← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 3991–4030 · переход к 3996.

стр. 3991

فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ ثم يقال، لهذا الرجل وأمثاله، إن مساواة المرأة بالرجل، في كل شيء، لا يقره شرع ولا عقل صحيح، لأن الله - سبحانه - قد فاوت بينهما، في الخلقة والعقل وفي أحكام كثيرة، وجعل الرجل أفضل منها وقواما عليها لكونه يتحمل من المشاق والأعمال ما لا تتحمله المرأة –غالبا-،ولأن عقله أكمل من عقلها – غالبا- ولذلك جعله الله -سبحانه- قائماً عليها حتى يصونها ويحفظها مما يضرها ويدنس عرضها وجعل شهادة المرأتين تعدل شهادة الرجل، لكونه أكمل عقلاً وحفظاً منها، وخصها- سبحانه- بأن تكون حرثاً للرجل ومحلّ الحمل، والولادة والرضاع، فهي - في هذه الأحوال - مطالبة بأمور لا يطالب بها الرجل، وهي - في نفس الوقت - تعجز عن الأعمال التي يقوم بها الرجل، لأن حملها وولادتها وما أوجب الله عليها من العناية بأطفالها وتربيتهم وإرضاعهم، عند ضرورتهم إلى إرضاعها لهم، يمنعها من الكثير من الأعمال، ولأن الرجل في حاجة شديدة إلى بقاء المرأة في البيت لتربية أطفالها والعناية بشؤون بيتها وإعداد ما يحتاجه زوجها - في الغالب، وليس كل أحد يجد من يقوم مقام زوجته، في العناية بهذه الشؤون، ثم المرأة هي موضع طمع الرجال للاستمتاع بها ويقف سداً منيعاً دون عبث السفهاء بها، أمّا ما ذكره من اختلاطها بالرجال، في المدرسة والعمل والشرطة وغير ذلك، فليس أمراً جائزاً على إطلاقه، بل فيه تفصيل، وهو أنه لا يجوز لها ذلك إلا في حدود الشريعة حيث تأمن على نفسها وعرضها وتتمكن من الحجاب الشرعي وحيث تسلم من خلوة الرجل الأجنبي بها لقول النبي ﷺ "ماخلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما" ولقوله ﷺ : "لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم ولا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم"، ولأن

стр. 3992

الله سبحانه قد جعل الرجال قوّامين على النساء بما فضلهم الله به عليهن في الخَلق والخُلق والعقل - كما تقدم - ولما ينفقونه من الأموال عليهن، كما قال سبحانه: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ الآية، فأطلق - سبحانه - في هذه الآية قيام الرجال على النساء، ولم يخص ذلك بوقت دون وقت، وهو سبحانه يعلم ما يكون في آخر الزمان، فلو كان الحكم يتغير لبّين ذلك سبحانه، ولم يهمله أو لبيّنه رسوله ﷺ في سنته فلمّا لم يقع شيء من ذلك علم أن قيام الرجال على النساء حكم مستمر إلى يوم القيامة، وقد علم كل من له أدنى بصيرة بأحوال العالم الحاضر، ما قد ترتب على اختلاط المرأة بالرجل، في المدرسة والمعمل وغيرهما، من الفساد الكبير، والشر العظيم، والعواقب الوخيمة، وكل ذلك يبيّن فضل ما جاءت به الشريعة، وأن الواجب هو الالتزام بأحكامها في جميع الأحوال، في كل زمان ومكان، والحذر من خلافها، ومما ينبغي أن يعلم أن هذا التفضيل إنما هو للجنس على الجنس، ولا يلزم من ذلك أن يكون كل فرد من أفراد الرجال أفضل من كل واحدة من النساء، بل قد يكون بعض النساء أفضل من بعض الرجال من وجوه كثيرة - كما هو معلوم من النقل والواقع في كل زمن - فعائشة وخديجة وحفصة، وغيرهن من أمهات المؤمنين ﵅ جميعا - أفضل من كثير من الرجال، وهكذا في كل زمان يوجد في النساء من تفوق بعض الرجال، في علمها وعقلها ودينها، ولكن ذلك كله لا يلزم منه مساواة المرأة للرجل في كل شيء، كما لا يلزم منه الدعوة إلى مساواتها في الميراث والأحكام، وقد سبق فيما ذكرنا من الأدلة عند الكلام على قصة عصا موسى وأهل الكهف، أن الواجب على جميع المكلفين هو الإيمان بالمنزّل، والخضوع له والتصديق به والعمل بمقتضاه، وأنه لا يجوز رده أو بعضه، أو التكذيب بشيء منه، لأن الله

стр. 3993

- سبحانه- هو أصدق قيلا من خلقه، وهو العالم بأحوال عباده وما يصلحهم، ولأنه سبحانه أمر باتباع المنزّل ولم يجعل لعباده الخيرة في ردّ شيء منه، ولأن رسوله ﷺ هو أصدق الخلق وأكملهم عقلاً وأزكاهم نفساً، وهو الأمين على وحيه- سبحانه- وقد أخبر أنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، وقد بلّغ كلام ربه كما أنزل، وبلّغ شريعته كما أمر بذلك فلا يجوز لأحد، بعد ذلك، مخالفة المنزّل أو تغيير المشروع برأي أو اجتهاد، وقد أجمع العلماء كافة على أنه لا يجوز لأحد التكذيب بشيء مما أنزل الله أو دفعه، وعدم الرضى به أو العدول عمّا شرع، وذكروا أن ذلك كفر صريح وردة عن الإسلام، لما سبق من الأدلة، ولقوله سبحانه في هذا المعنى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ ، وقد سبق ما نقله الإمام الكبير إسحاق بن راهويه والقاضي عياض بن موسى، وشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمة الله عليهم - من إجماع العلماء على ما ذكرنا فراجعه تجد ما يشفي ويكفي..

стр. 3994

وأما اعتراضه على تعدد الزوجات وحجره على الشعب التونسي أن يجمع بين زوجتين فأكثر، وزعمه أنه فعل ذلك بالاجتهاد في مفهوم قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم﴾ الآية.. فجوابه أن يقال: هذا من الغلط الكبير، والجهل العظيم، لأنه ليس لأحد من الناس أن يفسر كتاب الله بما يخالف ما فسره به رسوله محمد ﷺ أو فسره به أصحابه ﵃ أو أجمع عليه المسلمون، لأن الرسول ﷺ هو أعلم الناس بتفسير كتاب الله وأنصحهم لله ولعباده، وقد أباح الجمع لنفسه ولأمته، وأمر بالعدل بين النساء وحذّر من الميل، وهكذا أصحابه ﵃ هم أعلم الناس بعد رسول الله ﷺ ، بتفسير كتاب الله كما أنهم أعلم الناس بسنته، وهم أنصح الناس للناس، بعد الأنبياء، ولم يقل أحد منهم بتحريم الجمع، فكيف يجوز - بعد ذلك - لحاكم أو عالم أن يقدم على خلافهم، وأن يقول على الله خلاف ما علموه، من شرع الله وأجمع عليه العلماء بعدهم، هذا من أبطل الباطل، ومن أقبح الكفر والضلال، ومن أعظم الجرأة على كتاب الله وعلى شريعته بغير حق، ثم إن من تأمل ما شرعه الله- سبحانه- من إباحة التعدد علم أن في ذلك مصالح كثيرة، للرجال والنساء وللمجتمع نفسه - كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله - وعلم - أيضا - أن ذلك من محاسن الشريعة الإسلامية التي بعث الله بها رسوله محمدا ﷺ إلى الناس كافة وجعلها مشتملة على ما فيه صلاحهم وسعادتهم، في المعاش والمعاد، واتضح له، من ذلك، - أيضا - أن إباحة التعدد من كمال إحسان الله لعباده ولطفه بهم، وله فيه الحكمة البالغة، لمن تدبر هذا المقام وعقل عن الله شرعه وأحكامه، وما ذاك إلا لأن المرأة عرضة لأشياء كثيرة، منها

стр. 3995

المرض والعقم، وغير ذلك، فلو حرّم التعدد لكان الزوج بين أمرين، إذا كانت زوجته عاقرا أو كبيرة السن أو قد طال بها المرض وهو في حاجة إلى من يعفه ويصونه ويعينه على حاجاته، أو في حاجة إلى الولد أو غير ذلك، فإما أن يطلقها - وذلك مضرة عليه وعليها - وإما أن يبقيها في عصمته فيحصل له من الضرر والتعب الكثير، والتعرض لما حرّم الله من الفاحشة وغير ذلك من الأمور التي لا تخفى على المتأمل، وكلا الأمرين شرّ لا يرضى بهما عاقل، وقد يكون الرجل - أيضاً - لا تعفّه المرأة الواحدة فيحتاج إلى ثانية أو أكثر ليعفّ نفسه عمّا حرّم الله، وقد تكون المرأة التي لديه قليلة النسل، وإن لم تكن عاقراً، فيحتاج إلى زوجة ثانية أو أكثر لطلب تكثير النسل الذي حثّ عليه النّبي ﷺ ورغّب فيه الأمة، وقد تكون المرأة عاجزة عن الكسب وليس لها من يقوم عليها ويصونها فتحتاج إلى زوج يقوم عليها ويعفّها، إلى غير ذلك من المصالح العظيمة للرجل والمرأة وللمجتمع نفسه، في تعدد الزوجات، وقد تكثر النساء بسبب الحرب أو غيرها فيقل من يقوم عليهن فيحتجن إلى زوج يعفهن ويرعى مصالحهن ويحصل لهن بسببه، الولد الشرعي، وقد علمت - مما ذكرنا سابقا - أن الله- سبحانه- هو الحكيم العليم في كل ما شرعه لعباده وأباحه لهم، كما أنه الحكيم العليم في كل ما قضاه وقدره فلا يجوز لأحد - كائنا من كان - أن يعترض عليه في حكمه أو يتهمه في شرعه، كما أنه لا يجوز لأحد أن يزعم أن غير حكم الله أحسن من حكمه، أو أن غير هدى الرسول ﷺ أحسن من هديه، كما قال الله : ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ وكان النبي ﷺ يقول في خطبه: "أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة" والآيات

стр. 3996

والأحاديث في هذا الباب كثيرة، وقد كان بعض أهل الجاهلية يجمعون بين العدد الكثير من النساء فجاء الإسلام وقصرهم على أربع، كما في قصة غيلان بن سلمة ﵁ فإنه أسلم وتحته عشر نسوة، فأمره النبي ﷺ أن يختار منهن أربعا ويفارق سائرهن، وثبت عن النبي ﷺ ما يدل على أن الله- سبحانه- أباح لنبِيَيْهِ الكريمين، داود وسليمان، ﵉ أكثر من أربع، فجاءت الشريعة الإسلامية المحمدية الكاملة العامة لجميع البشر على يد أفضل الخلق وخاتم الرسل - عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام - بأمر وسط يجمع المصالح كلها وهو إباحة الجمع بين أربع من النساء، ومنع ما زاد على ذلك، وقد أجمع العلماء ﵏ على إباحة الجمع بين أربع - كما تقدم - وأجمعوا - أيضا - على تحريم ما زاد على ذلك، وقد شذ عنهم، في جواز الزيادة على ذلك، من لا يعتد بخلافه ما عدا النبي ﷺ فإن الله خصّه بخصائص، منها جواز الجمع بين تسع نسوة، لأسباب وحكم كثيرة ليس هذا موضع ذكرها، ومن تأمل حال من أنكر التعدد، كالنصارى وأشباههم، علم - من واقع الكثير منهم - أنهم وقعوا فيما حرم الله من الزنا، واتخذوا الخدينات الكثيرات فاعتاضوا الحرام عن الحلال، والخبيث عن الطيب، وشابهوا من قال الله فيهم: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ ومعلوم أن الرسول ﷺ هو أعلم الناس بتفسير كتاب الله، وقد فسر قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ ، المراد من ذل إباحة الجمع بين أربع من النساء فأقل دون ما زاد على ذلك، وهكذا

стр. 3997

أصحابه، ﵃ لم يحفظ أن أحدا منهم أنكر الجمع بين أربع أو نكح أكثر من أربع، وهو أعلم الناس - بعد رسول الله ﷺ بتفسير كتاب الله، كما أنهم أعلم الناس بسنته ﵊ كما سبق بيانه، وفي ذلك كفاية ومقنع لطالب الحق، والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا به. وأما المنكر السادس، من المنكرات الستة التي سبق ذكرها، وهو زعمه أن المسلمين في إكثارهم من الصلاة على رسول الله ﷺ قد ألهّوهُ بذلك، فجوابه أن يقال: إن هذا ليس بتأليه لرسول الله ﷺ والعبادة له، بل ذلك عبادة لله وحده وامتثال لأمره عزوجل - حيث قال في سورة الأحزاب: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ فقد أخبر- سبحانه- أنه وملائكته يصلون على النبي ﷺ ثم أمر المؤمنين بالصلاة والسلام عليه، فدل ذلك على شرعية الإكثار من الصلاة والسلام عليه ﷺ وأن ذلك من أفضل القربات، وقد أجمع علماء الإسلام على ذلك وصح عنه ﷺ أنه أمر بذلك ورغب فيه فقال:"إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت له الشفاعة" وفي الصحيحين - واللفظ للبخاري -عن كعب بن عجرة ﵁ أن الصحابة ﵃ قالوا: يا رسول الله أمرنا الله أن نصلي عليك فكيف نصلي عليك؟ فقال: "قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد"،

стр. 3998

والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، والصلاة من الله سبحانه، معناها: الثناء على عبده في الملأ الأعلى بذكر صفاته الحميدة، وأعماله الجليلة، ومن العباد طلبهم ذلك من الله سبحانه، ويراد بالصلاة - أيضا - الثناء من الله سبحانه على عبده ورحمته إياه، كما في قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾ ، وهذه المسألة من أوضح المسائل لصغار طلبة العلم، وعامة المسلمين، فكيف خفي هذا على زعيم كبير؟ فالله المستعان.

стр. 3999

فإن قيل: إذا كان الإكثار من الصلاة والسلام على النبي ﷺ ليس تأليها له، فما هو التأليه للرسول ﷺ والعبادة له؟ قلنا: إن التأليه للرسول ﷺ ولكثير ممن يسمون بالأولياء وغيره، واقع من كثير من الجهال، ومنتشر في أنحاء الأرض، يعلم ذلك من خبر واقع الناس، وعرف دين الله الذي بعث به رسله وأنزل به كتبه، وخلق الثقلين من أجله،وهذا التأليه - الذي وقع من كثير من الجهال - هو صرف بعض العبادة للنبي ﷺ أو لغيره من المخلوقين، كدعائه والاستغاثة به وطلبه المدد والشفاء للمرضى، والنصر على الأعداء، ونحو ذلك من أنواع العبادة، والله سبحانه أوجب على عباده أن يخصوه بالعبادة، ونهاهم عن الشرك به، وبعث الرسل وأنزل الكتب لبيانها وبيان ما يضادها، كما قال ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ ، وقال- سبحانه-: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ أَنْ لا تَعْبُدُوا إَِّلا اللَّهَ﴾ الآية.. وقال : ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ، وقال سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ ، والآيات في هذا المعنى كثيرة، فالله سبحانه، هو الذي يشفي المرضى، وينصر على الأعداء، ويكشف الكروب، يجيب المضطر، وينزل المدد على عباده، - إذا لجؤوا إليه واستغاثوا به - كما قال سبحانه: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ، وقال سبحانه: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا

стр. 4000

اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ ، وقال : ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ الآية، وقال سبحانه: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ ، وقد عرف المشركون ذلك في جاهليتهم، فكانوا يشركون في حال الرخاء، وأما في حال الشدائد فيخلصون لله العبادة، كما قال : ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ ، كما اعترفوا - أيضا - أن الله- سبحانه- هو الخالق الرازق، النافع، الضار، المدبر لأمور العباد، وأنهم ما عبدوا غيره - من الأنبياء، والأولياء والملائكة والجن والأصنام والأوثان - إلا ليشفعوا لهم عند الله وليقربوهم لديه زلفى، كما ذكر الله عنهم ذلك في كتابه المبين حيث قال- في سورة يونس: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآية، وقال في سورة الزمر: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ ففي هذه الآيات وغيرها من الآيات الكثيرة، الدلالة الصريحة على أن الله سبحانه هو الإله الحق، المستحق للعبادة، وأنه لا يجوز تأليه غيره ولا صرف شيء من ذلك لسواه، كما قال : ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إَلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ وقال

стр. 4001

سبحانه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ ، وقد أخبر سبحانه، في غير موضع من كتابه، أنه حرّم الشرك على عباده وأنه لا يغفره لمن لقيه به، كما أخبر أن صرف شيء من العبادة لغيره شرك به وعبادة لسواه كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً﴾ ، وقال في سورة المائدة: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرائيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ ، وقال تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ ، فبيّن سبحانه في هذه الآية، أن دعاءهم غيره شرك به كما أوضح - سبحانه - أن ذلك من الكفر الأكبر فقال : ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ ، وأخبر أنه لا أضل ممن دعى غير الله وأن المدعوين من دونه - من الملائكة والأنبياء وغيرهم - يتبرءون من عابديهم وداعيهم، وأنهم غافلون عن ذلك لا شعور لهم به، فقال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ

стр. 4002

الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ وقال سبحانه: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ﴾ والآيات في هذا المعنى كثيرة معلومة، وفيما ذكرناه كفاية ودلالة صريحة على أن العبادة حق الله وحده وأنه لا يجوز صرف شيء منها لغيره- سبحانه- فالواجب على أهل العلم أن يبينوا ذلك للناس وأن يشرحوا لهم حقيقة التوحيد

стр. 4003

الذي بعث الله به رسوله محمداً ﷺ ومن قبله من الرسل، وأن يعلِّموهم ما جهلوا من ذلك، وأن يحذّروهم من الشرك بالله ، وعلى الحكام أن يُنفّذوا أمر الله، وسنة رسوله، ﷺ مستعينين بعلماء الحق على معرفة ما جهلوا من كتاب الله، أو سنة رسوله ﵊، وفي ذلك عزهم وشرفهم، ونجاتهم، في الدنيا والآخرة، وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين"، وقال ﵊ "خيركم من تعلّم القرآن وعلمه"، وقال ﷺ : "من دل على خير فله مثل أجر فاعله"، وفي الأثر المشهور عن عثمان ﵁ وهو مروي عن عمر بن الخطاب ﵁ أيضا -: "إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن"، وقال الإمام مالك ﵀:"لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها"، وهذه الكلمة العظيمة هي قول جميع أهل العلم، والذي صلح به الأولون وصاروا به قادة الناس وأئمة الهدى وحكام الأرض، هو اتباع كتاب الله وسنة رسوله ﵊ ورد ما تنازعوا فيه إليهما، لا إلى آراء الناس واجتهاداتهم، ولن يصلح آخرهم إلا بهذا الأمر، الذي صلح به أولهم، فنسأل الله أن يوفق أئمة المسلمين، وعلماءهم لذلك، وأن يجمع كلمتهم على الحق، وأن يصلح عامة المسلمين ويمن عليهم بالفقه في الدين، ويولي عليهم خيارهم إنه جواد كريم. ماذا يجب على رؤساء الدول الإسلامية إزاء ما نسب إلى الرئيس أبي رقيبه؟؟

стр. 4004

لا شك أن ما نسب إلى الرئيس أبي رقيبه، من القول بتناقض القرآن وإنكار عصا موسى وقصة أهل الكهف، والتنقص للرسول ﷺ ونسبته إلى الكذب على الله- سبحانه- أنواع من الكفر الصريح والردة عن الإسلام، وهكذا دعوته الحكام إلى تطوير الأحكام وزعمه أن إعطاء الأنثى - في الميراث - نصف الذكر، نقص تجب إزالته، لأنه ليس منطقيا ولا يناسب تطور المجتمع، وهكذا حجره تعدد النساء، لكونه لا يناسب تطور المجتمع، كل ذلك من الكفر الصريح والاعتراض على الله- سبحانه- والاتهام له في حكمه - كما تقدم بيان ذلك - فالواجب - على جميع رؤساء الدول الإسلامية - قطع العلاقات السياسية معه حتى يعلن التوبة الصريحة مما نسب إليه، أو التكذيب لذلك بطرق الإعلام الرسمية، حتى يعلم الناس حقيقة ما هو عليه، وحتى يعاملوه بما يجب أن يعامل به، وحتى لا يتأسى به غيره، من الحكام أو غيرهم، لأن ما نسب إليه من أنكر المنكرات التي يجب إنكارها على من وقعت منه - حسب القدرة -. ولا شك أن قطع العلاقات معه من إنكار المنكر المستطاع، من الدول الإسلامية، كما قال النبي ﷺ : "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان"، وقال ﵊: "ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف، يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل"، وأبلغ من ذلك وأشد في التحذير من السكون على المنكر قول الله : ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ

стр. 4005

مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ، والله المسؤول سبحانه، أن يهدينا وسائر المسلمين لما فيه صلاح الدين والدنيا، وأن يوفق حكام المسلمين للتمسك بكتابه، وسنة نبيه ﷺ ، والحكم بشريعته، والتحاكم إليها، والإنكار على من خالفها، وأن يجمع كلمتهم على الهدى إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على عبده ورسوله وخيرته، من خلقه، نبينا وإمامنا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين... رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة عبد العزيز بن عبد الله بن باز

стр. 4006

يا راحلا فَرِحت به "المعلا" في رثاء العلامة الفقيد الشيخ محمد الأمين الشنقيطي بقلم: الأستاذ محمد عبد الله نعى الهدى فعلا القلوب سواد وتفطرت لمصابها الأكباد ألمٌ، يعذّب كلّ قلب في الورى وأسى مرارة كربه تزداد كيف الهنا والنفس يملؤها الأسى ومن الأسى مِلء الجفون سهاد خطب يجل عن البكا وفجيعة هدت رواسي الأرض أولتكاد كل الورى في مأتم لما نعى النا عي الأمين نواطق وجماد بكت المثاني ترجمان بيانها حاميمها تبكي عليه وصاد وكذا المعاني كالمثان ثوا كلا أماتها تبكي وتبكي (الضاد) . هذا (البيان) وهذه (أضواؤه) . عزت لغير الشيخ لا تنقاد قل للذي يرتاضها لا (تحسبن) . أن البيان صحيفة ومداد عجبوا ولا عجب فتلك حقيقة إن البيان بصيرة وفؤاد يا مبدعا معنى البيان ومبديا عجباً ومن ختمت به الأمجاد. إن المعاني بعدما ألفتها وتآلفت ليصيدها المصطاد. يخشى بفقدك أن تعود شواردا بدداً فما يدرون كيف تصاد يا شيخنا بل يا ضياء قلوبنا. كنت الحياة فشق منك بعاد نفس يشع النور في جنباتها ويفيض منها العلم والإرشاد وشفى الإله بها القلوب من العمى فالحق بادٍ والضلال يباد عفت فما علقت من الدنيا وقد خطبت فأغلى الخاطبون وزادوا سلكت سبيل الصالحين لكي تثمر ما بنوا للعالمين وشادوا. بهدى الكتاب هدت فبان كم اهتدت فسبيلها أبدا هدى ورشاد. أدت رسالتها وعادت بالرضا وكذا النفوس الراضيات تعاد دفن الأمين أعزة لو أنهم علموا النفوس فدا الأمين لجادوا بدر أضاء جلا الحقيقة للورى فبه استفاد ذوو الهدى وأفادوا. ومنار فضل يهتدى بمناره سعدت به الدنيا تقى وسداد. أسفا على قمر هوى من أفقه

стр. 4007

ومنار فضل ألحدوه وعادوا. شمس تغيب في الثرى وضياؤها. لذوي النهى الآصال والأرآد. فأجلت فكري عندها متسائلا والأمر يبدو ماله إيراد. أين الضحى بعد المغيب من الدجا وإذا المغيب به الظلام يذاد. والشمس شرط في النهار فلا يرى. بعد المغيب نهارها المعتاد. فإذا بها آيات حق أشرقت. أنوارها فتبدد الإلحاد. وإذا الحقيقة وهي تهتف بالورى. علناً وفي أعماقنا إنشاد. ما مات من تحيى القلوب بعلمه وبه الهدى رغم الردى يزداد. ترك الحقائق ليلها كنهارها. ولها بآفاق النهى أبعاد. لما بدت سحب الضلال وجللت. أفق السماء وجلجل الأرعاد. ألف الكرى تحت الثرى كي لا يرى آيا تضام بباطل وتباد. يا من كسا بالعلم طلاب العلا. حللا بها نالوا الكمال وسادوا. تبا لمن أعشى سناك قلوبهم. لم أركسوا أولئك الحساد. فتنوا لضعف في بصائرهم خفا فيش لمثل سناك لم يعتادوا. لما رأوك مسودا قالوا: انتهى هو مينهم ما للعلوم نفاد. فلئن نزعت وأنت لب العصر من ألبابنا ولك القلوب مهاد. ولئن تخطتك المنايا ملحدا ميتا ولم يور الحياة زناد. ما زال علمك بالحقائق باقيا يحمي الشريعة ما طغى الإلحاد. يبقى كما تبقى الحقيقة نفسها مهما تظاهر حاسدوك وكادوا. يا راحلا فرحت به (المعلا) كما. لبس الحداد لفقده (أجياد) . كم راغب حققت من رغباته حتى ولو فوق المراد أرادوا هبة الإله لأرضنا وحي تضا ء به المنى وسراجنا الوقاد. كنا بعزك في البلاد أعزة. ولنا الصفاء وأنت والإسعاد. واليوم عدت مشيعا لجوار من بجواره للصالحين معاد يا رب من أهديته ووهبته للخلق أنت أخذت وهو رشاد. عبد قضى فيك الحياة وكان مّـ من زاده التقوى ونعم الزاد. أعل المقام وعلى من درجاته

стр. 4008

يا ذا الوداد ينله منك وداد. وابعث لنا رفقاً بنا خلفاً له فالخلق محتاج وأنت جواد. ثم الصلاة على النبي وآله. والممسكين بهديه ما حادوا

стр. 4009

الشرك وآثاره على حياة الإنسان بقلم: الشيخ أبي بكر جابر الجزائري المدرس بالجامعة بعد حمد الله تعالى، والصلاة والسلام على نبيه محمد وآله وصحبه، والتابعين بإحسان. نتناول دراسة هذا الموضوع بدون تمهيد أو تقديم. نقول: (الشرك) : اسم مشتق من فعل شرك الثلاثي، وأشرك الرباعي، ويطلق على الكفر بالله تعالى ويطلق على النصيب من الشيء يقال بيع من دار فلان شرك أي حصة منها ونصيب. وفي التنزيل: ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ (في قراءة نافع) أي نصيبا حيث أطاعا اللعين وسميا ولدهما كما اقترح عليهما: عبد الحارث (كلمة الحرث مما تسقط ألفها خطا) والشرك في اصطلاح أهل الكلام: اعتقاد المرء وجود مشاكل لله تعالى في الخلق، والرزق والتدبير، أو في النفع والضر، والعطاء والمنع وهذا يعرف بشرك الربوبية. وصرف بعض أنواع العبادة التي تعبد الله بها الناس من دعاء واستغاثة وذبح قربان ونذر وخوف ورجاء ومحبة وتوكل، وهذا يعرف بشرك العبادة أو الألوهية. وإطلاق بعض أسماء الله وتعالى وصفاته المختصة به- -على مخلوق من مخلوقاته، أو الميل والإلحاد فيها بتأويلها أو تعطيلها، أو نفيها أوتشبيهها بصفات المحدثين، ويعرف هذا بشرك الأسماء والصفات.

стр. 4010

ويقابل لفظ الشرك: لفظ التوحيد كما يقابل لفظ الشرك ويضاده لفظ الموحد. ومن الناحية العلمية الإيجابية فإن الشرك من أعظم الذنوب وأخطرها على الإنسان وتكمن خطورته في أمرين. أولهما: أنه ذنب لا يغقر لمرتكبه إلا بالتوبة منه قبل موته بخلاف سائر الذنوب فإنها موضوعة تحت المشيئة الإلهية إن شاء الله غفرها للعبد وإن شاء عاقبه بها وواخذه عليها، دليل ذلك في قول الله تعالى من سورة النساء ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً﴾ كما أن صاحب هذا الذنب إذا لم يتب منه قبل موته يخلد في النار ولا يخرج منها كما يخرج الموحدون ودليله قوله تعالى، من سورة المائدة ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ ، وثانيهما: أنه يحبط الأعمال الصالحة التي يفعلها العبد قبل توبته منه ومهما كانت وذلك لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ، وقوله : ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .

стр. 4011

ولقد صدق من شبه الشرك بالحدث الناقض للطهارة، إذ الطهارة رافعة للحدث معتد بها صاحبها حتى إذا وجد الحدث أفسدها وبطلت فكذلك الشرك _ والعياذ بالله _ لا يزال العبد في عافية وخير حتى يأتي فعل الشرك أو اعتقاده أو قوله فإذا حصل منه ذلك كفر وفسد كل عمله وخسر خسرانا لا مزيد عليه، والشرك رافق الحياة الإنسانية منذ بدايتها؛ لأنه من عمل الشيطان،والشيطان لم يبرح عاملا على إغواء الإنسان وإضلاله منذ أن قال لربه ﷻ وعظم سلطانه ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِين إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ ، غير أن الشرك تجلى بصورة واضحة كبيرة في الأمة التي بعث الله تعالى إليها عبده ورسوله نوحا ﵇ حيث عرفت تلك الأمة الهالكة الشرك وأصرت عليه ودافعت عنه أو وقفت في وجه دعوة التوحيد تسعمائة سنة أو يزيد، وكان من أشهر شركائها مع الله ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر كما حكى القرآن الكريم عنهم ذلك في قوله: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾ . وقد صح في الحديث أن هؤلاء الآلهة المذكورين كانوا رجالا صالحين فلما ماتوا بنوا على قبورهم وزاروهم وغلوا في زيارتهم حتى عبدوهم مع الله بالتقرب والتبرك مرة والاستشفاع بهم مرة أخرى. كما هي الحال في كثير من بلاد المسلمين اليوم حيث عبدت الأضرحة والقباب والقبور، بالحلف بأصحابها والنذر لهم والذبح عند قبورهم وعلى أرواحهم والاستغاثة بهم والالتجاء إليهم وما إلى ذلك مما هو محض عبادة لا تنبغي إلا لله رب العالمين.

стр. 4012

وما أن أهلك الله تعالى المشركين من قوم نوح وأنجى جماعة التوحيد مع نوح ﵇ وعمرت الأرض بعد حادثة الطوفان حتى عاد الشرك فظهر في قوم عاد فبعث الله إليهم عبده ورسوله هوداً ﵇ فقال: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ، فما كان منهم إلا أن قالوا ﴿أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ - تصرفنا - وأهلكهم الله بشركهم وأنجى الموحدين مع هود وما إن تناسل أولئك الناجون وكثر عددهم حتى عاودهم الشرك وظهر في ثمود من ذريتهم فأرسل الله إليهم عبده ورسوله صالحاً فدعاهم إلى عبادة الله وحده وخلع ما يعبدون من دون الله ، وما كان منهم إلا أن قاوموا دعوته دفاعاً عن باطل الشرك وانتقم الله منهم وأنجى صالحا ومن معه من الموحدين وظهر الشرك في أرض كنعان والعراق فبعث الله تعالى إبراهيم خليله فقاوموه بأشد أنواع المقاومة حتى نصره الله وأهلك أعداءه وفي نفس الوقت كان الشرك يفتك بالبشرية في الصين والهند ومصر وفي كل مكان يوجد فيه بنو الإنسان والتعليل الصحيح لذلك هو عزم إبليس عدو الإنسان على إغواء الإنسان وإفساده وإضلاله حتى يهلك كما هلك هو، ويخلد في العذاب كما خلد هو، غير أن الله تعالى ما زال يبعث رسله إلى كل أمة ظهر فيها الشرك وعبد فيها غير الله حتى أنه لم تخل أمة من نذير لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ .

стр. 4013

وما أن عمرت مكة المكرمة بجرهم أخوال إسماعيل بن إبراهيم حيث تركه إبراهيم بمكة مع والدته هاجر ونزل عليهما قوم من العرب وهم قبيلة جرهم وتزوج إسماعيل منهم وولد له وكثر أولاده وبعثه الله فيهم رسولا فعبدوا الله تعالى ووحدوه ولكن ما إن مات إسماعيل والصالحون من أولاده وأحفاده حتى عاد الشرك إلى العرب العدنانيين وغيرهم من القحطانيين في جزيرة العرب وأول ما عرفوا عبادة الأصنام والتماثيل كان من طريق عمرو بن لحي حيث حمل إليهم أصناما من أرض الشام فعبدوها تحت شعار التقرب بها إلى الله تعالى، والاستشفاع بها لدى الله إذ قالوا ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ، وقالوا ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ، كما هو مبين في القرآن الكريم وبعث الله رحمته إليهم محمداً ﷺ فدعاهم إلى عبادة الله وحده وخلع كل ما يعبد سواه وبعد صراع مرير وعراك طويل عرفه الناس أجمعون نصر الله دعوته ورسوله وعباده الموحدين وامتد ظل التوحيد الخالص فغمر أصقاعا شاسعة من المعمورة وعاش المسلمون في الشرق والغرب زمناً موحدين مخلصين لا كدر في قلوبهم ولا غبار على عقيدتهم.

стр. 4014

ثم في غفلة من العلماء، وإضطرابات في السياسة والحكم كر الشيطان على هذه الأمة ناقما عليها أشد نقمة فشرق في ديارها وغرّب وجال جولته فيها وصال وعاد بها إلى أسوأ من الجاهلية الأولى شركا ووثنية فعبدت الأشجار والأحجار، والأضرحة والقبور والقباب، والمزارات فكم ذابح لغير الله وكم ناذر لغير الله وكم من مستغيث مستجير بغير الله وكم من داع ضارع خاشع أمام قبر، أو ضريح، وكم حالف مقسم معظم غير الله تعالى وكم وكم وكم وكل ذلك باسم التبرك والاستشفاع والتوسل وهو شرك جلي لا خفي وأكبر وليس بأصغر، ولا يطلقون عليه اسم الشرك خوفا من لعنة الله ظانين أن الأسماء تغير من الحقائق ووجدوا علماء جهالا ضلالا يأكلون ويشربون على حساب عقيدتهم فحسنوا لهم الشرك وزينوه لهم نيابة عن الشيطان فعلموهم الاحتجاج عليه والدفاع عنه، وأنه ليس بشرك وإنما هو توسل وتبرك واستشفاع، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وساءت أحوال المسلمين السياسية بسوء أحوالهم الدينية والعقائد فسهل على العدو الكافر المتربص بهم الانقضاض عليهم والفتك بهم وسلب السلطة والحكم من أيديهم، فما هي إلا سنيات وجل بلاد المسلمين تحت سلطان الكافرين والمسلمون مستضعفون محكومون مقهورون لا دولة لهم ولا سلطان كل ذلك من آثار الشرك السيئة على المسلمين، وما إن طلع في الأفق رجال من أهل التوحيد ينادون بإصلاح العقائد وتطهير النفوس من الشرك والخرافة حتى تحرك المسلمون نحو التحرر والخلاص من قبضة الكفر ما هذا الاستقلال وإن كان مكبلا مسلولا إلا من بركة تلك الحركة الإسلامية التي وجدت في ديار المسلمين والتي بدأت أول ما بدأت به تطهير عقائد المسلمين من الشرك والخرافات ثم انتظمت سائر وجوه الحياة.

стр. 4015

وهكذا من خلال هذه الجولة في تاريخ البشرية عامة والمسلمين خاصة يتبين للبصير المفكر أن أدوأ الداء هو فساد العقائد وانحرافها، وأن أنجح دواء هو تطهير العقائد وإصلاحها وأن الكمال البشري والسعادة الإنسانية متوقفان تماما على عبادة الله تعالى وحده لا شريك له عبادة تشمل طاعة الله تعالى في كل ما يحب، وفي كل ما يكره مما شرع لعباده وبين لهم في كتابه وعلى لسان خاتم أنبيائه وإمام رسله محمد ﷺ ، وعليه فمن أراد للمسلمين كمالا أو عزا أو سعادة فليأخذهم بشريعة ربهم عقيدة وخلقا وسلوكا وحكما وقانونا، فإنه واصلٌ بهم إلى أوج الكمال وقمة المجد، وسعادة الحال والمآل، ومن أراد ذلك لهم بغير هذا الطريق فهو عابث مضيع للوقت، ساخر من نفسه ومنهم يقودهم ويقود نفسه إلى متاهات الحيرة والضلال، وأودية الردى والهلاك، وتلك سنة الله فيمن أعرض عن ذكره وهداه والله يقول الحق وهو يهدي إلى سواء السبيل، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين ...

стр. 4016

المستشرقون في الميزان بقلم: الأستاذ عبد العزيز القاري المدرس بالجامعة الإسلامية تاريخ حركة الاستشراق متى وكيف بدأت وما هي أسباب نشوئها. من القرن الخامس الميلادي حتى أواخر القرن الرابع عشر الميلادي فترة من تاريخ أوروبا النصرانية يسمونها هم (العصور الوسطى) ويعدونها عصورا مظلمة حيث كانت شعوب الفرنجة تعيش حياء همجية بائسة في ظلال كنيسة متسلطة مستبدة ولكن كان أبرز حدث في تاريخ هذه الفترة هي تلك النافذة التي فتحت في جنوب أوروبا الغربي لتطل منه على الحضارة الإسلامية وذلك بوصول طلائع المسلمين إلى الأندلس وإقامتهم صرح الحضارة الإسلامية فيها والتي امتدت إلى أواخر القرن الرابع عشر الميلادي أي حوالي سبعة قرون كانت فيها الأندلس مركزا حضاريا في هذا الجزء من أوروبا يشع عليها آثاره في زحف هادئ في معظم الأحيان ثم في صورة هجمات قوية كادت تخترق فرنسا إلى قلب أوروبا في أحيان أخرى. وكان لهذه الحضارة الإسلامية أثر كبير على حياة الشعوب الأوروبية فأخذ الفرنجة يرتادون الأندلس كمركز حضاري ثقافي عظيم ينهلون فيه من مناهل العلوم والحكمة ويكفي أن نتصور قرطبة - أعظم حواضر الأندلس الإسلامية - وقد أضحت مكونة من مائتين وخمسين ألفا من القصور والمساكن الراقية يسكنها ألف ألف من المسلمين والنصارى واليهود، وأنه كان فيها دكان النسخ الواحد يستخدم مائة وسبعين جارية في نقل المؤلفات النادرة لطلاب الكتب، وأنه كان في قصر الخليفة أربعمائة ألف كتاب [١] . ومهما وصفنا أو أثنينا على حضارتنا تلك فإن شهادة الأوروبيين أنفسهم أبلغ في هذا المجال فلنستمع للكاتب الأسباني بلاسكو أبانيز يقول في كتاب له اسمه ظلال الكنيسة:

стр. 4017

في خلال سنتين اثنتين استولى الغزاة على ملك قضى مستردوه سبعة قرون كاملة في استرداده، ولم يكن في الواقع فتحا فرض على الناس برهبة السلاح بل حضارة جديدة بسطت شعابها على جميع مرافق الحياة، ولم يتخل أبناء تلك الحضارة زمنا عن فضيلة حرية الضمير وهي الدعامة التي تقوم عليها كل عظمة حقة للشعوب فقبلوا في المدن التي ملكوها كنائس النصارى وبيع النهود ولم يخش المسجد معابد الأديان التي سبقته فعرف لها حقها واستقر إلى جانبها غير حاسد لها ولا راغب في السيطرة عليها ونمت على هذا ما بين القرن الثامن والقرن الخامس عشر أجمل الحضارات وأغناها في العصور الوسطى، في الزمن الذي كانت فيه أمم الشمال فريسة للفتن الدينية والمعارك الهمجية يعيشون عيشة القبائل المستوحشة في بلادهم المتخلفة، وبينما كانت شعوب الفرنجة والسكسون والجرمان يعيشون في الأكواخ ويعتلي ملوكهم وأشرافهم قمم الصخور في القلاع المظلمة ومن حولهم رجال هم عالة عليهم يلبسون الزرد ويأكلون طعام الإنسان الأول قبل التاريخ كان العرب الأندلسيون يشيدون قصورهم القوراء ويرودون الحمامات للمساجلة في مسائل العلم والأدب وتناشد الأشعار وتناقل الأخبار. ا -هـ[٢] . ويقول ستانلي لاين بول المؤرخ الإنكليزي واصفا تلك الحضارة بعبارة موجزة مملوءة بالمعاني" إن حكم عبد الرحمن الثالث الذي قارب خمسين سنة أدخل على أحوال إسبانيا تجديدا لا يلم الخيال - على أجمع ما يكون - بحقيقة فحواه " [٣]- اهـ.

стр. 4018

وكانت هناك نافذة أخرى فتحت أمام أوروبا من الشرق وهي الحملات الصليبية على بلاد الإسلام فقد جلب الصليبيون معهم إلى أوروبا كثيرا من عادات المسلمين وأزيائهم وأنماط حياتهم ووسائلهم في الحرب والبناء فارتفعت الحصون والقلاع والكنائس في أوروبا متخذة في أشكالها هندسة البناء الشرقي الإسلامي، هذا إلى جانب ما حملوا هم أو حمله إليهم سفراء المسلمين وبعثاتهم من أنواع الثقافة وتحت الحضارة الإسلامية في العصور المختلفة حتى عصر العثمانيين. ولا شك أن عالم الكنيسة النصرانية أيقن أن زحف المسلمين هذا لم يكن زحفا عسكريا فحسب، بل كان حضارة تمتد وتبسط نفوذها وتنشر معالمها في كل بقعة تصل إليها فتغير من حياة الشعوب وأفكارهم وعقائدهم وأسلوب حياتهم ... وكان بداية ظهور تأثير الحضارة الإسلامية على شعوب أوروبا أن ملوك الفرنجة بدءوا يحاولون التخلص من نفوذ الكنيسة وتسلطها الرهيب، وقد كانت الكنيسة في تلك العصور إذا أعطت صكا بالرضا والغفران لواحد منهم استقر ملكه واطمأن على كرسيه فإن غضبت على أحدهم فحكمت عليه بالكفر والجحيم نهش الناس ملكه ومزقوه إربا إربا.. ووضع كثير من المفكرين الذين فتحت الحضارة الإسلامية أعينهم وضعوا الكنيسة موضع المناقشة والاتهام، حتى تجلت تلك المناقشات عن حركة انشقاقية في قلب الكنيسة عرفت فيما بعد باسم الكنيسة البروتستانتية.. وحاولت الكنيسة في روما إيقاف هذا المد ففتحت محاكم التفتيش تنكل وتحرق وتقتل كل من رفع راية العصيان في وجهها أو حاول التخلص من سيطرتها فعرف الأوروبيون حينذاك أبشع عصور الاضطهاد الديني والفكري فحنقوا ليس على الكنيسة فحسب بل على الدين الذي حملت تلك الكنيسة رايته وارتكبت الفظائع باسمه وكان بداية نشوء العلمانية..

стр. 4019

ورغم بطش الكنيسة فإنها عجزت عن إيقاف التيار فاضطرت إلى أن تدافع عن نفسها بطريقة أخرى، فبدأت بالاهتمام بدراسة اللغات الشرقية وفي مقدمتها اللغة العربية.. فكانت طلائع المستشرقين من القسس والرهبان فانكبوا على دراسة اللغة العربية وكان رجال الكنيسة يشكلون وحدهم الطبقة المتعلمة في أوروبا ويهيمنون على الجامعات ومراكز العلم فيها.. وأنشئ أول مركز لدراسة اللغة العربية في الفاتيكان لتخريج أهل جدل يقارعون فقهاء المسلمين ويجادلون البروتستانت.. ورحل أول فريق من الرهبان إلى المغرب للغاية نفسها فقتل منهم هناك عدد كثير ورحل آخرون إلى المشرق، إلى سوريا ومصر.. وأمر الفاتيكان بإدخال اللغة العربية واللغات الشرقية الأخرى في مدارس الأديرة والكاتدرائيات، وعمل على إنشاء كراسٍ لهذه اللغات في الجامعات في إسبانيا وفرنسا وإيطاليا، وأصبحت جامعة باريس تشكل أهم مركز للدراسات العربية والشرقية.. واستعين بعدد من علماء اللاهوت وبعدد من المستشرقين اليهود ممن أجادوا تلك اللغات للقيام بتدريسها في تلك المدارس ولتولى تلك الكراسي في الجامعات.. ثم توسعت الدراسات الشرقية والعربية أكثر عندما أمر بابا الفاتيكان الخامس في أوائل القرن الرابع عشر بإنشاء كراسٍ للغات: العربية والعبرية والكلدانية في عدد من الجامعات الرئيسية في أوروبا وهي: جامعة باريس، وأكسفورد، وبولونيا، وجامعة الفاتيكان نفسه مع تنصيب أستاذين لكل من هذه اللغات في كل كرسي، وتكليفهم بترجمة نصوص عربية وعبرية وكلدانية للرد على منتقدي الدين المسيحي.. [٤] كان أول ما اتجه إليه المستشرقون في دراستهم العربية: كتب الفلسفة والمنطق والرياضيات فترجموا كتب ابن رشد والغزالي وابن سينا وأرسطو ونحوهم ثم توجهوا إلى العناية بآداب اللغة العربية والحضارة الإسلامية، وإلى دراسة الإسلام نفسه..

стр. 4020

وذلك حسبما يستجد من ظروف ومقتضيات، إذ أن الجامعات الأوروبية وقد كانت تحت السيطرة الكاملة للكنيسة تعتمد دراسة اللاهوت فحسب حتى أوائل العصر الصناعي فبدأت تهتم بالاختصاصات المختلفة تحت ضغوط النهضة الصناعية.. ولكن الذي لا ننساه أن الاستشراق بدأ من الفاتيكان، ورواد الاستشراق هم من رجال الكنيسة وعلماء اللاهوت وظلوا هم المشرفين على هذه الحركة المسيرين لها وكان هدفهم الدفاع عن الكنيسة ومواجهة الضغوط الشديدة المتزايدة من المفكرين المتمردين على سلطانها ممن فتحت الحضارة الإسلامية متنفسا لهم ومهدت لهم الفرصة للتفكير والنهوض.. ولذلك بدأت تلك الدراسات العربية ضيقة ومحدودة بحدود الأهداف التي أنشئت من أجلها، فكانت اللغة العربية تدرس كواحدة من اللغات السامية ولم تحظ باهتمام كاف كلغة لحضارة مستقلة كان لها تأثير كبير وفضل عظيم على أوروبا.. إلى أن فوجئت الدول الاستعمارية بالعالم الإسلامي يبدأ انتفاضاته من جديد بعد أن قضى قرونا طويلة يرزح تحت نير استعمارها البغيض.. فاضطرت مراكز الدراسات الإسلامية إلى أن توسع دائرة دراستها حسب مقتضيات الوضع الجديد.. دراسات المستشرقين للإسلام والعربية: لو كان الأمر مقتصرا على مجرد الجمع واستيعاب المصادر والمعلومات والتنسيق والترتيب، فإن المستشرقين بلغوا في ذلك غاية كبرى من الدقة والإتقان، وليس ذلك ببدع في عالم الدراسات في أوروبا الذي تطورت وسائله وأساليبه بشكل كبير..

стр. 4021

لكن المستشرقين يتدخلون بشخصياتهم وآرائهم وأهوائهم الخاصة فيفسرون الحوادث ويناقشون النصوص التشريعية، ويحللون قضايا اللغة العربية وشخصيات الحضارة الإسلامية، كل ذلك يدرسونه من وجهة نظرهم ويطلون عليه من نافذتهم الخاصة فيلقون عليه ظلالا معينة تغير معالم الصورة الأصلية، وفي غالب الأحيان تعطينا دراساتهم صورة غربية مشوهة لحضارة شرقية، وتقدم لنا الإسلام نفسه من خلال نظرة علمانية أو نصرانية هذا مع أنه توفرت للمستشرقين من الإمكانيات والعوامل المساعدة ما لم يتوفر لأحد، خاصة عندما بسطت أوروبا نفوذها وسيطرتها الاستعمارية على منطقة العالم الإسلامي وفتحت الأجواء فسيحة للمستشرقين يتجولون في المنطقة بحرية تامة ويعبثون بمصادر الثقافة فيها ومعالم الحضارة. بل ويستولون على كثير من المخطوطات الثمينة التي تشكل بمجموعها صرح المكتبة الإسلامية الكبرى، فينهبون هذه المخطوطات وينقلونها إلى أوروبا.. حتى أضحى بإمكاننا أن نجزم أن ٩٠% من المخطوطات الثمينة نهبت وانتقلت إلى الغرب إلى مكتبات وجامعات أوروبا وأمريكا، وذلك على أيدي المستشرقين الذين كانوا ينتقونها بخبرة ومعرفة دقيقتين.. ولولا تنبه حكومة الخلافة العثمانية في أواخر أيامها إلى هذه الخطة ومدى خطرها على تراث المسلمين فعمدت إلى نقل كمية كبيرة من تلك المخطوطات إلى تركية لجزمت بأن التراث كله نهب وانتقل إلى يد المستشرقين. ووضعت أوروبا النصرانية تحت يد المستشرقين كل الإمكانيات التي يحتاجونها للتعمق في دراساتهم للعالم الإسلامي واللغة العربية.. فكيف يصعب بعد ذلك على المستشرقين إن يبرزوا للعالم إنتاجا ضخما منسقا وغزيرا في مادته، إنها نتيجة طبيعية لتلك العوامل المساعدة والجهود المبذولة.. ولا نكون مجاملين لأحد عندما نقول إن دراسات المستشرقين أدت خدمات في مجالين:

стр. 4022

١- استيعاب المصادر وجمع المعلومات بشكل واسع، وربما ساعدهم على ذلك اهتمامهم بالاختصاص والاختصاص الدقيق بحيث يقضي أحدهم فترة طويلة من عمره في بحث واحد يتفرغ له.. ٢- الترتيب والتنسيق في منهج البحث والتأليف، والإحصاء والفهرسة وعنايتهم بهما عناية كبيرة وكان ذلك شيئا جديدا على الدارسين في الفترة التي ظهرت فيها دراسات المستشرقين إلى عالم القراء.. وتنبهت الأوساط العلمية والدارسون في العالم الإسلامي إلى هذا المنهج المنسق الذي ظهر في دراسات المستشرقين فاستفادوا منه في بحوثهم ودراساتهم.. نعترف بهذه الخدمات التي أدتها دراسات المستشرقين مع أننا لا نتدخل الآن ولا نجزم بالنوايا والأهداف، وهل كان أداء هذه الخدمات مقصودا بإخلاص أم أن وراء الأكمة ما وراءها.. ندع ذلك لما سيأتي في آخر البحث حيث سنكشف حقيقة ذلك بشكل لا يدع مجالا للشك أو التردد.. إلا أننا نجد في دراسات المستشرقين عيوبا علمية عديدة تكشف لنا عوار تلك الدراسات بشكل تهبط معه قيمتها إلى درجة قريبة من الصفر!! ولا نتجنى في الحكم ولا نجزم بغير دليل وكتب المستشرقين في متناول كل باحث بل هي أسرع انتشارا بيننا من كتبنا المعتمدة نفسها!! ١- من المتفق عليه بين الباحثين أنه لكي يصدر الباحث حكما صحيحا ودقيقا في أي قضية علمية أو تاريخية ينبغي أن تتوفر له أسباب عديدة أساسية: فنظرته للإنسان يجب أن تكون نابعة من تصور سليم وفهم دقيق للنزعات والخصائص الإنسانية، ولكي يستطيع تفسير الحادثة التاريخية يجب أن يكون متفهما ليس لملابساتها فحسب بل لطبيعة الأمة التي تتعلق تلك الحادثة بتاريخها، ومتفهما للتاريخ كله التي تعد تلك الحادثة جزءا صغيرا من أجزاء بنائه المتكامل..

стр. 4023

وعندما يناقض ثقافة أو شريعة ما ينبغي أن تصدر مناقشته عن تصور سليم كلي لخصائص تلك الثقافة ومميزات تلك الشريعة وأسسها وإلا فإنه يخلط بين الأشياء خلطا يفقد رأيه كل قيمته العلمية.. وكذلك الأدب تختلف فيه المقاييس والأذواق من أمة لأخرى، ولكل أمة لون من ألوان الفنون والآداب يكون مستحسنا لديها حسب أذواقها ومقاييسها وقد لا يكون كذلك في أذواق أمة أخرى ومقاييسها.. فلا يكون الحكم دقيقا ولا التحليل سليما إذا لم يتذوق الدارس لأدب أمة ما بذوقها هي أولا.. فإذا ما حاول الإنجليزي أن يحكم على الأدب العربي بذوق إنجليزي فإنه يخلط شعبان برمضان ولا يكون لدارسته الأدبية حينئذ أية قيمة علمية.. وهذا الأساس في الدراسات الأدبية لا شك مفقود لدى المستشرقين فتذوقهم للغة العربية وآدابها ضعيف لأنهم لم يستطيعوا التخلص من تأثير أذواقهم الأوروبية، وإنك واجد أثر هذا الذي أقول في سائر دراساتهم للأدب العربي واللغة العربية، مع أنهم أحيانا يعبرون عن ضيق صدورهم بهذه الناحية كما ذكر أحد تلاميذهم من العرب وهو الدكتور صفاء خلوصي (في مقالة نشرت في مجلة الإذاعة البريطانية العدد٢٩٥ مايو ١٩٧٣) إذ قال: قال لي أحد المستشرقين الذين مضوا للقاء ربهم: باعتقادي أن المرء يجب أن يولد عربيا ليتذوق الشعر العربي حق التذوق فإذا استطعت أن تكتب لنا كتابا بالإنجليزية يساعدنا في تذوق الشعر العربي على الوجه الصحيح فسيكون عملك هذا عظيما. اهـ. ٢- فإذا انتقلت من العربية لغتها وآدابها إلى الإسلام عقيدته وشريعته وتاريخه وحضارته فهناك ترى الخلط العجيب، إذ كيف يتسنى للمستشرقين أن يتفهموا طبيعة الإنسان المسلم وخصائصه أولا وهم ينظرون إليه بل إلى أهل الشرق جميعا من نافذة أوروبية ترى أن الشعوب الأوروبية أعلى وأشرف عرقا وجنسا وأن بقية الشعوب دونها رتبة.

стр. 4024

كما أنهم يعدون الشعوب المسلمة أدنى في التفكير ويقولون بأن عقلية المسلم- ذرية- ساذجة أي أنه لا يتمتع بالفهم الكلي الشمولي ولا يدرك الأمور إلا بواسطة جزئياتها. كما ذكر المستشرق-جب- في كتابه (وجهة الإسلام) [٥] . ولذلك لا نستغرب إن رأينا جميع المستشرقين يطبقون تقسيم التاريخ الأوروبي إلى ثلاثة عصور- العصور الأولى والعصور الوسطى وعصر النهضة الحديثة- يطبقون هذا التقسيم على تاريخ الشعوب جميعا حتى المسلمين، وهذا يعد منهم نقصا علميا فاحشا وجمودا عجيبا إذ أن لكل أمة تاريخها المستقل بأدواره ومراحله وخصائصه.. ثم تأتي العقدة الكبرى المستحكمة- عقدة النصرانية - ومعظم المستشرقين من رجال الكنيسة وعلماء اللاهوت يتبعهم قليل من اليهود.. ونحن لا نبالغ إذا قلنا إن سيطرة روح العداء النصرانية تخيم على سائر المستشرقين وتؤثر على مفاهيمهم وأفكارهم وأن هذه الروح أفسدت سائر دراساتهم للإسلام وهذا يشمل المستشرقين جميعا على اختلاف أشكالهم حتى العلمانيين منهم.. ولندع واحدا من هؤلاء العلمانيين وهو ممن يقال انهم منصفون في دراستهم وهو المستشرق غوستاف لوبون يقول في كتابه (حضارة العرب) [٦] .

стр. 4025

قد يسأل القارئ بعدما تقدم لم ينكر تأثير العرب علماء الوقت الحاضر الذين يضعون مبدأ حرية الفكر فوق كل اعتبار ديني كما يلوح؟ لا أرى غير جواب واحد عن هذا السؤال الذي أسأل نفسي به أيضا وهو أن استقلالنا الفكري لم يكن في غير الظواهر بالحقيقة وأننا لسنا من أحرار الفكر في بعض الموضوعات كما نريد، فالمرء عندنا ذو شخصيتين: الشخصية العصرية التي كونتها الدراسات الخاصة والبيئة الخلقية والثقافية، والشخصية القديمة غير الشاعرة التي جمدت وتحجرت بفعل الأجداد وكانت خلاصة لماض طويل، والشخصية غير الشاعرة وحدها ووحدها فقط هي التي تتكلم عند أكثر الناس وتمسك فيهم المعتقدات نفسها مسماة بأسماء مختلفة وتملي عليهم آراءهم فيلوح ما تمليه عليهم من الآراء حرا في الظاهر فيُحترم، والحق أن أتباع محمد ظلوا أشد من عرفته أوروبة من الأعداء إرهابا عدة قرون وأنهم عندما كانوا لا يرعدوننا بأسلحتهم كما في زمن شارل مارتن والحروب الصليبية أو يهددون أوروبا بعد فتح القسطنطينية كانوا يذلوننا بأفضلية حضارتهم الساحقة وأننا لم نتحرر من نفوذهم إلا بالأمس وتراكمت مبتسراتنا الموروثة ضد الإسلام والمسلمين في قرون كثيرة وصارت جزءا من مزاجنا وأضحت طبيعة متأصلة فينا تأصل حقد اليهود على النصارى الخفي أحيانا والعميق دائما، وإذا أضفنا إلى مبتسراتنا الموروثة ضد المسلمين مبتسرنا الموروث الذي زاد مع القرون بفعل ثقافتنا المدرسية البغيضة القائلة إن اليونان واللاتين وحدهم منبع العلوم والآداب في الزمن الماضي أدركنا بسهولة سر جحودنا العام لتأثير العرب العظيم في تاريخ حضارة أوروبة.. ويتراءى لبعض الفضلاء أن من العار أن يُرى أن أوروبة النصرانية مدينة لأولئك الكافرين في خروجها من دور التوحش فعار ظاهر كهذا لا يقبل إلا بصعوبة. ا-هـ.

стр. 4026

ولا أظن أن الأمر بعد هذا الاعتراف من هذا المستشرق يحتاج إلى أي إيضاح إلا أن نقول أن عدداً من المستشرقين الذين تهاوت الغشاوة عن أعينهم فأدركوا إدراكاً جازماً حقيقة هذا الدين وصدق الرسول ﷺ . كانت عقدة الغرور الأوروبية تعود فتتغلب على عقولهم فإذا بهم يعربون في غرور وصلف عن الأسى الذي يحز في نفوسهم الحاقدة وعن عدم مقدرتهم لاتباعه الحق مع معرفتهم له: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ .. وينقل عن المستشرق الفرنسي رينان وهو من أشهرهم أنه قال: إنني لم أدخل مسجدًا من غير أن أهتز خاشعاً وأشعر بشيء من الحسرة على أنني لست مسلما [٧] . ٣- ذكرنا اتهام المستشرق- جب - لعقلية المسلم بأنها عقلية (ذرية) لا تدرك الأشياء إدراكاً كلياً، ونحن لن نناقش هذه التهمة لكننا نقول إن المستشرقين في دراساتهم الإسلامية يصدرون عن عقلية عجيبة لا هي بالذرية التي تدرك الأشياء بجزئياتها ولا هي بالكلية التي تدركها إدراكا كليا.. فدراسة عقيدة الإسلام أو شريعته أو حضارته أو تاريخه تحتاج إلى فهم كلي شامل لطبيعة هذا الدين وخصائصه ومقوماته حينئذ فقط تكون دراسة أي جزء من أجزاء البناء الإسلامي المتكامل سليمة ومجدية هذا من جهة.. ومن جهة أخرى إن دراسة أي جزء من أجزاء بناء الثقافة الإسلامية يجب أن تكون وفق المنهج الإسلامي المتميز باصطلاحاته وقواعده إذ أن كل جزء من أجزاء ثقافتنا له مصطلحات ورموز وقواعد إن لم يدركها الدارس يتخبط في دراسته ويخلط الحابل بالنابل حتى يصل إلى مستوى علمي رديء فيه يسمى عند علمائنا حاطب ليل.. لكننا نرى المستشرقين في سائر دراساتهم فقدوا هاتين الناحيتين أو هم تجاهلوها فهم يفهمون الإسلام كما تهوى أفئدتهم بل كما تخيل إليهم نفوسهم غير الشاعرة المطبوعة على الروح النصرانية الحاقدة..

стр. 4027

فأنى لهم أن يدركوا حقيقة الإسلام الكلية الشاملة التي إن فقدت لدى باحث - أي باحث - اطرحنا أحكامه ودراساته جانباً لأنه حينئذ سيهيم على غير هدى في خضم (تراث) متلاطم الأمواج تلاطم بحر الظلمات.. إننا نجد المستشرقين في دراساتهم للإسلام فقدوا إدراكه حتى بالجزئيات فإذا درسوا الحديث أو الشريعة كان من مصادرهم الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني والعقد الفريد لابن عبد ربه وربما اعتمدوا عند الحاجة على أغرب من ذلك من المصادر الواهية المختلطة. فإن علم بعضهم المصادر الحقيقية من أمهات كتب الحديث والفقه فأنى لهم التمييز بين المرويات وتجريد الصحيح من الموضوع والراجح من مسائل الفقه من المرجوح. وكم اعتمدوا في دراستهم التاريخية على (الإمامة والسياسة) المنسوب لابن قتيبة أو (بدائع الزهور ووقائع الدهور) وربما (ألف ليلة وليلة) وقد صار لها شأن عظيم لديهم فحرصوا على ترجمتها إلى لغاتهم وأحاطوها بعنايتهم. وإن علم بعضهم أن تاريخ الإسلام يؤخذ من مصادره الحقيقية ككتب ابن جرير وابن كثير وابن إسحاق ونحوها فأنى لهم تحقيق ما في هذه المصادر الجامعة من الأخبار والتمييز بين سقيمها وصحيحها وهل تتحمل أفئدتهم وتقبل أهواؤهم تجشم المشاق الهائلة في سبيل ذلك كله.. إن الدارس المنصف لا يحتاج إلى أكثر من عقلية (ذرية) لكي يدرك أن حقيقة الإسلام لن يجدها عند أبي جهل كما أن حقيقة مريم الصديقة الطاهرة لن يجدها عند اليهود، وأن من يبحث عن الذهب والفضة والجواهر الكريمة لا يذهب إلى الحداد.. والمستشرقون يعترفون بناحية النقص الخطيرة هذه التي ذكرها في دراساتهم في بعض المناسبات يقول العلامة مصطفى السباعي ﵀ عن حديثه عن المستشرقين في كتابه (السنة) :

стр. 4028

قال لي المستشرق (آربري) رئيس قسم الدراسات العربية والإسلامية في جامعة كمبردج: إننا نحن المستشرقين نقع في أخطاء كثيرة في بحوثنا عن الإسلام ومن الواجب ألا نخوض في هذا الميدان لأنكم أنتم المسلمين العرب أقدر منا على الخوض في هذه الأبحاث. [٨] اهـ. والأمثلة كثيرة على ما ذكرنا من دراساتهم لكنني سأكتفي بمثالين منها وعلى من يريد الاستقصاء الرجوع إلى كتبهم المتوفرة.. في مجموعة بحوث عن المغازي ومؤلفيها نشرت في مجلة - الثقافة الإسلامية- وهي مجلة استشراقية كانت تصدر في الهند يقول المستشرق الألماني (يوسف هوروفتس) في معرض كلامه عن موقف العلماء من الشعر: ومن هؤلاء الفقهاء من لم يشتهر بقول الشعر ولكن اشتهر بتذوق الفن الشعري في عصره ونقده له مثل أحد الفقهاء الستة الذين ذكرهم عبيد الله - يقصد عبد الله ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود - قال: أعني سعيد بن المسيب وهو ابن امرأة أبي هريرة وأحد أركان علم الحديث. ثم يذكر الروايات التي استند إليها في رأيه هذا فإذا بها من الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني ومنها قوله: وفي كتاب الأغاني خبر يبين إعجاب هذه الجماعات بالكلام البليغ في جميع الظروف فيروى عبد الله بن عمر: خرجت حاجا فرأيت امرأة جميلة تتكلم بكلام رفثت فيه فأدنيت ناقتي منها ثم قلت لها: يا أمة الله ألست حاجة أما تخافين الله؟ فسفرت عن وجه يبهر الشمس حسنا ثم قالت: تأمّل يا عمي فإني ممن عنى العرجي بقوله: من اللاء لم يحججن يبغين حسبة ولكن ليقتلن البرئ المغفلا قال فقلت لها: مهلا فإني أسأل الله ألا يعذب هذا الوجه بالنار ... قال وبلغ ذلك سعيد بن المسيب فقال أما والله لو كان من بعض بغضاء العراق لقال لها: اعزبي قبحك الله، ولكنه ظرف عباد الحجاز [٩] ا-هـ.

стр. 4029

ونحن لن نناقش صحة هذا الرأي عن تذوق العلماء عن الشعر وقد كان كثير منهم يتذوقه تذوق الناقد الخبير وإن كنا نقف عند قول - هورفتس -: في كل الظروف. مرتابين من مقصده؟ إلا أننا نبغي بهذا المثال الإشارة إلى نوع المصدر الذي عول عليه في هذه المسألة ألا وهو كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني الذي يقول عنه بعض علماء الأسانيد والرجال: إنه كان أكذب الناس [١٠] . المثال الثاني: ما ذكره المستشرق المجري جولد زيهر في كتابه (مذاهب التفسير الإسلامي) عن حديثه عن تأويلات المعتزلة عند تفسيرهم للقرآن حسب ما تمليه عليهم آراؤهم في الاعتقاد، فقد ضرب مثالا بالشريف المرتضى في محاولته في كتابه الغرر في تأويل قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ بأن حرف- إلى - هو كلمة بمعنى النعمة.. يقول جولد زيهر: فالمرتضى في قوله: ﴿وُجُوهٌ ... إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ يستبعد اعتراض المشبهة بتجريد لفظ إلى من طابعه الحرفي وتفسيره على أنه جمع مفرده ألاً أي نعمة، أي ناظرة نعم ربها..ا- هـ. هكذا فهمها هذا المستشرق الذي استعرض عضلاته العلمية في كتابه هذا متطفلا على علم التفسير: أن لفظة-إلى- بمعنى النعمة جمع مفردة ألاً بينما أصغر طالب علم عندنا يستطيع بمراجعة القاموس أن يعرف أن إلىً وألاً مفردان يجمعان على آلاء. فيكون المعنى الذي تكلفه المرتضى قسرا: وجوه ناظرة نعمة ربها.. هذا مع أن هذا المستشرق يعد لدى المستشرقين أعلمهم بعلوم الإسلام إذ قضى فترة طويلة في بلاد المسلمين يدرس على علمائهم وممن درس عليهم اللغة العربية الشيخ طاهر الجزائري.. ويكفينا هذان المثالان نموذجا لما ذكرنا من عيوب دراسات المستشرقين في خلال هذه الدراسة العاجلة.. المستشرقون في ميزان الإسلام:

стр. 4030

آيات كثيرة في القرآن تنبهنا إلى حقيقة دائمة إلى يوم القيامة هي أن العلاقة بيننا وبين أهل الكتاب ستبقى صراعا مريرا بين إيمان وكفر.. وأن أهل الكتاب - وهم اليهود والنصارى- سيبذلون قصارى جهودهم لتدميرنا وإخضاعنا لهم واتباعنا لملتهم.. ولنترك وقائع التاريخ تتكلم لتثبت لنا هذه الحقيقة: يقول التاريخ إن الحركة الاستشراق وجه جديد لنشاط الكنيسة الصليبية التخريبي في بلاد المسلمين لا شك في ذلك ولا امتراء.. وهذا حكم لا ندعيه نحن فقط فيقال إنه مجازفة أو مبالغة ولكن الصليبيين أنفسهم يثبتونه، وما سجله التاريخ والدارسون من أهل الغرب: يقل المستشرق المسلم - دود كاون - محاولا إضفاء مسحة من البراءة على أهداف حركة الاستشراق البريطانية في القرون الأخيرة ابتداء بالقرن السادس عشر الميلادي وذلك عند ذكره لشركة الهند الشرقية التي كنت طليعة الاستعمار البريطانية الوحشي للهند المسلمة يقول: كان هنا ك نوع آخر من مستخدمي الشركة لا يهمه جمع ثروة أو الظهور كملك صغير فالرجال المنتمون إلى هذه الفئة كانوا يكرسون حياتهم لفهم ودراسة ثقافات الهند المتباينة وآدابها وأديانها المختلفة وقد ترك كثيرون من هؤلاء الرجال مؤلفات قيمة تدل على سعة أفكارهم وعطفهم على الشعب بل لشعوب التي رأوا أنفسهم مسئولين عنها. ا-هـ[١١] . ولعل هذا المستشرق يريد بالعطف المذكور إراقة دماء المسلمين بحاراً تجري على أرض الهند عندما ثار المسلمون في وجه الشركة المذكورة فتدخلت بريطانيا مباشرة لتكشف القناع الذي كانت تختفي وراءه، نعم هذه المذابح المريعة كانت دائما نتيجة عطف تلك الفئات على الشعوب التي رأوا أنفسهم مسئولين عن التمهيد لاستعمارها.. وهذا الشرح ليس لي أنا بل هو لنفس المستشرق المذكور آنفا إذ يقول بعد أسطر من كلامه ذاك مبينا حقيقة نوايا المستشرق:
следующие страницы →