← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 4411–4450 · переход к 4416.

стр. 4411

١٣- فضيلة الشيخ مصطفى العلوي، مدير دار الحديث الحسنية بالرباط بالمغرب. ١٤- فضيلة الشيخ أبي الأعلى المودودي، رئيس الجماعة الإسلامية في باكستان سابقا. ١٥- فضيلة الشيخ أبي الحسن الندوي، رئيس جمعية ندوة العلماء بلكنو في الهند. ١٦- فضيلة الشيخ أبي بكر جومي، رئيس قضاة شمال نيجيريا. هذا ويقوم بأمانة المجلس فضيلة الشيخ عمر محمد فلاته، الأمين العام للجامعة. الجامعة الإسلامية تساهم في توعية حجاج بيت الله الحرام أقامت الجامعة الإسلامية جريا على عادتها مخيما في منى ساهمت فيه بإفتاء الحجاج وتوعيتهم، كما ألقى فيه سماحة رئيس الجامعة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز وبعض أساتذتها محاضرات استمع لها كثيرون من حجاج بيت الله الحرام، كما قامت بتوزيع كميات كبيرة من مطبوعاتها التي طبعت على حسابها للتوزيع. التعبير عن السرور بافتتاح كلية القرآن الكريم بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة لقد تم بحمد الله تعالى افتتاح كلية القرآن الكريم بالجامعة الإسلامية، وبدأت الدراسة فيها فعلا في أوائل شهر شوال عام ١٣٩٤هـ؛ ومنذ أن أعلن نبأ صدور الموافقة السامية على إنشاء هذه الكلية ورد إلى الجامعة رسائل كثيرة من داخل المملكة وخارجها تعبر عن الفرح والسرور بإنشائها، وتهنئ الجامعة على هذه الخطوة المباركة في توسيع نطاق التعليم فيها وتنويع تخصصات طلابها، لاسيما وهذه الكلية هي الأولى من نوعها في العالم. وقد أسست لخدمة كتاب أنزله الله على أفضل رسول بعث لإخراج الناس من الظلمات إلى النور. وهذه الكلية هي الثالثة في الجامعة الإسلامية، وأولها كلية الشريعة، والثانية كلية الدعوة وأصول الدين، وتمنح هذه الكليات لخريجيها درجة الإجازة العالية "الليسانس"ولخريجيها من الحقوق ما لحملة الشهادات الأخرى المماثلة التي تصدرها جامعات المملكة.

стр. 4412

من أعلام المحدثين أبو أحمد بن عدي الجرجاني ٢٧٧-٣٦٥هـ. بقلم فضيلة الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد نائب رئيس الجامعة الإسلامية. نسبه: هو عبد الله بن عدي بن عبد الله بن محمد بن مبارك، هكذا نسبه الذهبي في "تذكرة الحفاظ"، واسم أبيه عدي في "التذكرة"، وفي "العبر"و"اللباب"و "طرح التثريب"و "شذرات الذهب"، وفي "طبقات الشافعية"لابن السبكي اسم أبيه محمد، وجده عدي. كنيته ونسبته: كنيته أبو أحمد، ووطنه "جرجان" ينسب إليه فيقال: الجرجاني؛ وقد اشتهر بابن عدي، وبابن القطان. رحلته في طلب الحديث: بدأ سماع الحديث سنة تسعين ومائتين، ورحل في طلب الحديث ما بين الأسكندرية وسمرقند، وأول رحلاته في سنة سبع وتسعين ومائتين وعمره عشرون سنة. ممن روى عنهم: روى عن بهلول بن إسحاق الأنباري، ومحمد بن عثمان بن أبي سويد، ومحمد بن يحيى المروزي، وأبي خليفة الجمحي، والحسن بن سفيان، وأبي عبد الرحمن النسائي، وعمران بن مجاشع، وعبدان الأهوازي، وأبي يعلى الموصلي؛ وقد زاد شيوخه على أكثر من ألف شيخ، قاله ابن ناصر الدين كما في شذرات الذهب لابن عماد. ممن رووا عنه: روى عنه شيخه أبو العباس بن عقدة، وأبو سعد الماليني، وحمزة بن يوسف السهمي، وأبو عبد الله الحاكم النيسابوري وغيرهم. ثناء العلماء عليه:

стр. 4413

قال حمزة السهمي: "كان حافظا متقنا لم يكن في زمانه أحد مثله". وقال الخليلي: "كان عديم النظير حفظا وجلالة". وقال أبو القاسم ابن عساكر: "كان ثقة على لحن فيه". وقال الذهبي: "كان لا يعرف العربية مع عجمة فيه، وأما العلل والرجال فحافظ لا يجارى". وقال أبو الوليد الباجي: "ابن عدي حافظ لا بأس به". وقال ابن الأثير في اللباب: "كان إمام عصره". وقال الذهبي في التذكرة: "الإمام الحافظ الكبير"، وقال: "كان أحد الأعلام"، وقال: "وهو المصنف في الكلام على الرجال، عارف بالعلل". وقال ابن كثير في البداية والنهاية: "الحافظ الكبير المفيد الإمام العالم الجوال النقال الرحال". وقال ابن قاضي شهبة (كما في شذرات الذهب لابن العماد) : "هو أحد الأئمة الأعلام، وأركان الإسلام، طاف البلاد في طلب العلم، وسمع الكبار". وقال أحمد أبي بن مسلم الحافظ: "لم أر أحدا مثل أبي أحمد بن عدي، فكيف فوقه في الحفظ". آثاره: قال ابن الأثير في اللباب: "وله التصانيف المشهورة". انتهى. وهذه التصانيف أشهرها على الاطلاق كتاب "الكامل في الجرح والتعديل"وقد أثنى عليه العلماء ورفعوا من شأنه. قال فيه حمزة السهمي: "سألت الدارقطني أن يصنف كتابا في الضعفاء قال: "أليس عندك كتاب ابن عدي؟ "فقلت "بلى". قال: "فيه كفاية لا يزاد عليه". وقال ابن كثير في البداية والنهاية: "له كتاب الكامل في الجرح والتعديل لم يسبق إلى مثله، ولم يلحق في شكله". وقال ابن قاضي شهبة كما في شذرات الذهب: "وهو كامل في بابه كما سمي". وقال ابن السبكي في طبقات الشافعية: "وكتاب الكامل طابق اسمه معناه، ووافق لفظه فحواه، من عينه انتجع المنتجعون، وبشهادته حكم المحكمون، وإلى ما يقول رجع المتقدمون والمتأخرون". وقال الذهبي في أول كتاب (الميزان) : "ولأبي أحمد بن عدي كتاب الكامل هو أكمل الكتب وأجلها في ذلك".

стр. 4414

وهذا الكتاب العظيم الذي نعته هؤلاء العلماء بهذه النعوت وأثنوا عليه هذا الثناء، يوجد بعضه مخطوطا في المكتبة الظاهرية بدمشق تحت رقم "٣٦٤"حديث، وفي معهد المخطوطات بجامعة الدول العربية بالقاهرة تحت رقم "٣٨٨"ورقم "٧٥٩"فهرس قسم التاريخ، وكذا يوجد منه أجزاء مختلفة ملفقة من ثلاث نسخ في دار الكتب المصرية نوه عنها في فهرس مصطلح الحديث في دار الكتب؛ ومن آثاره كتاب "الانتصار على مختصر المزني" ذكره الذهبي في التذكرة، وابن العماد في شذرات الذهب، وابن السبكي في طبقات الشافعية وقال: "وددت لو وقفت عليه". ومنها "أسامي من روى عنهم البخاري"من مشايخه الذي ذكرهم في صحيحه على حروف المعجم، وهو من مخطوطات المكتبة الظاهرية بدمشق تحت رقم "٣٨٩"حديث. وفاته: توفي الحافظ أبو أحمد بن عدي سنة خمس وستين وثلاثمائة في شهر جمادى الآخرة في "جرجان"، وصلى عليه أبو بكر الإسماعيلي، وولادته سنة سبع وسبعين ومائتين، وهي السنة التي مات فيها أبو حاتم الرازي، وعمره ثمان وثمانون سنة، وقد أرخ وفاته بهذا الذهبي في تذكرة الحفاظ وفي العبر، وابن الأثير في اللباب، وابن السبكي في طبقات الشافعية، والعراقي في طرح التثريب، وابن العماد في شذرات الذهب، وابن كثير في البداية والنهاية. ممن ترجم له: ١- ترجم له الذهبي في العبر ٢/٣٣٧ وفي التذكرة ٣/١٥٢. ٢- وابن العماد في شذرات الذهب ٣/٥١. ٣- وابن كثير في البداية والنهاية ١١/٢٨٣. ٤- والسمعاني في الأنساب مخطوط ١٢٦. ٥- والعراقي في طرح التثريب ١/٧١. ٦- وابن السبكي في طبقات الشافعية ٢/٢٣٣. ٧- وابن الأثير في اللباب ١/٢١٩. ٨- وعمر رضا كحالة في معجم المؤلفين ٦/٨٢.

стр. 4415

الإسلام والحركات الهدامة المعاصرة بقلم الشيخ عبد القادر شيبة الحمد المدرس بكلية الشريعة بالجامعة. الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيد المرسلين، وخاتم النبيين، وإمام المهتدين، وعلى آله وصحابته الطيبين الطاهرين، ومن سلك سبيلهم، وترسم خطاهم، ونهج مناهجهم إلى يوم الدين أما بعد: فإن الحركات الهدامة قد استشرى خطرها، واتسع نطاق ضررها، وأصبحت محاربتها ألزم من محاربة جميع الأمراض الفتاكة، والأوبئة المبيدة، لأن شرها على الإنسانية أكثر من شر تلك الأمراض وهذه الأوبئة؛ لأن هذه الحركات تمسخ الإنسان وهو لا يدري، وتجعله أحط من بهيمة الأنعام، وهو يعد نفسه أو يعده غيره من العقلاء. وقد تنوعت أساليب هذه الحركات واختلفت أشكاله، وأخطر هذه الحركات في هذا العصر الماسونية وفروعها من الشيوعية والاشتراكية، والصهيونية التي تنبع من عين واحدة وإن اختلفت مظاهرها، وتعمل لهدف واحد وإن تغايرت أساليبها، حتى صار بعض الناس يحسب - بسبب هذا التغاير المظهري - أنها حركات متعادية، وهي في الواقع مؤسسة يهودية عالمية. وأساس هذه الحركات هي الماسونية، وهي جمعية سرية يهودية الأصل، ومعنى (ماسون) أو فرسون: (البناءون الأحرار) وقد أسس المحفل الأعظم لهذه الجمعية لأول مرة في بريطانيا عام ١٧١٧م، وقد زعم دعاتها أنهم يهدفون إلى مبادئ ثلاث، هي الحرية والإخاء والمساواة، ومقصودهم من الحرية في الواقع أن يتحرر الناس من أديانهم، وأن يرتكب الإنسان ما شاء له هواه دون رادع أو زاجر، وأن يخالف جميع ما تأمر به الشرائع، وأن تفعل المرأة ما شاءت من الزيغ والرجس والفساد والتهتك والانحلال تحت ستار هذه الحرية.

стр. 4416

كما أن مقصودهم من الإخاء هو محاربة روح التمسك بالدين، وأنه لا فرق بين يهودي ونصراني ومسلم ومجوسي وبوذي ودهري وملحد؛ فالناس كلهم إخوان، وعليهم أن يحاربوا أي استمساك بأي دين، ويسمون من يلتزم مبادئ دينه بأنه متعصب مذموم. كما أن مقصودهم من المساواة كذلك هو ملء قلوب الفقراء بالحقد والضغينة ضد من وسع الله عليهم من الأغنياء، وملء قلوب الأغنياء بالحقد والضغينة على الفقراء. وبعد مائتي سنة تقريبا من وجود المحفل الأعظم الماسوني في بريطانيا، انتشرت المحافل في العالم ولا سيما في فرنسا وروسيا وأمريكا والهند، حتى صار في أمريكا وحدها عام ١٩٠٧م أكثر من خمسين محفلا ماسونيا رئيسيا تتبعها آلاف المحافل. وقد نشرت المخابرات الإيطالية عام ١٩٢٧م في عهد موسوليني أنها اكتشفت ٣٦ ألف جمعية ماسونية في العالم يتبعها ملايين الناس. وقد عمد الماسان إلى اصطياد رجال ونساء في فخاخهم من جميع الديانات ممن يأملون فيهم أن يخدموا أهدافهم في بلادهم، فإذا تمت تجاربهم على العضو، وأيقنوا أنه يمكن أن يكون عبدا مطيعا لمبادئهم وأغراضهم، بذلوا كل ممكن لديهم لتنصيبه في مركز حساس في بلاده، وبذلوا حوله كل ما يستطيعون من وسائل الدعاية لتركيزه، وصار له عندهم وصف؛ كسكرتير أعظم، أو أستاذ أعظم، أو قطب أعظم في المحفل الماسوني الذي ينتمي إليه. ولا يصل العضو إلى هذه المراتب إلا بعد اختبار شاق.

стр. 4417

فهم في بادئ دعوة العضو وبعد أن يدرسوه نفسيا يدخل العضو في سرداب طويل، قد ملئ بالجماجم الإنسانية المعلقة، والسيوف والخناجر التي تكاد تمس رأسه ورقبته، ويمر به من تحتها وجوانبها ويقال له: هذه رأس من باحوا بالسر، ثم تعصب عيناه ويتسلمه رجلان قويان نشيطان، ويضعان حبلا في عنقه كأنهما يريدان شنقه وهو مستسلم لهما، ثم يدفعانه إلى غرفة سوداء، فيرفعان غطاء عينيه ليرى صندوقا، ثم يدخلانه في الصندوق وحبل المشنقة في عنقه، فإذا وجدوا منه استسلاما كاملا فعلوا به كقوم لوط، فإذا لم يجدوا منه أية مقاومة اعتبر ناجحا، وأعطي الدرجة الماسونية التي يستحق. وقد بدأ الماسون في تشكيل هيئات أخرى لتظهر في صورة غير ماسونية، وقد كان من أخطرها الشيوعية الحديثة، والاشتراكية، والصهيونية، فهذه المذاهب الثلاثة تلتقي مع الماسونية في أغراضها وأهدافها وإن تشكلت بأشكال مختلفة، وتظاهرت في بعض الأحيان بأنها متعادية، فالأفعى الرمزية هي الشعار اليهودي الصهيوني الشيوعي الماسوني، والمنجل الشيوعي شبيه بالمطرقة والسندان الماسوني، وماركس داعي الشيوعية والاشتراكية، ولينين وعصابته التي قامت بالانقلابات الشيوعي جلهم من اليهود؛ بل أكثر أعضاء الحكومة الروسية في نصف القرن الماضي عاماهم إما يهود، أو متزوجون بيهوديات؛ ولذلك رأينا دعاة الاشتراكية في البلاد العربية - مع اختلافهم - يرددون نفس شعار الماسون، فهتافهم: الحرية، والوحدة، والاشتراكية، وهي في الحقيقة عين ما يردده الماسان في هتافهم "الحرية، والإخاء، والمساواة". فالهدف الأول لم يختلف حتى في الاسم، والهدف الثاني معناه عندهما واحد، وكذلك الهدف الثالث؛ والغرض الحقيقي للماسونية والصهيونية هو السيطرة على العالم بعد إشاعة الانحلال الأخلاقي، والتسلط على اقتصادياته، والعمل على قيام دولة يهودية، وإعادة بناء هيكل سليمان ﵇.

стр. 4418

وقد مثل اليهود الصهيونيون والماسان حركتهم بأفعى زحف رأسها من فلسطين ليبتلع العالم، وقد بقي ذنبها في فلسطين، حتى إذا ما التقى رأس الأفعى بذنبها يكون اليهود قد أطبقوا على العالم وسيطروا عليه بشتى الوسائل ومختلف المظاهر، كما ثبت أن جميع دعاة الشيوعية وخاصة في البلاد العربية كانوا يهودا، وأكثرهم بعث من روسيا السوفيتية، فقد اتضح أن أول دعاة الشيوعية في سوريا ولبنان كان يهوديا بولونيا يدعى (جوزيف برجز) ثم (الياهو تيبر) وهو يهودي من ليتوانيا؛ وكذلك (نخمان ليتفتسكي) كان يهوديا روسيا، وقد جاء هؤلاء الثلاثة إلى بيروت عن طريق حيفا، وعملوا على تأسيس حزب شيوعي في سوريا ولبنان، على أن يكون تابعا للحزب الشيوعي اليهودي في فلسطين، وبعد بضع عشرة سنة صار تابعا للحزب الشيوعي الفرنسي، فلما أنشأت روسيا سفارة لها في سوريا ولبنان صار هذا الحزب يتبعها مباشرة. وفي عام ١٩٢٢م قدم إلى الاسكندرية بمصر يهودي روسي اسمه (جوزيف روزنتال) وقد جاء من الاتحاد السوفيتي، وأنشأ محلا لبيع المجوهرات، وكانت له ابنة تدعى (شارلوت) أخذت هي وأبوها في الدعوة للشيوعية حتى اعتقلت بعد انكشاف أمرها، فاعترفت بأنها تقوم بنشر الشيوعية وفقا للتعليمات التي تتلقاها من الاتحاد السوفيتي. وقد جاء بعدهما (هنري كوريل) اليهودي، و (ايلي شوارتز) اليهودي، و (ريمون دويك) اليهودي وغير هؤلاء من اليهود. كما قدم إلى العراق من موسكو أحد الضباط الروس واسمه (بتروف) وافتتح حانوتا للخياطة وتسمى باسم (بطرس أبو ناصر) وأسس الحزب الشيوعي العراقي، ولذلك كانت روسيا الشيوعية، وأمريكا الرأسمالية أسرع دول العالم للاعتراف بما يسمى (دولة إسرائيل) وكان عدد الجنرالات الروس المحاربين مع اليهود عام ١٩٤٨م لا يقل عن عدد الجنرالات الأمريكيين المحاربين لتثبيت اليهود في أرض فلسطين، وذلك كله أثر من آثار المخطط الماسوني الخطير.

стр. 4419

كما رأينا كمال جنبلاط الاشتراكي المعروف يدعو إلى اتحاد يهودي عربي فيدرالي في أرض فلسطين، مع دمج هذا الاتحاد في الدول العربية؛ فقد ألقى كمال جنبلاط هذا محاضرة بعنوان (دور القومية في تقوية المجتمعات الحرة أو في تقويضها) باللغة الفرنسية في ميلانو عام ١٩٥٤م، ثم عاد وألقاها في شهر مايو سنة ١٩٥٦م باللغة العربية في (حلقة دراسات مفاهيم الحرية) برعاية المركز الإقليمي في الشرق الأوسط للمنظمة العالمية لحرية الثقافة في لبنان، وقد اقترح كمال جنبلاط في هذه المحاضرة إقامة اتحاد فدرالي عربي يهودي فلسطيني، ليحل معضلة مشكلة فلسطين وقال: "بينما كان من الواجب حل المعضلة على أساس قومية متفتحة إنسانيا، وهي وحدها الوصفة المحكمة التي يمكن الإشارة بها في هذه المنطقة الحساسة من العالم على أساس اتحاد فدرالي عربي يهودي فلسطيني، يفسح مجال إدخال فلسطين ودمجها معنويا إن لم يكن سياسيا في مجموعة بلدان الشرق الأدنى، وقد نشرت هذه المحاضرة في كتاب (دراسات) الذي أصدرته (حلقة دراسات مفاهيم الحرية) .

стр. 4420

وقد رحبت الدوائر اليهودية آنذاك باقتراح كمال جنبلاط، فقد نشرت جريدة (هاعولام زاده) اليهودية في أواخر عام ١٩٥٦م في فلسطين المحتلة تقريرا نص على وجوب حل قضية فلسطين على أساس توطين النازحين في الضفة الغربية وغزة بعد تحويلها إلى وطن فلسطيني يرتبط (بإسرائيل) في اتحاد فدرالي يكون منطلقا لاتحاد أشمل مع الدول العربية وفي ٨/٦/١٩٧٢م أعرب شمعون بيرز وزير المواصلات اليهودي في فلسطين المحتلة عن أمله بأن يقوم اتحاد يضم دولة يهودية وأخرى عربية في فلسطين، وقال الوزير الصهيوني: "إني آمل بأن أرى قيام أسس لدولة اتحادية جديدة، يعيش فيها العرب واليهود معا في قطاعين مختلفين، يكون لكل منهما برلمانه وحكومته، وكل منهما يتحدث اللغة التي يفضلها، ويتعبد على طريقته". وقد تنبه مجلس النواب الأردني لهذه الدسيسة، وناقشها في جلسة المجلس بتاريخ ١١/٦/١٩٧٢م، أي بعد إعلان الوزير الصهيوني بثلاثة أيام. وبهذه المناسبة أحب أن ألفت الانتباه إلى أن كمال جنبلاط يسعى مع زعماء الشيوعيين في الجنوب العربي لإعادة مجد القرامطة، وبعث مذهبهم من جديد؛ فقد نشرت جريدة النهار للمدعو كمال جنبلاط امتداحا لدولة القرامطة، وأنهم كمنظمة ثورية كان لهم موقع الريادة في الدعوة إلى المساواة. وطبعا كمال جنبلاط درزي، وأخص عقائد الدروز أن خالق السماوات والأرض هو الحاكم العبيدي المجنون اليهودي، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.

стр. 4421

ولم يكن كمال جنبلاط وحده في هذا الميدان المنحرف الهدام، بل قد نشرت جريدة السياسة الكويتية حديثا للمدعو/ عبد الله عبد الرزاق باذيب، وزير السياحة والثقافة والآثار في حكومة عدن الشيوعية في ١٥/٢/٧٣م اعتز فيه بأن حكومته منسوبة للقرامطة وقال: "يقولون إننا من القرامطة ... ليكن، نحن نعتز بهذا الأصل ونؤكد عليه، إذ نمثل استطرادا في مجتمعنا لذلك الطموح إلى الاشتراكية الذي بدأ من أيام القرامطة"، ويكرر قائلا: "نعتز بأصلنا القرمطي، القرامطة عبروا منذ القدم عن طموح شعبنا العربي لمجتمع اشتراكي".

стр. 4422

على أن المؤرخين مطبقون على أن القرامطة ليس لهم في التاريخ العربي أي مجد، بل تاريخهم أسوا تاريخ مر بالأمة العربية، علما بأنهم ليسوا من العرب، بل هم جماعة من فروخ المجوس، واليهود أرادوا القضاء على الإسلام، فلما صار لهم دولة عاثوا في الأرض فسادا، واستولوا على البحرين وهجر، وأخافوا البلاد، وروعوا العباد. قال ابن كثير ﵀ في حوادث سنة ثمان وسبعين ومائتين هجرية: "وفيها تحركت القرامطة، وهم فرقة من الزنادقة الملاحدة أتباع الفلاسفة من الفرس الذين يعتقدون نبوة زرادشت ومزدك، وكانا يبيحان المحرمات، ثم هم بعد ذلك أتباع كل ناعق إلى باطل، وفي سنة سبع عشرة وثلثمائة اشتدت شوكتهم، وتمكنوا من الوصول إلى الكعبة والناس يوم التروية، فما شعروا إلا والقرامطة برئاسة المدعو بابي طاهر الجنابي قد انتهبوا أموالهم، وقتلوا كل من وجدوا من الحجيج في رحاب مكة وشعابها، وفي المسجد الحرام وفي جوف الكعبة، وجلس أميرهم أبو طاهر الجنابي على باب الكعبة والرجال تصرع حوله، والسيوف تعمل في المسجد الحرام في الشهر الحرام في يوم التروية، ويقول هذا الملعون: أنا الله وبالله أنا، أنا أخلق الخلق وأفنيهم أنا، ولم يدع أحد طائفا أو متعلقا بأستار الكعبة إلا قتله؛ ثم أمر بإلقاء القتلى في بئر زمزم، وأمر بقلع باب الكعبة ونزع كسوتها عنها، ثم أمر بأن يقلع الحجر الأسود، فجاء قرمطي فضرب الحجر بمثقل في يده وهو يقول: أين الطير الأبابيل؟ أين الحجارة من سجيل؟ ثم قلع الحجر الأسود، وأخذوه معهم، فمكث عندهم اثنتين وعشرين سنة. وقد اعتز عبد الله باذيب بعلي بن الفضل الذي تغلب على اليمن، وزعم أنه طلع من يافع، وقد جهل أو تجاهل هذا المغرور أن علي بن الفضل هذا كان يعمل هو وأتباعه عمل قوم لوط، ويحرض نساءه على الزنا والدعارة، ويرغب أتباعه كالشيوعيين المحدثين في وقاع أمهاتهم وأخواتهم وبناتهم؛ إذ يقول في قصيدته المشهورة:

стр. 4423

ولا تمنعي نفسك المعرسين من الأقربين ومن أجنبي فكيف حللت لهذا الغريب وصرت محرمة للأب أليس الغراس لمن ربه ورواه في الزمن المجدب وقد أرجع ابن كثير وغيره من المؤرخين أصل القرامطة إلى اليهود والمجوس، وذكروا أنه بعد أن أظهر الله الإسلام، وبسط رواقه على أرض فارس، تشاور جماعة من المجوس والمزدكية، وشرذمة من الثنوية، وطائفة من ملاحدة الفلاسفة، وبعض اليهود في حيلة يدفعون بها في نحر الإسلام، ويعملون بها على تشتيت شمل المسلمين، فاتفقوا على انتحال مذهب يستمد أصوله من أصول الفلاسفة، وقواعد المزدكية، وعقائد الثنوية واليهود، ورأوا أن أنجع الوسائل لتحقيق أهدافهم أن يتمسحوا بالانتساب إلى نصرة آل البيت، بيت النبي ﷺ ، وأن يختاروا رجلا يزعمون للرعاع بأنه من آل البيت، وأنه يجب على كافة الخلق مبايعته، وتتعين عليهم طاعته، مدعين أنه خليفة رسول الله ﷺ ، وأنه معصوم عن الخطأ؛ وقد تذرعوا بذلك إلى استدراج العامة لينسلخوا من الدين، فإن أراد أحد أن يتمسك بظاهر القرآن ومتواتر الأخبار، أخبروه أن تلك الظواهر لها أسرار وبواطن، وأن أمارة الأحمق الانخداع بظواهرها، وأن الفطن هو من لا يرى هذه الظواهر، وإنما يتبع الإمام في تفسير الباطن، فكان هؤلاء الباطنيون كما قيل عنهم: ظاهرهم الرفض، وباطنهم الكفر المحض. وقد اتفقت كلمة الناس عنهم أنهم كانوا يسلطون أتباعهم على الشهوات، وقضاء الملذات، وانتهاك الحرمات، وأنهم كانوا يستبيحون كل محرم، وكان لهم ليلة يجتمعون فيها رجالهم ونساؤهم، ويطفئون سرجهم، ثم يتناهبون النساء، وأنهم كانوا يؤمنون برجل في جاهلية الفرس قبل الإسلام يدعى شروين، ويزعمون أنه كان نبيا، وأنه أفضل من رسول الله ﷺ ومن جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. هذا وقد قسمت الماسونية جمعياتها حسب مخططاتها وأغراضها، فبعض هذه الجمعيات

стр. 4424

لإثارة الطلاب، وبعضها للاستيلاء على أفكار الصحفيين والكتاب والمؤلفين، وبعضها لإثارة العمال والفلاحين، وبعضها مختصة بالعسكريين، وبعضها لإحداث الانقلابات في الدول، إلى غير ذلك؛ فالماسون كانوا وراء الثورة الفرنسية، وهم وراء مذبحة استنبول التي ذبح فيها ٦٨ ألف مسلم عام ١٩٠٨م، وهم كذلك وراء حرب البلقان عام ١٩١٢م، والتي أثارت كذلك الحرب العالمية الأولى، وهم كذلك مدبروا الانقلاب ضد السلطان عبد الحميد، وهم مزيلوا الخلافة الإسلامية.

стр. 4425

وقد يؤيد الماسون دعوات ليسوا في الأصل منشئيها إذا وجدوا أن هذه الدعوات تخدم بعض أغراضهم ولو إلى حين؛ ولذلك أيدوا داروين النصراني في نظريته التطور والارتقاء، وبذلوا كل دعاية ممكنة لترويج مذهبه الفاسد، لأنه يحدث بلبلة ضد الأديان، كما أيدوا كذلك دعاة القومية العربية مع أنها في الواقع أسسها دعاة النصرانية، وعقدوا لها أول مؤتمر في باريس عام ١٩١٠م، ومع أنها كذلك تخالف بعض مبادئهم ضد الأمميين، لكنها لما كان ترويجها يحطم روح الدين في نفوس أهلها، ويؤدي إلى محاربة الأديان، قام الماسون بالترويج والدعاية لها. كما أيدوا القاديانية التي أنشئت لتكون كالخراج الحار في جسم الأمة الإسلامية؛ كما أيدوا البهائية التي تدعوا صراحة للتجمع الصهيوني في فلسطين، إذ قام رئيس هذه العصابة - عباس المسمى بعبد البهاء - يعمل على إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، وفي ذلك يقول في (مفاوضات عبد البهاء) ص٥٩: "وفي زمان ذلك العصن الممتاز، وفي تلك الدورة سيجتمع بنو إسرائيل في الأرض المقدسة، وتكون أمة اليهود التي تفرقت في الشرق والغرب والجنوب والشمال مجتمعة"ثم يقول: "فانظروا الآن تأتي طوائف اليهود إلى الأرض المقدسة، ويتملكون الأرض والقرى ويسكنون فيها، ويزدادون تدريجيا إلى أن تصير فلسطين جميعا وطنا لهم"وقد ذكر صاحب دائرة معارف القرن العشرين "الرابع عشر في الجزء الثاني ص٣٧٧ ... أن بعض دعاة البهائية فسر الفقرة الثانية من الإصحاح الثالث والثلاثين من سفر التثنية التي تقول: "جاء الرب من سيناء، وأشرق من ساعير، وتلألأ من جبل فاران// فقال: فهذه الآية المباركة تدل دلالة واضحة أن بين يدي الساعة وقدام مجيء القيامة، لابد أن يتجلى الله على الخلق أربع مرات، ويظهر أربع ظهورات حتى يكمل بني إسرائيل وينتهي أمرهم إلى الرب الجليل، فيجمع شتيتهم من أقصى البلاد، ويدفع عنهم كل العباد، ويسكنهم في الأرض المقدسة، ويرجع موازينهم القديمة.

стр. 4426

ومن أهم وسائل الماسون لتحقيق أغراضهم هو الاستيلاء على جميع وسائل الدعاية في العالم، من الصحافة والإذاعة والكتابة والتلفزيون وغيرها من شئون الإعلام، كما أن من أعظم وسائلهم الاستيلاء على المناصب الحساسة في إدارات الدول، بوضع رجال خبراء من اليهود أو مؤيديهم في تلك المناصب. أما الصهيونية نسبة لصهيون، وهو جبل يقع في جنوب بيت المقدس، والصهيونية حركة يهودية تسعى بكل الوسائل إلى إعادة بناء الهيكل على أنقاض المسجد الأقصى، والسعي إلى السيطرة على العالم وحكمه من القدس أولا، ثم روما ثانيا على يد ملك من اليهود يكون من نسل سليمان. والصهيونية كما أشرت سابقا: هي إحدى فروع الماسونية، وقد برزت قرونها في القرن السابع عشر الميلادي باسم حركة منشة بن إسرائيل، وبدأت بالدعوة إلى توطين اليهود في بريطانيا تمهيدا لنقلهم إلى فلسطين، وقد استطاعت هذه الحركة أن تسخر الإنجليز لتحقيق أهداف اليهود. وقد نشطت في فرنسا في عهد نابليون بعد الثورة الفرنسية التي كان الماسون من ورائها؛ ففي سنة ١٧٩٨م وجه أحد زعماء الصهيونية خطابا يعتبره اليهود دستور الصهيونية، وقد جاء فيه: "هيا بنا أيها الإخوان لتجديد هيكل أورشليم، إن عددنا يبلغ ستة ملايين منتشرين في أقطار العالم، وفي حوزتنا ثروات طائلة واسعة، وممتلكات عظيمة، فيجب أن نتذرع بكل ما لدينا من الوسائل لاستعادة بلادنا، إنه يجب العمل وإقامة مجلس ينتخبه اليهود المقيمون في بلدان أوربا وآسيا وأفريقيا، واللجنة الممثلة لليهود المقيمين في هذه البلدان يمكنها أن تبحث في مهمتها وتتخذ ما تراه من القرارات، وعلى اليهود أن يقبلوا هذه القرارات، ويجعلوها قانونا يخضعون له". وقد حدد الوطن القومي لليهود بفلسطين وسيناء إلى النيل من أرض مصر، ثم يقول: "فهذا المركز يجعلنا قابضين على ناصية تجارة الهند وبلاد العرب وأفريقيا، مع سهولة الاتصال ببلاد أوربا"، ثم يختم خطابه بقوله: أيها

стр. 4427

الإسرائيليون: "لقد قربت الساعة التي ينتهي فيها حالتكم التعسة، وإن الفرصة الآن سانحة، فحاذروا أن تفلت من أيديكم". وقد عمل اليهود بكل الوسائل على شراء الأراضي في فلسطين، وبناء المستعمرات بمساعدة كبار اليهود من الإنجليز مثل: درزائيلي اليهودي الإنجليزي الذي تنصر وصار رئيسا للوزارة البريطانية. ثم نشطت الصهيونية بقيادة هرتزل الذي يلقبونه "بأبي الصهيونية الحديثة"وهو صحفي نمساوي، وقد حاول هرتسل هذا أن يدفع للسلطان عبد الحميد خمسة ملايين ليرة ذهبية عثمانية هدية للخزينة السلطانية الخاصة، وعشرين مليونا كقرض من الجمعية اليهودية للحكومة العثمانية لمدة تعينها الحكومة العثمانية، وقد تنبه السلطان عبد الحميد إلى خطر هذه الحركة الإجرامية، ورفض أي وعد باستيطان اليهود في أرض فلسطين؛ ففكر اليهود في إقامة وطن مؤقت في سيناء أو يوغنده، ولكن المؤتمر اليهودي السادس المنعقد سنة ١٩٠٣م رفض هذه الفكرة وأصر على أرض فلسطين، ومات هرتزل سنة ١٩٠٤م بعد أن وضع كثيرا من الوسائل لتحقيق هدفهم الخبيث؛ ومن أهم هذه الوسائل وجوب عقد مؤتمر في كل عام يضم قادة الحركة الصهيونية، وقد انعقد أول مؤتمر لهم في مدينة بال بسويسرا عام ١٨٩٧م واتخذ هذا المؤتمر قرارات ترمي كلها لتحقيق إقامة دولة يهودية في أرض فلسطين، وتعهدت فيه السر اليهودية الغنية مثل أسرة "روتشليد" بتقديم الأموال اللازمة لتحقيق أهداف اليهود. وقد عرفت القرارات السرية التي اتخذت في هذا المؤتمر باسم "بروتوكولات حكماء صهيون"التي كان من بينها: يجب ألا تتردد في أعمال الرشوة والخديعة والخيانة إذا كانت تخدم أغراضنا. - إن المحفل الماسوني المنتشر في العالم يعمل في غفلة كقناع لأغراضنا. - يجب علينا أن نحطم كل عقائد الإيمان، وعندما نصل إلى مملكتنا لن نبيح قيام أي دين غير ديننا.

стр. 4428

فيتعين علينا أن تكتسح جميع العقائد والأديان الأخرى، وإذا كان هذا يؤدي إلى وجود ملحدين ينكرون وجود الخالق، فإن هذا مما لا يتعارض مع وجهة نظرنا، ويعتبر في ذاته مرحلة تطور وانتقال. ولقد كان من أبرز ثمار هذه التعاليم وأخطرها على الإنسانية هو الانقلاب الشيوعي في روسيا، والذي قام به عصابة من اليهود الروس بزعمة اليهودي لينين تبعا للمخطط الماسوني الذي روج من قبل لكارل ماركس. والشيوعية قد عرفت في التاريخ القديم، ومن ذلك ما أثر عن مزدك الفارسي الذي ظهر في عهد الملك قباذ ملك فارس، وكان هذا الملك ضعيفا مهينا، فسدت في عهده الرعية، فزعم مزدك أنه نبي، وأخذ ينهى الناس عن المباغضة والمخالفة والقتال، وأعلن أن سبب هذه الفتن هي النساء والأموال، لذا رأى أن تباح النساء لكل راغب، وأن تباح الأموال لكل طالب حتى يشترك فيها الناس اشتراكهم في الماء والهواء. وقد انتشر مذهبه في عامة بلاد فارس، ودخل فيه قباذ نفسه، وقام الفقراء بتقتيل الأغنياء، وصار الجماعة منهم يدخلون على الرجل فيقتلونه ويثبون على أمواله ونسائه؛ فغضب لذلك بعض عظماء فارس، وبخاصة أنوشروان بن الملك قباذ، وزعيم آخر يقال له ساجوروتا، مروا على مزدك وقتلوه، وخلعوا قباذ وعينوا أخاه "جاماسب" ملكا عليهم، وحاولوا القضاء على فتنة المزدكية.

стр. 4429

غير أن قباذ استطاع أن يعود إلى الملك وأن يحبس أخاه، فقوي شر المزدكية من جديد، واستمرت إلى أن قتل قباذ وتولى بعده ابنه أنوشروان الذي ولد في عهده رسول الله ﷺ ، فلما استقل بالملك وجلس على السرير قال لخواصه: "إني عاهدت الله إذا صار إلي الملك ألا أبقي على أحد من المزدكية الذين أفسدوا أموال الناس ونساءهم"، وكان عند سريره رجل مزدكي فقال: "أتقتل الناس جميعا؟ "فنظر إليه أنوشروان وقال له: "أتذكر يا ابن الخبيثة يوم طلبت من أبي أن يأذن لك في المبيت عند أمي فأذن لك، ولما ذهبت إلى حجرتها لحقت بك وقبلت رجلك وتضرعت إليك حتى وهبتها لي ورجعت؟ "فأقر الرجل أمام الحاشية بما قال الملك، فأمر بقتله فضربت عنقه وأحرقت جثته، ثم أمر أنوشروان باستئصال شأفة المزدكية وقضى عليهم. كما عرفت الشيوعية في العصر الحديث في صور متقاربة بزعامة رجال تكاد تتشابه ظروف حياتهم مع حياة مزدك الفارسي، وأشهر هؤلاء كارل ماركس المولود عام ١٨١٨م من أبوين يهوديين، غير أن اباه أظهر أنه تنصر وترك دين اليهودية، وكذلك فعل ابنه كارل ماركس، وقد وصف "أوتورهل"ماركس بأنه كان على الدوام متقلبا حقودا لا يزال في تصرفه عرضة لتأثير سوء الهضم والانتفاخ، وهياج الصفراء، وكان موسوسا يغلو كجميع الموسوسين في الشعور بمتاعبه الحسدية، وقد كان كارل ماركس يهمل دروسه، وينقطع عن معهده الأسابيع المتواصلة متابعا لما شذ من الآراء التي يبنيها اليوم ويهدمها غدا؛ أو باحثا عن اللذة الجنسية والمتاع الجسدي، وقد شغف أولا بدراسة القانون ثم تركه وشغف بدراسة الفلسفة ثم تركها، واشتغل بدراسة المذاهب الاقتصادية وحصل على دكتوراه بالمراسلة من جامعة جينا الألمانية عام ١٨٤١م.

стр. 4430

وكان ماركس أيام حياته الدراسية عالة على أبيه "هرشل" فلما مات أبوه صار عالة على أمه وأخته حتى عجزتا عن مواصلة الإنفاق عليه، فصار يلجأ إلى الاستدانة من أقربائه وأصدقائه، وبخاصة من انجلز الذي صار قرينه في الدعوة إلى الشيوعية. وكان أصدقاؤه إذا ضاقوا من طلباته حاولوا أن يكلفوه ببعض الأعمال التي قد تدر عليه ببعض الرزق، ولكنه كان يبوء بالفشل في كل عمل يسند إليه. وكان ماركس قد تعرف على فتاة أثناء دراسته للحقوق في جامعة بون تدعى جيني، ولم يكن أحد قد اشتم منه رائحة نزعته الشيوعية إلى ذلك الحين. وكان عمره لا يتجاوز العشرين، وقد وقعت الفتاة في قلبه وهام بها، ولم يكن في أول أمره ذلك يفكر في الزواج منها لأنها من طبقة فوق طبقة أهله، والتقاليد تقف حجر عثرة في سبيله، غير أن الفتاة رغبت في الزواج منه ولم تعبأ بالفوارق الطبقية التي توجد بينهما. وقد أعلنت الفتاة أنها لن تتخلى عنه مهما كانت الفوارق، وأنها راضية به على أي حال. وعلى الرغم من تحقيق هذا الحلم فقد بدأ ماركس يشعر بالحقد الثائر نحو نظام الطبقات الذي كاد يحول بينه وبين جيني، وقد بدأت مشكلة المعاش - له ولزوجته - تتعقد أمام ماركس، فقد زادت نفقاته ولم يتحسن إنتاجه، ولاسيما بعد أن صار ذا أولاد، وقد صورت زوجته جيني ما صارت إليه هي وزوجها من البؤس وتعاسة العيش في كتاب إلى صديق لها تطلب منه أن يمد لها المساعدة؛ قالت فيه:

стр. 4431

"ائذن لي أن أصف لك يوما من أيام هذه الحياة وسترى أن غيرنا لم يقاس ما قاسينا، فأنا مريضة سقيمة، ومع أن ثديي وظهري بهما أوجاع وآلام بالغة، فأنا مضطرة إلى أن أرضع طفلي الرابع الحديث الولادة، لأنني لا أستطيع أن أدفع أجرة مرضعة، ولكن طفلي كان يرضع الحزن والألم والوجع، فيتلوى من المرض ليلا ونهارا، ومع هذا الفقر والحاجة فقد دخلت علينا صاحبة المنزل وطلبت منا أجرة البيت، كما طالبت بما علينا لها من القروض، ولما كنا عاجزين عن الدفع فقد حجزت على كل ما نملك في البيت حتى فراش الطفل، وباعته بما لها علينا من الدين. ثم طردتنا إلى الشارع والمطر ينهمر بغزارة، والبرد قارس لا يرحم، وبذل زوجي ماركس كل ما في وسعه من جهد فلم نجد من يقبل إيواءنا"؛ كما كتبت جيني مرة أخرى تصف إحدى ليالي البؤس التي مرت بها وبماركس فتقول: "أحست ابنتنا بنزلة شعبية، وصارعت الموت ثلاثة أيام ثم ماتت، وأخذنا نبكي عليها، ولم يكن لدينا ما نجهزها ونكفنها به، وأبقينا الجثة حتى نجد ما نستعين به على دفنها، ومضيت إلى جار فرنسي مهاجر فأعطاني جنيهين ... وا أسفاه!! وفدت ابنتنا إلى الدنيا فلم تجد مهدا، وعندما غادرت الدنيا لم تجد كفنا". ويبدو أن الماسون قد استغلوا هذه الحوادث، وأثاروا في ماركس هذه الدوافع حتى حدت به أن يكون داعيا لمصارعة الطبقات، عنيدا في الدعوة إلى الشيوعية، عبدا ضارعا أمام محراب المادية، ينفث سمومه في نواح متعددة من أوربا، ولاسيما إنجلترا، حتى هلك عام ١٨٨٣م، غير أن دعوته لم تنجح في أوربا، حتى قام اليهود الروس بالثورة الشيوعية ضد القياصرة من آل رومانوف بقيادة اليهودي لينين عام ١٩١٧م تحقيقا لمقررات الماسونية والصهيونية، وقد جعل السوفيت المادة الأولى من دستورهم أنه لا إله والكون مادة؛ والمادية في نظر الماركسيين تعني عدم الإيمان بالغيب، وإنكار جميع المظاهر الدينية والمذاهب الروحية والمنازع الأخلاقية، وحرب التقاليد ونظام

стр. 4432

الزواج والأسرة، وقد كان ماركس يرى أنه لابد لقيام المجتمع الشيوعي من خمسة أركان يبنى عليها وهي: ١- استيلاء الطبقة الكادحة من العمال والفلاحين على مقاليد الحكم في أول الأمر. ٢- تأميم وسائل الإنتاج ومصادر الثروة. ٣- القضاء على رأس المال. ٤- القضاء على الطبقات. ٥- ثم القضاء على الحكومة. غير أن نظام الماركسيين ينص على "أن قيام حكومة العمال والفلاحين هو شيء مؤقت، وأنه حركة انتقالية إلى مرحلة الشيوعية الحقيقة التي لا تبقى فيها حكومة، وإنما ينطلق الشعب حرا بلا حكومة ولا سلطان". بيد أن واقع الشيوعية لم ير هذه النظرية مطبقة في قطر من الأقطار التي بليت بهذا النظام، فجميع البلاد التي صارت إلى الشيوعية قامت حكومتها من جنس الحكومات التي كانت في تلك البلاد قبل الحكم الشيوعي؛ ففي روسيا مثلا كان الدور الذي قام به العمال والفلاحون هو إشعال نار الثورة ضد الحكم القيصري والقضاء عليه، فلما تم لرؤساء الحزب الشيوعي ما أرادوا من سقوط عرش آل رومانوف، قبض رؤساء الحزب الشيوعي على زمام الحكم، وأزاحوا العمال والفلاحين من الطريق، وردوهم مدحورين إلى المصانع والمزارع، ليقاسوا تحت نيران الحزب الشيوعي أشد ألوان المهانة والإرهاق.

стр. 4433

وقد قام العمال والفلاحون بعدة ثورات كانت تقابل بأنكى صنوف القمع والإرهاب، ولم تمنع وسائل التعذيب الإجرامية هؤلاء من أن يقوم الكثير منهم بإحراق المحاصيل، وتبديد الماشية والأموال حتى لا تقع في يد هؤلاء الحكام المستبدين. وقد حاول ستالين أن يقضي على ثورات الطبقة الكادحة بألوان شتى من أنواع القتل والحبس والنفي في مجاهل سيبيريا، والتهديد والوعيد فلم يفلح؛ وفي منشور له في هذا الصدد يقول: "لكي يضمن الكولخوزيون "المزارعون"لأنفسهم الحياة والعيشة، يتطلب ذلك منهم أن يعملوا في الكولخوزات "المزارع التعاونية"ويحافظوا عليها، ولا ينسوا مسؤوليتهم تجاهها!! " ولما قال العمال لستالين: "لقد وعدتمونا بأن تكون الحكومة من العمال والفلاحين فلم لا تنفذون وعودكم؟ "قال ستالين: "لقد انتقلت السلطة، وتركزت في يد حزب واحد هو حزبنا، ولن يشاركنا في توجيه الدولة أي فئة أخرى؛ وهذا ما نعنيه بالدكتاتورية العمالية. وهكذا نرى المخطط الأول من المخططات التي رسمت للمجتمع الشيوعي لم تكن إلا حبرا على ورق - كما يقولون - بل صار العمال والفلاحون في المجتمع الشيوعي أحط أنواع العمال والفلاحين في العالم.

стр. 4434

أما تأميم وسائل الإنتاج ومصادر الثروة ثم القضاء على رأس المال ثم القضاء على الطبقات، فقد كانت سلب الغني من الأغنياء وإدامة الفقر والمسكنة للمساكين والفقراء، والذين يزورون برلين الشرقية وبرلين الغربية يذكرون أنهم إذا تجاوزوا سور برلين إلى الشرق، صاروا كالمنتقلين من النهار إلى الليل؛ فالمحال مقفرة، والشوارع تكاد تكون خالية، ومظاهر سوء الحالة الاقتصادية لا يكاد يخفى على ذي عينين. ومع أن الشيوعيين قد بذلوا كل جهدهم للقضاء على النظام الطبقي، فإن المجتمع الشيوعي يتمثل فيه ما يتمثل في غيره من نظام الطبقات؛ فلا يزال روسيا - مثلا - طبقة العمال والفلاحين، وطبقة القادة العسكريين، وطبقة البوليس السري والمخابرات، وطبقة العمال والأكاديميين، وطبقة المهندسين، وطبقة الفنانين والرقاصين، وطبقة زعماء الحزب الشيوعي؛ وقد وجدت هذه الطبقات في المجتمع الشيوعي بحسب تفاوت الدخل الذي قدرته الحكومة لهؤلاء حسب ميزان الاحتياج الذي صنعوه، فقد جعل المعدل الوسط لحاجة العمال والفلاحين ما بين ٦٠٠ إلى ٧٠٠روبل، كما جعل المعدل الوسط للفنانين والرقاصين يتراوح ما بين ١٤٠٠ إلى ٢٠٠٠روبل، وجعل المعدل الوسط للقادة العسكريين والمهندسين ما بين ٤٠٠٠ إلى ٧٠٠٠روبل؛ وبعد الحرب العالمية الثانية بدأت الحكومة الشيوعية ببناء منازل ومنح سيارة وسائق لبعض الطبقات.

стр. 4435

أما إلغاء الحكومة فيقول ماركس: "وبعد أن تزول المنازعات بين الطبقات زوالا نهائيا خلال التطور، وبعد أن يتركز الإنتاج كله في أيدي الأفراد المتشاركين، عندئذ تفقد السلطة العامة طابعها السياسي"ثم يقول: "والدولة هي سلطة الطبقة المنظمة، تزول بزوال الطبقة، وعندئذ يكون عهد الشيوعية بكل ما تعني الكلمة ... "ويقول: "الشيوعية هي عهد تسوده الحرية، وعصر يزدهر فيه الإنسان أكمل ازدهار، فهو يحتم مع زوال الطبقات زوال الحكومة". ونحن لا نستطيع أن نجزم هل كان ماركس متمتعا بقواه العقلية حينما يخرج على الناس بمثل هذه النظرية التي لا يعرفها التاريخ البشري في المجتمعات المتمدنة أو الهمجية على حد سواء، وحتى ولو فرض وجودها في مجتمع بدائي همجي فهل يجيز العقل وجود مثلها في مجتمع ذي حاجات متفاوتة، بل وإلحاح في طلب الكماليات. وهل ظن ماركس والذين خططوا له أن فطر الناس المتباينة، وطبائعهم المتنازعة سيئول بها الحال إلى الزوال؟ فيعيش الناس في الأرض يأكلون من نباتاتها المختلفة، ولحوم حيواناتها المتغايرة الطبائع ثم يصيرون في نفس الوقت كملائكة السماء. ولا نذهب بعيدا لنراجع نحن أو غيرنا في ذلك حوادث التاريخ، وإنما نلقي نظرة عابرة على واقع الحكومة في المجتمع الشيوعي لنرى أن الحكومة في المجتمع الشيوعي تسير في طريق الدكتاتورية إلى حد لا نظير له في المجتمعات الأخرى، وفي ذلك يقول ستالين: "إن تقرير المصير لأي فرد أو أمة أو جماعة يجب ألا يتضارب مع حق الحزب الذي يمثل الجماهير الكادحة في أن يحكم حكما دكتاتوريا" هذا وكثير من الناس لا يفرقون بين الشيوعية والاشتراكية؛ فروسيا وبلاد أوربا الشرقية الشيوعية يطلق عليها اسم البلاد الاشتراكية، إلا أن بعض الناس يفرق بين الشيوعية والاشتراكية في الجملة من وجوه: ١- أن الاشتراكية هي الخطوة الأولى للشيوعية.

стр. 4436

٢- أن الاشتراكية لا تمانع في قيام حكومة "البروليتاريا" العمال والفلاحين، بخلاف الشيوعية الحقيقة فإنها لا تجيز أي نوع من الحكومات. ٣- أن الشيوعية لا تبيح أي نوع من الملكيات، بخلاف الاشتراكية فإنها تجيز بعض الملكيات الفردية في حدود ضيقة وعلى قواعد تؤدي في النهاية إلى تلاشي هذه الملكية. هذا ولم يزعم زاعم - مهما كان - أن الإسلام والشيوعية قد يلتقيان، فلم نسمع إلى الآن صوتا واحدا يقول: إن الإسلام لا يتنافى مع الشيوعية؛ إذ أصل الشيوعية إنكار ألوهية خالق السماوات والأرض وإنكار الدين، وإنما سمعنا أن بعض الناس - وقد يكونون من المنتسبين للإسلام أو للعلم - يزعمون أن الإسلام لا يتنافى مع الاشتراكية، وقد يتعامون عن أن الاشتراكية مذهب خاص، ذاتية هذا المذهب تخالف ذاتية الإسلام في روحه وصورته، وأن ثلاثة عشر قرنا مرت على الإسلام والمسلمين ولم يعثر على كلمة الاشتراكية في كتب الإسلام التي تجاوزت آلاف الملايين، سواء كانت كتب الفقه أو التفسير أو الحديث أو سائر كتب العلم الإسلامية، ولا وجود لها قبل وجود دعاتها الماسونيين. كما يتجاهلون أن الإسلام - وهو دين الله الحقلا - قد أتى بجميع ما يسعد الناس في معاشهم ومعادهم، وأن رسول الله ﷺ لم يترك بابا من أبواب الخير إلا دل الناس عليه، ولا بابا من أبواب الشر إلا حذر الناس منه، بيد أن جماعة من هؤلاء يقولون: إن بعض نصوص القرآن كقوله تعالى: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ﴾ (الحشر: من الآية٧) وكقول رسول الله ﷺ : "الناس شركاء في ثلاثة: في الماء والنار والكلأ" تدل على صحة المذهب الاشتراكي، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على جهل هؤلاء بحقيقة الإسلام عموما، وبمعنى هذه الآية وذلك الحديث خصوصا؛ فإن الآية نزلت تشرح مصرف الفيء، وهو نوع خاص له طابع خاص من بين الأموال الإسلامية، وأما الحديث فقد بين موضع الشركة

стр. 4437

وهو الماء والنار والكلأ، ولفظ الحديث يدل بمفهومه على أن ما عدا هذه الأشياء الثلاثة من الأموال والأشياء التي يمكن أن يتملكها الإنسان لا اشتراك فيها، على أن صريح القرآن وصحيح وصريح السنة يدل بما لا مجال للشك فيه على حفظ ممتلكات الناس وأموالهم إلا برضا منهم، وفي ذلك يقول الله : ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْأِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة:١٨٨) وكما قال رسول الله ﷺ في حجة الوداع: " ... ألا أن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، ألا هل بلغت اللهم فاشهد" وكما قال ﷺ : "من غصب شبرا من أرض طوقه الله بسبع أرضين يوم القيامة" وتاريخ أصحاب رسول الله ﷺ كالزبير بن العوام الذي مات عن أرض الغابة وإحدى عشرة دارا بالمدينة، ودارين بالبصرة، ودار بالكوفة، ودار بمصر، وقد كان عليه دين يبلغ ألفي ألف ومائتي ألف "أي مليونين وربع تقريبا"وأن عبد الله بن الزبير ﵄ حصر مال أبيه فوجده خمسين ألف ألف "أي خمسين مليونا"ومائتي ألف، والزبير من المبشرين بالجنة. وكذلك عبد الرحمن بن عوف ﵁، وهو أحد العشرة كذلك ﵃ قد كان نصيب نسائه من تركته فوق ستين ألفا. ومعنى ذلك أن تركته تجاوزت أربعمائة وثمانين ألفا؛ ولا طعن على أحد في ذلك ما دام يأخذه من حل ويضعه في حل، ويؤدي حق الله فيه. وقد أكمل الله الدين، وأتم الشريعة، فلا حاجة معها لمذاهب مستوردة أتعست أهلها، وجلبت الشقاء للمبتلين بها، والحق يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً﴾ (المائدة: من الآية٣) والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 4438

رسائل لم يحملها البريد بقلم فضيلة الشيخ عبد الرؤوف اللبدي المدرس بكلية الشريعة بالجامعة صديقي ... تسألني يا صديقي كيف أمسيت بعد ثلاثة وعشرين عاما من ذاك الزواج. أمسيت يا صديقي كما أصبحت، أحمد الله على ما أنعم، وأشكر له ما رزق، لا يزال ذاك الزواج ريَّان مونقا مورقا كأشجار الربيع، لم يصبه الجفاف، ولم يدركه الخريف، لم أصر بعد إلى ما كنت تحدس وتقدر، فأرى في بيتي ظلمة المغاور، وأحس له وحشة المقابر، لا يزال بيتي يشرق بالنور، ويفيض بالحياة، ويزين كل جدار فيه. ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ (الروم: من الآية٢١) . ولا تحسبن أني قد نسيت، فأنا لا أذكر تمام الذكرى ما منحتنيه من نصح، حين أشرت علي أن أستبدل بشجرة السرو شجرة من أشجار العنب، وقلت: هذه ذات أغصان تفيء إلى ظلها وقت الحرور، وذات عناقيد تستمتع بها في مصيف العمر وفي شتاء الحياة، ثم هي زينة لك في حياتك الدنيا، تدوم بها الصحبة وتتوثق الألفة، وتعمق المودة، ويكثر الخير، وتتنوع طعوم الحياة. ولقد شكرت لك هذا النصح حين ذاك، وقلت لك: أنا يا صديقي في فسحة من الوقت، وليس هناك ما يدعو إلى هذا التعجل، دعني آخذ الأمر بشيء من الأناة، وأعالجه بشيء من التبصر. وما كان جوابي هذا لينال رضاك، فهززت رأسك هزات ذات معان، ورميت ببصرك إلى الأرض بضع ثوان، ثم رفعته إلي وأنشأت تقول: لا تركن إلى ما أنت فيه من شباب، ولا يخدعنك ما أنت فيه من نعيم، ولا تقعد الجبن عن لقاء الحياة، فتقعد في هذه الحياة أسيفا حسيرا، ولا تكن من المستقبل في خشية، فالمستقبل بيد الله، ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ (هود: من الآية٦) .

стр. 4439

لقد نسيت يا صديقي كثيرا من أيام حياتي، ولكنني لم أنس ذلك اليوم الذي أبديت فيه ما كنت عنك أخفيه، وجهرت لك بما كنت من قبل قد أسررت، وقلت لك حين عرفت أن لا مناص من القول: دعني يا صديقي فالخيرة فيما اختاره الله، لا فيما تختاره أنت، أنني راحل في هذه الحياة، وكل شيء من حولي وحولك راحل، فأشجار الزيتون التي تغطي سفوح الجبال، وتفيض بها بطون الأودية، وأشجار البرتقال هذه التي تملأ السهول، ويفيض بها الساحل، وهؤلاء الناس الذين يغدون ويروحون وهم لا يشعرون، هؤلاء وأولئك كلهم راحلون راحلون، وحتى هذه الأرض التي أنت فوق ثراها راحلة سوف أكون أنا يا صديقي في هذه الدنيا عابر سبيل، وفلّ طريق، ونضو سفر، فدعني أعبر فجاجها العميقة، وثنياتها الضيقة، وشعابها الصعاب، دعني أعبرها خفيف الظهر، طلق اليدين، واسع الخطا، ولا ترهقني من أمري عسرا. دعني يا صديقي من أعنابك وعناقيدك، فأنا لا أحب العناقيد حصرمًا، ولا أحب الأعناب ذوات أكل خمط، ولا أريد أن أزيد غثاء السيل غثاء، وعسى أن يجعل الله فيما تكرهه أنت خيرا كثيرا. أما أنت يا صديقي فسر على الدرب الذي أحببت، وتزوج من النساء مثنى وثلاث ورباع، واترك من خلفك ذرية مباركة من البنات والبنين والحفدة، تحمل اسمك الكريم، وتحفظ ذكرك الطيب، وتكون شجرة باسقة الفروع، كثيرة الثمر، تنشر من حولك الظل، وتكون لحياتك زينة. ونم يا صديقي ليلك الهادئ الطويل، تهدهدك الأحلام، وتربتك الأماني، وتطوف بخيالك صور غد باسم مشرق.

стр. 4440

وسوف أظل أصغي إلى ما ترجيه في أولادك من مستقبل شامخ البنيان، ثابت الأركان، وأستمع إلى ما ترسمه لهم من خطط حياة طويلة عريضة، ودراسات علمية متخصصة عالية، وسوف أضرع إلى الله مخلصا، كلما طاف بي طائف من أولادك، أو رن في أذني صدى صوت من كلماتك - أن يجعل فيهم الولد الصالح الذي لا ينقطع به عملك بعد الموت، ويخلفك على المنبر في وعظ الجماعات - فنحن في أيام قد أغطش فيها ليل الفتن، فعميت على الناس الطريق، وعصفت بقلوب كثير منهم عاصفات انحراف وأعاصير ضلال. سر ياصديقي على الدرب الذي أحببت، وإني لأسأله تعالى صادقا أن يهب لك الذرية على الصورة المرجوة التي رسمت، فيكون فيهم الطيب الحاذق الذي يعالج المرضى وقد جعل همه الأول ابتغاء مرضاة الله وثواب الآخرة، لا زهرة الدنيا ولا زينة الحياة، قد اتخذ له عيادة في وطن من أوطان المسلمين، لا يطير إلى بلد من بلاد أوروبا وراء فتاة جميلة لعوب قد ملكت حبه، ولا إلى بلد من بلاد أمريكا طمعا في ثروة واسعة تملأ جيبه. ويكون فيهم الجندي الشجاع الذي يخوض غمرات الحرب إعلاء لكلمة الله، أو دفاعا عن أرض يذكر فيها اسمه، لا أن يكون جندي زينة في عراض المواكب، أو شاكي سلاح تسيل على حده لهوات تنطق بالحق. وتكون فيهم الفتاة المتعلمة المهذبة التي أكبر همها زوج صالح يكون لها منه رجال صالحون ونساء صالحات، ليست بعارضة أزياء في الغدوات والروحات، ولا بمبدية لحما غضا غريضا لجياع القطط عاى أرصفة الشوارع.

стр. 4441

ويكون فيهم المهندس الواسع الخيال، ذاك الذي يحسن تخطيط الطرق الطويلة الآمنة على سفوح الجبال، والجسور المديدة القوية على بطون الأودية وضفاف الأنهار، والعمارات المتطاولة الجميلة في أحياء المدن الكبرى، لا أن يكون مهندسا بارعا في تخطيط طرق الفساد في قلوب العباد، وإقامة الجسور لعبور أفكار خبيثة باسم العلم والثقافة، وبناء الخلايا الخبيئة المدمرة لصروح مجتمعات سليمة وعمائر خير وصلاح. وأسأله تعالى أن يكون لأولادك جميعا نصيب من وقتك وجهدك وتوجيهك، وأن يكونوا جميعا تحت سمعك وبصرك، تراقبهم من قرب ومن بعد، وتنصح لهم بالقدوة وبالقول، ولا تتلمس المعاذير الواهية بكثرة الأعمال وضيق المجال وإرهاق الجسد، فتكون كمن يلقي البذور في الأرض حتى إذا خرج الزرع واستغلظ واستوى على سوقه، تركه مهبطا لطيور وافدة غريبة تغزوه، ومسرحا لديدان أوحال وحشرات تراب ترتع فيه. وفي نهاية هذه الرسالة أسأل الله في أولادك أن يكونوا لك لا أن يكونوا عليك، أن يكونوا شبابك وقد أفنيت فيهم الشباب، أن يكونوا ثروتك وقد أنفقت عليهم ما جمعته من ثروة، أن يكونوا ثمرا يانعا وقد زرعت وسقيت وقلمت وحرست، أن يكونوا ظلا وارفا رطبا إذا هبت عليك سموم الحياة، أن يكونوا في عداد المسلمين حقا إذا عد المسلمون الصادقون فوق هذه الأرض. ويا لهف نفسي، ويا لهف نفسك! ويا ضيعة مالك وجهدك! إن ضل سعيهم في الحياة الدنيا، وعاشوا أرقاء لشرق أو لغرب، واتبعوا أهواءهم، وكان أمرهم فرطا. سر ياصديقي على الدرب الذي أحببت، ودعني أسير على الدرب الذي أحب، وأرجو أن لا تجد في نفسك حرجا مما قضى الله.

стр. 4442

أول معهد في الإسلام لفضيلة الدكتور: محمد محمد خليفة المدرس بكلية الشريعة بالجامعة ماجت دور يثرب وقصورها وآطامها بأحاديث الإسلام بعد بيعتي العقبة الأولى والثانية، وكانت من قبل مسرحا للوثنية واليهودية، ثم دخل الإسلام دورها، وسرت أصوله وتعاليمه بين مجتمعاتها، فأصبحت المدينة بين لهج بالإسلام، ورسوله محمد ﷺ مترقب إشراقه عليها متحمس لدعوته، وبين خائف تنتفض أحاسيسه خوفا على سلطانه أو دنيا جاهه أو ماله، وبين سائل عن دعوة الدين الجديد متقص ألوان الأذى التي يواجهها أصحابه من أقوامهم. وكلما ألقى الرجال بينهم صحابي أحدق المسلمون به يسمعون منه ما أوحاه الله إلى رسوله أو ما حدث به أو ما لقي أصحابه من ضروب النكال، أو ما يلقى الرسول من كيد من أنكروا إنسانيتهم فخروا سجدا لآلهة نحتتها من الصخر أيدي صناع الآلهة. ووقف اليهود عن كثب يستنبئون أو يصيخون إلى ما تتناقله الألسنة مما يدور حول محمد ورسالة محمد ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِه﴾ (البقرة: من الآية٨٩) وتطلع الوثنيون الحيارى من الأوس والخزرج وغيرهم إلى فجر من اليقين يبدد ما ضربته عليهم ظلمات الحيرة، ويأخذ بأيديهم من متاهات الشكوك. بكل هذا أفعمت خواطر اليثربيين على اختلاف أديانهم حتى أذن الله لرسوله بالهجرة فلم يكد يستقر مقامه في يثرب حتى أسس أول مسجد في الإسلام تطهر في محرابه الأرواح حين تصل دنياها بصانع الأرواح، وفي هذا المسجد وضعت خطوط الدولة الجديدة في الإدارة والسياسة والحكم والاقتصاد، وفيه انعقدت مجالس الشورى، واستقبلت الوفود من القبائل والملوك، وأعلنت فيه التعبئة لقتال أعداء الإسلام، وعقدت في حرمه الألوية، ووجهت الوصايا للقادة.

стр. 4443

وإلى جانب كل هذا أقيم فيه أول معهد عرفه الإسلام يعمل فيه وحي الله وهدي رسوله ﷺ على تهذيب النفوس وتربية العقول، وتنظيم المجتمع الجديد على ضوء الدين الجديد الذي صنع للوجود أمة هي ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (آل عمران: من الآية١١٠) . وقد تلقى صحابة رسول الله ﷺ عنه في هذا المعهد ما أوحى الله من قرآن فكتبه من كتب، وحفظه من حفظ، وتساءل عن بعض آياته من تساءل حين اختلفت الأفهام أو تعايت عن إدراك ما تحمل الكلمات أو ما تهدف إليه الآيات، فكان عند صاحب الإلهام جواب. وعاشت العقول والأسماع والأبصار والأرواح مع رسول الله ﷺ ، مع بيانه وما يتدفق فيه من جوامع الكلم، ومع إرشاده البصير الذي يأخذ بأيدي الضاربين في ظلمات الشكوك إلى صبح الحق ونور اليقين، ومع حركاته وإشاراته وما تحمل أساريره من انطباعات في رضاه وغضبه، ومع عظاته التي تربط القانتين الخاشعين بربهم في صلاتهم بل في حياتهم، وكأنما ربطتهم العظات التي أحكم نسجها إيمان الواعظ الأكبر، وأوثقت أرواحهم بالله فهم مع الله أبدا ﴿إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ (المجادلة: من الآية٧) ولم تتقيد الدراسة في هذا المعهد بمنهج ولا بزمن، وإنما كان قوام الدراسة فيه العقيدة والشريعة والأخلاق والآداب: العقيدة الواضحة والشريعة التي ترسم للمجتمع طريقه، وتحدد له معالم الحياة الصحيحة التي يريدها الله لخير الإنسانية والأمة، الأخلاق التي تحدد سلوك الفرد والمجتمع، والآداب التي تصون النفوس من التردي - وواجهت الداعي الأول إلى وحدانية الله - وثنية اتخذت الأرباب من الصخر وقال عبادها: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى الله زُلْفَى﴾ (الزمر: من الآية٣) فاتخذوا من الحجر الأصم وسيلة تقربهم إلى الله، وحين دعتهم الإنسانية العاقلة إلى عبادة الله دون وسيلة تحدوا دعوته.

стр. 4444

كما واجه اليهودية المنحرفة التي ترى عزيرا ابن الله، والنصرانية التي ترى المسيح ابن الله ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ﴾ (مريم: من الآية٣٥) ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَداً﴾ (الجن:٣) . وعانى الرسول ﷺ ما عانى في حرب الضلال حتى وطد أركان العقيدة الحقة في قلوب المسلمين، ثم انطلق طلاب المعهد الأول في الآفاق دعاة لا تثنيهم عن دعوتهم قوة ولا تفتر لهم همة، وكانت الشريعة الإسلامية المادة الثانية التي عني بدراستها في هذا المعهد يستنبطها الفقيه الأول من كتاب الله فرضا أو حدا أو وصية أو أمرا أو نهيا أو توجيها، فكانت الشريعة الإسلامية التي أوحى الله قواعدها وبنيانها هي خير شريعة بنت وحمت الكيان الإسلامي، وربطت بين مجتمعاته على تنائي أوطانهم وتباين أفكارهم، وكان المعلم الأول قدوة لطلابه في سلوكه وخلقه الذي امتدحه به ربه في قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم:٤) ، وقد حملت أخلاقه المسلمين على الاقتداء به في زهده وصبره وجوده وتسامحه، واجتمعت فيه كل فضائل الخير، فكان أزهد الناس في متاع الدنيا، وكان أصبرهم على المكاره، وكان في جوده الريح المرسلة، وكان سمحا لا يغضب إلا حين تمس حرمات الله. وقد ربى أمته على آداب الإسلام، فبنى بها أمة عنت لآدابها حياة القياصرة، وخشعت تيجان الأكاسرة، وكان أهل المدينة جميعا طلابا في المعهد يطلبون في علم المعلم الأول وعمله ما ينقي نفوسهم من رواسب الجاهلية الأولى، وما ينقي عقولهم من زيف الضلال وما يفقههم في الحياة. ثم كان أبناء المدينة ومن هاجروا إليهم من آفاق الجزيرة من بعده روافد انطلقت في الآفاق تروي عطاش العقول وتزودهم بخير الزاد وزاد الخير.

стр. 4445

ولم يقيد الانتساب إلى هذا المعهد بسن ولا بجنس، فقد تلاقى في حلقاته المكتهلون والشباب والغلمان والنساء والعذارى، وسمعوا جميعا من المعلم الأول وأخذوا عنه واستفتوه، وقيدت عقولهم كل آبدة، ولم تفر من أذهانهم شاردة، أخذوا الكثير وفقهوا الكثير، ثم حملوا عن المعلم الأول شريعة الله إلى العالم، فقضوا بها بين الناس أحكاما وفتاوى عاشت على الأحقاب مرجعا يفيء إليه طلاب الحق حين تختلف أفهامهم وأفكارهم. ولقد تطلعت الأقطار في فجر الإسلام إلى طلاب معهد الرسول فأخذ طلاب الخير والشرع عنهم ما أخذوا، ونهلوا مما أفاء الله على علماء المدينة ما نهلوا، وخرجت من المدينة أجيال حملت إلى العالم الإسلامي خير شريعة عرفها الوجود، فكم كان فيها من هداة! وكم انطلق منها من دعاة! وكم تربى في رحابها من أئمة!. فهل آن لمدينة رسول الله ﷺ أن يعود إليها مكانها العلمي فيرى العالم الإسلامي أفواجا من المتخرجين في جامعتها الإسلامية تحمل إلى العالم رسالة الإسلام عقيدة خالية من الشوائب، وشريعة حاكمة قوامها كتاب الله وسنة رسول الله، تنطق بها أفواج المبعوثين كما انطلق بها علماء هذه المدينة في فجر الإسلام. وهل آن للوافدين من الأقطار الإسلامية إلى هذه الجامعة أن يتزودوا من الثقافة الإسلامية زادا يملأ عقولهم وأرواحهم قبل أن يعودوا إلى أقوامهم ليأخذوا بأيديهم إلى طريق الحق، ولينتشلوهم من الحبائل التي نصبتها الصليبية أو الإلحادية؟. وهل آن لهذه الجامعة الإسلامية الفتية أن تحمل عن كهولة الأزهر الأعباء التي حملتها كواهله عشرة قرون؟. وهل آن لهذه الجامعة الإسلامية أن تعيد إلى الإسلام مكانة أول معهد في الإسلام؟.

стр. 4446

عرض ونقد لما كتبه الدكتور محمد علوي المالكي حول الكوثري والدحلان بقلم الشيخ عبد القادر بن حبيب الله السندي خريج كلية الشريعة بالجامعة الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده أما بعد؛ فقد وقعت في يدي رسالة صغيرة بعنوان "إتحاف ذوي الهمم العلية برفع أسانيد والدي السنية" (للأستاذ الدكتور محمد حسن بن السيد علوي المالكي الحسني) المدرس بالمسجد الحرام، وبكلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة الملك عبد العزيز بمكة المكرمة، وقد طبعت في عام ١٣٨٧هـ ١٩٦٧م بدمشق الشام، وهي عبارة عن تراجم الرجال الذين تتلمذ عليهم والده السيد علوي بن عباس رحمه الله تعالى، أو كانت له بهم صلة علمية، وقد بلغ عددهم أربعة وستين رجلا، ولم أعرف منهم إلا الاثنين وهما: الشيخ محمد زاهد الكوثري. الشيخ أحمد زيني دحلان. وقد أثنى عليهما الدكتور محمد ثناء جميلا، ووصفهما بالأمانة في العلم والبصيرة، والنقد والتحرير والسعي المشكور في نشر العلم وغير ذلك من الأمور الطيبة، والواقع هو بالعكس كما سيأتي إن شاء الله تعالى، فحررت هذه الملاحظات حول كتابته بيانا للحق، وأداء للأمانة العلمية، وتبرئة للذمة أمام الله جل وعلا مع احترامي للأخ الأستاذ محمد المالكي.

стр. 4447

قال الأستاذ الدكتور محمد في حق الأستاذ الكوثري: "العلامة السيد محمد بن زاهد بن العلامة حسن الحلمي بن علي الكوثري المتوفى بمصر سنة ١٣٧١هـ المولود سنة١٢٩٦هـ. المحدث الشهير، الإمام، الناقد، البصير، حجة لا يبارى في علم الرجال، بارع في الحديث ورجاله، ماهر في علم الكلام، أديب في النقاش والجدال، مجاهد بقلمه ولسانه في بلاده تركيا وفي مصر. مؤلفاته التي سار بها الركبان، وتحدث عنها الأعيان دليل عظيم واضح على علو كتب هذا الإمام، ورسوخ قدميه، وطول باعه في العلوم مع تحقيق وتدقيق وتحبير وتحرير، وله المقالات الكبرى، والمؤلفات العديدة ﵀ رحمة واسعة" [١] انتهى. قلت: قال الله في كتابه الكريم في سورة البقرة مخاطبا اليهود عليهم لعائن الله تعالى: ﴿وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [٢] وقال أيضا جل وعلا في سورة آل عمران: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [٣] والآيتان الأخريان أشار إليها الصحابي الجليل أبو هريرة رضي الله تعالى عنه في حديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده بإسناد حسن فقال: "إن الناس يقولون: أكثر أبوهريرة، والله لولا آيتان في كتاب الله ما حدثت حديثا، ثم تلا هاتين الآيتين" [٤] . قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ﴾ [٥] (البقرة:١٥٩) .

стр. 4448

فأقول أنا أيضا: والله لولا هذه الآيات الكريمات والأخرى في معناها، وكذا الأحاديث النبوية في هذا المعنى لما تعرضت لما كتبه الدكتور محمد العلوي في رسالته آنفة الذكر. وهذه الآيات نص صريح في وجوب بيان العلم، وعدم كتمانه عن الناس، خصوصا في هذه الأمور التي يلتبس فيها الحق بالباطل. ولقد ترك الرجلان - أعني الكوثري والدحلان - من المؤلفات التي أشرتم إليها بقولكم "سار بها الركبان وتحدث عنها الأعيان"وفيها من الكفر والإلحاد والشر والطعن في أئمة السنة النبوية ما لا يعلم ضررها إلا الله جل وعلا على الأمة الإسلامية وعلى جميع الناس. أردت أن أقول كلمة الحق التي أعلمها في حق هذين الرجلين اللذين أطلقت عليهما من الأوصاف البراقة، وهما في بعد بمكان وأنت على كل حال مأجور إن شاء الله تعالى إن كنت لا تعلم عن حالهما وحقيقتهما، وأنا سوف أضع أمامك وأمام من لا يعلم حالهما هذه الحقائق العلمية الثابتة ناقلا عن كتبهما ومؤلفاتهما التي مجدتموها ثم الرد عليها بما يناسب. ثم أنت حري أخي الفاضل الكريم بما أنعم الله تعالى عليك من مكانة علمية في حرمة المقدس في الظاهر بالرجوع إلى الحق، أو تثبت لنا أنهما رجعا عن تلك العقيدة الفاسدة التي كانا عليها، ودعيا لها. قال الشيخ محمد زاهد الكوثري في المقالات الكبرى التي أشرتم إليها في ترجمته قال: تحت عنوان "بدعة الصوتية حول القرآن"ثم قال: "والواقع أن القرآن في اللوح، وفي لسان جبريل ﵊، وفي لسان النبي ﷺ وألسنة سائر التالين، وقلوبهم، وألواحهم، مخلوق حادث محدث ضرورة، ومن ينكر ذلك يكون مسفسطا ساقطا من مرتبة الخطاب" [٦] ثم قال بعد كلام طويل: "وبهذا نتبين شهادة ابن تيمية في حق العلماء، وليس عنده سوى ألفاظ مرصوصة، لا إفادة تحتها في بحوثه الشاذة كلها. وغير المفيد لا يعد كلاما ولم يصح في نسبة الصوت إلى الله حديث" [٧] .

стр. 4449

قلت: حاصل كلام الكوثري أن هذا القرآن الكريم الذي بين أيدي المسلمين مهما كانت صفته فهو مخلوق عنده، وأنه لا يثق ببحوث شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. فإذا كانت بحوث شيخ الإسلام عليه رحمة الله شاذة في نظره ولذا لا أحب أن أنقل له من كلامه شيئا من كتبه ومؤلفاته التي سوف يأتي الوصف الدقيق عنها فيما بعد إن شاء الله تعالى، وإنما سأنقل له شفاء لمرضه ومرض أتباعه عن مؤلفات الأئمة من السلف الذين مضت بينهم وبين شيخ الإسلام ابن تيمية رحمهم الله تعالى جميعا مئات السنين. فمثلا هذا الإمام العلامة أبو سعيد عثمان بن سعيد الدارمي المتوفى ٢٨٠هـ والذي لا تخفى منزلته العلمية على أحد ممن ينتسب إلى العلم قال عنه الذهبي في تذكرة الحفاظ: "الحافظ، الإمام الحجة محدث هراة أو تلك البلاد، أخذ الحديث عن المديني ويحيى بن معين وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهوية، وأكثر الترحال في طلب الحديث" [٨] يقول في كتابه البارع الفذ الرد على الجهمية باب الاحتجاج للقرآن أنه غير مخلوق ثم قال رحمه الله تعالى: "فمن ذلك ما أخبر الله تعالى في كتابه عن زعيم هؤلاء الأكبر وإمامهم الأكفر الذي ادعى أولا أنه مخلوق وهو الوحيد، واسمه الوليد بن المغيرة، فأخبر الله تعالى عن الكافر ودعواه، وردها ووعده بالنار أن ادعى أن قول الله قول البشر وقوله ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ (المدثر:٢٥) وقول الجهمية هو مخلوق واحد لا فرق بينهما فبئس التابع وبئس المتبوع، وقال تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾ (المدثر:١١) إلى قوله: ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ (المدثر:٢٢-٢٦) "

стр. 4450

يعني أنه ليس بقول البشر كما ادعى الوليد، ولكنه قول الله تعالى، ثم ساق الأحاديث بأسانيدها، وهي نص صريح على أن القرآن هو كلام الله تعالى تكلم به جل وعلا حقا وحقيقة، ثم قال رحمه الله تعالى: "فهذا ينبئك أنه نفس كلام الله تعالى، وأنه غير مخلوق، لأن الله لم يخلق كلاما إلا على لسان مخلوق، فلو كان القرآن مخلوقا كما يزعم هؤلاء المعطلون لكان إذا من كلام المخلوقين" [٩] . وقال الحافظ الإمام أبو القاسم هبة الله بن الحسن بن منصور الطبري الرازي اللالكائي في كتابه البارع العظيم شرح السنن المتوفى في بدينور سنة ٤١٨هـ تحت عنوان سياق ما روي من المأثور عن السلف في جمل اعتقاد أهل السنة والتمسك بها والوصية لحفظها قرنا بعد قرن، ثم قال: "اعتقاد أبي عبد الله سفيان بن سعيد الثوري رضي الله تعالى عنه"، ثم قال رحمه الله تعالى: "أخبرنا محمد بن عبد الرحمن بن العباس [١٠] قال حدثنا أبو الفضل شعيب بن محمد بن الراجيان [١١] . قال حدثنا علي بن حرب الموصلي [١٢] بسر من رأى سنة سبع وخمسين ومائتين، قال: سمعت شعيب بن حرب [١٣] يقول: "قلت لأبي عبد الله سفيان بن سعيد الثوري [١٤] حدثني بحديث من السنة ينفعني الله ، فإذا وقفت بين يدي الله ﵎، وسألني عنه فقال لي من أين أخذت هذا؟ قلت: يا رب حدثني بهذا الحديث سفيان الثوري وأخذته عنه، فأنجو أنا وتؤخذ أنت. فقال لي: يا شعيب هذا توكيد وأي توكيد؟ اكتب بسم الله الرحمن الرحيم، القرآن كلام الله غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، من قال غير هذا فهو كافر، والإيمان قول وعمل ونية، يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية"؛ ثم ذكر بقية العقيد بتمامها [١٥] . نقل الإمام العلامة الذهبي في تذكرة الحفاظ هذا الكلام بنصه في ترجمة سفيان بن سعيد الثوري ثم قال: "وهذا ثابت عن سفيان كما قال الحافظ اللالكائي في كتاب السنة" [١٦] . وقال الإمام العلامة بقية السلف الصالح، إمام المحدثين
следующие страницы →