السنن، وغيرهم, وأنس عند جامع الترمذي وصححه، ومسند أحمد، وصحيح الحاكم وغيرهم, وزيد بن أرقم عند صحيح مسلم, وابن عباس في معجم الطبراني ودلائل أبي نعيم، ودلائل البيهقي وأبو الحمراء عند تفسير ابن جرير، وتفسير ابن مردويه، قال الترمذي: وفي الباب عن معقل بن يسار فهو برواته العشر متواتر قال أبو العباس ابن تيمية: "وقد أوجب الله على جميع الخلق رعاية حرمة رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، في أهل البيت والأصحاب، بما لا خفاء به على أحد من علماء المؤمنين". فحرمتهم حرمة رسول الله، ومحبتهم محبة لرسول الله، والأدب معهم أدب مع رسول الله صلوات الله وسلامه عليه. ومن مثلهم أو مثل واحدا منهم لم يحترم رسول الله، ولم يحبه، ولم يتأدب معه، وكان من العصاة المستهزئين، وعليه ما على العصاة والجناة من أدب وتعزير. وآل البيت قد أمر النبي صلوات الله وسلامه عليه بالتمسك بهم، وقرن التمسك والهداية بهم، بالتمسك والهداية بكتاب الله، وإن التمسك بهما منقذ من الضلال, وإنهما لن يفترقا إلى يوم القيامة, إلى لقاء رسول الله بهم في الجنة قال ذلك وخطب به في مائة ألف أو يزيدون من أصحابه يوم حجة الوداع. ورواه عنه جماعة من الصحابة, وقرن النبي ﵌ حبه بحب الله, وحب آل البيت بحبه. فعن أبي سعيد الخدري وزيد بن أرقم قال: "قال رسول الله صلوات الله وسلامه عليه: "إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي , أحدهما أعظم من الآخر: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي, ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض, فانظروا كيف تخلفوني فيهما؟ ". أخرجه الترمذي في السنن وحسنه.

стр. 3926

ورواه جابر بن عبد الله فقال "رأيت رسول الله ﵌ في الحجة الوداع يوم عرفة وهو على ناقته القصواء يخطب, فسمعته يقول: "يا أيها الناس إني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي". أخرجه الترمذي في السنن وحسنه وقال: "وفي الباب عن أبي ذر, وحذيفة ابن أسيد". وعن ابن عباس قال رسول الله صلى الله عليه وىله وسلم: "أحبوا الله لما يغذوكم من نعمه, وأحبوني بحب الله, وأحبوا أهل بيتي لحبي". أخرجه الترمذي في السنن وحسنه, والحاكم في الصحيح. فمن مثل آل البيت لم يتمسك بهم, ولم يهتد بهديهم, ولم يقرنهم بالقرآن الكريم اهتداء وأسوة, وكان متلاعباً ماجناً عاصياً لرسول الله ﵊, ووجب عليه لذلك العقوبة والتعزير. وتمثيل الصحابة كذلك مجون ولعب, قد أعرض عن حبهم واحترامهم من مثل بهم, وكذب في تمثيله عنهم, وافترى عليهم بتخيلاته عنهم قولا, وبحركاته التمثيلية لهم فعلا, وارتكب فاعل ذلك, المستهتر بهم مخالفة الله تعالى في رضاه عنهم مهاجرين وأنصاراً، واستبدل الدعاء لهم كما أمره الله، باللعب بهم، وعدم الأدب معهم.

стр. 3927

قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ . وقال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ. وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ . وقد أوصى بهم ﷺ ، وأمر أن لا يتخذوا غرضا وهدفا في اللعب والإستهتار بهم، وأوجب حبهم، وقرنه بحبه، وحرم بغضهم، وقرنه ببغضه، وجعل أذاهم أذاه. فعن عمر بن الخطاب قال رسول الله ﷺ : "أوصيكم بأصحابي". رواه أحمد في المسند، والترمذي في الجامع، والحاكم في الصحيح، وعن عبد الله بن المغفل المزني قال رسول الله لى الله عليه وسلم: "الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضا بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه". رواه أحمد في المسند والترمذي في الجامع. وقد قال أبو العباس ابن تيمية: "قد أوجب الله على جميع الخلق رعاية الحرمة في أهل البيت والأصحاب بما لا خفاء به على أحد من علماء المؤمنين".

стр. 3928

فتمثيل الصحابة لعب بهم، ومن اتخذهم هدفا وغرضا للعبه أبغضهم ولم يحبهم ولم يقم بحقهم، وكان في ذلك آذاهم، ومن آذاهم آذى رسول الله، ومن آذى رسول الله آذى الله، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه الله وينتقم منه، ولكن الله يمهل ولا يهمل، حتى إذا أخذ الفاجر لم يفلته، وجعله عبرة للمعتبر. فتمثيل رسول الله موجب للعنة الله، ويعاقب بالنفي مع اللعنة. وتمثيل آل بيت رسول الله موجب لغضب رسول الله مع التعزير. وتمثيل أصحاب رسول الله إذاية لرسول الله وإذاية رسول الله مقت ومع المقت التعزير. كل هذه العقوبات والتعزيرات إذا كان الممثل يلعب، أما إذا كان يستهزئ والاستهزاء برسول الله وما كان بسبيل من رسول الله كفر أو ردة، وعقوبة ذلك القتل بلا استتابة. ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ, إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئينَ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ , ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ . مراجع الحكم والفتوى: ١- كتاب الله. ٢- تفسير ابن جرير. ٣- تفسير القرطبي. ٤- جامع البخاري. ٥- صحيح مسلم. ٦ - صحيح الحاكم. ٧- جامع الترمذي. ٨- مسند أحمد. ٩- دلائل النبوة لأبي نعيم.١٠-دلائل النبوة للبيهقي. ١١ - سنن البيهقي الكبرى. ١٢- مجمع الزوائد للهيثمي. ١٣- فتح الباري للحافظ. ١٤- شرح مسلم للنووي. ١٥- عارضة الأحوذي لابن العربي. ١٦- الاستيعاب لابن عبد البر. ١٧- الإصابة للحافظ. ١٨- الصارم المسلول لابن تيمية.

стр. 3929

العدوان على بنت عدنان بقلم الدكتور يوسف عبد الرحمن الضبع المدرس بكلية الشريعة بالجامعة لقد سبقت كلمتنا في تبيان خطأ ما تلهج به الألسنة وتطالعنا به الصحف من جمع ما يوازن (مفعول) على (مفاعيل) مثل مشروع وموضوع ومكتوب ومنشور. وأن الصواب العدول بها وبأمثالها عن جمع التكسير على وزن (مفاعيل) فلا يستقيم وفق كلام العرب (مشاريع ومواضيع ومكاتيب ومناشير) وإنما يستقيم ويتعين في لغة الضاد جمعها جمع تصحيح لمذكر بالواو والنون رفعا وبالياء والنون نصبا وجرا إذا توفرت فيها شروط مفرده من علم أو صفة مما هو مسطور في كتب النحو وسيطها وبيسطها ولا يستعصى رجعه إلى نظم العلامة ابن مالك: وارفع بواو واجرر بيا وانصب سالم جمع عامر ومذنب وألمعت إلى ما أفاده المحقق الصبان ماتحا من عباب الإمام ابن هشام, وسقت عشر آيات محكمات يسير على نارها من يروم الرشاد. وأبنت استحسان رجع جمع طائفة منها بالألف والتاء في أحواله الثلاثة إذا نبا به جمع المذكر السالم, وعليه فيقال في الفصيح: مشروعات لا مشاريع وموضوعات لا مواضيع ومكتوبات ومنشورات لا مكاتيب ولا مناشير, وغير خاف أن مفرد مناشير منشار لا منشور مثل مفاتيح ومصابيح جمع مفتاح ومصباح. ولعله غير خاف أن موازن مفعول من الأسماء الآنفة، منقول من الوصف إلى الموصوف فهي صفة موصوف محذوف مثل ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ أي دروعا سابغات نظير ﴿أَيَّامٍ مَعْدُودَات﴾ , ﴿وَقُدُورٍ رَاسِيَات﴾ , مما ذكر فيه الموصوف. وذلك باب يسلم قارعه إلى نبراس القياس الذي جلاه الإمام الشاطبي في أرجوزته العذبة: وقسه في ذي التا ونحو ذكرى ودرهم مصفر وصحرا وزينب ووصف غير العاقل وغير ذا مسلم للناقل

стр. 3930

وما أجمل هندسة النحاة ومن ذاق عرف في تنسيقهم جنس الكساء بين الرجال والنساء وفق الشريعة الغراء ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُّنْثَيَيْن﴾ . حيث أجرى الله على لسان ناظمهم: وما بتا وألف قد جمعا يكسر في الجر وفي النصب معا وبديهي أن الكسرة نصف الياء التي يعرب بها ما سلم فيه بناء مفرده من جمع المذكر نصبا وجرا وإلى ذلك الإشارة من قول ابن مالك: وبيا اجرر وانصب سالم جمع عامر ومذنب فإن قال نحوي عصري إن الواو وليدة الضمة, وإن الكسرة أم الياء, فكيف يفوق الفرع أصله, فقل لهذا الأعشى وأنت لا تخاف ولا تخشى: إن بين علامات الإعراب وأشراط الساعة نسبا وصهرا فلا بدع أن تلد الأمة ربتها ولا غرابة في سمو بنت عدنان كما سما برسول الله عدنان. وإن لغة القرآن لتتوارى من القوم من سوء ما ينطقون به وتلوكه ألسنتهم من جمع كلمة (مدير) على (مدراء) ويستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير حيث يستعيضون عن السمحة بالسمحاء في وصف شريعة السماء, وهذان لحنان فاحشان يأباهما القياس الصحيح وينفر منهما ذوق العربي السليم ولا تقرهما نظرية الإمام ابن جني في خصائصه ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب. فإن كان الكرام الكاتبون يقيسون السمحاء على الغراء والبيضاء فقد طاش قياسهم لأن موازن أفعل فعلاء مذكرا ومؤنثا إنما يطرد فيما دل على لون أو عيب أو حيلة, من ذلك قول أفصح من نطق بالضاد ﵊: "تركتكم على المحجة البيضاء". وقول الواصف العربي (يوم أغر وليلة غراء) وسوى ذينك كثير مما فاضت به ألسنة الشعراء وسالت معه أودية الكتاب والخطباء.

стр. 3931

ومحور المادة (سمح) الذي إليه ترد وتدور حوله إنما هو الجود والسهولة وهما مصدر ما انتزع منها مشتقاً من السماح والسماحة وغلب استعمال الثانية على الأولى قديما وحديثا مدلولا بها على نسبة معناها تسير جنبا إلى جنب مع الفضيلة كلقبين مرموقين من ألقاب نابهي العلماء, وقد سلك بصاحب السماحة طريق معين هذا العصر في مصر فصار علماً بالغلبة على لون خاص وما لبث أن انطلق به إلى ساحة السعودية فلز في قرن ألقاب المفتي الراحل غفر الله له الشيخ محمد بن إبراهيم تغمده الله برحمته ثم ورثه من بعده بحق خليفته وابنه الروحي العلامة الشيخ عبد العزيز ابن باز مدّ الله في حياته النافعة ويكاد زيته يضيء فتشرق به أسماء ثلة من رجالات القضاء. وقد جاء لفظ السماحة درة في عقد مدائح الشعراء قديماً طوقوا بها أعناق ممدوحهم وفي طليعتهم أمير نيسابور عبد الله بن الحشرج الذي ود أن يكون كثير حينما جعل له لسان صدق في الآخرين حامل علم القريض معاراً مكروراً: إن السماحة والمروءة والندى في قبة ضربت على ابن الحشرج بيت دعائمه أعز وأطول في باب المديح من قول تربه: قوم هم الأنف والأذناب غيرهم ومن يسوي بأنف الناقة الذنبا ولا يساميه إلا قول صنوه: ألستم خير من ركب المطايا وأندى العالمين بطون راح ونعود بالقارئ الكريم إلى مستقر المادة فنجد مذكرها مذكوراً في مضمار المديح: والسمح في الناس محمود خلائقه والجامد الكف لا ينفك ممقوتاً كما نلقى مؤنثها بالتاء لا غير مسطوراً في وصف إحدى المعطرات الهاطلات: ديمة سمحة القياد سكوب مستغيث بها الثرى المكروب وليست هناك علامة ثالثة للتأنيث سوى التاء والهمزة المقصورة والممدودة. قال العلامة ابن مالك في ألفيته: علامة التأنيث تاء أو ألف.

стр. 3932

ويقصد بالألف الهمزة بنوعيها السالفين فكلمة السمحاء التي يسرف في استعمالها الخاطئون المخطئون ليست من بين الألفات الممدودة التي تتدرج تحت وزن فَعْلاء لأن هذا الوزن محصور في الأسماء الجامدة كصحراء وفي المصادر كرغباء وفيما يدل معناه على الجمع كطرفاء اسم جنس جمعي واحدته طرفاءة وطرفة لشجرة الأثل وبها لقب الشاعر عمرو (طرفة بن العبد) . ويأتي صفة لمؤنث مذكره على وزن أفعل ويطرد في الألوان والحلي والعيوب مثل أبيض وبيضاء وأفلج وفلجاء وأعور وعوراء. وقد لا يكون لذلك الوزن من المؤنث مذكر من لفظة على وزن أفعل, مثل حسناء توصف به الغادة ولا يوصف منه المذكر فلا يقال في مقابلها أحسن ومثل سحابة هطلاء فلم يسمع منه سحاب أهطل. أما كلمة (مدراء) التي تطالعنا بها الصحف فأنا نراها نكراء بتراء تأباها الجموح القياسية وتلوى دونها أعنة الجموع السماعية وإن مفاتيح كنوز الصرف من لدن معاذ الهراء إلى عصر البهاء لم تدع دفيناً إلاّ جلّته ولا صدأ إلاّ جَلَته ولا خطأ يكون له وجه من الصواب إلا برأته. ألم ترَ إلى النحاة كيف نعوا على البهاء زهير إطلاق كلمة (الست) على حليلته بديلاً عن سيدة بيد أنه التمس لها تعليلاً حسناً ووجهاً متقبلاً معقولاً واتجه إلى أوديتهم مناجياً ومنادياً: بروحي من أناديها بستي فينظر لي النحاة بعين مقت يرون بأنني قد قلت لحناً وكيف وإنني لزهير وقتي ولكن غادة ملأت جهاتي فلا لحن إذا ما قلت ستي

стр. 3933

ومن قبله علماء الكوفة وقد لهجو بالأشعار والتندر بالقصص والأخبار على حين استبق الباب لحقول النحو عقول مشيخة البصرة فعقلوا شوارده وقيدوا أوابده وأرسوا قواعده على أسس قويمة من شواهد متواترة وأدلة متضافرة من كتاب الله وسنة رسوله ومصطفاه ﷺ يضيفون إليها ما صافح أسماعهم من مشافهة فصحاء البادية ويضفون عليها حلة الحكمة من ينابيع الشعراء الأقدمين. وهذا طابع مذهب البصريين في قواعدهم وذلك منهجهم في القياس أدلة وبراهين يأخذ لاحقها بيد سابقها. فلما أفاق الكوفيون من سباتهم وهم من جلدتهم ويتكلمون بألسنتهم كبر عليهم أن يتخلفوا عن ذوي قرباهم في ميدان النحو مروض اللسان وفتقت لهم منافستهم عن حيلتهم في استخلاص قواعد الصرف من مسائل النحو بعد أن أقبلوا إليه يزفون وفي أوديته يهيمون وكانت لهم إلى استنباط قواعد الصرف مشاركة للداتهم من أبناء البصرة في مذهب نحوي كوفي جديد على حين أنهم فتحوا باب السماحة والتسامح على مصراعيه كما تحروا رشداً في شواهدهم واستدلالهم لقواعدهم بل كانوا يستدلون بنصف البيت ولو كان مجهول القائل كشاهد نحوي مما جعل قياسهم يغشاه القيل والقال.

стр. 3934

ولقد عنيت بمراجعة صيغ الجموع وصيغ منتهى الجموع بعد دراسة تحليلية تفصيلية لعلي أجد على النار هدىً لتصويب جمع (مدير على مدراء) من عهد الإمام الأول لفن الصرف معاذ الهراء فكنت كالراقم على الماء والناقش في الهواء ثم أبت إلى التراكيب وإنه ليحزنني أن توصف بالأساليب التي تدع المخطئين الخاطئين إلى استعمال هذا الجمع النائي عن الصواب فوجدتها تأتي بعد ذكر الأمراء والوزراء وظني وهو يصدق أحيانا أن الذي طوع جمع مدير على مدراء لزها في قرن الأمراء والوزراء قياسا فاسدا عليهما مع البون الشاسع بينها وبينهما حيث إنه بوزن المفرد يتجلى الفرق لأن وزن أمير ووزير (فعيل) لأن فعليهما (أمر) و (وزر) وكلاهما ثلاثي غير مزيد فيه فيجمعان جمع تكسير على وزن فعلاء فيقال وزراء وأمراء. أما (مدير) فوزنها (مُفْعِل) بميم زائدة لأن فعلها (أدار) بهمزة زائدة في أوله فلا تجمع هذا الجمع لأنه خاص بمثل أمير ووزير وما تضمن معنى يضاهي ما تضمناه من صفة لازمة وكان على وزن فاعل مثل عالم وشاعر. قال العلامة ابن مالك: ولكريم وبخيل فعلا كذا لما ضاهاهما قد جعلا ولقائل أن يقول: فعلام تجمع إذن كلمة مدير وأمثالها؟ , وإنا لنعم المجيبون إن لها في جمعي التصحيح مراغماً كثيراً وسعة وهي في أفيائهما مجمعة مرصعة، منيبين إليه واتقوه. ألا ترى أيها القارئ الكريم أن (مجيبون) جمع مرفوع مفرده (مجيب) وفعله أجاب على وزن أفعل وتصريفها في اسم الفاعل في كل منهما على نسق واحد حيث أعلا بنقل حركة الواو وهي الكسرة إلى ما قبلهما ثم أعلّى بقلب الواو ياء لسكونها بعد كسرة وتلك قاعدة حرفية مطردة ومثلهما كلمة (منيبين) منصوبة ومجرورة. ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ , والويل كل الويل لمن ﴿يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا﴾ الآية.

стр. 3935

﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيما﴾ .

стр. 3936

زائرة الليث بقلم الشيخ محمد المجذوب المدرس بكلية الدعوة وأصول الدين في الجامعة يقول صحبي وأولو الفضل لي:. أين الذي أعددت للمحفل؟. وقد دروا بأنني مثلهم. لا أنا بالسّالي ولا بالخلي. لكنها الفجأةُ قد ضيقتْ. مذاهب القول على المجتلي. أفي لُيَيْلاتٍ قِصارِ المدى. يقتحم الشعرُ حِمى الفيصل!. وأين من أمجاده منطقي!. وأين من وجدي به مِقْولي [١] . مَلْكٌ حباه الله ما لم يُتَحْ. لحاكمٍ من خُلُقٍ أمْثل. أحيا به الأنموذج المقتدى. من معجزاتِ السّلف الأول. بصيرةٌ زوّدها ربُها. بكل ما يُفضي إلى الأفضل. وحكمةٌ مهما ادلهمّ الدجى. واشتدّ وقعُ الخطبِ لم تُفْلل. إذا هوى ذوو القُوى ذهّلاً. في غمرةِ الأحداثِ لم تذهل. كأنه منها _ ولو مفرداً _. في قمة عَصماءَ أو جحفل. وخشيةٌ للهِ قد ذلّلَتْ. لهُ الصِعابَ اللاءِ لم تُذْلَل. زفّت له قلوبَ أهلِ التقى. ومَزّقتْ حُشاشةَ المُبْطِل. فهذهِ أمةُ خير الورى. تَحُفُه بحبها الأكمل. من كل صوبٍ تقتضي إثرَه. كظاميء يهفو إلى المنهل. ترجو به عَوْداً إلى ربها. غِبّ ضَياعٍ طال في المَجهل. وبعد طغيان دجا ليلُه. من مِحَنٍ لمّا تكدْ تنجلي. دسّ لظاها بين أحنائها. كلُ غوٍ من صفوةِ الجُهّل. دمّرَ بالتضليل طاقاتِها. وسامها الخسفَ ولم يَحفل. ويزعم العقل رقيقاً له. وهو الذي مذ كان لم يعقل. حتى إذا الهولُ طغى قاصفاً. يوشكُ أن يَعصفَ بالمشعل. وطاشت الأحلامُ واستحكمتْ .

стр. 3937

براثن الباطل في العُزّل. واستيأس العُرْبُ، وقد طَوّحَبْ. بهم رياح الغربِ والشّمْأل. فأصبحوا منهبةً للورى. ومغنماً للطامعِ المعجل. يعدو عليهم كلُ ذي مِخلبٍ. وعاث فيهم كل ذي مُنْصُل. حتى غدوا، وبأسُهم بينهم،. كخابطٍ ضلّ عن الموئل. هناك، والأرزاءُ في أوجها. قد طَمَسَتْ حتى الصراط الجلي. دَوّى نداءُ الفيصل المجتبي. بالحق يحيي مَيّتَ المَأمل. يُهيبُ بالعرْب: ألا هَبّةً. تغسلُ عارُ السابعِ المخجل. وهاكمو نفسي وآلي، ولو. سألتم الأرواحَ لم نبخل. ما النفط إلاّ بعضُ أسيافنا. لنصركم. . فأومئوا يُبْذَل. وانطلقتْ من مكة صيحةٌ. تهتف: لا.. بالغاشمِ الحُوّلِ. زأرةُ ليثٍ قولُهُ فعلُهُ. كنفخةِ الصورِ سَرَتْ من عَل. تقولُ للسّادرِ في غَيّهِ:. أسرفتَ في الكِبْرِ.. ألا فانزل. فلم يكن إلاّ كخفق الرُؤى. حتى أُصيبَ البغيُ في المَقْتَل. فسلْ بعزم فيصلٍ (نِكْسُناً) . وكلّ غلابٍ لدى المُعضِل. واسألْ به (كِسِنْجِراً) والأولى. وراءه من طغمة الكَرْمَل. واستنطقِ الدنيا تُحَدّثْ بما. قد خبرت من حزمهِ المُذهِل. فكم بواشنطنَ من نائحٍ. وكم بأوروبّةَ من مُعْوِل. كُلّهمُ يَندبُ أحلامَه. وناعمَ العيش الذي قد بَلي. والطاقةَ التي بها سلّطوا. على الحياةِ شِرعةَ السُفّل. مصانعٌ قد جمدتْ فجأةً. وقد تلاها جَمَدُ الأرجل. وما ظلمناهم، وقد جاوزوا. بالظلمِ حتى قسوةِ الجندل. والثأرُ حقٌ، فإذا ما غلا. في ردهِ الموتورُ لم يبْذَل .

стр. 3938

وفي جنيفٍ_ ليتها لم تكن _. قد وُضع السيفُ على المَفصلِ. والويلُ للغربِ إذا لم يَشُبْ. لمنهجِ الرشد، ولم يَعدل. مآثرٌ عمّ بها فيصلٌ. دنيا الأعاريبِ ولم يأتلي. ألنيلُ والأردنُ من فيضِها. وَبَرَدى في سُحُبٍ هُطّل. فيا لها من هِمّةٍ حيّرَتْ. أولي النهى، ولم تزل تعتلي. ردّتْ إلى قومي إيمانَهم. بوثبةٍ نحو الغد الأفضل. وليسَ ينفكُ لهم دائباً. يرأبُ صدعَ الاخوةِ الغُفّل. حتى غدا التضامنُ المرتجى. قائدَهم لِلموعدِ المُقْبلِ. قد عرفوا في ضوئهِ دربَهم. تحتَ لواءِ الصادقِ المرسَل. يمضي بهم للنصر قُدْماً، ومن. ينصرْ كتابَ اللهِ لا يُخْذَل. فكل أرضٍ فوقها مُسلمٌ. أو منصفٌ تُثني على فيصل. فلا يلمني عاذلٌ إنْ رأى. قصورَ شعري عن مداه العلي. عجزُ بياني دونهُ حجةٌ. عذري بها فوق مُنى العُذّل. وفي حمى البيت تجيش الرؤى. ويَشمُس الفكرُ على المِقول [٢] . وعيدُنا العيدُ الذي زانه. معلّم المجد بأبهى الحلي. والشعر فيض القلب قد تفرضُ ال. ـعِيّ عليه هيبةُ المحفل. فكيف.. والمَلْكُ إمامُ الهدى. أخو الليوث وأبو الأشْبُل!. -------------------------------------------------------------------------------- [١] المِقول هنا: اللسان. [٢] المِقول هنا: القول البليغ. .

стр. 3939

لا محاباة في الإسلام لفضيلة الشيخ محمود عبد الوهاب فايد المدرس بكلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة أخرج الإمام أحمد في مسنده ج١ ص١٠٦ عن علي ﵁ أن رسول الله ﷺ لما زوجه فاطمة بعث معه بخميلة ووسادة من أدم حشوها ليف ورحيين وسقاء وجرتين. فقال علي لفاطمة ﵄ ذات يوم: والله لقد سنوت حتى لقد اشتكيت صدري قال: وقد جاء الله أباك بسبي فاذهبي فاستخدميه فقالت: وأنا والله قد طحنت حتى مجلت يداي فأتت النبي ﷺ فقال: ما جاء بك أي بنية؟ قالت: جئت لأسلم عليك واستحيت أن تسأله ورجعت, فقال: ما فعلت؟ قالت: استحييت أن أسأله فأتيناه جميعا فقال علي ﵁: يا رسول الله. والله لقد سنوت حتى اشتكيت صدري وقالت فاطمة ﵂: قد طحنت حتى مجلت يداي وقد جاءك الله بسبي وسعة فأخدمنا فقال رسول الله صلى الله. عليه وسلم: والله لا أعطيكما وأدع أهل الصفة تطوي بطونهما لا أجد ما أنفق عليهم ولكني أبيعهم وأنفق عليهم أثمانهم فرجعا فأتاهما النبي ﷺ وقد دخلا في قطيفتهما إذا غطت رؤوسهما تكشفت أقدامهما، وإذا غطيا أقدامهما تكشفت رؤوسهما. فثارا فقال: مكانكما ثم قال: ألا أخبركما بخير مما سألتماني؟ , قالا: بلى, فقال: كلمات علمنيهن جبريل ﵇ فقال: تسبحان في دبر كل صلاة عشرا وتحمدان عشرا وتكبران عشرا وإذا أويتما إلى فراشكما فسبحا ثلاثا وثلاثين واحمدا ثلاثا وثلاثين وكبرا أربعا وثلاثين. قال: فوالله ما تركتهن منذ علمنيهن رسول الله ﷺ قال: فقال له ابن الكواء: ولا ليلة صفين؟ فقال: قاتلكم الله يا أهل العراق ولا ليلة صفين". ما أبدع هذا الحديث! وما أجمله!

стр. 3940

فاطمة بنت النبي ﷺ يزفها والدها إلى زوجها بجهاز متواضع، جهاز لا يساوي سوى دراهم معدودة، جهاز لا يغريهما بالركون إلى الدنيا، والاشتغال بلذائذها، بل يزهدهما فيها ويباعد بينهم وبين الافتتان بها. فاطمة هذه هي بنت محمد رسول الله ﷺ ، وعلي هو ابن عمه، وزوج ابنته، يسقي للناس حتى آذاه برد الماء، جاء فجلس إلى جوار شريكته في الحياة، يسر إليها نجواه، ويبث إليها شكواه فلا يكاد ينتهي من شكايته حتى تبادله الشكوى من مثل ما اشتكى منه كلاهما يشكو من الفقر والتعب والمرض، كلاهما يهدده هذا الثالوث الرهيب ما العلاج؟ وما الدواء؟ فكر عليٌ ولم يطل تفكيره فقد سمع أن النبي ﷺ جاءه سبي، وامتدت عينه، وتطلعت نفسه إلى خادم يعينه ويعينها على أعباء الزوجية، ومشاق الحياة، وذهبت فاطمة إلى أبيها بتحريض من زوجها لكنها لا تكاد ترى وجه والدها الحنون حتى يغلب عليها الحياء ويتملكها الخجل فلا تزيد على السلام وهو _ ﵊ _ لا يزيد على الرد, وتعود فاطمة كما بدأت تجر أذيالها، لم تستطع أن تعرض أمرها، وعلى من؟ على أبيها وهو أملها الباقي بعد وفاة أمها. ما أعظم الهيبة، وما أجمل هذا الحياء، عادت فاطمة إلى زوجها لتقول له: إنها استحيت أن تسأله ولكن عليا ﵁ يخشى أن تفوته الفرصة، ويحرص على ألا تضيع، وهو يفهم قول الشاعر انتهز الفرصة إن الفرصة تكون إن لم تنتهزها غصة

стр. 3941

وهل كل يوم يجود الزمان بسبي؟ وهل تهب الرياح دواماً بما تشتهيه السفن؟ بادر معها بالذهاب إلى رسول الله ﷺ ، وماذا لو شكا بنفسه إليه؟ أليس هو ابن أبي طالب الذي كفل النبي ﷺ في صغره، ونافح عنه بعد كبره؟ أليس هو مع ذلك زوج ابنته المحبوبة؟ فأي حرج في أن يشكو القريب إلى ذي قرابته، والزوج إلى أبي زوجته؟ وإلى من يشتكي إذا لم يشتك هؤلاء؟. ولا بد من شكوى إلى ذي مروءة يواسيك أو يسليك أو يتوجع ليس هناك ما يدعو إلى التحفظ، ويحمل على التهيب، فالقرابة والمصاهرة والحاجة كلها تفتح باب الأمل، وتعبد طريق الرجاء، وتشجع على العرض، وهي مع ذلك تحفظ السر، وتصونه من الذيوع، وابتدأ علي ﵁ يعرض شكايته على رسول الله ﷺ ، وثنت فاطمة كذلك، كلاهما يبثه شكواه بعد أن تعسرت عليه سبل الحياة، كلاهما ممتلئ القلب بالأمل في أن يجد فرجا عند رسول الله ﷺ ، وفي هذه المرة تجرأت فاطمة، وتدفع عن نفسها تهمة التقصير، فصرحت بكل ما يدور في خلدها، ويجول في خاطرها، وأبدت رغبتها في أن يجود عليها أبوها بخادم يخفف عنها متاعب البيت، والرسول ﷺ ينصت إليهما ويصيخ لهما في هدوء وأناة حتى إذا ما انتهيا لقنهما درساً لم يك في الحسبان، ألقى عليهما درساً قاسياً، لا يستطيعون له نسياناً ولا تناسياً، فاجأهما بدرس فيه عظة وعبرة، درس قضى على المحسوبية، وأتى على بنيانها من القواعد، درس ينادي ألاّ محاباة ولا مجاملة ولا استثناءات، درس يفيض محبة وحناناً ورأفة بالفقراء والمساكين وشفقة على البؤساء والمحتاجين, درس يسجله التاريخ بنِقْس الإعجاب على مر الأيام، وكر الأعوام، ينادي جهرة بفم الزمان "والله لا أعطيكما وأدع أهل الصفة تطوى بطونهم من الجوع لا أجد ما أنفق عليهم، ولكن أبيعهم وأنفق عليهم أثمانهم".

стр. 3942

يا له من شعور دقيق بالمسئولية، وإحساس رقيق بالتبعة، ليس هناك شعور يحاكيه ولا إحساس يدانيه.. إنه إحساس النبوة وشعور الرسالة، والرسالة رحمة للعالمين، فلا عجب إذا لمسنا هذه الرحمة وقد مست القريب والبعيد، بل آثرت البعيد على القريب واكتفت بأذكار يتسلى بها الأهل، ويأنس الآل بتردادها صباح مساء. وليس هناك أحد أحرص على ما سمع من أهل بيت النبوة وخريجي دار الرسالة، وحسبهم وصايا رسول الله ﷺ ولهم بها سلوة وأعظم سلوة. ما أحلى هذا الحديث، وما أحوجنا في هذه الأيام أن نفهم معناه ونسير على مقتضاه، كأني برسول الله ﷺ يتخطى الحجب، ويرقب بعينيه النفاذتين حال هذا العصر وصورة أهل هذا الزمان؛ أولئك الذين يلون أمور العباد فيصرفونها على هواهم، ويحرمون من بعد عنهم، حتى سلب النفعيون من ذوي الحقوق حقوقهم، وتقدموا عليهم دون أن يكون لهم سبق في فضل أو خلق أو خبرة أو معرفة إلا معرفتهم بما يرضي أسيادهم من الملق والنفاق والرياء والدس والوشاية حتى انتشرت الرذائل وعمّ الفساد، وضج الناس بالشكوى. أرأيت كيف حارب الرسول ﷺ الفساد, حتىلم يدع له طريقاً يسلكه، أو باباً يطرقه, وكيف بدأ بأهله فقطع أطماعهم، وعوّدهم الرضا والقناعة، وعلّمهم أن يتعبوا ويكدوا ويتحملوا حتى يستريح ضعفاء المسلمين، ويهنأ بال الفقراء والمساكين.

стр. 3943

لقد حمى رسول الله ﷺ أموال المسلمين، وحجبها عن أنظار الأقارب والمقربين, وأوجب أن تصرف حسب حاجة المحتاجين، وبدأ يطبق هذه المبادئ على ابنته الوحيدة التي لم يبق له سواها، ولم يبق لها سواه، ولم يشفع لها أنها ابنة خديجة زوجته المحبوبة التي آزرته بمالها وجاهها وعقلها، وقابلت ربها راضية مرضية بعد أن أنفقت ما تملك في سبيل دين الله، ولم يبق لابنتها من ثرائها المشهور ما تستعين به على نوائب الحياة، أنقول: أنه ﷺ قد تنكر لجميل أمها بعد أن ماتت أم نقول: إن زوجاته قد شغلنه عن خديجة وبنت خديجة؟ لا. لا. فقد كان ﵊ المثل الأعلى في الوفاء. روى أحمد بسنده عن عائشة قالت: "كان رسول الله ﷺ إذا ذكر خديجة أثنى فأحسن الثناء, قالت: فغرت يوماً فقلت: ما أكثر ما تذكر حمراء الشدقين! قد أبدلك الله خيرا منها. قال: ما أبدلني خيرا منها قد آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله أولادها وحرمني أولاد الناس". وفي رواية أخرجها الشيخان والترمذي قالت عائشة: "ما غرت على أحد من نساء النبي ﷺ ما غرت على خديجة ﵂، وما رأيتها قط ولكن كان يكثر ذكرها وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاء ثم يبعثها في صدائق خديجة وربما قلت له: كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلاّ خديجة؟ فيقول: إنها كانت، وكانت، وان لي منها ولد. قالت: وتزوجني بعدها بثلاث سنين". وفي رواية للبخاري في الأدب المفرد عن أنس قال: "كان النبي ﷺ إذا أتى بهدية قال: اذهبوا بها إلى بيت فلانة فإنها كانت صديقة لخديجة ﵂، إنها كانت تحب خديجة".

стр. 3944

وفي رواية للحاكم من حديث عائشة قالت: "دخلت على النبي ﷺ امرأة فهش لها وأحسن السؤال عنها فلما خرجت قال: إنها كانت تأتينا أيام خديجة وإن حسن العهد من الإيمان". إذن فما الذي يمنعه أن يطيب خاطر فاطمة بنت خديجة بتحقيق مرامها وهو الحريص على أن يكرم صدائق أمها؟ , أليست ابنتها أولى بالكرم وأجدر بالعطف وأحق بالرعاية؟ , بلى, وليس هو في حاجة إلى من يذكره بحق ابنته أو زوجته فهو المثل الأعلى والقدوة الحسنة في بر الأهل وصلة الرحم، بيد أنه أراد أن ينقش في أذهان الناس أنه ما كان انتماء فاطمة إليه، وما كان انتسابها لخديجة يشفع لها في الحصول على أموال الله فالحاجة عند الرسول ﷺ هي الشفيع الأول والأخير، وهناك من هم أحوج من ابنته فما كان له أن يدعهم ويشتغل ببنته عنهم وهو القدوة التي يجب أن يتأسى بها المسلمون جميعاً. لقد اعترف ﵊ بحق البطون وأصاخ إلى طلبها، فأبى أن يذعن لعطفة الأبوة، وعهد الزوجية، وصلة المصاهرة، وجاع هو وأهله في سبيل أن يوصل للرعية قوتها، ويقضي طلبتها، ويسد احتياجاتها، وأوصل لذوي الحق حقوقهم قبل أن يطلبوها، وفكر في شئونهم قبل أن يفكروا فيها، وكد هو وأهله من أجل لقمة العيش فلم يتعطل واحد منهم اعتماداً على أموال المجاهدين، ولم ينلهم مها على الرغم من فقرهم ونصبهم ومرضهم ما نال أهل الصفة وضعفاء المسلمين. أيها الفقراء: لقد جاع الرسول ﷺ ليشبعكم، وتعب ليريحكم، وضيق على نفسه وأهله ليوسع عليكم، وقدم إليكم القوت قبل أن تطالبوا به، ووفر لكم ما يلزمكم قبل أن تثوروا في وجهه، فمم تفرون؟ ، وإلامَ تلجئون؟ , ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ .

стр. 3945

العدد ٢٥ فهرس المحتويات ١-حكم الإسلام فيمن زعم أن الإسلام متناقض: رئيس الجامعة الإسلامية عبد العزيز بن عبد الله بن باز ٢- الصلاة على النبي ﷺ ، فضلها وكيفيتها: بقلم فضيلة الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد ٣- أضواء من التفسير:للشيخ عبد القادر شيبة الحمد ٤-توصيات المجلس الأعلى الاستشاري للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة في دورته السادسة ٥- الدّين وأثره في صلاح الفرد والأمة: بقلم الشيخ محمود عبد الوهاب فايد ٦- هنا السعادة: من شعر الشيخ محمد المجذوب ٧- الطريقة المثلى للإعداد خريجي الجامعة الإسلامية: بقلم فضيلة الشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي ٨- تعقيب على رسالة الدكتور معروف الدَّواليبي: بقلم الدكتور أحمد عبيد الكبيسي ٩- قضايا أساسية في تطوير المكتبة العربية والإسلامية: بقلم عيد عبد الله السيد ١٠- يا راحلا فَرِحت به "المعلا" في رثاء العلامة الفقيد الشيخ محمد الأمين الشنقيطي بقلم الأستاذ محمد عبد الله ١١- الشرك وآثاره على حياة الإنسان: بقلم الشيخ أبي بكر جابر الجزائري ١٢- المستشرقون في الميزان: بقلم الأستاذ عبد العزيز القاري ١٣- من الصحف والمجلات:إعداد العلاقات العامة بالجامعة ١٤- غرور: الأستاذ أحمد عبد الحميد عباس ١٥- التطعيم وأهميته ومواعيده: بقلم الدكتور خالد زربا ١٦- دعوة التضامن الإسلامي وأثرها في العالم: بقلم عبد القادر بن حبيب الله السندي ١٧-ندوة الطلبة - الشباب ودورهم الفعال في بناء الأمم: بقلم الطالب عزيزو محمد مغربي ١٨- دمعة من القلب:بقلم الطالب محمد محمود جاد الله ١٩- قصة غدا نلتقي: بقلم الطالب محمد عبد الخالق عثمان ٢٠- أخبار الجامعة: إعداد العلاقات العامة بالجامعة ٢١- الفتاوى: يتولى الرد على أسئلة القراء سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رئيس الجامعة الإسلامية عمادة البحث العلمي - جميع الحقوق محفوظة ١٤٢٣ هـ / ٢٠٠٢ م

стр. 3946

حكم الإسلام فيمن زعم أن الإسلام متناقض رئيس الجامعة الإسلامية عبد العزيز بن عبد الله بن باز أو مشتمل على بعض الخرافات، أو وصف الرسول ﷺ بما يتضمن تنقصه، أو الطعن في رسالته، والرد على الرئيس أبي رقيبة فيما نسب إليه من ذلك. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد: فقد نشرت صحيفة "الشهاب"اللبنانية في عددها الصادر في ٢٣/ربيع الأول ١٣٩٤هـ، الموافق ١/نيسان ١٩٧٤ م فقرات خطيرة من خطاب الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة، الذي ألقاه في مؤتمر المدرسين والمربين، لمناسبة الملتقى الدولي، حول الثقافة الذاتية والوعي القومي، يتضمن الطعن في القرآن الكريم بأنه متناقض، ومشتمل على بعض الخرافات، ووصف الرسول محمدا ﷺ بأنه إنسان بسيط يسافر كثيرا في الصحراء، ويستمع إلى الخرافات البسيطة السائدة في ذلك الوقت، وقد نقل تلك الخرافات إلى القرآن، وهذا نص ما نشرته الصحيفة المذكورة: بورقيبة في خطاب بالملتقى الدولي حول الثقافة القرآن متناقض حوى خرافات، مثل قصة أهل الكهف، وعصا موسى؟!

стр. 3947

عُقد في تونس، أواخر الشهر الماضي، مؤتمر للمدرسين والمربين، لمناسبة الملتقى الدولي حول الثقافة الذاتية، والوعي القومي، وقد ألقى الرئيس بورقيبة - رئيس الجمهورية التونسية، الحالي، والرئيس المرتقب للجمهورية العربية الإسلامية، التي أعلن عن قيامها، على أساس الإسلام بين ليبيا وتونس - خطابا طويلا بالمدرسين نشرته الصحف التونسية على فقرات، وقد تعرّض - الرئيس بورقيبة - لقضايا فكرية هامة، وأجرى عملية نقد جريئة وعلنية لنصوص قرآنية ثابتة، خلص إلى أنها متناقضة، حينا، وخرافية، حينا آخر، وقد نشرت نص الخطاب جريدة "الصباح"التونسية على جزأين في عددين صدرا بتاريخ ٢٠ , ٢١ من شهر آذار، مارس الماضي، وعد عملت وسائل الإعلام الرسمية على حذف النقاط النافرة في الخطاب، وسنورد النقاط المحذوفة التي سمعت حية من الرئيس التونسي، ثم نورد ما نشرته جريدة "الصباح"حرفيا: ١- إن في القرآن تناقضا لم يعد يقبله العقل بين ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ ، و ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ ٢ - الرسول محمد كان إنسانا بسيطا يسافر كثيرا عبر الصحراء العربية، ويستمع إلى الخرافات البسيطة السائدة في ذلك الوقت، وقد نقل تلك الخرافات إلى القرآن، مثال ذلك: عصا موسى، وهذا شيء لا يقبله العقل، بعد اكتشاف باستور، وقصة أهل الكهف. ٣ - إن المسلمين وصلوا إلى تأليه الرسول محمد، فهم دائما يكررون محمد ﷺ الله يصلي على محمد -، وهذا تأليه لمحمد، وقد دعى, في ختام خطابه، المربين وأهل التعليم إلى تلقين ما قاله حول الإسلام إلى تلاميذهم.

стр. 3948

انتهى المقصود مما ذكرته صحيفة "الشهاب" عن خطاب الرئيس أبي رقيبة، وقد أفزع هذا المقال كل مسلم قرأه أو سمعه لما اشتمل عليه من الكفر الصريح، والجرأة على الله سبحانه وعلى رسوله ﷺ من رئيس دولة تنتسب إلى الإسلام، كان المفروض عليه أن يدافع عن دينه، وعن كتاب ربه، وعن رسوله محمد ﷺ لو سمع مثل هذا المقال، أو ما هو أخف منه من أي أحد، ولكن الأمر كما قال الله سبحانه: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَْبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ , ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ . ولما قرأت هذا المقال في صحيفة "الشهاب" بادرت بإرسال برقية للرئيس المذكور بتاريخ٧/٤/١٣٩٤هـ، هذا نصها: فخامة الرئيس الحبيب بورقيبة نشرت صحيفة "الشهاب"بعدد ٢٣/ ربيع الأول /١٣٩٤ هـ حديثا نسب إليكم غاية في الخطورة، يتضمن الطعن في القرآن الكريم بالتناقض، والاشتمال على الخرافات والطعن في مقام الرسالة المحمدية العظيم. وقد أزعج ذلك المسلمين واستنكروه غاية الاستنكار، فإن كان ذلك قد صدر منكم فالواجب - شرعا - المبادرة إلى التوبة النصوح منه وإعلانها بطرق الإعلان الرسمية، والأوجب إعلان بيان رسمي صريح بتكذيبه واعتقاد خلافه كي يطمئن المسلمون، وتهدأ ثائرتهم من هذه التصريحات الخطيرة. ونسأل الله تعالى أن يوفق الجميع لما فيه الخير والصلاح في الدنيا والآخرة، والتوبة من جميع الآثام , سرها وجهرها، وأن يعز الإسلام وأهله وأوطانه إنه سميع مجيب. رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة عبد العزيز بن عبد الله بن باز

стр. 3949

ثم أرسلت برقية مني ومن المشايخ: حسنين محمد مخلوف، وأبي الحسن علي الحسني الندوي، وأبي بكر محمود جومي، والدكتور محمد أمين المصري، وذلك بتاريخ ١٦/٤/١٣٩٤ هـ، هذا نصها: السيد الحبيب بورقيبة، رئيس الجمهورية التونسية - تونس. نسبت إليكم صحيفة "الشهاب"بعددها الصادر بتاريخ ٢٣/ربيع الأول/ تصريحات مكفّرة لما فيها من الطعن في القرآن الكريم، والمصطفى ﷺ ، ودعوتكم لرجال التعليم لنشرها بين الطلاب. فإن كنتم قد اقترفتموها، فالواجب عليكم المبادرة إلى التوبة والعودة إلى الإسلام، والأوجب عليكم المبادرة إلى التكذيب الصريح، ونشره في العالم بجميع وسائل النشر، وإعلان عقيدتكم الإسلامية الصحيحة في الله تعالى وكتابه ورسوله، تبرئة من الكفر، وتسكينا للفتن، وتطمينا للمسلمين في سائر الدول، وتقريرا لصلاحيتكم لحكم أمة إسلامية عريقة في الإسلام، وإن عدم التكذيب دليل على الإصرار والردة، ومثار فتن لا يعلم عواقبها إلا رب العالمين، تحمل وزرها ووزر من يرتكس فيها إلى يوم الدين، ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ أبو الحسن علي الحسني الندوي عبد العزيز عبد الله بن باز أمين عام ندوة العلماء لكنوا الهند رئيس الجامعة الإسلامية وعضو رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة بالمدينة المنورة أبو بكر محمود جومي الدكتور محمد أمين المصري قاضي قضاة ولايات شمال نيجيريا جامعة الملك عبد العزيز بمكة حسين محمد مخلوف مفتي الديار المصرية سابقا ثم اطلعت على صحيفة "الصباح"التونسية فألفيتها قد ذكرت، في عددها الصادر في ٢١/مارس/١٩٧٤م، طبق ما نقلته عنها صحيفة "الشهاب"فيما يتعلق بعصا موسى، وقصة أهل الكهف، كما ألفيتها قد نصّت على منكر شنيع، في عددها الصادر في ٢٠/مارس/١٩٧٤م، وقع في خطاب الرئيس المذكور، لم تشر إليه صحيفة الشهاب وهذا نصه:

стр. 3950

على أني أريد أن ألفت نظركم إلى نقص سأبذل كل ما في وسعي لتداركه، قبل أن تصل مهمتي إلى نهايتها، وأريد أن أشير بهذا إلى موضوع المساواة بين الرجل والمرأة، وهي مساواة متوفرة في المدرسة، وفي المعمل، وفي النشاط الفلاحي، وحتى في الشرطة، لكنها لم تتوفر في الإرث، حيث بقي للذكر حظ الأنثيين، إن مثل هذا المبدأ يجد ما يبرره، عندما يكون الرجل قواما على المرأة، وقد كانت المرأة، بالفعل، في مستوى اجتماعي لا يسمح بإقرار مساواة بينها وبين الرجال، فقد كانت البنت تدفن حية، وتعامل باحتقار , وها هي اليوم تقتحم ميدان العمل، وقد تضطلع بشؤون أشقائها الأصغر منها سنا، فزوجتي - مثلا - هي التي تولّت السهر على شؤون شقيقها المنذر، وتكبدت - من أجل ذلك - كل متاعب العمل الفلاحي، ووفرت له سبل التعلم، وحرصت على تحقيق أمنية والدها الذي كان يرغب في توجيه ابنه نحو المحاماة، فهل يكون، من المنطق، في شيء أن ترث الشقيقة نصف ما يرثه شقيقها في هذه الحالة، فعلينا أن نتوخى طريق الاجتهاد في تحليلنا لهذه المسألة، وأن نبادر بتطوير الأحكام التشريعية، بحسب ما يقتضيه تطور المجتمع، وقد سبق أن حجرنا تعدد الزوجات بالاجتهاد في مفهوم الآية الكريمة، ومن حق الحكام - بوصفهم أمراء المؤمنين - أن يطوروا الأحكام بحسب تطور الشعب، وتطور مفهوم العدل، ونمط الحياة. هكذا في الصحيفة المذكورة، وهذا - إن صحّ صدوره منه - فهو نوع آخر من الكفر الصريح، لأنه زعم أن إعطاء المرأة نصف ما يعطاه الذكر نقص، وليس من المنطق البقاء عليه، بعد مشاركة المرأة في ميدان العمل - كما ذكر - أنه حجر تعدد النساء بالاجتهاد، وأنه يجب تطوير الأحكام الشرعية بالاجتهاد حسب تطور المجتمع، وذكر أن هذا من حق الحكام لكونهم أمراء المؤمنين، وهذا من أبطل الباطل، وهو بتضمن شرا كثيرا، وفسادا عظيما سيأتي التنبيه عليه - إن شاء الله -.

стр. 3951

ثم في يوم الأربعاء الموافق ١/٥/١٣٩٤ هـ زارني، في مقر الجامعة الإسلامية بالمدينة، سعادة السفير التونسي لدى المملكة، وسلّم لي رسالة من الوزير مدير الديوان الرئاسي، الشاذلي القليبي، برقم ٤٠٦ وتاريخ ١١/ماي/١٩٧٤م،وهذا نصها: فضيلة الشيخ السيد عبد العزيز بن عبد الله بن باز، رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة - المملكة العربية السعودية. أما بعد: فأتشرف بإعلامكم أن فخامة الرئيس الجليل قد اطلع على برقيتكم المؤرخة ٢٣/ربيع الأول/١٣٩٤هـ، وهو إذ يشكر لكم حسن عنايتكم، وقيامكم بالنصيحة لله، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم. يرجو أن لا يغيب عن أذهان سائر إخواننا المسلمين أن الحبيب بورقيبة إنما جاهد فرنسا لإعلاء كلمة الله والوطن، وإرجاع تونس دولة مستقلة، دينها الإسلام، ولغتها العربية، وهو أول بند من بنود دستورها، وما كان ليدور بخلد فخامته الطعن في كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولا في مقام الرسول الأكرم - عليه أفضل الصلاة والتسليم - وهو الذي نصر الحق بالحق، وهدى إلى الصراط المستقيم وإني أرسل إليكم، صحبة هذا، نص خطاب فخامة الرئيس، بمناسبة المولد النبوي الشريف، حتى تكونوا على بينة من الأمر. نسأل الله تعالى أن يعين الجميع على ما فيه خير الدين والدنيا، وأن يهدينا إلى ما فيه خير أمتنا الإسلامية وصلاحها. وتفضلوا بقبول أزكى تحياتي .... الشاذلي القليبي الوزير مدير الديوان الرئاسي وقد أجبت معاليه بما نصه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة المكرم معالي الوزير مدير الديوان الرئاسي، الشاذلي القليبي وفقه الله لما فيه رضاه.

стр. 3952

أما بعد: فيسرني أن أذكر لمعاليكم أن رسالتكم رقم ٤٠٦ وتاريخ ١١/ ماي / ١٩٧٤م قد وصلتني بيد سعادة السفير التونسي لدى المملكة العربية السعودية، وعلمت ما تضمنته من الإفادة عن اطلاع فخامة الرئيس على برقيتي المتضمنة نصيحته بإنكار ما نسب إليه من الطعن في كتاب الله العزيز، وفي مقام الرسول الأمين ﷺ إن كان لم يقع منه ذلك - أو إعلان التوبة، إن كان وقع منه ذلك، كما علمت منها ما ذكرتم عن فخامته من شكري على ما قمت به من واجب النصيحة، ورغبة فخامته في أن لا يغيب عن أذهان سائر المسلمين أن الحبيب بورقيبه إنما جاهد فرنسا لإعلاء كلمة الله والوطن وإرجاع تونس دولة مستقلة، دينها الإسلام، ولغتها العربية، وهو أول بند من بنود دستورها، إلى آخر ما ذكره معاليكم.

стр. 3953

وإني لأرجو من معاليكم تبليغ فخامته شكري له على ما أبداه من الشكر والمحبة للنصيحة، وما قام به من الجهود الطيبة لصالح تونس وشعبها، وسؤالي المولى أن يجزيه، عن الجهود التي بذلها في صالح البلاد التونسية وشعبها, خيراً, مع إعلام فخامته بأن ما ذكر لايكفي في إنكار ما نسب إليه - إن كان لم يقع -، كما أنه لا يكفي عن إعلان التوبة بطرق الإعلام الرسمية، إن كان قد وقع، لأن ذلك هو الواجب عليه، ولأن في عدم إعلان ذلك دلالة على وقوعه والإصرار عليه، مع ما في ذلك من الدعاية إلى الكفر والضلال، والتنقص لكتاب الله وللرسول ﵊ وقد علم بالأدلة الشرعية أن المنكر إذا أعلن وجب إنكاره علنا، أو إعلان التوبة منه، إن كان واقعا، كما قال الله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ الآعِنُونَ إِلاَّالَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ ، وليس في إعلان ذلك نقص على فخامته ولا غضاضة، بل ذلك شرف له، ودليل على إنصافه وعلو همته، وعلى رغبته في إيثار الحق، ولا يخفى أن التمادي في الباطل نقص ورذيلة، وأن الرجوع إلى الحق وإعلانه شرف وفضيلة، بل فريضة من أهم الفرائض، ولا سيما مثل هذا المقام الذي يترتب عليه كفر وإسلام، وقد يقتدي به في ذلك الكفر غيره فيكون عليه مثل آثامه كما قال النبي ﷺ : "من دعى إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعى إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا "، ولأن في عدم إعلان التكذيب أو التوبة تأييدا للطاعنين في الإسلام، وسيرا في ركابهم، ومشاركة لهم في الجريمة، وإني أربأ

стр. 3954

بفخامته أن يصرّ على أمر يغضب الله ورسوله، ويخرجه من دائرة الإسلام، إن كان قد وقع منه، ويجرئ أعداء الإسلام على النيل من حماه، والطعن في دستوره. وقد اطلعت، أخيرا، على صحيفة "الصباح" التونسية فوجدتها تن، في عددها الصادر في ٢٠/مارس/١٩٧٤م، على تصريح خطير للرئيس، لم تشر إليه صحيفة "الشهاب"، مضمونه اعتبار إعطاء المرأة نصف حظ الذكر، في الميراث، نقصا ليس من المنطق البقاء عليه، بعد مشاركة المرأة في ميدان العمل، كما يتضمن التصريح بأنه قد حجر تعدد النساء، بالاجتهاد، وأنه يجوز للحكام تطوير الأحكام بالاجتهاد، حسب تطور المجتمع، لكونهم أمراء المؤمنين، وهذا منكر شنيع، وكفر صريح لما فيه من الطعن في القرآن، واتهامه بأن بعض أحكامه لا تناسب تطور المجتمع، وهو مخالف لإجماع أهل العلم، لكونهم قد أجمعوا على أن الاجتهاد إنما يكون في المسائل الفرعية التي لا نص فيها، أما الأحكام الشرعية التي نص عليها القرآن الكريم، أو السنة الصحيحة كإعطاء الزوجة والأنثى، من الأولاد والأخوة لأبوين أو لأب في الميراث، نصف الذكر وكتعدد النساء، فإنه لا مجال للاجتهاد في ذلك، لأن الله - سبحانه - هو الذي شرع الأحكام وفصلها، وهو العالم بأحوال عباده، وبما تتطور إليه مجتمعاتهم، والحكام ليس لهم تغيير الأحكام، وإنما الذي إليهم تنفيذها وإلزام الرعايا بمقتضاها لقول الله، سبحانه، يخاطب نبيه ﷺ : ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾ , إلى أن قال سبحانه: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا

стр. 3955

أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ . فأرجو تبليغ الرئيس ما ذكرته، وأن عليه تكذيب هذا الخبر - إن كان لم يصدر منه - أو إعلان التوبة، إن كان قد صدر منه، كالمطاعن الأخرى التي سبق أن أبرقت أنا وبعض العلماء لفخامته في شأنها، وقد كتبت، في هذه المسائل، مقالا مفصلا إليكم نسخة منه لإطلاع الرئيس عليه. والله المسؤول أن يهدينا، جميعا، صراطه المستقيم، وأن لا يزيغ قلوبنا عن الهدى، كما أسأله أن يهدي فخامته للحق، وأن يعينه على تنفيذه وأن يرزقنا وإياه وسائر المسلمين إيثار الآخرة والعمل لها على الحظ الأدنى، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وتفضلوا بقبول تحياتي .... رئيس الجامعة الإسلامية بيان الأدلة على كفر من طعن في القرآن أو في الرسول ﵊ -

стр. 3956

إذا علم ما تقدم، فإن الواجب الإسلامي والنصيحة لله ولعباده، كل ذلك، يوجب علينا بيان حكم الإسلام فيمن طعن في القرآن بأنه متناقض، أو مشتمل على بعض الخرافات، وفيمن طعن في الرسول، ﷺ بأي نوع من أنواع الطعن غيرة لله سبحانه، وغضبا له وانتصارا لكتابه العزيز، ولرسوله الكريم، وأداء لبعض حقه علينا، سواء كان ما ذكر، عن الرئيس المذكور، واقعا أم كان غير واقع، وسواء أعلن إنكاره له، أو التوبة منه، أم لم يعلن ذلك، إذ المقصود بيان حكم الله فيمن أقدم على شيء مما ذكرنا من التنقص لكتاب الله، أو لرسوله ﷺ فنقول: قد دلّ كتاب الله، ، وسنة رسوله، ﵊، وإجماع الأمة على أن كتاب الله، سبحانه، محكم غاية الإحكام، وعلى أنه، كله، كلام الله ومنزل من عنده، وليس فيه شيء من الخرافات والكذب، كما دلت الأدلة المذكورة على وجوب تعزير الرسول ﷺ وتوقيره، ونصرته، ودلت - أيضا - على أن الطعن، في كتاب الله أو في جناب الرسول - صلى الله عليه سلم - كفر أكبر، وردة عن الإسلام، وإليك - أيها القارئ الكريم - بيان ذلك.

стр. 3957

قال الله تعالى في أول سورة يونس: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ ، وقال في أول سورة هود: ﴿ألر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ ، وقال في أول سورة لقمان: ﴿الم تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ ، وذكر علماء التفسير ﵏ في تفسير هذه الآيات، أن معنى ذلك أنه متقن الألفاظ والمعاني، ومشتمل على الأحكام العادلة، والأخبار الصادقة، والشرائع المستقيمة، وأنه الحاكم بين العباد فيما يختلفون فيه، كما قال الله سبحانه: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيه﴾ الآية، وقال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية.. فكيف يكون محكم الألفاظ والمعاني، وحاكما بين الناس وهو متناقض مشتمل على بعض الخرافات، وكيف يكون محكما وموثوقا به إذا كان الرسول الذي جاء به إنسانا بسيطا لا يفرق بين الحق والخرافة، فعلم بذلك أن من وصف القرآن بالتناقض أو بالاشتمال على بعض الخرافات، أو وصف الرسول ﷺ بما ذكرها فإنه متنقص لكتاب الله، ومكذب لخبر الله، وقادح في رسول الله، ﷺ ،- إن كان مسلما قبل أن يقول هذه المقالة-، وقال الله سبحانه، في أول سورة يوسف: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ ، وقال سبحانه، في سورة الزمر: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً

стр. 3958

مَثَانِيَ﴾ الآية، ومعنى ﴿مُتَشَابِهاً﴾ في هذه الآية - عند أهل العلم - يشبه بعضه بعضا، ويصدّق بعضه بعضا فكيف يكون بهذا المعنى، وكيف يكون أحسن الحديث وأحسن القصص وهو متناقض، مشتمل على بعض الخرافات، سبحانك هذا بهتان عظيم. وصح عن رسول الله صلى الله عليه سلم أنه كان يقول في خطبه: أما بعد:"فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد، صلى الله عليه سلم " فمن طعن في القرآن، بما ذكرنا أو غيره من أنواع المطاعن فهو مكذب لله في وصفه لكتابه بأنه أحسن القصص وأحسن الحديث، ومكذب للرسول ﷺ في قوله: "إنه خير الحديث"، وقال في وصف القرآن الكريم: ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ، وقال: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ﴾ ، وقال: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ , وقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ، وقال: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ إلى أمثال هذه الآيات الكثيرة في كتاب الله، فمن زعم أنه متناقض أو مشتمل على بعض الخرافات التي أدخلها فيه الرسول ﷺ مما تلقاه عن بادية الصحراء أو غيرهم، فقد زعم أن بعضه غير منزل من عند الله وأنه غير محفوظ، كما أنه، بذلك، قد وصف الرسول ﷺ بأنه كذب على الله وأدخل في كتابه ما ليس منه، وهو - مع ذلك - يقول للناس: إن القرآن كلام الله، وهذا غاية في الطعن في الرسول ﷺ ووصفه بالكذب على الله وعلى عباده، وهذا من أقبح الكفر والضلال والظلم، كما قال الله سبحانه: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكَافِرِينَ﴾ ، وقال عز

стр. 3959

وجل: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ، لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ الآية. ذكر علماء التفسير ﵏ أن هذه الآية نزلت في جماعة كانوا مع النبي ﷺ في غزوة تبوك، قال بعضهم: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا، ولا أكذب ألسنا، ولا أجبن عند اللقاء. وقال بعضهم: أتحسبون جلاد بني الأصفر كقتال العرب بعضهم بعضا، والله لكأنا بكم غدا مقرنين في الحبال. وقال بعضهم: يظن هذا أن يفتح قصور الروم وحصونها، هيهات هيهات، فأنزل الله قوله، سبحانه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ الآية، فجاءوا إلى الرسل ﷺ يعتذرون ويقولون: إنما كنا نخوض ونلعب، ونتحدث حديث الركب نقطع به عنا الطريق، فلم يعذرهم، بل قال لهم ﵊: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ ، فإذا كان هذا الكلام، الذي قاله هؤلاء، يعتبر استهزاء بالله وآياته، ورسوله، وكفرا بعد إيمان، فكيف بحال من قال في القرآن العظيم: إنه متناقض أو مشتمل على بعض الخرافات، أو قال في الرسول ﷺ إنه إنسان بسيط لا يميّز بين الحق والخرافة، لا شك أن من قال هذا هو أقبح استهزاء، وأعظم كفرا. ذكر كلام العلماء فيمن طعن في القرآن الكريم، أو الرسول عليه أفضل الصلاة والتسليم أو استهزأ بما، أو سب الله أو الرسول ﷺ :

стр. 3960

قال الإمام أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي في تفسيره - الجامع لأحكام القرآن - عند تفسير هذه الآية ما نصه: " قال القاضي أبو بكر ابن العربي: لا يخلو أن يكون ما قالوه في ذلك - جداً أو هزلاً - وهو كيف ما كان كفر، فإن الهزل بالكفر كفر لا خلاف فيه بين الأمة"انتهى المقصود. وقال القاضي عياض بن موسى- ﵀ في كتابه "الشفاء بتعريف حقوق المصطفى"ص/٣٢٥/ ما نصه: "واعلم أن من استخف بالقرآن أو المصحف، أو بشيء منه، أو سبهما أو جحده أو حرفا منه أو آية، أو كذب به أو بشيء مما صرح به فيه من حكم، أو خبر أو أثبت ما نفاه، أو نفى ما أثبته على علم منه بذلك، أو شك في شيء من ذلك فهو كافر عند أهل العلم بإجماع، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌلا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ "انتهى المقصود.
следующие страницы →