Полный текст (23 804 стр.). Показаны 3886–3925 · переход к 3891.
стр. 3886
قلت إن كلمة تلموذ بالذال المعجمة في اللغة العبرانية مشتقة من المصدر (لاموذ) وهو مصدر الفعل الثلاثي المعروف عند علماء هذا الشأن باسم (قال) وذكرت بعض مشتقاته من الثلاثي اسم الفاعل (لومذ) أي متعلم (يلمذ) بكسر أوله وسكون ثانيه وفتح ثالثه ومعناه يتعلم والفعل الرباعي (لمذ) بكسر اللام والميم المشددة ومعناه عَلّم من التعليم ومضارعه (يلمّذْ) واسم الفاعل (مِلَمّذْ) فهو تفعول بزيادة التاء والواو ومعناه في اللغة التعليم وذكرت أن الذال المعجمة لا وجود لها في اللغة العبرانية أصالة وإنما توجد الدال المهملة ويعرض لها الاعجام إذا جاءت بعد حركة ممدودة أو غير ممدودة أو سكون ناقص. ثم قلت ومشتقاته مادة ل م د في اللغة العبرانية كثيرة، وأما في اللغة العربية التي هي أصلها على الصحيح وقيل هي أختها الكبرى والأصل ضائع فلم يُستعمل من هذه المادة إلا تلميذ وهذا شأن اللغات التي تكون فروعا لأصل واحد كالإيطالية والإسبانية مثلا وهما فرعان من فروع اللغة اللاتينية بعض الكلمات تهمل في إحداهما وتوجد في الأخرى وبعضها تقل فروعها ومشتقاتها في إحدى الأختين وتكثر في الأخرى. وأزيد هنا أن بعض المؤلفين من المحدثين استعملوا من هذه المادة فعلا فقالوا فلان تتلمذ لفلان ولا يوجد هذا في كتب اللغة. أما في الاصطلاح فمعناه كتاب فقه اليهود الذي استنبطه أحبارهم من التوراة ثم بينت أن الطائفتين الباقيتين إلى هذا الزمان من طوائف اليهود وهما الربانيون والقراؤون لا تتفقان على الإيمان بالتلمود, فالربانيون يؤمنون به ويحكمون به وأما القراؤون فإنهم ينكرونه ولا يؤمنون إلا بالتوراة ثم لا يؤمنون إلا بنسختهم الخاصة ويطعنون في نسخة الربانيين وأكثر اليهود في هذا الزمان ربانيون وهم الذين أنشؤوا الحركة الصهيونية. أما القراؤون فإنهم يسكنون في نابلس من الضفة الغربية لنهر الأردن وبينهم وبين الربانيين عداوة دينية. لذلك بقوا مع العرب إلى الحرب
стр. 3887
الأخيرة التي وقعت بين العرب واليهود فاستولى اليهود على مدينة نابلس والظاهر من أحوالهم أنهم مع ذلك محافظون على عقيدتهم. وحاصل ما استدركه علي فضيلة الأستاذ:
أنه قال: إنك ذكرت الفعل (لاَمذْ) ولم تذكر ضميرا قبله نحو (أني لاَمذْ) فقلت له أيها الأستاذ أنا أتكلم في معنى الفعل وتصريفه ولا أريد أن أنشئ جملة فوافق على ذلك. ولم أرد أن أذكرله أمام الطلبة والزائرين أن اللفظ الذي قاله فاسد. لأن قولها بالعبرانية (أنيِ لاَمَذْ) كقولنا (أنا تعلم) أو (أنا قام) والعربية والعبرانية كلتاهما تبدأ الجملة الفعلية فيهما بالفعل ولا يلزم أن نذكر اسما قبل الفعل لا ضميرا ولا ظاهرا. فنقول طلعت الشمس وظهر الحق، ولو ذكرنا ضمير (أنا) قبل الفعل الماضي لم يصح إسناد الفعل إليه بل تتصل به وجوبا تاء متكلم فنقول في العربية أنا تعلمت وفي العبرانية (أنيِ لاملذْتِ) بكسر التاء لأن تاء المتكلم في العبرانية مكسورة وإنما يتحتم ذكر اسم ظاهر أو ضمير في اللغة العبرانية قبل الفعل الحاضر وهو (لُومِذْ) بكسر الميم فنقول (أني لومذ) أي أنا متعلم أو أتعلم الآن. لأن الفعل المضارع المبدوء بحرف من حروف أنيت عندهم في الأزمنة المتأخرة يختص بالمستقبل.
стр. 3888
ورب قائل يقول ما حاجتك إلى بيان معنى هذه الكلمة في لغتها الأصلية فإن لغة اليهود لا تستحق كل هذه العناية. فأقول على رسلك "إن النبي ﷺ أمر زيد بن ثابت أن يتعلم لغة اليهود فقال ﵊ لزيد: تعلم السريانية فإنها تأتيني كتب من يهود ولا آمن يهود على كتابي. قال زيد: فتعلمتها في نصف شهر". رواه أحمد والبخاري في صحيحه تعليقا. ولما قرأت صحيح البخاري لأول مرة ورأيت هذا الحديث استشكلته لأن المعروف أن لغة اليهود هي العبرانية لا السريانية فكيف يأمره النبي ﷺ بتعلم السريانية ليقرأ له كتب اليهود ويكتب الأجوبة. ولم أجد من يحل لي هذا الإشكال حتى شرعت أدرس تاريخ اللغات السامية في البلاد الجرمانية (ألمانيا) فانكشف لي أن اللغة العبرانية ماتت منذ تشتت اليهود وخروجهم من فلسطين بل ماتت قبل ذلك بمدة طويلة فإن بني إسرائيل في زمان عيسى ﵇ كانوا يتكلمون باللغة السريانية في أمور دينهم ودنياهم ولم يبقَ عندهم من العبرانية إلا أدعية الصلوات، وباللغة السريانية ألّف التلمود ونزل الإنجيل. قال تعالى: في سورة إبراهيم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ .
стр. 3889
والإشكال الثاني: كيف استطاع زيد أن يتعلم هذه اللغة في نصف شهر؟ والجواب عن هذا الإشكال حسبما يظهر لي أن زيدا لم يتعلم اللغة السريانية في نصف شهر وإنما تعلم كتابتها وقراءتها لأن هذه اللغات الثلاث: العربية والعبرانية والسريانية متقاربة جدا في جملها ومفرداتها حتى في هذا الزمان الذي ضعفت فيه اللغة العربية. وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في الفتاوى الكبرى التي طبعت أخيرا: "إن اللغة العبرانية قريبة جدا من اللغة العربية حتى إن بعض مسلمة أهل الكتاب كان يقرأ عليّ التوراة فأفهم ما يقرأه دون أن أحتاج إلى ترجمة". فإذا كان هذا في شيخ الإسلام ابن تيمية فما بالك بزمان النبي ﷺ ؟ وإلى يومنا هذا لو أن شخصا تكلم باللغة العبرانية الفصحى القديمة وتمهل في كلامه لفهم أكثر ما يقول أو كثير منه ودونك جملة تسهل عليك فهم ما تقدم (إنيِ قُوري بسّفّرْ هَزِي) معناه أنا أقرأ في هذا الكتاب، جملة أخرى (أني لُومِذ هلْ لاشون ها عَرْبيت) معناه: أنا أتعلم اللسان العربي. فموسى أرسله الله إلى بني إسرائيل بلغتهم العبرانية وأنزل عليه التوراة بها. وعيسى أرسله الله إلى بني إسرائيل باللغة السريانية التي هي لسانهم في زمانه وأنزل عليه الإنجيل بها وهذا قول أكثر المؤرخين وهو صحيح.
وبهذه المناسبة أذكر أني قرأت في كتاب الأبريز المنسوب إلى الشيخ عبد العزيز الدباغ ومؤلفه هو أحمد بن المبارك السجلماسي وكلاهما من المغرب كلاما يتعلق باللغة السريانية أريد أن أتحف القراء بذكره بمناسبة ذكر اللغة السريانية وهو من المضحكات المبكيات كما قال الشاعر:
أمور يضحك السفهاء منها
ويبكي من عواقبها اللبيب
فمن ذلك أنه زعم أن شيخه عبد العزيز الدباغ أخبره بالأمور التالية:
стр. 3890
١- قال المؤلف المذكور في كتاب الإبريز صفحة ٢١٧: "وسمعته ﵁ يقول من تأمل كلام الصبيان الصغار وجد السريانية كثيرا في كلامهم فكان آدم ﵇ يحدث أولاده في الصغر ويسكتهم بها ويسمي لهم أنواع المآكل والمشارب بها فنشأوا عليها وعلموها أولادهم وهلم جرا"ثم مضى إلى أن قال "وقد سبق أن لغة الأرواح هي السريانية". ثم قال:"ومن أسمائه تعالى لفظة أغ التي ينطق بها الصبي الرضيع وهو اسم يدل على الرفعة والعلو واللطف والحنان فهو بمنزلة من يقول يا علي يا رفيع يا حنان يا لطيف"، قال محمد تقي الدين: أقول في هذا سبحانك هذا بهتان عظيم وقد كنت نشرت في صحيفة الأخبار التي كانت تصدر في تطوان منذ سبع وعشرين سنة مقالا كذبت فيه ما ادعاه مؤلف كتاب الابريز من أن الحرف الواحد من السريانية يساوي كلمة من اللغات الأخرى كالعربية مثلا وذكرت أربعين كلمة من السريانية وقابلتها بالكلمات العربية فكانت إما مساوية للكلمات العربية في عدد الحروف أو تزيد عليها وبينت أن السريانية والعربية والعبرانية أخوات مشتركات في الضمائر وأغلب القواعد التي يعتمد عليها في تركيب الجمل وأن آلافا من الكلمات مشتركة بين اللغات الثلاث. فتحير في ذلك مقدم التيجانية أحمد الرهوني وأجاب من سأله وأحرجه بأن السريانية التي تتكلم بها الأرواح ويتكلم بها الأولياء في ديوانهم الذي يجتمعون فيه كل يوم قبل طلوع الفجر بغار حراء ليدبروا شئون العالم هي سريانية أخرى خاصة بالأولياء وليست هي السريانية المعروفة التي يتكلم بها السريانيون إلى يومنا هذا, والتي تكلم بها اليهود كما تقدم في أزمنتهم المتأخرة وهذا الجواب في غاية الوقاحة. فالسريانية شعب من الشعوب ولهم لغتهم، كما أن العرب شعب ولهم لغتهم والعبرانيون شعب من الشعوب ولهم لغتهم, فلما خنقته الحجة اخترع سريانية جديدة لم يذكرها أحد من الناس قبله. أما ما زعمه مؤلف كتاب الابريز أنه نقله عن شيخه من أن
стр. 3891
اسم الله بالسريانية أغ وأنه من بقايا لغة الروح يجري على لسان الصبيان الرضع فهو من أعظم الكذب والبهتان فإن اسم الله بالسريانية (الاها) هذا عند السريانيين الغربيين وعند السريانيين الشرقيين (ألاهو) . والسبب في ذلك أن جميع الأسماء عند السريانيين الغربيين تختم بألف مثل (بيتا) بيت, (ماي) ماء, (شمايا) سماء, (عليما) غلام. وهكذا.. أما السريانيون الشرقيون فإن الأسماء تختم عندهم بواو قبلها ضمة واسمه تعالى باللغة العبرانية (إلوهم) ولا تختلف الشعوب السامية فيما نعلم في اسم الله تعالى إلا فيما رأيت من تغيير الحركات ثم قال:"وإذا أراد الصبي أن يتغوط أعلم أمه وقال ع ع وهو موضوع في السريانية لإخراج خبث ذات الصبي", قال محمد تقي الدين: يا أسفا على العقول التي تصدق مثل هذا الهذيان ومن سوء الحظ أن كثيرا ممن يدعون أو يدعى لهم أنهم علماء في المغرب وفي مصر يصدقون هذا البهتان فنقول لهذا المخبول: إذا كانت السريانية بزعمك لغة الأرواح أي أرواح بني آدم كلهم وأن الصبيان الرضع لقرب عهدهم بعالم الأرواح بقيت على ألسنتهم هذه الكلمة السريانية فما بال صبيان العالم الرضع لا يتكلمون بها في أي شعب من الشعوب إلا في المغرب الأقصى فلعل صبيان المغاربة حفظوا ما نسيه جميع صبيان العالم وصدق رسول الله ﷺ الذي قال: "إن مما بقي من كلام النبوة الأولى (إذا لم تستح فاصنع ما شئت) ". على أن حرف العين خاص بالشعوب السامية التي خرجت من جزيرة العرب ولا يوجد عند غيرهم, فالشعوب التي ليس في لغتها عين كالأوروبيين مثلا لا يستطيع الشخص الذي لم يسمع العين ولم يتدرب عليها مدة طويلة لا يستطيع أن ينطق بها أبدا إلاّ إذا خالط شعبا ساميا كالعرب والسريانيين والآشوريين والعبرانيين والقبط والبربر مدة طويلة وقد يخالطهم زمانا طويلا ولا يستطيع أن ينطق بها. والحق أن الكلمات المختصرة التي ينطق بها الصبيان في بعض البلدان إنما تلقنوها من
стр. 3892
أمهاتهم يضعنها لهم مختصرة ليسهل نطقهم بها في بعض البلدان فيسمون الخبز بابّ، والماء أمبوا، والتمر نينى أو نان, والطفل الصغير الذي هو مثلهم موم, وهنا في المدينة يقلبون الميم نونا فيقولون (نون) وقد جمع بعض المستشرقين لغة صبيان العرب من مثل ما تقدم فاجتمع عنده مائة وخمسون كلمة وهذا كما تقدم من تلقين الآباء والأمهات ولا علاقة له بالسريانية ولا بلغة الأرواح وذكر المؤلف كلمات أخرى من هذا القبيل لا نطيل بذكرها, ومن أراد الاطلاع عليها فلينظرها في الكتاب المذكور.
ثم قال مؤلف كتاب الابريز: "وسألته ﵁ عن سؤال القبر هل يكون بالسريانية أم بغيرها وقد قال الحافظ السيوطي في منظومته:
ومن غريب ما ترى العينان
أن سؤال القبر بالسرياني
قال شارح هذه المنظومة نقلا عن كتاب للسيوطي سمّاه شرح الصدور في أحوال الموتى والقبور. "وقع في فتاوى شيخ الإسلام علم الدين البلقيني إن الميت يجيب السؤال بالسريان". قال الناظم: "ولم أقف له على سند". قال محمد تقي الدين: عفا الله عن السيوطي كيف ينقل شيئا لا يعتقد صحته, ولم يجد له دليلا, وهو من أمور الغيب ثم لا يرده, بل يكتفي باستغرابه. وقوله: ومن غريب ما تقرؤه العينان من الآراء في الكتب قول البلقيني أن سؤال القبر بالسرياني يدل عليه قوله في البيت الذي يلي البيت السابق:
كذا يقول شيخنا البلقيني
ولم أره لغيره بعيني
стр. 3893
فيه تكلف لأن العينين لا تريان سؤال القبر. ثم قال وقد سئل الحافظ ابن حجر عن ذلك فقال: "ظاهر الحديث أنه باللسان العربي ويحتمل مع ذلك أن يكون خطاب كل واحد بلسانه وهو متجه".اهـ. فقال ﵁ يعني شيخه عبد العزيز الدباغ. نعم سؤال القبر بالسريانية لأنها لغة الملائكة والأرواح ومن جملة الملائكة ملائكة السؤال وإنما يجيب الميت عن سؤالهما روحه وهي تتكلم بالسريانية كسائر الأرواح؛ لأن الروح إذا زال عنها حجاب الذات عادت إلى الميت حالتها الأولى. قال ﵁: والولي المفتوح عليه فتحا كبيرا يتكلم بها من غير تعلم أصلا لأن الحكم لروحه فما ظنك بالميت فلا صعوبة عليه في التكلم بها. فقلت يا سيدي نريد من الله ثم منكم أن تمنوا علينا بذكر كيفية السؤال وكيفية الجواب باللغة السريانية؟
فقال ﵁: أما السؤال فإن الملكين يقولان له بلفظ السريانية (مرازهو) وضبطه بفتح الميم وبها تشديد ضعيف وبفتح الراء المهملة وبعدها ألف وبعد الألف زاي مسكنة وبعد الزاي هاء مضمومة بعدها واو ساكنة سكونا ميتا. فله ذلك ومعنى هذه الحروف المسئول بها يعرف بأصل وضع الحروف في اللغة السريانية فأما الميم المفتوحة وهي الحرف الأول فإنها وضعت لتدل على المكونات كلها والمخلوقات بأسرها، وأما الحرف الثاني وهو الراء فإنه وضع للخيرات التي في تلك المكونات، وأما الزاي فإنها وضعت للشر الذي فيها. وأما الهاء التي بعدها صلة فإنها وضعت لتدل على الذات المقدسة الخالقة للعوالم كلها سبحانه لا إله إلا هو.
ثم قال وأما الجواب فإن الميت إذا كان مؤمنا فإنه يجيبهما بقوله مراد أزيرهو، وضبطه بفتح الميم وفيها تشديد ضعيف وبعدها راء مفتوحة بعدها ألف ساكنة بعد الألف دال ساكنة وبعد الدال همزة مفتوحة وبعد الهمزة زاي مكسورة بعدها ياء ساكنة سكونا ميتا وبعد الياء راء ساكنة وبعد الراء هاء موصولة بواو ساكنة سكونا ميتا.
стр. 3894
ومعنى هذه الحروف: أن الحرف الأول أشير به كما سبق إلى المكونات كلها والمخلوقات بأسرها، وأشير بالحرف الثاني إلى نور محمد ﷺ وإلى جميع الأنوار التي تفرعت منه كأنوار الملائكة والأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام وأنوار اللوح والقلم والبرزخ وكل ما فيه نور، وأشير بالحرف الثالث وهو الدال المسكنة إلى حقيقة جميع ما دخل تحت الحرف الذي قبله فكأنه يقول: نبينا محمد ﷺ حق وسائر الأنبياء حق وسائر الملائكة حق لا شك في جميع ذلك وجميع ما دخل تحت الحرف السابق، وأشير بالحرف الرابع وهو الهمزة المفتوحة إلى مدلول ما بعدها فالهمزة المفتوحة في لغة السريانية من أدوات الإشارة كلفظة هذا أو هذه في العربية، والزاي التي بعدها وضعت لتدل على الشرك كما سبق فيدخل فيها جهنم وكل ما فيه ظلام وشر، وأشار بالراء المسكنة إلى حقيقة كل ما يدخل تحت الحرف الذي قبله وهي الزاي المكسورة المشبعة بالياء الساكنة، وأشير بالهاء الموصولة إلى الذات العلية من حيث أنها خالقة ومالكة ومتصرفة وقاهرة ومختارة فحاصل معنى الجواب أنه قيل جميع المكونات ونبينا الذي هو حق وسائر الأنبياء الذين هم حق وكافة الملائكة الذين هم حق وجميع الأنوار التي هي حق وعذاب جهنم الذي هو حق وكل الشر الذي هو حق هو سبحانه خالقها ومالكها ومتصرف فيها المختار فيها وحده لا معاند له ولا شريك ولا راد لحكمه. قال ﵁ فإذا أجاب الميت بهذا الجواب الحق قال له الملكان عليهما الصلاة والسلام ناصر. وضبطه بفتح النون في أوله بعدها ألف وبعد الألف صاد مكسورة وبعد الصاد راء ساكنة ومعناه يُعلم مما وضعت له حروف في السريانية فالحرف الأول وهو نا بالنون المفتوحة بعدها ألف للنور الساكن في الذات المشتعل فيها والحرف الثاني وهو الصاد المكسورة وضعت لتدل على التراب، والراء الساكنة تدل على حقيقة المعنى السابق، فمعنى هذا الكلام حينئذ نور إيمانك الساكن
стр. 3895
في ذاتك الترابية. أي التي أصلها من التراب صحيح حق مطابق لا شك فيه فهو قريب من قوله في الحديث: "نم صالحا قد علمنا إن كنت لموقنا".
وسألته ﵁ عن كلمات من القرآن اختلف العلماء فيها هل هي سريانية أم لا؟ فمنها أسفارا, قال الواسطي في الاشاد هي الكتب بالسريانية وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك قال هي الكتب بالقبطية قاله في الإتقان في علوم القرآن. فقال ﵁ هي سريانية وهي الكتب كما قال الواسطي ﵀ ومعنى الكلمة تلك محاسن الأشياء التي ليست طوق البشر لأن الهمزة المفتوحة إشارة لما يليها كما سبق. والسين المسكنة وضعت لمحاسن الأشياء. والفاء المفتوحة اسم لما ليس في طوق البشر، والراء المفتوحة إشارة أخرى إلى تلك المحاسن فكأنه يقول إن الكتب فيها هذه المحاسن التي لا تطاق والله أعلم.
стр. 3896
قال محمد تقي الدين كلمة (سفر) بكسر السين وسكون الفاء من الكلمات المشتركة بين اللغات السامية التي نعرفها ففي السريانية (سفرا) سواء أكان نكرة أم معرفة لأن كل اسم في السريانية ينتهي بالألف وليس فيها أداة تعريف، وبالعبرانية إذا لم تضف هذه الكلمة تلفظ (سفر) بكسر السين والفاء, وهكذا الأسماء الثلاثية في اللغة العبرانية كثير منها يكون بكسر أوله وثانيه وإذا أضيف إليه ياء المتكلم تقول (سفري) بكسر فسكون كما في العربية. أما الجمع فيختلف ففي العربية وحدها لا في أختيها يجمع على أسفار, ومؤلف كتاب الابريز توهم أن السفر يجمع على أسفار في اللغة السريانية فاخترع لكل حرف معنى حسبما تقدم من زعمه أن كل حرف في السريانية له معان وهو باطل كما أشرت إليه سابقا، فحرف التهجي في السريانية كغيرها ليس له معنىً , ومن المعلوم أن أكثر الكلمات في اللغات السامية سواء أكانت فعلاً أم اسماً لا يقل عددها في الكلمة الواحدة عن ثلاثة أحرف, وما جاء ناقصا؛ كيَدٍ ودَمٍ فالحرف الثالث فيه مقدر يظهر في الجمع نحو (اغسلوا أيديكم) وسالت دماء الأعداء، فهمزة دماء منقلبة عن ياء والأصل دماي وعلماء اللغات السامية متفقون على هذا ولكن أحمد بن المبارك اللمطي ظن أن اللغة السريانية ماتت موتا تاما وانقرض أهلها ولم يبق أحد يعرفها على وجه الأرض فافترى ماشاء له الخيال أن يفتري. ولم يدر أن قرىً كثيرة في شمال العراق لا تزال تتكلم بالسريانية, وقرى أخرى هناك تتكلم بالآشورية التي أختها الشقيقة, وما أحسن ما قال الشاعر:
في مثل هذا المفتري يحق إنشاده:
يا لك من قبرة بمعمر
خلا لك الجو فبيضي واصفري
ونقري ما شئت أن تنقري
قد ذهب الصياد عنك فابشري
لا بدّ من أخذك يوما فاحذري
стр. 3897
وقد رأيت في خزانة الكتب ببرلين مجلدين ضخمين يشتملان على أسماء الكتب السريانية المخطوطة الموجودة في هذه الدار وحدها فما بالك بخزائن الكتب التي توجد عند السريانيين في الشام والعراق وقد زرت مدرستهم في الموصل، والتدريس فيها باللغة السريانية وهي مؤسسة لتخريج القسيسين، ولما قال لي مدير المدرسة وهو قسيس: اسأل التلاميذ عمّا تريد. فقلت لا أريد أن أخجلهم. فقال: لا بل اسألهم. فأشرت إلى تلميذ عمره خمس عشرة سنة تقريبا يلبس لباس الرهبان كسائر التلاميذ وقلت له تستطيع أن تترجم أبياتا عربية بالسريانية فقال نعم. فقلت له ترجم الأبيات التالية:
تعلم فليس المرء يولد عالما
وليس أخ علم كمن هو جاهل
وإن كبير القوم لا علم عنده
صغير إذا التفت عليه المحافل
وإن صغير القوم والعلم عنده
كبيرا إذا ردت إليه المسائل
فترجمها شعرا بالسريانية أحسن ترجمة.
стр. 3898
ثم قال: ومنها (شهر) ذكر الجواليقي أن بعض أهل اللغة ذكر أنه سرياني فقال ﵁ ليس بسرياني والشهر في لغة السريانيين اسم للماء, قلت ومن عرف تفسير حروفه لم يشك في ذلك، قال محمد تقي الدين وهذا أيضا افتراء, فإن الشهر موجود في السريانية بلفظ (سهرا) ومعناه الهلال والقمر. أما الماء الذي زعم أنه في السريانية شهر فقد كذب فالماء في السريانية ماي وجمعه مايي أي مياه، وأقتصر في الرد على هذا المفتري على هذا القدر. وهذا الرجل أحمد ابن المبارك اللمطي السجلماسي من كبار علماء وقته في مدينة فاس في القرن الثاني عشر للهجرة وقد حمله حب الشهرة أن اتّخذ رجلاً من آل البيت اسمه عبد العزيز الدباغ كان يعد من الصالحين وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب اتخذه شيخا ونسب إليه أجوبة كثيرة عن معاني الآيات والأحاديث لا يتسع المقام لذكرها وزعم أنه كان يقرأ اللوح المحفوظ ويجيب عن كل ما يُسأل عنه وهذا يدل على ذهاب العلم والعلماء كما قال النبي ﷺ :"إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس بعد أن أعطاهموه وإنما يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم اتّخذ الناس رؤوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا". وإذا أردت أيها القارئ أن تزداد علما بما ينسب من كلمات القرآن إلى غير لغة العرب فعليك بقراءة مقالي المنشور في مجلة الجامعة الإسلامية في الجزء الثالث من السنة الثالثة (محرم ٩١هـ) والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
стр. 3899
حكم من لم يحكم بكتاب الله
بقلم الشيخ عطية محمد سالم
القاضي بالمحكمة الكبرى بالمدينة
تقدم في أول مبحث من له حق الحكم والتشريع ومن المستحق للسمع والطاعة والإذعان والانقياد لأوامره. وأنه هو الله تعالى وحده. وبيان موجز بأن من شرع ما لم يأذن به الله فقد نصب نفسه شريكا مع الله ومن أطاعهم في تشريعهم واستحله فهو مشرك شرك الطاعة المعروف. وفي هذا المقام نورد تفصيل ذلك مما ورد في مجموع نصوص صريحة:
أولا- لما قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْك﴾ إلى آخر الآية. جاء بعدها في السياق ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ . فجعلهم شركاء تشريع بتشريعهم ما لم يأذن به الله؛ لأن التشريع حق لله ولا يملك هذا الحق إلا الله.
ثانيا- لما حرم الله الميتة جاء الشيطان لأوليائه من كفار مكة فأوحى إليهم بما يحاولون به في تحريمها ويدعون إلى تحليلها فقال لهم: قولوا لمحمد: الشاة الميتة من قتلها فقال لهم: الله قتلها فقال قولوا لهم ما قتله الله يكون حراما وما قتلتموه أنتم يكون حلالا فذبيحتكم إذا أحسن من ذبيحة الله التي ذبحها بسكين من ذهب بيده الكريمة.. فأنزل الله قوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ .
стр. 3900
وقد بيّن فضيلة والدنا الشيخ محمد الأمين في أضواء البيان فيما يكتبه حفظه الله للجزء السابع وسمح بالنقل عنه أوسع بيان في ذلك. فقد ساق هذه القصة ببيانه المفصل وختمه بقوله تعليقا على الآية بقوله: وقوله تعالى: ﴿لَفِسْقٌ﴾ أي خروج عن طاعة الله واتباع لتشريع الشيطان. ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ أي بقولهم: ما ذبحتموه حلال وما ذبحه الله حرام. فأنتم إذاً أحسن من الله وأحل تذكية. ثم بيّن الفتوى السماوية من رب العالمين في الحكم بين الفريقين في قوله: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ فهي فتوى سماوية من الخالق جل وعلا، ثم صرح فيها بأن متبع تشريع الشيطان المخالف لتشريع الرحمن مشرك بالله.
стр. 3901
وهذه الآية الكريمة مثل بها بعض علماء العربية لحذف اللام الموطئة للقسم. لحذف الفاء من الجواب وعدم اقترانه بها. وساق فضيلته مناقشة عربية في ذلك. ثم ذكر بعدها الآيات المتعلقة بالموضوع فقال: ومن الآيات الدالة على ما دلت عليه آية الأنعام قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ . فصرح بتوليهم للشيطان أي باتباع ما يزين لهم من الكفر والمعاصي مخالفا لما جاءت به الرسل.. ثم صرح بأن ذلك إشراك به في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ . وصرح أن الطاعة في ذلك الذي يشرعه الشيطان لهم ويزينه عبادة للشيطان. ومعلوم أن من عبد الشيطان فقد أشرك بالرحمن. قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ. وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ. وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ..﴾ ويدخل فيهم متبعوا نظام الشيطان دخولا أوليا: (ولعل مما يشهد لأولية هذا الدخول ما سبق تقديمه من قوله تعالى فيمثل هذا المقام: ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً﴾ . ثم يبين المصير الأخير لمن كان يعبد الشيطان في دار الدنيا في قوله: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ. الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ .
وقال تعالى عن نبيه إبراهيم: ﴿يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً﴾ فقوله: لا تعبد الشيطان أي باتباع ما يشرعه من الكفر والمعاصي مخالفا لما شرعه الله.
стр. 3902
وقال تعالى: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَرِيداً﴾ . فقوله وإن يدعون إلا شيطانا يعني وما يعبدون إلا شيطانا مريدا.
وقوله: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ. قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ فقوله تعالى: ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ أي يتبعون الشياطين ويطيعونهم فيما يشرعون ويزينون لهم الكفر والمعاصي على أصح التفسيرين.
стр. 3903
والشيطان عالم بأن طاعتهم له المذكورة إشراك به كما صرح بذلك وتبرأ منه في الآخرة كما نص الله عليه في سورة إبراهيم في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ فقد اعترف بأنهم كانوا مشركين به من قبل أي في دار الدنيا ولم يكفر بشركهم إلا يوم القيامة. وقد أوضح النبي ﷺ هذا المعنى الذي بيناه في الحديث لما سأله عدي بن حاتم ﵁ عن قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ . كيف اتخذوهم أربابا وأجابه ﷺ "أنهم أحلوا لهم ما حرّم الله وحرموا عليهم ما أحل الله" فاتبعوهم وبذلك الاتباع اتخذوهم أرباباً. ومن أصرح الأدلة في هذا أن الكفار إذا أحلوا شيئا يعلمون أن الله حرمه وحرّموا شيئا يعلمون أن الله أحله فإنهم يزدادون كفراً جديداً بذلك مع كفرهم الأول وذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّه﴾ أي بالقتال وما لا يجوز في الأشهر الحُرم إلى قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ .
وعلى كل فكل من أطاع غير الله في تشريع مخالف لما شرعه الله فقد أشرك به مع الله كما يدل لذلك قوله:
﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ﴾ . فسماهم شركاء لما أطاعوهم في قتل الأولاد وقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ . فقد سمى تعالى الذين يشرعون من الدين ما لم يأذن به الله شركاء.
стр. 3904
ومما يزيد ذلك إيضاحا أن ما ذكره الله عن الشيطان يوم القيامة من أنه يقول للذين كانوا يشركون في دار الدنيا ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُْ﴾ أن ذلك الإشراك المذكور ليس فيه شيء زائد على أن دعاهم إلى طاعته فاستجابوا له كما صرح بذلك في قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ .. الآية. وهو واضح كما ترى.
فتحصل من هذا السياق الوافي والبيان الكافي وقد زاده إيضاحا قوله حفظه الله في مطلع هذا البحث بقوله: "فالإشراك بالله في حكمه كالإشراك به في عبادته؛ قال في حكمه: ﴿وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً﴾ . وفي قراءة ابن عامر من السبعة ﴿ولا يشركْ في حكمه أحدٌ﴾ بصيغة النهي وقال في الإشراك به في عبادته: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ , فالأمران سواء". اهـ.
وقد سيق إيراد النصوص التي جمعت الحكم والعبادة والحكم والولاية معا.
ولعلنا بهذا العرض وهذا الإيراد لما ذكره فضيلة والدنا الشيخ محمد الأمين في هذا المبحث نكون قد أعطينا الضوء الكافي لمن أراد أن يبصر طريق الحق إلى مطلع النور والهدى والحكم بما أنزل الله من كتاب وحكمة.
ومن عجب كل العجب أن يعرض الإنسان عن شرع ربه وخالقه ومحييه ومميته وكادح إليه فملاقيه وموقفه بين يديه يأتونه فرادا كما خلقهم أول مرة في يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لا ملجأ من الله إلا إليه قد شرع له ما يصلح دنياه ويسعد آخرته.
стр. 3905
وهو مع هذا يعرض ويتولى. وما ذلك إلا ضياع منه لنفسه ونسيان لحظه وتمرد على ربه: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ, وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ . نسي خلقه من نطفة مخلقة فمضغة حتى إذا كان يافعا فتيا ناصب ربه العداء وشرع لخلق الله ما أراد.
وخير ما نختتم به هذا البحث الإنذار من الله لخلقه ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ .
﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ . وإن حقيقة الإسلام لا تتحقق إلا بكمال الاستسلام كما قيل:
وأسلمت وجهي لمن أسلمت
له الأرض تحمل صخرا ثقالا.
دحاها فلما استوت شدها.
سواء وأرسى عليها الجبالا.
وأسلمت وجهي لمن أسلمت.
له المزن تحمل عذبا زلالا.
إذا هي سيقت إلى بلدة
أطاعت فصبت عليها سجالا.
وأسلمت وجهي لمن أسلمت.
له الريح تصرف حالا فحالا.
ومن أبرز النصوص في موضوع من لم يحكم بما أنزل الله ما جاء متتاليا في سورة المائدة ثلاث مرات ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ والثانية ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ وفي الثالثة ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ .
стр. 3906
وجميع المفسرين والكتاب وعلماء الكلام فيهم الطحاوي يتناولون هذه النصوص بالبحث من وجهات علمية ثلاث تتلخص فيمن نزلت؟ , وبمن اختصت؟ , وعلامَ دلَّت؟. واتفقوا أنها نزلت في اليهود والنصارى أما بمن اختصت. فالبعض يخصها بمن نزلت فيهم والأكثرون يعمون بها على أساس أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وأن شرع من قبلنا شرع لنا. وأنها ما ذكرت لنا في شرعنا إلا من أجلنا لنحذر مما حذرت منه. أما مدلولها فالبعض أيضا على أن الألفاظ الثلاثة قد تكون مترادفة المعنى وكلها تأتي بمعنى الشرك وبمعنى العصيان وعليه هل هذا الكفر والظلم والفسق مخرجة من الملة أم هي كفر دون كفر وفسق عصيان وظلم في الفروع؟.
وقد بحث هذا الموضوع شارح الطحاوية بما نصه: قال: "وهنا أمر يجب أن يتفطن له وهو: أن الحكم بغير ما أنزل الله قد يكون كفرا ينقل عن الملة وقد يكون معصية كبيرة أو صغيرة. ويكون كفرا. إما مجازيا وإما كفرا أصغر على القولين المذكورين. وذلك بحسب حال الحاكم: فإنه إن اعتقد أن الحكم بما أنزل الله غير واجب, وأنه مخير فيه, واستهان به مع تيقنه أنه حكم الله فهذا كفر أكبر. ون اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله وعلمه في هذه الواقعة وعدل عنه مع اعترافه بأنه مستحق العقوبة. فهذا عاص. ويسمى كافرا كفرا مجازيا أو كفرا أصغر. وإن جهل حكم الله فيها مع بذل جهده واستفراغ وسعه في معرفة الحكم وأخطأه, فهذا مخطئ، له أجر على اجتهاده وخطؤه مغفور" هـ..
فقد أوجز الحكم على من حكم بغير ما أنزل الله بناء على اعتبارات مختلفة في نفس الحاكم من اعتقاده أو غير وجوبه وعلمه وجهالته ونحو ذلك.
стр. 3907
وقد بحث هذه النصوص الثلاثة فضيلة والدنا الشيخ محمد الأمين في أضواء البيان في الجزء الثاني على قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ في سورة المائدة قد استوفى البحث مما يغني عن أقوال جميع المفسرين () الموضوع نسوقه بتمامه لتمام فائدته. ثم نعرض وجهة نظر في الموضوع إن شاء الله.
قال حفظه الله: " قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ . اختلف العلماء في هذه الآية الكريمة هل هي في المسلمين أو في الكفار؟ , فرُوي عن الشعبي أنها في المسلمين. وروي عنه أنها في اليهود. وروي عن طاوس أيضا أنها في المسلمين. وأن المراد بالكفر فيها كفر دون كفر. وأنه ليس في الكفر المخرج من الملة. وروي عن ابن عباس في هذه الآية أنه قال: "ليس الكفر الذي تذهبون إليه". رواه عنه ابن أبي حاتم والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. قاله ابن كثير. قال بعض العلماء والقرآن العظيم على أنها في اليهود لأنه تعالى ذكر فيما قبلها أنهم يحرفون الكلم من بعض مواضعه وأنهم يقولون ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا﴾ يعني الحكم المحرف الذي هو غير حكم الله فخذوه. وإن لم تؤتوه أي المحرف بل أوتيتم حكم الله الحق فاحذروه. فهم يأمرون بالحذر من حكم الله الذي يعلمون أنه الحق. وقد قال تعالى بعدها ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآية.. تدل على أن الكلام فيهم.
стр. 3908
وممن قال بأن الآية في أهل الكتاب كما دل عليه ما ذكر (البراء بن عازب- وحذيفة بن اليمان، وابن عباس، وأبو مجلز، وأبو رجاء العطاردي، وعكرمة، وعبيد الله بن عبد الله، والحسن البصري وغيرهم. وزاد الحسن وهي علينا واجبة. نقله عنهم ابن كثير. ونقل نحو قول الحسن عن إبراهيم النخعي. وقال - القرطبي- في تفسيره ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ - والظَّالِمُونَ - والْفَاسِقُونَ﴾ : "نزلت كلها في الكفار. ثبت ذلك في صحيح مسلم من حديث البراء. وقد تقدم وعلى هذا المعظم.
فأما المسلم فلا يكفر وإن ارتكب كبيرة. وقيل فيه: (أي ومن لم يحكم بما أنزل الله) رداً للقرآن وجحدا لقول الرسول صلى الله وعليه وسلم فهو كافر قاله ابن عباس ومجاهد.
فالآية عامة على هذا. قال ابن مسعود والحسن: هي عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله من المسلمين واليهود والكفار. أي معتقدا ذلك ومستحلاً له. فأما من فعل ذلك- وهو معتقداً أنه مرتكب محرما فهو من فساق المسلمين, وأمره إلى الله تعالى إن شاء عذبه وإن شاء غفر له.
وقال ابن عباس في رواية ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ فقد فعل فعلا يضاهي أفعال الكفار. وقيل أي ومن لم يحكم بجميع ما أنزل الله فهو كافر. فأما من حكم بالتوحيد, ومن لم يحكم ببعض الشرائع فلا يدخل في هذه الآية. والصحيح الأول, إلا أن الشعبي قال: هي في اليهود خاصة. واختاره النحاس قال: ويدل على ذلك ثلاثة أشياء:
стр. 3909
منها أن اليهود ذكروا قبل هذا في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ فعاد الضمير عليهم. وفيها أن سياق الكلام يدل على ذلك ألا ترى أن بعده ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ﴾ . فهذا الضمير لليهود بالاجماع. وأيضا فإن اليهود هم الذين أنكروا الرجم والقضاء. فإن قال قائل (من) إذا كانت للمجازاة فهي عامة إلا أن يقع دليل على تخصيصها, قيل له (من) هنا بمعنى (الذي) مع ما ذكرناه من الأدلة والتقرير, واليهود الذين لم يحكموا بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون. فهذا من أحسن ما قيل في هذا.
ويروى أن حذيفة سئل عن هذه الآيات أي في بني إسرائيل فقال: نعم هي فيهم ولنسلكن سبيلهم حذو النعل بالنعل - وقيل: ﴿الْكَافِرُونَ﴾ للمسلمين, و ﴿الظَّالِمُونَ﴾ لليهود, و ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ للنصارى. وهذا اختيار أبي بكر بن العربي. قال: لأنه ظاهر الآيات.
وهو اختيار ابن عباس وجابر بن زيد وابن أبي زائدة وابن شبرمة والشعبي أيضا. قال طاووس وغيره: "ليس بكفر ينقل عن الملة. ولكنه كفر دون كفر". وهذا يختلف إن حكم ما عنده على أنه من عند الله فهو تبديل له يوجب الكفر، وإن حكم به هوى ومعصية فهو ذنب تدركه المغفرة على أصل أهل السنة الخ.. الغفران للمذنبين.
قال القشيري: "وقد ذهب الخوارج أن من ارتشى وحكم بغير حكم الله فهو كافر". وعزا هذا إلى الحسن والسدي. وقال الحسن أيضا: أخذ الله على الحكام ثلاثة أشياء:
١- ألا يتبعوا الهوى. ٢- وأن لا يخشوا الناس ويخشوه. ٣- وأن لا يشتروا بآياته ثمنا قليلا". انتهى كلام القرطبي.
قال مقيدة عفا الله عنه: الظاهر المتبادر من سياق الآيات: أن آية ﴿هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ نازلة في المسلمين؛ لأنه تعالى قال قبلها مخاطبا لمسلمي هذه الأمة ﴿فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً﴾ . ثم قال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ .
стр. 3910
فالخطاب للمسلمين كما هو ظاهر متبادر من سياق الآية. وعليه فالكفر إما كفر دون كفر وإما أن يكون فعل ذلك مستحلا له، أو قاصدا به جحد أحكام الله وردها مع العلم بها.
أما من حكم بغير حكم الله وهو عالم أنه مرتكب ذنبا, فاعلا قبيحا, وإنما حمله على ذلك الهوى فهو من سائر عصاة المسلمين. وسياق القرآن ظاهر أيضا في أن آية ﴿هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ في اليهود لأنه قال قبلها: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ .
فالخطاب لهم لوضوح دلالة السياق عليه كما أنه ظاهر أيضا مع أن آية: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ في النصارى لأنه قال قبلها ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ .
واعلم أن تحرير المقام في هذا البحث أن الكفر والظلم والفسق كل واحد منها ربما أطلق في الشرع مراد به المعصية تارة, والكفر المخرج من الملة تارة أخرى.
﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ معارضة للرسول ﷺ وإبطالا لحكم الله. فظلمه وفسقه وكفره كلها مخرج عن الملة. ومن لم يحكم بما أنزل الله معتقدا أنه مرتكب حراما فاعل قبيحا فكفره وظلمه وفسقه غير مخرج عن الملة. وقد عرفت أن ظاهر القرآن يدل على أن الأولى في المسلمين, والثانية في اليهود, والثالثة في النصارى. والعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب. وتحقيق أحكام الكل هو ما رأيت. والعلم عند الله تعالى ". اهـ من الأضواء بلفظه قبل طبعه.
стр. 3911
وبعد هذا العرض من كلام شارح الطحاوية الموجز وكلام الأضواء المفصل, فإني أورد وجهة نظر في هذه النصوص الثلاثة مما توحي الآيات بسياقها:
أولا - الآية الأولى: جاءت تبعا لسباق مكتمل عن اليهود, بدأ من التحذير منهم, ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُم﴾ إلى قوله: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّه﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ..﴾ وإلى هنا كله في اليهود.. وفي عموم التوراة يحكم بها النبيون ثم جاء في السياق ﴿فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً﴾ وهنا خطاب للأمة, ثم جاء بعد هذا مباشرة ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ..﴾
ولكن بالنظر إلى ما أعقبه من قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا﴾ .. فإن ﴿عَلَيْهِمْ﴾ راجع لليهود قطعا, و ﴿فِيهَا﴾ راجع للتوراة قطعا.. وقوله: ﴿بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ مجمل بالنسبة إلى القرآن أو التوراة، فيكون عطف عليهم فيها في السباق أقرب إلى اعتبار ما أنزل الله هو التوراة. وهذا على الأقل يرجح أن قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ يعني اليهود: أي نزلت فيهم.. أما حكمها عامة أو خاصة فهذا مبحث آخر..
стр. 3912
أما الثانية: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ : تصريح النص والسياق إنها في اليهود لقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ إلى آخر: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ .
وكذلك الثالثة: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ لقوله: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ . فهذه في النصارى لذكر الإنجيل.
ومن ناحية أخرى: إننا لو نظرنا إلى لفظتي (كافرون) و (فاسقون) , لوجدناهما جاءتا بعد ذكر الكتابين التوراة والإنجيل, أو عموم ما أنزل الله أي أنها في الحكم على من لم يحكم حكما عاما ويأخذ بعموم التشريع بما فيه العقائد والعبادات وتحكيمه ككل لا كجزء.
أما لفظة: (الظالمون) فجاءت عقب تفصيل جزئي في تشريع جانبي خاص بحق الإنسان أي في حق خاص لا في حق عام..
والحق الخاص مبني على القصاص, وهو المساواة أو التسامح, فإن أسقط الإنسان حقه سقطت فيه المطالبة, فمن تصدق به فهو كفارة له.. بخلاف العقائد والعبادات فهي لازمة لا يملك المكلف إسقاطها ولا التصدق بشيء منها.
فهي حق دائر بين المسامحة والمطالبة, ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَه﴾ , و ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ..﴾ ومن طالب بحقه فلا بدّ فيها كلها من القصاص والمماثلة. ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ..﴾ إلى ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ . وإذا لم ينفذ هذا ويحكم بمقتضاه كان الظلم لا محالة؛ لأنه إذا أخذت اليد بالعين والسن بالأنف لم تقع المساواة, وإن أخذت عروض وأموال في أحدها..
стр. 3913
والحال أن الجاني معتد فإن الظلم لم يرتفع؛ لأن المال عوض العضو وبقي حق الاعتداء, فأي عقوبة بغير القصاص ستكون ظلما؛ لأنها إما زائدة عن العضو فيظلم الجاني, وإما ناقصة فيظلم المجني عليه ولا يرتفع الظلم إلا بالمقاصة. ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ . وهذا أيضا يجعل هذا الوصف وإن كان خاصا في اليهود إلا أنه عام في كل أمة, إذا لم ينفذ حكم القصاص في النفس والأطراف والجروح فهي ظالمة. ولا تكون بذلك وحده كافرة, أي أن هذا جور في الحكم وحيف في الحق وهذا من المعاصي وليس من الكفر والشرك.
وذلك مع اعتبار ما قاله شارح الطحاوية من معتقد الحاكم المتقدم تفصيله وبالله التوفيق.. وهذا ما يتعلق بالمسلمين حاكمين ومحكومين.
أما المواطنين غير المسلمين فإنهم لا يكون إلا محكومين ولكنهم يكونون متساوين مع المسلمين في التقاضي من العدالة والمساواة والإنصاف وضمان الحقوق, قياما لله بالحق ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ . وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله.
حق المواطنين غير المسلمين في التحاكم:
لقد رأينا في المقدمة ما كان عليه حال البلاد المسلمة حينما كانت تحت حكم الاستعمار وما كان عليه حال المستعمرين من تمييز وحماية ثم اختصاص بمحاكم خاصة في ظل الغلبة والقوة.
стр. 3914
أما الإسلام فليس فيه شيء من ذلك في نشر العدالة وميزان الحكم كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً﴾ أي لأنهم أضعف من ذلك. ومع هذا الضعف ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ أي ولو كان المحكوم عليه أو له عدو مخالف. وهكذا يعامل المسلم وغير المسلم على حد سواء. وفي قصة عمر بيان شاف لماّ تحاكم يهودي ومنافق فقال اليهودي: نتحاكم إلى محمد لعلمه أنه لا يأخذ الرشوة. وقال المنافق: نتحاكم إلى فلان, وأخيرا تحاكما إلى رسول الله ﷺ , فحكم لليهودي ولكن المنافق لم يقبل, فذهب به إلى أبي بكر ﵁ فحكم بما حكم به ﷺ فلم يقبل وذهب به إلى عمر ﵁ فسبقه اليهودي بالقول وأخبره بما كان من حكمين سابقين فاستمهلهما ودخل فأتى بسيفه وقتل من لم يرضَ بحكم رسول الله ﷺ وإن كان الحكم لليهودي..
стр. 3915
وفي قصة شريح في قضية علي بن أبي طالب مع اليهودي في الدرع أعظم مثَلٍ للقضاء والمتقاضين والحكم النزيه. افتقد عليٌ درعَه سقط عن بعيره فأخذه يهودي فادعاه به فلم يعطه وقال درعي وفي يدي فاحتكما إلى شريح فطلب شريح من عليٍ البينة فقال: ليس عندي إلا الحسن والخادم. فقال له أما الحسن فولدك ولا تقبل شهادته لك, فقال علي: ويحك ألم تسمع رسول الله ﷺ قال: "الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة", قال: بلى والله أعلم, ولكن لا بد لك من شاهد آخر, فقال: ليس عندي, فقال لليهودي: انطلق بالدرع, فلما خرج قال: واعجباً والله قاضي المسلمين وإمامه أمير المؤمنين ولم يقبل شهادة ولده له وهو ابن بنت رسول الله, هذا والله هو العدل, يا علي هذا الدرع لك سقط عن بعيرك فأخذته ولكن أردت أن أنظر ماذا سيصنع قاضيك لك وإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله, ففرح علي وقال: خذ الدرع فهو لك وخذ هذه مائتا درهم لك.
هذه هي عدالة الإسلام ومساواته بين جميع المواطنين في الحقوق أمام القضاء مما لم يعرف له العالم مثيلاً, لا قديما ولا حديثا.
وقد وضع الفقهاء أبوابا لأهل الذمة في تآليفهم لبيان ما لهم في ظل الإسلام وتحت حكم المسلمين. وقضية الجيش في سمرقند وقضاؤه فيها بأمر أمير المؤمنين الخليفة عمر بن عبد العزيز أعظم شاهد على ذلك وسيأتي التنبيه على محاسن الشريعة ومساوئ القوانين فيما بعد إن شاء الله.
стр. 3916
تمثيل رسول الله وتمثيل آل بيته وأصحابه رضوان الله عليهم
لفضيلة الشيخ محمد المنتصر الكتاني
المستشار العام لرابطة العالم الإسلامي بمكة
تمثيل رسول الله ﵌ حرام لا يجوز، بنصوص القرآن والسنة النبوية وإجماع المسلمين وقد يكون ذلك كفرا وزندقة.
وكما لا يجوز تمثيله صلوات الله عليه، لا يجوز حضور تمثيله، ولا الموافقة عليه، ولا مساعدة مرتكب ذلك بأي نوع من أنواع المساعدة إذناًله، أو تصوير الكعبة المشرفة، أومكة المكرمة، والضريح النبوي، والمدينة المنورة، أو أي شيء في معناها ليظهر حاكيه ﵊ في منزل الوحي، ودار ولادته، ومرتع صباه، ودار هجرته ومدفنه صلوات الله وسلامه عليه.
ومرتكب ذلك بالتمثيل نفسه، أو الحضور فيه، أو معاونته، أو الموافقة عليه بفتوى، أو جاه، أو نفوذ أو أي شيء يكون منه لعمل ذلك التمثيل, فاعل ذلك بنفسه، أو بتأييده، ولو باللسان، فضلا عن المشاركة ملعون بلعنة رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، ومع اللعنة يعاقب أيضا بالطرد من بلده والنفي من بين قومه وعشيرته.
وكذلك لا يجوز ويحرم تمثيل آل بيت النبوة، وأصحاب رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، ويجب احترامهم بأمر الله تعالى وأمر رسول الله ﷺ .
والممثلون أهل لعب ومجون، وأهل كذب واستخفاف، وقد يصل بهم اللعب في التمثيل والكذب إلى الاستخفاف بمن يجعلونه غرضا لذلك التمثيل وهدفاً، وإذ ذاك يصبح التمثيل كفرا وزندقة، عقوبته القتل بلا استتابة، ولا يبقى حكمه عدم الجواز والحرمة فقط، ولا يكفي في عقوبته اللعنة لمرتكبه والساعي فيه والنفي من البلاد فقط.
стр. 3917
ونص التحريم من القرآن الكريم قوله تعالى لمن جعلوا رسول الله ﷺ هدفا للعبهم: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ .
قال ابن العربي المعارفي: "لا يخلوا أن يكون ما قالوه من ذلك جدا أو هزلا، وهو كيفما كان كفر، فإن الهزل بالكفر كفر، لا خلاف فيه بين الأمة".
ونص التحريم من السنة النبوية، قصة الحكم بن أبي العاص الأموي، ومحاكاته للنبي صلوات الله وسلامه عليه، قال ابن عبد البر الأندلسي: "كان الحكَم يحاكي النبي صلى عليه وسلم في مشيته وبعض حركاته، أي كان الحكم يمثل النبي صلوات الله عليه، وكان الحكم من مسلمة الفتح ومطلقيهم.
ذكروا أن النبي صلوات الله وسلامه عليه كان إذا مشى يتكفأ، وكان الحكم بن أبي العاص يحكيه – يمثله-، فالتفت النبي ﷺ فرآه يفعل ذلك، فقال ﷺ : "فكذلك فلتكن"، فكان الحكم مختلجا يرتعش من يومئذ.
وأخرج البيهقي في دلائل النبوة عن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق: "كان الحكم يجلس عند النبي ﷺ ، فبصر به ﵊، فقال: "كن كذلك"، فما زال يختلج حتى مات".
وروى الفاكهي: أن أصحاب النبي ﷺ دخلوا عليه وهو يلعن الحكم بن أبي العاص ونفاه رسول الله ﷺ من المدينة المنورة إلى الطائف.
وروى ابن أبي خيثمة وغيره بعدة أسانيد عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت لمروان: "فاشهد أن رسول الله ﷺ لعن أباك وأنت في صلبه"، ورواه النسائي والحاكم وابن مردويه وغيرهم، ورواه الإسماعيلي وسكت عنه الحافظ، وهو بسكوته عنه يعتبر صحيحا حسب قاعدته، وكذلك قال له أخوها عبد الرحمن: "لعن رسول الله ﷺ أباك" رواه البزار وحسنه الهيثمي.
стр. 3918
وورد ذلك عن الحسن والحسين ابني علي عند أبي يعلى في مسنده.
وورد أيضا عن ابن الزبير عند أحمد والبزار في مسنديهما، والطبراني في معجمه، وصححه الهيثمي, وعن عمرو بن مرة الجهني رفعه: فعلى -الحكم- لعنة الله والملائكة والناس أجمعين, ورواه الطبراني ووثقه الهيثمي، وورد لعنه عن عبد الرحمن بن عوف عند الحاكم، وعن عبد الله بن عمر عند الطبراني، وعن عطاء الخراساني مرسلا عند الفاكهي، فهو برواته العشر متواتر، وصححه الحاكم والحافظ والهيثمي.
وأخرج ابن عبد البر في الاستيعاب بسنده إلى قاسم بن أصبغ في سننه، عن عبد الله بن عمر وابن العاص قال رسول الله ﷺ : "يدخل عليكم رجل لعين، قال: فدخل الحكم ابن أبي العاص" ورواه احمد والبزار في مسنديهما والطبراني في معجمه، وصححه الهيثمي.
وهجا عبد الرحمن بن حسان بن ثابت شاعر رسول الله ﷺ مروان ولد الحكم فقال:
إن اللعين أبوك فارم عظامه
إن ترم ترم مخلجاً مجنونا
يمسي خميص البطن من عمل التقى
ويظل من عمل الخبيث بطينا
وقال الحافظ في الفتح: "وقد وردت أحاديث في لعن الحكم والد مروان.. أخرجهما الطبراني وغيره، بعضها جيد."
وروى الطبراني من حديث حذيفة بن اليمان: "لما ولي أبو بكر الصديق الخلافة، كُلِم في الحكم أن يرده من الطائف إلى المدينة فقال: ما كنت لأحل عقدة عقدها رسول الله ﷺ ".
وقصة الحكم في محاكاته وتمثيله للنبي صلوات الله وسلامه عليه بمشيته وحركاته، دليل على عين النازلة كما يقول الفقهاء وعلماء المناظرة.
стр. 3919
وتمثيل الحكم للحركات النبوية والمشية النبوية، إما أن يكون ذلك منه استهزاء برسول الله والرسالة، ولو كان استهزاء لكان الحكم مرتداً، وجزاء المرتد المستهزئ برسول الله والرسالة، القتل بإجماع الأمة، كان المستهزئ مسلماً أو ذمياً، كما نص على ذلك علماء جميع المذاهب، وفي هذه المسألة صنف أبو العباس ابن تيمية كتابه الكبير: الصارم المسلول على شاتم الرسول.
وإما أن يكون الحكم بتمثيله للحركات النبوية والمشية النبوية متلاعبا فقط، واكتفاء رسول الله صلوات الله وسلامه عليه بلعنه ونفيه، دليل على اعتباره له يلعب، ولذلك لم يقتله، وبذلك يتم المقصود من أنه لعب وليس استهزاء.
فصح بهذا الدليل أن التمثيل برسول الله والرسالة لعب، واللعب بذلك حرام لا يجوز، ملعون اللاعب بفعله وحضوره وتأييده، ومع اللعنة حكمه أن ينفى من بلاده إلى بلاد لا عشيرة له فيها ولا أهل، كما نفى الحكم من المدينة المنورة من بين أهله وولده وعشيرته إلى الطائف، حيث عاش غريبا مطرودا بقية حياة رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، وفي خلافة أبي بكر الصديق ﵁، وفي خلافة عمر الفاروق ﵁، وإلى سنوات من الخلافة العثمانية.
والممثل يتخيل ويكذب في كلامه على الذين يمثلهم، يكذب عليهم قولاً فيما تخيل عنهم أنهم قالوه، ويكذب عنهم في محاكاةحركاتهم وتصويرها للناس في حركات أعضائه من قيام وقعود وضحك وبكاء وحزن وفرح، فالممثل كاذب في تمثيله بحاله ومقاله، والممثل لرسول الله يكون كاذبا على رسول الله صلوات الله وسلامه عليه.
وفي الحديث المتواتر عن مائتي صحابي عن رسول الله صلوات الله وسلامه عليه: "من كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار".
وكما قال أبو العباس ابن تيمية: "وليس يخفى أن من كذب على من يجب تعظيمه - كرسول الله - فإنه مستخف به مستهين بحقه".
стр. 3920
وعقوبة الكاذب على رسول الله القتل، لقد أجمع الفقهاء على ذلك كما قال ابن تيمية، وقتل الخلفاء الكذبة على رسول الله في عهود مختلفة.
وقد أمر الله تعالى الناس كل الناس بتعظيم رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، واحترامه وتعزيره وتوقيره، زيادة على الإيمان بنبوته ورسالته وأنه خاتم الأنبياء، وأنه مرسل إلى الناس كافة إلى يوم القيامة، فمن مثله بشخصه الكريم جسما أو كلاما أو حركات يكون متلاعبا، والتلاعب منافٍ للتعزير والتوقير والتعظيم والاحترام.
قال أبو العباس ابن تيمية: "إن الله أوجب لنبينا ﷺ على القلب واللسان والجوارح حقوقا زائد ة على مجرد التصديق بنبوته". قال:
"ومن حقه: أن يكون أولى بالمؤمنين من أنفسهم ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ .
ومن حقه: أن يكون أحب إلى المؤمن من نفسه ووالده وجميع الخلق.
﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ . وفي الصحيحين: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده وولده والناس أجمعين".
ومن ذلك أن الله أمر بتعزيره وتوقيره، ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً. لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ . قال: "والتعزير اسم جامع لنصره وتأييده من كل ما يؤذيه.. والتوقير اسم جامع لكل ما فيه سكينة وطمأنينة من الإجلال والاكرام، وأن يعامل من التشريف والتكريم والتعظيم بما يصونه عن كل ما يخرجه عن حد الوقار.
стр. 3921
ومن ذلك أنه حرم التقدم بين يديه بالكلام حتى يأذن، وحرم رفع الصوت فوق صوته، وأن يجهرله بالملام كما يجهر الرجل للرجل، وأخبر أن الذين ينادونه وهو في منزله لا يعقلون، لكونهم رفعوا أصواتهم عليه، ولكونهم لم يصبروا حتى يخرج إليهم. قال: وأخبر أن ذلك سبب حبوط العمل، فهذا يدل على أنه يقتضي الكفر، لأن العمل لا يحبط إلا به.
وأخبر أن الذين يغضون من أصواتهم عنده هم الذين امتحنت قلوبهم للتقوى، وأن الله يغفر لهم ويرحمهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ. إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ. إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ. وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . قال:
ومن ذلك: أن الله حرّم على الناس أن يؤذوه بما هو مباح أن يعامل به بعضهم بعضا، تمييزا له، مثل أن ينكح أزواجه من بعده ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً﴾ . قال:
ومن ذلك أنه خصه بالمخاطبة بما يليق به فقال: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً﴾ . فنهى الله أن يقول أحد من الناس: يا محمد, أو: يا أحمد, أو: يا أبا القاسم, ولكن يقولون: يا رسول الله, يا نبي الله.
стр. 3922
قال أبو علي: وإذا ذكر في غيبته حيا أو ميتا يقولون: رسول الله ﵌, نبي الله صلى الله وعليه وآله وسلم، فقد قال: "البخيل كل البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي".
قال أبو العباس ابن تيمية ﵀: "وكيف لا يخاطبه الناس بذلك والله أكرمه في مخاطبته إياه بما لم يكرم به أحدا من الأنبياء، فلم يدعه باسمه في القرآن قط، بل يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ﴾ , ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ..﴾ , ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ , ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ , ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً﴾ , ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ , ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ﴾ , ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ ". قال: "مع أنه قد قال للأنبياء قبله: ﴿يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ﴾ , ﴿يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِم﴾ , ﴿يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ , ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ , ﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاس﴾ , ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ﴾ , ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾ , قال:
"وقد أوجب الله على جميع الخلق أن يقابلوه من الصلاة والسلام والثناء والمدحة والمحبة والتعظيم والتعزير والتوقير والأدب معه في الكلام والطاعة للأمر والنهي. قال:
"ومن ذلك أن الله رفع له ذكره فلا يذكر الله سبحانه إلا ذكر معه، ولا تصح للأمة خطبة ولا تشهد حتى يشهدوا أنه عبده ورسوله، وأوجب ذكره في كل خطبة، وفي الشهادتين اللتين هما أساس الإسلام، وفي الأذان الذي هو شعار الإسلام، وفي الصلاة التي هي عماد الدين". قال:
стр. 3923
"وقرن الله ذكره بذكره، وجمع بينه وبينه في كتابة واحدة، وجعل بيعته بيعة له، وأذاه أذى له، إلى خصائص لا تحصى.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ , ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُهِيناً﴾ قال:
"وكان من ربه بالمنزلة العليا التي تقاصرت العقول والألسنة عن معرفتها ونعتها، وصارت غايتها من ذلك بعد التناهي في العلم والبيان، الرجوع إلى عيها وصحتها". قال:
"فمن ذلك أن الله تعالى أمر بالصلاة عليه والتسليم بعد أن أخبر أن الله ملائكته يصلون عليه، والصلاة تتضمن ثناء الله عليه، ودعاء الخبر له، وقربته منه ورحمته له، والسلام عليه يتضمن سلامته من كل آفة، فقد جمعت الصلاة عليه والتسليم جميع الخيرات، ثم إنه يصلي سبحانه عشرا على من يصلي عليه مرة واحدة، حضا للناس على الصلاة عليه، ليسعدوا بذلك، وليرحمهم الله بها.
ويقول أبو علي - كما أبو العباس ﵀:"فلرسول الله ﵌ الوسيلة والفضيلة والمقام المحمود ولواء الحمد الذي تحته كل حماد، صلى الله عليه وعلى آله أفضل الصلوات وأعلاها وأكملها، وأنماها كما يحب أن يصلى عليه، كما ينبغي أن يصل على سيد البشر، والسلام على النبي ورحمة الله وبركاته أفضل تحية وأحسنها وأولاها وأبركها وأطيبها وأزكاها، صلاة وسلاما دائمين إلى يوم الثناء، باقيين بعد ذلك أبدا رزقا من الله ما له من نفاذ".
стр. 3924
فممثل رسول الله متلاعب به ومتماجن، ومفتر عليه كاذب، ومستهين برسول الله وحقه, لا أدب عنده معه وغير معظم له، ولا محترم ولا معزز له ولا موقر، ومن كان كذلك من الناس فهو عاص لله ولرسوله، مخالف لكتاب الله وسنة نبيه، وعليه ما على العصاة من لعنة وطرد وعقوبة ومقت.
وبذلك صح الاجماع من الأمة على أن التمثيل برسول الله حرام، والاجتماع حجة ثالثة، وكتاب ابن تيمية الصارم المسلول، هو بصفحاته الستمائة بيان لهذا الإجماع ودليل تفصيلي عليه.
وأما تمثيل آل بيت نبينا، وهو كذلك استهتار بهم وسوء أدب معهم، لم تطهرهم من رجس اللعب والمجون من الكذب عليهم والافتراء بالقول والحركات والملامح والشارات - من مثلهم أو مثل واحدا منهم وقد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً..﴾
وقد ورد في تفسير الآية عن رسول الله صلوات الله وسلامه عليه فيما صح عنه وتواتر ورواه عنه عشرة من الصحابة رجالا ونساء ودونته عنه أمهات السنّة.
فعن أم سلمة أم المؤمنين عند سنن الترمذي وصححه، وصحيح الحاكم، وسنن البيهقي، وغيرهم قالت: "في بيتي نزلت: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ . وفي البيت فاطمة وعلي والحسن والحسين ﵈، فجللهم رسول الله ﷺ بكساء كان عليه ثم قال: هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا".
стр. 3925
وروته عائشة أم المؤمنين عند أحمد في المسند، ومسلم في الصحيح، ورواه أبو سعيد الخدري عند معجم الطبراني, وسعد عند صحيح الحاكم, وواثلة بن الأسقع عند أحمد في المسند، والحاكم في الصحيح، والبيهقي في السنن، وغيرهم, وأنس عند جامع الترمذي وصححه، ومسند أحمد، وصحيح الحاكم وغيرهم, وزيد بن أرقم عند صحيح مسلم, وابن عباس في معجم الطبراني ودلائل أبي نعيم، ودلائل البيهقي وأبو الحمراء عند تفسير ابن جرير، وتفسير ابن مردويه، قال الترمذي: وفي الباب عن معقل بن يسار فهو برواته العشر متواتر قال أبو العباس ابن تيمية: "وقد أوجب الله على جميع الخلق رعاية حرمة رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، في أهل البيت والأصحاب، بما لا خفاء به على أحد من علماء المؤمنين".
فحرمتهم حرمة رسول الله، ومحبتهم محبة لرسول الله، والأدب معهم أدب مع رسول الله صلوات الله وسلامه عليه.
ومن مثلهم أو مثل واحدا منهم لم يحترم رسول الله، ولم يحبه، ولم يتأدب معه، وكان من العصاة المستهزئين، وعليه ما على العصاة والجناة من أدب وتعزير.
وآل البيت قد أمر النبي صلوات الله وسلامه عليه بالتمسك بهم، وقرن التمسك والهداية بهم، بالتمسك والهداية بكتاب الله، وإن التمسك بهما منقذ من الضلال, وإنهما لن يفترقا إلى يوم القيامة, إلى لقاء رسول الله بهم في الجنة قال ذلك وخطب به في مائة ألف أو يزيدون من أصحابه يوم حجة الوداع.
ورواه عنه جماعة من الصحابة, وقرن النبي ﵌ حبه بحب الله, وحب آل البيت بحبه.
فعن أبي سعيد الخدري وزيد بن أرقم قال: "قال رسول الله صلوات الله وسلامه عليه: "إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي , أحدهما أعظم من الآخر: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي, ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض, فانظروا كيف تخلفوني فيهما؟ ". أخرجه الترمذي في السنن وحسنه.
следующие страницы →