← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 4026–4065 · переход к 4031.

стр. 4026

ولا أظن أن الأمر بعد هذا الاعتراف من هذا المستشرق يحتاج إلى أي إيضاح إلا أن نقول أن عدداً من المستشرقين الذين تهاوت الغشاوة عن أعينهم فأدركوا إدراكاً جازماً حقيقة هذا الدين وصدق الرسول ﷺ . كانت عقدة الغرور الأوروبية تعود فتتغلب على عقولهم فإذا بهم يعربون في غرور وصلف عن الأسى الذي يحز في نفوسهم الحاقدة وعن عدم مقدرتهم لاتباعه الحق مع معرفتهم له: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ .. وينقل عن المستشرق الفرنسي رينان وهو من أشهرهم أنه قال: إنني لم أدخل مسجدًا من غير أن أهتز خاشعاً وأشعر بشيء من الحسرة على أنني لست مسلما [٧] . ٣- ذكرنا اتهام المستشرق- جب - لعقلية المسلم بأنها عقلية (ذرية) لا تدرك الأشياء إدراكاً كلياً، ونحن لن نناقش هذه التهمة لكننا نقول إن المستشرقين في دراساتهم الإسلامية يصدرون عن عقلية عجيبة لا هي بالذرية التي تدرك الأشياء بجزئياتها ولا هي بالكلية التي تدركها إدراكا كليا.. فدراسة عقيدة الإسلام أو شريعته أو حضارته أو تاريخه تحتاج إلى فهم كلي شامل لطبيعة هذا الدين وخصائصه ومقوماته حينئذ فقط تكون دراسة أي جزء من أجزاء البناء الإسلامي المتكامل سليمة ومجدية هذا من جهة.. ومن جهة أخرى إن دراسة أي جزء من أجزاء بناء الثقافة الإسلامية يجب أن تكون وفق المنهج الإسلامي المتميز باصطلاحاته وقواعده إذ أن كل جزء من أجزاء ثقافتنا له مصطلحات ورموز وقواعد إن لم يدركها الدارس يتخبط في دراسته ويخلط الحابل بالنابل حتى يصل إلى مستوى علمي رديء فيه يسمى عند علمائنا حاطب ليل.. لكننا نرى المستشرقين في سائر دراساتهم فقدوا هاتين الناحيتين أو هم تجاهلوها فهم يفهمون الإسلام كما تهوى أفئدتهم بل كما تخيل إليهم نفوسهم غير الشاعرة المطبوعة على الروح النصرانية الحاقدة..

стр. 4027

فأنى لهم أن يدركوا حقيقة الإسلام الكلية الشاملة التي إن فقدت لدى باحث - أي باحث - اطرحنا أحكامه ودراساته جانباً لأنه حينئذ سيهيم على غير هدى في خضم (تراث) متلاطم الأمواج تلاطم بحر الظلمات.. إننا نجد المستشرقين في دراساتهم للإسلام فقدوا إدراكه حتى بالجزئيات فإذا درسوا الحديث أو الشريعة كان من مصادرهم الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني والعقد الفريد لابن عبد ربه وربما اعتمدوا عند الحاجة على أغرب من ذلك من المصادر الواهية المختلطة. فإن علم بعضهم المصادر الحقيقية من أمهات كتب الحديث والفقه فأنى لهم التمييز بين المرويات وتجريد الصحيح من الموضوع والراجح من مسائل الفقه من المرجوح. وكم اعتمدوا في دراستهم التاريخية على (الإمامة والسياسة) المنسوب لابن قتيبة أو (بدائع الزهور ووقائع الدهور) وربما (ألف ليلة وليلة) وقد صار لها شأن عظيم لديهم فحرصوا على ترجمتها إلى لغاتهم وأحاطوها بعنايتهم. وإن علم بعضهم أن تاريخ الإسلام يؤخذ من مصادره الحقيقية ككتب ابن جرير وابن كثير وابن إسحاق ونحوها فأنى لهم تحقيق ما في هذه المصادر الجامعة من الأخبار والتمييز بين سقيمها وصحيحها وهل تتحمل أفئدتهم وتقبل أهواؤهم تجشم المشاق الهائلة في سبيل ذلك كله.. إن الدارس المنصف لا يحتاج إلى أكثر من عقلية (ذرية) لكي يدرك أن حقيقة الإسلام لن يجدها عند أبي جهل كما أن حقيقة مريم الصديقة الطاهرة لن يجدها عند اليهود، وأن من يبحث عن الذهب والفضة والجواهر الكريمة لا يذهب إلى الحداد.. والمستشرقون يعترفون بناحية النقص الخطيرة هذه التي ذكرها في دراساتهم في بعض المناسبات يقول العلامة مصطفى السباعي ﵀ عن حديثه عن المستشرقين في كتابه (السنة) :

стр. 4028

قال لي المستشرق (آربري) رئيس قسم الدراسات العربية والإسلامية في جامعة كمبردج: إننا نحن المستشرقين نقع في أخطاء كثيرة في بحوثنا عن الإسلام ومن الواجب ألا نخوض في هذا الميدان لأنكم أنتم المسلمين العرب أقدر منا على الخوض في هذه الأبحاث. [٨] اهـ. والأمثلة كثيرة على ما ذكرنا من دراساتهم لكنني سأكتفي بمثالين منها وعلى من يريد الاستقصاء الرجوع إلى كتبهم المتوفرة.. في مجموعة بحوث عن المغازي ومؤلفيها نشرت في مجلة - الثقافة الإسلامية- وهي مجلة استشراقية كانت تصدر في الهند يقول المستشرق الألماني (يوسف هوروفتس) في معرض كلامه عن موقف العلماء من الشعر: ومن هؤلاء الفقهاء من لم يشتهر بقول الشعر ولكن اشتهر بتذوق الفن الشعري في عصره ونقده له مثل أحد الفقهاء الستة الذين ذكرهم عبيد الله - يقصد عبد الله ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود - قال: أعني سعيد بن المسيب وهو ابن امرأة أبي هريرة وأحد أركان علم الحديث. ثم يذكر الروايات التي استند إليها في رأيه هذا فإذا بها من الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني ومنها قوله: وفي كتاب الأغاني خبر يبين إعجاب هذه الجماعات بالكلام البليغ في جميع الظروف فيروى عبد الله بن عمر: خرجت حاجا فرأيت امرأة جميلة تتكلم بكلام رفثت فيه فأدنيت ناقتي منها ثم قلت لها: يا أمة الله ألست حاجة أما تخافين الله؟ فسفرت عن وجه يبهر الشمس حسنا ثم قالت: تأمّل يا عمي فإني ممن عنى العرجي بقوله: من اللاء لم يحججن يبغين حسبة ولكن ليقتلن البرئ المغفلا قال فقلت لها: مهلا فإني أسأل الله ألا يعذب هذا الوجه بالنار ... قال وبلغ ذلك سعيد بن المسيب فقال أما والله لو كان من بعض بغضاء العراق لقال لها: اعزبي قبحك الله، ولكنه ظرف عباد الحجاز [٩] ا-هـ.

стр. 4029

ونحن لن نناقش صحة هذا الرأي عن تذوق العلماء عن الشعر وقد كان كثير منهم يتذوقه تذوق الناقد الخبير وإن كنا نقف عند قول - هورفتس -: في كل الظروف. مرتابين من مقصده؟ إلا أننا نبغي بهذا المثال الإشارة إلى نوع المصدر الذي عول عليه في هذه المسألة ألا وهو كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني الذي يقول عنه بعض علماء الأسانيد والرجال: إنه كان أكذب الناس [١٠] . المثال الثاني: ما ذكره المستشرق المجري جولد زيهر في كتابه (مذاهب التفسير الإسلامي) عن حديثه عن تأويلات المعتزلة عند تفسيرهم للقرآن حسب ما تمليه عليهم آراؤهم في الاعتقاد، فقد ضرب مثالا بالشريف المرتضى في محاولته في كتابه الغرر في تأويل قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ بأن حرف- إلى - هو كلمة بمعنى النعمة.. يقول جولد زيهر: فالمرتضى في قوله: ﴿وُجُوهٌ ... إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ يستبعد اعتراض المشبهة بتجريد لفظ إلى من طابعه الحرفي وتفسيره على أنه جمع مفرده ألاً أي نعمة، أي ناظرة نعم ربها..ا- هـ. هكذا فهمها هذا المستشرق الذي استعرض عضلاته العلمية في كتابه هذا متطفلا على علم التفسير: أن لفظة-إلى- بمعنى النعمة جمع مفردة ألاً بينما أصغر طالب علم عندنا يستطيع بمراجعة القاموس أن يعرف أن إلىً وألاً مفردان يجمعان على آلاء. فيكون المعنى الذي تكلفه المرتضى قسرا: وجوه ناظرة نعمة ربها.. هذا مع أن هذا المستشرق يعد لدى المستشرقين أعلمهم بعلوم الإسلام إذ قضى فترة طويلة في بلاد المسلمين يدرس على علمائهم وممن درس عليهم اللغة العربية الشيخ طاهر الجزائري.. ويكفينا هذان المثالان نموذجا لما ذكرنا من عيوب دراسات المستشرقين في خلال هذه الدراسة العاجلة.. المستشرقون في ميزان الإسلام:

стр. 4030

آيات كثيرة في القرآن تنبهنا إلى حقيقة دائمة إلى يوم القيامة هي أن العلاقة بيننا وبين أهل الكتاب ستبقى صراعا مريرا بين إيمان وكفر.. وأن أهل الكتاب - وهم اليهود والنصارى- سيبذلون قصارى جهودهم لتدميرنا وإخضاعنا لهم واتباعنا لملتهم.. ولنترك وقائع التاريخ تتكلم لتثبت لنا هذه الحقيقة: يقول التاريخ إن الحركة الاستشراق وجه جديد لنشاط الكنيسة الصليبية التخريبي في بلاد المسلمين لا شك في ذلك ولا امتراء.. وهذا حكم لا ندعيه نحن فقط فيقال إنه مجازفة أو مبالغة ولكن الصليبيين أنفسهم يثبتونه، وما سجله التاريخ والدارسون من أهل الغرب: يقل المستشرق المسلم - دود كاون - محاولا إضفاء مسحة من البراءة على أهداف حركة الاستشراق البريطانية في القرون الأخيرة ابتداء بالقرن السادس عشر الميلادي وذلك عند ذكره لشركة الهند الشرقية التي كنت طليعة الاستعمار البريطانية الوحشي للهند المسلمة يقول: كان هنا ك نوع آخر من مستخدمي الشركة لا يهمه جمع ثروة أو الظهور كملك صغير فالرجال المنتمون إلى هذه الفئة كانوا يكرسون حياتهم لفهم ودراسة ثقافات الهند المتباينة وآدابها وأديانها المختلفة وقد ترك كثيرون من هؤلاء الرجال مؤلفات قيمة تدل على سعة أفكارهم وعطفهم على الشعب بل لشعوب التي رأوا أنفسهم مسئولين عنها. ا-هـ[١١] . ولعل هذا المستشرق يريد بالعطف المذكور إراقة دماء المسلمين بحاراً تجري على أرض الهند عندما ثار المسلمون في وجه الشركة المذكورة فتدخلت بريطانيا مباشرة لتكشف القناع الذي كانت تختفي وراءه، نعم هذه المذابح المريعة كانت دائما نتيجة عطف تلك الفئات على الشعوب التي رأوا أنفسهم مسئولين عن التمهيد لاستعمارها.. وهذا الشرح ليس لي أنا بل هو لنفس المستشرق المذكور آنفا إذ يقول بعد أسطر من كلامه ذاك مبينا حقيقة نوايا المستشرق:

стр. 4031

ارتفعت أصوات في الجزر البريطانية في أوائل هذا القرن تنادي بوجوب تأسيس معهد شرقي في بريطانيا تكون مهمته: إعداد وتخريج رجال ونساء يستطيعون أن يخدموا وطنهم في الشرق وفي اتصالاته بالشرق إما في السلك السياسي أو في التجارة أو في دوائر الحكومة وراء البحار أو في ميدان الثقافة غير أن هذه الأصوات لم تجد صدىً أو تشجيعاً من الحكومة إلا تحت ضغط الحرب العالمية الأولى التي أظهرت للحكومة البريطانية قلة عدد البريطانيين الذين يهتمون بلغات الشرق وذلك بالرغم من مصالح بريطانيا الكثيرة المتزايدة الممتدة من المحيط الأطلسي إلى بحر الصين، وفي أوائل الحرب العالمية الأولى كلفت الحكومة اللورد -رِيْ- برئاسة لجنة وظيفتها دراسة حاجة بريطانيا إلى معهد علمي من هذا الطراز وبعد مدة نشرت اللجنة تقريرها الذي أشارت فيه إلى وجوب الإسراع في إنشاء معهد شرقي فقبلت الحكومة مقترحات اللجنة وتم تأسيس معهد للدراسات الشرقية في جامعة لندن سنة ١٩١٧م. ا-هـ. هذا ما جاء في محاضرة المستشرق- داود كاون - وهي تحتوي على إشارات خطيرة سوف تعيننا في سبر غور هذه الحركة الإستشراقية سواء كانت في بريطانيا أو في أي قطر آخر من الأقطار الأوروبية أو في القارة الأمريكية فإن كل هذه فروع والحقيقة واحدة والأهداف مشتركة. ولندع الحقائق تتكلم: ١- بينّا في أول هذه المحاضرة الموقف الذي وجدت الكنيسة الصليبية نفسها فيه أمام الحضارة الإسلامية الزاحفة على أوروبا منذ القرن الثامن الميلادي والهزات العنيفة التي منيت بها أمام تأثير هذه الحضارة فاتخذت هذه الكنيسة منذ البداية موقف المقاومة الشرسة والعداوة المستحكمة تجاه المسلمين وحضارتهم..

стр. 4032

وعندما بدأت دولة المسلمين يتصدع بنيانها في الأندلس أو في بيت المقدس ووجدت الكنيسة الصليبية الفرصة سانحة قامت بهجمات وحشية بربرية على المسلمين وأراقت دماءهم بغير حساب مكافأة لهم على جميلهم الذي أسدوه لأوروبا حينما علموا شعوبها كيف تكون الحضارة.. وكيف يمارس الإنسان دينه دون إكراه أو كما يعبرون هم - علموهم حرية الضمير - ونشط ما يسمى - بالتبشير - واتخذت هذه الحركة هدفاً واحداً وضعته نصب أعينها منذ تلك الحقب إلى اليوم وهو تدمير هذه الحضارة الإسلامية والقضاء على الإسلام واستئصال شأفة المسلمين.. بالمسائل المشروعة وغير المشروعة، والأساليب الممكنة والوحشية على قدم سواء.. ٢- رأت الكنيسة الصليبية بعد تجارب مريرة في العالم الإسلامي أن أخطر وأنجع الوسائل التي يمكن أن تستخدمها هو - التعليم - فاستغلته إلى أبعد الحدود وفتحت المدارس والكليات الصليبية ليس في أوروبا فحسب بل في قلب العالم الإسلامي منتهزة فرصة وقوعه تحت السيطرة الاستعمارية الأوروبية وكان من تلك الكليات - الكلية الإنجليزية - في بيروت التي غير اسمها فيما بعد بالجامعة الأمريكية ومثلها الجامعة الأمريكية في القاهرة وكلية أخرى في إسلامبول بتركية وبدأت الكنيسة حملات ثقافية وتعليمية لتشويه الإسلام في نفوس أبنائه ولكن بشكل سافر وأسلوب بذيء فيه الكثير من التحدي والاستفزاز والاستهانة بمشاعر المسلمين وعقلياتهم.. يقول - بنروز - رئيس الكلية الإنجيلية في بيروت في منتصف القرن العشرين النصراني: "لقد برهن التعليم أنه أثمن الوسائل التي استطاع المبشرون أن يلجئوا إليها في سعيهم لتنصير سورية ولبنان"ا-هـ[١٢] . وقد كانت آمال الكنيسة الصليبية عريضة حينذاك فقد كان كهنتها ينتظرون أن يقع المسلمون في شباكهم بسهولة وينقلبوا نصارى في فترة وجيزة ويكفروا بدينهم وقرآنهم ونبيهم صلى الله عليه سلم.

стр. 4033

حتى إن أحد زعمائهم كان يقول في مطلع هذا القرن وبكل استفزاز وغرور: متى توارى القرآن ومدينة مكة عن بلاد العرب يمكننا أن نرى حينئذ العربي يتدرج في سبيل الحضارة التي لم يتعده إلا محمد وكتابه. ا-هـ. نشرت ذلك مجلة (العالم الإسلامي) الصليبية الفرنسية [١٣] . ولكن الكنيسة الصليبية تلاشت آمالها أمام صخرة من الصمود الإسلامي من الشعوب الإسلامية فقد كانت تلك الحملات الاستفزازية سبباً لنفور المسلم في كل قطر ويقظته لما يدبر له من مكائد الكنيسة فلم تثمر جهودها الواسعة شيئاً وكان عدد المنتصرين لايكاد يذكر حتى القليل المتنصرون كانوا يتظاهرون بذلك لأسباب مختلفة ليس منها الانخداع بأباطيل الكنيسة وخرافاتها.. وفوجئ رجال الكنيسة أن الإسلام رغم كل ما بذلوه لمحاربته يزحف بشكل رائع وبأبسط الوسائل. ومن بحوثهم يظهر أنهم يعتبرون أخطر وسائل انتشار الإسلام هو -السلوك الإسلامي - الذي كان يظهر به المسلمون الذين كانوا يجوبون أقطار إفريقيا أو جنوب شرق آسيا من التجار وغيرهم فقد كانت أخلاقهم ومعاملاتهم وحدها كفيلة بنشر هذا الدين العظيم.. فقدرت الكنيسة حينئذ قوة هذا الدين وتماسكه ومدى تأثيره في النفوس وأنه حضارة متكاملة الجوانب شديدة البنيان لم تستطع معاولهم التأثير عليها، جاء في مقدمة كتاب بعنوان - العالم الإسلامي - نشره القسيس صموئيل زويمر وكان رئيس الإرسالية الصليبية في البحرين في مطلع هذا القرن ونشرت بعض فصوله مجلة العالم الإسلامي الصليبية جاءت فيه هذه العبارة: "إن الكنيسة المسيحية ارتكبت خطأً كبيراً بتركها المسلمين وشأنهم إذ ظهر لها أن أهمية الإسلام تأتي في الدرجة الثانية بالنسبة لثمانمائة مليون وثني رأت أن تشتغل بهم رأت هذا وهي لم تعرف عظمة الإسلام وحقيقة قوته وسرعة نموه إلا منذ ثلاثين سنة فقط" ( [١٤] ) .

стр. 4034

٢- لما تنبهت الكنيسة الصليبية لهذه الحقيقة وزالت عن أعينها غشاوة الغرور بدأت تغير أسلوبها وتتبع أسلوبا آخر فيه الكثير من الخبث والفعالية.. ودفعها إلى ذلك أيضا ما رأت من وثبة العالم الإسلامي فجأة على مستعمريه الأوروبيين وبداية عهد الاستقلال والنهضة.. فعقدت ثلاثة مؤتمرات صليبية هامة أولها في القاهرة سنة ١٩٠٦م وثانيها في أدنبرة سنة ١٩١٠ وثالثها في لكنو بالهند سنة ١٩١١م وكان من أهم نتائج هذه المؤتمرات الذي نفذ مباشرة العناية بتوسيع دائرة دراسات رجال الكنيسة للإسلام واللغة العربية وتعميقها وذلك بإنشاء مدارس خاصة بتعليم رجالها العاملين في البلاد الإسلامية تعلم فيها اللغة العربية والعلوم الإسلامية وتاريخ الأوضاع الإسلامية والأمور الاجتماعية التي اقتبسها هؤلاء من بلاد الإسلام وتنشأ مكتبة ضخمة في كل مدرسة تحوي أمهات الكتب العربية وغير العربية المتعلقة بالإسلام..

стр. 4035

وفي بريطانيا بالذات وبعد هذه المؤتمرات بخمس سنين أنشئ معهد الدراسات الشرقية في جامعة لندن بعد أن شكلت لجنة بأمر من الحكومة البريطانية لدراسة حاجة بريطانيا لهذا النوع من الدراسات كما أشار إلى ذلك المستشرق داود كاون.. وربما قيل وما علاقة هذا بذاك فإن الحكومة البريطانية أو جامعة لندن أو غيرهما من الحكومات والجامعات الأوروبية ليس من الضروري أن تكون متضامنة مع الكنيسة في خططها لأنها جهات علمانية، ولكن الحقائق تقول إن الكنيسة عمدت إلى إظهار هذه الجامعات وخاصة مراكز الدراسات الشرقية فيها بمظهر علماني كخطة معينة، وإن التنسيق قائم بين الحكومات الاستعمارية والكنيسة الصليبية بل وكانت الشركات الكبرى الصناعية تشارك أحيانا كثيرة في تلك الجهود لأن مصالح الجميع التقت حول العالم الإسلامي، ولم يكن اسم - التبشير - الذي أطلقه رجال الكنيسة الصليبية على نشاطاتهم الهدامة إلا من قبيل التمويه والخداع وإلا فإنهم لم يكونوا مخلصين للإنسانية في يوم من الأيام وخاصة الشعوب الإسلامية وقد كانوا دائما في كل قطر إسلامي يحلون فيه طلائع جيوش الاستعمار وجواسيسه وعملاءه، وكان معظم المستشرقين موظفين في السلك السياسي للدول الاستعمارية أو في مخابراتها.. وقد اعتنت بهم تلك الحكومات وأمدتهم بالإمكانيات وقدمت لهم الحماية الكاملة لما رأت من فعالية جهودهم ونشاطهم حيث اطلعوا على أسرار العالم الإسلامي وعلومه ولغاته.. في مقالة للقسيس صموئيل زويمر نشرتها مجلة العالم الإسلامي الصليبية جاء ما يأتي: "اتفقت آراء سفراء الدول الكبرى في عاصمة السلطنة العثمانية على أن معاهد التعليم الثانوية التي أنشأها الأوروبيون كان لها تأثير على حل المسألة الشرقية يرجح على العمل المشترك الذي قامت به دول أوروبا كلها " [١٥] ا-هـ.

стр. 4036

ومن العجيب أنه في نفس الوقت الذي عقدت فيه مؤتمرات رجال الكنيسة الصليبية والتي قرروا فيها أهمية توسيع دائرة الدراسات الإسلامية والعربية لاستخدامها في تحقيق مآربهم عقد مؤتمر اقتصادي استعماري في برلين بألمانيا كان من أهم قراراته ما ذكره رئيس غرفة التجارة في هامبورغ وهو قوله: "إن نمو ثروة الاستعمار متوقف على أهمية الرجال الذين يذهبون إلى المستعمرات وأهم وسيلة للحصول على هذه الأمنية إدخال الدين المسيحي في البلاد المستعمرة لأن هذا هو الشرط الجوهري للحصول على الأمنية المنشودة حتى من الوجهة الاقتصادية. ومن أسرار التاريخ المفجعة أن نعلم أن الكنيسة الصليبية تعاونت مع الصهيونية وحكومة بريطانيا على سلب فلسطين من المسلمين وتقديمها هدية رخيصة لليهود وأن روتشيلد الثري الصهيوني كان يساعد الجميع [١٦] . ولا آتي بسر خفي إذا قلت أيضا أن معظم مراكز الدراسات الإسلامية والعربية في بريطانيا أسست بعد مؤتمري أدنبره ولكنو الصليبيين وبعد اللجنة التي أمرت الحكومة البريطانية بتكوينها لما أحست بأن مصالحها الاستعمارية في العالم الإسلامي تحتم استخدام هذه الدراسات كوسيلة فعالة.. وهذا شيء لا ندعيه نحن بل يصرحون به أنفسهم وهم لا يخفون أيضاً أن عدداً من تلك الكراسي كان يؤدي عمله بتمويل من بعض الشركات الصناعية أو أصحاب المصالح من المتمولين، يقول المستشرق -جون بيرتون - رئيس قسم الدراسات العربية بجامعة أندروز في مقالة نشرتها مجلة الإذاعة البريطانية [١٧] : "لم تتأسس دائرة الدراسات العربية بوصفها الحاضر في جامعة سانت أندروز إلا في سنة ١٩٦٨م وقد حصل ذلك إلى حد ما نتيجة لتقرير رفع إلى الحكومة (؟) يحث الجامعات على الاعتراف بخطورة دراسة حياة الشعوب العربية الحديثة ولقد أصبح استقلال العرب ومطامحهم القوية منذ الحرب عاملاً خطيراً متنامياً في السياسة العالمية".ا-هـ.

стр. 4037

وعن كرسي الدراسات الإسلامية في جامعة كمبردح يذكر المستشرق روبرت سارجنت أن أول كرسي أنشئ في الجامعة سنة ١٦٣٢م حينما تعهد توماس آدامز رئيس بلدية لندن وكان تاجراً معروفاً بإخلاصه للملكية تعهد بتمويل الكرسي، وقد كلف الأستاذ فيما كلف به أن يعمل على تقدم التجارة مع الشعوب الشرقية؟؟ [١٨] . ويذكر بعد ذلك أن مركز الشرق الأوسط للدراسات العربية أنشئ سنت ١٩٦٠م بتمويل وعناية بعض شركات النفط؟؟. لا شك أننا بمثل هذه المعلومات الخطيرة نكوّن فكرة واضحة عن الدوافع الحقيقية والنوايا الخفية وراء عناية الأوروبيين بالدراسات الإسلامية. ولا يخدعنا بعد ذلك أن تلبس مراكز هذه الدراسات لبوس العلم البريء من كل هدف إلا اطلاع الشعوب الأوروبية على حضارة إخوانهم الشعوب الإسلامية التي ذاقت الويلات من إخوانهم في الإنسانية المستعمرين الأوروبيين الصليبيين.. أهداف الاستشراق والمستشرقين: هناك شيء هام تمزقت أمام صلابته جهود الصليبيين وهو تمسك المسلمين بإسلامهم واعتزازهم به واستعلاؤهم بإيمانهم على ملل الكفر.. ويسمى المستشرقون استعلاء المسلم وعزته هذه ب (التعصب الإسلامي) ولقد أزعجهم كثيرا واعترفوا بمدى قوته وخطورته في عبارات تنضح بالمرارة والحقد، يقول القسيس رايد في معرض كلامه عن جهودهم في المغرب المسلم: "إن ذلك الحاجز الذي يدعى عادة بالتعصب وهو ذلك الجدار الشاهق من الاعتزاز بالذات ومن الكره قد بناه الإسلام حول أتباعه ليحميهم في داخله وليترك المبشر خارجه إنه جدار طالما أثبت مع الأسف أن تسلقه أو اختراقه مستحيل, إن رجالا من المبشرين عملوا سنين متوالية وفي مدينة واحدة ثم لم يستطيعوا أن يكتسبوا صديقاً أن صديقين. ا -هـ[١٩] .

стр. 4038

ولقد كانت الكنيسة الصليبية وكل كافر ظالم محارب للإسلام تمتلئ قلوبهم رعباً وضيقاً بهذا الاستعلاء الإسلامي والعزة الإيمانية الذي ربما تمثل أحياناً في أوجه بوثبات المجاهدين الذين يعرف الصليبيون طعم سيوفهم ولذلك يهتف المستشرق الصليبي - رشتر - وهو يتحدث عن دعوة المهدي في السودان وجهاده قائلا: "هذا التعصب الإسلامي الضيق الأفق بكل ما فيه من بغض للثقافة " [٢٠] . ا -هـ. ولا شك أنه يعني هنا بالثقافة تلك السموم الفكرية التي يحملها هو وأمثاله من عملاء الكنيسة إلى شعوبنا لتحطيم كيانها ودينها وحضارتها.. ولقد أزعج الصليبيون كثيرا أن يروا مراكز العلم الراسخة الجذور في البلاد الإسلامية تؤدي مهمتها بتعليم المسلمين علوم الإسلام والعربية وتؤثر بفعالية في حياة المسلمين الفكرية.. فكان الأزهر مثلًا في مصر هدفاً لنشاطات الصليبيين فعملوا بكل طاقاتهم على إيجاد جامعات منافسة له وعلى هدمه هو نفسه ومسخه من داخله.. كما يتبين في تقريراتهم التي نشروها.. والتي يصف مضمونها أستاذ المجاهدين محمد قطب بارك الله في عمره بقوله:"إما أن يكون الأزهرله شبيه.. وإلا فليكن هو شبيهاً بالآخرين" [٢١] . وقد أيقن رجال الكنيسة الصليبية والمستعمرون الأوروبيون أن بقاء القرآن مصدر قوة وتوجيه للمسلمين فيه الحكم الصارم بفشل جميع جهودهم ونشاطاتهم التخريبية وبنهاية جميع مطامحهم وأطماعهم الاستعمارية. لذلك توجه عزم الجميع إلى هدف واحد هو: هزيمة المسلمين هزيمة روحية وفكرية وذلك بالقضاء على روح الاستعلاء الإيماني والاعتزاز بالإسلام في نفس المسلم وإذابة شخصيته الإسلامية عن طريق غسل دماغه شيئاً فشيئاً بأسلوب ماكر يعتمد على إخفاء النوايا الحقيقية والظهور بمظهر برئ لطيف وعدم الاحتكاك مباشرة المسلمين أو استفزاز عواطفهم..

стр. 4039

ويعتمد أسلوبهم الجديد على سياسة النفس الطويل الذي يقولون عنه: إنه أسلوب بطئ المفعول لكنه مضمون النتيجة.. وقد اشتركت مع الكنيسة الصليبية في هذا الهدف جهات مختلفة معادية للإسلام كالصهيونية والشيوعية.. ولقد عملت الكنيسة الصليبية مع العلمانيين والصهيونيين عملوا جميعاً بدقة في سبيل تحقيق ذلك الهدف الذي ذكرناه فمهدوا أولاً له بإنشاء المدارس والكليات العلمانية في طول العالم الإسلامي وعرضه، وأفسدوا مناهج في بقية مدارس العالم الإسلامي بل أشرفوا هم بأنفسهم على التخطيط لها ووضعها موضع التنفيذ. ثم التفتوا إلى طبقة المفكرين والمثقفين بدراسات المستشرقين.. أسلوب جديد في محاربة الإسلام: في أوائل هذا القرن عند بداية توسع الدراسات الإسلامية لدى مراكز المستشرقين كان الأسلوب المتبع في دراساتهم: أولا: أن تتجنب إثارة المناقشات حول النصرانية أو المقارنة بينها وبين الإسلام حتى لا ينكشف غرضهم الحقيقي أمام القارئ المسلم، فقد اكتشف رجال الكنيسة الصليبية كما سبق أن دعوة المسلمين إلى النصرانية أمر لا جدوى من ورائه وأسلوب عقيم فرأوا أنه من الأجدى والأكثر فعالية أن يركزوا على زرع بذور الشك في أهم دعامات الحضارة الإسلامية والدين الإسلامي. وثانيا: أن تظهر دراساتهم بشكل يعطي انطباعاً لدى القارئ عن تعمق أصحابها وعنايتهم بالمنهجية في البحث والأمانة العلمية وخاصة عندما يوجهون هجومهم على نقاط حساسة أو خفية محفوفة بالشبهات والأباطيل حيث يجدون مرتعا خصبا.. كان من رواد هذا الأسلوب في محاربة الإسلام المستشرق المجري -جولد زيهر - الذي بدأ كتابه - مذاهب التفسير الإسلامي - بالتشكيك في أعظم دعامة للإسلام وهي كتاب الله - القرآن - فقال:

стр. 4040

"لا يوجد كتاب تشريعي اعترفت به طائفة دينية اعترافاً عقدياً على أنه نص منزل أو موحىً به يقدم نصه في أقدم عصور تداوله مثل هذه الصورة من الإضطرابات وعدم الثبات كما نجد في القرآن" [٢٢] . ا -هـ. كما أننا نجد رواداً آخرين لهذه الفترة من تاريخ الدراسات الإستشراقية يحاولون في دراساتهم لسيرة النبي ﷺ تشويه بعض جوانب حياته الشريفة كزواجه من أمهات المؤمنين ورحلاته قبل البعثة إلى الشام مع عمه أبي طالب.. ثم نجدهم يحاولون تحطيم الدعائم الرئيسية للسنة النبوية عند دراستهم لها وذلك بالطعن ولو من طرف غير مباشر في رجالاتها العظام من الصحابة والتابعين.. ولنضرب شيئاً من الأمثلة وهي كثيرة لمن يريد الاستقصاء.. لقد ذكر محاضرنا - دود كاون - (مارغوليوث) مثنياً عليه معتبراً إياه من كبار المستشرقين الذين قاموا بخدمات جلى في مجال الدراسات الإسلامية.. يقوم هذا المستشرق -مارغوليوث - في مقدمة كتبها لترجمة رودل للقرآن الكريم: "إن السر الذي يكمن وراء قوة القرآن يعود إلى الفكر الذي أنشأه.. إن مصدر القرآن الكريم إنما هو مأخوذ من الروايات المسيحية واليهودية عدا بعض الأساطير العربية الأصلية" [٢٣] . اهـ. ويقول أيضا في كتاب - موسوعة التاريخ العالم -: "إن محمدا رجل مجهول النسب لأنه محمد بن عبد الله وقد كان العرب يطلقون على من لا يعرفون نسبه اسم عبد الله [٢٤] .اهـ. وأما النماذج لمحاولة هدم دعامات السنة النبوية فتجدها وافرة في دراسات - جولد زيهر - خاصة في كتابه - العقيدة والشريعة في الإسلام- فقد وجه عنايته للطعن في أبي هريرة ﵁ وابن شهاب الزهري.. وهما من نعلم من عظم مقامهما في رواية السنة ونقلها للأمة فإذا انهدمت الثقة بهما فقد نجح المستشرقون في هدم جانب كبير جداً من صرح السنة النبوية التي هي المصدر الثاني للتشريع الإسلامي؟؟

стр. 4041

ولو كان المقام يتسع لذكر أمثلة من طعنه في هاتين الشخصيتين لذكرتها لكن الكتاب مطبوع ومترجم ومعتنى به من قبل دكتورين مسلمين والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه.. ولكن نذكر مثالاً واحداً لنتبين إما مدى سخف عقلية هؤلاء المستشرقين التي لا ندري أهي ذرية أم - كلية - أو مدى استخفافهم بعقليات المسلمين وذكائهم ويقظتهم وفهمهم لدينهم وتاريخهم: يقول جولد زهير محاولا إثبات أن الزهري ﵀ كان يضع الحديث؟ بناء على طلب الخلفاء الأمويين وقد ذكر ذلك في كتابه - دراسات إسلامية - كما ينقل عنه بعض تلاميذه.. يقول: "إن الحكومة في الدول الأموية كانت إذا أرادت أن تعمم رأياً وتسكت العلماء الأتقياء الذين كانوا يميلون إلى أعداء البيت الأموي من العلويين كانت تتذرع بالأحاديث التي توافق وجهتها فتضع الحديث أو تدعو إلى وضعه".ا-هـ. ثم ذكر بعض أدلته التي بنى عليها حكمه هذا الخطير العجيب وكان من أعجبها ما يأتي: يقول: "وقد استغل الأمويون أمثال الإمام الزهري بدهائهم في سبيل وضع الحديث وذلك يظهر لنا من بعض الأخبار التي نجدها محفوظة عند الخطيب البغدادي ويمكن استخدامها هنا فقد حدثنا معمر عن الزهري بكلمة مهمة وهي قوله: أكرهنا هؤلاء الأمراء على أن نكتب أحاديث. فهذا الخبر يفهم منه استعداد الزهري لأن يكسو رغبات الحكومة باسمه المعترف به عند الأمة الإسلامية [٢٥] .ا-هـ. قلت: وفي هذا المقال يتجلى لك مدى الخبث والدهاء الذي يتمتع به أمثال هذا المستشرق فهو يصيب بمثل هذه الشبهة عدة أهداف في آن واحد: يطعن في عدالة إمام الرواة والحفاظ ابن شهاب الزهري ليهدم أكبر جانب من السنة ويطعن في الدولة الأموية التي كانت من أعظم الدعائم لدولة الإسلام بعد الراشدين وفي عهده وصلت رايات المجاهدين أقصى الحدود.. ووطئت سنابك خيلهم أراضي الروم والفرس بل أعماق تلك الأراضي..

стр. 4042

ويطعن في عقلية الأمة الإسلامية وهي أزهى عصورها الذهبية حيث يصورها بصورة الأمة المتخلفة علمياً وذهنياً حيث تسيرها أهواء الأمويين والعلماء الأتقياء؟؟ حيثما شاءت فتنقاد الأمة أجمعها وراء الأباطيل المختلفة بسهولة ويسر.. دون أن يوجد فيها من يتولى فضح تلك الأباطيل ويبين زيفها.. في وقت كان فيه الصحابة متوفرين في الحجاز والشام والعراق.. الحق يقال إن المستشرقين في هذه الجولة خاضوا تجربة فشلت نوعاً ما إذ لم يقدروا مدى يقظة علماء المسلمين على الأقل فضلاً عن طبقة المثقفين، فإن ألاعيبهم هذه إن كانت قد انطلت على جهال المثقفين فإن كثيرا منهم تنبهوا لزيفها وسخافتها، ومع أنه تولى عدد من العلماء الراسخين مهمة التصدي لهذه الألاعيب وتجريدها من ثوبها الزائف الذي ظهرت به - ثوب المنهجية العلمية - فلم تغن هذه الحملة ولا هذا الأسلوب الغناء المطلوب لدى المستشرقين.. فمثلا ممن تولى تجريد كتابات - جولد زيهر - عن السنة من ثوبها الزائف وبيان مقدار هزلها وسخا فتها العالم المجاهد الشيخ مصطفى السباعي ﵀ فكان مما فند به التهمة التي ذكرناها عن الزهري: أن - جولد زيهر - أولا: حرّف الرواية إذ أصل رواية الكلمة التي نقلها كما جاء عن ابن عساكر وابن سعد: أن الزهري يمتنع عن كتابة الأحاديث للناس فلما طلب منه هشام وأصر عليه أن يملي على ولده ليمتحن حفظه فأملى عليه أربعمائة حديث ثم خرج من عند هشام وقال بأعلى صوته: أيها الناس إنا كنا منعناكم أمراً قد بذلناه الآن لهؤلاء وإن هؤلاء الأمراء أكرهونا على كتابة الأحاديث فتعالوا حتى أحدثكم بها فحدثهم بالأربعمائة حديث. ورواه الخطيب بلفظ:"كنا نكره كتاب العلم - أي كتابته - حتى أكرهنا عليه هؤلاء الأمراء فرأينا ألا نمنعه أحدا من المسلمين" [٢٦] ا-هـ.

стр. 4043

فذهب ذلك المستشرق يلفق لرأيه الخطير السخيف ما يناسبه من الروايات والعبارات المحرفة.. فلجأ إلى تحريف يسير قد يفطن له القارئ وهو حذف - أل - من كلمة - الأحاديث - فتغير المعنى بتمامه.. وهذا يذكرنا بقرار (الأمم المتحدة) الذي تفضلوا به على المسلمين فجعلوه ينص على وجوب انسحاب اليهود من الأراضي المحتلة.. فترجمها المندوب البريطاني: من أراض محتلة!! من أساليب المستشرقين الفكرية: كل من تتبع دراساتهم يروعه أنهم يركزون بشكل غريب على نقاط رئيسية يعملون من أجل هدمها بكل دقة ودأب: ١- فهم يكررون دائما أن القرآن من تأليف محمد كأنها مسألة أصبحت مسلمة لدى الباحثين، بل يكررون دائما أن القرآن مجموع من مصادر مسيحية ويهودية.. وعربية جاهلية، وبالجملة فهم يجمعون على إنكار مسألة الوحي، وفي أحسن عباراتهم وأكثرها لطفاً وخبثاً يصورون رسول الله ﷺ بصورة العبقري المصلح الذي استطاع بعبقريته وذكائه تأليف هذا القرآن وتربية أولئك العرب الصحراويين.. ولكن مع ذلك تزل من أفواه كثير منهم عبارات يتجلى فيها حقدهم على الرسالة المحمدية أو جهلهم بحقيقتها: فهذا - غوستاف لوبون - الذي يقول عنه المغفلون إنه من المستشرقين المنصفين المتعمقين في دراستهم العربية والإسلامية يقول في كتابه (حضارة العرب) [٢٧] في معرض ثنائه على ما قام به رسول الله ﷺ : "وقيل إن محمداً كان مصاباً بالصرع ولم أجد في تواريخ العرب ما يبيح القطع في هذا الرأي وكل ما في الأمر هو ما رواه معاصرو محمد وعائشة منهم من أنه كان إذا نزل الوحي عليه اعتراه احتقان وجهي فغطيط فغشيان، وإذا عدوت هوس محمد ككل مفتون وجدته حصيفاً سليم الفكر، ويجب عد محمد من فصيلة المتهوسين من الناحية العلمية كما هو واضح؟؟ "ا-هـ.

стр. 4044

- هكذا - يصور مثل هذا المستشرق قضية الوحي بصورة الهوس والصرع الذي يعتري المتهوس السليم الفكر أحياناً، فما الفرق بين هذا الادعاء وقول مشركي قريش من العرب الجاهلين ﴿إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ إلا أن يصاغ هذا الادعاء اليوم على لسان المستشرقين بصيغة تظهره بمظهر علمي منمق حتى ليخيل للقارئ ضعيف العلم والبصيرة أنها حقائق علمية تاريخية محايدة.. حاشا إمامنا رسول الله ﷺ عما يقولون.. وقد تصدى من فطاحل علماء المسلمين من ألقم هؤلاء المتفيهقين من النصارى حجراً في مسألة الوحي فساقوا من البراهين على إثباتها ما لا يدع مجالاً للشك منهم الشيخ محمد رشيد رضا والدكتور دراز في كتابيهما - الوحي المحمدي - و - النبأ العظيم - تغمدهما الله برحمته الواسعة وجزاهما عن الإسلام خيرا.. ٢- ووجهت دراسات استشراقية كثيرة لهدم بنيان الشريعة الإسلامية التي تشكل أعظم صرح تشريعي متماسك يمكن أن يوجد بين البشر، عرفوا هذه الحقيقة فوجهوا عنايتهم لطمس معالمها، فشنوا حملة شعواء على العقوبات والحدود الإسلامية: من قصاص، وقطع، ورجم وشنعوا عليها ووصفوها بالهمجية والوحشية، وقد علموا مدى مكانتها وعظم وظيفتها في المحافظة على مجتمع إسلامي متماسك سليم من الآفات والأمراض.. وانطلت افتراءاتهم على كثير من ضعاف الإيمان والبصيرة فتنازلوا عن هذه الشريعة.. وقد ذكرنا جانباً من محاولاتهم لهدم المصدرين الرئيسيين للشريعة الإسلامية كتاب الله - القرآن - والسنة النبوية.. وذلك بالتشكيك في نص القرآن الكريم، والطعن في رجالات السنة النبوية ورواتها من الصحابة والتابعين.. ٣- ولأجل تدمير المجتمع الإسلامي وطمس معالمه ركزوا على حياة المرأة المسلمة وقد علموا أنها ركيزته الداخلية الأساسية، فصوروا حياتها في ظل الإسلام بصورة الكبت والظلم والانحطاط..

стр. 4045

واعتنوا كثيرا بتشويه الحجاب، فاغتر كثير من مرضى النفوس وضعاف البصيرة بهذه الحملات الشرسة، فنشطوا لجر المرأة المسلمة إلى ميادين الفوضى والانحلال فهدموا بذلك بناء المجتمع الإسلامي أو تسببوا في زعزعته مع أن النبي ﷺ الرءوف الرحيم بأمته حذرها من مغبة هذه المكيدة بالذات في كثير من الأحاديث الصحيحة.. ٤- ومن أعظم دعائم الإسلام - الجهاد - بل هو ذروة سنام الإسلام وقد أقض هذا الركن الإسلامي العظيم مضجع العالم الطاغي الكافر في كل أقطار الأرض، وهز الأرض تحت أقدام الكنيسة الصليبية في الغرب وانتزع منها عاصمتها الأولى القسطنطينية التي سماها المسلمون الفاتحون- اسلامبول -. فليس غريباً أن يستميت المستشرقون في سبيل القضاء على هذا المبدأ العظيم وبكثير من الدقة والدهاء، وقد اتبعوا في ذلك ثلاثة طرق: أولا: إثارة شبهة أن الإسلام انتشر بالسيف فيصيبوا بها هدفين: التشكيك في قوة العقيدة الإسلامية من الناحية البرهانية وملاءمتها للفطرة السليمة، ودفع مفكري المسلمين إلى التخلي عن مبدأ الجهاد تحت تأثير تلك الشبهة أو في سبيل دحضها، أو على الأقل التراجع إلى فكرة أن الجهاد للدفاع عن النفس فقط.. ثانيا: تشويه تاريخ وحقيقة الفتوحات الإسلامية بالادعاء بأن الدوافع لها كانت اقتصادية أو توسيعية استعمارية.. ثالثا: العناية كثيرا بإظهار جانب التسامح الذي يدعو إليه دين الإسلام، على أن يصوروا هذا التسامح بصورة تؤدي إلى فتح أجوائنا على مصاريعها أمام النصارى واليهود ومفاسدهم ودسائسهم فيجولون في مجتمعاتنا كما يشاءون، ويعبثون بحياتنا كما يريدون فإن أوصدنا أبوابنا في وجوههم ومنعنا قاذوراتهم من التسرب إلينا رمونا بالتعصب والجمود والوحشية والتخلف ... الخ. ومن أكثر المستشرقين دهاء في التركيز على قضية التسامح - توماس آرنولد - في كتابه (الدعوة إلى الإسلام) .

стр. 4046

٥- والعربية وعاء القرآن ولغة مقدسة تربط بين المسلمين برباط ثقافي متين، فاهتموا بهدمها ولجأوا في سبيل ذلك إلى وسيلتين: الأولى: إحياء اللهجات العامية والدعوة إلى استبدال الحروف العربية بالحروف اللاتينية، ونشر تعليم اللغات الأوروبية وخاصة الإنكليزية والفرنسية بشتى الوسائل، وهذه النقطة لا تحتاج إلى شرح فالواقع أوضح ترجمة لها!! الأخرى: التشكيك في الشعر الجاهلي وما روى من الأدب العربي وفي ذلك اشتهر الرأي الخطير الذي يعرف بقضية انتحال الشعر الجاهلي وقد أظهره لأول مرة المستشرق - إن جي داود - ثم تبنى إشاعة هذه السخافة في البلاد العربية المريد المخلص للمستشرقين طه حسين.. ٦- الوحدة الإسلامية التي يجتمع في إطارها المسلمون من مختلف الأجناس والألوان حيث تتجسد فيهم الأخوة الإسلامية، بناءً قوياً متماسكاً، هذا المبدأ الإسلامي أرعب المستشرقين كثيرا وخاصة عندما يتمثل في قمة ازدهاره في إطاره السياسي العظيم - الخلافة الإسلامية - التي ما فتئ اليهود والنصارى يجتهدون متكاتفين حتى أسقطوا آخر لبنة من لبناتها في الآستانة.. - اسلامبول - ليقيموا على أنقاضها دولة علمانية.. لا يزال المستشرقون يعملون دائبين على طمس معالم هذه الوحدة الإسلامية وذلك بعدة وسائل من أبرزها وأخطرها: بعث المدنيات الجاهلية في كل قطر مسلم: كالفارسية، والهندية، والطورانية، والفرعونية، والفينيقية، والآشورية، والجاهلية العربية..الخ.. بالدراسات التاريخية والجغرافية، وبالعناية باستخراج الأثار والتنقيب عنها. وهذه الجهود ستؤدي حتماً إلى بعث القوميات الإقليمية الضيقة فتصبح الأمة الإسلامية الواحدة التي ذابت في بوتقتها القوميات والنعرات: تصبح أمماً متفرقة متناحرة.. والواقع أكبر دليل: كل شعب قام يبني نهضة وأرى بنيانكم منقسماً في قديم الدهر كنتم أمة لهف نفسي كيف صرتم أمما؟!!..

стр. 4047

هذه أبرز أساليب المستشرقين الفكرية في سبيل القضاء على كيان المسلمين والتي تبناها منهجهم الجديد الذي لا يزال ساري المفعول إلى اليوم في جميع مراكز الدراسات الاستشراقية في أوروبا وأمريكا وفي البلاد الإسلامية.. ومن يظن أن هذه المراكز قد تخلت عن هذا المنهج وتلك الأهداف فإنه يغمض عينيه وينكر الشمس، أو يدس رأسه في الرمال.. قال الله تعالى في القرآن الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ. وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ . سورة آل عمران ١٠٠-١٠١. من القرآن الكريم قال تعالى: ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْراً لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِين الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ -------------------------------------------------------------------------------- [١] أثر العرب في الحضارة الأوروبية للعقاد ص١١٥-١١٩ (ط دار المعارف بمصر ١٩٦٣) . [٢] أثر العرب في الحضارة الأوروبية للعقاد ص١١٥-١١٦. [٣] المصدر السابق ص١١٦. [[٤ المستشرقون لنجيب العقيقى ١/١٣٤. [٥] السنة لمصطفى السباعي (ط الدار القومية بمصر ص٣٠) [٦] ط الرابعة ١٣٨٤ ص٥٧٧.

стр. 4048

[٧] حضارة العرب لغوستاف لوبون ص٥٧٩. [٨] السنة ومكانتها في التشريع للسباعي ص٢٢. [٩] المغازي ومؤلفوها ترجمة حسين نصار (ط- الحلبي بمصر ص٧-٨) . [١٠] ميزان الاعتدال (ط الحلبي بمصر ٣: ١٢٣) . [١١] من محاضرة ألقاها المستشرق المذكور في جامعة الملك عبد العزيز بجدة والجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة. [١ ٢] التبشير والاستعمار ص ٤٥ (ط الثالثة ١٣٨٤هـ) . [١٣] الغارة على العالم الإسلامي (ط السلفية ١٣٥٠هـ) . [١٤] الغارة على العالم الإسلامي (ط السلفية ١٣٥٠هـ) . [١٥] الغارة على العالم الإسلامي ص٧٢. [١٦] التبشير والاستعمار ص١٨٢. [١٧] مجلة هنا لندن العدد ٣٠١ نوفمبر ١٩٧٣م. [١٨] المصدر السابق العدد ٢٩٨ أغسطس ١٩٧٣م. [١٩] التبشير والاستعمار ص٤٧. [٢٠] نفس المصدر. [٢١] هل نحن مسلمون ص١٥٩. [٢٢] مذاهب التفسير الإسلامي ترجمة الدكتور عبد الحليم النجار (ط السنة المحمدية ١٣٧٤هـ) ص٤. [٢٣] الاستشراق لعبد القهار العانى (ط ببغداد ١٩٧٣م) . [٢٤] هل نحن مسلمون لمحمد قطب ص١٧٣. [٢٥] السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي لمصطفى السباعي ص٣٢٧. [٢٦] ارجع إلى كتاب السنة لمصطفى السباعي من ص ٢٩٦ إلى ص ٢٤٠ من ط الدار القومية بمصر. [٢٧] ط الحلبي بمصر ١٣٨٤ هـ ص١١٤ .

стр. 4049

من الصحف والمجلات إعداد العلاقات العامة بالجامعة كتبت جريدة (ندائي ملت) الأسبوعية: إذا استعرضنا خلفية دعوة التضامن الإسلامي نجد أن الفضل يرجع إلى السيد جمال الدين الأفغاني وشاعر الإسلام محمد إقبال. إنهما قضايا معظم عمرهما في حلم التضامن الإسلامي من طنجة إلى جاكرتا. ولكن حقق الله هذه الأمنية الطيبة بيد جلالة الملك فيصل الذي هو خادم الحرمين ورائد التضامن الإسلامي حقا وكتبت هذه الجريدة "إن المسلمين ما كانوا يتصورون مثل هذا التضامن الإسلامي قبل سنوات عديدة، وكان يعد كل هذه الجهود بهذا الصدد من الرجعية ولكن جلالة الملك فيصل بجهوده المتواصلة ودبلوماسيته الهادئة الصامتة.. وباستراتيجيته المؤثرة. استطاع استقطاب العالم الإسلامي فكريا. سياسيا. وقوة حيوية. وجمع كلمة المسلمين تحت لواء واحد فقد بطلت مزاعم القوى الذرية وتحدياتها أمام التضامن الإسلامي". عن صحيفة الرائد - صفر ٩٤هـ يقول الدكتور دون لويس روخاس بايسترو أستاذ كرسي علم النفس في الجامعات الإسبانية: "إن الإنسان الآن لا يفكر في مصيره إلا بعد أن يبلغ الخامسة والأربعين.. عندما يسأل نفسه: من أنا؟.. ولِمَ أتيت؟.. ولِمَ أموت؟." ثم قال موجها كلامه إلى العرب- ويريد بهم المسلمين-: "احذروا يا عرب.. يا مسلمين أن تخلطوا تصوراتكم بتصورات الأوروبية.. أنتم أهل حضارة عريقة. وهي وإن كانت لم تصل من الناحية المادية إلى مستوى حضارة البلدان الغربية، إلا أن لها مقومات لا تملكها حضارة بلداننا الأوروبية.. ولذلك فإنني أشعر بالقرب منكم.

стр. 4050

غرور الأستاذ أحمد عبد الحميد عباس ١_ يا أيها المغرور حسبك لا تكن. في الأرض مختالا تدك حصاها. ٢_وسر الهوينا في حياتك واتئد. واحذر أخا الزلات من عقباها. ٣_ فغداً وما هو بالبعيد ترى الذي. يمشي على الدنيا يريد علاها. ٤_ أضحى ذليلاً تائهاً متحسراً. ويصيح يا ويلاه ذقت لظاها. ٥_ يرجو معاداً كي يباشر صالحاً. لكنه خابت مناه وتاها .... ٦_ ولسوف يحصد ما مضى من زرعه. كل امرئ يوما سيلقى الله. ٧_ فاحرص على الطاعات إنك راحل. واعجل إلى الخيرات تؤت جناها. الحجاج وهند أمر الحجاج ابن القريه أن يأتي هند بنت أسماء فيطلقها بكلمتين ويمتعها بعشرة آلاف درهم فأتاها فقال لها: إن الحجاج يقول لك: كنت فبنت وهذه عشرة آلاف متعة لك. فقالت قل له: كنا فما حمدنا. وبنّا فما ندمنا وهذه العشرة الآلاف لك ببشارتك إياي بطلاقي.

стр. 4051

التطعيم وأهميته ومواعيده بقلم الدكتور خالد زربا الأخصائي في أمراض الطفل - مونبليه - فرنسا أخي المسلم: كلنا نعرف أن العقل السليم في الجسم السليم.. والكل يعرف قصة الأعرابي الذي قدم إلى رسول الله ﷺ يسأله عن التوكل وكيفيته وضرب مثلًا بالناقة، وقول رسول الله ﷺ له: "اعقلها وتوكل..". من هنا نفهم ونقدر أنه يجب علينا مراعاة أمور إذا نظرنا إليها بمنظار قريب رأيناها بمنتهى السهولة واليسر، أما إذا نظرنا إليها بمنظار بعيد فسنشاهد الكثير من الآلام والمآسي والعاهات المستديمة.. هذه الأمور الخاصة بهذا الحديث هي أمور سهلة التطبيق.. عظيمة النتائج.. ويكفينا أخذ عبرة من آلام وعقد التشوه النفسية عند أولئك الذين أصيبوا بمرض الشلل وهم في سن الطفولة.. عدا الأمراض الأخرى التي لا تتيح للمصاب بها حياة أكثر من فترة المرض حيث يسلم روحه خلالها أو في نهايتها كما في مرض الكزاز والخناق.. وغيرهما.. والسؤال هنا: كيف نقي أطفالنا شر هذه الكوارث، التي تأخذ في معظم الأحيان شكلا وبائيا - جماعيا -؟ والجواب - بمنتهى السهولة -: لنعمل على القيام بإجراءات التطعيم في أوانها، وكل مركز صحي يستطيع القيام بهذه المهمة البسيطة.. إذ يكفي التوجه بالطفل إلى هذا المركز، خلال فترات محدودة ولوقت قصير جدا، كي نجنب أنفسنا وأطفالنا متاهات من الآلام والعذاب النفسي والقصور، عدا الخسائر المادية الجسيمة والمستمرة كما في مرض الشلل مثلا، إذا كتب الله لضحاياها الحياة بعد ذلك ... إن التطعيم - التلقيح - ضد الأمراض السارية يتم في مواعيد ثابتة من حياة الطفل. يجب مراعاتها وإعطاء جرعاتها في الوقت المحدد.. وهذه التطعيمات هي للأمراض التالية: السل، الخناق، الكزاز، السعال الديكي، الجدري، وشلل الأطفال [١] .

стр. 4052

أما مواعيد القيام بإجرائها فهي كما يلي: نوع الطعم سن الطفل بي.سي. جي (ضد السل) الأيام الأولى بعد الولادة (١) ضد الخناق، ضد الكزاز وضد السعال الديكي (أي ما يسمى بالطعم الثلاثي) الشهر الثالث (٢) ضد الجدري الشهر السادس (٣) ضد شلل الأطفال الشهر السابع (٤) يعمل الـ بي. سي. جي إذا لم يكن قد عمل للطفل عند بداية حياته الشهر العاشر - الثاني عشر (٥) يعاد عمل التطعيم الثلاثي الشهر الخامس عشر- الثامن عشر (١) يعاد التطعيم ضد شلل الأطفال الشهر الثامن عشر - والعامين (٢) يعمل الـ بي. سي. جي إذا لم يكن قد عمل من قبل سنتين (١) الـ بي.سي. جي. تعمل لكل طفل إذا كانت التجربة الجلدية لمعرفة مقاومة الجسم ضد السل سالبة وكذلك في هذه الفترة يعاد التطعيم الثلاثي. ٦ سنوات (٢) يعاد التطعيم ضد الجدري ١٠ سنوات (٣) يعاد التطعيم الثلاثي ١١ سنة (٤) يعاد التطعيم ضد الكزاز والشلل - الطعم الثنائي- ١٦ سنة (٥) يعاد الـ بي. سي. جي إذا كانت التجربة الجلدية سالبة. بين ٦ - و٢٠ سنة (٦) يعاد التطعيم ضد الجدري ٢٠ سنة (٧) وبعد أن نُعِد أنفسنا للقيام بهذه الميسورة في كل مكان، نستطيع الانتقال إلى زاوية أخرى للحديث في كل من هذه الأمراض بشكل مفصل.. وبعد الانتهاء من سردها والتلميح إلى بعض عواقبها.. سنعود مرة أخرى إلى هذا البحث لنجد قيمته القيمة.. وحينئذ لن يغيب عن مخيلتنا قول رسولنا الكريم ﷺ : "اعقلها وتوكل". -------------------------------------------------------------------------------- [١] يوجد أنواع أخرى من التطعيمات لكنها غير إجبارية كالكوليرا والحصبة.

стр. 4053

دعوة التضامن الإسلامي وأثرها في العالم بقلم عبد القادر بن حبيب الله السندي: خريج كلية الشريعة بالجامعة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فلقد شاهدت عند الملتزم في موسم حج هذا العام ١٣٩٣ ضيفاً كريماً من ضيوف الرحمن وهو يرفع يديه بالضراعة إلى الله- وعيناه تذرفان من شدة الفرح، وقد ظهر لي من منظره ذلك أن له أملاً كبيراً وقد تحقق وجاء هنا لكي يطلب الزيادة من مولاه جل وعلا، ولقد شاهدته مراراً، وتكراراً في هذا المكان المقدس خصوصاً في أواخر الليل. ولقد علمت من خلال دعائه الطويل العريض بذلة وخشوع وخضوع ومحبة لمولاه جل وعلا أنه يحمل في قلبه الفياض الكبير محبة كبيرة، ومشاعر رقيقة، وعواطف نبيلة، وأماني سعيدة نحو جلالة عاهل المملكة العربية السعودية أمير المؤمنين الإمام فيصل بن عبد العزيز آل سعود العظيم حفظه الله تعالى وتولاه، ورعاه، هذا الإنسان الكريم الذي سيسجل له التاريخ الإسلامي العظيم صفحة مباركة خالدة لعمل خالد مبارك عظيم قام به وتهيأ له بكل إمكانياته، واستعداداته المادية والمعنوية. نعم بقي الرجل أياماً وليالي باكياً أحياناً، وخاضعاً وخاشعاً في أحايين أخرى وهو يردد في دعائه (اللهم سدد فيصلاً، ووفقه واجمع به كلمة المسلمين على الحق والهدى والمحبة لكي يعم به الخير، والبركة في ربوع العالم كله) ولم يكن نداؤك هذا الذي نادى إليك خليلك وصفيك إبراهيم ﵊ بأمر منك في قولك (وقولك حق، وصدق، وعدل) ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيق ِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَات﴾ [١] .

стр. 4054

ولقد وجدته إنسانا كريماً وداعية مخلصاً يحمل فكرة سامية لها معانيها الأصيلة وآثارها الطيبة، وأبعادها العظيمة، فصليت بجانبه لكي أتعرف عليه قبل أن يغادر الأرض المقدسة. وكنت أسارقه النظر وقتاً فوقتاً لمحبتي له وبعد انتهاء الفريضة مد يمينه لمصافحتي، فصافحته شاكراً له هذه المبادرة الطيبة، ومرحباً به. وأثناء هذه المصافحة بادلني عبارات الحب والوئام فشكرته أجزل الشكر فرأيته وعيناه تسكب الدموع والعبرات، وهو يحاول أن يخفي عني ما في نفسه من آمال كبيرة، وأحلام سعيدة، ولم يكن بكاؤه ذلك إلا كبكاء الصديق رضي الله تعالى عنه عندما جاءه الرسول الأعظم ﷺ في الظهيرة وقت هجرته ﷺ من مكة إلى المدينة، ذلك البكاء الذي تقول عنه الصديقة بنت الصديق ﵄ في حديث طويل لها أخرجه محمد بن إسحاق في السيرة. قالت:"كان لا يخطئ رسول الله ﷺ أن يأتي بيت أبي بكر أحد طرفي النهار، إما بكرة، وإما عشية حتى إذا كان يوم الذي أذن فيه رسول الله ﷺ في الهجرة، والخروج من مكة من بين ظهراني قومه، أتانا رسول الله عليه وسلم بالهاجرة في ساعة كان لا يأتيها، ثم قالت رضي الله تعالى عنها: فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله، قال: الصحبة، قالت: فوالله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحداً يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذٍ ثم ذكرت الحديث بطوله" [٢] قلت: هذا هو الشاهد من إيراد هذه القصة المباركة.

стр. 4055

بأن بكاء هذا الرجل كان كبكاء الصديق ﵁ في فرحه واستبشاره. فلم يكن منه حفظه الله تعالى إلا أن أخذني إلى جانب من جوانب الحرم المكي الفسيحة وهناك جلس معي بجلسته المتواضعة، وكأن هذا الموضع هو الذي خصصه لنفسه، لأنه كان يرمي طرفه كله إلى البيت العتيق لكي يتحنث فيه - وهو التعبد الليالي ذوات العدد [٣] فبدأ بحديثه الممتع بعد كلام قصير عرّفني فيه نفسه فقال: يا بنيّ: منذ أن شددت الإزار، وأنا في أقصى الأرض أشاهد العالم الإسلامي، وحالة المسلمين الاجتماعية، والثقافية، والسياسية، وغير ذلك من الأمور العظيمة التي دعا إليها الإسلام، فلا أجد لها أثراً كبيراً بارزاً على هذا العالم فضلاً عن العالم الإسلامي إلا في بعض الأجزاء، في عصور مختلفة. أقرأ القرآن الكريم والسنة الصحيحة النبوية، والتاريخ الإسلامي الصحيح، فأجد فيها نوراً مبيناً، وبرهاناً واضحاً ونظاماً عالمياً، وسياسة حكيمة، وعقيدة صافية نقية، وأخوة كريمة، ودعوة سامية، وعلماً نافعاً ينفع في الدين والدنيا، ثم أتعمق في صفحات التاريخ الإسلامي مرة ثانية فأجد فيه تطبيقاً كاملاً، وموافقة تامة لما في هذين المصدرين العظيمين في تلك العصور الذهبية التي توالت، وتتابعت على الإنسانية، فكانت هذه العصور غرة في جبين التاريخ الإسلامي الحافل لأن العلم الصحيح كان فيها بارزاً في حياة المسلمين. وكانت له سيادة، وقيادة، وإمامة، وما كان الشيء يتحرك سواء كان كبيراً، أو صغيراً إلا بأمره، وإشارته، فوجدت يا بنيّ مطابقة كاملة، وتطابقاً كلياً بين آيات القرآن الحكيم والسنة النبوية المطهرة الصحيحة، والتاريخ الإسلامي الصحيح.

стр. 4056

وجدت في التاريخ حوادث عجيبة في النظام، والأمن، والاستقرار، والهدوء والأخوة والمحبة لا نظير لها فيما شاهدت منذ أن تحسست هذا الشعور، وحملت هذه الفكرة، فكان هذا التناقض الخطير بين حياة المسلمين الحالية وبين ما في الكتاب العزيز والسنة النبوية، والتاريخ الإسلامي في تلك العصور المشار إليها أقلقني جدا، وحيرني، ولقد عرفت الأسباب الأساسية لهذا التناقض تماما، والتي تكلم عنها، وأشار إليها أدباء المسلمين في عصرنا، في كتبهم ومقالاتهم، ومؤتمراتهم، واجتماعاتهم وكلٌ حسب طاقته، واستعداده. ولكن لا جدوى لأن القوة الباغية كانت أقوى بكثير، لأنها تملك وسائل الدعاية الماكرة التي لا يخفى أمرها على العالم كله، فضلا عن المسلمين والتي كسرت شوكة العرب في معارك دامية بينهم وبين عدوهم، وشتتت شملهم، وفرقت قلوبهم وقتلت شبابهم وأرواحهم فأتت بفساد كبير في الأخلاق والآداب وغير ذلك في المجتمع الإنساني فضلا عن المجتمعات الإسلامي وغيرها، ولم يتنبه لها إلا قليل من النفر الصادقين المخلصين، وقد غزت ديار المسلمين بشكل فظيع، وفلّست البلاد والعباد، وأفسدت الشباب، وحطمت الاقتصاد وانتهكت الحرمات والمقدسات إلى غير ذلك من الأمور الهائلة. وقد بدأ الرجل بحديثه هذا عن الشيوعية والاشتراكية، والصهيونية فأتى بمعلومات خطيرة وأثبت أنها فكرة الأعداء السياسية، وسلاحها الوحيد ضد الأمة الإسلامية، وكان ظهورها بين صفوف المسلمين لعدم تطبيق النظام الإسلامي العظيم الخالد الذي - لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد - ذلك النظام العالمي الرفيع الذي إن طبقه المسلمون كما جاء عن الله تعالى على لسان رسوله ﷺ تضمحل تلك الدعوات الهدامة تلقائياً دون الحاجة إلى وسائل دعاية أخرى تقوم بضدها، ولكن يا بنيّ: قد عرف العرب تماما الآن - فيما أشعر - أنهم كانوا في غمرتهم، وسكرتهم فيما مضى من الوقت. ولقد تنبهوا الآن

стр. 4057

أن أمامهم قوة هائلة باغية تتفق مع ما بينها من الخلاف على أنها في ميدان واحد، ومعركة واحدة وهي المحاربة الشديدة التي لا هوادة فيها لرسالة الإسلام الخالدة ولقد امتلكت هذه القوة الباغية وسائل دعاية كبيرة جداً فوق ما يتصوره الإنسان. إلا أنني متفائل الآن بحول الله وقوته في أمر عظيم وهو أن الله تعالى وفّق هذا الرجل العظيم عاهل هذه البلاد المقدسة - فيصل بن عبد العزيز حفظه الله - فأنزله بتوفيقه إياه، وسداده له في هذا الميدان العظيم وهو لا يحمل في نفسه الكبير الفياض إلا حباً عظيماً للإنسانية كلها فضلا عن المسلمين.

стр. 4058

فإذا كان يا بنيّ: جاز لأعداء الإنسانية - ولا أقول أعداء الإسلام في كل مكان - أن يعملوا بكل طاقتهم وإمكانياتهم بالفساد، والإفساد والتخريب، والهدم ويتمثل هذا في الأسلحة الفتاكة التي صرف عليها من المبالغ الهائلة التي لا يمكن حصرها والتي تدمر الإنسانية وغيرها في لحظات قليلة - انظروا إلى أرض هيروشيما اليابانية التي كانت قبل الدمار تأتي بالخيرات العظيمة من الحرث والنسل انظروا إليها الآن ماذا حصل لها من الدمار والخراب ولا تأتي بشيء إلا أنها تلعن بلسان حالها من عاملها هذه المعاملة السيئة القبيحة، وإلى مثل هؤلاء يشير القرآن الكريم: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [٤] فإذا كان جاز لهؤلاء أن يعملوا هذا، وذاك - وحالة شعوبهم معروفة لدى العالم كله من النواحي الاجتماعية، والأخلاقية، والثقافية، وغيرها من النواحي الحساسة في الحياة الإنسانية كلها وكلها فساد، ودمار، وخراب - فكيف لا يجور للمسلمين أن يوحدوا صفوفهم وكلمتهم على الحق، والهدى ويتضامنوا على نصر الحق، والعدالة وغير ذلك من المعاني السامية العظيمة التي يكمن وراءها كل خير، وتقدم، وازدهار لجميع شعوب الأرض، ويمثلهم في هذا العمل المبارك هذا المؤمن بربه جل وعلا المخلص لوحدة المسلمين وتوحيد كلمتهم على الرشاد والهداية والإيمان والمساواة والأخوة الصادقة، والداعي لتضامن المسلمين لكي يرجعوا إلى دينهم الذي ارتضى لهم ربهم جل وعلا، ذلك الدين الخالص الذي أكرم الله به العالم كله، والذي أتى بنظام عادل موافق للطبيعة البشرية جمعاء، لماذا لا ينشط لهذه الدعوة الكريمة ويتشجع لها، وقد فتح الله له هذه الأموال المدفونة في هذه الأرض المقدسة، فعمر بلاده وأمته في ضوء ما تعلم، وأخذ عن هذه الرسالة الخالدة، فالإيمان الكامل برب هذا الكون هو الذي جعل الرجل المثالي يقف هذا

стр. 4059

الموقف العظيم الشامخ أمام من يقف في طريقه، ومنهجه، وسبيله، ولقد عرفت يا بنيّ أنه لا ينام الآن إلا قليلاً لأنه يحمل فكراً كبيرًا، ومخططاً سامياً، ومنهجاً عظيماً لكي ترجع هذه الأمة المجيدة - الأمة الإسلامية - إلى مجدها السالف، وثقافتها العالمية، وعقيدتها الراسخة، وقوتها البارعة، وعلمها المتين، وأخلاقها الفاضلة، وآدابها المرضية، وكرامتها المفقودة لكي يقف مرة ثانية موقفاً مباركاً من هذا العالم فتسير سيراً حثيثاً مباركاً نحو المجد الحقيقي الذي أشار إليه القرآن الكريم في سوره وآياته غير مرة.

стр. 4060

﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [٥] فالمسلم الآن قريب منه في كل مكان ويدعو له دائماً وأبداً، وكيف لا يدعو له ويتضرع إلى مولاه، وهو صامد في وقفته الرائعة لكي يكمل هذا البناء الراسخ بعلمه الغزير وخلقه النبيل، وأدبه الرفيع وأصالته النسبية، فرأيت الرجل منساقا في هذا الحديث وهو يبكي بكاء فرحٍ واستبشار، ويطيل نظرته إلى البيت العتيق، ويرفع يديه المرة تلو المرة ويقول: اللهم أوجد للمسلمين كياناً مستقلاً من هذا العالم الذي يسير في ركاب الجاهلية الجهلاء، والضلالة العمياء إلا ما شاء الله ذلك الكيان المبارك الذي ستتبعه الدنيا كلها، وتتأثر منه تأثراً عميقاً، فترجع إلى الحق والهدى، وهذا الكيان المنشود قد بدأت بوادره، وظهرت في الأفق معالمه، فمؤتمر لاهور الإسلامي العظيم الذي حضر فيه غالب رؤساء وملوك الأمم الإسلامية، والذي ظهر فيه المسلم الأسود، والأبيض، والعربي والعجمي والأفغاني، والفارسي، والتركي وغيره على مائدة واحدة بعد مضي قرون على تفرقهم بهذا المستوى الأعلى، فكان الفضل الأول بعد الله يرجع إلى هذا المخلص الأمين البار، فكان هذا المؤتمر وقبله مؤتمر الدار البيضاء الإسلامي مظهراً مباركاً تجلت فيه الأخوة الإسلامية فوق جميع الاعتبارات وإلى هذا العمل المبارك يشير القرآن الكريم ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [٦] ، ولقد كنت أستمع إلى الإذاعات العالمية حينئذ فكأنها أصابتها دهشة كبيرة وهزة قوية لما لهذا

стр. 4061

المؤتمر العظيم من النتائج الخطيرة بالنسبة لهؤلاء الأعداء في المستقبل القريب العاجل إن شاء الله تعالى، فكفى المسلمين هذا الاجتماع المثالي فضلا أن تكون هناك مجالس عامة وخاصة بين أقطاب المسلمين فكروا فيها لأعمال جليلة مباركة تعود على الأمة الإسلامية بالفوائد العظيمة، ولقد أحسست حينئذ بإحساس كبير، وشعور عظيم لمستقبل باهر تجتمع الأمة الإسلامية بكافة إمكانياتها، وطاقاتها لنشر الخير والعدالة، في ربوع العالم كله، ويخلص الله بها البشرية وغيرها من المصائب والحروب والفقر، والمرض، والجهل وغير ذلك من الأمراض الاجتماعية الفتاكة، وبينما الرجل منهمك في حديثه هذا ارتفع صوت حلو عذب من منائر الحرم المكي الشامخة - الله أكبر الله أكبر - فقطع الحديث، ووعد بالبقية في فرصة أخرى وودعني، وذهب لحاجته والوضوء، فأطلت إليه النظر حتى غاب عني، ولقد وجدته مخلصاً في حديثه ذلك العذب، ومتواضعاً في ملبسه الذي كان لا يساوي إلا عدة دراهم معدودة، وزودني بمعلومات قيمة نادرة، وحوادث عجيبة وقعت أمام نظره وبصره، ولقد أجاد وأفاد. -------------------------------------------------------------------------------- ( [١] ) الحج٢٧. ( [٢] ) سيرة ابن هشام ٤٨٤-٤٨٥/١، وحياة الصحابة للكاندهلوي ٣١٩-٣٢٠/١ كنز العمال٣٣٤/٨. ( [٣] ) كلمة مدرجة من تفسير الزهري للحديث الذي أخرجه البخاري في الجامع الصحيح انظر الفتح ٢٣/١. ( [٤] ) البقرة ٢٠٥. ( [٥] ) آل عمران (١١٠) . ( [٦] ) الأنفال ٦٢- ٦٣.

стр. 4062

ندوة الطلبة الشباب ودورهم الفعال في بناء الأمم عزيزو محمد مغربي الطالب بالسنة الثانية بالمعهد الثانوي بالجامعة الشباب زهرة الحياة وطور النضوج والإنتاج. وهو أعز ما يتمناه المرء إذا فقده. قال الشاعر يشكو المشيب للشباب: فأخبره بما فعل المشيب ألا ليت الشباب يعود يوماً ولكن هيهات هيهات! فينبغي للشاب أن يغتنم هذه الفرصة الثمينة من العمر لأن الحق جل وعلا سيسأله عن شبابه فيم أفناه، ليس بينه وبين الله ترجمان. إن الأمم التي بادت واندثرت في الدنيا، فلم يبق لها أثر، ما بادت واندثرت بمعنى انقطاع جنسها، بل إنها بادت بمعنى أن كيانها الذي يضمن لها البقاء مع الرفعة والعزة، انهار وزال من الوجود. وزيادة في الإيضاح أقول: إن الحضارة التي كان أهلها يرفعون لواءها امحت خصائصها وذهبت سماتها المميزة هباء منثورا. أما جيلها - الذي جاء بعدها - فهو لا يزال يتناسل ويتوالد إلا أن شخصيته ومدنيته امحت بسبب رئيسي وهو أن الأجيال التي توالت، فقدت الكفاية التي تستطيع بها نقل ما توارثته عن أسلافها إلى أخلاقها. فأهمية العنصر الإنساني توزن بما بثه من وعي وقيم مُثلى فيمن بعده من الأجيال المتعاقبة. قال الشاعر: فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت

стр. 4063

إن هذه الأرض التي نعيش عليها كان قد فتحها أسلافنا لتتمثل فيها الحضارة الإسلامية ويُطبق فيها نظام الحياة الذي كانوا يؤمنون بكماله، وإن استمرار الأجيال المسلمة كليا على سعي الجيل الحاضر لنقل الحضارة الإسلامية في منهجها الرباني الراشد إلى الجيل الناشئ. هذا المنهج الذي توارثناه عن أسلافنا الكرام ﵃ وتميزنا به عن أمم العالم أجمع. ولا تتحقق هذه الغاية إلا بطريقتين: الأولى: أن ينهض الطلبة أنفسهم لتحقيقها. والثانية: أن تضع الحكومة نظاما للتعليم والتربية يحقق هذه الغاية. وأعلل هذه الفكرة فأقول: إن الطلبة الذين يدرسون في المعاهد والجامعات يبلغون الرشد، ويتمتعون بالنضج الفكري والوعي، ويستطيعون أن يميزوا الخبيث من الطيب والشر من الخير. ومن ثمّ فإن كل الثقل في هذا الشأن لا يكون على عاتق الحكومة فقط بل يكون على عتق الطلبة أنفسهم كذلك. ويجب أن يكون الطلبة الشباب على شعور تام بأنهم مسلمون وأنهم مدعوّون لأن يعيشوا على هذه الأرض حياة إسلامية، ويُحتّم ذلك أن تلتهب في نفوسهم المؤمنة جذوة الشوق إلى معرفة ما هو المنهاج الذي يضمن لهم البقاء، وما هي الخصائص البارزة المميّزة للأمة الإسلامية، أي الخصائص التي إذا تخلّوا عنها وفقدوها، ينهار كيان شخصية الأمة الإسلامية وتصبح خاوية على عروشها. إن أصل الإسلام وأساس بنائه الإيمان بهذه الرسالة المحمدية العظمى التي تقوم على عقيدة التوحيد. هذه العقيدة الغالية التي تجرّد أعمال العبد المؤمن لله رب العالمين وتوجّه قلب المؤمن في قضاء حاجاته الدنيوية والأخروية إلى الواحد الأحد الفرد الصمد.

стр. 4064

ويجب على الجيل المسلم أن يكون على علم ويقين بهذه العقيدة. وأدنى شك يتسرب إلى قلبه فيها يستأصل المدنية الإسلامية من جذورها، فالضرورة إذاً تدعو إلى تركيز الجهود للمحافظة على هذه الحقيقة الأساسية. ويجب على الطلبة الذين يتمتعون بالشعور الإسلامي أن ينهضوا لمقاومة كل حركة أو دعوة تدعو إلى الخرافة والإلحاد والمادية، وتعمل جادة للتشكيك في العقيدة الإسلامية وتوهن الإيمان بها. فلا يسمحون لحركة - من شأنها القضاء على هذه العقيدة الطاهرة والكنز الثمين - أن ترفع رأسها وتزدهر وتشق طريقها إلى الأمام بينهم. وإن من يبُثُ الشبهات حولها وحول غيرها - من أركان الإسلام - لا يقترف جريمة الكفر فقط بل يرتكب الخيانة الكبرى في حق الإسلام، ويهدف إلى محوه. كما يجب على الشباب المسلم أن يتحلى بالأخلاق والقيم المُثلى ليكون قدوة لغيره وليطهروا الأذهان والقلوب من شر هذه الصيحات الهدامة، وبالتالي يضطرون ويُرغمون أهل الفساد أن يرحلوا خائبين من ديار الإسلام، لأن المكان لم يَعُد خصباً وصالحاً لنماء جراثيمهم فتطهر الأرض جميعها ويخلو الجو للشباب، فيمكنهم أن يشيدوا صرح الأمة الإسلامية ويرفعوا رأسها عاليا بين الأمم الأخرى، ويُؤثّروا فيها. بما يقدمونه لها من نور الهداية والسعادة المنشودة. هذه السعادة التي حسبها الكثير من الشباب في تقليد الغرب فأسبلوا الشعور، وتعاطوا المخدرات وشرب الخمور، وانغمسوا في ألوان الفجور. ونسوا بأن الله يعلم سرّهم غَرِق الشباب وقد أضاعوا عمرهم

стр. 4065

والحقيقة أن السعادة مفقودة في غير ظل الإسلام، وأخيراً أُهيب بالآباء والأمهات أن لا يألوا جهداً ولا يدخروا وسعاً في تربية أبنائهم، شباب اليوم ورجال المستقبل، الذين سيتولون مقاليد الحكم، على روح الإسلام. فإن أحسنوا توجيههم، أحسنوا بدورهم إلى أمتهم وإن أهملوهم حيارى - لا يهود ولا نصارى - كما هو الوضع الآن، فسوف يرون منهم العجب العجاب ويُنكرون فعالهم ويصعب عليهم تدارك الأمر. والرسول ﷺ كان يولي اهتمامه الشباب كثيراً. فنحن نلوم شبابنا إلى درجة أننا أصبحنا نبغضه ونتقزّز من رؤيته. والواقع أنه فَقَدَ الأيادي البيضاء الطاهرة الموجهة إلى الخير. والله أسأل أن يردنا إلى دينه ردّا جميلا. وصلى الله وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه.
следующие страницы →