← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 4096–4135 · переход к 4101.

стр. 4096

أضواء من التفسير للشيخ عبد القادر شيبة الحمد: المدرس بكلية الشريعة قال تعالى: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيد بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ المناسبة: لما أخبر في السورة السابقة أن هؤلاء الأعراب الذين قالوا آمنا لم يكن إيمانهم حقاً. وانتفاء إيمانهم دليل على إنكار القرآن والنبوة والبعث، صدر هنا بذكر القرآن والإنذار والبعث. القراءة: قرأن الجمهور قاف بسكون الفاء وقرئ بفتحها وقرئ بكسرها وقرئ بضمها أيضاً. وقرأ الجمهور ﴿أَإِذَا﴾ بهمزة الاستفهام وقرئإ ﴿ذا﴾ بهمزة واحدة. وقرأ الجمهور ﴿لَمَّا﴾ بفتح اللام وتشديد الميم. وقرئ ﴿لما﴾ بكسر اللام وتخفيف الميم. المفردات: ﴿ق﴾ من الفواتح الكريمة وقد تقدم الكلام عليها في ص معنى وإعرابا. ﴿الْمَجِيد﴾ الكريم الشريف العظيم المبارك. ﴿كُنَّا﴾ صرنا. ﴿رَجْعٌ﴾ ردٌ وإرجاع. ﴿بَعِيدٌ﴾ أي مستبعد في الأوهام والفكر أو في العادة أو في الإمكان. ﴿تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ﴾ أي تبليه من أجسادهم، وتأكله من لحومهم وعظامهم. ﴿كِتَابٌ﴾ سجل وديوان. ﴿حَفِيظٌ﴾ أي حافظ حاو لكل ما تنقصه الأرض منهم، ومتى تنقصه وأين يذهب؟ وهو أيضا حافظ لأقوالهم الخبيثة. ﴿بِالْحَقِّ﴾ بالقرآن. ﴿أَمْرٍ﴾ شأن ﴿مَرِِيجٍٍ﴾ مضطرب مختلط فاسد من قولهم: مرج الخاتم في إصبعي إذا قلق من الهزال، ومن قولهم: مرج البيض إذا فسد.

стр. 4097

التراكيب: جواب القسم في قوله تعالى: ﴿وَالْقُرْآنِ الْمَجِيد﴾ محذوف تقديره إن محمدا لرسول وإن الساعة لآتية ويدل عليه الآيتان بعده. و ﴿بَلْ﴾ للإضراب الانتقالي من حال حقية الرسول والبعث إلى حال عجب الكفار الرسول والبعث. وقوله ﴿فَقَالَ الْكَافِرُونَ﴾ الفاء للتفصيل كقوله ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَال﴾ ومقتضى الظاهر أن يقال (فقالوا) ولكنه وضع الظاهر موضع الضمير لتسجيل هذا الوصف الشنيع عليهم، وللإشعار بعلية هذه المقالة. وقوله ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً﴾ على قراءة الجمهور بالاستفهام لتقرير التعجب وتأكيد الإنكار. وعلى قراءة إذا متنا بهمزة على صورة الخبر فيجوز أن يكون استفهاما حذفت منه الهمزة لظهورها ويجوز أن يكون خبراً، والمقصود منه الاستبعاد. والعامل في إذا جواب المحذوف وتقديره نرجع ودل عليه قوله ذلك رجع بعيد. وقوله: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ﴾ رد لاستبعادهم الرجع لأن من كان عالما بذلك كان قادرا على رجعهم، وقوله: ﴿وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ جملة حالية. وبل في قوله: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ﴾ للإضراب الانتقالي من بيان شناعتهم السابقة إلى بيان ما هو أشنع منه وأفظع، وهو تكذيبهم بالقرآن الثابت. وقوله: ﴿لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ على قراءة الجمهور أي حين جاءهم بمعنى أنهم سارعوا بتكذيبه من غير تفكر وتأمل. وعلى قراءة ﴿لما﴾ بكسر اللام والتخفيف، فاللام فيه للتوقيت وما مصدرية والمعنى كذبوا به وقت مجيئه إياهم. والفاء في قوله: ﴿فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ للسببية. المعنى الإجمالي:

стр. 4098

هذا تحد لكم يا أرباب الفصاحة والبيان، تعجزون عن محاكاته والإتيان بمثله، مع أنه منظوم من مثل ما تنظمون منه كلامكم. وأقسم بكلامي الكريم الشريف العظيم المبارك المشتمل على خيري الدنيا والآخرة إن محمدا لرسول وإن الساعة لآتية. لقد استغرب هؤلاء الكفار وأنكروا أشد الإنكار لمجيء رسول عظيم يبلغهم عن ربه، ويعلمهم ويخوفهم، وهو من جنسهم في البشرية، ونوعهم في العربية والأمية. فقالوا هذا أمر غريب. أحين نموت ونبلى ونصير ترابا نرجع؟ ذلك رد مستبعد لا يخطر بالبال ولا يدور في الخيال. قد علمنا ما أبلته الأرض من أجسادهم، والحال أن لدينا سجلا حاويا لما تبليه الأرض منهم ومتى تبليه وأين تبليه؟ بل لهؤلاء شناعات أفظع من هذا وهو تكذيبهم بالقرآن الثابت المعجز فسبب لهم هذا التكذيب اضطراب الأفكار، وفساد النفوس. ما ترشد إليه الآيات: ١- تحدي العرب بالقرآن. ٢ - بيان شرف القرآن وكثرة خيره. ٣ - استغراب الكفار لمجيء الرسول منهم. ٤ - بيان سبب الاستغراب. ٥ - أن الكذب لا يأتي بخير. ٦ - الكفار ينكرون البعث. ٧ - قدرة الله على البعث. ٨ - علم الله بكل ما يبلى من الموتى. ٩ - تدوينه في كتاب. ١٠ - اضطراب الكفار وفساد رأيهم. قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيد رِزْقاً لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ . المناسبة:

стр. 4099

لما بين أنهم أنكروا البعث واستبعدوه وذكر تمام قدرته على البعث بالطريق العلمي، شرع في بيان الدليل المادي الحسي على إمكان البعث ليدفع بذلك في نحر استبعادهم. القراءة: قرأ الجمهور ﴿تَبْصِرَةً﴾ بالنصب وقرئ بالرفع. وقرأ الجمهور ﴿بَاسِقَاتٍ﴾ بالسين وقرئ باصقات بالصاد. المفردات: ﴿يَنْظُرُوا﴾ يبصروا. ﴿بَنَيْنَاهَا﴾ رفعناها بلا عمد. ﴿زَيَّنَّاهَا﴾ جملناها وزخرفناها يعني بالكواكب. فُرُوجٍ فتوق وشقوق. ﴿مَدَدْنَاهَا﴾ بسطناها. ﴿أَلْقَيْنَا﴾ وضعنا. ﴿رَوَاسِيَ﴾ أي جبالا ثوابت. ﴿زَوْجٍ﴾ نوع وصنف. ﴿بَهِيجٍ﴾ أي حسن المنظر يبهج أي يسر من نظر إليه. ﴿تَبْصِرَةً﴾ أي آية مستمرة منصوبة أمام أبصارهم. ﴿ذِكْرَى﴾ أي آية متجددة مذكرة عند التناسي. ﴿مُنِيبٍ﴾ راجع إلى ربه متفكر في بدائع صنعه. ﴿مُبَارَكا﴾ ً كثير المنفعة. ﴿جَنَّاتٍ﴾ أي بساتين وأشجار ذات ثمار. ﴿الْحَصِيدِ﴾ فعيل بمعنى مفعول والمراد به كل ما يحصد ويقطع بالمنجل من الزرع والنبات الذي له حب. ﴿بَاسِقَاتٍ﴾ بالسين أي طوالا. جمع باسقة. ﴿بَاصقَاتٍ﴾ لغة في باسقات وهي لغة بني العنبر من تميم، يبدلون السين صادا إذا وليتها قاف أو طاء أو عين أو خاء. ﴿طَلْعٌ﴾ هو ما يبدو من ثمرة النخل في أول ظهورها. ﴿نَضِيد﴾ متراكم بعضه فوق بعض. ﴿أَحْيَيْنَا﴾ بعثنا وحركنا وأنمينا. ﴿مَيْتاً﴾ جامدة هامدة. وتذكيره باعتبار المكان. وقيل إن ميتا يستوي فيه المذكر والمؤنث ﴿الْخُرُوجُ﴾ البعث من القبور. التراكيب:

стр. 4100

قوله: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ﴾ الاستفهام فيه للتوبيخ. والفاء للعطف على محذوف تقديره: أعموا فلم ينظروا. وقوله ﴿فَوْ قَهُمْ﴾ منصوب على الحال من السماء وهي حال مؤكدة. وقوله ﴿كَيْفَ بَنَيْنَاهَا﴾ كيف منصوبة ببنيناها على الحال. وجملة بنيناها بدل اشتمال من السماء. وقوله وَمَا ﴿لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ الواو للحال، وقوله ﴿وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾ معطوف على موضع إلى السماء المنصوب بينظروا. والتقدير وأفلم ينظروا الأرض. ويجوز أن ينصب على تقدير (ومددنا الأرض) وقوله ﴿تَبْصِرَةً﴾ بالنصب مفعول من أجله، والعامل فيه ﴿كَيْفَ بَنَيْنَاهَا﴾ وذكرى معطوف عليه أي للتبصرة والتذكير. وقيل منصوبان بفعل مقدر من لفظهما أي بصرناهم تبصرة وذكرناهم ذكرى. وقيل هما حالان من فاعل بنينا ومددنا أي مبصرين ومذكرين. أو حال من المفعول أي ذات تبصرة وتذكير لمن يراها. وعلى قراءة الرفع هي خبر لمبتدأ محذوف أي هي تبصرة وذكرى. هذا ويجور أن يكون قوله تبصرة راجعا إلى السماء وقوله ذكرى راجعا إلى الأرض. فالسماء للتبصرة والأرض للتذكرة. ويجوز أن يكون كل واحد من المصدرين موجودا في كل واحد من الأمرين. وقوله ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ متعلق بكل من المصدرين. وقوله ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ فيه حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه للعلم به والتقدير: وحب الزرع الحصيد. وإنما خص الحب بالذكر لأنه المقصود المهم بالإنبات. وقوله باسقات: حال من النخل مقدرة. لأنها وقت الإنبات لم تكن طوالا. وإنما خص النخل بالذكر لفرط ارتفاعها وكثرة منافعها، ولذلك شبه رسول الله ﷺ المسلم بها، ولأنها أيضا مع فرط طولها دقيقة الجذور جدا فكانت لذلك آية خاصة. وقوله ﴿لَهَا طَلْعٌ نَضِيد﴾ الجملة حال من الضمير في باسقات على التدخل أو حال أخرى من النخل. وقوله ﴿رِزْقاً لِلْعِبَادِ﴾ يجوز أن يكون قوله رزقا مفعولا لأجله والعامل فيه

стр. 4101

أنبتنا وللعباد صفة له، ولم يقيد العباد بوصف الإنابة كما تقدم في قوله ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ لأن الرزق لعموم العباد، أما التبصرة والتذكرة فلا ينتفع بها إلا المنيبون، وقيل إن رزقا مصدر من معنى أنبتنا. لأن النبات رزق. وقوله ﴿كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ كذلك خبر مقدم والخروج مبتدأ مؤخر وإنما قدم لإفادة الحصر ومرجع الإشارة إلى الحياة المستفادة من الإحياء. المعنى الإجمالي: أعموا فلم يمدوا أعينهم إلى السماء حالة كونها فوق رؤوسهم يسهل النظر إليها، فلم ينظروا إلى كيفية بنائها وعجيب صنعها، وجميل زخرفتها، والحال أنها خالية من الصدوع والشقوق، مع ضخامتها واتساعها وارتفاعها بغير عمد، وكذلك أغفلوا فلم ينظروا الأرض. لقد بسطناها ووضعنا فيها جبالا ترسيها حتى لا تميد بالناس وأنبتنا فيها من كل نوع يدخل البهجة والسرور على من ينظر إليه. لقد فعلنا ذلك. ليكون آية مستمرة منصوبة أمام أبصارهم وآية متجددة مذكرة عند التناسي، ينتفع بها كل عبد صالح. وأكثرنا من إنزال الماء العظيم المنافع إلى الأرض فأنشأنا به بساتين وأشجارا كثيرة وحب الزرع الذي يحصد ويقطع بالمناجل وتنال منافعه. وأيضا أنبتنا النخل حالة كونها طوالا وحال كونها لها ثمر في أول ظهوره متراكم ملتصق بعضه ببعض بداخل الكفرى كحب الرمان. لقد فعلنا هذا لأجل رزق العباد، وبعثنا بهذا الماء بلدة جامدة هامدة. كذلك بعث العباد من قبورهم يوم القيامة. ما ترشد إليه الآيات: ١- وجوب النظر والتدبر في السموات والأرض. ٢ - توبيخ من لم ينتفع بنظره. ٣ - أن السماء مبنية. ٤ - أنها محكمة. ٥ - نصب الآيات الدائمة والمتجددة أمام الأبصار. ٦ - لا يتذكر إلا المنيبون. ٧ - في النخيل آية ظاهرة على قدرة الله. ٨ - أن رزق المؤمن والكافر على الله. ٩ - في إحياء الأرض الجامدة الهامدة بسبب المطر آية واضحة للقدرة على إحياء الموتى. ١٠ - تهويل أمر البعث.

стр. 4102

قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ . المناسبة: لما بين فيما سبق أن الكفار كذبوا بالحق لما جاءهم ذكر بعض الأمم المكذبة برسلها تسلية لرسول الله ﷺ وتهديدا لقريش وتقريرا لحقية البعث ببيان اتفاق كافة الرسل عليه وتعذيب منكريه. القراءة: قرأ الجمهور ﴿الأَيْكَةِ﴾ بلام التعريف. وقرئ ﴿ليكة﴾ بوزن ليلة. وسها أبو حيان - عفا الله عنه - فعكس ونسب القراءة الأخيرة إلى الجمهور. المفردات: ﴿الرَّسِّ﴾ تطلق على معان منها الحفر والدس ودفن الميت والرزّ والبئر المطوية بالحجارة، والمراد بها هنا بئر كانت لبقية من ثمود كذبوا نبيهم ورسوه في بئر أي دفنوه بها. ﴿إِخْوَانُ لُوطٍ﴾ أي قوم لوط والمراد بالأخوة هنا الخلطة والمصاهرة لأنه ﵇ خالطهم وتزوج منهم لكنه ابن هاران أخي إبراهيم ﵇ وأصله من بابل بالعراق وهو مهاجر إلى فلسطين ثم نزل سادوم وعامورة من دائرة الأردن وأرسله الله إلى أهلها. ﴿تُبَّعٍ﴾ رجل صالح من أهل اليمن يقال له: تبع الحميري كان قبل ولادة النبي ﷺ بتسعمائة سنة. روى عن ابن عباس أنه قال: كان تبع نبيا. وقالت عائشة كان رجلا صالحا. وقد دعا قومه إلى الإسلام فكذبوه فأهلكهم الله ﴿فَحَقَّ﴾ فوجب وثبت وحل عليهم. ﴿وَعِيدِ﴾ أي وعيدي بالعقاب لهم. التراكيب:

стр. 4103

قوله ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ استئناف وارد لتقرير حقية البعث. وإنما أنث الفعل لمراعاة معنى القوم لأنه بمعنى الأمة أو الجماعة. وقوله ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ التنوين في كل عوض عن المضاف إليه والتقدير كل واحد أو كل قوم منهم. وإنما أفرد الضمير في ﴿كَذَّبَ﴾ لملاحظة لفظ كل. وإنما نسبهم إلى تكذيب جميع الرسل لأن رسالة الرسل واحدة في الدعوة إلى التوحيد والبعث فتكذيب واحد منهم تكذيب لجميعهم. ومن قال إن "تبعا" لم يكن نبيا فيكون تكذيب قومه للرسل بالواسطة وذلك لأن قوم تبع كذبوا الرسول الذي دعاهم تبع إلى شريعته بواسطة تكذيبهم لتبع. المعنى الإجمالي: جحدت قبل قريش جماعة نوح وأهل البئر المطوية من بقية ثمود، وثمود وأهل الأحقاف وفرعون مصر وأصهار لوط، وأهل مدين أصحاب الأشجار الكثيرة. وجماعة تبع. كل واحد من هؤلاء المذكورين جحد الرسالة وأنكر البعث فاستحقوا كلمة العذاب، ونزل بهم أليم العقاب. ما ترشد إليه الآيات: ١ - اتفاق الرسل على البعث. ٢ - إنكار الأمم السابقة للبعث. ٣ - تكذيب رسول واحد تكذيب للرسل كلهم. ٤ - تدمير من كذب بالبعث. قال تعالى: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ المناسبة: بعد أن ذكر الله بعض البراهين الدالة على البعث ساق هذه الآيات على سبيل الاستئناف المقرر لصحة البعث الذي حكيت أحوال المنكرين له من الأمم المهلكة. وفيها أيضا إقامة حجة واضحة وبراهين جلية للدلالة على البعث وتوبيخ الكفار الذين ينكرونه. القراءة:

стр. 4104

قرأ الجمهور ﴿يَلْفِظُ﴾ بفتح الياء مبنيا للفاعل وقرئ بضم الياء مبنيا للمفعول. المفردات: ﴿أَفَعَيِينَا﴾ من عيى بالأمر كرضى إذا عجز عنه ولم يطق إحكامه، أي أفعجزنا. ﴿بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ﴾ هو إنشاء الإنسان من تراب ثم من نطفة ثم من علقة على التدريج. ﴿لَبْسٍ﴾ خلط وشبهة وحيرة وشك. ومنه الحديث: "فخفت أن يكون قد التبس بي" أي خولطت ومنه قول علي ﵁: يا جار: إنه لملبوس عليك الحق. اعرف الحق تعرف أهله، والعرب يقولون: في رأيه لبس، أي اختلاط. ﴿خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ يعني البعث: ﴿الإِنْسَانَ﴾ المراد به الجنس. ﴿تُوَسْوِسُ﴾ تحدث فالوسوسة هنا حديث النفس وما يخطر بالبال. وأصل الوسوسة الصوت الخفي ومنه وسواس الحلي. والجامع بين المعنى اللغوي والمعنى المراد هنا هو الخفاء في كل. ﴿أَقْرَبُ﴾ المراد من القرب هنا قرب العلم بفرينة اقترانه بالعلم في الأية،فهو كمعنى المعية بالسمع والبصر والعلم. وقيل المراد: قرب الملكين. وهذا بعيد. ﴿حَبْلِ﴾ يعني عرق. ﴿الْوَرِيدِ﴾ هو عرق كبير يجري فيه الدم ويصل إلى كل جزء من أجزاء البدن. ويكتنف صفحتي العنق. وهو في القلب الوتين وفي الظهر الأبهر وفي الذراع والفخذ الأكحل وعرق النسا، وفي الخنصر الأُسيلم. ﴿يَتَلَقَّى﴾ يأخذ ويثبت. ﴿الْمُتَلَقِّيَانِ﴾ الملكان الموكلان بالإنسان. ﴿قَعِيدٌ﴾ أي مقاعد كجليس بمعنى مجالس. ويحتمل أن يكون قعيد بمعنى قاعد وإنما عدل من فاعل إلى فعيل للمبالغة. ﴿يَلْفِظُ﴾ يرمي من فمه من خير أو شر. ﴿لَدَيْهِ﴾ عنده. ﴿رَقِيبٌ﴾ حافظ يرقب قوله ويكتبه. ﴿عَتِيدٌ﴾ حاضر معد مهيأ لكتابة ما يصدر عنه. التراكيب:

стр. 4105

قوله ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ﴾ الهمزة للاستفهام الإنكاري بمعنى النفي. والفاء للعطف على مقدر ينبئ عنه العى من القصد والمباشرة. كأنه قيل أقصدنا الخلق الأول فعجزنا عنه حتى يتوهم عجزنا عن الإعادة؟ والباء بمعنى عن. وقوله ﴿بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ بل فيه للعطف على مقدر يدل عليه الحال كأنه قيل ليسوا في لبس من الخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد. وفي هذا توبيخ لهم، وإقامة للحجة عليهم حيث أقروا بالخلق الأول وترددوا في الخلق الثاني الذي هو البعث ,مع أنه في الأذهان أهون، لأن الأول إيجاد من العدم والثاني من موجود. وقوله ﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ الواو للحال ونعلم خبر لمبتدأ محذوف تقديره نحن أي ونحن نعلم والجملة في محل نصب على الحال المقدرة، ويجوز أن تكون مستأنفة. و ﴿مَا﴾ يجوز أن تكون موصولة والضمير في به لما، والباء قال أبو السعود: زائدة كما في صوت بكذا. ويجوز أن بكون ما مصدرية قالوا والباء حينئذ يجوز أن تكون زائدة والتقدير ونعلم وسوسة نفسه إياه. أو للتعدية والتقدير ونعلم وسوسة نفسه له. والضمير للإنسان لأنهم يقولون: حدث نفسه بكذا كما يقولون حدثته نفسه بكذا فجعل الإنسان مع نفسه كشخصين تجري بينهما مكالمة ومحادثة، فتارة يحدثها، وتارة أخرى تحدثه. وقوله ﴿حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ الإضافة فيه بيانية كقولهم بعير سانية. وقوله ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ﴾ العامل في إِذْ أقرب بما فيها من معنى الفعل. والمفعول محذوف والتقدير يتلقى المتلقيان ما يعمله. وقيل إذ منصوب باذكر مقدرا وهو مستأنف لتقرير مضمون ما قبله. ويجوز أن يكون تلقي الملكين بيانا للقرب على معنى نحن أقرب إليه مطلعون على أعماله لأن حفظتنا وكتبتنا موكلون به. وقوله ((عن اليمين وعن الشمال قعيد)) قعيد مبتدأ وخبره ما قبله، والجملة في محل نصب على الحال من ﴿الْمُتَلَقِّيَانِ﴾ ولم يقل قعيدان

стр. 4106

لأن فعيلا يستوي فيه الواحد والمثنى والجمع كما في قوله تعالى: ﴿وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ فهو مفرد أريد منه المثنى وهذا مذهب الفراء وعليه فلا يحتاج إلى تقدير. قال أبو حيان: والأجود أن يكون حذف من الأول لدلالة الثاني عليه والتقدير: عن اليمين قعيد يعني وعن الشمال قعيد كما قال الشاعر: رماني بأمر كنت منه ووالدي بريئا ومن أجل الطوى رماني أي كنت منه بريئا ووالدي بريئا. ومذهب المبرد أن التقدير عن اليمين قعيد وعن الشمال فأخر قعيد عن موضعه. وقوله ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ﴾ ﴿مِنْ﴾ زائدة لاستغراق النفي داخلة على المفعول. والفاعل على ضمير يعود على الإنسان على قراءة الجمهور. وأما من قرأ ﴿يَلْفِظُ﴾ بالبناء للمفعول فنائب الفاعل من قول. وقوله ﴿لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ لديه خبر مقدم ورقيب مبتدأ مؤخر والجملة في محل نصب على الحال. فإن قيل: قد علم من قوله إذ يتلقى المتلقيان الآية.. أنهما يحفظان أعماله فما فائدة قوله ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ﴾ الآي ة؟ . أجيب بأنه يعلم من الآية الثانية أن الملكين مُعِدان لذلك بخلاف الأولى فإنه لا يعلم منها ذلك. وأيضا في الثانية التصريح بأن الملك يضبط كل لفظ ولا يعلم ذلك من الأولى. هذا وإذا كان على اللفظ رقيب عتيد فمن باب أولى أن يكون على الفعل. المعنى الإجمالي:

стр. 4107

أقصدنا إيجاد الإنسان لأول مرة من العدم فعجزنا عنه حتى يتوهم عجزنا عن الإعادة؟ . هم ليسوا بمنكرين لهذا الخلق الأول بل هم في خلط وشبهة وحيرة كشك من الإعادة. مع أن الإعادة أهون في الأذهان من البدء. فما أحراهم بالتوبيخ والإنكار؟ ولقد أوجدنا الإنسان ونحن نعلم خطرات نفسه ونحن أعلم به منه. ومع ذلك يأخذ ويثبت ملكان جميع ما يعمله، عن اليمين مجالس وعن الشمال مجالس. ما يرمي من كلمة في خير أو شر إلا عنده ملك يحفظها ويدونها في صحيفته. وهذا الملك معد مهيأ لذلك وهو حاضر معه. ما ترشد إليه الآيات: ١ - تقرير صحة البعث. ٢ - توبيخ الكفار على الإقرار بالخلق الأول واضطرابهم في الإعادة. ٣ إحاطة علم الله بهواجس الأنفس. ٤ أن الله أعلم بالإنسان من نفسه. ٥ - تربية الخوف والمهابة من الله . ٦ - سكون قلوب الصالحين وأنسهم به. ٧ - أن على الإنسان كاتبين يثبتان ما يعمل من خير أو شر. ٨ - كل ما يقوله الإنسان مسجل عليه.

стр. 4108

توصيات المجلس الأعلى الاستشاري للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة في دورته السادسة الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. بناءاً على دعوة من سماحة رئيس الجامعة الإسلامية ورئيس المجلس الأعلى الاستشاري للجامعة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، عقد المجلس الأعلى الاستشاري للجامعة دورته السادسة بمقر الجامعة في الفترة من يوم السبت ١٢/٤/١٣٩٤ هـ إلى يوم الأحد ٢٠/٤/١٤٩٤ هـ، قعد خلالها تسع جلسات، وكانت برئاسة سماحة رئيس الجامعة الإسلامية الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، وعضوية أصحاب الفضيلة، والمعالي، والسعادة التالية أسماؤهم وصفاتهم مرتبة على حروف الهجاء: ١١ فضيلة الشيخ أبي بكر جومي رئيس قضاء شمال نيجيريا. ١٢ فضيلة الشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي الأمين العام لندوة العلماء بلكنو بالهند. ١٣ سعادة الدكتور أحمد محمد علي وكيل وزارة المعارف للشئون الفنية، نائبا عن معالي وزير المعارف. ١٤ فضيلة الشيخ حسنين محمد مخلوف مفتي الديار المصرية- سابقا -. ١٥ فضيلة الدكتور السيد محمد الحكيم الأستاذ في كلية الشريعة بالجامعة الإسلامية. ١٦ فضيلة الشيخ عبد الرؤوف اللبدي الأستاذ في كلية الشريعة بالجامعة الإسلامية ٧٧ سعادة الدكتور عبد العزيز عبد الله الفدا مدير جامعة الرياض. ٨٨ معالي الشيخ عبد العزيز محمد عيسى وزير شؤون الأزهر. ٩٩ فضيلة الشيخ عبد الله العقيل مدير إدارة الشؤون الإسلامية في وزارة الأوقاف في الكويت. ١١٠ فضيلة الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد نائب رئيس الجامعة الإسلامية. ١١١

стр. 4109

فضيلة الدكتور كامل محمد الباقر الأستاذ في كلية التربية بجامعة الرياض. ١١٢ فضيلة الدكتور محمد أمين المصري المشرف على قسم الدراسات العليا بمكة المكرمة. ١١٣ فضيلة الشيخ محمد بهجت الأثري مدير الأوقاف العامة بالعراق سابقا، وعضو المجامع العربية. ١١٤ فضيلة الدكتور محمد الحبيب بن الخوجة عميد الكلية الزيتونية للشريعة وأصول الدين. بتونس. ١١٥ فضيلة الشيخ محمد المبارك المستشار في جامعة الملك عبد العزيز في جدة. ١١٦ فضيلة الشيخ مصطفى أحمد العلوي مدير دار الحديث الحسنية بالرباط. وقد تخلف عن الحضور في هذه الدورة لأسباب طارئة فضيلة الشيخ محمد أمين الحسيني، رئيس الهيئة العليا لفلسطين، وفضيلة الشيخ عبد الله غوشة رئيس قضاة الأردن، وفضيلة الشيخ أبي الأعلى المودودي، رئيس الجماعة الإسلامية في باكستان-سابقا-، والداعية الإسلامي الكبير لمرضهم، وفضيلة الشيخ محمد محمود الصواف المستشار في وزارة المعارف لسفره إلى بعض الدول الإفريقية في مهمة رسمية تتعلق بالدعوة الإسلامية. وقد درس المجلس - في هذه الجلسات - المشاريع الثلاثة التي رأى مجلس الجامعة عرضها على المجلس الأعلى الاستشاري لاستطلاع الرأي فيها، وهي: ١- مشروع كلية القرآن الكريم. ٢- مشروع مركز شؤون الدعوة. ٣- مشروع تعديل المناهج القائمة في كليتي الشريعة، والدعوة وأصول الدين بالجامعة. أولا - ما يتعلق بمشروع كلية القرآن الكريم:

стр. 4110

لما كانت الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة أسست لغاية سامية، وهدف نبيل، هي تثقيف من يلتحق بها من الطلبة المسلمين، ثقافة إسلامية نقية، مستمدة من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، ولما كان كتاب الله هو أساس كل خير، وهو كلام الله الذي تعبد الخلق بتلاوته، وأوجب عليهم التمسك به، وبسنة نبيه محمد ﷺ وتكفل الله بحفظه، فلا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، فقد حرصت الجامعة على أن تساهم بما يمكنها من بذل الوسع والعناية التامة بكتاب الله وذلك بإيجاد كلية تضم إلى كليات الجامعة باسم (كلية القرآن الكريم) ، وتم إعداد مشروع لهذه الكلية، وجرى عرضه على المجلس الأعلى الاستشاري للجامعة فأقره، بعد إدخال تعديلات عليه، واستحسن فكرة إنشاء هذه الكلية، وشكر الجامعة على اهتمامها بالقرآن الكريم، وعنايتها بعلومه، وأوصى بما يلي: ١- تنشأ في الجامعة الإسلامية كلية لخدمة كتاب الله باسم: (كلية القرآن الكريم) . ٢- تكون مدة الدراسة في هذه الكلية أربع سنوات. ٣- تكون الاختبارات تحريرية في جميع المواد ما عدا مادة التلاوة، أما الاختبارات الشفوية فيحدد لها مجلس الكلية أربع مواد في كل عام، وتكون نسبة النجاح في كل اختبار خمسين في المائة. ٤- شروط القبول في هذه الكلية هي شروط القبول في غيرها من كليات الجامعة، إلا أنه يضاف إلى ذلك: أن يكون الطالب الراغب في دخول هذه الكلية حافظا للقرآن الكريم كله، محسنا لتلاوته، ويجري له امتحان خاص لإثبات ذلك. ٥- أن تكون حصة الطلاب السعوديين في هذه الكلية خمسين في المائة فأقل، نظرا لحاجة البلاد إلى هذا النوع من التخصص، ويتولى مجلس الجامعة تحديد ذلك. ٦- يدرس في هذه الكلية المواد التالية: ١- تلاوة القرآن. ٩- عدّ الآي

стр. 4111

٢- المدخل إلى علم القراءات. ١٠- علوم القرآن. ٣- القراءات السبع. ١١- إعجاز القرآن وبلاغته. ٤- القراءات الشاذة. ١٢- التفسير. ٥- توجيه القراءات. ١٣- التوحيد. ٦- تاريخ المصحف. ١٤- الحديث. ٧- الوقف والابتداء. ١٥- النحو والصرف. ٨- الرسم والضبط. ١٦- البحث والمراجع. ويكون توزيع الحصص الأسبوعية على هذه المواد وفقا للخطة المقرة ضمن مشروع هذه الكلية، ويوضع لها منهج تفصيلي. ثانيا- ما يتعلق بمركز شؤون الدعوة:

стр. 4112

إن الجامعة الإسلامية ليست جامعة إقليمية، أو جامعة تعليمية فحسب، وإنما هي مؤسسة إسلامية علمية عالمية تستمد رسالتها من رسالة الإسلام منهاجاً وهدفاً، وتتخذ من العلم أساسا للعمل، ومن التعليم طريقا للتعليم، عملاً بقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ ، وتمشيا مع الصفة الخاصة لهذه الجامعة، وتحقيقا لرسالتها فإن جهودها لا تقتصر على تعليم طلابها ومنحهم شهاداتها، بل تتجاوز ذلك متابعة نتائج الجهود التعليمية في حقل الدعوة الإسلامية المترامي الأطراف، وتحقيق آمال المسلمين في أنحاء العالم في جامعتهم الإسلامية بمدينة رسولهم ﷺ التي تعلقت بها قلوبهم، وعقدوا على وجودها آمالاً كبيرة، ونظرا لأن القيام بهذا العمل، بصورة علمية منهجية، ارتباطاً بمفهوم رسالة الجامعة، وتحقيقا للأهداف الإسلامية العظمى المقصودة من وجودها يتطلب جهازاً خاصاً على مستوى علمي وفني يمكنه من الاضطلاع بمهامه الكبيرة، فقد رأى مجلس الجامعة أهمية إنشاء هذا المركز في الجامعة، وأعد لذلك مشروعاً جرى عرضه على المجلس الأعلى الاستشاري لدراسته فأقرّه- بعد إدخال بعض تعديلات عليه- وأوصى بما يلي: ١- ينشأ بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة مركز يطلق عليه (مركز شؤون الدعوة) . ٢- يرتبط هذا المركز مباشرة برئاسة الجامعة. ٣- الإطار العام لأهداف مركز شؤون الدعوة يتمثل فيما يلي: أ) بذل الجهود في تحقيق ارتباط الجانب العلمي في الجامعة بالجانب العملي في مجال الدعوة.

стр. 4113

ب) تنسيق جهود الجامعة الإسلامية مع جهود الهيئات والجامعات والشخصيات الإسلامية العاملة في مجال الدعوة، وتعزيز وسائل الاتصال بها والتعاون معها. ج) تعرف أحوال المسلمين، في أنحاء العالم، وأوضاعهم الدينية والاجتماعية وخاصة في البلاد والأقطار التي يعاني فيها المسلمون ضروب التخلف في حياتهم الدينية، واقتراح الطرق المناسبة لمعاونتهم وتبصيرهم بدينهم. د) دراسة منهجية للمذاهب الإلحادية، والدعوات المضللة، والاتجاهات المضادة للإسلام، وأنواع الانحراف والبدع، وتتبع ما يكتبه المستشرقون وأشباههم من المطاعن والشبه، واقتراح الوسائل الناجعة للتصدي لها، وإبطالها، وتطهير المجتمعات والبيئات الإسلامية منها. هـ) القيام بالبحوث والدراسات التي تخدم الدعوة الإسلامية، ودعوة بعض العلماء والمفكرين لمعالجة هذه البحوث على المستوى العلمي الموائم، ونشر ذلك في مجلة يصدرها المركز، وبشتى الوسائل الأخرى، وبما أمكن من اللغات. و) متابعة خريجي الجامعة في مجالات الدعوة في بلادهم وغيرها، ودعمهم بجميع الوسائل الممكنة. ٤- يدير المركز مدير يعين بقرار من رئيس الجامعة، وتحدد لائحة المركز شروط تعيينه. ٥- يكون للمركز مجلس يتألف من: أ - رئيس الجامعة أو من ينيبه رئيساً ب - مدير المركز عضوًا ج - عمداء الكليات في الجامعة أعضاء د - اثنين من أعضاء التدريس يعينهما رئيس الجامعة لمدة سنتين، قابلة للتجديد أعضاء ولرئيس المجلس أن يدعو من يرى حاجة إلى حضوره لبعض الجلسات للاستفادة من خبراته. ٦- اختصاصات المجلس: أ) رسم السياسة العامة، وتحديد الوسائل التي تحقق أهداف المركز. ب) اقتراح خطة العمل السنوية، وميزانية المركز.

стр. 4114

ج) وضع اللائحة التنفيذية للمركز التي تحدد أقسامه، واختصاص كل قسم منها، وتنظم أعماله. ٧- يعقد المجلس كل ثلاثة أشهر مرة، على الأقل، وللرئيس دعوة المجلس كل ما اقتضى الأمر ذلك. ٨- تكون قرارات المجلس بالأغلبية المطلقة، ولا تعتبر نافذة إلا بعد التصديق عليها من رئيس الجامعة. ٩- تستكمل الجامعة القواعد التنظيمية اللازمة للمركز. ثالثا- ما يتعلق بتعديل المناهج القائمة في كليتي الشريعة والدعوة وأصول الدين: درس المجلس ما أعد للعرض عليه من مقترحات حيال تعديل المناهج القائمة في كلتي الشريعة، والدعوة وأصول الدين بالجامعة،وبعد مناقشتها أوصى بمايلي أولا- بالنسبة لكلية الدعوة وأصول الدين: ١- أ) نقل مقرر السنة الرابعة في التفسير إلى السنة الأولى لسهولته واشتماله على أصول الدين، ومنهج الدعوة والأخلاق، وتهذيب النفس، والإصلاح الفردي والاجتماعي، ونقل مقرر السنة الأولى إلى الرابعة، ما عدا سورة الفاتحة، ونقل مقرر السنة الثالثة إلى السنة الثانية، وبالعكس. ب) يضاف إلى المباحث التمهيدية المذكورة في المنهج: ١) مباحث في جمع القرآن وتدوينه وحفظه في جميع المراحل، مع بيان أدلة ثبوت نصه، وسلامته من كل تغيير. ٢) فكرة موجزة عن القراءات والأحرف السبعة. ٢- جمع مادتي الأدب والبلاغة في مادة واحدة هي مادة (النصوص الأدبية) ويكتفي فيها بدراسة نصوص نثرية وشعرية من مختلف العصور، تتضمن شتى الأغراض الأدبية، مع ملاحظة أن يغلب عليها طابع الإسلام، والأخلاق الفاضلة، وأن تعالج الموضوعات المفيدة في البلاغة، من خلال هذه النصوص الأدبية، معالجة تذوقية. ٣- إبقاء كل من مادة الأديان والفرق والمجتمع الإسلامي وحاضر العالم الإسلامي على أن تكون تسمية هذه المواد الثلاث كالتالي: أ) الأديان والفرق. ب) المجتمع الإسلامي الحديث، والمذاهب المعاصرة.

стр. 4115

ج) حاضر العالم الإسلامي. ويكون لكل مادة من هذه المواد حصتان. ٤- جعل مادة البحث والمناظرة في سنة واحدة لها حصتان بدلا من جعلها في سنتين في كل سنة حصة. ٥- إيجاد مادة جديدة باسم (نظام الإسلام الاقتصادي والسياسي والاجتماعي) تكون في السنة الرابعة بدلا عن مادة الفقه، وتكون الحصتان اللتان لمادة الفقه لهذه المادة. ٦- نقل بعض مباحث مادة النحو من سنة إلى سنة، وتوزيع مباحث علم الصرف على السنوات الأربع وفقاً لما اقترحه الأساتذة المختصون في كليتي الشريعة، والدعوة وأصول الدين. ٧- حذف مادة الإنشاء والخطابة، ويحل محلها مادة باسم (البحث والمراجع) . ٨- تخصيص حصتين من حصص النحو في الأسبوع لدراسة القواعد النحوية، وتخصيص حصة للتطبيق. ثانيا - بالنسبة لكلية الشريعة: أ) في مادة التفسير يختار للسنة الأولى والثانية بعض الآيات والسور التي تشتمل على العقيدة والأخلاق، للسنة الثالثة، والرابعة بعض الآيات والسور المشتملة على الأحكام. ب) يضاف إلى المباحث التمهيدية المذكورة في المنهج: ١) مباحث في جمع القرآن وتدوينه وحفظه في جميع المراحل مع بيان أدلة ثبوت نصه وسلامته من كل تغيير. ٢) فكرة موجزة عن القراءات والأحرف السبعة. ٢- نقل بعض مباحث مادة النحو من سنة إلى سنة، وتوزيع مباحث علم الصرف على السنوات الأربع وفقاً لما اقترحه الأساتذة المختصون في كليتي الشريعة، والدعوة وأصول الدين. ٣- إدماج مادتي مصطلح الحديث والأسانيد وجعلها مادة واحدة. ٤- حذف دراسة تاريخ الأمويين، والعباسيين، والاقتصار في دراسة مادة التاريخ الإسلامي على تاريخ الخلفاء الراشدين، بحيث يكون لهذه المادة حصة واحدة في السنة الثانية، ويكون للسيرة النبوية حصتان في السنة الأولى.

стр. 4116

٥- إدماج مادة المجتمع الإسلامي الحديث، وحاضر العالم الإسلامي، وجعلهما مادة واحدة باسم (العالم الإسلامي والمذاهب المعاصرة) ، ويكون لها ثلاث حصص، وتبقى مادة الأديان والفرق مستقلة ولها حصتان. ٦- جمع مادتي البلاغة والأدب في مادة واحدة هي مادة (النصوص الأدبية) ، ويكتفى فيها بدراسة نصوص شعرية، ونثرية من مختلف العصور تتضمن شتى الأغراض الأدبية، مع ملاحظة أن يغلب عليها طابع الإسلام والأخلاق الفاضلة، وأن تعالج الموضوعات المفيدة في البلاغة من خلال هذه النصوص الأدبية، معالجة تذوقية، ويحدد مجلس الجامعة الكمية التي تدرس من النثر والشعر. ٧- إيجاد مادة جديدة باسم (نظام الإسلام الاقتصادي والسياسي والاجتماعي) ، ويكون لها حصتا البلاغة في السنة الرابعة. ٨- حذف مادة الإنشاء والخطابة، ويحل محلها مادة باسم (البحث والمراجع) . ٩- تخصيص حصتين من حصص النحو في الأسبوع لدراسة القواعد النحوية، وتخصيص حصة للتطبيق. توصيات تتعلق بنظام الجامعة: يوصي المجلس بإعادة النظر في نظام الجامعة، صياغة تستكمل فيها الجوانب التي تمكن الجامعة من تقديم خدمات أكثر في سبيل تحقيق أهدافها النبيلة، التي أسست من أجلها، وتأليف لجنة من أعضائه المقيمين في المملكة، وهم: سعادة الدكتور عبد العزيز عبد الله الفدا، مدير جامعة الرياض، وسعادة الدكتور أحمد علي - وكيل وزارة المعارف للشؤون الفنية، وسعادة الدكتور كامل محمد الباقر - الأستاذ بكلية التربية بجامعة الرياض، لدراسة النظام، وبعث ما تتوصل إليه إلى الجامعة. وقيام كل عضو بدراسته، وبعث ما يرى حياله للجامعة لدراسة الجميع في مجلس الجامعة تمهيدا لعرضه على المجلس الاستشاري في دورته السابعة. توصيات تتعلق بالامتحان ومناهج الدراسة بصفة عامة: يوصي المجلس بما يلي:

стр. 4117

١- إيجاد اختبار نصفي في جميع السنوات في الجامعة، ويوكل أمر تقدير الدرجات، وكيفية إجراء الاختبار إلى مجلس الجامعة. ٢- تكون نسبة النجاح في كليات الجامعة (٦٠%) بدل نسبة الخمسين في المائة. ٣- إيجاد مادة التربية وعلم النفس، من الوجهة الإسلامية، في كل من كليتي الشريعة والدعوة وأصول الدين، ويطلب من بعض الأساتذة المختصين، مثل سعادة الدكتور كامل محمد الباقر، الأستاذ بكلية التربية بجامعة الرياض وفضيلة الشيخ أبي الحسي علي الحسني الندوي، الأمين العام لندوة العلماء في لكنو في الهند، وفضيلة الشيخ محمد قطب، الأستاذ بقسم الدراسات العليا بمكة المكرمة، وضع منهج مناسب لهذه المادة. ٤- إلزام كل طالب من طلبة الجامعة بتقديم بحث علمي في كل سنة من سنوات النقل الثلاث كالمتبع في السنة الرابعة. ٥- العمل على تقليل المواد في الكليات، بجعل المادة التي تدرس في سنتين لكل سنة حصة، جعلها في سنة واحدة لها حصتان -مثلا-. توصيات تتعلق بالدعوة: ١- مضاعفة الجهود في إيفاد الدعاة، من أساتذة الجامعة وطلبتها، إلى خارج المملكة للدعوة إلى الله. ٢- بذل المزيد من العناية في توفير الكتب التي تُعنى بالدعوة، والدعاة، ليتمكن الطلبة من دراستها، والاستفادة منها. ٣- بذل المزيد من العناية في توفير الكتب الإسلامية بلغات شتى، وتوزيعها على نطاق واسع في أنحاء العالم. ٤- توثيق الصلات بالعاملين لنشر الإسلام في العالم، سواء كانوا أفرادا أو جماعات، والاستفادة من خبراتهم، وتجاربهم، وتنسيق العمل معهم. توصيات تتعلق بالطلبة:

стр. 4118

١- مضاعفة جهود المسؤولين، والمدرسين في الجامعة، لتمكين العقيدة الصحيحة في نفوس الطلبة، وتعميق الإيمان في قلوبهم، وإفهامهم الإسلام على أنه منهج يشمل جميع شؤون الحياة، عقيدة وعبادة وتشريعا ومنهج حياة، وبيان أن الدعوة واجبة على كل مسلم، وأن النهوض بأعبائها يكون بعد التزود بفقه الكتاب، والسنة، والعلم بأساليب الدعوة، ومعرفة طبائع النفوس، وطريقة مخاطبتها، وأن طريق الدعوة إلى الله شاق وطويل، وهو طريق الأنبياء والمرسلين، وحثهم على أن يكونوا أسوة حسنة لغيرهم، بتطبيق تعاليم الإسلام في حياتهم اليومية، بحيث يتمرسون في القول والعمل المأثور في الكتاب والسنة وسيرة السلف الصالح. ٢- المزيد من العناية في تمرين الطلبة على أساليب الخطابة والوعظ، وتكليفهم إلقاء الكلمات، وعقد الندوات في الأوقات المناسبة. ٣- زيادة الاهتمام بتدريب الطلاب على المراجعة والبحث، وتعويدهم على الاستقلال في الفهم، والاستفادة من المصادر النافعة، قديمها وحديثها. ٤- زيادة الاهتمام بتنظيم الرحلات العلمية والثقافية للطلبة، لترغيبهم في الجد، والاجتهاد، وإيجاد حوافز لهم في النواحي العلمية، ومنحهم المكافآت التشجيعية. ٥- حث الطلبة على مطالعة الكتب المفيدة، وتقديم تقريرات عما قرءوه منها. ٦- حث الطلبة على كتابة تقريرات عن البلاد التي وفدوا منها، وينشر ما استحسن منها في مجلة الجامعة وغيرها، حسب الإمكان، وتحفظ في ملفات بلادهم. ٧- حث الطلبة على أن يتكلموا باللغة العربية الفصحى، في داخل الجامعة وفيما بينهم، لما في ذلك من العون، على تمكينهم من النطق بها على وجه الكمال، وحث المدرسين على العناية بذلك. ٨- مزيد العناية بإلزام الطلبة بالظهور بالمظهر اللائق بطالب العلم، في زيهم، وسلوكهم، والتقيد بآداب الإسلام في جميع شؤونهم.

стр. 4119

والحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد وآله وصحبه ...

стр. 4120

الدّين وأثره في صلاح الفرد والأمة بقلم: الشيخ محمود عبد الوهاب فايد المدرس بكلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة الإنسان جسم وروح، وللجسم مطالب وللروح مطالب. مطالب الجسم كثيرة قد تلجئ الإنسان في سبيل تحقيقها إلى أن يصطدم بغيره فينشأ الخلاف، ويتفاقم النزاع، ويضطر كل من المتخالفين إلى أن يحتمي في أسرته ويتقوى بمن ينتمي إليه. وكثيرا ما يتطور الخلاف إلى شجار دموي تزهق فيه النفوس، وتطيح فيه الرؤوس وتكون الغلبة للأقوى، وهكذا يصبح العالم مسرحا للفتن، وتصبح الحياة جحيما لا تطاق. فلا بد من دين ينظم العلاقات، ويفصل الحقوق والواجبات، لا بد من دين توحي به هذه القوة الغيبية القدسية التي يؤمن الناس بها، ويشعرون بسلطانها، ويحسون بعظمتها ويجدون لها في نفوسهم هيبة وخشية فيذعنون لحكمها، ويسارعون إلى تنفيذ ما تقضي به. كذلك للإنسان مطالب روحية تكمل إنسانيته، ويتميز بها عن بقية الحيوانات التي تكتفي بالماديات. والدين هو الذي يكفل حاجة الروح ويوفر لها مطالبها ويتعهدها بما تحتاجه وما يغذيها، ويمدها بما يصلحها وما يقويها، ويصل بينها وبين الخالق على أساس قوي متين، وهذا شيء خارج عن اختصاص الأخلاق والقوانين. نعم. إن الدين هو الحصن الذي يحمي الإنسان من الفساد، ويحفظه من الرذيلة، ويربيه على الخلق القويم، ويهديه إلى الصراط المستقيم، الدين هو الذي يقاوم الشر، ويقضي على الميوعة، ويشيع الفضيلة ويقوي الروابط، ويصلح النفوس، ويعلي شأن الأمم.

стр. 4121

وحسبك لتعلم هذا أن توازن بين رجلين أحدهما ملحد خارج على الأديان، فهو إن فارق الشر أو فارقه الشر فإنما يحاول النجاة بنفسه والتخلص من صرامة القانون، وفي الساعة التي تتيسر له فيها الجريمة في أمان من الناس يقدم عليها دون أن يردعه رادع أو يمنعه مانع والآخر متدين له بجانب ذلك الوازع وازع آخر يلازمه ولا يفارقه هو وازع الدين يزعه في سره وجهره، في بيته ومتجره في طريقه وممشاه، في كل مكان. استمع معي إلى هذه الواقعة لتعرف ما للدين من بالغ الأثر وقوة التأثير. قال أسلم: بينما أنا مع عمر بن الخطاب وهو يعس بالمدينة إذ عيي فاتكأ على جانب جدار في جوف الليل وإذا امرأة تقول لابنتها: قومي إلى اللبن فامزجيه بالماء. قالت لها: يا أماه أو ما علمت بما كان من عزم أمير المؤمنين؟ قالت: وما كان من عزمه يا بنية؟ قالت: إنه أمر مناديه فنادى لا يشاب اللبن بالماء. فقالت لها: يا بنية قومي إلى اللبن فامزجيه بالماء فإنك بموضع لا يراك فيه عمر ولا منادي عمر فقالت الصبية لأمها: يا أماه. ما كنت لأطيعه في الملأ وأعصيه في الخلاء. وهل يغيب عنا رب عمر إذا غاب عنا عمر؟ وعمر يسمع هذا كله. فقال: يا أسلم علّم الباب واعرف الموضع ثم مضى في عسه فلما أصبح قال: يا أسلم. امض إلى الموضع فانظر من القائلة ومن المقول لها وهل لها من بعل؟ قال أسلم: فأتيت الموضع فسألت فإذا الجارية أيم لا بعل لها وإذا تيك أمها ليس لها بعل فأتيت عمر فأخبرته فدعا عمر ولده فجمعهم فقال: هل فيكم من يحتاج إلى امرأة فأزوجه لو كان بأبيكم حركة إلى النساء ما سبقه منكم أحد إلى هذه الجارية فقال عبد الله: لي زوجة وقال عبد الرحمن: لي زوجة وقال عاصم: يا أبتاه لا زوجة لي فزوجني فبعث إلى الجارية فزوجها من عاصم فولدت له بنتا وولدت البنت عمر بن عبد العزيز ﵀.

стр. 4122

هذه قصة صريحة تشهد بأن الدين يقضي على ما لا يقضي عليه القانون من الجرائم وتفيد أنه خير ضمان لسعادة البشرية وهناءة الإنسانية. ما الذي حرم أمير المؤمنين عمر لذة النوم بالليل، وكلفه البحث عن أحوال الرعية في جنح الظلام حتى تعبت قدماه وكل بدنه. إنه الدين. ما الذي منع الفتاة من ارتكاب جريمة الغش وعمر لا يراها؟ إنه الدين. ما الذي أهل بائعة كاللبن لتكون زوجة لابن حاكم المسلمين؟ إنه الدين نعم.الدين. فالدين ضروري لكي يحيا الإنسان حياة هانئة مطمئنة في مجتمع هادئ متماسك تغمره السعادة، وتسوده المحبة، وتتردد في جوانبه أصداء النعيم. والقوانين وحدها لا يمكن أن تطهر المجتمعات مما تموج به من خبث وفساد وأنّى لها ذلك وهي لا سلطان لها إلا على ما يقع تحت قبضتها وما يحدث على مشهد من سدنتها. وأكثر الجرائم تدبر بليل وتحاك في الظلام، وتقع في الخفاء، وتنفذ بمهارة في مكان لا تراه العيون. فلو ترك الأمر للقانون وحده لاحتال المجرمون على التخلص منه والتهرب من سلطانه والنجاة من أحكامه بالابتعاد عن أعين الرقباء، وإخفاء معالم الجريمة وطمس آثارها، والتزيي بزي الأبرياء ولو ترك الإنسان وشأنه دون دين لاستطاع الهوى أن يتحكم فيه ويسيطر عليه، ولأمكن لشهوته أن تتغلب على عقله وتسخره في خدمتها فيصبح تفكيره محصورا في دائرتها، يتفنن في سبيل إرضائها، وإشباع رغباتها، ولجاز أيضا أن يتمكن منه الغضب فيجمح به حتى يستبيح انتهاك الأعراض وسلب الحقوق وسفك الدماء واستعباد الضعفاء، وإذلال الفقراء. لا سبيل لحماية الأخلاق، وصون الآداب وحفظ الحقوق، ووقف العدوان، ومنع التلاعب إلا بتربية النفوس على الدين وطبعها بطابعه، وصبغها بتعاليمه. فالدين له حوك في الصدور وأثر في القلوب دونه أثر القوانين.

стр. 4123

الدين نعمة على الفرد والجماعة، راحة للنفس لأنه يساير فطرتها، ويوافق طبيعتها، وهناءة للمجتمع لأنه يقوي روابطه، ويوثق علائقه، ويزكي عواطفه، ويسير به قُدما نحو الخير والفضيلة. الدين هو الذي يحرك مشاعر الإنسان نحو إخوانه المنكوبين وزملائه البائسين فيسارع إلى نجدتهم، ويخف إلى معونتهم ويضحي بجزء من ماله في سبيل هناءتهم. الدين هو عماد التربية وحصن الفضيلة، ويكفي أن دعوته دعوة حارة تمتزج بالعاطفة وتختلط بالقلب وتسري في حنايا الضلوع، وتخالط اللحم والعظم، وذلك لأنها تتأسس على الإيمان بالله، وتقوم على محبته ومرضاته وتربط بين العمل والجزاء الدنيوي والأخروي فمن فاته الجزاء في الدنيا لم يفته في الآخرة. إن أساس الدين هو الإيمان بالله، إيمان الناس بأنه ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلا هُوَ سَادِسُهُمْْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ . إن هذا الإيمان إذا تحكم في القلب وسيطر على شعور الإنسان واستولى على أحاسيسه ومشاعره حال بينه وبين الجريمة في السر والعلن طمعا في الثواب أو خوفاً من العقاب أو حرصاً على رضا الله ونيل محبته فالدين لا ريب أعمق أثراً وأعظم نفعاً وأكثر فائدةً. فهو يؤدي وظيفته في جميع الظروف والأحوال ... يرقى بالفرد والمجتمع إلى أعلى درجات الكمال، ويحمي حمى الدولة من كل خطر يعرضها للزوال: الدين جندي أمين وحارس يقظ يؤدي واجبه في الليل والنهار في الخفاء والعلانية.

стр. 4124

وإذا كان هنالك عصر يحتاج إلى الدين في صيانة الأمن ونشر السلام فإنما هو هذا العصر الذي اخترعت في أقوى أسلحة الدمار والهلاك. وصارت مهمة الأمن الدولي شاقة لا يضطلع بها إلا من صفت روحه وسلمت فطرته وهدأت نفسه ونأى عن الغرض والهوى وكل ذلك لا يتحقق إلا بالتربية الدينية والإيمان بالله واليوم الآخر. أسأل الله أن يقوي إيماننا، ويحفظها من الفتن ما ظهر منها وما بطن. أسأل الله أن يطهر أرضنا من الإلحاد، والشر والفساد، ويرفع راية الدين ويملأ قلوبنا بالهدى واليقين. ما هو؟؟ وذي وفاء طالما برّني وكان عوني في صروف القضا حملته سبعا وستين لم ألمح محياه إلى أن قضى فهو البديل عن شبابي الذي شيعته والصاحب المرتضى ففارقتني بفراقي له لذاذة العيش وعهد الرضى وكان فيه مطمعي سائغا فأصبح اليوم كشوك الغضا كأنما الحياة من بعده لم تك إلا حلما وانقضى فليته ما زال في صحبتي حيا يسليني عما مضى محمد المجذوب

стр. 4125

هنا السعادة من شعر الشيخ محمد المجذوب ألا ها هنا النعماءُ يا قلبُ فانعمِ. ولا تنس شكر المنعم المتكرمِ. مهاجرُ خير الخلق بتّ نزيله. وذلك فضل لا يُقوّم فاعلم. إذا شئت كانت في (قباء) صلاتُنا. وإلاّ ففي روض الحبيب المعظم. وتحملنا للجنتين مطيةٌ. من الصلب مهما تلقَ لا تتبرم. ومن حولنا إخوانُ صدق أعزةٌ. إلى ضوئهم تعشو العقولُ وتنتمي. أساطين علم لا يُردّ دليلهم. وحكمتهم ريّ لذي الغلة الظمي. كأنهمو زهر النجوم بأيها. اقتديت هديت الرشد والخير فاغنم. على رأسهم باز يجوب مُحلّقاً. بكل سماء من حديث ومُحكم. أبى غير رضوان المهيمن غايةً. فليس سواها عنده بمقدّم. أخو شيمٍ تنمي إلى السلف الأُلى. أُضيء بهم دربُ الهدى والتقدم. به قد عرفنا الزهد والحِلم والتقى. وما شئتَ من فضلٍ وخُلق مقوّم. وأعظمْ بأيام نُطل خلالها. على عالم الإسلام في كلّ موسم. كأن حشود الحشر تحت عيوننا. مواكبُ فيها كل لون ومعلم. تسيل من ارجاء الوجود إلى منىً. وطيبةَ والبيتِ العتيق وزمزم. فننعم منها في ظلالِ أخوّةٍ. تهون لديها نسبة الطين والدم. وقد رحلت بالأمس عنّا وملؤها. إلى عودة اللقيا حنينُ المتيّمم. تود لوان الأربعين تضاعفت [١] . وأن زمان القرب لم يتصرم. ولطّف في الأكباد وقعَ فراقها. توافد رهط العلمِ من كل مُعْلم. جهابذةٌ تُغني مآثر فضلهم. بكل مجال عن بيان المترجم. توافوا من ابعاد البلاد لخدمة. الحنيفة بالفكر الحصيف المنظّم. فرعيا لهم في منزل الوحي أخوةً. وأهلاً بهم من عالم ومعلم.

стр. 4126

وجامعة يهفو إليها أولو النهى. ويفرَق من آثارها كلُ مجرم. تجدد ما قد رَثّ من دعوة الهدى. فيشرق من أضوائها كل مظلم. نعدّ بها الجيل الذي يحمل المنى. إلى كل هاوٍ للحقيقة أو عمي. فيسري سناها في الوجود مبدداً. دياجير من جهلٍ ووهم ومأثم. رسالةُ إنقاذ تقي كل مُؤمن. بها ذلة الدنيا وخزي جهنمِ. تنزّل جبريلٌ بها محض رحمة. فمن يستجبْ يسعد، ومن يأبَ يندم وإنا لنرجو أن تعود كأمسها. حياة لأمواتٍ وبُرأ لِمُسقَم. فلا تبك داراً قد حُرمتَ لقاءَها. وإن كنتَ يا قلبي بها جدّ مغرم. ودع ذكريات الشام عنك وسحرَها. ففي طابةٍ يسلو الحمى كل مسلم وحسبك نعمى أن تكون على خطى. نبيك في أسمى جوار وأكرم. فروّضْ على طاعاته النفس والهوى. وصلّ عليه ما حييتَ وسلّم. فالاّ تكنْ هذي السعادةُ كلّها. فما هي إلا خدعةُ المتوهم. -------------------------------------------------------------------------------- ( [١] ) إشارة إلى حديث الأربعين صلاة الذي لم يرتفع إلى مرتبة الصحة، ولكن له ما يؤيده من الآثار في شأن كل مسجد دون تخصيص .

стр. 4127

الطريقة المثلى للإعداد خريجي الجامعة الإسلامية بقلم: فضيلة الشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: فقد كان يسعدني أن أشارك في موضوع إعداد خريجي الجامعة إعداداً لائقاً برسالة الجامعة الإسلامية العزيزة وأهدافها الكبيرة ورسالة البلد الطيب الذي قامت فيه وبروح العصر ومتطلباته وحاجاته وبالآمال الجسام التي يعقدها المسلون بها في مشارق الأرض ومغاربها، وما أكرمها الله به من فرص ووسائل وثقة وإجلال، وما تحف بها من أخطار وما تحتاج إليه في تحقيق غايتها وأداء رسالتها في أحسن شكل، ولذلك حضر أعضاء المجلس الاستشاري للجامعة من أنحاء بعيدة وتوافروا على دراسة موضوع الجامعة وإبداء أفضل ما عندهم من آراء وتجارب ولكن تأخر وصولي لأسباب قاسرة فما أدركت إلا آخر الحديث في هذا الموضوع فرأيت أن أسجل خواطري وأفكاري في ضوء تجاربي ومشاهداتي وفي ضوء الواقع والحقيقة، فأمليت هذه السطور على عجل أدعو الله أن تساعد في خدمة هذه الجامعة والتقدم بها إلى الأمام وتفاديها من الوقوع في مشكلات هي في غنى عنها، وبالله التوفيق ...

стр. 4128

لقد علمنا جميعا أن هذا العصر، عصر المشكلات والأزمات، وإن كان لكل عصر طابع يغلب عليه ويكون له سمة وشعاراً، فطابع هذا العصر القلق النفسي والاضطراب الفكري، وعدم الثقة، والشعور المتزايد لدى كل طبقة وفرد بما له من حقوق، والتهرب من واجباته ومسئولياته، ولعل نصيب الجامعات أوفر من نصيب كل مؤسسة ومنظمة لأنها دار الشباب، وهم أكثر خضوعا لروح العصر ولما تغزوه من موجات واتجاهات لحداثة سنهم وعدم نضجهم، وقلة الصبر والاحتمال عندهم، ولأن جميع الأحزاب السياسية والحركات الثورية تستغل هذه الخصائص وما عند الشباب من حماس وجموح واندفاع، وتستخدمهم في كل بلد لغاياتها السياسية ولقلب النظام، ونشر الفوضى وتتخذهم مطية لأغراضها التافهة الخسيسة أحياناً، والهدامة أحياناً أخرى، فأصبحت الجامعات في الغرب والشرق أكبر مسرح للفوضى والقلق، ونقطة انطلاق للإضرابات والاضطرابات، وتوزعت جميع الجامعات بين معسكرين معسكر رجال الإدارة، وأسرة التعليم، ومعسكر التلاميذ والشباب، والحرب قائمة على قدم وساق بين هذين المعسكرين، كأنها حرب بين المستعمرين والمواطنين، وبين ظالمين ومظلومين.

стр. 4129

وقد أصبحت قضية الجامعات وما تعانيه من مشكلات وأزمات (فضلا عن هبوط المستوى الخلقي والعلمي والإنساني وإن التعليم عد أصبح لا يؤتي أكله ولا يحقق غايته) القضية الكبرى في الغرب والشرق وهي أكثر تعقدا في بلادنا لأنها تمر بمرحلة دقيقة انتقالية حتى أصبح بعض قادة الرأي وساسة البلاد يرون أن ضرر هذه الجامعات والتعليم العالي أكبر من نفعه ولكن الأمر قد أفلت من أيديهم لما نشروا من دعاية ساحرة مسلحة بأقوى الأساليب العلمية والنفسية للتعليم العالي وحاجة البلاد إلى أكبر عدد من الجامعات حتى أصبح ذلك مقياسا لحضارة البلاد وقابلية الشعوب ولما بالغ الكتاب والمثقفون في تمجيد العلم والثقافة خصوصا الثقافة الراقية مبالغة تشبه التقديس والتأليه، من غير اشتراط لشروط، وتنويه بالغايات، فأصبحت الثقافة والتعليم العالي في أي لون كان إلهاً يعبد ويقدس وأصبح شيئاً خيالياً شعرياً ككثير من المعاني والخيالات الشعرية عند الإغريق وبراهمة الهند حتى أصبح الواقعيون العمليون يشكون في منزلة العلم التي أنزله فيها الفلاسفة ويشكون في الفطرة الإنسانية وصلاحيتها، وليس الخطأ خطأ العلم ولا خطأ الفطرة البشرية، إنما الخطأ تقديس العلم مجرداً من كل غاية ومن كل خلق ومن الإيمان والعقيدة (ومبدأ العلم لأجل العلم) الذي آمن به الغرب أخيراً، والطريق القويم هو طريق الأنبياء، وطريق القرآن في وصف العلم والعلماء وما شرع له من آداب وأحكام، وما حدد له من غايات، ونحن في غنى في هذا المجلس الموقر الذي ضم نخبة العلماء وصفوة المفكرين في الإفاضة في هذا الموضوع.

стр. 4130

إن هذا السيل من القلق والفوضى لم يجس خلال جامعاتنا الإسلامية ومعاهدنا الدينية بعد، وإنها لا تزال تعيش في هدوء كثير حتى أصبحت الجامعات المدنية ورجالها يحسدونها ويستغربونها. والفضل في ذلك يرجع إلى الإيمان والعقيدة، وإجلال العلم والعلماء الذي أمرت به الشريعة الإسلامية وزخر به الكتاب والسنة، وما عند شبابنا المسلمين من بقايا أخلاق إسلامية وتقاليد اجتماعية. ولكن الفتنة تدق أبواب هذه الجامعات فإنه لا مجال لجزيرة على البر. وإن هذه الجامعات مهما كانت لها من أسوار منيعة ليست بعيدة عن هذه الحياة القلقة الثائرة، والمجتمع المائج الهائج، فلنكن على حذر من هذه الأخطار التي تهددنا، ولنأخذ لها أهبتها. ولهذا القلق الذي قد سيطر على الجامعات من زمان، وحوّلها إلى ميدان حرب ونضال أسباب كثيرة ليست بمكان من الدقة والغموض تحتاج فيه إلى تحليل وضرب أمثال ولكن أسبابه الرئيسية على ما يبدو لي خمسة أشير إليها باختصار: ١- عدم الإيمان بقيمة ما تعطيه هذه الجامعات من ثقافة ومعلومات وصلاحية، وعدم إيمان الشباب بحاجتهم إليها حاجة المشرف على الغرق والمعرض للتلف إلى الإنقاذ، بل بالعكس من ذلك إيمانهم بضآلة الفائدة التي تحصل لهم من هذا الطريق الطويل، الملتوي، الشاق العسير، المكلف للأموال الباهظة والمتاعب الجمة وبضحالة الثقافة التي تحصل لهم في هذه الجامعات وفصول الدروس، والإنسان منذ وجد على هذا الكوكب مؤمن بمنطق النفع خاضع مجلٌّ لمن كان سببا له في ذلك. ٢- تشكك الشباب في إخلاص المعلمين والعاملين في هذه المراكز الثقافية ونزاهتهم وسموهم، وإنهم على مستوى هو فوق مستواهم في العلم والعمل والخلق والاستقامة، وفي الذكاء والمواهب، وفي الاجتهاد والجهاد لأداء رسالتهم، بل يرون كثيرا منهم دون مستواهم ويرونهم محترفين بصناعة التعليم لا يمتازون عن المحترفين الآخرين من أصحاب المهن والصناعات بكثير.

стр. 4131

٣- ضعف الصلة بين الأساتذة والتلاميذ إذا كان هنالك أساتذة بالمعنى الحقيقي، فقد حولت الجامعات والمعاهد العلمية حتى الدينية الإسلامية منها من أسر مؤتلفة يسود عليها الإخاء والتعاون، والحب والرقة، يوقر فيها الكبير ويُرحم فيها الصغير إلى طبقات متنافسة لا تلتقي إلا على الأغراض والاستغلال، وصلة المعلم بالتلميذ صلة سطحية مؤقتة لا تتجاوز الفصول والدروس. ٤- عدم وجود رسالة يؤمن بها الشباب ويتحمسون لها، ويتفانون في سبيلها، ويتشرفون ويتظرفون بحملها والاعتزاء إليها، وعدم وجود دعوة تشغلهم وتستحوذ على مشاعرهم وتجعلهم بمأمن من أن يكونوا فريسة لدعوات أخرى فلا سبيل إلى تأمين شباب متفتحي القلب والعقل من الوقوع في شباك الدعوات والفلسفات إلا أن يُحوّلوا إلى دعاة أصحاب عقيدة ومبدأ، ولا سياج للقلب ولا حارس له أفضل من الحب، فإن الحب إذا وقع في القلب واستولى عليه منع من أن يغزوه حب آخر و ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ . ٥- عدم وجود العاطفة القوية الدافقة، والإيمان الملتهب، وقد عجز العلم - في تاريخه الذي دُوّن وعُثر عليه- عن أن يقاوم المغريات المادية والنزوات النفسية، كما عجز مقدار من العقل عن مقاومة الفتن الداخلية والخارجية، بل كانت وظيفة العقل مقصورة على تهيئة الدلائل العلمية والمبررات العقلية لما يزين له الشيطان وتجنح إليه النفس، وإن دوره في مثل هذه المواقف دور المحامي الحاذق والحقوقي البارع الذي يدافع عن كل قضية في لباقة ومهارة، وفي براعة وبلاغة، وخبرة دقيقة بالقوانين والحقوق.

стр. 4132

وقد أهملت المراكز التربوية كلها جانب العاطفة والحب والإيمان واعتبرته من خصائص بعض النظم التي كانت محدثة دخيلة على الإسلام والتي تنافي في نظر بعض قادة التعليم ورجال الفكر روح الشريعة الإسلامية والطريقة السلفية، مع أنه حاجة من حاجات البشر ومطلب من مطالب الإسلام إذا نُقّي مما التصق به في العهود الأخيرة، وقد اتصف بهذا الجانب الرعيل الأول من المسلمين من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولولا هذا الإيمان القوي والولوع والحب العميق وقوة العاطفة (ولا مشاحة في الاصطلاح) لما ظهرت منهم هذه الروائع الإيمانية والبطولات التي لا نظير لها في تاريخ الأمم. إن إهمال هذا الجانب قد جنى على نظامنا التعليمي جناية كبيرة وأفقده العمق والرقة والسمو، وقوة المقاومة وصلاحية الإبداع، وإشعال القرائح وتدفقها، فأصبح نظامنا التعليمي نظاما خشيباً جامداً لا حياة فيه ولا حركة، ولا نمو فيه ولا ازدهار، وأصبحت مراكزنا الثقافية وجامعاتنا الإسلامية مراكز حياة رتيبة جامدة يسود عليها الركود، ويهيمن عليها الجمود، وتتحكم فيها القوانين واللائحات. وهذا الذي تحدثنا به من مشكلات مراكز التعليم العصري والجامعات المدنية طبيعي معقول يجب أن لا يثير استغرابا ولم يكن مجرد مفاجأة أو مصادفة، بل هي طبيعة الأشياء. والشجرة لا تلام على ثمرتها الطبيعية، ولا أبالغ من التعبير النبوي، فهذه المعاهد العلمية هلي (خضراء الدمن) . أما بخصوص مراكز التعليم الديني والثقافة الإسلامية- والجامعة الإسلامية عضو كريم من أعضاء هذه الأسرة الكريمة - فكان من المفروض أن تكون بعيدة كل البعد عن تأثير هذه الأسباب وفعل هذه العوامل فإن الأسباب التي تحدثنا عنها وليدة المادية ونتيجة التعليم والعلوم والآداب وتجريد العلم عن الإيمان والعقيدة والخلق والسيرة، والفصل بين الدين والدنيا.

стр. 4133

بالعكس من ذلك إن نظامنا التعليمي قائم على الإيمان بشرف بالعلم، وفضل العلماء، ونظرته إلى العلم ومكانته ومصادره ومهمته ورسالته تختلف كل الاختلاف عن نظرة النظام التعليمي الغربي المادي، وكذلك نظرة التلاميذ إلى أساتذتهم وكل ما يتصل بالعلم من وسائل وأدوات، وأسباب ومقدمات، تختلف اختلافا كبيرا عن نظرة المتعلمين في الغرب وفي العصر الحديث، ولنظرة عجلى في فضائل العلم والعلماء في الإسلام، وما ورد فيها من آيات وأحاديث، وما أُلف فيها من كتب ورسائل، تكوّن مكتبة مستقلة تكفي لفهم الفرق بين أبناء المعاهد الدينية ومراكز التربية العصرية. ولكن من الواقع الذي يجب أن نعترف به تأثير الزمان والبيئة والفلسفات العصرية والعوامل السياسية والاقتصادية كان عميقاً جداً في أبناء جامعاتنا الإسلامية ومعاهدنا الدينية لم يخل عنه المعلمون والمربون وقد أصيبت طائفة كبيرة من الطلبة بالبلبلة الفكرية والقلق النفسي وعدم الإجلال للعلم وقيمته، وندر من كان مخلصاً في طلبه للعلم يطلبه ويعكف عليه إيماناً واحتساباً، وابتغاء مرضاة الله يعتز بمكانته ويحمد الله عليها، منقطعا إليه بقلبه وقالبه متحملا للأذى في سبيله، يرى في اكتسابه لذة وعزة لا تعدلها لذة وعزة، متضلعا من الدعوة، متساميا برسالته، مؤمنا بها كل الإيمان صاحب عاطفة قوية وحب دافق يتمرد به على الشهوات والنزوات، والشكوك والشبهات، يؤثر ولا يتأثر، ويحرك ولا يتحرك، ويعلو ولا يعلى عليه. بل مع الأسف نجد كثيراً منهم لا يمتازون عن نظرائهم وأقرانهم شباب الجامعات المدنية في الأخلاق والأذواق والإيمان بصلاحية الإسلام وخلوده وحاجة البشرية إليه بل ربما كان من تأثر من شباب الجامعات المدنية بدعوة دينية أو شخصية إسلامية قوية أو مطالعة صالحة أحسن حالا وأقوى إيمانا وأكثر حماسا للإسلام من شباب الجامعات المدنية الذين لم يسعدهم الحظ بذلك.

стр. 4134

وقد تجلى هذا الاضطراب في الفكر والعمل والهدف بوضوح في بيئة جامعية كانت ملتقى عناصر مختلفة من أنحاء العالم، وكان فيها مزيج من الثقافات واللغات والبيئات، ولم تجد الوقت الكافي والشخصيات القوية المؤثرة التي تربط بين هذه العناصر المختلفة والمزيج من الشباب وتضفي عليها صبغة واحدة ولم تستطع أن تصهرها في بوتقة عقيدة واحدة وغاية واحدة، وازدادت القضية تعقداً ودقة حين انضم إلى هذه العوامل المضعفة عامل الإغراء المادي، فكان الدافع لكثير من الشباب المنحة الكريمة ذات القيمة التي ينالونها في هذه الجامعة وزاد الطين بلة عدم وجود الحياة الاجتماعية حياة دور الإقامة والأروقة التي يعيشها الشباب في الجامعات الدينية القديمة وعدم وجود شخصية قوية مغناطيسية تشرف على هذه الأجنحة من دور الإقامة والأروقة، وتهيمن عليها بجاذبيتها وإخلاصها وتوجعها ومعرفتها الدقيقة بنفسية الشباب وعقدها، وتنمي الملكات وتربيها. والعلاج عندي في هذه البيئة المضطربة المتناقضة يتلخص في النقاط الآتية:

стр. 4135

١- إثارة الإيمان والاحتساب في نفوس الشباب والاعتناء الزائد بفضائل العلم والعلماء ووجوب الإخلاص والتحذير من أغراض العلم الدنيوية، أو طلب العلم لغير الله ولغير الدين، وما ورد فيه من وعيد شديد، ومعلوم أن الكثرة الكاثرة من شبابنا اليوم ليس مرضه تحديد غرض الفساد أو الإفساد، والزيغ، والإلحاد إن مرضه هو عدم الجدية وعدم التفكير في غاية العلم ومقاصده والغفلة عنها، فنجد العدد الأكبر من هؤلاء الطلبة لم يفكروا في يوم من الأيام لماذا يتعلمون ولم يحددوا لهم غاية، فبدأوا عملهم من غير تفكير ومن غير تصميم، ويجب الاستعانة في ذلك بالاشادة بالآيات والأحاديث التي وردت في فضائل العلم والعلماء والتنويه بها بمناسبات مختلفة، وعن طريق المحاضرات والخطب والرسائل والحديث والمذاكرة، وقد أقر علماء النفس والتربية، أنه لا توجد قوة أكثر عمقا وأشد سلطانا على النفوس من الإيمان بالمنافع والإيمان بالفضائل وذلك الذي حدا بالصحابة ومن تبعهم إلى الشهادة في سبيل الله وبذل النفس والنفيس في خدمة الإسلام، وهانت عليهم بذلك حياتهم ولذاتهم وأوطانهم وولدانهم ومطالب النفس والجسد. ٢- إن مشكلات دور التعليم مشكلات طريفة متجددة لا يأتي عليها حصر، ولا يضبطها قانون وهي، كالثوب البالي إذا رفي من جانب تناثر من جانب آخر، أو كقطيع من الغنم إذا ضُبط من جانب أفلت من جانب آخر، والمفتاح الرئيسي لهذه الأقفال التي ليس لها عدد ولا حصر، هو وجود الأساتذة الذين أكرمهم الله بقوة الشخصية ورسوخ الإيمان والعلم، والعقل السليم والقلب الرقيق والعاطفة القوية، فهي العصا السحرية التي لا تمس شيئا إلا غيرته وحجر الفلاسفة الذي لا يمس التراب إلا ويحوله تبرا، وهي الثروة الكبرى والطاقة الهائلة التي يمكن الاعتماد عليها في فض المشكلات وحل الأزمات.
следующие страницы →