← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

١- وأقدم فتنة سجلها التاريخ لبيت المقدس هي القتل والتخريب العام الذي قام به بنو إسرائيل عام ألف ومائة وتسعة وثمانين قبل الميلاد: فتقول التوراة: (سفر يوشع الفصل السابع ٢٢١) "إن بني إسرائيل خرجوا من أريحا يقصدون فتح مدينة (بيوس) -وهي اسم مدينة القدس آنذاك- فما مروا على مدينة من مدن فلسطين إلا وقتلوا كل من فيها من إنسان وحيوان، فعلوا ذلك في أريحا وبيوس ووو وهي أمهات المدن الفلسطينية آنذاك". ونصوص التوراة تؤكد أن بني إسرائيل كانوا يحرقون كل مدينة فتحوها بعد قتل من فيها من الأميين. ٢- ثم من الفتن التي حفظها التاريخ لبيت المقدس حملة الملك الآشوري (سنحاريب) التي كانت في عام ٧١٣ قبل الميلاد - أي بعد الفتنة الأولى ب٤٨٠عام- فقد استولى الملك الآشوري على القدس وقتل كل من قدر عليه من اليهود وحمل ما استطاع من الأموال وعاد إلى بلاده. ٣-ثم عاد بعد ثلاث سنوات - أي في عام ٧١٠ قبل الميلاد - فأجهز على بقية سكانها وخرب المدينة المقدسة. ولكن ما إن ستتب له الأمر في القدس حتى عم جيشه الطاعون فقتل أكثر من مائة وثمانين ألفا من جيشه وكان السبب في إنهاء الحكم الآشوري عن العالم. ٤-ثم هاجم القدس بعد الآشوريين حكام مصر فاحتلوها وأصبح أهلها يؤدون الخراج للفراعنة مدة غير طويلة من الزمن. ٥-ولما استقل اليهود بالحكم في فلسطين بعد ذلك عاثوا في الأرض فسادا كما تقتضيه السجية اليهودية فانتقم الله منهم فسلط عليهم (بختنصر) ملك بابل فهاجم القدس البابليون بقيادة الملك المذكور واحتلوها عام ٥٩٧ قبل الميلاد فقتل الكثير من سكانها ثم صالح بقية السيف منهم على خراج سنوي يحملونه إلى بابل.

стр. 72

٦-ولكن الإسرائيليين ثاروا ضده وخلعوا طاعته فعاد إليهم عام ٥٨٦ قبل الميلاد وحاصر القدس مدة سنتين ثم فتحها وقتل كل من شاء من اليهود وأخذ معه أشراف بني إسرائيل وعلى رأسهم (حزقيا) أسرى إلى بابل، وغادر القدس بعد أن أحرق المعبد وهدم المدينة وتركها في صورة مقبرة. وبقيت القدس مهجورة حتى انقرض ملك البابليين واستولى على بابل أحد ملوك فارس الأقدمين المعروف (كورش) فعطف على اليهود وأحسن إليهم وأعادهم إلى القدس وساعدهم في تجديد بناء المدينة المقدسة. ٧-ولما استعاد اليهود حريتهم عادوا إلى الفساد والظلم فسلط الله عليهم أحد خلفاء اسكندر المقدر ني فقد هاجم القدس القائد الروماني (انتيوخوس آبيفانوس) عام ١٦٨ قبل الميلاد وأحتلها وخرب المعبد وهدم حصار المدينة وقتل معظم سكانها، ومن هذا التاريخ أصبحت القدس تحت سيطرة الرومان. ٨-وفترة حكم الرومان على فلسطين كانت مدينة القدس معرضة للقتل والتخريب أكثر من أية مدينة فلسطينية أخرى، ولم تخل المدينة من الثورات والفتن يوما من الأيام ففي عام ٦٥ قبل الميلاد حاصر القائد الروماني الجبار (بومبي) مدينة القدس مدة ثلاثة أشهر ثم فتحها وقتل أكثر أهلها. ٩- وكذلك أيام حكم القائد الروماني (بيلاطس) الذي حكم فلسطين من سنة ٢٩إلى ٣٩ بعد الميلاد تعرضت القدس للخراب والهدم عدة مرات طيلة عشر سنوات.

стр. 73

١٠- ولم تكد القدس تنسى الفتن والغارات التي مر بعضها حتى دهمتها الفتنة التي يقول المؤرخون عنها أنها كانت منقطعة الشبيه في تاريخ القدس المليء بالأحداث والفت: فقد هاجم القدس السفاك الروماني (تيطس) عام ٧٩ بعد الميلاد، وحاصر المدينة مدة طويلة حتى هلك الآلاف من سكانها جوعا، ثم عجز أهلها عن المقاومة فاستسلموا وفي ذلك يقول المؤرخ الشهير (يوسيفوس) الذي كان شاهد الوقعة حين اقتحام (تيطس) وجيشه مدينة القدس: "إن القتلى في ساحة المعبد وحدها بلغت عشرة آلاف نفس معظمها من النساء والصبيان والشيوخ الذين كانوا قد استعاذوا بالمعبد، وكانت الدماء تجري في الشوارع، وحسبنا أن نعلم أن عدد القتلى في هذه الحادثة قدر بنصف مليون نسمة، واستمر القتل مدة أشهر، وكانت النار مشتعلة في أكثر أحياء المدينة عدة أسابيع. وأخذ السفاك معه كثيراً من الشباب وباعهم في روما. ١١- ثم جاء دور الملك الروماني (آدريانوس) فهاجم القدس واحتلها عام ١٣٥ بعد الميلاد ووضع السيف في أهلها وهدم المعبد ولم يبق من المدينة حجر على حجر. ولم يقتصر الملك الروماني على قتل اليهود بل قتل من قدر عليه من النصارى، وأمر بإخراجهم من كنائسهم وهدمها وبني معبدين في القدس أحدهما باسم الزهرة، والآخر باسم المشترى. ١٢- ثم هاجم القدس عام ٦١٤ بعد الميلاد جيش فارس فاحتلوها وقتلوا أكثر من ٩٠ ألفا من سكانها المسيحيين، وبتحريك من اليهود هدموا كنيسة القيامة كما كسروا الصليب المقدس (حسب زعم النصارى) .

стр. 74

هذه بعض الفتن والمصائب مرت بهذه المدينة المقدسة، ولا يخفى أن أكثر الفتن المذكورة في العصور المختلفة كانت اليهود إحدى حجري الرحى فيها وبعد مضي ١٧٠٠ سنة على القدس وهي تغوص في بحار الدماء وتداس مقدساتها بأقدام الطغاة شهدت القدس جيشا دخلها ولكن اختلفت الأوضاع كما كانت القدس تعهده عند اقتحام الجيوش أبوابها، فقد قصد الجيش الإسلامي فتح الشام (ومنها القدس) في خلافة الصديق فتوجه المسلمون نحو الشام وهم يحملون رسالة الإسلام، وقد أمرهم الصديق الأكبر بالأوامر التالية: "لا تخونوا، ولا تغدروا، ولا تسرفوا في القتل، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا صبيا ولا عجوزا ولا امرأة، ولا تحرقوا نخلا، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرا إلا لله، وإذا مررتم بقوم اتخذوا صوامع وسكنوها فدعوهم وما هم عليه". ووصلت الجيوش الإسلامية إلى مدينة القدس أوائل خلافة عمر بن الخطاب ثاني الراشدين فحاصر القدس عمرو بن العاص بجيشه عدة أشهر ورفض السكان تسليم المدينة إلى القائد وإبرام الصلح معه ورضوا بتسليم المدينة لأمير المؤمنين عمر نفسه، فاطلع عمرو أمير المؤمنين على القضية فجاء عمر على بعير يتعاقبه هو وغلامه إلى القدس، وخرج لاستقباله كبار المسيحيين وفي مقدمتهم رجال الدين المسيحي وكتب بينهم المعاهدة التالية:

стр. 75

"هذا ما أعطى عبد الله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أهل ايلياء، أمنهم على أنفسهم وأموالهم وكنائسهم وصلبانهم، وسقيمها وبريئها وسائر ملتها أنه لا تسكن كنائسهم ولا يهدم ولا ينقض منها ولا من حيزها ولا من صليبهم ولا من شيء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم، ولا يسكن بايلياء معهم من اليهود أحد، وعلى أهل ايلياء مقابل ذلك أن يعطوا الجزية كما يعطى أهل المدائن، وعليهم أن يخرجوا منها الروم واللصوص، فمن خرج منهم فإنه آمن على نفسه وماله حتى يبلغوا مأمنهم، ومن أقام منهم فهو آمن على نفسه وماله وعليه ما على أهل ايلياء من الجزية، ومن أحب من أهل ايلياء أن يسير بنفسه وماله مع الروم فإنهم آمنون على بيعهم وصلبانهم حتى يبلغوا مأمنهم، ومن كان بها من سائر أهل الأرض فمن شاء منهم قعد وعليه ما على أهل ايلياء من الجزية، ومن شاء سار مع الروم، ومن شاء رجع إلى بلده". وهكذا لأول مرة دخل قائد بجيشه القدس يرحب بهم أهلها، ولم يقتل إنسان واحد باتفاق المؤرخين وبشهادة أعداء الإسلام أنفسهم. وظل المسيحيون يتمتعون بالأمن والاستقرار أيام الحكم الإسلامي على القدس قرابة قرنين ونصف قرن. ١٣- حتى تحركت الضغائن الصليبية فهاجم القدس الجيوش الصليبية أكثر من مرة، وضعف المسلمون وعجزوا عن المقاومة فاحتلتها الجيوش الصليبية عام ١٠٩٩ميلادية وقتل المسيحيون الذين يدعون أنهم رسل السلام والرحمة في يوم الاحتلال سبعين ألفا من المسلمين في القدس. ومكثوا فيها حاكمين ومستولين عليها مدة ٩٠ عاما، حتى قيض الله للإسلام صلاح الدين الأيوبي فأعاد القدس إلى أهلها المسلمين وذلك في عام ١١٩٣ ميلادية واستعمل مع المسيحيين من النبل والرفق والسماحة ما جعل الأعداء يشهدون له بالأنصاف والعدل. وهدأت القدس بعد ذلك قرابة ثمانية قرون بفضل الحكام المسلمين.

стр. 76

١٤- إلى قيام الحرب العالمية حيث احتلتها القوات البريطانية عام ١٩١٩ فوجد اليهود فرصة مناسبة وتستروا وراء بريطانيا وأخذت الأسراب اليهودية تهاجر إلى القدس من جميع أنحاء العالم حتى قامت عصابة منهم وشكلوا دولة احتضنتها الدول الصليبية الحاقدة على الإسلام، وأخذوا جزءا من القدس عام ١٩٤٨ميلادية. ١٥- ثم استولت اليهود على مدينة القدس عام ١٩٦٧ وهاهي الآن تداس مقدساتها تحت أقدام اليهود، تنتظر صلاح الدين آخر ينقذها من شذاذ الآفاق ويعيدها إلى المسلمين. والله المستعان. الجمال أم القوة؟ إذا كان الفن يصقل المواهب وينمي الشعور بالجمال فإن الأمة المحاطة بالإعداء، في حاجة إلى ما يفتل السواعد، ويلهب الإيمان، ويقوي الأخلاق، ويفتح العقول، ويدفع عن الأمة خطر الإبادة أو الاحتلال ((هكذا علمتني الحياة))

стр. 77

دروس من الوحي للشيخ محمد شريف الزيبق صدر أخيرا عن الدار السعودية للنشر هذا الكتاب الذي يعتبر حلقة من حلقات الأدب الإسلامي، الذي يمتاز بطريقة عرضه وأسلوبه، وهو عبارة عن محاورات إذاعية في ضوء الكتاب والسنة النبوية. وللأستاذ المجذوب جولات موفقه في كتابة القصة، فقد صدرت له عدة قصص ناجحة مثل: بطل إلى النار، قصص من الصميم، صور من حياتنا، قصص من مجتمعنا، فارس غرناطة وقصص أخرى، ويأتي أخيرا هذا الكتاب (دروس من الوحي) ، صدى لتلك الجلوات الروحية حين كان يخلو بكتاب الله، أو الحديث النبوي بوعي وتفتح، فتنقدح في قلبه انطباعات تطل به على آفاق من السعادة والغبطة والجمال، لا سبيل إلى استيفاء وصفها، ولا سبيل إلى تناسيها..كما يقول في المقدمة. والموضوعات التي عالجها في هذا الكتاب أو (الدروس) مختارة من القضايا الإسلامية الراهنة التي لها أثرها العميق في حياة المسلمين مثل: التوحيد الخالص - الإيمان باليوم الآخر - الرضا بالقضاء والقدر - أثر العبادات في تقويم السلوك ... وقد عمل على ربط هذه الموضوعات بواقع المسلمين في تحليل دقيق عميق. كما ناقش كثيرا من المشكلات الخطيرة التي واجهت الأمة الإسلامية، ففند الدعوات القومية في فصلي (الشرف الباذخ) (وسوف تسألون) ، وتصدى لبحث الصراع بين الإيمان والكفر في (مكر الليل والنهار) و (حزب الله) ، ودحض الإسرائيليات المدسوسة في كتب التفسير في (قصة الغرانيق) و (لابد من الصراحة) . وفي هذا الفصل الأخير بحث قصة زينب ﵂ وزواج النبي منها، إلى غير ذلك من الموضوعات الهامة.

стр. 78

وقد أتخذ لهذا الكتاب أسلوب الحوار بين (الشيخ) و (التلميذ) فوفق إلى أبعد حدود التوفيق، وكتاب الله العظيم قد أشتمل في كثير من سوره على أنماط من الحوار الرائع. والطريقة الحوارية إلى ما فيها من تشويق، طريقة مفيدة في تبسيط المعاني وتقريبها إلى الأفهام، ولذلك اختارها الحكماء والمجيدون من الكتاب، ولا يحسنها إلا من أوتي طاقة فنية عظيمة كالأستاذ المجذوب، الذي له القدم الراسخة في مختلف ميادين الأدب من شعر ونثر وقصص. وقد تناول المؤلف في فصل عنوانه: (حي على الصلاة) معارك المسلمين مع الشيوعية والصليبية، داعيا إلى استعادة روح الصلاة الخاشعة، فبها يعيدون شخصيتهم، ويحسنون التصرف بطاقاتهم.. وروح الصلاة تتمثل في المساواة والقضاء على التفاوت الذي تخلفه تعقيدات المدنية بين أصناف الناس وطبقاتهم، مما يسميه التقدميون (الصراع الطبقي) ..ويقول: "الصلاة هي الكفيلة بمحو ذلك القلق وإذا به ذلك التوتر بما تتيحة للمصلى بين ساعة وساعة من فرص التأمل الهادئ والمناجاة الخاشعة للخالق.. حيث يتلاقى المختلفون من البشر كل منهم بجانب الآخر، وقد تفتت من بينهم الحواجز، وتماست المناكب، وتلاقت الجباه على الأرض، تسبح مانح الحياة، وقد عاودها اليقين بوحدة المنبت والشعور بالحاجة إلى رحمة الله.."

стр. 79

وفي الحديث عن أسرار الصلاة يعرب المؤلف عن تجربة من تجاربه الروحية، حيث يجد في الصلاة علاجا للشرايين المرهقة تحت أثقال التفكير، فبالوضوء تبرد حرارة الأعصاب، وبالصلاة تخفف من ضغط الإرهاق.. وكأنه بهذا يشير إلى قوله ﷺ : "أرحنا بها يا بلال". وفي فصل آخر عنوانه: (جليس الله) يتناول بالبحث أثر البيئة في توجيه الأفراد حيث يقول: "فنحن نتأثر بالأستاذ والصديق والكتاب والجو والطعام والكساء ونوع الحياة، كل أولئك يترك في حياتنا انطباعاته العميقة، التي يتعذر علينا التحرر منها بغير الحصانة العقلية التي تحسن النقد.." وينتهي إلى المقارنة بين إنسان يألف جو المقاهي، وما فيها من لغو وعبث وفضول وثرثرة لا خير فيها سوى تبديد ساعات العمر.. وبين إنسان آخر أخذ نفسه بملازمة المساجد، فقلبه معلق بها، لا يطمئن إلا حين يعود إليها.. الأول يعيش حياته بروح (المقاهي) صلته بأهله وبالناس صورة مجسمة من صلته برفاق ذلك الجو العابث المحتال، والآخر إنسان يعامل أهله ومجتمعه بروح المسجد الذي عوده الهدوء والوقار وخفض الصوت واستحضار جلال الله من خلال كتابه أثناء مناجاته والرفق بإخوانه المصلي، واستشعار حقهم عليه وواجبة إزاءهم..ذلك أثر الاعتكاف الجزئي في حياة رواد المساجد لأداء الصلوات الخمس فكيف بآثار الاعتكاف الكلي الذي يستغرق الشهر كله أو ثلثه في مصاحبة الله: "إذا شئت أن أخاطب ربي صليت له، وإذا شئت أن يخاطبني قرأت كتابه". وفي فصل (نماذج مشوهة) يبحث موضوع الصد عن سبيل الله من خلال آيات سورة هود تقارن بين فريقين: الكافرين الذين يصدون عن سبيل الله، والمؤمنين الذين عملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم "مثل الفريقين كالأعمى والأصم، والبصير والسميع، هل يستويان مثلا؟ . أفلا تذكرون؟ "وإليك بعض هذا الحوار البديع: الشيخ: وقد رأيت ألوانا من هذا المنع في موقف قريش من دعوة محمد ﷺ .

стр. 80

التلميذ: أجل رأيت سياط التعذيب تنصب على ياسر وسمية وبلال وزنيرة وإخوتهم من المؤمنات والمؤمنين. الشيخ: ولعلك لم تنس بعد تلك الألوان الأخرى من المنع تتجلى في دعاية أبي لهب وأبي جهل والنضر بن الحارث الذي حاول صرف الناس عن كتاب الله إلى أساطير الأمم! التلميذ: ذلك الغوي الذي روى الله في القرآن قوله الوقح: ﴿سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّه﴾ الشيخ: هو نفسه. أتذكر موقف قريش من الأعشى الشاعر يوم قدم مكة راغبا في الإسلام أنزل الله؟ التلميذ: ذلك الذي يقول عن ناقته وهو يمدح رسول الله: فآليت لا ارثي لها من كلالة ولا من حفي حتى تزور محمدا نبي يرى ما لاترون، وذكره أغار لعمري في البلاد وانجدا.. الشيخ: ذاكرة مسعفة، فهل تذكر كيف صدته قريش عن الإسلام؟ التلميذ: لا أستطيع نسيان تلك الوسيلة الخسيسة، التي عمد إليها بعض المشركين يوم ذاك، إذ اعترضوا طريق الشاعر يحاولون تنفيره من الإسلام، بذكر ما يحرمه من الفجور والشرور. الشيخ: ردوه عن بغيته أخيرا؟ التلميذ: قالوا له: "ولكن محمدا يحرم الخمر.."فأوجس المسكين خيفة.. وقال: "أما هذه فوالله إن في النفس منها لعلالات، وإني منصرف فأتروى عامي هذا، ثم آتيه فأسلم.."الخ هذا الحوار الذي يعدد نماذج من الصد عن سبيل الله، كالحيل النفسية أو (الدعاية الفكرية السيكولوجية) التي تعتبر أشد الوسائل الإبليسية أثرا في القلوب الهشة والعقول الغضة، إذ سرعان ما تستهويها ببهرج القول.. إنها نماذج مشوهة، كثيرا ما نصطدم بها في حياتنا اليومية!..ومن الصد عن سبيل الله تحويل المجتمع إلى سجن كبير، يفرض على سجنائه ألا يقرأوا إلا ما يكتبه سجانهم، ولا يأكلوا إلا ما يقدمه لهم، ولا يتحركوا إلا في الاتجاه الذي يحدده لهم!..واستمع معي إلى هذا الحوار الرائع:

стр. 81

التلميذ: والغريب في أمر هذا السجان وزمرته أنهم لا يكتمون ما يريدون!. فهم يعلنون في كل مناسبة أنهم يستهدفون تفكيك بنية المجتمع لإعادة بنائه على طريقتهم. الشيخ: طريقتهم الإبليسية التي يسمونها (العلمية) مبالغة في التضليل! التلميذ: يا للحصار الجهنمي!. الشيخ: وهم لا يكتفون من سجنائهم بالسكوت حتى يكرهوهم على الهتاف بحياتهم، وتمجيد جهودهم في سلخهم عن مقوماتهم، والويل للذين يستنكفون عن الخضوع لهذا التخطيط الرهيب!! التلميذ: مهما يكن هذا الويل فهو أهون من قبول الهوان والكفر. الشيخ: يبدوا لي أنك لم تسمع حتى الآن بالمحاكمات المزيفة ولا بالتهم المزورة، والإقرارات المأخوذة تحت وقع السياط ونفخ الأحشاء ولذع الكهرباء! التلميذ: سمعتها.. ولكني لم استطع تصديقها. الشيخ: من حقك أن تكذبها يا بني.. لأنك لا تعرف حقيقة أصحابها. التلميذ: وهل تبلغ القسوة بإنسان إلى هذا الحد؟ الشيخ: هؤلاء يا بني انسلخوا من إنسانيتهم، منذ كفروا بلقاء ربهم، وبذلك كانوا على أتم الاستعداد لكل كبيرة تحقق شهواتهم! التلميذ: لا أكاد أفهم مرادك. الشيخ: فتذكر أن إنكار البعث أهم الأسباب في فقدان الشعور بالمسؤولية، لأن الكافر بلقاء الله لا يستطيع أن يتصور أن وراء هذه الدنيا حسابا على أي تصرف!. التلميذ: الآن فهمت معنى قوله تعالى في وصفة ذلك الفريق: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ ! الشيخ: فضم إلى فهمك الجديد أيضا ملاحظة تكرار الضمير في هذا التعبير، ثم سل نفسك عن مدلوله الخ..

стр. 82

وفي قصة الغرانيق لا يتردد الكاتب في القطع بأنها أكذوبة دسها أعداء الإسلام للإساءة إلى مقام صاحب الرسالة ﵊. وكيف ينطق الوحي أو النبي ﷺ بمدح الأصنام التي ما بعث إلا لهدمها، فيقول في اللات والعرى ومناة الثالثة الأخرى: "تلك الغرانيق العلى، وإن شفا عتهن لترتجى"كما تزعم تلك الرواية المدسوسة أيضا أنه تكلم بذلك في نادي قومه، فرضوا بما تكلم به، فلما أمسى أتاه جبريل فعرض عليه السورة فلما بلغ الكلمتين قال جبريل ﵇: "ما جئتك بهاتين! ". فما زال مغموما حتى نزل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِه..﴾ الخ. وفي الحوار التالي يدلل المؤلف على بطلان هذه الرواية: التلميذ: إني إنكرها كلها، إنني أجد فيها إساءة إلى مقام صاحب الرسالة. الشيخ: وما حجتك في ذلك؟ التلميذ: معارضتها للآيات التي تؤكد عصمة الرسول من كيد الشيطان وحسبنا منها قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ . الشيخ: بخ، بخ!. هذا يا بني إدراك الفطرة الصافية، فأضف إليه ما قرره جهابذة الحديث من قدماء العلماء ومحدثيهم أن القصة باطلة موضوعة.. التلميذ: باطلة موضوعة؟! الشيخ: بل إن ابن خزيمة صاحب الحديث الصحيح المعروف يقول: "إنها من وضع الزنادقة!. (وبعد أن يشير المؤلف إلى أن بعض متأخري المفسرين ينقلون الروايات عن المتقدمين دون مناقشة أو تحقيق يعود فيقول) : التلميذ: ثق يا بني أن مثل هذا السؤال قد تردد في أفواه الجميع سواء من صدق القصة ومن كذبها..ولكن الوهم إنما جاء المصدقين من براعة الحبكة في تأليف القصة وطرق روايتها! التلميذ: زدني إيضاحا من فضلك.

стр. 83

الشيخ: لقد رأى هؤلاء الفضلاء ضعف القصة من حيث المضمون ولمسوا ضعفها من حيث الرواية، ولكنهم وجدوا طرقها متعددة فلم يجرؤوا على ردها! التلميذ: حقا إنه لموقف حرج! الشيخ: غير أنه حرج موهم..فهي من حيث المضمون متعددة الصور إلى حد التعارض الصريح، كما رأيت ومن حيث السند ليس في طرقها ما يسمو على مستوى الإرسال والضعف أو الجهالة كما يؤكد المحققون. ويختتم المؤلف بحثه ببيان معنى الآيات موضحا أن الأمنية كالاملية وزنا ومعنى، وهي ما يمليه القارئ أو المتكلم على سواه. فالله سبحانه يخبرنا أن الشيطان لا يكف عن محاولاته لإفساد رسالات الأنبياء فإذا ما بلغوا وحي ربهم على أتم وجه, جاء الشيطان يزين للناس تحريف المعاني الإلهية بزيادة أونقصان ولكن الله برحمته يهيئ للحق رجالا يجلونه أبدا. . ثم يبين الله سبحانه لنا الحكمة من إتاحة الفرصة لمحاولات الشيطان، إذ يجعل ذلك بمثابة امتحان يقيم به الحجة على دعاة الفساد، ويشد عزائم المؤمنين في الاعتصام بالحق.." وكذلك يفعل في رد قصة زينب في فصل (لابد من الصراحة) مقررا أن مدخل القصة في تفسير الخازن يحمل بنفسه طابع الافتعال.. فهو يعرض المواجهة بين رسول الله ﷺ وزينب على الطريقة المعروفة في قصص الحب!.. إنسان عادي يرى إنسانة في مظهر مغر، وفي غيبة زوجها، فيقع في هواها!.. ثم يتعرض الرسول.. صلوات الله وسلامه عليه – في زعم الرواية – إلى صراع نفسي، إذ يحاول كتمان هواه خشية كلام الناس!.. فلا يستطيع إلى ذلك سبيلا.. لأن الله قد قضى بإظهاره!

стр. 84

وبعد أن يشير المؤلف إلى نقد المحققين للخبر، وحكم ابن كثير بعدم صحته، يوضح الحقيقة الناصعة وهي أن زيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ الذي أنعم الله عليه بالإسلام وأنعم عليه النبي بالحرية، لما تزوج زينب كرهته، فلما استيأس منها ومن إمكان استمرار الحياة الزوجية معها أراد أن يطلقها رغم الحاح النبي عليه "أمسك عليك زوجك.." فلما طلقها فرض لله على رسوله الزواج منها ليهدم بذلك عرفا جاهليا كان يقضي باعتبار المتبني ابنا شرعيا تحرم مطلقته على متبنيه لأنها في نظرهم زوجة ابنه: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ .. والذي كان يخفيه النبي ﷺ في نفسه هو علمه بما قدر الله له من زواجها، إذ كان ربه قد أوحى إليه بذلك، وهذا ما تؤكده أوثق مصادر السنة..الخ ويصور المؤلف حكم الطواغيت، الذين يفسدون ضمائر العامة بعد إفساد معاني الكلمات، فيسمون الظلم عدلا، والباطل حقا, والكفر تقدميه، والدعوة إلى الإسلام خيانة ورجعية (راجع: مكر الليل والنهار) ويعرض الإخوة الإسلامية في المجتمع الذي أقامه الإسلام، بعد تقويض الروابط الجاهلية، التي تعتبر القرابة الدموية هي ركيزة المجتمع، منددا بالمنحرفين عن أخوة الإسلام إلى الدعوات العصبية والمذاهب المستوردة التي تفتت القوى وتمزق الأرحام.. جاهلية جديدة يدفعون إليها شعوبهم في الطريق المعاكس تماما لأخوة الإسلام.. (راجع حزب الله)

стр. 85

وللتنديد بالدعوات القومية فصول عدة في الكتاب وعلى الخصوص (وسوف تسألون) و (الشرف الباذخ) ، تناول بالبحث قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ..﴾ وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلونَ﴾ فبين أن الله سبحانه أنزل كتابه رحمة للعالمين، وهدى للناس أجمعين، ولكنه خص العرب هنا بالخطاب تشريفا لهم باصطفائهم لتبليغه إلى العالم.. وهي الوظيفة التي حولتهم من قبائل مفككه متطاحنة مغمورة إلى أمة رائدة معلمة تحتل أبرز صفحة في تاريخ الدنيا.. وفي الآية الثانية بشرى وإنذارا.. أما البشرى ففي كون هذه الرسالة شرفا لمحمد ﷺ ولقومه، وأما الإنذار ففي تذكيرهم بمسؤلية الدعوة والحفاظ عليها والتزام سبيلها، وتهديدهم بالحساب على كل تقصير في شأنها.. وينتهي إلى القول: "لقد سقطت فلسطين في أيدي الصليبية من قبل فلم ينقذها سوى الإسلام، ووحد الإسلام العرب، فلم تمزق وحدتهم إلا الدعوات الدخلية التي وفدت من وراء جزيرتهم، وهذا يعني ألا مجد ولا حرية ولا وحدة للعرب إلا بالاستمساك بالإسلام.."ولولا خشية التطويل لنقلت لك الحوار الجميل بتمامه. وإليك قطعة من (الشرف الباذخ) : الشيخ: وقد وصفهم الله بالأميين ليذكرنا بقدرته التي كونت من خامات الجاهلية الجهلاء خير أمة أخرجت للناس!.. التلميذ: يا لها من معجزة كبيرة! الشيخ: بل قل يا له من شرف باذخ، أن يعهد الله بأمانته العظمى إلى هذه القبائل الضالة المتناحرة فيخرجها من الظلمات إلى النور ويبوأها عرش القيادة العالمية! التلميذ: يا له.. من شرف ياذخ! .. الشيخ: يا بني.. إنه الشرف الذي تقرأه في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ؟﴾ . التلميذ: وأي ذكر للعرب أفخر من أن يقترن اسمهم برسالة الإسلام!

стр. 86

الشيخ والآن نتذكر أن هذا الإسلام دعوة الله، لا يملكها أحد ولا تحتكرها أمة.. أخرج الله بها العرب من قوقعة العصبية إلى رحاب الإنسانية.. فهم أحق بشرفها ماداموا في خدمتها، فإذا تخلوا عنها كان كل آخذ بها أحق بذلك الشرف منهم. التلميذ: كأني بالشيخ الفاضل يردد قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب "نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، ومهما نبتغ العزة بغيره أذلنا الله.." الشيخ: رضي الله عن الفاروق.. إنه حين أرسل كلمته كان ينظر إلى هذه الحقيقة الضخمة بنور الله.. فاسأل ربك من هذا النور يا بني.. التلميذ: اللهم إني أسألك لي ولشيخي من هذا النور ما يعيننا على فهم وحيك.. الشيخ: اللهم آمين.. وفي ظل هذا النور ستدرك يا بني معنى ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ . التلميذ: كنت على وشك أن أسألك عن هؤلاء الآخرين.. الشيخ: إنهم يا بني جميع الأفراد والأقوام الذين كتب الله لهم الهداية إلى هذا النور.. منذ الصدر الأول حتى يرث الله الأرض ومن عليها. التلميذ: وهكذا يجمع الله العرب والعجم على أخوة الإسلام، فلا يبقى لعربي على أعجمي، ولا لأبيض على أسود فضل إلا بالتقوى.. الموضوعات التي عالجها المؤلف ببراعته وفنه، فأنا أكتفي بما اقتبسته تاركا للقارئ الكريم أن يظفر بمتعته الكاملة حين يخلو إلى (دروس من الوحي) وسيشاركني الرأي بأن المؤلف كثيرا ما يخدع القارئ عن نفسه، ببراعته وحواره البديع، الذي يمسك بأنفاسه، ويغريه بمتابعة القراءة، ظنا منه أنه يقرأ قصة تمثيلية مسلية.. ولكنه لا يلبث أن يدرك أنه وقع في شبكة عالم متبحر، ومفكر عميق التفكير، وداعية إلى الله على بصيرة، وإذا هو يفيد علما، وترشف روحه من منابع الوحي في الكتاب والسنة، وما أكثر ما يجد القارئ نفسه مع المؤلف أمام بحوث علمية عميقة، ولكنها مبسطة، فينال من المتعة الفكرية والروحية أو فى نصيب.

стр. 87

ولغة الكتاب من السهل الممتنع تمتاز ببلاغتها وإشراق عبارتها ووضوح فكرتها، ومن هنا كان لنا أن نقول من غير تردد: أن الكتاب يرتفع بالشادين ويلبي رغبة الخاصة من طلاب العلم المتطلعين إلى الثقافة الإسلامية الأصيلة، وهو مرجع هام ونمط رفيع من الأدب الإسلامي الحديث..

стр. 88

ذكرياتي في أفريقيا للشيخ محمد العبودي الأمين العام للجامعة الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وبارك على أشرف خلقه وخاتم أنبيائه ورسله، وعلى آله وصحبه ومن أتبع هداه إلى يوم الدين. وبعد: لقد طلب مني أن يكون عنوان حديثي إليكم عن مشاهداتي في أفريقيا. إنني أقول حديثي ولا أقول محاضرتي، لأنني سوف أتحدث هنا عن مشاهداتي حديثا مرسلا، لا يصل إلى درجة المحاضرة التي تتطلب البحث العميق والتفصيل الكامل في موضوع من المواضيع. ومع ذلك أيها الإخوان، فإن الحديث عن أفريقيا مجاله رحب، وفي الحديث عن الإسلام في أفريقيا وأحوال المسلمين هناك ما يحرك العواطف، ويثير الشجون، وإن أحوال المسلمين في أفريقيا لتتطلب لا الأحاديث الكثيرة فقط، وإنما تستدعي من كل مسلم التفكير في خطط العمل الجاد، والمساهمة بقدر ما يستطيع. أيها الإخوة في الإسلام، إن أفريقيا قارة واسعة شاسعة، ولا يمكن إصدار حكم واحد على مجموعها أو وصفها بصفة تنطبق على كافة أجزائها. فالأحوال في أقطارها متباينة والظروف التي تحيط بأجزائها مختلفة، والمتحدث إليكم لم يشاهد أقطار أفريقيا كلها، ومن الطبيعي أنه لن يتحدث إلا عما شاهدها منها. ولذلك لا بد من أن نحدد المقصود من أفريقيا حين ترد في حديثنا. فنقول: إننا نريد بها ما وراء الصحراء الكبرى جنوبا. إننا نقصد بإفريقيا إفريقيا الفتية التي تحررت أو تحرر أكثرها من الاستعمار، وأخذت تتطلع إلى المستقبل بعين الأمل والرجاء وهي تريد أن تعوض ما فاتها خلال نومها الطويل تحت ليل الاستعمار، ثم تريد أن تساهم بعد ذلك في البناء الحضاري الإنساني. وهي الآن وقد أخذ يتضح لها زيف المبادئ التي كان قد لقنها المستعمرون لأبنائها تبحث عن مبادئ وقيم جديدة, ولن تجد تلك المبادئ الإنسانية النبيلة التي تتفق مع الفطرة وتصلح لكل زمان ومكان إلا في الإسلام.

стр. 89

لقد أتيح لي – أيها الأحبة في الله – أن ازور أفريقيا مرتين، إحداهما في عام ١٣٨٤هـ والثانية في عام ١٣٨٦هـ الموافق للعام الميلادي ١٩٦٧ م. وقد زرت خلال الرحلتين المذكورتين الأقطار التالية: ارتيريا، الحبشة، الصومال، كينيا، يوغندا، تنجانيقا، بورندي، الكنغو، زامبيا، روديسيا، ملاوي. ولن يتسع الوقت بطبيعة الحال للحديث عن كل تلك الأقطار، فالحديث عنها وخاصة عن الإسلام والمسلمين فيها، حديث ذو شجون – كما قدمت – ولكن ما لا يدرك كله لا يترك جله، وفي نطاق الوقت المحدد لهذا الحديث لابد من الإيجاز والاختصار، وإيراد الألفاظ العامة، والأحكام غير المفصلة إلا بالقدر اللازم لفهم الموضوع وفيما لا يتعدى الحقيقة. أيها الإخوان في الله: في مطلع هذا الحديث أحب أن أزف إليكم بشارة تحققت منها عن يقين وبعد تدقيق وإمعان وهي: أن الإسلام في أفريقيا بخير، وأن الإسلام في أفريقيا الآن ليس في مكان الدفاع كما يدعى أعداؤه والمتخاذلون من أبنائه، ولكنه الآن في معظم أقطار أفريقيا كنور الشمس الساطع الذي لا يقف أمامه ظلام. إن الإسلام الآن في أفريقيا ينتشر انتشار النور الساطع الذي يلج – مع كل دقيقة من ارتفاع الشمس – زاوية جديدة، ولكن لا بد أنكم تتساءلون كيف وأين؟ وبأية وسلية كان ويكون انتشاره؟ وأجيبكم بإيجاز فأقول: لقد وفق الله لنشر دينه، أبطالا مجهولين للناس، وأنصارا لا يعرف بعضهم بعضا في البلاد الأفريقية المختلفة.

стр. 90

إنهم جماعة بل جماعات من إخواننا الأفريقيين نذروا أنفسهم لله ووقفوا جهودهم وجهادهم بالنفس والمال في سبيل الله، لم يجدوا العون إلا من الله وكفى به وكيلا، وقد التمسوا العون من بعض إخوانهم المسلمين في خارج أفريقيا فما وجدوا لالتماسهم صدى وذهبت أصواتهم صيحة في واد، ونفخه في رماد، وذلك في الوقت الذي تتدفق فيه المساعدات المادية والمعنوية والمعونات المتعددة على المسيحيين وأعداء الإسلام من شيوعيين وملحدين من خارج القارة تدفقا، مما يثبط عزائم أولي العزم من الرجال، ولكن: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ . أيها الإخوان الأعزاء: سوف أعرض على مسامعكم بعض النماذج، وأضرب لكم بعض الأمثلة، وبإمكانكم أن تقيسوا عليها غيرها. أولها: شخص حي يرزق اسمه الحاج موسى كسولى. من يوغندا. هذا الرجل ولد مسيحيا ولبث كذلك حتى بلغ الثلاثين من عمره، وقد حدثنا عن نفسه فقال: "أول ما فتح الله بصيرتي للإسلام أنني لا حظت أن المسلمين عندما يريدون تأدية الصلاة والعبادة، يقومون بتنظيف أعضائهم، وغسلها من الأدران، ثم يذهبون فيضع كل منهم أشرف عضو في جسده وهو جهة على الأرض، خضوعا وخشوعا لله؛ وقارنت بين ما يفعلونه وبين عبادة النصارى التي لا تشترط الطهارة، والتي ليس فيها سجود، فكان ذلك أول ما استرعى انتباهي، وكان أول ما فتح الله به علي وهداني بسببه إلى الإسلام".

стр. 91

لقد اسلم ذلك الرجل الحاج موسى كسولى وحسن إسلامه، وكان ثريا فأنفق جزءا كبيرا من ثروته على الشؤون الإسلامية، ويكفي أن تعلموا أنه بنى وحده عدة مساجد كبيرة بالأسمنت المسلح، وليس ذلك فحسب بل أن كل مسجد يبنيه له عمارة مكونة من دكاكين وشقق للإيجار، ويوقفها عليه لكي يكون للمسجد موارد ثابتة. وكان من آخر ما فعله في هذا الصدد أن اشترى قطعة أرض في مكان يبعد (٥) أميال من العاصمة (كمبالا) ، وتبلغ مساحة الأرض المذكورة خمسة افدنة فبنى مسجدا جامعا هناك، ومدرسة إعدادية لتعليم العلوم الإسلامية، وجعل فيها قسما داخليا بحيث يقيم الطلبة فيها وينامون ويأكلون ويشربون، وقد أوقف جميع الأرض على المدرسة والمسجد، ويسعى الآن مع جماعة من إخوانه المسلمين لإعادة بناء المدرسة وتوسعتها. ومن أواخر المبرات التي قام بها الحاج موسى كسولى أنه فكر في أمر نساء المسلمين في يوغندا، والجهل المطبق بشؤون الدين الذي يرين على عقولهن، فقام على مشروع يرمي إلى تعميم التعليم الإسلامي للنساء وفتح عدة مدارس وكتاتيب بلغ عددها حتى الآن أكثر من مائتي مدرسة، وبلغت ميزانيتها السنوية مائة وعشرين ألف شلن. ذلك بعض ما قام به هذا الرجل لله وفي الله، نسأل الله سبحانه أن يثيبه على عمله الصالح ويكثر في المسلمين أمثاله إنه سميع قريب. ويقول الحاج موسى كسولى: "إن أمنيته التي يرجو أن تتحقق هي أن يدفن في المدينة المنورة، وقال إنه رصد في البنك مبلغا من المال يكفي لنقله مع مرافقي جنازته إلى المدينة". وهذا أيها الإخوان كان رجلا مسيحيا، ولكنه الإيمان الذي إذا خالطت بشاشته القلوب فعل العجائب، إنه فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. أما المثل الثاني فهو شخص آخر من يوغندا أيضا ولكن من مكان آخر فيها.

стр. 92

إنه الشيخ شعيب اسحق. كان الشيخ شعيب اسحق يملك قطعة من الأرض مقدارها ثمانية وعشرون فدانا، وهي كل ما يملكه وتعتبر من أجود الأراضي في يوغندا، وتقع في كوتومو على بعد (٤٧) ميلا من العاصمة كمبالا، وتنتج الموز الذي منه يأكلون، أو ما يسمونه الماتوكو، والماتوكو نوع من الموز يقطف أخضر ثم يطبخ ويؤكل بالمرق، وهذا الغذاء الرئيسي لسكان مناطق وسط أفريقيا، وهو لهم بمثابة الخبز لسكان الشرق الأوسط، وبمثابة الأرز لسكان الشرق الأقصى، وإلى جانب الموز تنتج الأرض المذكورة محصولا وفيرا من البن. لقد قام الشيخ شعيب وهو حي يرزق الآن وعمره يقارب التسعين عاما أمد الله في عمره في العمل الصالح فأوقف أرضه تلك لله وبنى فيها ثلاث بنايات إحداها مسجدا جامع، والثانية مدرسة إسلامية، والثالثة أماكن للنوم؛ وقد سمى المدرسة المذكورة مدرسة الدين والتهذيب الإسلامي. ووفر لكل طالب يتعلم فيها أن يعيش في تلك المساكن ثم اشترط عليه بعد تخرجه أن يؤسس مع إخوانه في مناطق مختلفة من البلاد، وخاصة في المناطق التي يكثر فيها المسيحيون والوثنيون، مدارس إسلامية، أو بتعبير أدق فروعا لمدرسته تحمل كل منها اسم (مدرسة الدين والتهذيب الإسلامية) وقد بلغ عددها حتى الآن سبع عشرة مدرسة، وأذكر أننا عند زيارتنا للمدرسة الأم في كوتومو حضرت صلاة الظهر فصلينا معا في المسجد، وكان المطر يهطل مدرارا، فتريثنا في المسجد حتى يخف نزول المطر وقد قدم الشيخ شعيب في المسجد شرابا من عصير الفاكهة للحاضرين، فكان أن بدأ بأحد التلاميذ وكان يجلس في وسط الصف وليس بأول الصف، ولما سألتهم عن السبب أجابوا بقولهم: "أن هذا الأخ دخل في الإسلام حديثا وجاء ليتعلم في المدرسة وقد ترك أهله وذويه، فله علينا حق التقديم والتكريم". وحدثنا بعض الشخصيات أن الذين دخلوا في الإسلام على يد الشيخ شعيب المذكور وتلامذته أكثر من مائتي ألف شخص.

стр. 93

المثال الثالث، من كينيا: وهو في شخص الأخ (محمد داود) ومحمد داود قد نشأ وترقى في الوظائف الدينية حتى بلغ رتبة (قسيس) فيما قيل لنا، وكان يتمتع بامتيازات مالية ومعنوية، وله سلطة على عدد من الناس، فأنار الله بصيرته للإسلام فترك جميع ما كان عليه، وهجر مسقط رأسه ومركز عمله، في المدينة كيسو على ضفة بحيرة (فكتوريا ينانزا) وأخذ يتجول في البلاد يدعو إخوانه ومواطنيه من الأفريقيين إلى الإسلام، وقد عرفنا من فضيلة الشيخ محمد قاسم المزروعي رئيس القضاة في كينيا أنه قد دخل عدد من الأفريقيين إلى الإسلام بواسطته، وقد قابلناه في إحدى جولاته في ناحية بعيدة من كينيا، فرأينا فيه رجلا أشرب قلبه حب الإسلام حتى ظهر ذلك على وجهه بشرا وإشراقا وطمأنينة. إخواني:

стр. 94

تلكم نماذج فقط، وهي جوانب مشرقة من الصورة، إلا أن هناك في الواقع الإسلامي في أفريقيا جوانب تدعو للأسف إنها نماذج وصور تمثل الوجه الثاني للصورة، تمثل تعطش المسلمين إلى من يرشدونهم ويعلمونهم، وتمثل جهل المسلمين خارج القارة بإخوانهم، إنها نماذج محزنة أذكر لكم بعضها ولا أطيل لأنني لا أريد أن أبعث الألم في نفوسكم، والحسرة في قلوبكم، إليكم مثالا شاهدته في زامبيا أنقل لكم حرفيا من مذكراتي اليومية ما يتعلق به، وهذا نصها: يوم الأحد ١٩- ٦-٨٤ هـ الموافق ٢٥-١٠-١٩٦٤م ذهبنا بالسيارة من مدينة اندولا في روديسيا الشمالية (زامبيا الآن) إلى حي أفريقي يبعد ثلاثة أميال عن المدينة المذكورة إلى الشرق منها، وذلك لزيارة الجمعية السلامية الأفريقية في اندولا، وللصلاة في المسجد الجامع الوحيد في تلك المنطقة، وقد قابلنا رئيس الجمعية وأمين سرها كما شاهدنا المسجد فوجدناه نظيفا واسعا يتسع لحوالي (ثلاثمائة مصلي) ، كما أن فيه ركنا مخصصا للنساء، ولكن المسجد بحاجة إلى فرش إذ لم يفرش منه إلا قسم قليل جدا، فرش ببطانيات من الصوف صنعتها النساء المسلمات بأيديهن، أما باقي أرضية المسجد فهي بلاط أقرع، كما أنه لا توجد للمسجد منارة ولا دورة مياه للوضوء، ومن المشاريع التي تدور في أذهان أعضاء الجمعية المذكورة ويعتبرونها حلما يسألون الله تعالى تحقيقه أن يتمكنوا من بناء غرفة للإمام وغرفة للمؤذن بجانب المسجد، أما بناء المسجد نفسه فقد تم بطريقة مؤثرة لقد تقدم نفر من المسلمين الأفريقيين، وهم فقراء كلهم من العمال، تقدموا إلى السلطات الإنجليزية بطلب الترخيص بتكوين جمعية تقوم بجمع مبالغ من المال لبناء المسجد، ثم أخذوا طيلة سبع سنوات يجمعون ما تيسر لهم بالشلن الواحد ونصف الشلن وربعه، يطوفون البلاد من أولئك العمال الفقراء على فقرهم حتى جمعوا مبلغ ستة آلاف جنيه أستراليني، وقد اشتروا بها المواد اللازمة من الحديد والأسمنت والآجر

стр. 95

والحديد اللازم للسقف، أي اشتروا ما يحتاجونه إليه من مواد البناء ولكن لم يبق معهم شيء لأجور العمال. ومع ذلك لم ييأسوا، فذهبوا إلى مهندس إنجليزي وطلبوا منه الأشراف على العمل، وعندما بدأ التنفيذ شاهد ذلك المهندس الإنجليزي منظرا مؤثرا، لقد شاهد كل من وجد فسحة من وقته منهم، يحضر من كافة الأعمار من الرجال والنساء وحتى الأطفال عندما يفرغون من المدارس والشيوخ والعجائز كل منهم يأتي للمسجد ويساهم في بنائه، ذلك يحمل لبنة وآخر ينقل التراب، وآخرون يساعدون على خلط الأسمنت حتى بعض العمال الذين يعملون الذين كانوا يخرجون محطمين من مناجم النحاس تحت الأرض التي يعملون فيها، والذين يشاهدون عند خروجهم من جوف الأرض كأنما خرجوا من القبور، كل من يستطيع العمل منهم يساهم بقدر ما أبقى جوف الأرض في جسمه من قوة في المسجد. قالوا لقد غلب التأثر ذلك المهندس الإنجليزي عندما رأي إخلاصهم وصدقهم في بناء المسجد وتنازل لهم عن أجرته في الإشراف على البناء. وهذا مثل آخر وسوف أنقل لكم هنا فقرة من مذكراتي اليومية أيضا في روديسية:

стр. 96

يوم الثلاثاء الموافق ٣٠ شعبان عام ١٣٨٦ هـ هنالك في روديسيا يسكن الأفريقيون في أماكن منفصلة ضمن مساحات معينة، تلكم كانت الساسية المتبعة للحكومة الروديسية وقد بنت الحكومة مدينة صغيرة في ضاحية من ضواحي سالسبوري العاصمة وخصصتها للأفريقيين من عمال الشركات والموظفين من القادرين على دفع الأقساط الشهرية المستحقة، وتسمى: هراري. وهي تقع إلى الجنوب الشرقي من مدينة سالسبوري، وتتكون من بيوت جميلة بعضها على شكل دارات (أي فيلات) ، وبعضها على شكل بيوت صغيرة، يتكون كل منها مما يبدوا غرفة كبيرة من الخارج يقسم إلى عدة غرف من الداخل، ويحيط بكل بيت مساحة من الأرض المزروعة، ولولا أن الأرض هناك كلها خضراء لا سميتها حديقة، ويخترق المدينة أو الضاحية المذكورة شوارع واسعة مبلطة وقد عمها النور الكهربائي وأكملت لها المرافق العامة، حتى الملاعب الرياضية منتشرة فيها مما يجعلها تضاهي في المظهر الضواحي الجميلة في مدن الشرق الأوسط إن لم تفقها. إلا أن ما يضايق الأفريقيين وهو ما يضايق حقا أنهم مجبرون على السكنى منعزلين عن غيرهم من الأوربيين والآسيويين، وحتى الأوربيين والآسيويون، كانوا في السابق ممنوعين حسب أوامر الشرطة من الذهاب إلى مناطق سكن الأفريقيين والاختلاط بهم، ولكن ذلك قد خفت وطأته الآن بسبب المشكلة السياسية التي تتخبط فيها الحكومة الروديسية الحاضرة نتيجة لإعلانها الاستقلال من جانب واحد. فالإفريقيون في مساكنهم الجميلة تلك كأنما يعيشون في سجن كبي، ًإن ما يهمنا في هذا الموضوع ما يأتي:

стр. 97

يوجد مسجد في تلك الضاحية التي يسكنها الإفريقيون دخلناه فإذا به نظيف جميل البناء، متوسط السعة، يحيط به فناء صغير ألحقت به مدرسة من غرفة واحدة كبيرة، وقد زودت بالمقاعد الدراسية وبالسبورات، وبجانبها غرفتان لسكنى المدرس، والمسجد مع ملحقاته مبني بالآجر، ومفروش بفرش بسطية، ويتسع لحوالي (٢٥٠) مصليا. والواقع أن بناءه في ذلك المكان وسط حي أغلبية سكانه من الأفريقيين غير المسلمين، مناسب كل المناسبة، وربما يمكن تحويله في المستقبل إلى مركز من مراكز الدعوة الإسلامية في ذلك الحي. وقد تم بناؤه بطريقة جمع التبرعات حيث قام بعض المسلمين الغيورين بجمع المبالغ اللازمة له شيئا فشيئا، وساهمت الجمعية الإسلامية الآسيوية بنصيب كبير من نفقاته. إلى هنا وكل شيء جميل وسار، ولكن ماذا حدث بعد ذلك؟ لقد عرفنا أن المدرسة الملحقة به ظلت معطلة بسبب عدم وجود مدرس يحسن العربية أو يحسن حتى تدريس المبادئ الإسلامية، والأدهى من ذلك أن الصلاة في ذلك المسجد في كثير من الأوقات كانت تعطل لأنه لا يوجد في ذلك الحي كله إمام يحسن أن يؤم الناس أو يقرأ بعض السور القصار ولو كان لا يفهم معناها، إنه لشيء محزن ولكنه الواقع، وهذا المسجد مثال من أمثلة كثيرة على انعدام الذين يحسنون حتى مبادئ التعليم الإسلامي هناك. أيها الإخوان إن الأمثلة كثيرة والوقت محدود، ولذلك سوف أعرض على أسماعكم جملا موجزة لإخواننا المسلمين في البلاد التي زرناها. أولا: ارتيريا والحبشة يكون المسلمين الأغلبية في تلك البلاد، ولكن ليس في أيديهم من الأمر شيء، ويواجهون ضغطا متزايدا من المبشرين المسيحين، ويشجعهم على ذلك المستشارون الاسرائليون في الحكومة الحبشية، بغية زعرعة الثقة في نفوسهم، وإضعاف روح الإسلام لدى ناشئتهم، وأعظم ميدان نجح فيه أعداء الإسلام ميدان الملاجئ والدور التي تتولى تنشئة أطفال المسلمين من الأيتام ومن لا عائل لهم حتى يشبوا على غير دين الإسلام.

стр. 98

ثانيا: كينيا يقطن الساحل الكيني أغلبية إسلامية من العرب والسواحليين والصوماليين, ويسود الحركة الإسلامية هناك بعض الركود إلا في المظاهر، حيث يوجد في ذلك الشريط الضيق من الأراضي عدد من الجمعيات الإسلامية التي هي أسماء بلا مسميات، ويدور بين البعض ما تكون منها جدال وخصومات، هي ابعد ما تكون عما ينبغي أن تكون عليه علاقات المسلمين بعضهم ببعض. أما في باقي أنحاء كينيا فإن الإسلام يتقدم وينتشر، وفي كل يوم يزيد عدد الداخلين في الإسلام ويزيد عدد المساجد والكتاتيب الإسلامية، ويذكر هنا أن حكومة الرئيس كينياتا قد أعطت المسلمين الحرية كل الحرية في الدعوة إلى دينهم وسهلت الطرق لإشادة المؤسسات الإسلامية. ثالثا: أوغندا في أوغندا يدخل يوميا إلى حظيرة الدين الإسلامي أكبر عدد من الناس، وبالنسبة إلى الأقطار الأفريقية الأخرى، حتى إننا نرى قرية تسمى كاباساندا عرفنا أنها منذ حوالي عشر سنوات لا يوجد فيها مسلمون، والآن دخلت الأغلبية من سكانها إلى الإسلام، وشيدت فيها مدرسة إسلامية وقام أهلها على بناء مسجد جامع كان لي شرف المساهمة بافتتاحه هناك. ولولا الخلافات التي تمزق صفوف المسلمين هناك، وهي في الأصل خلافات سياسية، ولا يتسع المجال لذكرها، لولا ذلك لقلنا إن وضع المسلمين في أوغندا هو أفضل وضع للمسلمين في البلاد التي يكونون فيها أقلية سكانية. رابعا: تنزانيا توجد في بعض البلاد الإسلامية مثل زنجبار ومنطقة دار السلام، ومنطقة تانجا أغلبيات إسلامية، ولكن يسيطر الآن على الوضع في زنجبار حركات ساسية يسارية هي في طبيعتها ضد الإسلام، كما تسود في تنجانيقا فورة من القومية الضيقة إضافة على الاتجاه اليساري هناك، كل ذلك من العوامل غير المشجعة للجهود الجماعية الإسلامية، ومع ذلك فإن هناك في تنجانيقا خاصة جهودا فردية طيبة في نشر الإسلام. خامسا: بروندي

стр. 99

تقف حكومة بورندي من الأقلية الإسلامية في بلادها موقفا وديا، وحالة المسلمين المادية بالنسبة لغيرهم طيبة، ويعيش المسلمين في العاصمة بزومبورا في حي خاص بهم هو حي: (مويانزى) ، ويتكلمون اللغة السواحلية خلاف بقية السكان من غير المسلمين الذين يتكلمون البورندية، ويتقدم الإسلام من حيث الكمية هناك، وقد تحققنا أنه خلال عيد الفطر المبارك الماضي أسلم من المسيحيين من أهل البلاد أكثر من مائة وعشرة من الناس. سادسا: الكونغو يعتبر الكنغوا في الوقت الحاضر من أحسن الميادين لنشر الدعوة الإسلامية، وهناك مناطق من البلاد دخلها الإسلام قديما على أيدي الإفريقيين السواحليين الذين قدموا إليها من ساحل تنجانيقا منذ أكثر من مائة سنة، وذلك في إقليمي (كيفو) والإقليم الشرقي (اوريينتال) كما أن هناك إقليما نائيا بالنسبة للمسلمين هو أقليم (كاساى) دخله الإسلام لأول مرة منذ ست سنوات، وقد علمنا أن الحركة الإسلامية هناك في تقديم ظاهر ولله الحمد، إلا أن العائق عن تقدم الإسلام في الكنغو بصورة أعظم هو ضعف مستوى المسلمين فيه، وقلة المبشرين، وصعوبة الانتقال بين أجزاء البلاد لتساعها وعدم استقرار الأمن الكامل فيها. سابعا: زامبيا ((روديسيا الشمالية سابقا)) توجد أقلية إسلامية من الإفريقين يعيشون حول (اندولا) وفي أماكن أخرى متفرقة من البلاد ولكن حالتهم المادية ومستوى معيشتهم ضعيف، والحركة الإسلامية هناك غير نشطة مع الأسف. ثامنا: رديسيا توجد أقلية إسلامية ولكن الجهل المطبق بأمور الإسلام يشمل جميع المسلمين الإفريقيين هناك، والحركة الإسلامية ضعيفة مع الأسف، مع أن الحكومة لاتتدخل في شؤون الدين ولا تعارض الداعين إليه. ومعظم المسلمين هناك قد قدموا في الاصل من اقطار مجاورة مثل نياسالاند. تاسعا: ملاوي

стр. 100

يوجد في ملاوي أكبر عدد من المسلمين في اقطار شرق إفريقيا ووسطها فيما وراء الصحراء إذ تبلغ نسبة المسلمين ٤٢% ولا يرجع دخول كل هذا العدد من السكان في الإسلام إلى الأزمنة الحديثة، بل يعود ذلك إلى زمن قديم حيث دخل الإسلام إلى إقليم سفالة، (أي شمالي موزامبيق) قبل ألف سنة ولكن حالة المسلمين في تلك البلاد من الضعف والانحطاط بحيث يحتاج علاجها إلى جهود كثيرة وإلى وقت طويل. أيها الإخوان الكرام، لقد تفضلتم فاستمعتم إلى شيء من واقع الإسلام والمسلمين في أفريقيا، وإنني أرجو أن تتفضلوا بسماع بعض المقترحات التي أراها لعلاج الحالة المذكورة. أولا – إنشاء صندوق إسلامي عالمي لتمويل الدعوة الإسلامية في أفريقيا يساهم فيه المسلمون على مستوى الحكومات والجمعيات والأفراد، خاصة وأن هناك من علماء المسلمين من يرون أن الإنفاق على الدعوة الإسلامية من الإنفاق في سبيل الله الذي هو وجه من أوجه مصارف الزكاة. ونحن لا نشك مطلقا في أن الوقت الحاضر هو أنسب الأوقات للقيام بحملة إسلامية واسعة للدعوة والإرشاد، ونشر محاسن الإسلام أمام الإفريقيين من غير المسلمين، ذلك لأن الدين المسيحي الذي هو المنافس الرئيسي، قد ارتبط في أذهان كثير من أبناء أفريقيا بالاستعمار الأوربي، لأنه جاء إلى أفريقيا مع الرجل الأوربي، ونظرا إلى ضعف سلطان الاستعمار الأوربي، وبالتالي ضعف المنافس، فإن الفرصة سانحة الآن لنجاح الدعوة الإسلامية أكثر من ذي قبل. وذلك كله إضافة إلى ما هو معروف ومعلوم من أن الإسلام دين الفطرة، وهو ببساطته ووضوحه ويسره الدين الوحيد الملائم لكل زمان ومكان.

стр. 101

ثانيا – الإكثار من المنح الدراسية في الجامعات والكليات والمدراس الإسلامية في البلاد الإسلامية، خارج أفريقيا، وذك حتى تتاح الفرصة لأكبر عدد ممكن من أبناء المسلمين في أفريقيا للتزود من العلوم الإسلامية فيها ثم العودة إلى بلادهم مبشرين ومنذرين، وهادين ومهتدين عملا بقوله تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ . ثالثا – المساعدة على إنشاء ملاجئ ودور للأيتام في البلاد الأفريقية التي يقطنها مسلمون. وذلك وقاية لأبناء المسلمين من أن يقعوا في أحضان التربية الكفرية التي تربيهم على الكفر، وتبعدهم حتى عن اسم الإسلام، خاصة وأنه لوحظ أن تلك الطريقة منتشرة انتشارا واسعا، لأنها تكاد تكون الطريقة الوحيدة العملية لإخراج بعض المسلمين من دائرة الإسلام، بعد أن لوحظ أنه ما من مسلم يدخل الإسلام في قلبه ثم ينبذ الإسلام وينضم علنا إلى صفوف المشركين. رابعا- أن يختار من المدرسين من مختلف البلاد الإسلامية من ذوي الاستعداد للتضحية والعمل في سبيل الله ويرسلوا إلى الأقطار الإفريقية المحتاجة، مع مراعاة الظروف والملابسات السياسية المحيطة بكل بلد إفريقي، وذلك بلا شك علاج سريع.

стр. 102

خامسا – العمل على كثرة طبع الكتب الإسلامية مترجمة إلى اللغات الإقليمية، واللغات العالمية السائدة في أفريقيا مثل الإنجليزية والفرنسية والسواحلية وغيرها وتوزيعها، حيث لا حظنا قلة الكتب الإسلامية بل ندرتها في بعض الأقطار. هذه بعض المقترحات، وهي ليست بصعبة إذا ما صحت العزائم، وخلصت النيات، خاصة وأن الإسلام دين الدعوة والجهاد، ودين العمل والحركة، بل إن كل مسلم سبيله في الحياة أن يدعوا إلى الله على بصيرة كما قال تعالى لرسوله ﷺ : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ وقال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَة..﴾ . وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً..﴾ . أيها الإخوان: إنه لا بد لي هنا من باب إحقاق الحق، ووضع الأمور في نصابها، من أن اشيد بما قامت به هذه البلاد المقدسة وعلى رأسها حضرة صاحب الجلالة الملك المعظم فيصل بن عبد العزيز حفظه الله، حيث استجاب لكل الاقتراحات التي رفعتها إليه رئاسة الجامعة الإسلامية حول تخصيص المنح والمقاعد الدراسية لأبناء المسلمين في أفريقيا حتى لقد بلغ عدد الأقطار الأفريقية التي يدرس أبناؤها في الجامعة الإسلامية وحدها أكثر من عشرين قطرا، وقد كان لي شرف المساهمة في تنفيذ بعض ما أمر به جلالته من توزيع الإعانات المالية والمساعدات النقدية وغيرها على مختلف الجمعيات والهيئات والمدراس الإسلامية في أفريقيا.

стр. 103

ثم إن جلالته قد أولى ما عرضه مفتى البلاد السعودية الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ حفظه الله من إرسال المدرسين والمرشدين إلى مختلف أنحاء أفريقيا غاية الاهتمام، فأصدر موافقته السامية على كل ذلك، وقد قامت دار الإفتاء بإرسال العديد من المدرسين من خريجي الجامعة الإسلامية وغيرهم إلى عدد من الأقطار الإفريقية في شرقي ووسط أفريقيا، وهم الآن يواصلون عملهم بجد ونشاط. كما أننا لا يمكن أن ننسى جهود رابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة التي تعمل في هذا الميدان على مختلف المستويات، ولكن العبء ثقيل والميدان واسع، وناهيك بالتخطيط للعمل في قارة من القارات إذا فلا بد من تضافر الجهود، وتكاتف الهمم، نسأل الله تعالى أن ينصر دينه ويعلى كلمته، وأن يوفق المسلمين إلى الرجوع إلى دينهم، والعمل بكتاب ربهم، وسنة نبيهم ﷺ إنه سميع قريب. حينما وصل الشاعر محمد إقبال إلى صقلية عائدا من أوروبا قال: "أبك أيها الرجل دما لا دمعا فهنا مدفن الحضارة الحجازية".

стр. 104

شكوى للشاعر محمد إقبال كنا جبالا في الجبال وربما سرنا على موج البحار بحارا بمعابد الإفرنج كان أذاننا قبل الكتائب يفتح الأمصار لم تنس أفريقيا ولا صحراؤها سجداتنا والأرض تقذف نارا وكأن ظل السيف ظل حديقة خضراء تنبت حولنا الأزهار لم تخش طاغوتا يمار بنا ولو نصب المنايا حولنا أسوارا ورؤوسنا يارب فوق أكفنا نرجو ثوابك مغنما وجوارا كنا نرى الأصنام من ذهب فنهدمها ونهدم فوقها الكفار لو كان غير المسلمين لحازها كنزا وصاغ الحلي والدينارا ومن الألى ِِِِحملوا بعزم أكفهم باب المدينة يوم غزوة خيبرا أم من رمى نار المجوس فأطفئت وأبان وجه الحق أبلج نيرا ومن الذي بذل الحياة رخيصة ورأى رضاك أعز شئ فاشترى نحن الذين إذا دعوا لصلاتهم والحرب تسقي الأرض جاما أحمرا جعلوا الوجوه إلى الحجاز وكبروا في مسمع الروح الأمين فكبرا ما بال أغصان الصنوبر قد نأت عنها قماريها بكل مكان وتعرت الأشجار من حلل الربى وطيورها فرت إلى الوديان يارب إلا بلبلا لم ينتظر وحي الربيع ولا صبا نيسان ألحانه بحر جرى متلاطما فكأنه الحاكي عن الطوفان يا ليت قومي يسمعون شكاية هي في ضميري صرخة الوجدان اسمعهموا يارب ما ألهمتني وأعد إليهم يقظة الإيمان أنا أعجمي الدن لكن خمرتي صنع الحجاز وكرمها الفينان إن كان لي نغم الهنود ولحنهم لكن هذا الصوت من عدنان

стр. 105

صفحة من التاريخ للشيخ أبي عمر المدرس في الجامعة فرانسوا الأول أحد مشاهير ملوك فرانسة في القرن السادس عشر، يشتبك في حروب طاحنة مع الإمبراطور الكبير شارلكان (١) ملك أسبانيا وأمير ألمانيا، وسيد البلاد الواطئة، وتدور دائرة هذه الحروب على العاهل الفرنسي، وتلتف حول عنقه الأغلال، ويقاد إلى أسبانيا أسيرا صاغرا في أعقاب معركة (بافيا) سنة ١٥٢٥. ويضطر الملك الأسير، وهو في قبضة عدوه، إلى أن يوقع معاهدة تمثل إرادة الجانب الظافر يستبد بالجانب المقهور، ثم يطلق سراحه على أثرها، ويعود إلى عاصمته باريز.... وهناك في باريز، وبعد أن يعقد العزم على نقض المعاهدة، والتحلل من كل ما جاء فيها، يتلفت حوله، ويسرح طرفه في المجتمع الدولي، عل الحظ يسعده بحاكم قوي، أو ملك ذي طول، يستنقذه مما حاق به من الكوارث ... وأخيرا، وبعد لأي، لا يجد أمامه إلا سيد القسطنطينية، عاصمة الإسلام خلال خمسة قرون، السلطان سليمان الأول ... ولكن أنى له أن يستعين بسلطانا مسلما على خصمه شارلكان النصراني الزميت، على أنه هو نفسه (فرا نسو الأول) لا يقل عن شار لكان تزمتا في النصرانية بل لعله يربي عليه، ألم يعتبره البابا دون سائر ملوك أوربة النصراني الأول، والحصن المنيع ضد التوسع الإسلامي الذي أخذ يهدد أوربة من جهة الشرق تحت راية العثمانيين الأوائل؟ أيخيب ثقة حبر روما به؟ أيطرح جانبا تدينه وما يمليه عليه هذا التدين من واجبات؟ أولها ألا يستنصر أعداء دينه على إخوانه فيه. وهنا تظهر طبيعة الإنسان الغربي التي تحمله في النهاية ودائما على الانقياد (للمنفعة) والتخلي عما سواها، لأنها ليست بالطبيعة الخيرة الصامدة التي تقوى على التزام المبادئ الرفيعة حين لا تجر إلى صاحبها (المنافع) . وأي طبيعة تقوى على ذلك مالم تكن غاية في الكبر، وغاية في الشرف والعظمة مالم تكن مؤمنة حقا؟.

стр. 106

وما أن حل اليوم السادس من كانون الأول سنة ١٥٢٥ حتى كان سفير فرانسة (فرانكيان) على عتبة الباب العالي يلتمس مقابلة السلطان.. وقد رحب السلطان الداهية بمقدم السفير، وأكرم مثواه، وبالغ بالحفاوة به، لأنه - وهو الخبير بالوضع الدولي في مصر - سيعرف كيف يستغله حتى الثمالة. وينهي السفير إلى مسامع السلطان حالة مليكه، وأنه وقع في أسر شارلكان، وأنه لم يتخلص من الأسر إلا بعد أن أبرم مع خصمه معاهدة جائرة مهينة، وأنه يرجو جلالة السلطان مساعدته على هذا الخصم العنيد، وذلك بالانقضاض عليه من جهة المجر (هنغاريا) كيما يشغله عن جيوش فرانسة التي أرهقها وفل حدها ... وبعد أن تدارس السلطان الحالة مع رجاله يعد السفير في بساطة متناهية باحتلال المجر، ولم ير أن يعقد معه معاهدة بل اكتفى بتزويده في أوائل ربيع الثاني سنة ٩٣٢هـ برسالة إلى مليكه يعده فيها النصر، وإلى القارئ الكريم خلاصة هذه الرسالة: "الله العلي المعطي المغني المعين:

стр. 107

بعناية حضرة عزة الله جلت قدرته، وعلت كلمته..... أنا سلطان السلاطين، وبرهان الخواقين متوج الملوك، ظل الله في الأرض، سلطان البحر الأبيض، والبحر الأسود والأناضول، والروملي، وقرمان الروم، وولاية ذي القدرية وديار بكر، وكردستان، وأذربيجان والعجم، والشام، وحلب، ومصر، ومكة، والمدينة، والقدس، وجميع بلاد العرب واليمن، وممالك كثيرة أيضا أفتتحها آبائي الكرام، وأجدادي العظام، بقوتهم القاهرة، أنار الله براهينهم، وبلاد أخرى كثيرة، أفتتحتها يد جلالتي بسيف الظفر، أنا السلطان سليمان خان ابن السلطان سليم خان ابن السلطان بايزيد خان إلى فرنسيس ملك ولاية فرانسة، وصل إلى أعتاب ملجأ السلاطين المكتوب الذي أرسلتموه مع تابعكم (فرانقيان) النشيط مع بعض الأخبار التي أوصيتموه بها شفاهيا، وأعلمنا أن عدوكم استولى على بلادكم، وأنكم الآن محبوسون وتستدعون من هذا الجانب مدد العناية بخصوص خلاصكم، وكل ما قلتموه عرض على أعتاب سرير سدتنا الملوكاتية، وأحاط به علمي الشريف على وجه التفصيل، فصار تمامه معلوما، فلا عجب من حبس الملوك وضيقهم، فكن منشرح الصدر ولا تكن مشغولا الخاطر، فإن آبائي الكرام وأجدادي العظام، نور الله مراقدهم، لم يكونوا خالين من الحرب لأجل فتح البلاد، ورد العدو، ونحن أيضا سالكون على طريقتهم، وفي كل وقت نفتح البلاد الصعبة، والقلاع الحصينة، وخيولنا ليلا ونهارا مسرجة، وسيوفنا مسلولة، فالحق ييسر الخير بإرادته ومشيئته، وأما باقي الأحوال فتفهمونها من تابعكم المذكور، فليكن معلومكم هذا". تحريرا في أوائل شهر آخر الربيعين سنة اثنتين وثلاثين وتسعمائة. دار السلطنة العلية القسطنطينية المحروسة المحمية

стр. 108

لا شك أن أسلوب هذه الرسالة إن من جهة الصياغة أو المضمون لم يعد مألوفا في الأوساط الدبلوماسية المعاصرة، غير أن الذي يهمنا منها الآن شيئان: الأول أنها تعبر عن سمو المنزلة التي كانت تحتلها الدولة الإسلامية في القرن السادس عشر، والثاني أنها لم تكن مجرد تبجح وكلام فارغين، فيها أن صاحبها يعززها بفعال مجيدة لعلها أقوى في عالم الواقع من معاني هذه الرسالة في عالم الرسائل، وآية ذلك أنه ما كاد يحل اليوم الخامس عشر من نيسان سنة ١٥٢٦حتى كان السلطان نفسه مع وزرائه الثلاثة على رأس جيش جرار في طريقة إلى بلاد المجر (هنغاريا) ، وكان هذا الجيش مؤلفا من مائة ألف مقاتل مدججين بأحدث الأسلحة المعروفة لذلك العصر، منها ثلاثمائة مدفع، ومزودين بثمانمائة سفينة تمخر نهر الدانوب (الطونة) لنقل الجنود والعتاد من جهة إلى أخرى عند الضرورة ... (معركة موهاكس)

стр. 109

وبعد أن يستولي الجيش على عدد من الحصون والقلاع الواقعة على نهرالدانوب ينتهي يوم الجمعة العشرين من ذي القعدة سنة اثنتين وثلاثين وتسعمائة الموافق (٢٨-٨-١٥٢٦) إلى وادي موهاكس، وهناك يبدأ تعبئة تدل على البراعة الفائقة في الفنون العسكرية ... لقد جعل ثلاثة خطوط وكمن السلطان ومعه جميع المدافع في الخط الخلفي، ثم نشبت الحرب وحمي الوطيس، وانقض مقاتلة المجر الأشداء المعروفون بالشجاعة والبأس على جنود الخط الأول العثماني، وما هي إلا جولات قصيرة حتى تراجع العثمانيون إلى ما وراء مواقع المدفعية ... وما أن أقترب الجيش المجري من المواقع حتى قصفته المدفعية قصفا شديدا، فأذهلته عن نفسه، وملأته رعبا، وأجبرته على التقهقر، وعندها حمل عليه جند الله حملات صاعقة أتوا خلالها على أكثر فرسانه، وفي جملتهم ملكهم الذي هلك ولم يعثر لجيشه على أثر، ومن لم يقتل من هؤلاء هام على وجهه يلتمس النجاة بعار الفرار، وهكذا تحطم الجيش المجري، وضاع استقلال البلاد التي سقطت بأيدي المسلمين ... وسار سلطانهم وألوية النصر تخفق فوق رأسه حتى دخل العاصمة في ثالث ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين وتسعمائة، وكانت تسمى (بود) وهي بودابست اليوم. واجتمع الأعيان ورجال الدين وقدموا إليه مفتاح العاصمة علامة خضوع واستسلام، ويأبى الفاتح المسلم شأن ذوي النفوس الكبيرة المؤمنة، إلا أن يكون كريما في معاملة الذين كانوا إلى أيام خلت خصومة الألداء، فيعفوا عنهم، ويؤمنهم على أموالهم ونفوسهم وذراريهم، ويتوج عليهم ملكا من بني دينهم، هو (جان زابولي) أمير ترانسلفانيا. وبعد أن يطمئن السلطان إلى سلامة التدابير التي اتخذها، يعود إلى عاصمته استنبول يحفه النصر ويحدوه الجلال، وقد بر بوعده الذي وعده للعاهل الفرنسي، وتوج ملكا، وبسط حكم الآستانة على مملكة جديدة من ممالك أوربة الشرقية ...

стр. 110

هكذا أيها القارئ، هكذا كان أجدادنا المسلمون، وإلى عهد ليس ببعيد يدوخون الممالك، ويتوجون الملوك، ويوقدون مشاعل الهداية في طريق الإنسانية التائهة ... هذه فعالهم يوم كانوا يعتصمون بالإسلام، يوم كانت تعاليمه تفجر في نفوسهم روح الفداء، وطاقات النصر، يوم كانت تخفق فوق هاماتهم ألوية القرآن والسنة. إننا لا نريد البكاء، فالبكاء لا يجدي، ولا نريد التأوه فهذا ما نتركه للفتيات، ولكنا نريد تمثلا حقيقيا للإسلام الحقيقي، إسلام القرآن والسنة، إسلام أبي بكر وعمر وخالد وصلاح الدين ... الإسلام الذي جعل منا خير أمة أخرجت للناس ... أنت معي أيها القارئ في أنه لا داعي لليأس مهما أظلمت الآفاق من حولنا، إن عهدنا بالغلب والمجد ليس ببعيد، والعلاج لواقعنا المرير ما يزال بين أيدينا محفوظا ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ . فمتى نتحلى بالإخلاص والشجاعة الكافيين لتناوله كما أنزله الله، وفي غير مواربة أو تحريف، فإن مصارع المبادئ في تعاريج المواربة، وفي ظلمات التحريف ... في تناول هذا العلاج، وعلى النحو الذي ذكرت، كيما نجدد لأنفسنا وللبشر قاطبة حياة يسري في أوصالها نسغ القرآن والسنة، وتضئ على طريقها مصابيح الحق والعدالة والحرية؟؟ أرى برغم كثافة الظلام مشاعل تضئ في جنبات وجودنا الفكري والاجتماعي، وعما قريب، وبفضل الله ثم بفضل الطلائع الواعية المؤمنة سينجاب الظلام، ويشرق النور. ولينصرن الله من ينصره، إن الله لقوي عزيز، الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور. أيهما ألزم؟ هل يشفى المريض المدنف باقة من الدهر، أم حقنة من البنسلين؟. وهل يكفي الجائع لحن مطرب، أم رغيف مشبع؟. وهل يسعد الفقير أن تزين له جدرانه بالرسوم، أم أن تهيء له مايحتاجه من أثاث؟ وهل يخاف العدو إذا كنت تحسن الرقص، أم إذا كنت تحسن صناعة الموت؟
следующие страницы →