Полный текст (23 804 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
وجوده ﷺ في العطاء لبعض الناس إنما هو لتأليفهم على الإسلام، فكثيرا ما كان يخص حديثي العهد بالإسلام بوافر العطاء دون من تمكن الإيمان في نفوسهم. ففي غزوة حنين أعطى أكابر قريش المئات من الإبل ومنهم صفوان بن أمية فقد روى مسلم في صحيحة أنه قال: "لقد أعطاني رسول الله ﷺ ما أعطاني، وإنه لأبغض الناس إليّ فما برح يعطيني حتى إنه من أحب الناس إلي", وروى أيضا عن أنس ﵁ قال: "ما سئل رسول الله ﷺ على الإسلام شيئا إلا أعطاه، ولقد جاءه رجل فأعطاه غنما بين جبلين فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلموا فإن محمدا يعطي عطاء من لا يخشى الفقر". وإن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا فما يلبث إلا يسيرا حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها، أعطى رسول الله ﷺ ذلك الرجل تلك الغنم الكثيرة التي لكثرتها ملأت ما بين جبلين وماذا كانت نتيجة هذا الإعطاء من رسول الله ﷺ ؟ لقد كانت حصول الغرض الذي من أجله أعطاه وهي أنه أصبح داعية لرسول الله ﷺ . لقد كان بدافع من نفسه رسولا لرسول الله إلى قومه يدعوهم إلى الإسلام ويبين لهم كرم رسول الله ﷺ وأنه يعطي عطاء من لا يخشى الفقر. وهكذا كان رسول الله ﷺ يبذل المال في سبيل نصرة الإسلام والدعوة إليه والترغيب فيه، ينفق مال الله الذي آتاه في سبيل الله حتى توفاه الله ودرعه مرهونة في دين عليه صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 37
الاختبار
عبد العزيز القاري
ليست هذه دعوة للقضاء على الاختبارات، ولا هي مطالبة بتخفيف العلم، ولكنها أحاسيس طالب نقلها بأمانة.
العين جاحظة والظهر منكوس
والرأس قد سئمت منه الكراريس
هذي الدفاتر والأسفار قد نثرت
فوق البساط وما تقوى لها العيس
فكيف أحملها أم كيف أحفظها
والذهن قد حشرت فيه القواميس
ماذا جنيت إذا ما زيد يضربه
عمرو و (أخفشهم) بالحكم مهووس
أصبحت قاضيهم إن حائض طلقت
أو بائع جأرت منه المفاليس
ماذا عليّ إذا ما دولة سقطت
أو دولة نشأت أو قال قسيس!
هذا مهم وهذا غير ذاك وذا
مالت إلى حفظة مني الأحاسيس
عل السؤال به يأتي إذا حشروا
كل الرفاق، وما في القصد تلبيس
فيا لها كتبا هزت مضاجعنا
فهل ترى فسدت منا المقاييس؟
حتى تروعنا من طول وطأتها
فنحن فيه غزاة أو محابيس؟
والاختبار بدأ في الأفق بارقة
فالقلب قد قرعت فيه النواقيس
يوم القيامة يا هذا الكسول أتى
هذا النعيم وهذا الروع ملموس
ذاك النفير ألم تسمع بضجته
وهذه غرف فيها المتاريس
قد هيئوا لك أمرا لو فطنت له
ما ابتاع عقلك طول العام إبليس
هذا المجد بدت في الأفق جنته
والنار قد سقطت فيها المناحيس
من هول محشرها ذابت مفاصلهم
فالغيظ منكتم والآه محبوس
فالله أسأله من عونه مددا
به يعود اختياري وهو مأنوس
стр. 38
البضاعة الفاسدة
للشيخ أبي بكر جابر الجزائري
المدرس في الجامعة
أداء لواجب نصيحة الأخوة المسلمين ألفت نظرهم إلى أن هناك بضاعة فاسدة قد حملت إلى الديار الإسلامية بواسطة الأحداث المفترين، ومع الأسف فقد خفي فساد هذه البضاعة المستوردة على كثير من أبناء الإسلام، وانطلى عليهم زيفها، فتورطوا فيها أكبر تورط ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وكعينات لهذه البضاعة الخبيثة أقدم ما يلي:
١- إرضاء الضمير والإخلاص للوطن.
٢- سكتة حداد على أرواح كذا..
٣- الرجعية والرجعيون.
وأوضح ذلك فأقول: إنك ترى الرجل إذا قام بعمل إصلاحي، أو أحسن خدمة ما، يقول فعلت كذا إرضاء لضميري، أو إخلاصا لوطني، ويعجب بذلك المغرورون من إخوان الإسلام، وما يدرون أن هذا التعبير دخيل على الإسلام وليس مما هو معروف لدى المسلمين بحال، بل هو يتنافى مع جوهر العقيدة الإسلامية التي هي الإخلاص لله في كل عمل صالح، وطلب مرضاة الله بكل خير يقدمه الإنسان.
فالمسلم إذا عمل صالحا، أو أتقن عملا، يقول فعلت كذا أو أتقنت عمل كذا ابتغاء وجه الله، وطلبا لمرضاته ، فلم يجعل من ضميره أو وطنه إلها يطلب مرضاته ويخلص العمل له. وإنما يفعل هذا إنسان لا يؤمن بالله ولا يرجو رحمته أو يخاف عذابه.
وبذلك عرفنا أن هذه العبارة بضاعة فاسدة مستوردة من البلاد التي لا يؤمن أهلها بالله ولا يرجون له وقارا.
فليحذر المسلم فإنها خبيثة منتنة، ومنها ما شاع بين الناس اليوم من قولهم عند المناسبات:
سكتة حداد على أرواح الشهداء. فهذه السكتة لم يعرفها الإسلام ولم يقرها نظامه بحال من الأحوال، لأنها تتنافى أيضا مع مبادئه وتعاليمه، فالمسلمون عند ما يذكرون شهداءهم وأمواتهم يصلون عليهم أو يسغفرون لهم ويترحمون عليهم. أما أن يسكتوا فقط فلا لا..
стр. 39
فهذه (السكتة الحداد) إذا بضاعة مستوردة من ديار لا يؤمن أهلها بأن للروح بعد الموت حياة أكمل من هذه الحياة قد تتنعم فيها أو تعذب بحسب كسبها في هذه الدار، فلذا هم لا يصلون ولا يستغفرون أو يترحمون، فليحذر هذا المسلمون، وليبعدوا هذه النفايات الشيوعية خارج ديارهم فإنها خطر على وجودهم الروحي وكرامتهم الإسلامية.
وأخيرا كلمة (الرجعية)
إن هذه الكلمة وإن كانت مستوردة بدون شك ومن البلاد الناقمة على الدين والمتدينين، فإن لها شبها لدى المسلمين وهو كلمة (السلفية) التي هي عبارة عن التمسك بما كان عليه سلف هذه الأمة من عقائد وآداب وأخلاق، ولذا فهي كلمة مدح لا ذم، والسلفي من الرجال مبجل مكرم عند المسلمين.
أما كلمة الرجعية الخبيثة فالأصل فيها أن الدول البلشفية لما ثارت على الكنيسة وقضت على الديانة المسيحية في بلادها، وانقلبت البلاد إلى شيوعية بحتة لا مجال فيها للدين أو التدين أصبح كل من يحن إلى عهد التدين الماضي ولو بعبادة أو ما دونها كإشارة يتهم بعدم الرضا عن العهد الشيوعي ويوصف بكلمة (رجعي) ليسهل عليهم الانتقام منه والضرب على يديه تحت ستار كلمة الرجعية المجملة المبهمة والتي يخفي معناها على سواد الناس، وتفسر عندهم بالفساد والجمود، في حين أن معناها ما ذكرنا: الالتفات إلى عهد الدين والتدين الماضي، فلهذا كان من الظلم والكفر أن يوصف بها المسلم، أو تقال بين المسلمين. لأن وصف المسلم بها ومعناها كما سبق: السخرية بالإسلام وإظهار النقمة عليه.
وخلاصة القول أن كلمة الرجعية كسابقتها من البضاعة المستوردة الخبيثة التي وصلت إلى الديار الإسلامية بواسطة ترجمة ونقل الأحداث المغرورين من أنباء الإسلام، فعلى المسلمين إذا أن ينتبهوا لمثل هذه البضاعة الرخيصة وأن يلفظوها بعيدا عنهم فإنها من نفايات الأفكار، من رجس الشيوعية والإلحاد، وقى الله المسلمين وديارهم كل سوء ومكروه آمين.
الإخلاص والرياء
стр. 40
لا تحتقر عملا قدمته بنية خالصة فالقليل مع الإخلاص كثير، والكثير مع الرياء قليل، والمحاسب الخبير لا تعجبه كثرة الدنانير، وإنما تعجبه جودتها..
((هكذا علمتني الحياة))
стр. 41
الثقافة الإسلامية
للشيخ أحمد حسن
المدرس في الجامعة
خصائصها، تاريخها، مستقبلها..
إنه عنوان كتاب جديد صدر أخيرا عن (دار الإرشاد) اللبنانية للدكتور عبد الكريم عثمان المدرس بجامعة الرياض، ولا بأس أخي القارئ من أن تضع يدك في يدي لنسير معا نرتاد آفاق هذا الكتاب، ونعيش مع مؤلفه لحظات هانئة، فلعلنا بذلك نعوض ما فاتنا من الاستماع إلى حديثه العذب، ونبراته القوية، ولفتاته البارعة، حيث تحدث في هذا الموضوع حديثا حيا على مدرج جامعة الرياض.
إن الحديث عن الثقافة الإسلامية حديث شيق وممتع وضروري، وذلك لما للثقافة من أثر كبير في حياتنا المعاصرة وخاصة بعد أن تعرضت ثقافتنا الإسلامية لأعنف هجوم فكري وغزو حضاري في تاريخها، ولقد صدر عدد من الكتب حول هذا الموضوع، فقد أصدر الأستاذ مالك بن نبي كتابا أسماه (مشكلة الثقافة) ، كما صدر كتاب آخر عن مؤسسة فرانكلين الأمريكية بعنوان (الثقافة الإسلامية والحياة المعاصرة) .
وهو يشتمل على عدة بحوث ألقيت في مؤتمر عقد بأمريكا في صيف سنة ١٩٥٣واشتركت في الدعوة إليه جامعة برنستون ومكتبة الكونغرس. وهذا الكتاب يمثل حلقة من حلقات الغزو الفكري للثقافة الإسلامية، وهو تخطيط غير مباشر للمنحنيات والدروب التي ينبغي أن يسير فيها البحث الإسلامي والثقافة الإسلامية، وهو باختصار الشرك الذي وضعته الولايات المتحدة للفكر الإسلامي المعاصر، وهي تريد من ذلك إسلاما أمريكيا يصنع على عينها. أما كتاب الأستاذ مالك فهو ليس مقصورا على الثقافة الإسلامية، وإنما هو يبحث عن الثقافة بشكل عام وتدخل فيه الثقافة الإسلامية كما تدخل غيرها, وهو يريد دائما - على طريقته في كل بحوثه - أن يصل إلى قوانين عامة، وخطوط عريضة، وهو حين يتحدث عن الثقافة الإسلامية إنما يتحدث عنها في إطار الثقافة العالمية، ولا شك أنه أول كتاب من نوعه في المكتبة العربية، وننصح المثقفين بالرجوع إليه، والإفادة منه.
стр. 42
أما كتاب الدكتور عبد الكريم عثمان (موضوع حديثنا) فهو أول كتاب من نوعه يتناول خصائص الثقافة الإسلامية، وتاريخها ومستقبلها، - وما أظن كتابا عالج هذه القضايا مجتمعة - ومن هنا تأتي أهمية الكتاب، فبالرغم من صغر حجمه، إلا أنه قد ألم بالخطوط الرئيسية لهذه القضايا الكبرى ووضعها في إطارها المناسب، وكنا نتمنى لو توسع الدكتور عبد الكريم في هذا البحث - الشاغر المكان في المكتبة الإسلامية - ولعل الله يهيئ له الوقت المناسب فيتحفنا بدراسة مستفيضة في الطبعة الثانية إن شاء الله.
يبدأ الدكتور عبد الكريم محاضرته بمقدمة يتحدث فيها عن أزمة العالم الإسلامي الناتجة من مواجهته للحضارة الغربية، وعن واجب المفكرين في هذه المرحلة التاريخية الحاسمة، "وإذا كانت المشكلة الرئيسية التي يعاني منها المسلمون تتمثل في أنهم لم يستطيعوا حتى الآن أن يضعوا أيديهم على أبعاد شخصيتهم وحقيقتها وأهدافها"فإن "واجب المفكر المسلم أن يحس هذه الأزمة ويحياها، فلا يصح أن تكون مساهمته في مجرد ذكرها والحديث عنها.. واهتمام المفكر في هذه الأزمة يجب أن يتوجه إلى المشاكل الأساسية في الكيان الفردي والاجتماعي مقدما الأهم على المهم, والمهم على الحقير التافه في السياسة والاقتصاد، في الاجتماع والثقافة. ولا شك في أن التعرف على الثقافة الإسلامية هو أول خطوة في طريقنا إلى تحديد أبعاد شخصية هذه الأمة، لوضع منهج للتفكير وخطة للعمل".
وبين يدي المحاضرة يقدم تعريفا لمصطلحات (الثقافة) و (الحضارة) و (المدنية) حيث يقصد (بالمدنية) الجانب المادي والمظهري من الحياة، ويقصد ب (الثقافة) ما يقابل المدينة من الناحية المعنوية في حياة الناس بما في ذلك ما يتصل بالروح والفكر والعقل والذوق والمشاعر وكل ما يتصل بتثقيف العقل والنفس. أما الحضارة بمفهومها الحديث فيعنى بها "الحصيلة الشاملة للمدنية والثقافة، وهي مجموع الحياة في صورها وأنماطها المادية والمعنوية".
стр. 43
أما خصائص الثقافة الإسلامية فهي: ربانية المصدر - عالمية الأفق والرسالة - شاملة - متوازنة - إيجابية فاعلة -.
فهي ربانية المصدر: (لأن تصورها مستمد من الله تلقاه الإنسان كاملا بخصائصه هذه ليتكيف به ويطبق مقتضياته في حياته..) وإذا كانت الثقافة المادية لا تهتم إلا بالأسباب القريبة، فإن الثقافة الإسلامية تهتم بغايات الأشياء وأصولها البعيدة، وهي تجمع بين الغايات والوسائل وبين العلم والإيمان، وكونها تستمد كيانها من مبادئ الدين، لا يعني تخليها عن العقل والعلم فاعتماد الثقافة الإسلامية عليهما واحتفاؤها بهما أمر لا يحتاج إلى بيان، فالدين أبدا ليس بديلا عن العلم والحضارة ولا عدوا لهما، وإنما هو إطار ومحور ومنهج لهما في حدود إطاره ومحوره الذي يحكم شؤون الحياة.
وهي: عالمية الأفق والرسالة، لأنها تنظر إلى الناس بمقياس واحد لا تفسده القومية أوالعنصرية، أو الجنس أو اللون، فالعقيدة هي الجنسية، والله وحده هو الغاية المثلى، والقيمة الخالدة، والهدف الأسمى الذي يمكن أن تلتقي في رحابه الإنسانية أفرادا وجماعات.. وكان من نتيجة هذه النزعة أن الثقافة الإسلامية استطاعت أن تنتظم عباقرة الأمم جميعا، فهي تستطيع أن تفاخر بالنوابغ الذين أقاموا صرحها من جميع الشعوب والأمم.
ومن خصائص الثقافة الإسلامية الشمول والتوازن: الشمول الذي ينظر فيه إلى كل جوانب هذه الأطوار جميعا، وهذا الشمول هو الذي هيأ لها صمودا كبيرا أمام التحديات الفكرية الأخرى، والخصيصة الأخيرة للثقافة الإسلامية، وهي الإيجابية والفاعلية في علاقة الإنسان بالكون وهي في صميمها قوة دافعة إلى النمو المطرد، وانطلاق إلى الحركة، وتحقيق الذات في أسلوب نظيف. إن العمل والإيجابية صورة أخلاقية في الثقافة الإسلامية.
стр. 44
وبعد أن ينتهي المحاضر من حديثه عن خصائص الثقافة الإسلامية ينتقل لبيان آثار هذه الثقافة التي قدمت للفكر الإنساني كل جديد في كل جانب من جوانب نشاطه، ففي مجال المثل والقيم، دعت الثقافة الإسلامية إلى مثل جديدة تعتمد على الإيمان والحق والعدالة.. وهي تنبثق من نظرة الإسلام إلى الإنسان وتكريمه، وخلافته على الأرض، كما قدمت نظرة شاملة متوازنة إلى الكون وسننه، وإلى الإنسان وعمله ومسؤوليته.
وفي مجال العلاقات الاجتماعية، قدمت الثقافة الإسلامية فلسفة جديدة للروابط بين الفرد والأسرة والمجتمع.. فلسفة تقوم على تكافل هذه الحلقات جميعا وتوجيهها للعمل من أجل صالح الإنسانية.
وفي مفهوم الدولة وعلاقة الشعب بالحكمة وعلاقة الدول مع غيرها كان الفكر الإسلامي سابقا إلى تحديد هدف بعيد للدولة الفاضلة التي تحكم أمر الله في كل شؤونها، وتحرر الفرد من كل عبودية لغير الله.
وكان من آثار الثقافة الإسلامية أنها أعطت العرب والمسلمين عموما شخصية فكرية متميزة لم تكن لهم من قبل، حيث كانوا يفتقدون أهم ما يكون الأمة ويكمل شخصيتها شعورها بذاتها ويمنحها الثقة بنفسها ألا وهو الرسالة والعقيدة والفكر الموحد.
وكان من آثار هذه الثقافة في مجال الفكر والتقدم العلمي: أن ساهم المسلمون خلال القسم الأول من القرون الوسطي بما لم يساهم به شعب من الشعوب، وظلت اللغة العربية لغة العلوم والآداب والتقدم الفكري لمدة قرون في جميع أنحاء العالم المتمدن آنذاك، ولا شك أن لمبادئ الإسلام في الإيجابية والعمل أثرها في اصطباغ هذه المعارف بالصبغة العملية، ونستطيع أن نتصور كم تكون عليه حال العلوم والمعارف من النماء لو أن المفكرين المسلمين حافظوا على أصالة التوجيه الإسلامي ولم ينحرفوا عن النهج الصحيح إلى الاستغراق في جدل ونقاش فلسفي ومذهبي كان من نتيجته ضياع الطاقات الذهنية في غير ما جدوى.
стр. 45
ثم ينتقل المحاضر إلى الحديث عن التحديات التي جابهتها الثقافة الإسلامية فيبين أن الثقافة الإسلامية تعرضت مع نهاية العصر الأموي إلى حملات من الزندقة والإلحاد والتشكيك بعقيدة التوحيد، وخاض الناس فيما أمتنع عنه الصحابة والمسلمون من قبل ونشأ علم الكلام ودخل فيه شؤون كثيرة غير ضرورية، وأصبح الجدل نفسه غاية وهدفا بعد أن كان وسيلة لبيان الحق والدفاع عنه، وكان لابد من عودة الفكر الإسلامي إلى صفائه ونقائه وتميزه وكان للائمة ابن حنبل وابن تيمية الأثر الكبير في إعادة الأمور إلى نصابها، فقد تحمل الأول عنت السلطة وجبروتها، بينما جعل الثاني الاحتجاج بالقرآن الكريم والحديث النبوي أساسا للوصول إلى نفس الهدف.
ومن التحديات التي جابهتها الثقافة الإسلامية الغزو الفكري اليوناني حيث أصبحت الفلسفة اليونانية بدعة المثقفين في العصر العباسي، وبرز عدد من الذين يمثلون هذه الفلسفة ويدعون إلى الاستعاضه بها عن الفكر الأصيل، كالفارابي وابن سينا وابن رشد وابن طفيل، وكان طبيعيا أن يقف رجال الثقافة الإسلامية الأصيلة أمام هذا الغزو الجديد لإعادة النقاء إلى الفكر الإسلامي. وكان لابن تيمية وأمثاله جهاد أفضل في الدفاع عن وجه الثقافة الإسلامية الأصيل..
وبعد هذا البيان ينتقل المحاضر إلى الحديث عن تحديات الثقافة الغربية وحضارتها، فيبين أن الغزو الغربي هو أعظم تحد عرفته الثقافة الإسلامية على وجه العموم وقد أتخذ هذا الغزو شكلين: الغزو المسلح، والغزو الفكري. وكان الخطر من الغزو الفكري كامنا أولا: في طبيعة الثقافة الغربية واختلافها في معظم مبادئها عن الثقافة الإسلامية، وأنها كانت نتيجة الصراع بين العلم ورجال الدين. وقد تبنت فصل الدين عن الدولة في الحياة الاجتماعية والسياسية وتغلغلت روح الإلحاد والتحلل عن قيود الدين في أسلوب المفكرين وفي علومها وآدابها وفلسفتها.
стр. 46
ويمكن الخطر ثانيا في تبني الحضارة الغربية للمؤسسات التعليمية والثقافية التي تبث ثقافتها وتعمل في الوقت نفسه على إظهار الإسلام بما ليس هو على الحقيقة وطمس معالمه الصحيحة. وقد عمد المستشرقون في دراساتهم إلى إضعاف مثل الإسلام وقيمة العليا من جانب، وإثبات تفوق المثل الغربية وعظمتها من جانب آخر، وعملوا على إحياء حضارات ما قبل الإسلام، الحضارة الفرعونية ولغتها في مصر، والحضارة الآشورية ولغتها في العراق، والبربرية في أفريقيا الشمالية، والفينيقية في سواحل فلسطين وسوريا ولبنان.
ومن الوسائل العملية التي اتبعها المستشرقون ومن تأثر بهم من المسلمين والعرب في هذا الخصوص، ومن الدعوات التي مارسوا النشاط لها وترويجها:
١- القول ببشرية القرآن الكريم، وأنه ليس أكثر من تعبير عن انطباع البيئة العربية في نفس الرسول.
٢- القرآن الكريم تعبير عن الحياة التي وجد الرسول فيها، وهو لا يصلح لزمن آخر. وقد تولى كبر هذه الدعوة في بلادنا طه حسين.
٣- لغة القرآن الفصحى لا تساير حاجات العصر فلا بد من العامية والحروف اللاتينية.
٤- الإسلام لم يطبق إلا فترة قصيرة لذا فهو لا يوافق التطور.
٥- التخلف عن تنفيذ تعاليم الإسلام أمر تميله الضرورة تحت ضغط الظروف.
٦- تطوير الإسلام ليتفق مع الحضارة الغربية.
٧- البحث عن مواضع الضعف وإبرازها لأجل غاية دينية أو سياسية.
٨- تجريد الفكر الإسلامي من كل أصالة.
وقد استطاع المستشرقون أن يحققوا كثيرا من الأهداف التي خططوا لها، وأثاروا في العالم الإسلامي شبهات حول الإسلام ونبي الإسلام والمصادر الإسلامية، وأحدثوا في نفوس بعض المسلمين يأسا من مستقبل الإسلام، ومقتا على حاضره، وسوء ظن بماضيه، ومما ساعد المستشرقين على الوصول إلى أهدافهم:
١- وجود عدد من المسلمين الذين تبنوا آراءهم ونفذوا خططهم.
٢- جمود التفكير الإسلامي.
٣- الضعف السياسي وفقدان الثقة.
٤- تحميل الإسلام مسؤولية التخلف.
стр. 47
٥- الأخذ بنظام التعليم الغربي الذي هو ظل لعقائد واضعيه ونفسيتهم وغاياتهم، مع أن الثقافة الإسلامية والمدنية الغربية يقومان على فكرتين في الحياة متناقضتين تماما ولا يمكن أن يتفقا.
وإذا كان هذا هو غزو الثقافة الغربية والذي ما يزال قائما، فما هو موقف المفكرين في البلاد الإسلامية من هذا الغزو؟ هذا ما يجيب عليه المحاضر بقوله: نستطيع أن نميز عدة اتجاهات:
١- أولها: يتخذ موقفا سلبيا من الحضارة الغربية ويرفضها شكلا وموضوعا.
٢- ثانيهما: يدعو إلى التغريب وأخذها بخيرها وشرها.
٣- ثالثها: يدعوا إلى التوفيق بينهما على حساب الإسلام والعمل على تطويره.
٤- رابعها: يدعو إلى الاحتفاظ بالإسلام حسب القرآن والسنة والأخذ من الحضارة الغربية بما لا يتعارض مع الإسلام.
أما الاتجاه الأول فلا يستحق الوقوف عنده لأنه سوء تفسير للدين الذي يحث على استعمال العقل، والتفكير في الكون، واقتباس الصالح النافع، وإعداد القوة.
أما الاتجاه الثاني فهو موقف المستسلم للحضارة الغربية، المقلد لها، وقد مثل هذا الاتجاه مصطفى كمال في تركيا، ووجه كفاحه إلى محاربة الإسلام وإقامة المجتمع التركي على العلمانية وقطع كل صلة له بالإسلام وبالعربية. وفي الهند تحمس لاتجاه التغريب أحمد خان والمدرسة الفكرية التي أسسها والتي تدعو إلى تقليد الحضارة الغربية وأسسها المادية واقتباس العلوم العصرية بحذافيرها وعلى علاتها، وتفسير الإسلام والقرآن تفسيرا مطابقا لما وصلت إليه المدنية الحديثة في آخر القرن التاسع عشر المسيحي.
стр. 48
أما في مصر فقد كان الاتجاه إلى التغريب قويا ومتحمسا، ويمثل هذا الاتجاه كتاب (مستقبل الثقافة في مصر) لطه حسين حيث يؤكد فيه أن صلة المصريين بأوروبا أكثر من صلتهم بالشرق، وأن الثقافة المصرية جزء من الثقافة الغربية الأوربية، وأن فترة الحكم الإسلامي كله لم تغير من الأمر شيئا. ونهضة مصر في نظرة امتداد لمصر الفرعونية "وأنا من أجل ذلك – يقول الدكتور طه – مؤمن بأن مصر الجديدة لن تبتكر ابتكارا، ولن تخترع اختراعا، ولن تقوم إلا على مصر القديمة لخالدة، ومن أجل هذا لا أحب أن نفكر في مستقبل الثقافة في مصر إلا على ضوء ما ضيها البعيد - الفرعوني - وحاضرها القريب" ثم يقول: "فأما الآن وقد عرفنا تاريخها، وأحسسنا أنفسنا، واستشعرتا القوة والكرامة، واستيقنا أن ليس بيننا وبين الأوربيين فرق في الجوهر، ولا في الطبع، ولا في المزاج، فإني لا أخاف على المصريين أن يفنوا في الأوربيين".
أما الاتجاه الثالث وهو اتجاه تطوير الإسلام والتوفيق بينه وبين الثقافة الغربية، فإنه يرى أن صالح الثقافة والمجتمعات الإسلامية في التطوير كيما يوافق الإسلام الأمر الواقع في الحياة العصرية.. وخطر هذا الاتجاه يأتي من وجهين: فهو إفساد للإسلام يشوش قيمة ومفاهيمة الأصلية بإدخال الزيف على الصحيح وإثبات الدخيل الغريب وتأكيده، أما الوجه الآخر فهو أن هذا التطوير سينتهي بالمسلمين إلى الفرقة التي لا اجتماع بعدها، لأن كل جماعة منهم سوف تذهب مذهبا يخالف غيرها من الجماعات ومع توالي الأيام نجد ثقافة إسلامية تركية وهندية وإيرانية وعربية.. وقد استدرج الشيخ محمد عبده لهذا الاتجاه، كما كان من دعاته فيما بعد قاسم أمين الذي تبنى العمل على تطوير وضع المرأة والعلاقات الاجتماعية عموما، وعلي عبد الرزاق وسعد زغلول اللذان تبنيا الدعوة إلى الوطنية والقومية والعناية بالتاريخ الفرعوني، والأخذ بالنظام السياسي الغربي على أساس أن الإسلام دين لا حكم.
стр. 49
أما الاتجاه الأخير الذي اتجه إليه المسلمون في تحدي الثقافة الغربية لهم فهو ذلك الذي يواجه الحضارة الغربية مواجهة الواثق بنفسه المتمكن مما عنده من إمكانات وطاقات، فهو يميز بين الثقافة كمذهب ورأي وروح تتميز به الأمة عن غيرها، وبين شؤون الحضارة والعمران والمدنية، ويدعو إلى إيجاد تيار قوي يواجه الحضارة الغربية بشجاعة وإيمان.. هذا الاتجاه يأخذ الإسلام عقيدة وعبادة ونظام حياة، في الوقت الذي يأخذ فيه من الغرب: الآلات والوسائل الفنية - إلى أمد - ويعامل الحضارة الغربية كمادة خام يستفاد منها للخير أو الشر.
وقد ظهر هذا الاتجاه في عدد من البلاد الإسلامية: ففي الهند ندوة العلماء التي أعلنت عن أهدافها بعبارات محددة "إحداث فكر جديد يجمع بين محاسن القديم والجديد، بين القديم الصالح والجديد النافع، بين التصلب في الأصول والغايات والمرونة في الفروع والآلات". وفي باكستان تحدد الجماعة الإسلامية أهدافها على النحو التالي: "عبادة الله وعدم الإشراك به - إخلاص الدين لله، وتزكية النفس من شوائب النفاق، والأعمال من التناقض - إحداث إصلاح عام في أصول الحكم الحاضر، وانتزاع الإمامة الفكرية من الطواغيت والكفرة والفجرة ليأخذها رجال لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا".
стр. 50
وفي السعودية فقد بدأت الحركة الإصلاحية الإسلامية بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وملخص ما دعا إليه ابن عبد الوهاب العودة إلى الدين الصحيح، ونبذ البدع والخرافات وكل ما هو دخيل على الإسلام والفكر الإسلامي، والاستقاء من معين الإسلام الصافي: القرآن، والسنة وعلم السلف الصالح. ومن الحركات التي نحت هذا المنحى في الدعوة إلى الاحتفاظ بالإسلام وثقافته وشخصيته الأمة الإسلامية مستقلة متميزة الحركة السنوسية في ليبيا، وجمعية العلماء الجزائريين في الجزائر وزعيمها عبد الحميد بن باديس ثم الشيخ الإبراهيمي من بعده، التي استطاعت عن طريق مدارسها المختلفة أن تحافظ على ثقافة الشعب الجزائري الأصيلة وارتباطه بالإسلام والعروبة.
أما في إندونيسيا فإن أبرز الجماعات الداعية إلى هذا الاتجاه جماعة دار الإسلام، وفي تركية نجد الحركة النورية التي أسسها الشيخ سعيد النورسي ﵀.
ومن هذه الحركات أيضا جماعة الإخوان المسلمين التي تشمل البلاد العربية بلا استثناء، والتي تعد أوسع حركة إسلامية شاملة عرفها المسلمون في العصر الحديث.
ولقد اشترك الكثيرون من المفكرين المسلمين من أصحاب هذا الاتجاه في نقد الثقافة الغربية، وإعادة الثقة بالثقافة الإسلامية ومنابعها الأصلية، وقد تركت مؤلفات حسن البنا، وسيد قطب، وأبو الأعلى المودودي، ومالك بن نبي، وعلي سامي النشار، والأمير شكيب أرسلان، وأبو الحسن الندوي، ومحمد البهي، والدكتور محمد محمد حسين، ومصطفى صادق الرافعي، ومحمد الخضر حسي، ن ومصطفى السباعي أثرا كبيرا، وأوجدت تيارا قوي الثقة بالنفس بعد أن وصل فقدان المسلمين الثقة بأنفسهم ومظاهر شخصيتهم حدا مخجلا جعل الدكتور طه حسين يعتذر عن بدء محاضرة له في اللغة والأدب بحمد الله والصلاة على نبيه قائلا: "سيضحك مني بعض الحاضرين إذا سمعني ابدأ المحاضرة بحمد الله والصلاة على نبيه لأن ذلك يخالف عادة العصر".
стр. 51
ثم ينتقل المحاضر للحديث عن مستقبل الثقافة الإسلامية ليقرر أن مستقبلها يتصل بأمور ثلاثة:
طبيعة الإسلام الذي يعطى هذه الثقافة طابعها المميز - طبيعة الثقافة ذاتها وقدرتها على البقاء والنمو - وجود الحاجة إليها أو فقدانها.
أما طبيعة الإسلام فنحن المسلمين نعتقد أن القرآن باق أبد الدهر، وإذن فالمعين دائم ثر لا ينضب، وقد أثبت الإسلام قدرته على البقاء في مختلف الظروف.
أما عن طبيعة الثقافة المنبثقة عنه، فقد علمنا أنها ثقافة شاملة متكاملة، وأقرب الثقافات إلى البقاء والصمود ما كان كذلك. أما عن الحاجة إلى هذه الثقافة فنحن نعتقد أنها متجددة على الدوام، وذلك في نطاق العرب والمسلمين والإنسانية جمعاء، فالعرب والمسلمون دون الإسلام مفرقون ضائعون فاقدون لكل مقومات الحياة، وهم بالإسلام أمة واحدة وكيان قوي واثق من نفسه شاعر بعظم الرسالة التي يحملها وأفضليتها، وقد يصبحون القوة الأولى في العالم إذا أدركوا قيمة رسالتهم. ولا تقل حاجة الإنسانية للإسلام عن حاجة العرب والمسلمين، لأن الحضارة الغربية تخلت عن المثل والقيم وأصبحت الآلة وسيلة إضرار وانقلب الإنسان إلى وحش كبير.
---
راجع كتاب دراسات إسلامية (إسلام أمريكاني) حصوننا مهدودة من داخلها، صفحة:١٥
стр. 52
الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة
تأسيسها: إن إنشاء الجامعة الإسلامية بمدينة الرسول ﷺ أمنية حققها الله تعالى على يد الحكومة السعودية السنية التي شرفها الله تعالى بخدمة الحرمين الشريفين وعلى رأسها جلالة الملك المعظم فيصل بن عبد العزيز حفظه الله ورعاه. وكانت أول خطوة اتخذت لإخراجها إلى حيز الوجود هي استقدام عدد من كبار العلماء المسلمين الأجلاء من أماكن مختلفة من العالم لاستشارتهم والاستنارة بآرائهم وخبراتهم في وضع النظام الأساسي والمنهج الدراسي للجامعة. وقد تم اللقاء بين أولئك العلماء وإخوانهم العلماء السعوديين تحت رئاسة سماحة مفتى الديار السعودية ورئيس الجامعة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ حفظه الله، ثم تم بعد ذلك اختيار موقعها في أحسن بقعة حول المدينة المنورة من حيث نقاء الهواء وطيب التربة، وهو في سلطانه قرب الصغرى في وادي العقيق. هذا وقد بدأت الدراسة في الجامعة في يوم الأحد الموافق ٢/٦/١٣٨١ هـ وكان عدد الطلبة في عامها الدراسي الأول ٢٥٦ طالبا..
стр. 53
المنح الدراسية: تقوم رئاسة الجامعة بتوزيع المنح التي تخصصها الدولة في كل عام دراسي على الأقطار الإسلامية على النحو الذي يقرره مجلس الجامعة في كل عام دراسي. ويوفر للطلبة كافة الوسائل التي بها يتمكنون من متابعة دراستهم بارتياح وطمأنينة، إذ تقوم الجامعة ببذل الأموال لستقدامهم من بلادهم على حسابها، كما تقوم بترحيل المتخرجين منهم إلى بلادهم، وتصرف لكل منهم مكافأة شهرية قدرها ثلاثمائة ريال، كما يدفع لطلبة المعهد الثانوي التابع للجامعة ٢٥٠ريال شهريا، هذا بالإضافة إلى توفير المساكن الصحية المزودة بالماء والكهرباء والأثاث اللازم مجانا، وبالإضافة إلى تأمين وسائل النقل لهم من المدينة إلى مقر الجامعة صباحا ومنها إلى المدينة ظهرا وتنقلهم من بعد صلاة العصر يوميا إلى المدينة لأداء الصلوات في المسجد النبوي وتعود بهم إلى الجامعة بعد العشاء، كما تؤمن لهم العلاج الطبي مجانا داخل الجامعة بما في ذلك صرف الأدوية والوصفات الطبية، وكذلك توفر لهم الكتب الدراسية مجاناً، أي بالإضافة إلى مكافآتهم إلى غير ذلك من الخدمات التي تقدمها الجامعة الإسلامية لطلبتها بفضل الله تعالى ثم بما تجود به الحكومة السنية التي وفقها الله لافتتاحها ثم برعايتها وبذل التسهيلات التي تمكنها من أداء رسالتها.
مراحلها الدراسية: أسست الجامعة مشتملة على مرحلة عالية فيها كلية الشريعة ومرحلة ثانوية، ثم أنشئت فيها مرحلة إعدادية لإفساح المجال لطلبة البلاد الإسلامية التي لا يوجد فيها المتمكنون من الدراسة في المرحلة الإعدادية، كما أنشأت شعبة لتعليم اللغة العربية لغير العرب، يدخلها الطلبة الذين يصلون للدراسة وهم غير قادرين على متابعة الدراسة باللغة العربية. وفي عام ١٣٨٦هـ أنشئت كلية أخرى باسم ((كلية الدعوة وأصول الدين)) ويتضح من الملحق رقم ((١)) عدد الطلبة في كل سنة دراسية في جميع الأعوام الستة الماضية من عام ١٣٨١هـ إلى عام ١٣٨٦هـ..
стр. 54
المؤسسات التابعة لإدارة الجامعة الإسلامية:
بالإضافة إلى ما ذكر فإن دار الحديث بالمدينة المنورة تتبع الجامعة الإسلامية في جميع شؤونها ويبلغ عدد الطلبة فيها في أول هذا العام ١٣٨٧ هـ (٢٧٠) طالبا موزعين على ١٩ جنسية، كما يتبع الجامعة من حيث المناهج والإشراف الفني معهد التضامن الإسلامي في مقديشوا وقد بلغ عدد الطلبة فيه ٦٠ طلبا كما بلغ عدد المدرسين فيه (٥) .
مدرسو الجامعة:
يبلغ عدد الأساتذة والمدرسين في الجامعة ٥٧مدرسا موزعين كالآتي:
كلية الشريعة: ١٨
كلية الدعوة وأصول الدين: ١٠
المعهد الثانوي والقسم الإعدادي وشعبة تعليم اللغة العربية لغير العرب: ١٦
دار الحديث: ١٣
أما الفصول الدراسية فهي كالتالي:
كلية الشريعة: ٨
كلية الدعوة وأصول الدين: ٢
وفي المعهد الثانوي: ٥
وفي المعهد الإعدادي وشعبة تعليم اللغة العربية: ٥فصول
وفي دار الحديث:١٠
المتخرجون من المعهد الثانوي التابع للجامعة:
ولم يمض على افتتاح الجامعة ثلاثة أعوام حتى تخرج الفوج الأول من حملة الشهادة الثانوية في المعهد الثانوي التابع للجامعة وعددهم مائة وعشرة طلاب، ثم توالت الدفعات حتى بلغ عدد الحاصلين على الشهادة الثانوية من معهد الجامعة في الأعوام الأربعة من عام ١٣٨٣هـ إلى عام ١٣٨٦هـ أربعمائة وتسعة وثلاثين طالبا ينتمون إلى خمسين جنسية.
الحاصلون على الشهادة العالية من كلية الشريعة بالجامعة:
стр. 55
بعد مضي أربع سنوات من الافتتاح تخرج الفوج الأول من حملة الشهادة العالية من كلية الشريعة بالجامعة وعددهم ثلاثة وأربعون جامعيا، ثم تخرج الفوج الثاني وعددهم ستة وأربعون جامعيا، ثم الفوج الثالث وعددهم تسعة وثلاثون جامعيا، فمجموع الجامعيين في الأفواج الثلاثة مائة وثمانية وعشرون جامعيا ينتمون إلى اثنتين وعشرين جنسية. يتضح من الملحق رقم ٣ أسماء الجنسيات وعدد الطلبة المنتمين إلى كل جنسية في كل عام من الأعوام الثلاثة، ومما تجدر الإشارة إليه أن الموجودين في السنة النهائية في العام الدراسي ٨٧-١٣٨٨هـ مائة وأربعة وعشرون طالبا أي ما يقارب مجموع المتخرجين في الأفواج الثلاثة الماضية.
عدد الطلبة في الجامعة وعدد جنسياتهم:
في نهاية العام الدراسي ٨٦-١٣٨٧هـ بلغ عدد الطلبة في الجامعة في جميع مراحلها الدراسية سبعمائة وأربعة وستين طالبا ينتمون إلى إحدى وستين جنسية. يتبين من الملحق رقم ٤ أسماء الجنسيات وعدد طلبة كل جنسية. وقد زاد عدد الجنسيات في الشهر الأول من العام الدراسي الحالي ٨٧-١٣٨٨هـ فبلغ عددها خمسا وستين جنسية بإضافة روديسيا والبحرين وغيانا في أمريكا الجنوبية واليابان.
نشاط الجامعة:
نظمت الجامعة مواسم ثقافية عامة يحاضر فيها كبار أساتذة الجامعة، وقد طبعت الجامعة كثيرا من تلك المحاضرات وقامت بتوزيعها على الزوار والحجاج وغيرهم، كما زودت كثيرا من الهيئات والمؤسسات الإسلامية في أنحاء العالم بالمحاضرات المذكورة، وبعض الرسائل القيمة والكتب النافعة التي تصدرها، وقد أوفدت رئاسة الجامعة بعثات إلى غرب أفريقيا ووسطها للإطلاع عن كثب على أحوال المسلمين ومساعدة الهيئات الإسلامية ماديا ومعنويا. وهذا بيان بالبعثات التي أوفدتها الجامعة حتى الآن:
١-في عام ١٣٨٤هـ بعثة مكونة من ثلاثة أشخاص برئاسة أمين الجامعة.
стр. 56
٢- في عام ١٣٨٥هـ بعثة مكونة من ثلاثة مشائخ برئاسة فضيلة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي كبير المدرسين في الجامعة..
٣- في عام ١٣٨٦هـ بعثتان إحداهما إلى غرب أفريقيا، والأخرى شرقها ووسطها لاختيار الطلبة.
وقد عادت البعثات المذكورة بتقارير ومعلومات مفصلة عن أحوال المسلمين هناك، كما وزعت مبالغ من المال صرفت بأمر سماحة رئيس الجامعة الإسلامية فيها، ومما تجدر الإشارة إليه هنا أن كثيرا من المتخرجين من الجامعة الإسلامية قد تعاقدت معهم دار الإفتاء وبعثتهم على نفقتها للقيام بالدعوة والتدريس في أقطار متعددة من أفريقيا.
ميزانيات الجامعة:
ومنذ أن تفضلت حكومة هذه البلاد بإنشاء الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة وهي تنفق عليها بسخاء في سبيل نجاحها، فترصد لها سنويا الملايين من الريالات التي اعتمدت للجامعة في ميزانية الدولة منذ تأسيسها حتى العام الحالي ٨٧-١٣٨٨هـ والتي هي المصدر الوحيد لتمويل الجامعة:
في عام ٨١-١٣٨٢هـ:٠٠٠ر٠٠٠ ر٣ ملايين ريال. في عام ٨٢-٣٨٣هـ: ٠٠٠ر٠٠٠ر٤ ملايين ريال. في عام ٨٣ – ١٣٨٤ هـ: ٠٠ر٢١٠ر٤ ملايين ريال. في عام ٨٤ – ١٣٨٥هـ: ٠٠٠ر٩٣٦ ر٤ ملايين ريال. في عام ٨٥-١٣٨٦ هـ ١٤١ر٨٦٥ر٦ ملايين ريال. في عام ٨٦- ١٣٧٨هـ: ٩٣٥ر١١٣ر٨ ريال. في عام ٨٧-١٣٨٨هـ: ٩٦٥ر٦٠٤ر٨ريال.
المشاريع العمرانية:
وكما أولت الحكومة جميع مرافق الجامعة اهتماما ببذل الأموال لتسهيل أداء الجامعة لمهمتها، فقد خصت مشاريعها العمرانية بمزيد من العناية لإظهار الجامعة بالمظهر اللائق، فخصصت مبالغ عظيمة في ميزانيتها لإقامة منشآت لها على أحدث طراز معماري، وعلى سبيل المثال فقد اعتمد في ميزانية الجامعة في العام المالي الحالي ٨٧-١٣٨٨هـ لمشاريع الجامعة العمرانية ما يزيد على أربعة ملايين ريال، ويجري العمل حاليا في المشاريع المذكورة وهي تشتمل على ما يأتي:
أ – مستودعات كبيرة واسعة للجامعة.
стр. 57
ب- قاعة ضخمة للمحاضرات تشتمل على مدرج يحتوي على ١٠٧٠ كرسيا عدا الصالات الإضافية، وغرف المحاضرات، والمنصة الواسعة لهم، ومقصورة الشرف لكبار الزائرين.
ج- مبنى المكتبة العامة للجامعة ويشتمل على غرف خزائن الكتب، وقاعات المطالعة، وغرف الإدارة. وقدرت طاقة المكتبة بأنها تتسع لتسعمائة وسبعين ألف كتاب ومجلد.
د- مبنى رئاسة الجامعة يشتمل على مكتب الرئيس، ومكتب الأمين العام، ومكاتب لكبار موظفي الأقسام في الجامعة.
هـ مبنى كلية الشريعة وهو على أحدث طراز في فن المعمار ويشتمل على قاعات للمحاظرات، وفصول واسعة للدراسة، يبلغ مجموع اتساعها حوالي ١٧٠٠طالبا. هذا بالإضافة إلى أقسام إدارة الكلية، والباحات والحدائق التي يقضي فيها الطلبة أوقاتهم في أثناء الفسح.
أما المباني التي تم إنجازها واستلمتها إدارة الجامعة في العام الماضي فبيانها كالتالي:
أ – مبنى لكلية الدعوة وأصول الدين يشتمل على اثنتي عشرة قاعة للمحاضرات عدا الإدارة ومكتبة الكلية. الخ
ب- فصول للمعهد الثانوي.
ج- ثلاث وحدات سكنية للطلبة تتكون كل واحدة من ٢٢ غرفة إلى جانب قاعة واسعة للاستقبالات والمرافق العامة.
د- مطعم فسيح للطلاب.
هـ حظائر لسيارات الجامعة ومبان للورشة الخاصة بإصلاحها.
стр. 58
ندوة الطلبة
كيف نعمل للإسلام
بقلم: جلال الدين مراد
سنة ثانية شريعة
الحياة صراع بين الحق والباطل، بين الأخيار والأشرار، منذ فجر التاريخ والأخيار هم الذين كلفهم الله وشرفهم ليقوموا بأمره ويتسلموا قيادة البشرية، ويوجهوا دولاب الحياة لما لهم دون غيرهم من حق البقاء وعمارة الأرض، ولهذا أشارت الآية الكريمة ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ .
والحق لم يكن في يوم ما أكثر عددا من الباطل ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ . وإنما كان يتم تسيير دفة سفينة الحياة وفق مواصفات شرط الله توفرها في الدعاة، فإذا التزم الدعاة تلك الشروط وهبهم الله السيادة والتمكين لقوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ، وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْض﴾ .
في اليوم الذي تلتقي فيه جهود المخلصين وتتحد كلمتهم ويأخذوا بالأسباب اللازمة وفق سنن الله الكونية سينصرهم, ويومها لن تقوى قوى الباطل (الخشب المسندة) على مجابهة هذه الجذوة المباركة التي انطلقت.
والباطل مهما امتلك من مظاهر القوى المادية فلن يعدو الزبد كما وصفة الله تعالى ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْض﴾ . وما نراه الآن من تسلط الأشرار على دولاب الحياة، فبسبب غفلة الصالحين والأخيار.
стр. 59
وليس بعيدا أن تستقيم الأوزان وتستقر الأوضاع، ولكن ذلك رهين الإيمان العميق، والتنظيم الدقيق، والعمل المتواصل. وذلك أن الناس لم يكونوا صالحين قبل ابتعاث محمد ﷺ ، كما أنهم لم يكونوا فاسدين من بعده.. وإنما ابتدأ الفساد برجل واحد ثم ثان وثالث ثم استشرى الداء وظهر الفساد في البر والبحر. وليس بدعا كذلك أن يبدأ الإصلاح في زماننا هذا برجل واحد ثم ثان وثالث وآخر، ومما لا شك فيه أن اثنين لو اجتمعا على أمر (ما) يكونان به مؤمنين، أقوى من مائة آحادا متفرقين، وهذا ما نعانيه في عصرنا من تفكك أهل الحق ووحدة أهل الباطل!.
إن عالمنا هذا قد ابتلعه هذه المعسكرات شرقيها وغربيها، ولو أنها تختلف فكريا إلا أنها تتفق عمليا في حرب الإسلام، إذ جاءتنا من فوقنا ومن أسفل منا وعن أيماننا وعن شمائلنا، عن طريق المذياع وشاشة السينما والتلفزيون، وهذه الكتب والمجلات الرخيصة الداعرة.. الموجة التي غطت على المكتبات العلمية، وسرقت أرواح شبابنا واستهوت عقولهم بفنها وسحرها، وكدنا من جراء هذه الإستكانة نفقد الأمل في إنجاح عملية البعث الإسلامي المرتقب لولا بقية إيمان..
إن المذاهب المادية المعاصرة قد تسلحت بالوسائل المغرية العديدة والنظم الدقيقة، والنظام لا يقابل بالفوضى، والجمع لا يقابل بالشتات، وقد أضحى واضحا أن من يعمل للإسلام في هذا العصر منفردا كمن يسبح في غير ماء، أو كمن ينقب عن البترول (بالمعول) أو يبحث عن الجواهر (بالشبكة) .
إن الدعوة الإسلامية قد اتسمت بالدقة والنظام، وقد واكبت ذلك منذ فجر تاريخها، ولعل في مراحلها السرية والعلنية بقيادة الرسول ﷺ إشارة ولفت نظر وذكرى.. وأي ذكرى للدعاة في كل عصر ومصر. ولست مدعيا إذا قلت أن كل من رام الإصلاح عفوا لهذا المجتمع المريض، ولم يسع له سعيه اللازم فقد خالف سنة الله الكونية..
стр. 60
ولقد رأيت كثيرا من المصلحين في هذا العصر يعتمدون فقط على الخطب الحماسية كعلاج لأدواء هذا المجتمع، وكثيرا ما يذهب أحدهم وتذهب كلماته أدراج الرياح، وتبقى حالة الناس كما هي.. وما زال الخطباء يخطبون منذ انهيار الدولة الإسلامية وتفكك أوصالها، فهل أفلح الخطباء في تربية جيل مثالي، أو استطاعوا إعداد كتائب إسلامية مجاهدة؟ بينما نجد دعوات باطلة عقديا وسياسيا قد حالفها الحظ، وتمت لها السلطة والتحكم في رقاب الصالحين بفضل التنظيم وقوة العتاد.
إن الدعاة هم أطباء هذه الإنسانية المعذبة، والطبيب البارع هو الذي يعرف مواطن الداء وكيفية استئصاله، وقد يضطر لتنويع الدواء، فيقدم هذا ويؤخر هذا، لما يترتب عليه من تأخر برء أو نحو ذلك. فالشيوعية والقومية والوجودية وغيرها يجب على الداعية أن يحيط بها علما حتى يكشف زيفها على ضوء الإسلام.. ومن عرف سلاح عدوه عرف مواطن ضعفه وإصابة مقاتلة. فالخطب ليست العلاج العملي لمشاكلنا المعاصرة، وإنما يجب أن يسبقها نظام ومنهج تربية ينظم الشباب والناشئة، كما تفعل اليوم الأندية الرياضية، ويعني بمتطلباتهم وحصانتهم لئلا يعيشوا في فراغ اجتماعي، وحياة متناقضة بين القول والتطبيق.
وإذا علمنا ضرورة الإيمان العميق والتنظيم الدقيق كشرط أساسي لصد هذه الأفكار الفاسدة المستوردة، فإنه يتحتم على المنظمات الإسلامية أيا كانت أن تتعاون وتتحد، وهي تصارع هذه الجاهلية على طول الجبهة الممتدة من المحيط إلى المحيط ما دام الهدف والمقصد هو إرضاء الله .
إن الحركات الإسلامية تواجه اليوم عدوا مشتركا متعددة وسائلة وفنونه، وما لم تتحد هذه الجماعات وتتعاون فستظل متناثرة حتى يسهل التهامها الواحدة تلو الأخرى، خاصة إذا كانت من بلد واحد، ومما يذكر أنه لأن يجتمع الناس على ضعف في الرأي خير من أن يتفرقوا على صواب فيه.
стр. 61
وأخلص فأقول إنه قد آن الأوان لنبذ الخلافات فيما بيننا، والاتهامات والتجريحات التي لا يستفيد منها إلا أعداء الإسلام، وأن نقف جنبا إلى جنب، وأن ندعوا جميعا لما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفا فيه، إلا خلافا يفضي إلى كفر بواح.
إن قطرات الندى قد تتلاشى لو تناثرت وتباعدت، أما لو اجتمعت وكانت ثجاجا فبها الأرض تهتز والحياة تزهو وتزهو. وإن شئتم فأقرؤوا قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ .
стр. 62
الفتاوى
للشيخ عبد العزيز بن باز
س-١- هل تفرض علينا صلاة الجمعة في هذه الديار الأسبانية علما بأنه لا مسجد فيها، ونحن أتينا إلى تلك الديار من أجل الدراسة؟
ن. أ. ص غرناطة
الجواب: قد نص أهل العلم على أنه لا يجب عليكم ولا على أمثالكم إقامة صلاة الجمعة بل في صحتها منكم نظر، وإنما الواجب عليكم صلاة الظهر لأنكم أشبه بالمسافرين وسكان البادية، والجمعة إنما تجب على المستوطنين، والدليل على ذلك أن النبي ﷺ لم يأمر بها المسافرين ولا أهل البادية، ولم يفعلها في أسفاره ﵊ ولا أصحابه ﵃، وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أنه ﷺ عام حجة الوداع صلى الظهر في عرفة يوم الجمعة ولم يصل الجمعة ولم يأمر الحجاج بذلك لأنهم في حكم المسافرين، ولا أعلم خلافا من علماء الإسلام في هذه المسألة بحمد الله. إلا خلافا شاذا من بعض التابعين لا ينبغي أن يعول عليه. ولكن لو وجد من يصلي الجمعة من المسلمين المستوطنين فالمشروع لكم ولأمثالكم من المقيمين في البلاد إقامة مؤقتة لطلب علم أو تجارة ونحو ذلك، الصلاة معهم لتحصيل فضل الجمعة، ولأن جمعا من أهل العلم قالوا بوجوبها على المسافر تبعا للمستوطن إذا أقام في محل تقام فيه الجمعة تمنعه من قصر الصلاة.
س-١- إذا جامع الرجل أهله ولم ينزل فهل فيه عليه غسل؟
س-٢- إذا أحرم الإنسان في إحدى الصلوات الفرائض في المسجد أو غيره منفردا ثم جاء شخص آخر أو أكثر فصف معه هل يصح ذلك؟
س-٣- ما حكم حلق اللحى أو تقصيرها هل مكروه أو محرم؟
الإجابة:
стр. 63
ج-١- نعم متى جامع زوجته حتى مس الختان الختان وجب عليه الغسل وإن لم يخرج منه الماء، لما ثبت في الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ من الأمر بذلك ومن الوارد في ذلك حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب عليه الغسل وإن لم ينزل" متفق عليه وهذا لفظ مسلم وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "إذا جلس بين شعبها الأربع ومس الختان الختان فقد وجب عليه الغسل" وعنها ﵂ أن رجلا سأل النبي ﷺ عن الرجل يجامع أهله ثم يكسل فقال الرسول ﷺ : "كنت أفعله مع هذه -يعني عائشة- ثم نغتسل "أخرجهما مسلم في صحيحة.
ج-٢- الصواب صحة ذلك، فإن كان واحدا صف عن يمينه وإن كان الذي حضر أكثر من واحد صفوا خلفه وجعلوه إماما ولا حرج في ذلك في أصح أقوال أهل العلم لأن الرسول ﷺ كان يصلي في الليل وحده فجاء ابن عباس فصف عن يساره فجعله عن يمينه وصلى به، والنبي صلى لله عليه وسلم لم ينو الإمامة حين أحرم. وصح عنه ﵊ أنه كان في بعض أسفاره يصلي وحده منفردا فجاء اثنان من الصحابة فصفا عن يمينه وشماله فجعلهما خلفه وصلى بهما، وإذا جاز هذا في النافلة جاز في الفريضة لأنهما سواء في الأحكام إلا ما خصه الدليل، ولأن ذلك لو كان لا يجوز في الفريضة لنبههم النبي ﷺ وأخبرهم أن مثل هذا إنما يجوز في النافلة لا في الفريضة. فلما لم يخبرهم بذلك دل على أن الحكم واحد والله الموفق.
стр. 64
ج-٣- قد ثبت في الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ ما يدل على أن ذلك محرم ومنكر ومن صفات المشركين والمجوس. فالواجب على كل مسلم تركه والحذر منه لما في ذلك التشبه بأعداء الله من المشركين والمجوس ومن تشبه بقوم فهو منهم ولا ينبغي للمسلم أن يغتر بكثرة من فعل ذلك من المسلمين لأن الحق أحق بالاتباع ولو تركه الناس. ومما ورد في ذلك ما ثبت في الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: "أحفوا الشوارب ووفروا اللحى خالفوا المشركين"وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "جزوا الشوارب وأرخوا اللحا" والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
س-١- ما حكم الاستنجاء من الريح ونحوها من نوا قض الوضوء غير البول والغائط، وإذا كان الناقض البول فقط فهل يجب عليه غسل الدبر تبعا للقضيب؟
م.ع. ع ألمانيا
стр. 65
الجواب: قد دلت الأدلة الشرعية على أن الاستنجاء إنما يكون من البول والغائط خاصة. فأما ما يخرج من الدبر من الريح وهكذا النوم ومس الذكر وأكل لحم الإبل فهذه وأشباهها من النواقض لا يجب فيها استنجاء، بل يكفي فيها الوضوء الشرعي الذي دل عليه قوله سبحانه في سورة المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ الآية. هذه المسألة ليس فيها خلاف بحمد الله بين أهل العلم. قال موفق الدين محمد بن عبدا لله ابن قدامة ﵀ في كتابه المغنى: "لا نعلم خلافا بين أهل العلم في أنه لا يجب الاستنجاء من النوم والريح"انتهى. والحجة في ذلك الآية السابقة، وما ثبت في الأحاديث الصحيحة في صفة وضوء النبي ﷺ فإنه لم يذكر فيها أنه استنجى من النوم أو الريح ونحوهما، وإنما ثبت استنجاءه من البول والغائط، وإذا كان الناقض البول فقط وجب غسل ما أصاب القضيب من البول، أما الدبر فلا حاجة إلى غسله إذا لم يخرج منه شيء من الغائط عند البول وهكذا الخصيتان لا يجب غسلهما إذا لم يصبهما شيء من البول، لأن المقصود الاستنجاء هو التطهير من النجاسة، فالمحل الذي لم تصبه النجاسة لا يجب غسله، لكن إذا لم تصبه النجاسة لا يجب غسله، لكن إذا كان الناقض هو المذي وهو ما يخرج عند أثر الشهوة عند انتشار القضيب بسبب نظر إلى النساء أو تفكر أو ملامسة فإن هذا المذي يوجب غسل الذكر والأنثيين. الأحاديث وردت في ذلك عن الرسول ﷺ والمذي غير المني. أما المني فهو أصل الإنسان وهو الذي يخرج بدفق وشهوة عند وجود أسباب ذلك، فهذا يوجب الغسل كما هو معلوم من الأدلة الشرعية.
س-١- ما حكم أكل اللحوم التي تباع في أسواق الدول غير الإسلامية وهل هي حلال أم حرام؟.
стр. 66
الجواب: قد أجمع علماء الإسلام على تحريم ذبائح المشركين من عباد الأوثان ومنكري الأديان ونحوهم من جميع أصناف الكفار غير اليهود والنصارى والمجوس، وأجمعوا على إباحة ذبيحة أهل الكتاب من اليهود والنصارى واختلفوا في ذبيحة المجوس عباد النار. فذهب الأئمة الأربعة والأكثرون إلى تحريمها إلحاقا للمجوس بعباد الأوثان وسائر صنوف الكفار من غير أهل الكتاب. وذهب بعض أهل العلم إلى حل ذبيحتهم إلحاقا لهم بأهل الكتاب وهذا قول ضعيف جداً بال باطل والصواب ما عليه جمهور أهل العلم من تحريم ذبيحة المجوس كذبيحة سائر المشركين لأنهم من جنسهم فيما عدا الجزية، وإنما شابه المجوس أهل الكتاب في أخذ الجزية منهم فقط، والحجة في ذلك قوله الله سبحانه في كتابه الكريم في سورة المائدة: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُم﴾ .
فصرح سبحانه بأن طعام أهل الكتاب حل لنا، وطعامهم ذبائحهم كما قاله ابن عباس وغيره من أهل العلم. ومفهوم الآية أن طعام غير أهل الكتاب من الكفار حرام علينا. وبذلك قال أهل العلم قاطبة إلا ما عرفت من الخلاف الشاذ الضعيف في ذبيحة المجوس.
стр. 67
إذا علم هذا فاللحوم التي تباع في أسواق الدول غير الإسلامية إن علم أنها من ذبائح أهل الكتاب فهي حل للمسلمين إذا لم يعلم أنها ذبحت على غير الوجه الشرعي إذ الأصل حلها بالنص القرآني فلا يعدل عن ذلك إلا بأمر متحقق يقتضي تحريمها، أما إن كانت اللحوم من ذبائح بقية الكفار فهي حرام على المسلمين ولا يجوز لهم أكلها بالنص والإجماع، ولا تكفي التسمية عليها عند غسلها ولا عند أكلها، أما ما قد يتعلق به من قال ذلك فهو وارد في شأن أناس من المسلمين كانوا حديثي عهد بالكفر، فسأل بعض الصحابة ﵃ النبي ﷺ عن ذلك فقالوا: "يا رسول الله إن قوما حديثي عهد بالكفر يأتوننا باللحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا". فقال النبي ﷺ : "سموا الله عليه أنتم وكلوا "رواه البخاري من حديث عائشة ﵂ وبذلك يصلح أنه لا شبهة لمن استباح اللحوم التي تجلب في الأسواق من ذبح الكفار غير أهل الكتاب بالتسمية عليها، لأن حديث عائشة المذكور وارد في المسلمين لا في الكفار فزالت الشبهة لأن أمر المسلم يحمل على السداد والاستقامة ما لم يعلم منه خلاف ذلك، ولعل النبي ﷺ أمر هؤلاء الذين سألوه بالتسمية عند الأكل من باب الحيطة وقصد إبطال وساوس الشيطان لا لأن ذلك يبيح ما كان محرما من ذبائحهم. والله أعلم.
وأما كون المسلم في تلك الدول غير الإسلامية يشق عليه تحصيل اللحم المذبوح على الوجه الشرعي ويمل من أكل لحم الدجاج ونحوه، فهذا ونحوه لا يسوغ له أكل اللحوم المحرمة ولا يجعله في حكم المضطر بإجماع المسلمين، فينبغي التنبيه لهذا الأمر والحذر من التساهل الذي لا وجه له. هذا ما ظهر لي في هذه المسألة التي عمت بها البلوى وأسال الله أن يوفق المسلمين لما فيه صلاح دينهم ودنياهم، وأن يعمر قلوبهم بخشية وتعظيم حرماته والحذر مما يخالف شرعه.
стр. 68
الفقه في الدين
للشيخ حماد الأنصاري
المدرس في الجامعة
عن معاوية بن أبي سفيان ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "من يرد الله به خيرا يفقه في الدين" الحديث أخرجه البخاري في صحيحة. وزاد أبو يعلى الموصلي عنه "ومن لم يتفقه لم يبال الله به".
عن عبدا لله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يا عبد الله بن مسعود"قلت: "لبيك يا رسول الله ثلاث مرات". قال: "أتدري أي عرى الإيمان أوثق". قال: "قلت الله ورسوله أعلم". قال: "الولاية في الله الحب فيه والبغض فيه". ثم قال: "يا عبد الله بن مسعود"قلت: "لبيك يا رسول الله ثلاث مرات". قال: "أتدري أي الناس أفضل؟ "قال: "قلت الله ورسوله أعلم". قال: "إن أفضل الناس أفضلهم عملا إذا فقهوا في دينهم". ثم قال: "يا عبد الله بن مسعود"قلت: "لبيك يا رسول الله ثلاث مرات". قال: "أتدري أي أناس أعلم". قال: "قلت الله ورسوله أعلم". قال: "أعلم الناس أبصرهم بالحق إذا اختلف الناس وإن كان مقصرا في العمل".
عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: "ألا أنبئكم بالفقيه كل الفقيه". قالوا: "بلى"قال: "من لم يقنط الناس من رحمة الله ولم يؤيسهم من روح الله، ولم يؤمنهم من مكر الله، ولا يدع القرآن رغبة عنه إلى ما سواه، ألا لا خير في عبادة ليس فيها تفقه، ولا علم ليس فيه تفهم، ولا قراءة ليس فيها تريث".
سئل الإمام مالك بن أنس قيل له: "لمن تجوز الفتوى؟ "فقال: "لا تجوز إلا لمن علم ما اختلف الناس فيه". قيل له: "اختلاف أهل الرأي". قال: "لا، اختلاف أصحاب محمد ﷺ ".
стр. 69
قال أبو حيان التيمي: "العلماء ثلاثة عالم بالله وبأمر الله، وعالم بالله وليس بعالم بأمر اله. وعالم بأمر الله وليس بعالم بالله. فأما العالم بالله وبأمره فذلك الخائف لله العالم بسنته وحدوده وفرائضه. وأما العالم بالله وليس بعالم بأمر الله فذلك الخائف لله وليس بعالم بسنته ولا حدوده ولا فرائضه. وأما العالم بأمر الله وليس بعالم بالله فذالك العالم بسنته وحدوده وفرائضه وليس بخائف له".
وقال الخليل بن أحمد: "الرجال أربعة، رجل يدري أنه لا يدري فذلك جاهل فعلموه، ورجل يدري ولا يدري أنه يدري فذلك غافل فنبهوه، ورجل لا يدري أنه لا يدري فذلك مائِق فاحذروه".
وكان الحسن البصري كثيرا ما يتمثل بهذا البيت.
يسر الفتى ما كان قدم من تقى
إذا عرف الداء الذي هو قاتله
أخرجها كلها الحافظ ابن عبد البر ما عدا الأول
الدين الحق
الدين الحق هو الذي يعطيك فلسفة متكاملة للحياة، ونظاماً وافياً بحاجات المجتمع، كالمهندس الماهر يبني لك بيتا متين الدعائم، مستوفي المنافع.
مصطفى السباعي
стр. 70
القدس.. والفتوحات
بقلم: محمد محمد صالح ضيائي
الفتوحات الإسلامية التي شملت أكثر الأقاليم المعروفة في العالم ولسير الفاتحين المسلمين الذين حملوا إلى أمم العالم رسالة الإسلام وتعاليم الشريعة المحمدية الغراء ميزة خاصة على الفتوحات غير الإسلامية التي سبقت الإسلام منذ أقدم العصور أو تلته في العصور المتأخرة على يدي أعداء الإسلام ومناوئيه.
فلقد كان القواد الإسلاميون يهدفون في حروبهم وفتوحاتهم إلى تحرير الأمم وإخراج الشعوب من عبادة الخلق إلى عبادة الخالق، ومن ذل الكفر إلى عز الإيمان، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام. كان هذا هو شعار الفاتحين المسلمين في جميع أقطار العالم. قال ذلك ربعي بن عامر أمام كسرى في المدائن، وأروا العالم ذلك عمليا في عدلهم مع الشعوب المغلوبة على أمرهم، ورفقهم بالأسرى في الحروب والفتوحات.
ولكي يظهر الفرق بين سير الفاتحين المسلمين وغير المسلمين، والفارق بين معاملة الفاتحين المسلمين وغير المسلمين مع الشعوب، ولكي يتضح عدل الإسلام والمسلمين ندرس تاريخ بيت المقدس هذه المدينة الإسلامية التي أصبحت الآن ضائعة مهانة تحت أقدام اليهود الغاصبين. هذه المدينة العتيقة من أقدم المدن المعروفة وأكثرها أهمية لدى أهل الأديان السماوية. ولا يعرف التاريخ منذ أقدم العصور مدينة تعرضت للغارات والفتن والتخريب مثل ما تعرضت لها مدينة القدس رغم كونها غير ذات أهمية كبيرة من الناحية التجارية والاقتصادية.
стр. 71
١- وأقدم فتنة سجلها التاريخ لبيت المقدس هي القتل والتخريب العام الذي قام به بنو إسرائيل عام ألف ومائة وتسعة وثمانين قبل الميلاد: فتقول التوراة: (سفر يوشع الفصل السابع ٢٢١) "إن بني إسرائيل خرجوا من أريحا يقصدون فتح مدينة (بيوس) -وهي اسم مدينة القدس آنذاك- فما مروا على مدينة من مدن فلسطين إلا وقتلوا كل من فيها من إنسان وحيوان، فعلوا ذلك في أريحا وبيوس ووو وهي أمهات المدن الفلسطينية آنذاك". ونصوص التوراة تؤكد أن بني إسرائيل كانوا يحرقون كل مدينة فتحوها بعد قتل من فيها من الأميين.
٢- ثم من الفتن التي حفظها التاريخ لبيت المقدس حملة الملك الآشوري (سنحاريب) التي كانت في عام ٧١٣ قبل الميلاد - أي بعد الفتنة الأولى ب٤٨٠عام- فقد استولى الملك الآشوري على القدس وقتل كل من قدر عليه من اليهود وحمل ما استطاع من الأموال وعاد إلى بلاده.
٣-ثم عاد بعد ثلاث سنوات - أي في عام ٧١٠ قبل الميلاد - فأجهز على بقية سكانها وخرب المدينة المقدسة. ولكن ما إن ستتب له الأمر في القدس حتى عم جيشه الطاعون فقتل أكثر من مائة وثمانين ألفا من جيشه وكان السبب في إنهاء الحكم الآشوري عن العالم.
٤-ثم هاجم القدس بعد الآشوريين حكام مصر فاحتلوها وأصبح أهلها يؤدون الخراج للفراعنة مدة غير طويلة من الزمن.
٥-ولما استقل اليهود بالحكم في فلسطين بعد ذلك عاثوا في الأرض فسادا كما تقتضيه السجية اليهودية فانتقم الله منهم فسلط عليهم (بختنصر) ملك بابل فهاجم القدس البابليون بقيادة الملك المذكور واحتلوها عام ٥٩٧ قبل الميلاد فقتل الكثير من سكانها ثم صالح بقية السيف منهم على خراج سنوي يحملونه إلى بابل.
стр. 72
٦-ولكن الإسرائيليين ثاروا ضده وخلعوا طاعته فعاد إليهم عام ٥٨٦ قبل الميلاد وحاصر القدس مدة سنتين ثم فتحها وقتل كل من شاء من اليهود وأخذ معه أشراف بني إسرائيل وعلى رأسهم (حزقيا) أسرى إلى بابل، وغادر القدس بعد أن أحرق المعبد وهدم المدينة وتركها في صورة مقبرة. وبقيت القدس مهجورة حتى انقرض ملك البابليين واستولى على بابل أحد ملوك فارس الأقدمين المعروف (كورش) فعطف على اليهود وأحسن إليهم وأعادهم إلى القدس وساعدهم في تجديد بناء المدينة المقدسة.
٧-ولما استعاد اليهود حريتهم عادوا إلى الفساد والظلم فسلط الله عليهم أحد خلفاء اسكندر المقدر ني فقد هاجم القدس القائد الروماني (انتيوخوس آبيفانوس) عام ١٦٨ قبل الميلاد وأحتلها وخرب المعبد وهدم حصار المدينة وقتل معظم سكانها، ومن هذا التاريخ أصبحت القدس تحت سيطرة الرومان.
٨-وفترة حكم الرومان على فلسطين كانت مدينة القدس معرضة للقتل والتخريب أكثر من أية مدينة فلسطينية أخرى، ولم تخل المدينة من الثورات والفتن يوما من الأيام ففي عام ٦٥ قبل الميلاد حاصر القائد الروماني الجبار (بومبي) مدينة القدس مدة ثلاثة أشهر ثم فتحها وقتل أكثر أهلها.
٩- وكذلك أيام حكم القائد الروماني (بيلاطس) الذي حكم فلسطين من سنة ٢٩إلى ٣٩ بعد الميلاد تعرضت القدس للخراب والهدم عدة مرات طيلة عشر سنوات.
стр. 73
١٠- ولم تكد القدس تنسى الفتن والغارات التي مر بعضها حتى دهمتها الفتنة التي يقول المؤرخون عنها أنها كانت منقطعة الشبيه في تاريخ القدس المليء بالأحداث والفت: فقد هاجم القدس السفاك الروماني (تيطس) عام ٧٩ بعد الميلاد، وحاصر المدينة مدة طويلة حتى هلك الآلاف من سكانها جوعا، ثم عجز أهلها عن المقاومة فاستسلموا وفي ذلك يقول المؤرخ الشهير (يوسيفوس) الذي كان شاهد الوقعة حين اقتحام (تيطس) وجيشه مدينة القدس: "إن القتلى في ساحة المعبد وحدها بلغت عشرة آلاف نفس معظمها من النساء والصبيان والشيوخ الذين كانوا قد استعاذوا بالمعبد، وكانت الدماء تجري في الشوارع، وحسبنا أن نعلم أن عدد القتلى في هذه الحادثة قدر بنصف مليون نسمة، واستمر القتل مدة أشهر، وكانت النار مشتعلة في أكثر أحياء المدينة عدة أسابيع. وأخذ السفاك معه كثيراً من الشباب وباعهم في روما.
١١- ثم جاء دور الملك الروماني (آدريانوس) فهاجم القدس واحتلها عام ١٣٥ بعد الميلاد ووضع السيف في أهلها وهدم المعبد ولم يبق من المدينة حجر على حجر. ولم يقتصر الملك الروماني على قتل اليهود بل قتل من قدر عليه من النصارى، وأمر بإخراجهم من كنائسهم وهدمها وبني معبدين في القدس أحدهما باسم الزهرة، والآخر باسم المشترى.
١٢- ثم هاجم القدس عام ٦١٤ بعد الميلاد جيش فارس فاحتلوها وقتلوا أكثر من ٩٠ ألفا من سكانها المسيحيين، وبتحريك من اليهود هدموا كنيسة القيامة كما كسروا الصليب المقدس (حسب زعم النصارى) .
стр. 74
هذه بعض الفتن والمصائب مرت بهذه المدينة المقدسة، ولا يخفى أن أكثر الفتن المذكورة في العصور المختلفة كانت اليهود إحدى حجري الرحى فيها وبعد مضي ١٧٠٠ سنة على القدس وهي تغوص في بحار الدماء وتداس مقدساتها بأقدام الطغاة شهدت القدس جيشا دخلها ولكن اختلفت الأوضاع كما كانت القدس تعهده عند اقتحام الجيوش أبوابها، فقد قصد الجيش الإسلامي فتح الشام (ومنها القدس) في خلافة الصديق فتوجه المسلمون نحو الشام وهم يحملون رسالة الإسلام، وقد أمرهم الصديق الأكبر بالأوامر التالية: "لا تخونوا، ولا تغدروا، ولا تسرفوا في القتل، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا صبيا ولا عجوزا ولا امرأة، ولا تحرقوا نخلا، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرا إلا لله، وإذا مررتم بقوم اتخذوا صوامع وسكنوها فدعوهم وما هم عليه". ووصلت الجيوش الإسلامية إلى مدينة القدس أوائل خلافة عمر بن الخطاب ثاني الراشدين فحاصر القدس عمرو بن العاص بجيشه عدة أشهر
ورفض السكان تسليم المدينة إلى القائد وإبرام الصلح معه ورضوا بتسليم المدينة لأمير المؤمنين عمر نفسه، فاطلع عمرو أمير المؤمنين على القضية فجاء عمر على بعير يتعاقبه هو وغلامه إلى القدس، وخرج لاستقباله كبار المسيحيين وفي مقدمتهم رجال الدين المسيحي وكتب بينهم المعاهدة التالية:
стр. 75
"هذا ما أعطى عبد الله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أهل ايلياء، أمنهم على أنفسهم وأموالهم وكنائسهم وصلبانهم، وسقيمها وبريئها وسائر ملتها أنه لا تسكن كنائسهم ولا يهدم ولا ينقض منها ولا من حيزها ولا من صليبهم ولا من شيء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم، ولا يسكن بايلياء معهم من اليهود أحد، وعلى أهل ايلياء مقابل ذلك أن يعطوا الجزية كما يعطى أهل المدائن، وعليهم أن يخرجوا منها الروم واللصوص، فمن خرج منهم فإنه آمن على نفسه وماله حتى يبلغوا مأمنهم، ومن أقام منهم فهو آمن على نفسه وماله وعليه ما على أهل ايلياء من الجزية، ومن أحب من أهل ايلياء أن يسير بنفسه وماله مع الروم فإنهم آمنون على بيعهم وصلبانهم حتى يبلغوا مأمنهم، ومن كان بها من سائر أهل الأرض فمن شاء منهم قعد وعليه ما على أهل ايلياء من الجزية، ومن شاء سار مع الروم، ومن شاء رجع إلى بلده".
وهكذا لأول مرة دخل قائد بجيشه القدس يرحب بهم أهلها، ولم يقتل إنسان واحد باتفاق المؤرخين وبشهادة أعداء الإسلام أنفسهم. وظل المسيحيون يتمتعون بالأمن والاستقرار أيام الحكم الإسلامي على القدس قرابة قرنين ونصف قرن.
١٣- حتى تحركت الضغائن الصليبية فهاجم القدس الجيوش الصليبية أكثر من مرة، وضعف المسلمون وعجزوا عن المقاومة فاحتلتها الجيوش الصليبية عام ١٠٩٩ميلادية وقتل المسيحيون الذين يدعون أنهم رسل السلام والرحمة في يوم الاحتلال سبعين ألفا من المسلمين في القدس. ومكثوا فيها حاكمين ومستولين عليها مدة ٩٠ عاما، حتى قيض الله للإسلام صلاح الدين الأيوبي فأعاد القدس إلى أهلها المسلمين وذلك في عام ١١٩٣ ميلادية واستعمل مع المسيحيين من النبل والرفق والسماحة ما جعل الأعداء يشهدون له بالأنصاف والعدل. وهدأت القدس بعد ذلك قرابة ثمانية قرون بفضل الحكام المسلمين.
следующие страницы →