Полный текст (23 804 стр.). Показаны 4131–4170 · переход к 4136.
стр. 4131
٣- ضعف الصلة بين الأساتذة والتلاميذ إذا كان هنالك أساتذة بالمعنى الحقيقي، فقد حولت الجامعات والمعاهد العلمية حتى الدينية الإسلامية منها من أسر مؤتلفة يسود عليها الإخاء والتعاون، والحب والرقة، يوقر فيها الكبير ويُرحم فيها الصغير إلى طبقات متنافسة لا تلتقي إلا على الأغراض والاستغلال، وصلة المعلم بالتلميذ صلة سطحية مؤقتة لا تتجاوز الفصول والدروس.
٤- عدم وجود رسالة يؤمن بها الشباب ويتحمسون لها، ويتفانون في سبيلها، ويتشرفون ويتظرفون بحملها والاعتزاء إليها، وعدم وجود دعوة تشغلهم وتستحوذ على مشاعرهم وتجعلهم بمأمن من أن يكونوا فريسة لدعوات أخرى فلا سبيل إلى تأمين شباب متفتحي القلب والعقل من الوقوع في شباك الدعوات والفلسفات إلا أن يُحوّلوا إلى دعاة أصحاب عقيدة ومبدأ، ولا سياج للقلب ولا حارس له أفضل من الحب، فإن الحب إذا وقع في القلب واستولى عليه منع من أن يغزوه حب آخر و ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ .
٥- عدم وجود العاطفة القوية الدافقة، والإيمان الملتهب، وقد عجز العلم - في تاريخه الذي دُوّن وعُثر عليه- عن أن يقاوم المغريات المادية والنزوات النفسية، كما عجز مقدار من العقل عن مقاومة الفتن الداخلية والخارجية، بل كانت وظيفة العقل مقصورة على تهيئة الدلائل العلمية والمبررات العقلية لما يزين له الشيطان وتجنح إليه النفس، وإن دوره في مثل هذه المواقف دور المحامي الحاذق والحقوقي البارع الذي يدافع عن كل قضية في لباقة ومهارة، وفي براعة وبلاغة، وخبرة دقيقة بالقوانين والحقوق.
стр. 4132
وقد أهملت المراكز التربوية كلها جانب العاطفة والحب والإيمان واعتبرته من خصائص بعض النظم التي كانت محدثة دخيلة على الإسلام والتي تنافي في نظر بعض قادة التعليم ورجال الفكر روح الشريعة الإسلامية والطريقة السلفية، مع أنه حاجة من حاجات البشر ومطلب من مطالب الإسلام إذا نُقّي مما التصق به في العهود الأخيرة، وقد اتصف بهذا الجانب الرعيل الأول من المسلمين من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولولا هذا الإيمان القوي والولوع والحب العميق وقوة العاطفة (ولا مشاحة في الاصطلاح) لما ظهرت منهم هذه الروائع الإيمانية والبطولات التي لا نظير لها في تاريخ الأمم.
إن إهمال هذا الجانب قد جنى على نظامنا التعليمي جناية كبيرة وأفقده العمق والرقة والسمو، وقوة المقاومة وصلاحية الإبداع، وإشعال القرائح وتدفقها، فأصبح نظامنا التعليمي نظاما خشيباً جامداً لا حياة فيه ولا حركة، ولا نمو فيه ولا ازدهار، وأصبحت مراكزنا الثقافية وجامعاتنا الإسلامية مراكز حياة رتيبة جامدة يسود عليها الركود، ويهيمن عليها الجمود، وتتحكم فيها القوانين واللائحات.
وهذا الذي تحدثنا به من مشكلات مراكز التعليم العصري والجامعات المدنية طبيعي معقول يجب أن لا يثير استغرابا ولم يكن مجرد مفاجأة أو مصادفة، بل هي طبيعة الأشياء. والشجرة لا تلام على ثمرتها الطبيعية، ولا أبالغ من التعبير النبوي، فهذه المعاهد العلمية هلي (خضراء الدمن) .
أما بخصوص مراكز التعليم الديني والثقافة الإسلامية- والجامعة الإسلامية عضو كريم من أعضاء هذه الأسرة الكريمة - فكان من المفروض أن تكون بعيدة كل البعد عن تأثير هذه الأسباب وفعل هذه العوامل فإن الأسباب التي تحدثنا عنها وليدة المادية ونتيجة التعليم والعلوم والآداب وتجريد العلم عن الإيمان والعقيدة والخلق والسيرة، والفصل بين الدين والدنيا.
стр. 4133
بالعكس من ذلك إن نظامنا التعليمي قائم على الإيمان بشرف بالعلم، وفضل العلماء، ونظرته إلى العلم ومكانته ومصادره ومهمته ورسالته تختلف كل الاختلاف عن نظرة النظام التعليمي الغربي المادي، وكذلك نظرة التلاميذ إلى أساتذتهم وكل ما يتصل بالعلم من وسائل وأدوات، وأسباب ومقدمات، تختلف اختلافا كبيرا عن نظرة المتعلمين في الغرب وفي العصر الحديث، ولنظرة عجلى في فضائل العلم والعلماء في الإسلام، وما ورد فيها من آيات وأحاديث، وما أُلف فيها من كتب ورسائل، تكوّن مكتبة مستقلة تكفي لفهم الفرق بين أبناء المعاهد الدينية ومراكز التربية العصرية.
ولكن من الواقع الذي يجب أن نعترف به تأثير الزمان والبيئة والفلسفات العصرية والعوامل السياسية والاقتصادية كان عميقاً جداً في أبناء جامعاتنا الإسلامية ومعاهدنا الدينية لم يخل عنه المعلمون والمربون وقد أصيبت طائفة كبيرة من الطلبة بالبلبلة الفكرية والقلق النفسي وعدم الإجلال للعلم وقيمته، وندر من كان مخلصاً في طلبه للعلم يطلبه ويعكف عليه إيماناً واحتساباً، وابتغاء مرضاة الله يعتز بمكانته ويحمد الله عليها، منقطعا إليه بقلبه وقالبه متحملا للأذى في سبيله، يرى في اكتسابه لذة وعزة لا تعدلها لذة وعزة، متضلعا من الدعوة، متساميا برسالته، مؤمنا بها كل الإيمان صاحب عاطفة قوية وحب دافق يتمرد به على الشهوات والنزوات، والشكوك والشبهات، يؤثر ولا يتأثر، ويحرك ولا يتحرك، ويعلو ولا يعلى عليه.
بل مع الأسف نجد كثيراً منهم لا يمتازون عن نظرائهم وأقرانهم شباب الجامعات المدنية في الأخلاق والأذواق والإيمان بصلاحية الإسلام وخلوده وحاجة البشرية إليه بل ربما كان من تأثر من شباب الجامعات المدنية بدعوة دينية أو شخصية إسلامية قوية أو مطالعة صالحة أحسن حالا وأقوى إيمانا وأكثر حماسا للإسلام من شباب الجامعات المدنية الذين لم يسعدهم الحظ بذلك.
стр. 4134
وقد تجلى هذا الاضطراب في الفكر والعمل والهدف بوضوح في بيئة جامعية كانت ملتقى عناصر مختلفة من أنحاء العالم، وكان فيها مزيج من الثقافات واللغات والبيئات، ولم تجد الوقت الكافي والشخصيات القوية المؤثرة التي تربط بين هذه العناصر المختلفة والمزيج من الشباب وتضفي عليها صبغة واحدة ولم تستطع أن تصهرها في بوتقة عقيدة واحدة وغاية واحدة، وازدادت القضية تعقداً ودقة حين انضم إلى هذه العوامل المضعفة عامل الإغراء المادي، فكان الدافع لكثير من الشباب المنحة الكريمة ذات القيمة التي ينالونها في هذه الجامعة وزاد الطين بلة عدم وجود الحياة الاجتماعية حياة دور الإقامة والأروقة التي يعيشها الشباب في الجامعات الدينية القديمة وعدم وجود شخصية قوية مغناطيسية تشرف على هذه الأجنحة من دور الإقامة والأروقة، وتهيمن عليها بجاذبيتها وإخلاصها وتوجعها ومعرفتها الدقيقة بنفسية الشباب وعقدها، وتنمي الملكات وتربيها.
والعلاج عندي في هذه البيئة المضطربة المتناقضة يتلخص في النقاط الآتية:
стр. 4135
١- إثارة الإيمان والاحتساب في نفوس الشباب والاعتناء الزائد بفضائل العلم والعلماء ووجوب الإخلاص والتحذير من أغراض العلم الدنيوية، أو طلب العلم لغير الله ولغير الدين، وما ورد فيه من وعيد شديد، ومعلوم أن الكثرة الكاثرة من شبابنا اليوم ليس مرضه تحديد غرض الفساد أو الإفساد، والزيغ، والإلحاد إن مرضه هو عدم الجدية وعدم التفكير في غاية العلم ومقاصده والغفلة عنها، فنجد العدد الأكبر من هؤلاء الطلبة لم يفكروا في يوم من الأيام لماذا يتعلمون ولم يحددوا لهم غاية، فبدأوا عملهم من غير تفكير ومن غير تصميم، ويجب الاستعانة في ذلك بالاشادة بالآيات والأحاديث التي وردت في فضائل العلم والعلماء والتنويه بها بمناسبات مختلفة، وعن طريق المحاضرات والخطب والرسائل والحديث والمذاكرة، وقد أقر علماء النفس والتربية، أنه لا توجد قوة أكثر عمقا وأشد سلطانا على النفوس من الإيمان بالمنافع والإيمان بالفضائل وذلك الذي حدا بالصحابة ومن تبعهم إلى الشهادة في سبيل الله وبذل النفس والنفيس في خدمة الإسلام، وهانت عليهم بذلك حياتهم ولذاتهم وأوطانهم وولدانهم ومطالب النفس والجسد.
٢- إن مشكلات دور التعليم مشكلات طريفة متجددة لا يأتي عليها حصر، ولا يضبطها قانون وهي، كالثوب البالي إذا رفي من جانب تناثر من جانب آخر، أو كقطيع من الغنم إذا ضُبط من جانب أفلت من جانب آخر، والمفتاح الرئيسي لهذه الأقفال التي ليس لها عدد ولا حصر، هو وجود الأساتذة الذين أكرمهم الله بقوة الشخصية ورسوخ الإيمان والعلم، والعقل السليم والقلب الرقيق والعاطفة القوية، فهي العصا السحرية التي لا تمس شيئا إلا غيرته وحجر الفلاسفة الذي لا يمس التراب إلا ويحوله تبرا، وهي الثروة الكبرى والطاقة الهائلة التي يمكن الاعتماد عليها في فض المشكلات وحل الأزمات.
стр. 4136
٣- وجود دعوة إيجابية قوية تشغل عقول الشباب وتستولي على مشاعرهم وتحرك ملكاتهم العملية وما طبعوا عليه من حب للحركة والعمل والكفاح، ولا تدع مكانا لدعوة أخرى يؤمنون بفضلها وشدة الحاجة إليها.
وهذه الدعوة موجودة معلومة وعلى أساسها قامت كل جامعة إسلامية وخاصة هذه الجامعة التي تقوم في مهبط الوحي ومهجر الرسول ﷺ ومنطق الدعوة الإسلامية في العالم وهي الدعوة إلى الله والدعوة إلى الدين الخالص والتوحيد النقي الصافي وإلى دار السلام والتحلي بفضائل الإسلام وإنقاذ البشرية من مستنقع الجاهلية - بأوسع معاني الكلمة - الذي تردّت فيه والخروج بالإنسان من ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ويمكن إثارة هذه الدعوة وتنميتها عن طريقة السيرة النبوية وحياة المصلحين والمجددين في الإسلام، وتاريخ الدعوة الإسلامية في مختلف العصور، ويحسن أن تنظم للتربية عليها جولات دعوية ومخيمات خارجية ومحاضرات علمية.
٤- إيجاد نظام اجتماعي رواقي، يعيش فيه الشباب حياة اجتماعية إسلامية تحت إشراف أساتذة ومراقبين يكونون القدوة الحسنة والمثل الكامل في الخلق والسيرة وذوق العلم وذوق العبادة يتميزون لا عن الطلبة وحدهم بل عن عامة العلماء والأساتذة بمحاسبة النفس والاحتساب لله والتقشف في الحياة والبعد عن غوائل النفس ومكائد الشيطان، يشعر الشباب بحرارة إيمانهم ورقة قلوبهم وشعورهم فيقتدون بهم بدافع من الحب والإجلال وحب للجمال والكمال لا بدافع قانوني ويتخذونهم مثلاً في الحياة.
стр. 4137
٥- تنظيم محاضرات عامة يدعى لها كبار العلماء وأقطاب الفكر الإسلامي تغرس في نفوس الشباب العقيدة القوية وتلهب الجمرة الإيمانية وتعيد الثقة بالإسلام، وما اشتمل عليه من تشريع وتعليم ودعوة مناهج للحياة، وتتناول القضايا التي تشغل العالم وتشغل الشباب بصفة خاصة والتحديات التي سيواجهونها لمجرد تخرجهم من الجامعة الإسلامية ورجوعهم إلى بلادهم وتعرض لها حلولا في ضوء الكتاب والسنة وتعاليم الإسلام والعلم الصحيح وتحل العقد النفسية للشباب حلاً رفيقاً رقيقاً بحيث لا يشعرون أنهم يمرون بمرحلة (عملية جراحية) وأنهم يداوون كالمرضى أو يخرجون كالغرقى.
ومعلوم أن الجامعات مهما توسعت دائرتها وقوي نشاطها لا تستطيع أن تعطي الطالب الزاد الكافي من المعلومات عن التاريخ الماضي والعالم المعاصر والعلم الحديث لكثرة المواد الدراسية فلا بد أن يعتمد في إنارة عقول الشباب وتوسع نطاق معلوماتهم على المحاضرات التي ينتقى لها خيرة العلماء وأصحاب الاختصاص.
هذه هي الأساليب والطرق التي أعتقد أنها تزيل الشيء الكثير مما تعانيه الجامعات الإسلامية والمعاهد العلمية من أمراض وقلق واضطراب وعدم خضوع للنظام، وعدم استفادة حقيقية مما هيأته لهم هذه الجامعات من أساتذة فضلاء، ومكتبة غنية واسعة وأسباب الراحة والهدوء، والعكوف على الدراسة، وهي مما شرح الله لها صدور كثير من المربين وجربوها في مناطق عملهم وتجربتهم فنجحت.
ولا شك أن هذه البيئة الفائضة بالإيمان والحنان، العامرة بالرسالة والدعوة، الملهمة للصبر والتقوى وعلو الهمة وسمو النظر المليئة بالروحانية والسكينة - والجامعة تعيش في رحب المسجد النبوي وفي ظلال الآثار والذكريات الأولى - تساعد على تحقيق هذه الغاية في أكمل شكل، والله المستعان، وعليه الاعتماد والتكلان، وصلى الله على خير خلقه محمد وآله وصحبه.
стр. 4138
تعقيب على رسالة الدكتور معروف الدَّواليبي
بقلم: الدكتور أحمد عبيد الكبيسي
كلية القانون والسياسة- جامعة بغداد
السيد رئيس تحرير مجلة الجامعة الإسلامية الغراء.
وبعد: فقد كنت قرأت في مجلة العربي الكويتية مقالة للدكتور معروف الدواليبي بعنوان (تغيير الأحكام بتغير الأزمان وهي تتضمن رداً على مقالة كنت قد كتبتها في نفس المجلة تحت عنوان (الحكم بقطع يد السارق في الشريعة الإسلامية) .
ومع شيء من التغافل - الذي تعظم به النفوس - عن بعض العبارات التي وردت في مقالة الدكتور الدواليبي: فإني وجدت أن رده ذلك قد أزال اللبس الذي يوحي به منهجه في موضوع المصلحة الذي تطرق إليه في كتابه: (المدخل إلى علم أصول الفقه) .
فحمدت للدكتور الدواليبي تمسكه بالحق، ودفاعه عنه، وانحيازه لشريعة الله، وحرصه عليها. وهو أمر لا أظن أن أحدا ينسب للدواليبي غيره، ولا يتوقع منه سواه. وعلى الرغم من أنني لم أوافقه على بعض ما قال إلا أني لم أكن أنوي الرد على رده.
إلا أني عدت فقرأت في نفسي الرد في مجلتكم الغراء في عددها الثاني من سنتها السادسة تحت عنوان: (رسالة) . فتبينت أن مجلة العربي كانت قد حذفت بعض عبارات من كلام الدكتور الدواليبي التي رأت المجلة أن ورودها ليس ضروريا ضمن نقاش موضوعي.
وقد بدى لي من تلك العبارات الغاضبة أن الدكتور الدواليبي قد نظر إلى الموضوع على أنه نيل منه، أو خصومة شخصية ضده.
غير أن هذا في الحقيقة ليس وارداً على الإطلاق. فالدكتور الدواليبي معروف بمواقفه المشرفة في الدفاع عن الإسلام وإخلاصه في الذود عن حدود الله.
стр. 4139
كل ما في الأمر: هو أني كنت قد استعرضت بعض الآخذين بالفهم الذي أخالفهم فيه لمبدأ تغير الأحكام بتغير الأزمان. وعندما أخذت أناقش بعض عباراتهم لم يخطر ببالي من قال بقدر ما كان يهمني ما قيل. فإذا كان الدكتور الدواليبي قد استشعر شيئا من الحدة في بعض ما جاء في مقالتي من عبارات، أو استنبط شيئا من إيراد بعض الآيات القرآنية بعينها. فإنه مدعو إلى أن يتروى قليلا. ذلك أن الأمر لا يعنيه من قريب أو بعيد. وإنما الأمر كله ناتج عن الإحساس بوطأة العابثين بشريعة الله، ومنذ أن شنّ الغرب الحاقد غارته على الشرق الغافل مخترقا كل ما لنا من ماض نعتز به، أو فكر نفاخر فيه، أو هدف نجاهد من أجله أو ثروة فقهية هي مدار فخرنا على الزمن. فاستطاع أن يثير بين صفوف أمتنا الريبة والشك. وأن يزرع بين شباب جيلها هذا زرعا خبيثا، فاتخذ له قاعدة ضمن نفر من الناس لغتهم كلغتنا، ورسومهم كرسومنا، إلا أن هواهم مع عدونا وقلوبهم على غير مشاربنا، فكانوا قلة مشاغبة تعارض الكثرة في الرأي وتخالفها في الهوى، وتغري بها الشر، وتمالئ عليها العدو، وتحاول أن تتحيز في الفكر واللسان. وقد مكنت من ذلك بشتى الأساليب.
стр. 4140
ولقد انساق بعض حسني النية وراء هذه اللعبة الغامضة، ووقعوا في الشرك الدفين فأخذوا - بحسن نية وسذاجة - يحاولون التوفيق بين الخطأ الجديد والصواب القديم، ويجمعون بين الرأي الناصح الصادق، والإيحاء المخاتل المتآمر. وكان الفقه الإسلامي مدار عبثهم هذا، فطغت عليهم شهوة الاجتهاد الساذج المرذول، وسيطرت على عقولهم الجانحة نزوة التجديد والابتكار، واستجلاء ما غمض عن الفقهاء والمفسرين والمجتهدين من السلف الصالح. وإن كان لهذا من أسباب فهو لا يعدو كونه نتيجة للثقافة الخاوية، والأمية الغاشية، والتربية العقلية المهملة، والهوى المتنقل، والطبع الهازل السؤوم. فكان الضغط من هذه المواقع شديد على مواقع الإسلام، حتى استجاب بعض الناس لهذا الضغط، فأخذوا يؤولون ويدارون ويداورون.
فمن قائل بجواز القرض بالفائدة من الدولة مبرراً ذلك بأن التصرف مع الدولة يختلف عن التصرف مع الأفراد.
ولا أدري ما إذا كان هذا الرأي يشمل شرب الخمر ولعب القمار إذا ما تبنت الدولة ذلك؟
ويقول آخر: بأن الفائدة في التعامل المصرفي جائزة، مستنداً في ذلك إلى تشويه رأي لفقيه معاصر لا يقل حرصا على الشريعة عن الدكتور الدواليبي نفسه.
ويقول آخر: بأن السفور والاختلاط لا يتنافيان مع الشريعة الإسلامية، مستندا إلى حادثة عن رسول الله ﷺ أخذها بسطحية متناهية على فرض صحتها، متغاضيا عن ظروف النص وخصوصيات رسول الله والأمثلة على مثل هذا كثيرة. وكلها لا تعدو كونها استجابة لذلك الضغط الهائل الذي أخذ يضيق الحبل حول الفقه الإسلامي. لغرض لا أظنه خافيا على أحد.
أعود إلى ما ذكره الدكتور الدواليبي حول موضوع تغير الأحكام بتغير الأزمان وانطباق هذا على حد السرقة. لقد كان الدكتور الكريم قد ذكر في كتابه (المدخل إلى علم أصول الفقه) ما يلي:
стр. 4141
(ومن هذا القبيل - أي تغير الحكام بتغير الزمان - اجتهاد عمر ﵁ عام المجاعة في وقف تنفيذ حد السرقة على السارقين وهو قطع اليد، واكتفاؤه بتعزير السارق عن قطع يده، معتبرا أن السرقة ربما كان يندفع إليها السارقون حينذاك بدافع الضرورة لا بدافع الإجرام، وفي ذلك شبهة في الجرم على الأقل، والحدود تدرأ بالشبهات. وفي هذا كما ترى تغيير لحكم السرقة الثابت بنص القرآن، عملا بتغير الظروف التي أحاطت بالسرقة) انتهى.
وهذا أمر - على حد علمي - لا يتلاءم والقواعد العامة في علم أصول الفقه.
ذلك أن قواعد هذا العلم ثابتة لا تتغير. وقد كنا طلاباً نشدو بأوليات أصول الفقه وكان أساتذتنا يقولون لنا ما يلي:
إن اعتبار هذا المثال من أمثلة تغير الحكم بتغير الأزمان لا يمكن التسليم به لأمور:
١- إن حكم السرقة ثبت بالنص، فهو الأصل المقتضي لهذا الحكم، والأحكام المبنية على النصوص تبقى ما بقيت النصوص، فهي بمنأى عن أن تنالها يد التغيير والتبديل، لأنها أحكام ثبت بأدلة شرعية لا تتبدل ولا تتغير.
стр. 4142
ولأن تبديلها معناه نسخ النصوص المثبتة لها، ومن المسلّمات في الشريعة أنه لا نسخ بعد وفاة الرسول ﷺ ، إذاً: مثل هذه الأحكام تبقى ما لم يوجد مانع يمنعها، نظرا لوجود مقتضيها. وأما الأحكام التي تتغير بتغير الزمان فهي تلك الحكام التي انبنت على العرف، واستمدت منه باعتباره دليلا من أدلة الأحكام، ومن الواضح أن العرف يتغير أحيانا بتغير الزمان أو المكان، وتبعا لتغيره تتغير الأحكام التي انبنت عليه، وكان الفقهاء يطلقون على ذلك أنه: اختلاف عصر وزمان لا اختلاف حجة وبرهان. إذ العرف لما كان أصلا لتلك الأحكام فإنها تتبعه في تغيره، لأن ما يطرأ على الأصل يطرأ على ما تفرع منه، وهذا ما يقتضيه دوران الفرع مع الأصل ونظرا لهذا فإن المجتهد يغير رأيه في المسألة الواحدة تبعا لتغير العرف الذي بني عليه حكمه فيها.
٢- إن ما جعل مناطا للحكم في هذه المسألة لا يخلو من أحد أمرين: إما السرقة نفسها وإما فعل عمر ﵁، وكل منهما لا سبيل إلى جعله مناطا للحكم، أما السرقة وتعارف الناس عليها فإنها لا يمكن جعلها مناطا للحكم لأنها إن جعلت مناطا فلأجل أنها عرف، ولو اعتبرت عرفا فإنه عرف فاسد ومصادم للنص، ومن المتفق عليه (بين القائلين بحجية العرف) أنه يشترط لحجية العرف لبناء الحكم عليه أن لا يصادم النص ولا يلغيه، وأما فعل عمر ﵁ فلأنه لا يمكن جعله مناطا للحكم كعرف يبنى عليه الحكم. لأنه ليس عرفا. إذ من شرط العرف أن يكون عاما لا فعل فرد.
стр. 4143
٣- إن فعل عمر لا يعتبر تغييرا لحكم السرقة: ذلك التغيير الذي لا يسوغ لأحد أن يقوم به غير الشارع وإنما هو تقديم للمانع على المقتضي، ومن المتفق عليه في أصول الفقه أنه: إذا اجتمع المانع والمقتضي قدم المانع، والمانع هنا من تطبيق الحكم هو شبهة الضرورة، والحدود تدرأ بالشبهات. وإذا منعت الضرورة من تطبيق حكم المنع لا يسمى تغييرا للحكم، وإلا للزم أن تكون الضرورة لأكل الميتة مغيرة لتحريمها ومحللة إياها ولا قائل بذلك إطلاقا، كل ما هنالك أن الاضطرار كان سببا للرخصة في أكل الميتة مع بقاء التحريم على ما كان عليه دون تغيير. وتسمية فعل عمر رخصة أولى من إدراجه ضمن الأحكام المتغيرة بتغير الزمان، بل إن ذلك متعين.
٤- إن اعتبار فعل عمر من تخصيص العام أولى من جعله تغييرا للحكم بتغير الزمان، ذلك أن قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ عام نظرا للفظ (السارق) إذ هو مفرد معرف باللام، وإذا لم يكن هنالك عهد ولم يتعذر الحمل على الاستغراق كما هنا فإنه يحمل على الاستغراق. قد وردت أدلة استقي منها أن الضرورة لها أثرها في المنع من تطبيق الحكم، فتكون مخصصة للعمومات التي منها هذه الآية فتكون الآية مخصوصة في تطبيقها بغير حالات الضرورة، ولعل عمر رأى أن الضرورة ألجأتهم إلى السرقة في عام المجاعة.
كما أن حديث: "ادرءوا الحدود بالشبهات" يصلح أن يكون مخصصا لعموم الآية، ولا يضير أن يكون الحديث ظنيا، لأن الآية بعد تخصيصها بمخصصات أخرى كالأحاديث المبينة لشروط السرقة الموجبة للقطع، تكون دلالتها على الباقي ظنية فيقوى الظن على تخصيصه.
هذا هو مسلك الأصوليين في مثل هذه المسألة. وهو أمر يخالف مسلك الدكتور الدواليبي.
стр. 4144
ثم إن الدكتور الدواليبي نفسه قال: (إن الحد سقط بالشبهة) - أي أن النص لا ينطبق عليه - ثم عاد فقال: (وفي هذا تغيير لحكم السرقة الثابت بالنص) وهو تناقض لا يخفى على أحد فأين هو الحكم الثابت بالنص حتى نحكم عليه بالسقوط. ذلك أن الذي سقط: إنما هو حكم لم يثبت بالنص.
والله من وراء القصد.
من القرآن الكريم
قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاكنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّفي كِتَابٍ مُبِينٍ أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾
стр. 4145
قضايا أساسية في تطوير المكتبة العربية والإسلامية
بقلم: عيد عبد الله السيد: خبير المكتبات بالجامعة
قلنا في المقال السابق إن من الجوانب الأساسية التي تثار عند تقويم مكتباتنا للحكم لها أو عليها جانبين:
أولهما: موارد المكتبة: أي تمويلها ونظمها الإدارية وموظفوها ومجموعاتها من الكتب ومواد القراءة.
وثانيهما: خدمات المكتبة: أي إعداد المجموعات وإعارتها وخدمة المراجع وإرشاد القراء وتعليم الكبار واستعمال المواد التي لا تعار والدعوة المكتبية وقلنا إن المقصود بإعداد المجموعات هي العمليات الفنية المكتبية كالتصنيف والفهرسة والببليوجرافيا وغيرها.
واقتصرنا في مقالنا بالعدد السابق من هذه المجلة على تقويم إعداد المجموعات العلمية داخل المكتبة.
وفي هذا المقال نتناول الجانب الأول وهو موارد المكتبة. أي إننا نتساءل عن مدى الكفاية العددية والنوعية للموارد البشرية والمادية بالمكتبة العامة أو المكتبة الجامعية أو المكتبة المتخصصة أو حتى في المكتبة المدرسية وغير ذلك من أنواع المكتبات.
لا زالت المكتبة العربية حتى الآن تعتبر مؤسسة ثانوية إذا قيست بغيرها من المؤسسات كالمدارس والمستشفيات ومراكز الشرطة وغيرها من المؤسسات المهنية ومؤسسات الخدمات وهي في أغلب الأحيان تابعة لهذه المؤسسات. ولا تؤدي دورا يجعلها تلقى الدعم والاهتمام الذي يؤهلها لأداء دور بارز في تنمية القدرات وصقل المواهب وشغل وقت الفراغ وتأكيد قيم المجتمع ومثله ومبادئه وخلق الوعي المستنير إلى غير ذلك من أمور هامة.
стр. 4146
وبالنسبة للعالم العربي يجب أن تنتشر المكتبات على نطاق عربي لتشمل كل وحدة سكانية في العالم العربي ولقد حان الوقت في ظل جامعة الدول العربية أن ننشئ مكتبة عامة عربية لجامعة الدول العربية على غرار مكتبة الكونجرس الأمريكية يتم تمويلها من ميزانيات الدول العربية المختلفة. ويقع على عاتق هذه المكتبة حفظ التراث العربي والإسلامي والحضارة العالمية وأن تكون سجلا للمعارف الإنسانية قديمها وحديثها ولا بأس أن يقوم تعاون بين هذه المكتبة العربية المقترحة وبين المكتبات الوطنية في داخل الدول العربية وتنسيق فيما يختص بتوحيد الأعمال الفنية المكتبية وإعداد الفهرس العربي الموحد - ووجود مثل هذه المكتبة لا يقل في نظري أهمية عن وجود معهد المخطوطات العربية بجامعة الدول العربية.
أما بالنسبة للمكتبات داخل كل قطر عربي على حدة فإني ممن يطالبون بإنشاء وزارة للمكتبات والتأليف والنشر تكون مهمتها الاهتمام بالكتاب تأليفاً ونشراً وتوزيعاً وحفظاً وتيسيراً والاهتمام بالمكتبات مغزى ومبنى، أثاثاً وموظفين. أما أن تكون المكتبات قطاعاً مهملا من قطاعات وزارة من الوزارات فذلك ما لا أوده لها بحال من الأحوال بعد أن أثبت الواقع أن وزارات الإعلام في الدول العربية معنية بالدرجة الأولى بالوسائل الترفيهية.
وفيما يلقاه المطرب والممثل واللاعب الرياضي من اهتمامات وزارات الإعلام وغيرها من شبيهاتها لا يقارن مطلقا بمكتبات ميتة أو معدومة تعيش في كنف هذه الوزارات.
والملاحظ في كثير من البلدان العربية أن المكتبات تتبع أكثر من وزارة فمكتبات تتبع وزارة المعارف وأخرى تتبع وزارة الصحة وثالثة تتبع الجامعات ومن المكتبات ما يتبع وزارة الإعلام أو الثقافة وهي المكتبات العامة التي تسمى جامعات الشعب أو هي يجب أن تكون كذلك.
стр. 4147
وإني أرى ضرورة انتشار المكتبات بمختلف الوزارات وفي كل المستويات ليعم جميع الطبقات بل وأود أن تنتشر الخدمة المكتبية على نطاق عربي في كل قرية وفي كل تجمع سكاني ولكني أرى ضرورة وجود وزارة للمكتبات ترعى شئونها وتعمل على تطويرها وانتشارها وأن تحظى المكتبات بما تحظى به وسائل اللهو والترفيه من العناية والرعاية أو أن يكون للمكتبة العامة من الإمكانيات المالية ما يتهيأ لصحيفة يومية أو جريدة أسبوعية في بعض الدول العربية.
وبديل هذه الوزارة أي وزارة المكتبات المقترحة أن يتم في ميزانيات الوزارات المختلفة في الدول العربية تخصيص بنود مستقلة في ميزانياتها للمكتبات لنشرها وتشييد مبانيها وتزويدها بالكتب والموظفين الفنيين وترميم كتبها وتجليدها وتحسين خدماتها إلى غير ذلك من شئون المكتبات بالإضافة إلى الاهتمام بالتأليف والمؤلفين وبالترجمة والنشر من جانب من يهمهم الأمر.
وقد آن الأوان أن تتحول المكتبة في الوطن العربي من مؤسسة ثانوية إلى مؤسسة أساسية، ثقافية وتربوية وأن يكون دورها وامتدادها موازياً لدور المدرسة وانتشارها خاصة وقد أصبح من الواضح امتداد الثقافة وانتشار القراءة والرغبة في الطموح وتخطى التخلف العلمي والتكنولوجي عند العرب وستظل المكتبة العربية على حالتها الراهنة تؤدي خدمة ثانية حتى تصبح مطلبا أساسيا لا يقل عن الغذاء فحينما يدخل الكتاب كل بيت كما دخل الراديو والتلفزيون عندئذ ستتحرك الحكومات العربية لتدعيم المكتبات ونشرها في أنحائها لتصبح مؤسسات أساسية تأخذ موقعها في كل قرية وفي كل حي من المدينة وفي كل مدرسة وفي كل مسجد.
стр. 4148
على أن ظهور جمعيات مهنية للمكتبات في كل دولة من الدول العربية يعتبر خطوة على الطريق إذا كانت مثل هذه الجمعيات تتبع الحكومات وتحظى بتأييدها ودعمها المادي والأدبي وتمارس نشاطا مهنيا يرقى بفن المكتبات ويقدم أحدث الأساليب العالمية المستخدمة في هذا المجال مع إحداث التعديلات الملائمة للتراث العربي الإسلامي باستمرار.
ومهما يكن من أمر فان تخصيص بنود محددة في ميزانية الحكومات والوزارات للمكتبات هو الخطوة الأولى لرقي المكتبات وتقدمها في علمنا العربي بحيث تكون هذه الموارد المالية متناسبة مع حجم المكتبة ورسالتها ونوعيتها وأهدافها فالمكتبة المدرسية قد نكتفي فيها بأمين مكتبة متخصص أو حتى بمدرس يعاونه عامل كتابي (مناول) وبضعة آلاف من الكتب وغرفة ملائمة بها مناضد للاطلاع وأرفف للكتب ... الخ.
стр. 4149
أما الأمر يتطلب أجهزة كبيرة وتخصصات كثيرة وخبرات متنوعة في فروع المعرفة المختلفة كما في مكتبة جامعة من الجامعات وما نتبعها من مكتبات وكما في المكتبة القومية أو العامة للدولة وما قد يتبعها من مكتبات فرعية في الأحياء والمدن والقرى والتجمعات السكنية فإنه في تلك الحالة يحتاج الأمر إلى إمكانيات مالية كبيرة وبنود في ميزانية الوزارة المختصة تكفي للصرف على وظائف متنوعة تغطي إعداد الكتب ونوعية هذه الكتب وأغراض المكتبة ورسالتها وخدماتها للباحث أو للقارئ وتكفي لتوسيع خدمات المكتبة مستقبلا وتكون قادرة على تحسين مستوى الأداء أي أن يكون بمثل هذه المكتبات ميزانيات تغطي احتياجات المبنى والأثاث والموظفين وتكاليف العمال الفنية كالتصنيف والفهرسة والمراجع والإرشاد وتكاليف التزويد ومجموعات الكتب والمواد العلمية الأخرى كالخرائط والمصورات والمخطوطات والأفلام والميكروفيلم وغير ذلك من مواد المعرفة وأن تكون الموارد المالية كافية للصرف على المراجع وعلى أعمال الاستعارة الداخلية والخارجية وأن تهيئ هذه الموارد للمكتبة القدرة على أن تحدث أثرها في مجتمعها وأن تكون على صلة بغيرها من المكتبات.
في النظم الإدارية للمكتبات العربية:
إن المكتبة العربية مؤسسة متطورة شأنها شأن غيرها من المؤسسات وهي تتبع العملية التعليمية بالدرجة الأولى من حيث المدّ والجزر فحيثما ازداد التعليم وانمحت الأمية عرفت قيمة الكتاب وأصبح ذا أثر بيّن في حياة الأفراد والجماعات على أن العمل بالمكتبات العربية لا بد أن توضع له من النظم والقواعد ما يكفل إجراءات موحدة للعمل داخل هذه المكتبات بحيث تتشابه النظم أو تتحد في كل المكتبات.
فالملاحظ مثلا أن النظم المستخدمة في مكتبات الجامعات داخل الوطن العربي غير موحدة فضلا عن النظم المستخدمة في مكتبات من نوع واحد داخل الدولة العربية الواحدة.
стр. 4150
فالقواعد المستخدمة في مكتبات جامعة الأزهر ليست هي المستخدمة في جامعة القاهرة والقواعد المطبقة في مكتبات الجامعة الإسلامية في المدينة ليست هي بعينها القائمة بجامعة الرياض أو جامعة الملك عبد العزيز.
ومن هنا كان ضرورة وضع النظم الثابتة للعمل داخل المكتبات ومن ثم فالضرورة ملحة لوجود لائحة للعمل بكل نوع من أنواع المكتبات بل ووضع لائحة عامة لكافة هذه الأنواع إن أمكن.
وعليه فلا بد من إصدار لوائح للعمل بمكتبات المدارس وأخرى للعمل بمكتبات الجامعات وثالثة للعمل بالمكتبات المتخصصة ومكتبات الأبحاث وبالدرجة الأولى قواعد منظمة للعمل بالمكتبات العامة هذا فضلا عن قواعد العمل بالمكتبة الوطنية أو المكتبة القومية للدولة تصدر هذه اللوائح الجهة المشرفة على كل نوع من هذه الأنواع ... أو وزارة المكتبات والنشر المقترحة في صدر هذا المقال.
стр. 4151
وإني أرى أن يقوم بإعداد هذه اللوائح ذوو الاختصاص بحيث لا تتعارض هذه القواعد مع نظم الدولة المالية والإدارية العامة وبحيث تشتمل هذه اللوائح أو القواعد على أبواب عن مواد المكتبة وفروعها وأقسامها ومسميات الوظائف بها واختصاصات كل وظيفة مسئولياتها وقواعد الإعارة وطرقها ووسائلها وعدد الكتب المسموح بإعارتها لكل فئة من فئات المستعيرين والتعهدات والضمانات لرد الكتب والمطالبة بها وسجلات الاستعارة والأعمال الفنية بالمكتبة والنص على نظام التصنيف المطبق وقواعد الفهرسة والأعمال المتعلقة بالدوريات والمخطوطات والمرجع وعلاقة المكتبة بغيرها وكيفية تزويد المكتبة بالكتب عن طريق الشراء أو الإهداء أو التبادل وغير ذلك كما ينص في اللائحة على التفتيش على المكتبات وعلى الخبراء وعلى المحاضرات العامة والإرشاد والدفاتر والنماذج والسجلات المستعملة في المكتبات وجرد المكتبات والاستهلاك للتلف والفقد وغير ذلك مما يتصل بالعمل داخل المكتبات كالتقارير السنوية للموظفين والدورات التدريبية للعاملين وتبادل الزيارات ومعارض الكتب ومؤتمرات المكتبات ولجان المكتبات المتخصصة وتقارير المكتبات وغير ذلك مما لا بد من بيانه وتحديد وسائله وكيفية تنفيذه.
وإني أتطلع إلى يوم أرى فيه المكتبات العربية في كل الدول العربية وقد أصبحت واضحة من حيث المفهوم والمدلول والرسالة.
إن المكتبات مستودعات للكتب تبيح استخدام كتبها دون أجر للجميع وإن كان استخدام هذه المكتبات اختياري فالمكتبات لا ترغم أحدا على ارتيادها رغم أنها مرفق تربوي لا يقل أهمية عن المدارس والجامعات من حيث المهمة والأهمية ومن القضايا المهمة بالنسبة للمكتبات الطريقة التي تدار بها وكيفية الإشراف عليها. هل يصلح لها موظف عام واحد للإشراف أم تحتاج إلى لجنة أم إلى وسيلة أخرى لإدارتها؟
стр. 4152
إن المكتبة تستقبل جموعا من المواطنين منهم الأطفال والشباب وغيرهم من الفئات ومن المكتبات ما يخصص للدارسين والباحثين والعلماء وكبار المتخصصين وعليه يجب أن يكون الجهاز الوظيفي في مكتباتها العربية قادرا على خدمة هؤلاء بالتدريب المهني المتخصص والمناسب والمتنوع ويجب أن يكون الجهاز الوظيفي في المكتبة - أي مكتبة - قادرا على إيجاد اتصالات مفيدة ومثمرة مع المؤسسات الأخرى لتتمكن المكتبة من احتلال موقع لها بين هذه المؤسسات ولكي تتيح لرواد المؤسسات الأخرى الفرصة للتعارف معها والانتفاع بخدماتها - ولربما جاء يوم نرى فيه تعاونا وتجاوبا وتكاملا بين المكتبة والمدرسة والمسجد بل والجمعيات والهيئات الاجتماعية والثقافية.
على أن تعقد التنظيم المكتبي وتعدد الإدارات وتقسيمها إلى أقسام أصغر وأدق تحديدا يحدث بنسبة متزايدة كلما نمت المكتبات وزادت المناطق التي تخدمها كثافة أو سكانا، ولا بد أن يكون للمكتبة كيان إداري لأن ذلك أمر مهم من وجهة نظر العمل ولعلى أفضل أن يكون النمط الإداري الذي يستخدم لمكتباتنا العربية مبسطا كل التبسيط بعيدا عن الروتين والتعقيد قدر الطاقة وجهد الإمكان. والمكتبيون المهنيون وحدهم هم الذين يستطيعون أن يقرروا متى يكون تنسيق الإجراءات والنظم الإدارية ممكناً وسهلًا ومنفذاً بدقة دون إخلال بخدمات المكتبة التي وجدت وأقيمت من أجلها.
وفي المكتبات الصغيرة يعهد بالعمل الإداري الهام إلى الأمين الأول. Chief librarian الذي بدوره يعهد بالأعمال الفنية والإجراءات اليومية التقليدية في عمل المكتبة إلى موظفيه الذين يراهم أليق لهذا العمل أو ذلك.
على أن إدارة أي مكتبة كبيرة هو كإدارة المؤسسات الكبرى - لا بد أن تكون عملا متخصصا تحكمه أسس معترف بها في إدارة الأعمال.
стр. 4153
وإن من أعظم الواجبات حيوية في إدارة المكتبة الكبيرة هو وضع نظام يمكن بمقتضاه تنسيق كل دقائق فروع العمل والإشراف عليها تماما كما يضمن أيضاً تفويضاً ناجحاً للمسئولية والسلطة.
ويجب أن يوجه مدير المكتبة الكبيرة عنايته إلى مسألة العون المالي للمكتبة على أن وضع ميزانية لمثل هذا النوع من المكتبات يتطلب دراية بالمصروفات السابقة ومعرفة تامة دقيقة بوجود النشاط والاحتياجات والظروف والخدمات في كل مجال من مجال المكتبة.
وعلى مدير المكتبة الكبيرة ملاحظة صيانة المبنى واستبدال أو تكرار الأثاث والمعدات الفنية والتوريدات فلابد من أن يكون بمثل هذه المكتبات آلات كاتبة وأجهزة ناسخة وماكينات جمع وخطابات وبطاقات ذات أنماط مختلفة كبطاقات القراء وبطاقات الفهرس وبطاقات بريدية للمطالبة بالكتب واحتياجات المكتبة من حبر وأقلام وأوراق وغير ذلك.
ولا بد أن يدرب موظفو المكتبات على منهج العمل الابتدائي بمكتباتهم وعلى الأسس والطرق الإدارية ولا بد من إعادة تقويم العمليات بالنسبة للخدمات المكتبية وقد يتطلب الأمر استخدام أساليب جديدة في التنسيق العام لأقسام المكتبة أو لاستخدام وسائل أو آلات مثل ماكينات حصر العهدة.
موظفو المكتبات:
إن المعرفة التي يقدمها المدرس قائمة في رأسه، أما المعرفة التي يبسطها أمين المكتبة فمسجلة على نوع ما من المادة المكتوبة وما يحتفظ به المكتبي في رأسه هو المعرفة بالكتب التي تمكنه من وضع يد القارئ على الكتاب أو المجلة أو المادة العلمية مما يتضمن الإجابة على سؤاله والمكتبة في تعريفها الواسع هي قارئ يتسلم كتابا - أنسب كتاب - يدا بيد من أمين المكتبة.
ومن ثم فإن أهم عنصر في الخدمة المكتبية هو المكتبي نفسه شخصيته وتعليمه وتدريبه المهني فبدون ذلك تكون المكتبة والخدمة فيها عديمة الجدوى.
стр. 4154
والسؤال الآن ما هي المتطلبات الشخصية لوظائف المكتبة العامة؟ وما هي ضرورات التعليم والتدريب؟ وما هي طبيعة التدريب المطلوب؟ وأي نمط من المؤسسات يتولى هذا التدريب؟ وما هي المشكلات الهامة في ترتيب وإدارة الموظفين؟
الجواب على هذه التساؤلات في المقال القادم إن شاء الله ...
وما توفيقي إلى بالله ...
стр. 4155
العدد ٢٦
فهرس المحتويات
١- حكم الاحتفال بليلة النصف من شعبان: رئيس الجامعة الإسلامية عبد العزيز بن عبد الله بن باز
٢- من أعلام المحدثين - أبو جعفر العقيلي (٣٢٢هـ) :بقلم الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد
٣- البهائية.. إحدى مطايا الاستعمار والصُهيونيَّة: بقلم الشيخ عبد القادر شيبة الحمد
٤- كيف نعد المعلم الصالح..: بقلم فضيلة الشيخ عبد الرءوف اللبدي
٥- لعمري: بقلم فضيلة الشيخ حماد محمد الأنصاري
٦- فتوى شرعية حول الملكية الفردية في الإسلام:بقلم فضيلة الشيخ حسين محمد مخلوف
٧- علاقة المعسكر النصراني الصليبي بالمسلمين عبر التاريخ ومنطلقاتها الأساسية: بقلم فضيلة الشيخ زهير الخالد
٨- دعوة التضامن الإسلامي وأثرها في العالم: بقلم عبد القادر بن حبيب الله السندي
٩- ما هي علاقة الأمة المسلمة بالأمم الأخرى؟ : بقلم فضيلة الشيخ أحمد محمود الأحمد
١٠- الشيوعية.. وموقفها المعادي للإسلام: بقلم الأستاذ توفيق علي وهبه
١١- شلل الأطفال: بقلم الدكتور خالد زربا
١٢- بيان مشيخة الأزهر - بشأن فيلم "محمّد رسول الله": أصدر فضيلة الإمام الأكبر الدكتور عبد الحليم محمود شيخ الأزهر
١٣- ندوة الطلبة - "كوكبنا وكوكبهم": بقلم الطالب أحمد بن حسن المعلم
١٤- الفتاوى: يتولى الرد على أسئلة القراء سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رئيس الجامعة الإسلامية
١٥- أخبار الجامعة: بشرى
عمادة البحث العلمي - جميع الحقوق محفوظة ١٤٢٣ هـ / ٢٠٠٢ م
стр. 4156
حكم الاحتفال بليلة النصف من شعبان
رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
الحمد لله الذي أكمل لنا الدين وأتم علينا النعمة والصلاة والسلام على نبيه ورسوله محمد نبي التوبة والرحمة.
أما بعد فقد قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً﴾ الآية من سورة المائدة. وقال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ الآية من سورة الشورة٠ وفي الصحيحين عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " وفي لفظ لمسلم: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد"، وفي صحيح مسلم عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ كان يقول في خطبة يوم الجمعة: "أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة " والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة وهي تدل دلالة صريحة على أن الله سبحانه قد أكمل لهذه الأمة دينها وأتم عليها نعمته ولم يتوف نبيه ﵊ إلا بعد ما بلغ البلاغ المبين وبيّن للأمة كل ما شرعه الله لها من أقوال وأعمال وأوضح ﷺ أن كل ما يحدثه الناس بعده وينسبونه إلى دين الإسلام من أقوال أو أعمال فكله بدعة مردود على من أحدثه ولو حسن قصده وقد عرف أصحاب رسول الله ﷺ هذا الأمر وهكذا علماء الإسلام بعدهم فأنكروا البدع وحذروا منها كما ذكر ذلك كل من صنف في تعظيم السنة وإنكار البدعة كابن وضاح، والطرطوشي وأبي شامة، وغيرهم، ومن البدع التي أحدثها بعض الناس بدعة الاحتفال بليلة النصف من شعبان وتخصيص يومها بالصيام وليس على ذلك دليل يجوز الاعتماد
стр. 4157
عليه وقد ورد في فضلها أحاديث ضعيفة لا يجوز الاعتماد عليها أما ما ورد في فضل الصلاة فيها فكله موضوع كما نبه على ذلك كثير من أهل العلم وسيأتي ذكر بعض كلامهم إن شاء الله. وورد فيها أيضاً آثار عن بعض السلف من أهل الشام وغيرهم والذي عليه جمهور العلماء أن الاحتفال بها بدعة وأن الأحاديث الواردة في فضلها كلها ضعيفة وبعضها موضوع وممن نبه على ذلك الحافظ ابن رجب في كتابه لطائف المعارف وغيره والأحاديث الضعيفة إنما يعمل بها في العبادات التي قد ثبت أصلها بأدلة صحيحة أما الاحتفال بليلة النصف من شعبان فليس له أصل صحيح حتى يستأنس له بالأحاديث الضعيفة.
وقد ذكر هذه القاعدة الجليلة الإمام أبو العباس شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وأنا أنقل لك أيها القارئ ما قاله بعض أهل العلم في هذه المسألة حتى تكون على بينة في ذلك وقد أجمع العلماء ﵏ على أن الواجب رد ما تنازع فيه الناس من المسائل إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله محمد ﷺ فما حكما به أو أحدهما فهو الشرع الواجب الإتباع وما خالفهما وجب إطراحه وما لم يرد فيهما من العبادات فهو بدعة لا يجوز فعله فضلاً عن الدعوة إليه وتحبيذه.
стр. 4158
كما قال الله سبحانه في سورة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ وقال تعلى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ الآية من سورة الشورى. وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ الآية من سورة آل عمران، وقال : ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ والآيات في هذا المعنى كثيرة وهي نص في وجوب رد مسائل الخلاف إلى الكتاب والسنة ووجوب الرضى بحكمهما وأن ذلك هو مقتضى الإيمان وخير للعباد في العاجل والآجل وأحسن تأويلاً أي عاقبة، قال الحافظ ابن رجب ﵀ في كتابه (لطائف المعارف) في هذه المسألة بعد كلام سبق ما نصه: "وليلة النصف من شعبان كان التابعون من أهل الشام كخالد به معدان ومكحول ولقمان بن عامر وغيرهم يعظمونها ويجتهدون فيها في العبادة وعنهم أخذ الناس فضلها وتعظيمها وقد قيل أنه بلغهم في ذلك آثار إسرائيلية فلما اشتهر ذلك عنهم في البلدان اختلف الناس في ذلك فمنهم من قبله منهم ووافقهم على تعظيمها منهم طائفة من عباد أهل البصرة وغيرهم وأنكر ذلك أكثر علماء الحجاز منهم عطاء وابن أبي مليكة ونقله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن فقهاء أهل المدينة وهو قول أصحاب مالك وغيرهم وقالوا: ذلك كله بدعة واختلف علماء أهل الشام في صفة إحيائها على قولين:
стр. 4159
أحدهما: أنه يستحب إحياؤها جماعة في المساجد كان خالد بن معدان ولقمان بن عامر وغيرهما يلبسون فيها أحسن ثيابهم ويتبخرون ويكتحلون ويقومون في المسجد ليلتهم تلك ووافقهم إسحاق بن راهويه على ذلك وقال في قيامها في المساجد جماعة ليس ذلك ببدعة نقله عنه حرب الكرماني في مسائله.
والثاني: أنه يكره الاجتماع فيها في المساجد للصلاة والقصص والدعاء ولا يكره أن يصلي الرجل فيها لخاصة نفسه وهذا قول الأوزاعي إمام أهل الشام وفقيههم وعالمهم وهذا هو الأقرب إن شاء الله تعالى إلى أن قال ولا يعرف للإمام أحمد كلام في ليلة نصف شعبان ويتخرج في استحباب قيامها عنه روايتان من الروايتين عنه في قيام ليلتي العيد فإنه في رواية لم يستحب قيامها جماعة لأنه لم ينقل عن النبي ﷺ وأصحابه، واستحبها في رواية لفعل عبد الرحمن ابن يزيد بن الأسود لذلك وهو من التابعين فكذلك قيام ليلة النصف لم يثبت فيها شيء عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه وثبت فيها عن طائفة من التابعين من أعيان فقهاء أهل الشام"انتهى المقصود من كلام الحافظ ابن رجب ﵀، وفيه التصريح منه بأنه لم يثبت عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه ﵃ شيء في ليلة النصف من شعبان وأما ما اختاره الأوزاعي ﵀ من استحباب قيامها الأفراد واختيار الحافظ ابن رجب لهذا القول فهو غريب وضعيف لأن كل شيء لم يثبت بالأدلة الشرعية كونه مشروعاً لم يجز للمسلم أن يحدثه في دين الله سواء فعله مفرداً أو في جماعة وسواء أسره أو أعلنه لعموم قول النبي ﷺ : "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" وغيره من الأدلة الدالة على إنكار البدع والتحذير منها.
стр. 4160
وقال الإمام أبو بكر الطرطوشي ﵀ في كتابه (البدع) ما نصه: "وروى ابن وضاح عن زيد بن أسلم قال:"ما أدركنا أحداً من مشيختنا ولا فقهائنا يلتفتون إلى النصف من شعبان ولا يلتفتون إلى حديث مكحول ولا يرون لها فضلاً على ما سواها "وقيل لابن أبي مليكة أن زياداً النميري يقول: "إن أجر ليلة النصف من شعبان كأجر ليلة القدر"فقال: "لو سمعته وبيدي عصا لضربته"وكان زياداً قاصاً"، انتهى المقصود.
وقال العلامة الشوكاني ﵀ في الفوائد المجموعة ما نصه:
"حديث: "يا علي من صلى مائة ركعة ليلة النصف من شعبان يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب وقل هو الله أحد عشر مرات إلا قضى الله له كل حاجة..الخ".
هو موضوع في ألفاظه المصرحة بما يناله فاعلها من الصواب ما لا يمتري إنسان له تمييز في وضعه، ورجاله مجهولون، وقد روي من طريق ثانية وثالثة كلها موضوعة ورواتها مجاهيل، وقال في المختصر: حديث صلاة نصف شعبان باطل، ولابن حبان من حديث علي إذا كان ليلة النصف من شعبان فقوموا ليلها وصوموا نهارها، ضعيف، وقال في اللآلئ مائة ركعة في نصف شعبان بالإخلاص عشر مرات مع طول فضله للديلمي وغيره موضوع وجمهور رواته في الطرق الثلاث مجاهيل ضعفاء، قال واثنتا عشر ركعة بالإخلاص ثلاثين مرة موضوع وأربع عشرة ركعة موضوع.
стр. 4161
وقد اغتر بهذا الحديث جماعة من الفقهاء كصاحب الأحياء وغيره وكذا من المفسرين وقد رويت صلاة هذه الليلة أعني ليلة النصف من شعبان على أنحاء مختلفة كلها باطلة موضوعة ولا ينافي هذا رواية الترمذي من حديث عائشة لذهابه ﷺ إلى البقيع ونزول الرب ليلة النصف إلى سماء الدنيا وأنه يغفر لأكثر من عدة شعر غنم كلب فإن الكلام إنما هو في هذه الصلاة الموضوعة في هذه الليلة على أن حديث عائشة هذا فيه ضعف وانقطاع كما أن حديث علي الذي تقدم ذكره في مقام ليلها لا ينافي كون هذه الصلاة موضوعة على ما فيه من الضعف حسبما ذكرناه. انتهى المقصود.
وقال الحافظ العراقي: "حديث صلاة ليلة النصف موضوع على رسول الله ﷺ وكذب عليه"، وقال الإمام النووي في كتاب المجموع: "الصلاة المعروفة بصلاة الرغائب وهي اثنتا عشرة ركعة بين المغرب والعشاء ليلة أول جمعة من رجب وصلاة ليلة النصف من شعبان مائة ركعة هاتان الصلاتان بدعتان منكرتان ولا يغتر بذكرهما في كتاب قوت القلوب وإحياء علوم الدين ولا بالحديث المذكور فيهما فإن كل ذلك باطل ولا يغتر ببعض من اشتبه عليه حكمهما من الأئمة فصنف ورقات في استحبابهما فإنه غالط في ذلك.
وعد صنف الشيخ الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل المقدسي كتاباً نفيساً في إبطالهما فأحسن فيه وأجاد وكلام أهل العلم في هذه المسألة كثير جداً ولو ذهبنا ننقل كل ما اطلعنا عليه من كلامهم في هذه المسألة لطال بنا الكلام ولعل فيما ذكرنا كفاية ومقنعاً لطالب الحق ومما تقدم من الآيات والأحاديث وكلام أهل العلم يتضح لطالب الحق أن الاحتفال بليلة النصف من شعبان بالصلاة أو غيرها وتخصيص يومها بالصيام بدعة منكرة عند أكثر أهل العلم وليس له أصل في الشرع المطهر بل هو مما حدث في الإسلام بعد عصر الصحابة ﵃.
стр. 4162
ويكفي طالب الحق في هذا الباب وغيره قول الله : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ وما جاء في معناها من الآيات وقول النبي ﷺ : "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد "، وما جاء في معناه من الأحاديث وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي ولا تخصوها يومها بالصيام من بين الأيام إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم"، فلو كان تخصيص شيء من الليالي بشيء من العبادة جائزاً لكانت ليلة الجمعة أولى من غيرها لأن يومها هو خير يوم طلعت عليه الشمس بنص الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ فلما حذر النبي ﷺ من تخصيصها بقيام من بين الليالي دل ذلك على أن غيرها من الليالي من باب أولى لا يجوز تخصيص شيء منها بشيء من العبادة إلا بدليل صحيح يدل على التخصيص ولما كانت ليلة القدر وليالي رمضان يشرع قيامها والاجتهاد فيها نبه النبي ﷺ على ذلك وحث الأمة على قيامها وفعل ذلك بنفسه كما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: "من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر الله له ما تقدم من ذنبه ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر الله له ما تقدم من ذنبه"، فلو كانت ليلة النصف من شعبان أو ليلة أول جمعة من رجب أو ليلة الإسراء والمعراج يشرع تخصيصها باحتفال أو شيء من العبادة لأرشد النبي ﷺ الأمة إليه أو فعله بنفسه ولو وقع شيء من ذلك لنقله الصحابة ﵃ إلى الأمة ولم يكتموه عنهم وهم خير الناس وأنصح الناس بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ورضي الله عن أصحاب رسول الله ﷺ وأرضاهم وقد عرفت آنفاً من كلام العلماء أنه لم يثبت عن رسول الله ﷺ ولا عن أصحابه ﵃ شيء في فضل ليلة أول جمعة من رجب ولا في فضل ليلة
стр. 4163
النصف من شعبان فعلم أن الاحتفال بهما بدعة محدثة في الإسلام وهكذا تخصيصهما بشيء من العبادة بدعة منكرة وهكذا ليلة سبع وعشرين من رجب التي يعتقد بعض الناس أنها ليلة الإسراء والمعراج لا يجوز تخصيصها بشيء من العبادة كما لا يجوز الاحتفال بها للأدلة السابقة هذا لو علمت فكيف والصحيح من أقوال العلماء أنها لا تعرف وقول من قال إنها ليلة سبع وعشرين من رجب قول باطل لا أساس له في الأحاديث الصحيحة ولقد أحسن من قال:
وشر الأمور المحدثات البدائع
وخير الأمور السالفات على الهدى
والله المسئول أن يوفقنا وسائر المسلمين للتمسك بالسنة والثبات عليها والحذر مما خالفها إنه جواد كريم- وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ...
стр. 4164
الشيوعية.. وموقفها المعادي للإسلام
بقلم: الأستاذ توفيق علي وهبه
مدير الشئون القانونية
في بريد الدواوين - القاهرة
تطالعنا بين الحين والآخر بعض الكتب التي تهاجم الإسلام صادرة عن دور نشر شيوعية ثم تصدر المصادر الرسمية الشيوعية بيانات تدعي فيها تزوير هذه الكتب وتنفي نسبتها إليها ... ودون الدخول في تفاصيل نود أن نوضح أن هذه الأجهزة تقصد من وراء نفي صدور الكتب عنها رواج هذه الكتب وتهافت الناس عليها لمعرفة ما تتضمنه.
وسواء أكان هذا النفي صحيحاً أم كاذباً فإن لدائرة المعارف السوفيتية موقفاً معادياً للإسلام لا يقل عن موقف الكتب التي تنفيها المصادر الشيوعية بل هي أخطر وأكثر عداء للإسلام والمسلمين بل الأهم من ذلك أنها أكثر صراحة من أي كتب تظهر عداءها للإسلام.
ترى ما هو موقف الأزهر وعلماء الدين في العالم العربي والإسلامي من هذا العداء الصريح للإسلام ولماذا لا تتدخل الهيئات الإسلامية لدى الحكومة السوفيتية لتوضيح رأيها فيما تقوله دائرة المعارف الروسية عن الإسلام والنبي محمد ﷺ .
رأي دائرة المعارف السوفيتية عن القرآن:
جاء بالمجلد رقم ١٢ صفحة ٥٦٤:
стр. 4165
"القرآن.. الكتاب المقدس الأساسي للمسلمين، مجموعة من المواد الدينية المذهبية والأسطورية والقانونية وقد وضع القرآن وشرع خلال حكم ثالث الخلفاء العرب عثمان (٦٤٤ - ٦٥٦م) ثم أدخلت عليه فيما بعد حتى بداية القرن الثامن - وفق ما وصلنا من المعلومات - بعض التغييرات ووفقاً للتقليد الإسلامي التاريخي الديني يعتبر محمد هو مشرع القرآن كما يعتبر مؤسس الإسلام، على أنه وفقاً للتحليل الموضوعي للقرآن هناك نظرية تقول إن جزءاً معيناً منه فقط ينتمي إلى عصر محمد، أما الأجزاء الأخرى من هذه المجموعة فلا بد أنها تنتمي لعصور متقدمة عليه أو متأخرة عنه. ويمكن أن نتبين هذا من وجود عدد من الأساليب المختلفة في القرآن يمكن أن تعزى لتطور اللغة العربية، ولزمن ظهور السور ومكانها. وتستخدم الطبقات الاستغلالية القرآن ورجال الدين الإسلامي الرجعيين كسلاح لخداع الجماهير الكادحة وكبحها".
النبي محمد ﷺ :
أما سيدنا رسول الله عليه وعلى آله وصحبه الصلاة والسلام فقد وردت سيرته بالمجلد ٢٨ صفحة ٥٩٩ كما يلي: "محمد مبشر ديني يعتبر مؤسس الإسلام، ويصور في العقيدة الإسلامية على أنه "أعظم المرسلين وخاتمهم، وهو عربي نشأ في مكة، وأبعد ما أمكن الوصول إليه فيما كتب عن سيرة محمد كتب في النصف الثاني من القرن الثاني كتبه جامع للأساطير نشأ في المدينة يُدعى (ابن إسحاق) وعنوان كتابه هو (سيرة رسول الله) وقد ألف هذا الكتاب بناء على أمر من الخليفة في بغداد.
وإلى جانب الحقائق الواقعية عن حياة محمد يشمل الكتاب عدداً من الأساطير والخرافات وفي كتب السيرة الأكثر حداثة طمست هذه الأساطير تماماً صُوَر محمد التاريخية، وحتى يومنا هذا مازالت سيرة محمد تُشيد على المعلومات شبه الأسطورية الواردة في القرآن والتي يتقبلها علماء الإسلام البرجوازيون بغير مناقشة.
стр. 4166
وتقول إحدى الأساطير إن محمداً ينحدر من أسرة هاشم إحدى أسر قبيلة قريش التي كانت تعيش في مكة وقد هذب محمد تعاليم الموحدين قبل الإسلام - الحنفاء - وراح يبشر بالإسلام في مكة وقد مكن ظهور الإسلام ظهور مجتمع طبقي بين العرب تكون تدريجياً ... وقد تحول محمد في نظر الأجيال التالية من المسلمين إلى (قديس) وصانع (المعجزات) (وشفيع) للمؤمنين. ويحاول المدافعون عن الإسلام والطبقات الاستغلالية استخدام صورة محمد لإضعاف الكفاح الطبقي".
هذا قليل من كثير ورد في دائرة المعارف الروسية التي تتبع هيئة تحريرها لرئاسة مجلس الوزراء السوفيتي مباشرة، وتتلخص الافتراءات على القرآن والرسول الأعظم ﷺ فيما يلي:
١- القرآن ألف في عهد عثمان ابن عفان وبعض من تآليف محمد ﷺ وهذا ما يخالف ما أجمع عليه ثقات المؤرخين من أن القرآن وحي من الله إلى سيدنا محمد ﷺ متضمناً رسالة الإسلام خاتمة الديانات وأن ما حدث في عهد ثالث الخلفاء عثمان بن عفان ﵁ هو تدوين القرآن وجمعه وليس تأليفه.
٢- تتعد أساليب القرآن تبعاً لتطور اللغة العربية، وهذا جهل فاضح وافتراء من جاهل لأن اختلاف الأساليب راجع إلى ما يعالجه القرآن من موضوعات فالحديث عن الاعتقاد يختلف عن الحديث عن الحياة الاجتماعية ... وهكذا، ثم اختلاف العهد المكي عن العهد المدني ففي مكة كان المقصود هو بناء العقيدة، أما في المدينة فكان الاهتمام ببناء المجتمع بالإضافة إلى بناء العقيدة.
٣- يستخدم رجال الدين الرجعيون القرآن لخداع الجماهير، وهذا هجوم على علماء المسلمين بدون مبرر ووصفهم بالرجعية لا يستقيم مع كونهم رجال دين يجب احترامهم وتوقيرهم، إن رجال الدين يستخدمون القرآن لإبلاغ رسالة الإسلام إلى الناس وبيان العقيدة الحقة لهم ولبناء المجتمع الصالح الفاضل.
стр. 4167
٤- ترى دائرة المعارف الروسية أن محمداً ﷺ مبشر ديني أخذ تعاليم الحنفاء الذين وجدوا على أيامه وطورها وأقام على أساسها الإسلام وأنه ألف بعضاً من القرآن الذي أكمل فيما بعد.
إن الحقد الذي أعمى قلوبهم وأفكارهم دفعهم إلى الافتراء على سيد خلق الله أجمعين والتطاول على مقامه السامي، إن رسول الله ﷺ أعظم وأكبر من أن تتناول سيرته الطاهرة دائرة معارف الملحدين الكفرة الذين لا يرون في الدين إلا مخدراً للشعوب.
إن ما ذكرته من مقتطفات أردت به إيقاظ الوعي لدى المسلمين لما يقال عن دينهم ونبيهم وكتابهم وما يدبر لهم بمعرفة أعداء الإسلام.
وإنني من على صفحات هذه المجلة أدعو الهيئات الرسمية الإسلامية وغير الرسمية وعلى رأسها الأزهر الشريف إلى الوقوف في وجه هذه الحركات المعادية للإسلام وأن يبعثوا إلى هيئة تحرير دائرة المعارف السوفيتية بالحقائق التي يتجاهلونها عن الإسلام وطلب إثبات هذه الحقائق بها بدلاً من الخرافات التي تملأ كتبهم عن ديننا الحنيف.
وأتوجه إلى هؤلاء الذين أعمت الأحقاد قلوبهم وصدورهم عن ذكر الله أدعوهم إلى الإسلام وإلى اعتناق دين الله الحق وشهادة ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
стр. 4168
شلل الأطفال
بقلم الدكتور خالد زربا
الأخصائي في أمراض الأطفال - مونبليه - فرنسا
هو مرض سار ووبائي ينتج عن فيروز اسمه (POLIO-VIRUS) بوليو - فيروس، ويتميز هذا الفيروس بتوضعة في القسم الأمامي من النخاع الشوكي.
تنتقل عدوى هذا مرض من المصابين أو حاملي فيروس المرض إلى الأصحاء عن طريقين:
١- عن طريق الأنف والحنجرة وحدة انتقال المرض عن هذا الطريق قصيرة.
٢- عن طريق البراز وهذا هو الطريق الأهم، وطرح (الفيروس) عن هذا الطريق سريع ويتم بكميات كبيرة وستمر لفترة طويلة، مما يسبب تلوث بعض المأكولات والمياه أحياناً.
وهكذا نرى أن العدوى تتم بطريقة مباشرة - الطريق الأول - أو طريقة غير مباشرة - الطريق الثاني-.
وهذا المرض يصيب عادة الأطفال ما بين الشهر السادس والسنة الخامسة ولكنه قد يصيب الرضع الذين لم يبلغوا الستة أشهر أو أولئك الذين تعدوا هذا العمر ووصلوا سن المراهقة والنضوج ولكن نسبة المصابين منهم بسيطة جداً.
ويتولد المرض بسهولة لا سيما إذا عرفنا أن ال POLIO-VIRUS يستوطن الأمعاء ويتميز بميله للجهاز العصبي وبشكل خاص القسم الأمامي من جذور النخاع الشوكي وفيها الخلايا التي تحرك العضلات.
في أكثر الحالات يمر الفيروس في الأمعاء دون أن يعبر جدارها - والشخص هنا يكون حاملاًً للمرض دون أن يمرض ولكنه ينقل العدوى للآخرين - لأن الجسم يفرز أجساماً مضادة تؤمن الدماغ ضد هذا الفيروس. وفي بعض الحالات يعبر جدار الأمعاء ويصل إلى الدم ويسبب بعض الأمراض الخفيفة دون أن يسبب الشلل.
стр. 4169
أخيراً في بعض الحالات القليلة يعبر جدار الأمعاء ويصل إلى الدم ومن ثم يعبر السحايا (أنسجة تغلف الجهاز العصبي) وبالتالي يصل إلى النخاع الشوكي حيث يتوضع في خلايا الجزء الأمامي من جذور النخاع الشوكي، أو خلايا مراكز أعصاب الرأس ويدمرها.. وبالتالي يحدث الشلل.
أعراض المرض تظهر على شكلين:
١- حالات خفيفة لا يحدث فيها الشلل.
٢- حالات شديدة يكون نتيجتها الشلل وهي مجال بحثنا هذا، والحالات التي يحدث فيها الشلل أيضاً نجدها متنوعة منها الحالات الخفيفة كشلل العصب الوجهي أو بعض الأعصاب الأخرى في الوجه، وحالات شديدة جداً تسبب الموت السريع بعد أن تسبب تعطيل عملية دوران الدم وعملية التنفس. لكنّ الحالات الغالبة والتي تزيد على٧٠ %من الحالات المرضية هذه هي الحالات التي تصيب النخاع الشوكي والتي يسميها الناس عادة شلل الأطفال. وتتميز عادة عن الحالات الأخرى بكونها تمر في معظم الأحيان بمراحل أربعة:
١- المرحلة الأولى: وتسمى المرحلة التمهيدية للمرض وخلالها يشعر المريض بارتفاع الحرارة أو انحطاط جسمي، وعدم قابلية للأكل أو آلام رأس حادة وآلام في الحنجرة وحالات إسهال أو إمساك، والحرارة تصل إلى ٣٨-٣٩ْ درجة وبعد يومين أو ثلاثة تختفي ومعها تختفي بقية العوارض.
٢- المرحلة الثانية: وتسمى مرحلة ما قبل الشلل. تبدأ فجأة بارتفاع الحرارة خلال٢٤-٤٨ ساعة تصل إلى ٣٩-٤٠ْ درجة ويرافقها حالة زكام أو نزلة صدرية بسيطة ويحدث في نفس الفترة آلام رأس وغالباً ما يتقيأ المريض مرة واحة. ويحدث أحياناً بعض التشنجات والآلام العضلية في الأطراف والظهر، ويمر المريض بحالة تعرق شديد وخاصة في مضمار الرأس وهذه المرحلة تستمر عدة أيام.
стр. 4170
٣- المرحلة الثالثة أو مرحلة الشلل: بعد نهاية المرحلة الثانية وخلال ساعات يبدأ بالظهور الارتخاء أو الشلل العضلي لبعض العضلات أو لبعض المجموعات العضلية وغالباً لعضلات الأطراف السفلية، وفي بعض الأحيان بعد مرور عدة أيام يمكن أن تظهر موجة جديدة من الشلل لبعض العضلات الأخرى وميزة هذا الشلل أنه يصيب غالبياً الأطراف السفلية بشكل غير متناظر. أي يمكن أن يصيب الطرف الأول بشكل أقوى أو أضعف من الطرف الآخر، وفي هذه المرحلة غالباً ما نلاحظ انحباس البول في المثانة.
٤- أما المرحلة الأخيرة وتسمى بمرحلة تطور المرض: وخلال هذه الفترة يحاول الجهاز العصبي (في النخاع الشوكي) إعادة بعض ما كان عليه من عمل قبل الإصابة بالمرض وهذه المرحلة قد تستمر من عدة أشهر إلى عدة سنوات (٢-٣-٤) والتحسن يكون قوياً نسبياً في بداية الأشهر الثلاثة الأولى ويقل بالتدريج.
وبعد مضي هذه المدة تبقى الآثار النهائية وبشكل دائم. حيث تكون العضلات المصابة قد ضمرت مما يسبب تشوهات للأطراف المصابة وبالتالي تشوهات للعمود الفقري والحوض تبقى طول العمر..
أما تشخيص المرض فيرتكز على دراسة الأعراض وعلى التحاليل المخبرية.
والمعالجة هي أصلاً لأعراض المرض- وليس للمرض نفسه- وترتكز على:
- عزل المريض والراحة المطلقة في السرير.
-مراقبة الوظائف الحيوية عند المريض- القلب- التنفس - الوعي
-تخفيف الآلام.
- إعادة الحركة للمصاب بواسطة التدليك الطبي وإعطاء الفيتامينات ث، ب١٢، ب١ وكذلك هناك حقن ال NIVAILN النيفالين التي تساعد أحياناً في تقوية وتنشيط المرحلة الأخيرة بشكل جيد لا سيما إذا استعملت الأيام الأولى من حدوث الشلل.
أما الوقاية فهي الوسيلة المثلى لتفادي الإصابة خصوصاً أن العلاج الطبي المذكور لا يستطيع إزالة هذا الشلل بشكل أكيد وفعّال بسبب موت الخلايا العصبية التي يتوضع فيها الفيروس.
следующие страницы →